التي تقصر فيها تلك الأوقات أو تطول, والحُكْم يدور مع مناطه وجوداً وعدماً (١).
كما ورد في نصِّ القرار الصادر عن هيئة كبار العلماء في دورته الثانية عشرة بخصوص هذه المسألة أن "من كان يقيم في بلادٍ يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجرٍ وغروب شمسٍ، إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا" (٢).
وذلك لعموم الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً، ولم تُفَرِّق بين طول النهار وقِصَرِه، وطول الليل وقِصَرِه، ما دامت أوقات الصلوات متمايزةً بالعلامات التي بيَّنها رسول الله ﷺ (٣).
أما المناطق التي تقع مابين خطي عرض (٤٨) درجةً و (٦٦) درجةً شمالاً وجنوبًا، وتعدم فيها بعض العلامات الفلكية للأوقات في عددٍ من أيام السَّنَة، كأن لا يغيب الشفق الذي به يبتدئ وقت العشاء ,ويمتد آخر وقت المغرب حتى يتداخل مع الفجر, وكذا المناطق التي تقع فوق خط عرض (٦٦) درجةً شمالاً وجنوبًا إلى القطبين، وتنعدم فيها العلامات الظاهرية للأوقات في فترةٍ طويلة من السَّنَة نهارًا أو ليلاً , فإنه يُصار حينئذٍ إلى تحديد أوقات الصلوات فيها بناءً على العلامات الفلكية الظاهرة في أقرب البلدان إلى تلك المناطق؛ لأن تلك العلامات هي المعرِّفة لمناط الحُكْم وهو دخول الوقت , إما حقيقةً في حال وجودها كما في أغلب بلدان العالم, أو تقديراً في حال عدمها أو عدم بعضها كما في البلدان القطبية الشمالية والجنوبية, فيكون من باب إعطاء المعدوم حُكْم الموجود (٤).
стр. 457
قال ابن الهمام: "ولا يرتاب متأملٌ في ثبوت الفرق بين عدم محل الفرض وبين عدم سببه الجعلي الذي جُعِل علامةً على الوجوب الخفي الثابت في نفس الأمر، وجواز تعدُّد المُعَرِّفات للشيء، فانتفاء الوقت انتفاءٌ للمُعَرِّف، وانتفاء الدليل على الشيء لا يستلزم انتفاءه لجواز دليلٍ آخر , وقد وُجِد ,وهو ما تواطأت عليه أخبار الإسراء من فرض الله الصلاة خمسًا بعدما أمروا أولاً بخمسين، ثم استقر الأمر على الخمس شرعًا عامًّا لأهل الآفاق، لا تفصيل فيه بين أهل قُطْرٍ وقُطْر" (١).
ولما كانت الصلاة واجبةً على المكلَّف في كلِّ مكان , ولاتسقط عنه بحالٍ من الأحوال إلا إذا رُفِع عنه التكليف بها , فقد شمل وجوبها كلَّ مكلَّفٍ سواءً كان في البلدان التي تظهر فيها العلامات الفلكية الدالة على دخول الوقت , أوفي البلدان التي تعدم فيها بعض تلك العلامات أو كلها في بعض الأيام أو طيلة عدة أشهر.
وإذا تقرر وجوب الصلاة على المكلَّف بها في كلِّ مكانٍ فإنه يلزم تقدير وجود العلامات الفلكية للأوقات الشرعيَّة في البلدان التي تعدم فيها تلك العلامات أو بعضها.
ويؤيد القول بالتقدير أنه لما سَأَل الصحابةُ ﵃ النبيَّ ﷺ عن مدة لبث الدجال في الأرض , قال ﵊": أربعون يومًا، يومٌ كسنة، ويومٌ كشهر، ويومٌ كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فقيل: يا رسول الله، اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره" (٢).
ومعنى "اقدروا له قدره" أي: " أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كلَّ يومٍ فصلوا الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلوا العصر، فإذا مضى بعدها قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء والصبح، وهكذا إلى أن ينقضي ذلك
стр. 458
اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنةٍ كلها فرائض مؤداة في وقتها، وأما اليوم الثاني الذي كشهر والثالث الذي كجمعة فقياس اليوم الأول أن يُقدَّر لهما كاليوم الأول على ما ذكرناه" (١).
وتقدير وجود علامات الوقت بناءً على ظهور العلامات الفلكية في أقرب البلدان إلى تلك المناطق أولى من غيره؛ لأنه لما تعذَّر اعتبارها بنفسها اعتُبرت بأقرب الأماكن شبهاً بها مما يتمايز فيها الليل والنهار , وتظهر فيها العلامات الفلكية لأوقات الصلوات (٢).
قال النووي: "أما الساكنون بناحيةٍ تقصر لياليهم، ولا يغيب عنهم الشفق، فيصلون العشاء إذا مضى من الزمان قدر ما يغيب فيه الشفق في أقرب البلاد إليهم" (٣).
رابعاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام مراعاة أحوال المكلَّفين , وقد راعى مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي الأحوال التي تصحبها مشقةٌ تلحق بالمكلَّفين في البلدان التي تظهر فيها العلامات الفلكية ولكنها تتأخر , فنبَّه المجلس في قرارٍ توضيحي أصدره في الدورة التاسعة عشر وجاء فيه مانصُّه: " إذا كانت تظهر علامات أوقات الصلاة، لكن يتأخر غياب الشفق الذي يدخل به وقت صلاة العشاء كثيراً، فيرى المجمع وجوب أداء صلاة العشاء في وقتها المحدَّد شرعاً، لكن من كان يشُقُّ عليه الانتظار وأداؤها في وقتها - كالطلاب والموظفين والعُمَّال أيام أعمالهم - فله الجمع عملاً بالنصوص الواردة في رفع الحرج عن هذه الأمة؛ ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: جمع رسول الله - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطر، فسئل ابن عباس عن ذلك فقال: أراد ألا يحرج أمته: على ألا يكون
стр. 459
الجمع أصلاً لجميع الناس في تلك البلاد، طيلة هذه الفترة، لأن ذلك من شأنه تحويل رخصة الجمع إلى عزيمة، ويرى المجمع أنه يجوز الأخذ بالتقدير النسبي في هذه الحال من باب أولى" (١).
خامساً: ردَّ المجلسُ الاجتهادَ في تحقيق مناط المشقة في البلدان التي تظهر فيها العلامات الفلكية ولكنها تتأخر إلى مسلك العرف , حيث جاء في القرار مانصُّه: " وأما الضابط لهذه المشقة فمردُّه إلى العرف، وهو مما يختلف باختلاف الأشخاص والأماكن والأحوال" (٢).
والعرف من أهم مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط كما تقدم (٣).
стр. 460
المبحث الثالث
زكاة أسهم الشركات
السَّهم في اللغة هو: الحظُّ والنصيب (١).
وفي الاصطلاح: حصةٌ شائعةٌ في رأس مال شركةٍ مساهِمة (٢).
ويُطلَق السَّهم أيضاً على: الصك الذي يمثل نصيباً عينياً أو نقدياً لمالكه في رأس مال الشركة المساهِمة، ويكون قابلاً للتداول، أي: قابلاً للبيع والشراء (٣).
والشركة المساهِمة هي: الشركة التي يُقسَم رأسُ المال فيها إلى أجزاءٍ متساوية القيمة، وكلُّ جزءٍ منها يُسمَّى سهمًا، وتكون قابلةً للتداول، ولا يُسأل الشركاء عن خسائر الشركة إلا بمقدار الأسهم التي يملكونها (٤).
ومن أهم خصائص الأسهم: تساوي قيمة السَّهم في الشركة المساهِمة , وتساوى مسؤولية الشركاء , وقابلية السَّهم للتداول وعدم قابلية السَّهم للتجزئة , (٥).
وإذا كانت أسهم الشركات بهذه الخصائص: فهل تجب فيها الزكاة؟
стр. 461
وإذا وجبت الزكاة فيها: فهل تجب على الشركة أو على المساهِمين؟ وكيف يتمُّ حينئذٍ إخراج الزكاة في أسهم تلك الشركات؟
لقد بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الموضوع في دورته الرابعة , وأصدر قراراً بهذا الشأن ما نصُّه:
" أولاً: تجب زكاة الأسهم على أصحابها، وتخرجها إدارة الشركة نيابةً عنهم إذا نُصَّ في نظامها الأساسي على ذلك، أو صدر به قرارٌ من الجمعية العمومية، أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة، أو حصل تفويضٌ من صاحب الأسهم لإخراج إدارة الشركة زكاة أسهمه.
ثانياً: تُخْرِج إدارةُ الشركة زكاةَ الأسهم كما يُخْرِج الشخصُ الطبيعي زكاةَ أمواله، بمعنى أن تُعْتبَر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخصٍ واحد، وتفرض عليها
الزكاة بهذا الاعتبار من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي، وذلك أخذاً بمبدأ الخلطة عند من عمَّمَه من الفقهاء في جميع الأموال.
ويطرح نصيب الأسهم التي لا تجب فيها الزكاة، ومنها أسهم الخزانة العامة، وأسهم الوقف الخيري، وأسهم الجهات الخيرية، وكذلك أسهم غير المسلمين.
ثالثاً: إذا لم تزكِّ الشركة أموالها لأي سببٍ من الأسباب، فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم، فإذا استطاع المساهِم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكَّت الشركة أموالها على النحو المشار إليه، زكَّى أسهمه على هذا الاعتبار؛ لأنه الأصل في كيفية زكاة الأسهم.
وإن لم يستطع المساهِم معرفة ذلك: فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس بقصد التجارة؛ فإنه يزكيها زكاة المستغلات، وتمشياً مع ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية، فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما تجب الزكاة في الريع، وهي ربع العشر بعد
стр. 462
دوران الحول من يوم قبض الريع مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع.
وإن كان المساهِم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة، زكَّاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته وهي في مِلْكِه، زكَّى قيمتها السوقية، وإذا لم يكن لها سوقٌ، زكَّى قيمتها بتقويم أهل الخبرة، فيخرج ربع العشر ٢.٥% من تلك القيمة، ومن الربح إذا كان للأسهم ربح.
رابعاً: إذا باع المساهِم أسهمه في أثناء الحول ضمَّ ثمنها إلى ماله وزكَّاه معه عندما يجيء حول زكاته، أما المشتري فيزكي الأسهم التي اشتراها على النحو السابق" (١).
ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي:
أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط اعتبار مقاصد المكلَّفين , فاختلاف مقصود المكلَّف له أثرٌ في اختلاف الحُكْم , كما تقدم (٢).
وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الضابط في تحقيق مناط مايجب من الزكاة في الأسهم في حال قصد ريعها السنوي, وفي حال قصد المتاجرة بها في أسواق المال؛ لاختلاف الحُكْم في الحالتين بناءً على اختلاف قصد المكلَّف.
حيث جاء في القرار ما نصُّه: "فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس بقصد التجارة؛ فإنه يزكيها زكاة المستغلات. . . وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة، زكَّاها زكاة عروض التجارة.
ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط مراعاة اختلاف أحوال
стр. 463
المكلَّفين , فاختلاف أحوالهم التي تصاحب محل الحُكْم له أثرٌ كبيرٌ في اختلاف الأحكام التي تجري عليهم كماتقدم بيانه (١).
وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي هذا الضابط في تحقيق مناط مايجب من الزكاة في الأسهم إذا لم تخرج الشركة زكاة أموالها , وذلك في حال استطاعة المساهِم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخصّ أسهمه من الزكاة , أوفي حال عدم استطاعته معرفة ذلك؛ لاختلاف الحُكْم في الحالتين بناءً على الاستطاعة وعدمها.
حيث جاء في القرار ما نصُّه: "إذا لم تزك الشركة أموالها لأي سببٍ من الأسباب، فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم.
وإن لم يستطع المساهم معرفة ذلك:
فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس بقصد التجارة؛ فإنه يزكيها زكاة المستغلات .. ".
ثالثاً: النصُّ من أهم المسالك الدالة على مناط الحُكْم كما تقدم (٢) , وقد ثبت بالنصِّ أن مناط الحُكْم في وجوب زكاة الأموال غير النقدية هو ماكان يُعَدُّ للبيع والشراء بقصد الربح (٣).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
قال الجصَّاص: "عموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائر الأموال; لأن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ ينتظمها، وإن كان غير مكتَفٍ بنفسه في المقدار
стр. 464
الواجب فيها، فهو عمومٌ في أصناف الأموال , مُجمَلٌ في المقدار الواجب فيها، فهو مفتقرٌ إلى البيان , ولما ورد البيان من النبي ﷺ بذكر مقادير الواجبات فيها صحَّ الاحتجاج بعمومها في كلِّ مالٍ اختلفنا في إيجاب الحق فيه، نحو أموال التجارة" (١).
وقال ابن العربي: " قال علماؤنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧] يعني: التجارة: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يعني: النبات, وتحقيق هذا أن الاكتساب على قسمين: منها ما يكون من بطن الأرض وهو النباتات كلها، ومنها ما يكون من المحاولة على الأرض كالتجارة والنتاج, والمغاورة في بلاد العدو، والاصطياد, فأمرَ اللهُ تعالى الأغنياءَ من عباده بأن يؤتوا الفقراء مما آتاهم على الوجه الذي فعله رسول الله ﷺ " (٢).
وقال الفخر الرازي: "ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كلِّ مالٍ يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة التجارة، وزكاة الذهب والفضة، وزكاة النَّعم، لأن ذلك مما يوصف بأنه مُكتسَب" (٣).
وعن سمرة بن جندب (٤) ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نُعِدُّ للبيع (٥).
وقد استدلَّ العلماء بهذا الحديث على "أن المال الذي يُعَدُّ للتجارة إذا
стр. 465
بلغت قيمته نصاباً تجب فيه الزكاة من أي صنفٍ كان" (١).
وقوله: "للبيع" أي: للتجارة , وقد خُصّ بالذكر لأنه الأغلب , حيث إن أعمّ الأموال هي أموال التجارة (٢).
وعمومات الكتاب والسُّنَّة التي ورد فيها الأمر بزكاة المال لاتُفرِّق بين مالٍ ومال, إلا ماخُصَّ بدليل , فيشمل ذلك أموال التجارة وغيرها إلا ما كان للقُنية والانتفاع , حيث لاتجب فيها الزكاة (٣).
فثبت بنصِّ الكتاب والسُّنَّة أن مناط وجوب الزكاة في غير النقدين هو ما ماكان يُعِدُّه مالكُه للمتاجرة به قصد التربُّح منه.
بل إن المنذر حكى الإجماع على وجوب الزكاة في ذلك فقال: " وأجمعوا على أن في العروض التي تُدار للتجارة الزكاة إذا حال عليها الحول" (٤).
ولهذا نصَّ الشافعية (٥) والحنابلة (٦) على اشتراط قصد المتاجرة عند تملُّك العروض؛ لأن الأصل تملُّك العروض للقنية والانتفاع , فلايصار للتجارة إلا بنية التجارة مع استصحابها إلى تمام الحول.
وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط وجوب زكاة العروض في الأسهم المُتاجَر بها في الأسواق المالية , وهي تلك الحالة التي يقصد فيها مالك الأسهم التربُّح منها بالبيع والشراء , ولايقصد ريعها السنوي.
وبناءً على ذلك صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي في تلك الحالة بوجوب إخراج زكاة الأسهم باعتبارها من عروض التجارة؛ لأن مالكها قصد التربُّح منها بالمتاجرة فيها.
стр. 466
وقد ورد في القرار مانصُّه: " وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة، زكَّاها زكاة عروض التجارة ".
رابعاً: من مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط الاعتماد على قول أهل الخبرة فيما يحتاج إلى تقويمٍ وتقدير , كما تقدم في مسالك تحقيق المناط (١).
وقد ردَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي تقويم الأسهم المُعَدَّة للمتاجرة التي تجب فيها زكاة عروض التجارة إلى أهل الخبرة بقيم الأسهم في أسواق المال, وذلك في حال ما إذا لم يكن لتلك الأسهم سوقٌ يُرجَع إليه في قيمتها.
حيث جاء في القرار ما نصُّه: " وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة، زكَّاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه، زكَّى قيمتها السوقية، وإذا لم يكن لها سوقٌ زكَّى قيمتها بتقويم أهل الخبرة .. ".
خامساً: ثبت بالنصِّ أن الخلطة تؤثر في زكاة بهيمة الأنعام، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، فتجعل مالَ الرجلين أو أكثر كمالِ الرجل الواحد في الزكاة, سواءٌ كانت خلطة أعيان، وهي أن تكون الماشية مشتركةً بينهما، لكلِّ واحدٍ منهما نصيبٌ مشاع, أو خلطة أوصاف، وهي أن يكون مالُ كلِّ واحدٍ منهما مميزاً، فخلطاه، واشتركا في الأوصاف كالمسرح، والمبيت، والمحلب، والمشرب، والفحل (٢).
فإن اختلط جماعةٌ في خمسٍ من الإبل, أو ثلاثين من البقر، أو أربعين من الغنم، وكان مسرحهم، ومبيتهم، ومحلبهم، ومشربهم , وفحلهم, واحداً أُخِذت منهم الزكاة، وتراجعوا فيما بينهم بالحِصص (٣).
стр. 467
قال ﷺ : «لا يُجْمَع بين متفرق، ولا يُفْرَّق بين مُجْتَمع، خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» (١).
ومعناه: أن يكون النفر الثلاثة لكلِّ واحدٍ منهم -مثلاً- أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلهم فيها إلا شاةٌ واحدة , أو يكون للخليطين مائتا شاةٍ وشاتان ,فيكون عليهما فيها ثلاث شياه, فيفرقونها حتى لا يكون على كلِّ واحدٍ إلا شاةٌ واحدة (٢).
و" هو خطابٌ لربِّ المال من جهة , وللساعي من جهة , فأمَرَ كلَّ واحدٍ منهم أن لا يُحدِث شيئاً من الجمع والتفريق خشية الصدقة , فربُّ المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع , أو يفرِّق لتَقِلّ , والساعي يخشى أن تَقِلَّ الصدقة فيجمع , أو يفرِّق لتكثر " (٣).
ومعنى قوله: "يتراجعان بينهما بالسوية": أن يكون بين رجلين أربعون شاةً, لكلِّ واحدٍ منهما عشرون , وقد عَرَفَ كلُّ واحدٍ منهما عينَ مالِه , فيأخذ المُصَّدِّق من نصيب أحدهما شاةً, فيرجِع المأخوذُ من مالِه على شريكه بقيمة نصف شاة (٤).
وقد ذهب الشافعية إلى تعميم زكاة الخلطة في السائمة وفي غيرها مما تجب فيه الزكاة , كالزروع والثمار , وعروض التجارة , والنقدين, وذلك لعموم الحديث (٥).
وبناء على ذلك اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط زكاة المال المختلط في أموال شركة المساهمة, وذلك باعتبار أنه مالٌ مختلط تعدَّدَ مُلاّكُه , فيُعامَل معاملة المال الواحد في وجوب الزكاة إذا بلغ النصاب مجتمعاً كالماشية.
стр. 468
حيث جاء في القرار ما نصُّه: " تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله، بمعنى أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخصٍ واحد، وتُفرَض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي، وذلك أخذاً بمبدأ الخلطة عند من عمَّمَه من الفقهاء في جميع الأموال".
стр. 469
المبحث الرابع
استخدام الحقن العلاجية أثناء الصيام
الحقن العلاجية على ثلاثة أنواع: (١)
النوع الأول: الحقن الجلدية .
وهي التي تُعطى للمريض تحت الجلد , مثل: حقن الإنسولين التي تُعطَى في حالات زيادة السُّكر في الدم , وحقن الجلوكاجون التي تُعطَى في حالات نقصان السُّكر في الدم.
النوع الثاني: الحقن العضلية .
وهي التي تُعطَى للمريض في العَضَل , كاللقاحات المختلفة، والمسكِّنات، وخافضات الحرارة، وحقن الحساسية التي تزيد من مناعة المريض تجاه مثيرات الحساسية.
النوع الثالث: الحقن الوريدية .
وهي التي تُعطى للمريض من خلال الوريد , وهي تعتبر من أفضل الطرق لإيصال جرعاتٍ محددةٍ من المواد الغذائية أو الأدوية بسرعة، وبطريقةٍ منظمةٍ إلى أنحاء الجسم، كما أنها أقلُّ إيلاماً للمريض في حالة إعطائه أدويةً مهيِّجة.
والحقن الوريدية نوعان:
١ - الحقن الوريدية غير المغذية: كالصبغة الخاصة التي يُحقَن بها
стр. 470
المريض لعمل الأشعّات المختلفة , وذلك لإعطاء صورٍ أكثر وضوحاً، حيث تُحقَن الصبغة في وريدٍ صغيرٍ في اليد أو الذراع، ثم يتمّ تشغيل الجهاز والتقاط الصور المطلوبة.
٢ - الحقن الوريدية المغذية: وهي محاليل مُعَقَمَةٌ تحتوي على بعض المواد الغذائية اللازمة كالسكاكر والأملاح، تُحقَن عبر أنبوبٍ موصلٍ بإبرةٍ تُولَج في الوريد , وتُعطَى للمرضى الذين لا يستطيعون الحصول على حاجتهم من المواد الغذائية , أو المرضى الذين لا يستطيعون تناول الطعام ألبتة بسب مرضٍ أو حادثٍ أو عمليةٍ جراحية، أو بسبب الجفاف الناتج عن ضربات الشمس.
فهذه الحقن العلاجية بأنواعها المختلفة: هل يجوز استخدامها أثناء الصيام أم تعتبر مُفسِدةً للصوم؟
لقد بحث مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذه المسألة ضمن المُفَطِّرات في مجال التداوي , وأصدر قراراً مفصَّلاً فيها , وذلك في دورته العاشرة المنعقدة في جدة خلال الفترة من ٢٣ - ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ ٢٨ يونيو - ٣ يوليو ١٩٩٧ م.
وقد جاء في سياق قرار مجمع الفقه الإسلامي ذكر الأمور التي لا تعتبر من المفطرات وهي:
" (٨ - الحُقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية ".
كما سُئِلَت اللجنة الدائمة للإفتاء عن حُكْم التداوي بالحقن في نهار رمضان سواءٌ كانت للتغذية أم التداوي؟
فأجابت: "يجوز التداوي بالحقن في العَضَل والوريد للصائم في نهار رمضان، ولا يجور للصائم تعاطي حقن التغذية في نهار رمضان. . . وإن تيسر تعاطي الحقن في العضل والوريد ليلاً فهو أولى" (١).
стр. 471
ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي:
أولاً: ثبت بالنصِّ والإجماع أن الأكل والشرب مفسدان للصيام , وعلى الصائم أن يمتنع عنهما من طلوع الفجر الصادق- وهو الضياء المعترِض في الأفق-إلى غروب الشمس (١).
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله : « .. إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به , يَدَعُ طعامه وشهوته من أجلي» (٢).
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مناط التفطير بالأكل والشرب هو كلُّ ماوصل إلى الجوف أو الحلق أو الدماغ , سواءٌ كان ممايتغذَّى به البدن أو لايتغذى به, وسواءٌ كان من منفذٍ معتادٍ لوصول الطعام والشراب إلى الجوف أو من منفذٍ غير معتاد , مع اختلافٍ بينهم في بعض المسائل كالاكتحال والاحتقان والسُّعوط والتقطير في الأذن ونحو ذلك (٣).
قال الكاساني (٤): "وما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ عن المخارق الأصلية، كالأنف، والأذن، والدُّبُر، بأن استَعَطَّ أو احتقن أو أقطَرَ في أذنه فوصل إلى الجوف أو إلى الدماغ فسد صومه, أما إذا وصل إلى الجوف فلا شك فيه لوجود الأكل من حيث الصورة , وكذا إذا وصل إلى الدماغ؛ لأن له
стр. 472
منفذاً إلى الجوف، فكان بمنزلة زاوية من زوايا الجوف .. " (١).
وقال ابن قدامة: "فيُفطِر بكلِّ ما أدخله إلى جوفه أو مجوَّفٍ في جسده، كدماغه وحلقه ونحو ذلك، مما ينفذ إلى معدته إذا وصل باختياره، وكان مما يمكن التحرُّز منه، سواءٌ وصل من الفمّ على العادة، أو غير العادة كالوجور واللدود، أو من الأنف كالسُّعوط، أو ما يدخل في الأذن إلى الدماغ، أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل، أو ما يدخل إلى الجوف من الدُّبُر بالحقنة، أو ما يصل من مداواة الجائفة إلى جوفه، أو من دواء المأمومة إلى دماغه، فهذا كله يُفَطِّرُه؛ لأنه واصلٌ إلى جوفه باختياره فأشبه الأكل، وكذلك لو جرح نفسَه أو جرحه غيرُه باختياره فوصل إلى جوفه، سواءٌ استقر في جوفه أو عاد فخرج منه" (٢).
وقال الرافعي (٣): "من اسباب الفطر دخول الشئ جوفَه , وقد ضبطوا الداخل الذى يُفَطِّر بالعين الواصل من الظاهر إلى الباطن في منفذٍ مفتوحٍ عن قصدٍ مع ذكر الصوم" (٤).
وقال القرافي عند بيانه حقيقة الصوم: " وهي: الإمساك عن دخول كلِّ ما يمكن الاحتراز منه غالباً من المنافذ المحسوسة كالفمّ والأنف والأذن إلى المعدة." (٥).
والتحقيق أن أدلة الكتاب والسُّنَّة الواردة في ذلك إنما تدلُّ على فساد الصوم بالأكل أوالشرب , فيُلحَق بهما مافي معناهما مما يتغذَّى به البدن ويتقوَّى , وماسوى ذلك لايُطلَق عليه أكل ولاشربٌ , وليس هو في معناهما لاعرفاً ولا لغةً؛ وذلك لأن المنطوق به هو المغذِّي , فلايقاس عليه غير المغذِّي.
قال ابن حزم: "إنما نهانا الله تعالى في الصوم عن الأكل، والشرب،
стр. 473
والجماع, وتعمُّد القيء , والمعاصي، وما علمنا أكلاً، ولا شربًا يكون على دُبُرٍ أو إحليلٍ أو أُذُنٍ أو عينٍ أو أنفٍ، أو من جرحٍ في البطن، أو الرأس! ! وما نُهينا قط عن أن توصل إلى الجوف - بغير الأكل والشرب - ما لم يحرم علينا إيصاله" (١).
وقال ابن تيمية: "وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم , فمنهم من لم يُفَطِّر بشيءٍ من ذلك , ومنهم من فَطَّر بالجميع لا بالكحل , ومنهم من فَطَّر بالجميع لا بالتقطير , ومنهم من لم يُفَطِّر بالكحل ولا بالتقطير , ويُفَطِّر بما سوى ذلك , والأظهر أنه لا يفطر بشيءٍ من ذلك. . . " (٢).
ثم ساق عدة أوجهٍ تؤيد ذلك من أهمها:
١ - إن إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحاً , وذلك إما قياس عِلَّةٍ بإثبات الجامع , وإما بإلغاء الفارق , فإما أن يدل دليلٌ على العِلَّة في الأصل فيُعدَّى بها إلى الفرع , وإما أن يُعلَم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المُعْتَبرة في الشرع , وهذا القياس هنا منتفٍ, وذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المُفَطِّر الذي جعله الله ورسوله مُفَطِّراً هو ما كان واصلاً إلى دماغٍ أو بدنٍ أو ما كان داخلاً من منفذٍ أو واصلاً إلى الجوف, ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحُكْم عند الله ورسوله ﷺ , ويقولون إن الله ورسوله ﷺ إنما جعلا الطعام والشراب مُفَطِّراً لهذا المعنى المشترك من الطعام والشراب , ومما يصل إلى الدماغ والجوف من دواء المأمومة والجائفة , وما يصل إلى الجوف من الكحل ومن الحقنة والتقطير في الإحليل ونحو ذلك, وإذا لم يكن على تعليق الله ورسوله للحُكْم بهذا الوصف دليلٌ كان قول القائل: إن الله ورسوله إنما جعلا هذا مُفَطِّراً لهذا قولاً بلا علم , وكان قوله: " إن الله حرَّم على الصائم أن يفعل هذا " قولاً بأن
стр. 474
هذا حلالٌ وهذا حرامٌ بلا علم , وذلك يتضمن القول على الله بما لا يعلم , وهذا لا يجوز, ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحُكْم فهو بمنزلة من اعتقد صحة مذهب لم يكن صحيحاً , أو دلالةَ لفظٍ على معنىً لم يُرِده الرسول , وهذا اجتهادٌ يثابون عليه , ولا يلزم أن يكون قولاً بحُجَّةٍ شرعيَّةٍ يجب على المسلم اتباعها (١).
٢ - إن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على عِلَّة الحُكْم إذا سبرنا أوصاف الأصل فلم يكن فيها ما يصلح للعِلَّة إلا الوصف المعين , وحيث أثبتنا عِلَّة الأصل بالمناسبة أو الدوران فلا بد من السَّبر, فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يجز أن يقول الحُكْم بهذا دون هذا , ومعلومٌ أن النصَّ والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب, والجماع , والحيض , والنبي ﷺ قد نهى المتوضِئ عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائماً , وقياسهم على الاستنشاق أقوى حججهم كما تقدم , وهو قياسٌ ضعيف , وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه , فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفَمِه , ويغذِّي بدَنَه من ذلك الماء, ويزول العطش , ويطبخ الطعام في معدته كما يحصل بشرب الماء , فلو لم يَرِد النصُّ بذلك لعُلِم بالعقل أن هذا من جنس الشرب , فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم , وذلك غير معتبر , بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر , فليس هو مُفَطِراً ولا جزءاً من المُفَطِر؛ لعدم تأثيره , بل هو طريقٌ إلى الفِطر , وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة؛ فإن الكحل لا يغذِّي ألبتة , ولا يُدخِل أحدٌ كحلاً إلى جوفه لا من أنفه ولا فمه ,كذلك الحقنة لا تغذِّي بل تستفرغ ما في البدن , كما لو شمَّ شيئاً من المُسَهِلات , أو فزع فزعاً أوجب استطلاق جوفه , وهي لا تصل إلى المعدة , والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه. . . فالصائم نُهِيَ عن الأكل والشرب لأن ذلك سبب التقوي , فترك الأكل والشرب الذي يولِّد الدم الكثير
стр. 475
الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء , لا عن حقنةٍ , ولا كحلٍ , ولا ما يقطر في الذَّكَر , ولا ما يداوي به المأمومة والجائفة , وهو متولِّدٌ عما استُنشِق من الماء؛ لأن الماء مما يتولَّد منه الدم , فكان المنع منه من تمام الصوم , فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودةً في الأصل الثابت بالنصِّ والإجماع فدعواهم أن الشارع علَّق الحُكْم بما ذكروه من الأوصاف معارَضٌ بهذه الأوصاف , والمعارضة تبطل كلَّ نوعٍ من الأقيسة إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العِلَّة دون هذا (١).
وبهذا يكون مناط فساد الصوم في ذلك هو: الأكل أو الشرب أو مافي معناهما مما يصل إلى المعدة أو الدم , ويتغذَّى به البدن ويتقوَّى.
وبناءً على ذلك فقد اجتهد مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في تحقيق مناط فساد الصوم بالأكل والشرب ومافي معناهما في الحقن الوريدية المغذِّية دون الحقن الجلدية والعضلية والوريدية غير المغذية, وذلك لأنها تُغذِّي البدن وتقوِّيه , فتقوم مقام الأكل والشرب.
حيث جاء في القرار مانصُّه: " أولاً: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات .. "
ثم ذُكِر من ضمنها: " ٨ - الحُقن العلاجية: الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية ".
كما ورد تعليل الحُكْم بذلك صريحاً في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء , حيث جاء في الفتوى مانصُّه: " يجوز التداوي بالحقن في العضل والوريد للصائم في نهار رمضان، ولا يجوز للصائم تعاطي حقن التغذية في نهار رمضان؛ لأنه في حُكْم تناول الطعام والشراب .. " (٢).
ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط التصوُّر الصحيح التام للواقعة , ومعرفة حقيقتها , كما تقدم (٣).
стр. 476
وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الضابط في تحقيق مناط مايفسد الصوم من الأكل والشرب ومافي معناهما في الحقن الوريدية المغذية دون غيرها , وذلك بالاطلاع على الأبحاث والدراسات الطبية , والاستماع إلى مناقشات الأطباء بشأن أنواع الحقن العلاجية ,وبيان حقيقتها, وصفاتها , ووظائفها, وذلك بحسب استخداماتها في التداوي.
حيث جاء في القرار مانصُّه: " إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من ٢٣ - ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ الموافق ٢٨ حزيران (يونيو) - ٣ تموز (يوليو) ١٩٩٧ م، بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع المفطرات في مجال التداوي، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع وجهات أخرى، في الدار البيضاء بالمملكة المغربية في الفترة من ٩ - ١٢ صفر ١٤١٨ هـ الموافق ١٤ - ١٧ حزيران (يونيو) ١٩٩٧ م، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء، والنظر في الأدلة من الكتاب والسنة، وفي كلام الفقهاء، قرر ما يلي: أولاً: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات: . . . . " وذكر ضمنها: " ٨ - الحُقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية ".
ولاريب أن الرجوع المباشر إلى الأطباء في توصيف الحقن العلاجية , وبيان وظائفها , ومناقشة الفقهاء لهم في ذلك , من أهم مدارك التصور الصحيح التام لها, ومعرفة حقيقتها , ومايترتب عليها.
كما أن استناد مجمع الفقه الإسلامي في ذلك إلى الدراسات والأبحاث الصادرة عن مؤسسةٍ علميةٍ مختصَّةٍ مثل المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية يُعْتَبر من أوثق مدارك التصوُّر الصحيح التام لمثل تلك الأمور؛ لأن الجهود العلمية المؤسسية غالباً ما يتوافر فيها من الخبرات والمَلَكَات المتنوعة مالايتوافر في الأفراد إذا كانوا مُتَفَرَّقين.
стр. 477
المبحث الخامس
الإحرام بالحج أو العمرة للقادمين جواً بالطائرة
الإحرام لغةً هو: الدخول في الحرمة، يُقال: أحرَمَ الرجلُ إذا دخل في حُرْمَة عهدٍ أو ميثاق , فيمتنِع عليه ما كان حلالاً له (١).
واصطلاحاً هو: نية الدخول في النُّسُك , من حجٍّ أو عمرة، أو هما معاً (٢).
وقد حدَّد الرسول ﷺ مواقيت مكانيةٍ مخصوصةٍ لمن أراد أن يُحْرِم بالحج أو العمرة أو بهما معاً , لايجوز لأحدٍ أن يتعدَّاها حتى يُحْرِم منها.
فعن ابن عباسٍ (٣) ﵄: «أن النبي ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرناً، فهنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنّ، من غير أهلهنّ ممن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهنَّ فمن أهلِه , حتى إن أهل مكة يُهِلُّون منها» (٤).
وبناءً على هذا النصِّ الصريح فإنه يجب على كلِّ من أراد أن يُحْرِم بالحج أو العمرة أو بهما معاً أن يُحْرِم من هذه المواقيت المخصوصة إذا أتى عليها طريقُه , أمإذا لم يكن طريقُه يمرُّ بأحد تلك المواقيت فإنه يُحْرِم بمحاذاة أقرب ميقاتٍ من طريقه الذي يسلكه إلى مكة. (٥).
стр. 478
وذلك لِما ثبت عن ابن عمر (١) ﵄، حيث قال: لما فتح هذان المصران- أي: البصرة والكوفة- أتوا عمرَ، فقالوا: يا أمير المؤمنين، «إن رسول الله ﷺ حدَّ لأهل نجد قرناً»، وهو جورٌ عن طريقنا، وإنَّا إن أردنا قرناً شقَّ علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عِرق (٢).
وإذا ثبت هذا الحُكْم في حقِّ من مرَّ على الميقات أو حاذاه عن طريق البَرِّ: فهل يشمل هذا الحُكْم القادمين جواً بالطائرة ممن أراد الحج أو العمرة؟ وإذا كان يشملهم: فكيف يمكن معرفة نقطة المحاذاة لأقرب ميقاتٍ أثناء سير الطائرة في الجو؟ وكيف يكون الإحرام في الطائرة مع شدة سرعتها أثناء مرورها بنقطة المحاذاة؟
لقد بحث مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذه المسألة في دورته الثالثة بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ - ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ، الموافق ١١ - ١٦ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٨٦ م، وبعد اطلاعه على البحوث المقدمة بخصوص موضوع الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة قرر ما يأتي:
"المواقيت المكانية التي حددتها السُّنَّة النبوية يجب الإحرام منها لمريد الحج أو العمرة للمارِّ عليها أو للمحاذي لها أرضاً أو جواً أو بحراً. . . ".
كما بحث -أيضاً- مجلسُ المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي موضوعَ الإحرام من جدة , وما يعترض الحجاج القادمين عن طريق البحر والجو بخصوص الإحرام من المواقيت المخصوصة , وذلك في دورته الخامسة المنعقدة (من ٨ - ١٦/ ٤/ ١٤٠٢ هـ الموافق ٤/ ٢/ ١٩٨٢ م) ,وبعد التدارس واستعراض النصوص الشرعيَّة الواردة في ذلك أصدر المجلس قراراً فقهياً وَرَدَ فيه ما نصُّه:
стр. 479
" إن المواقيت التي وقَّتها النبيُّ ﷺ , وأوجبَ الإحرامَ منها على أهلها , وعلى من مَرَّ عليها من غيرهم ممن يريد الحج والعمرة , وهي: ... ذو الحليفة لأهل المدينة ,ومن مَرَّ عليها من غيرهم , وتُسَمَّى حالياً (أبيار علي) , والجحفة وهي لأهل الشام ومصر والمغرب ,ومن مَرَّ عليها من غيرهم, وتُسَمَّى حالياً (رابغ) , وقرن المنازل وهي لأهل نجد , ومن مَرَّ عليها من غيرهم , وتُسَمَّى حالياً (وادي مَحرَم) , وتُسَمَّى أيضاً (السيل) , وذات عِرق لأهل العراق وخراسان , ومن مَرَّ عليها من غيرهم, وتُسَمَّى (الضريبة) , ويلملم لأهل اليمن , ومن مَرَّ عليها من غيرهم.
وقرر أن الواجب عليهم أن يُحرِموا إذا حاذوا أقربَ ميقاتٍ إليهم من هذه المواقيت الخمسة جواً أو بحراً، فإن اشتبه عليهم ذلك ولم يجدوا معهم من يرشدهم إلى المحاذاة وجب عليهم أن يحتاطوا، وأن يحرموا قبل ذلك بوقتٍ يعتقدون أو يغلب على ظنهم أنهم أحرموا قبل المحاذاة. . . " (١).
كما إن اللجنة الدائمة للإفتاء قد أصدرت فتوى فيمن أراد أن يُحْرِم بالحج أو العمرة وهو في الطائرة، ولا يعرف الميقات أثناء سير الطائرة , وقد جاء في الفتوى مانصُّه: "إذا أراد الحج والعمرة وهو في الطائرة فله أن يغتسل في بيته، ويلبس الإزار والرداء إن شاء، وإذا بقي على الميقات شيءٌ قليلٌ أحرم بما يريد من حجٍّ أو عمرة، وليس في ذلك مشقة، وإذا كان لايعرف الميقات فإنه يسأل قائد الطائرة، أو أحد المساعدين له، أو أحد المضيفين، أو الركاب ممن يثق به من أهل الخبرة بذلك " (٢).
ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي:
أولاً: ثبت بالنصِّ كما تقدَّم أن مناط وجوب الإحرام من المواقيت
стр. 480
المخصوصة شرعاً هو المرور بها أو بمحاذاتها مع قصد الحج أو العمرة (١).
وقد اجتهد مجمع الفقه الإسلامي, والمجمع الفقهي الإسلامي , واللجنة الدائمة للإفتاء, في تحقيق مناط وجوب الإحرام من المواقيت المخصوصة في حالة المرور الجوي بتلك المواقيت أو بمحاذاتها مع قصد الحج أو العمرة؛ وذلك باعتبار أن من مَرَّ على سماء القرية أو المدينة فقد أتى عليها , فيكون من مَرَّ بسماء الميقات أو بمحاذاته فقد أتى على الميقات أو حاذاه (٢).
كما إن قوله ﷺ : " .. فهُنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنّ، من غير أهلهنّ ممن كان يريد الحج والعمرة .. " (٣) لفظٌ عام يشمل المرورَ الأرضي بالميقات, والمرورَ الجوي بسماء الميقات , ولافرق بين سماء الميقات وأرضه في الحكم، ومَن ادعى الفرق فعليه أن يأتي بالدليل، ولا دليل (٤).
وقد نصَّ مجمع الفقه الإسلامي في قراره على دخول هذه الصورة الحادثة في عموم الأحاديث الواردة في المسألة حيث جاء في القرار ما نصُّه: " المواقيت المكانية التي حددتها السُّنَّة النبوية يجب الإحرام منها لمريد الحج أو العمرة للمارِّ عليها أو للمحاذي لها أرضاً أو جواً أو بحراً؛ لعموم الأمر بالإحرام منها في الأحاديث النبوية الشريفة".
ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط مراعاة اختلاف أحوال المكلَّفين كما تقدَّم (٥) , ومن صور ذلك مراعاة المشقة التي قد تلحقهم في تلك الأحوال , ومراعاة اختلاف أحوالهم في مايمكن التحقُّق منه, ومالايمكن ,وما يُشتَبَهُ فيه.
وقد راعى مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا
стр. 481
الضابط في تحقيق مناط وجوب الإحرام من المواقيت المخصوصة أثناء المرور الجوي بتلك المواقيت أو بمحاذاتها مع قصد الحج أو العمرة, وذلك في حالة من اشتبه عليه العلم بموضع المحاذاة أثناء سير الطائرة في الجو , ولم يجد من يرشده إلى ذلك , ومراعاة حالة سرعة الطائرة أثناء مرورها بالميقات أو بمحاذاته , وعدم التمكُّن من إيقاع الإحرام في لحظة المرور الجوي بالميقات أو بمحاذاته؛ لسرعتها الشديدة.
حيث جاء في القرار ما نصُّه: ". . . الواجب عليهم أن يُحْرِموا إذا حاذوا أقربَ ميقاتٍ إليهم من هذه المواقيت الخمسة جواً أو بحراً، فإن اشتبه عليهم ذلك ولم يجدوا معهم من يرشدهم إلى المحاذاة وجب عليهم أن يحتاطوا وأن يُحْرِموا قبل ذلك بوقتٍ يعتقدون أو يغلب على ظنهم أنهم أحرموا قبل المحاذاة؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائزٌ مع الكراهة، ومنعقد، ومع التحري والاحتياط، خوفاً من تجاوز الميقات بغير إحرامٍ فتزول الكراهة؛ لأنه لا كراهة في أداء الواجب ... ولأن الله سبحانه أوجب على عباده أن يتقوه ما استطاعوا، وهذا هو المستطاع في حقِّ من لم يَمُرّ على نفس الميقات .. " (١).
فمن اشتبه عليه موضع المحاذاة ممن يقصد الحج أو العمرة أثناء سير الطائرة جواً , ولم يحصل تنبيهٌ من قيادة الطائرة بالاقتراب من موضع المحاذاة , ولم يجد من يرشده إلى معرفة ذلك, فإنه يجتهد بحسب وسعه في تقدير المحاذاة , ويحتاط بأن يُحْرِم في موضعٍ يعتقد أو يغلب على ظنِّه أنه عَقَدَ إحرامَه فيه قبل المحاذاة.
أما من تبين له موضع محاذاة الميقات بتنبيهٍ من قيادة الطائرة , أو بمعرفة أهل الخبرة , فإنه يلزمه أن يُحرِم قبل الوصول إليه بزمنٍ يسير , مع تقدير سرعة الطائرة؛ حتى لايقع إحرامه بعد تجاوز الميقات.
حيث جاء في فتوى اللجنة الدائمة بشأن هذه المسألة ما نصُّه: "إذا أراد الحج والعمرة وهو في الطائرة فله أن يغتسل في بيته، ويلبس الإزار والرداء إن شاء، وإذا بقي على الميقات شيءٌ قليل أحْرَمَ بما يريد من حجٍّ أو عمرة، وليس في
стр. 482
ذلك مشقة، وإذا كان لا يعرف الميقات فإنه يسأل قائد الطائرة، أو أحد المساعدين له، أو أحد المضيفين، أو الركاب ممن يثق به من أهل الخبرة بذلك " (١).
وهذا كلُّه من صور مراعاة اختلاف أحوال المكلَّفين أثناء تحقق مناطات الأحكام على تلك الأحوال المختلفة.
ثالثاً: من مسالك تحقيق المناط الرجوعُ إلى أهل الخبرة فيما تَعتمِد معرفتُه على معرفتهم به كما تقدَّم (٢).
وقد نصَّت اللجنة الدائمة للإفتاء على إرجاع العلم بموضع المحاذاة للميقات أثناء سير الطائرة جواً لأهل الخبرة والاختصاص كقائد الطائرة ومساعديه ومن لديه معرفةٌ بذلك , فإذا بيَّنوا ذلك لزم العمل بقولهم في تحقيق مناط وجوب الإحرام قبل الوصول إلى ذلك الموضع بزمنٍ يسير.
حيث جاء في فتوى اللجنة الدائمة ما نصُّه: " .. وإذا كان لا يعرف الميقات فإنه يسأل قائد الطائرة، أو أحد المساعدين له، أو أحد المضيفين، أو الركاب ممن يثق به من أهل الخبرة بذلك " (٣).
كما أصدر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراراً ينصُّ على تكليف الأمانة العامة للرابطة " بالكتابة إلى شركات الطيران والبواخر بتنبيه الركاب قبل القرب من الميقات بأنهم سيمرُّون على الميقات قبل مسافةٍ ممكنة" (٤).
وذلك باعتبار أن قائد الطائرة ومساعديه هم الذين يستطيعون معرفة ذلك بدقةٍ عالية ,فهم أهل الخبرة الذين يُعتَمَد على قولهم في ذلك.
فإذا تم تنبيه الركاب في الطائرة قبل القرب من الميقات أو موضعِ محاذاته بمسافةٍ يسيرة تُمَكِّنُهم من الإحرام قبل تجاوز الميقات فإنه حينئذٍ يلزم العمل بمقتضى ذلك التنبيه؛ لأنه صادرٌ عن أهل الخبرة به , وهو من الاجتهاد في تحقيق المناط استناداً على قول أهل الخبرة فيما يتوقف تقديره أو معرفته عليهم.
стр. 483
المبحث السادس
المتاجرة بالهامش في الأسواق المالية (١)
المتاجرة لغةً: مصدر من الفعل تَجَرَ يتْجُرُ تَجْرَاً وتِجارةً, والتِّجارة هي: البيع والشراء , والتاجِر: هو الذي يبيع ويشتري , وجمعه: تُجَّار , وتجْرٌ مثل: صاحب وصحْب (٢).
أما في الاصطلاح فالتِّجارة هي: تقليب المال بالتصرُّف فيه لغرض الرِّبح (٣).
والهامش في اللغة: قال ابن فارس: " الهاء والميم والشين: أصلٌ يدل على سرعة عملٍ أو كلام, يقولون: الهمش: السريع العمل بأصابعه, وامرأةٌ همشى الحديث، إذا تسرَّعت فيه" (٤).
ويُطلَق الهامش على: حاشية الكتاب, يقال: كتب على هامشه، وعلى الهامش، وهو مُوَلَّدٌ ليس من أصل كلام العرب (٥).
أما الهامش في اصطلاح الأسواق المالية فهو: المال الذي يضعه العميل
стр. 484
لدى البنك أو السمسار على وجه التوثيق يتوقف عليه التمويل والمتاجرة (١).
وهذا المال قد يكون نقوداً , أو أوراقاً مالية ,كالأسهم والسندات.
ومعنى " يتوقف عليه التمويل والمتاجرة": أي أن التمويل يكون منسوباً إلى الهامش بنسبةٍ معينة, كأن يكون مثلَه أو ضِعْفَه أو غير ذلك ,كما إن المتاجرة في الأسواق المالية تكون متوقفةً على نسبةٍ من الهامش, حيث يمنع البنك أو السمسار عميله في الاستمرار بالمتاجرة عند نزولها, ويقوم بالبيع نيابةً عنه عند امتناعه (٢).
والمتاجرة بالهامش تعني: دفع المشتري -العميل- جزءاً يسيراً من قيمة ما يرغب شراءَه ويُسَمَّى هامشاً، ثم يقوم الوسيط -مصرفاً أو غيره- بدفع الباقي على سبيل القرض، على أن تبقى العقود المشتراة لدى الوسيط، رهناً بمبلغ القرض (٣).
ومن أهم الشروط التي يفرضها الوسيط لإتمام هذه المعاملة مايأتي (٤):
١ - أن يقوم العميل بفتح حسابٍ لدى البنك أو بيت السمسرة يُسمَّى حساب الهامش.
٢ - أن يقوم العميل بإيداع جزءٍ من قيمة العقد المراد شراؤه بحسب نوعه: عقد شراء وبيع العملات , أو عقد سبائك , أو عقد أسهم, أو غير ذلك.
стр. 485
٣ - أن يكون البيع والشراء عن طريق البنك أو الوسيط , مع احتساب عمولات البيع والشراء , وفي بعض العقود تحتسب عمولات البيع فقط.
٤ - أن تكون العقود المشتراه رهناً لدى البنك أو السمسار حتى يتم البيع أو تصفية الحسابات.
٥ - أن يتعهد العميل بإكمال الفرق الذي يطرأ على الهامش الابتدائي فيتسبب في انخفاضه عن الحدِّ المشروط.
٦ - منح البنك أو الوسيط حقَّ بيع العقد وتصفية العملية في حال انخفاض الهامش الابتدائي ,وعدم قيام العميل بتغطية هذا الانخفاض.
٧ - تشترِط كثيرٌ من البنوك وشركات الوساطة دفعَ فوائد على القرض الممنوح للعميل.
٨ - تشترِط كثيرٌ من البنوك وشركات الوساطة دفعَ رسومٍ على تبييت العقود في حال عدم بيع العقد في نفس يوم الشراء , فتأخذ عن كلِّ ليلةٍ يبيتها العقد قبل بيعه عمولةً معينة.
فإذا كانت المتاجرة بالهامش تجري غالباً بهذا التصُّور فما الحُكْم الشرعي في التعامل بها؟
لقد بحث مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذه المعاملة كما تجريها البنوك وشركات الوساطة المالية , وذلك في دورته الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من ١٠ - ١٤/ ٣/١٤٢٧ هـ - الذي يوافقه: ٨ - ١٢ أبريل ٢٠٠٦ م.
و"خلص المجلس إلى أن هذه المعاملة لا تجوز شرعاً .. " (١).
ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المعاملة فيما يأتي:
أولاً: إن التصُّور التام للواقعة ومعرفة حقيقتها وكيفية جريانها في الواقع
стр. 486
يُعْتَبر من أهم ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط كما تقدَّم (١).
وقد اعتبر مجلس المجمع الفقهي هذا الضابط في تحقيق مناط الحُكْم الشرعي على المتاجرة بالهامش كما تجري في البنوك وشركات الوساطة المالية.
حيث اشتمل قرار المجمع الفقهي الإسلامي في هذه المعاملة على بيان حقيقتها , فنصَّ القرار على أن المتاجرة تعني: " دفع المشتري -العميل- جزءاً يسيراً من قيمة ما يرغب شراءه يُسمَّى هامشاً، ويقوم الوسيط -مصرفاً أو غيره- بدفع الباقي على سبيل القرض، على أن تبقى العقود المشتراة لدى الوسيط، رهناً بمبلغ القرض".
كما اشتمل القرار على بيان المكونات الأساسية لهذه المعاملة , فنصَّ على أنها تشتمل على الآتي:
(١) المتاجرة (البيع والشراء بهدف الربح)، وهذه المتاجرة تتم غالباً في العملات الرئيسة، أو الأوراق المالية (الأسهم والسندات)، أو بعض أنواع السلع، وقد تشمل عقود الخيارات، وعقود المستقبليات، والتجارة في مؤشرات الأسواق الرئيسة.
(٢) القرض، وهو المبلغ الذي يقدمه الوسيط للعميل مباشرةً إن كان الوسيط مصرفاً، أو بواسطة طرفٍ آخر إن كان الوسيط ليس مصرفاً.
(٣) الرِّبا، ويقع في هذه المعاملة من طريق (رسوم التبييت)، وهي الفائدة المشروطة على المستثمِر إذا لم يتصرف في الصفقة في اليوم نفسه، والتي قد تكون نسبةً مئويةً من القرض، أو مبلغاً مقطوعاً.
(٤) السمسرة، وهي المبلغ الذي يحصل عليه الوسيط نتيجة متاجرة المستثمر (العميل) عن طريقه، وهي نسبةٌ متفقٌ عليها من قيمة البيع أو الشراء.
(٥) الرهن، وهو الالتزام الذي وقَّعه العميل بإبقاء عقود المتاجرة لدى الوسيط رهناً بمبلغ القرض، وإعطائه الحق في بيع هذه العقود واستيفاء القرض
стр. 487
إذا وصلت خسارة العميل إلى نسبةٍ محددةٍ من مبلغ الهامش، ما لم يقم العميل بزيادة الرهن بما يقابل انخفاض سعر السلعة".
وهذا كلُّه يُعْتَبر من الإحاطة بأطراف الواقعة ومكوناتها وأوصافها وآثارها التي يُبنى عليها إثبات وجود مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي في تلك الواقعة أو نفيه عنها.
ثانياً: ثبت بالنصِّ الصريح من الكتاب والسُّنَّة تحريم التعامل بالرِّبا , كما قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقال ﷺ : " لعن الله آكلَّ الرِّبا وموكِلَه وكاتبَه وشاهديه وقال: هم سواء" (١).
ومن أنواع الرِّبا المحرَّم بالإجماع مايتعلَّق بالديون وهو: اشتراط الزيادة في القرض , وهو الرِّبا الذي كان يتعامل به الناس في الجاهلية (٢) ,كما لو أقرض أحدهم آخرَ مائة ألف ريال على أن يردَّها له مائةً وثلاثين ألف ريال.
وقد" أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف رباً، ولو كان قبضةً من عَلَفٍ أو حبة" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " اتفق العلماء على أن المُقرِض متى اشترط زيادةً على قرضه كان ذلك حراماً" (٤).
وقد اجتهد مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في تحقيق مناط تحريم رِبا الديون في الفائدة المشروطة على العميل إذا لم يتم بيع العقد في نفس يوم الشراء , فتؤخذ عن كلِّ ليلةٍ يبيتها العقد قبل بيعه عمولةٌ معينة, والتي قد تكون نسبةً مئويةً من القرض، أو مبلغاً مقطوعاً, وهو مايسمَّى ب" رسوم التبييت" في المتاجرة بالهامش.
стр. 488
ونظراً لما اشتملت عليه هذه المعاملة من الرِّبا بسبب ذلك فقد صدر القرار الفقهي بتحريمها.
حيث جاء في القرار ما نصُّه: " ويرى المجلس أن هذه المعاملة لا تجوز شرعاً للأسباب الآتية:
أولاً: ما اشتملت عليه من الرِّبا الصريح، المتمثل في الزيادة على مبلغ القرض، المُسمَّاة (رسوم التبييت)، فهي من الرِّبا المحرَّم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].
كما اجتهد مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في تحقيق مناط تحريم ربا الديون في بيع وشراء السندات (١) الذي غالباً ما تشتمل عليه عقود المتاجرة بالهامش في السوق المالية؛ وذلك لأن السندات أوراقٌ ماليةٌ تمثِّل التزاماً بدفع مبلغها مع فائدةٍ منسوبةٍ إليه أو نفعٍ مشروط , فهي في حقيقتها قروضٌ للجهة المُصدِرة لها يترتب عليها أخذ أرباحٍ بنسبةٍ محددةٍ أو منافع مشروطة , وهو من رِبا الديون المحرَّم بالنصِّ والإجماع.
ونظراً لما تشتمل عليه أغلب عقود المتاجرة بالهامش من بيع وشراء السندات فقد نصَّ قرار المجمع الفقهي في بيان أسباب تحريم المتاجرة بالهامش على ذلك , حيث ورد في القرار ما نصُّه: ثانياً: أن المتاجرة التي تتم في هذه المعاملة في الأسواق العالمية غالباً ما تشتمل على كثير من العقود المحُرْمَة شرعاً، ومن ذلك:
١. المتاجرة في السندات، وهي من الرِّبا المحرَّم، وقد نصَّ على هذا
стр. 489
قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم (٦٠) في دورته السادسة.
ثالثاً: ثبت بنصِّ السُّنَّة تحريم الجمع بين القرض والبيع في عقدٍ واحد (١) , كما يدل عليه عموم قوله عليه الصلاة: "لا يحِلّ سلفٌ وبيع .. (٢) "
قال ابن القيم: " إن النبي ﷺ نهى أن يجمع الرجل بين سلفٍ وبيع ,وهو حديث صحيح، ومعلومٌ أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح، وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعةٌ إلى أن يقرِضَه ألفاً ويبيعه سلعةً تساوي ثمانمائة بألفٍ أخرى، فيكون قد أعطاه ألفاً وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين, وهذا هو معنى الرِّبا" (٣).
وقد اجتهد مجلس المجمع الفقهي في تحقيق مناط تحريم الجمع بين القرض والبيع في اشتراط أن يكون البيع والشراء عن طريق البنك أو الوسيط من خلال القنوات الإلكترونية المعتمدة لدى البنك أو شركة الوساطة المالية , وذلك لاحتساب عمولاتٍ على البيع والشراء, أو على البيع فقط.
حيث جاء في القرار ما نصُّه: " ثانياً: أن اشتراط الوسيط على العميل أن تكون تجارته عن طريقه، يؤدي إلى الجمع بين سلفٍ ومعاوضة (السمسرة)، وهو في معنى الجمع بين سلفٍ وبيع المنهي عنه شرعاً في قول الرسول ﷺ : "لا يحل سلفٌ وبيع .. " (٤) , وهو بهذا يكون قد انتفع من قرضه، وقد اتفق الفقهاء على أن كلَّ قرضٍ جرَّ نفعاً فهو من الرِّبا المحرَّم".
فالبنك أو الوسيط هو المُقرِض في هذه المعاملة , ويشترِط على العميل أن يجري عمليات البيع والشراء في السوق المالية عن طريقه , ليحتسب عليه
стр. 490
عمولاتٍ معينةٍ يربح منها البنك أو الوسيط المالي, إما بنسبةٍ محددةٍ أو بمبلغٍ مقطوعٍ يُتفَق عليه بحسب نوع العقد, وهذا داخلٌ في النهي عن الجمع بين القرض والبيع في عقدٍ واحد , كما يُعْتَبر من القرض الذي جرَّ منفعةً مشروطة (١).
رابعاً: من الشروط المتفق عليها في صحة البيع أن يكون المبيع مباحاً؛ لأن بيع المحرَّمات من التعاون على الإثم والعدوان.
وقد اجتهد مجلس المجمع الفقهي في تحقيق مناط هذ الحكم في بيع وشراء أسهم الشركات الربوية ,والشركات التي تقوم أنشطتها الأساسية على التجارة في المحرَّمات كمصانع الخمور ونحو ذلك , فهذه الأسهم لايجوز تداولها بالبيع والشراء؛ لتحريم محلِّها (٢).
ونظراً لما تشتمل عليه أغلب عقود المتاجرة بالهامش من بيع وشراء أسهم الشركات دون تفريقٍ بين مايجوز منها وما لايجوز , فقد نصَّ قرار المجمع الفقهي في بيان أسباب تحريم المتاجرة بالهامش على ذلك , حيث ورد في القرار ما نصُّه: " ثانياً: المتاجرة في أسهم الشركات دون تمييز، وقد نصَّ القرار الرابع للمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة سنة ١٤١٥ هـ على حُرْمَة المتاجرة في أسهم الشركات التي غرضها الأساسي محرَّم، أو بعض معاملاتها رِبا".
خامساً: ثبت بالنصِّ الصريح في السُّنَّة اشتراط التقابض في الصرف , كما في قوله ﷺ : "الذهب بالذهب والفضة بالفضة. . . فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " (٣).
стр. 491
وهو نصٌّ صريحٌ في وجوب التقابض في حال اختلاف البدلين قبل التفرُّق عن مجلس العقد , وإلا كان ذلك من قبيل الرِّبا , ويُطلَق عليه "رِبا النسيئة" (١).
وقد اجتهد مجلس المجمع الفقهي في تحقيق مناط هذ الحكم في بيع وشراء العملات الورقية كالريال والجنيه والدولار؛ وذلك باعتبار أنها نقودٌ اعتباريةٌ فيها صفة الثمنية كاملة , فتجري عليها الأحكام الشرعيَّة المقررة للذهب والفضة , مثل أحكام الرِّبا والزكاة والسَّلَم وسائر أحكامهما, ومن ذلك وجوب التقابض الحقيقي أو الحكمي (٢) في مجلس العقد (٣).
ومن الصور المعاصرة للقبض الحكمي المُعْتَبرة شرعاً وعرفاً: القيد المصرفي لمبلغٍ من المال في حساب العميل , وذلك في حالات منها (٤):
- إذا عقد العميل عقدَ صرفٍ ناجزٍ بينه وبين المصرف في حال شراء عملةٍ بعملةٍ أخرى لحساب العميل.
- إذا اقتطع المصرف - بأمر العميل - مبلغاً من حسابٍ له إلى حسابٍ آخر بعملةٍ أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيدٍ آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية.
ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من
стр. 492
التسلَّم الفعلي، للمُدَد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي (١).
ونظراً لما تشتمل عليه أغلب عقود المتاجرة بالهامش من بيع وشراء العملات دون مراعاةٍ لشرط القبض الحكمي فيها , فقد اعتبر مجلس المجمع الفقهي ذلك من أسباب تحريم المتاجرة بالهامش, حيث ورد في قرار المجمع الفقهي ما نصُّه: "ويرى المجلس أن هذه المعاملة لا تجوز شرعاً للأسباب الآتية: .. " , ثم جاء ضمن الأسباب المذكورة: " ٣ - بيع وشراء العملات يتم غالباً دون قبضٍ شرعيٍّ يُجيز التصرف".
وذلك لأن القبض الحكمي الذي يترتب عليه أثره-وهو حصول القيد المصرفي بإمكان التسلُّم الفعلي- يتأخر عدة أيامٍ في بيع وشراء العملات في الأسواق المالية, وفي أثناء ذلك يجري التداول فيها مباشرةً بمجرد القيد الإلكتروني, مما يجعل المعاملة من الرِّبا المحرَّم؛ لفوات شرط التقابض في الصرف (٢).
سادساً: إن من شروط المعقود عليه في المعاوضات أن يكون مالاً أو منفعةً أو حقاً متعلقاً بمالٍ, فإنه حينئذٍ يجوز الاعتياض عنه , وماسوى ذلك فأخذ المال في مقابلته من أكل أموال الناس بالباطل؛ وقد ثبت ذلك عند الفقهاء باستقراء أدلة الشرع الواردة فيمايجوز المعاوضة عليه ومالايجوز , كالميتة والخنزير والكلب والخمر والحشرات والسباع وآلات اللهو وحقِّ المرور والمسيل والشرب ونحو ذلك (٣).
стр. 493
وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط هذا الحكم في عقود الخيارات (١) , والمستقبليات (٢) , والعقود على المؤشر (٣)
, التي يجري تداولها في الأسواق المالية , وذلك باعتبار أنها ليست مالاً ولا منفعةً ولا حقَّا مالياً يجوز الاعتياض عنه؛ فلا يجوز حينئذٍ تداولها (٤).
ونظراً لما تشتمل عليه أغلب عقود المتاجرة بالهامش من بيع وشراء عقود الخيارات والمستقبليات , والعقد على المؤشِّر (٥) , فقد اعتبر مجلس المجمع الفقهي ذلك من أسباب تحريم المتاجرة بالهامش, حيث ورد في قرار المجمع الفقهي ما نصُّه: "ويرى المجلس أن هذه المعاملة لا تجوز شرعاً للأسباب الآتية: .. " , ثم جاء ضمن الأسباب المذكورة: " ٤ - التجارة في عقود الخيارات وعقود المستقبليات، وقد نصَّ قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم (٦٣) في دورته السادسة أن عقود الخيارات غير جائزةٍ شرعاً؛ لأن المعقود عليه ليس مالاً ولا منفعةً ولا حقاً مالياً يجوز الاعتياض عنه، ومثلُها عقود المستقبليات والعقد على المؤشِّر".
стр. 494
سابعاً: ثبت بنصِّ السُّنَّة الصريح النهيُ عن بيع ماليس بمملوكٍ للبائع , كما في قوله ﷺ : "لاتبع ماليس عندك" (١).
وهو نصٌّ صريحٌ على شرطٍ من شروط المعاوضات , وهو أن يكون المعقود عليه مملوكاً لمن له العقد أو مأذوناً له فيه بالتصرُّف؛ لأن البيع تمليكٌ فلا ينعقد فيما ليس بمملوك (٢).
وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط هذا الحكم في عقود المتاجرة بالهامش التي يجري فيها التداول، وينتقل محل العقد من شخصٍ إلى آخر من دون تحقُّق وجوده وقبضه في حال التداول, حيث يبيع الوسيط للعميل عدداً من الأوراق المالية, ثم قبل موعد تسليمها للمشتري يقوم البائع -العميل- بشرائها أو يقوم الوسيط باقتراضها له وتسليمها للمشتري, وبهذا يكون قد باع ما لايملك وقت العقد.
حيث جاء في نصِّ القرار ضمن أسباب تحريم المتاجرة بالهامش: " ٥ - أن الوسيط في بعض الحالات يبيع ما لا يملك، وبيع ما لا يملك ممنوعٌ شرعاً".
ثامناً: ثبت بنصِّ الكتاب والسُّنَّة النهي عن أكل أموال الناس بالباطل , ومن أصرح النصوص في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
أي: " ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل، وأكلُه بالباطل: أكلُه من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه" (٣).
وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط هذا الحكم
стр. 495
في عقود المتاجرة بالهامش؛ لما تشتمل عليه غالباً من المجازفة والخداع والتضليل والاحتكار والنجش , وغير ذلك من التصرفات المحُرْمَة التي ينتج عنها الإضرار باقتصاد المجتمع وكلُّ ذلك من كلِ أموال الناس بالباطل.
حيث جاء في نصِّ القرار ضمن أسباب تحريم المتاجرة بالهامش: " رابعاً: لما تشتمل عليه هذه المعاملة من أضرارٍ اقتصاديةٍ على الأطراف المتعاملة، وخصوصاً العميل (المستثِمر)، وعلى اقتصاد المجتمع بصفةٍ عامة؛ لأنها تقوم على التوسُّع في الديون، وعلى المجازفة، وما تشتمل عليه غالباً من خداعٍ وتضليلٍ وشائعات، واحتكارٍ ونجشٍ وتقلباتٍ قويةٍ وسريعةٍ للأسعار؛ بهدف الثراء السريع والحصول على مُدَّخرات الآخرين بطرقٍ غير مشروعة، مما يجعلها من قبيل أكلِ المال بالباطل، إضافةً إلى تحوُّل الأموال في المجتمع من الأنشطة الاقتصادية الحقيقية المثمرة إلى هذه المجازفات غير المثمرة اقتصادياً، وقد تؤدي إلى هزَّاتٍ اقتصاديةٍ عنيفةٍ تُلْحِق بالمجتمع خسائرَ وأضراراً فادحة".