← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وهو نصٌّ صريحٌ في وجوب التقابض في حال اختلاف البدلين قبل التفرُّق عن مجلس العقد , وإلا كان ذلك من قبيل الرِّبا , ويُطلَق عليه "رِبا النسيئة" (١). وقد اجتهد مجلس المجمع الفقهي في تحقيق مناط هذ الحكم في بيع وشراء العملات الورقية كالريال والجنيه والدولار؛ وذلك باعتبار أنها نقودٌ اعتباريةٌ فيها صفة الثمنية كاملة , فتجري عليها الأحكام الشرعيَّة المقررة للذهب والفضة , مثل أحكام الرِّبا والزكاة والسَّلَم وسائر أحكامهما, ومن ذلك وجوب التقابض الحقيقي أو الحكمي (٢) في مجلس العقد (٣). ومن الصور المعاصرة للقبض الحكمي المُعْتَبرة شرعاً وعرفاً: القيد المصرفي لمبلغٍ من المال في حساب العميل , وذلك في حالات منها (٤): - إذا عقد العميل عقدَ صرفٍ ناجزٍ بينه وبين المصرف في حال شراء عملةٍ بعملةٍ أخرى لحساب العميل. - إذا اقتطع المصرف - بأمر العميل - مبلغاً من حسابٍ له إلى حسابٍ آخر بعملةٍ أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيدٍ آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية. ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من

стр. 492

التسلَّم الفعلي، للمُدَد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي (١). ونظراً لما تشتمل عليه أغلب عقود المتاجرة بالهامش من بيع وشراء العملات دون مراعاةٍ لشرط القبض الحكمي فيها , فقد اعتبر مجلس المجمع الفقهي ذلك من أسباب تحريم المتاجرة بالهامش, حيث ورد في قرار المجمع الفقهي ما نصُّه: "ويرى المجلس أن هذه المعاملة لا تجوز شرعاً للأسباب الآتية: .. " , ثم جاء ضمن الأسباب المذكورة: " ٣ - بيع وشراء العملات يتم غالباً دون قبضٍ شرعيٍّ يُجيز التصرف". وذلك لأن القبض الحكمي الذي يترتب عليه أثره-وهو حصول القيد المصرفي بإمكان التسلُّم الفعلي- يتأخر عدة أيامٍ في بيع وشراء العملات في الأسواق المالية, وفي أثناء ذلك يجري التداول فيها مباشرةً بمجرد القيد الإلكتروني, مما يجعل المعاملة من الرِّبا المحرَّم؛ لفوات شرط التقابض في الصرف (٢). سادساً: إن من شروط المعقود عليه في المعاوضات أن يكون مالاً أو منفعةً أو حقاً متعلقاً بمالٍ, فإنه حينئذٍ يجوز الاعتياض عنه , وماسوى ذلك فأخذ المال في مقابلته من أكل أموال الناس بالباطل؛ وقد ثبت ذلك عند الفقهاء باستقراء أدلة الشرع الواردة فيمايجوز المعاوضة عليه ومالايجوز , كالميتة والخنزير والكلب والخمر والحشرات والسباع وآلات اللهو وحقِّ المرور والمسيل والشرب ونحو ذلك (٣).

стр. 493

وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط هذا الحكم في عقود الخيارات (١) , والمستقبليات (٢) , والعقود على المؤشر (٣) , التي يجري تداولها في الأسواق المالية , وذلك باعتبار أنها ليست مالاً ولا منفعةً ولا حقَّا مالياً يجوز الاعتياض عنه؛ فلا يجوز حينئذٍ تداولها (٤). ونظراً لما تشتمل عليه أغلب عقود المتاجرة بالهامش من بيع وشراء عقود الخيارات والمستقبليات , والعقد على المؤشِّر (٥) , فقد اعتبر مجلس المجمع الفقهي ذلك من أسباب تحريم المتاجرة بالهامش, حيث ورد في قرار المجمع الفقهي ما نصُّه: "ويرى المجلس أن هذه المعاملة لا تجوز شرعاً للأسباب الآتية: .. " , ثم جاء ضمن الأسباب المذكورة: " ٤ - التجارة في عقود الخيارات وعقود المستقبليات، وقد نصَّ قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم (٦٣) في دورته السادسة أن عقود الخيارات غير جائزةٍ شرعاً؛ لأن المعقود عليه ليس مالاً ولا منفعةً ولا حقاً مالياً يجوز الاعتياض عنه، ومثلُها عقود المستقبليات والعقد على المؤشِّر".

стр. 494

سابعاً: ثبت بنصِّ السُّنَّة الصريح النهيُ عن بيع ماليس بمملوكٍ للبائع , كما في قوله ﷺ : "لاتبع ماليس عندك" (١). وهو نصٌّ صريحٌ على شرطٍ من شروط المعاوضات , وهو أن يكون المعقود عليه مملوكاً لمن له العقد أو مأذوناً له فيه بالتصرُّف؛ لأن البيع تمليكٌ فلا ينعقد فيما ليس بمملوك (٢). وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط هذا الحكم في عقود المتاجرة بالهامش التي يجري فيها التداول، وينتقل محل العقد من شخصٍ إلى آخر من دون تحقُّق وجوده وقبضه في حال التداول, حيث يبيع الوسيط للعميل عدداً من الأوراق المالية, ثم قبل موعد تسليمها للمشتري يقوم البائع -العميل- بشرائها أو يقوم الوسيط باقتراضها له وتسليمها للمشتري, وبهذا يكون قد باع ما لايملك وقت العقد. حيث جاء في نصِّ القرار ضمن أسباب تحريم المتاجرة بالهامش: " ٥ - أن الوسيط في بعض الحالات يبيع ما لا يملك، وبيع ما لا يملك ممنوعٌ شرعاً". ثامناً: ثبت بنصِّ الكتاب والسُّنَّة النهي عن أكل أموال الناس بالباطل , ومن أصرح النصوص في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. أي: " ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل، وأكلُه بالباطل: أكلُه من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه" (٣). وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط هذا الحكم

стр. 495

في عقود المتاجرة بالهامش؛ لما تشتمل عليه غالباً من المجازفة والخداع والتضليل والاحتكار والنجش , وغير ذلك من التصرفات المحُرْمَة التي ينتج عنها الإضرار باقتصاد المجتمع وكلُّ ذلك من كلِ أموال الناس بالباطل. حيث جاء في نصِّ القرار ضمن أسباب تحريم المتاجرة بالهامش: " رابعاً: لما تشتمل عليه هذه المعاملة من أضرارٍ اقتصاديةٍ على الأطراف المتعاملة، وخصوصاً العميل (المستثِمر)، وعلى اقتصاد المجتمع بصفةٍ عامة؛ لأنها تقوم على التوسُّع في الديون، وعلى المجازفة، وما تشتمل عليه غالباً من خداعٍ وتضليلٍ وشائعات، واحتكارٍ ونجشٍ وتقلباتٍ قويةٍ وسريعةٍ للأسعار؛ بهدف الثراء السريع والحصول على مُدَّخرات الآخرين بطرقٍ غير مشروعة، مما يجعلها من قبيل أكلِ المال بالباطل، إضافةً إلى تحوُّل الأموال في المجتمع من الأنشطة الاقتصادية الحقيقية المثمرة إلى هذه المجازفات غير المثمرة اقتصادياً، وقد تؤدي إلى هزَّاتٍ اقتصاديةٍ عنيفةٍ تُلْحِق بالمجتمع خسائرَ وأضراراً فادحة".

стр. 496

المبحث السابع خطاب الضمان البنكي الضمان لغةً: مأخوذٌ من الضِمْن , وضمَّنت الشيء، إذا جعلته في وعائه, والكفالة تُسمَّى ضماناً من هذا ; لأنه إذا ضَمِنَه فقد استوعب ذمته, والضمين هو: الكفيل (١). والضمان البنكي اصطلاحاً هو: عبارةٌ عن تعهدٍ كتابيٍّ بناءً على طلب العميل؛ يلتزِم فيه المَصْرِف لصالح العميل في مواجهة شخصٍ ثالثٍ بدفع مبلغٍ معينٍ في وقتٍ معين (٢). وتنقسم خطابات الضمان من حيث الغطاء وعدمه إلى ثلاثة أقسام (٣): القسم الأول: خطاب الضمان المقابل بغطاءٍ كامل ,وهو الخطاب الذي يصدر من البنك لصالح المستفيد بعد أن يودع العميل في حسابه البنكي ما يساوي ضمان الخطاب، ويودع مبلغ الغطاء في حسابٍ يُسمَّى احتياطي الضمان، ولا يجوز للعميل أن يتصرف فيه حتى ينتهي تاريخ التزام البنك بالخطاب. والقسم الثاني: خطاب الضمان المقابل بغطاءٍ جزئي, وهو الخطاب الذي يصدر من البنك بعد أن يودع العميل في حسابه ما هو أقل من ضمان الخطاب.

стр. 497

فإذا كان خطاب الضمان البنكي كما تقدم فما حُكْم أخذ البنك أجرةً - عمولة - من العميل على إصدار خطاب الضمان؟ لقد بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي, وذلك في دورته الثانية بجدة من ١٠ - ١٦ ربيع الآخر ١٤٠٦ هـ، الموافق ٢٢ - ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٥ م. وقرر المجلس ما يلي: أولاً: إن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان - والتي يراعى فيها عادةً مبلغ الضمان ومدته - سواء أكان بغطاءٍ أم بدونه. ثانياً: إن المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه جائزةٌ شرعاً، مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المِثْل، وفي حالة تقديم غطاءٍ كليٍّ أو جزئي، يجوز أن يُراعى في تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء (١). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: من ضوابط الاجتهاد في المناط التصوُّر التام للواقعة ومعرفة حقيقتها, ومكوناتها , وخصائصها, كما تقدم (٢). وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الضابط في تحقيق مناط الضمان أو الكفالة في خطاب الضمان البنكي غير المغطَّى, وذلك باعتبار أن الضمان أو الكفالة هي ضمُّ ذمَّة الضامن إلى ذمَّة غيره فيما يلزم حالاً أو مآلاً , وهذا موجودٌ في خطابات الضمان، فالمَصْرِف يلتزم الدَّين الذي يكون على العميل تجاه الغير في وقتٍ محدد. كما راعى -أيضاً- مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر

стр. 498

الإسلامي هذا الضابط في تحقيق مناط الوكالة في خطاب الضمان البنكي المُغطَّى, وذلك باعتبار أن الوكالة هي إقامة الغير مقام النفس في تصرُّفٍ جائزٍ معلوم، وهذا موجودٌ في خطاب الضمان، فالعميل يوكِّل المصرف في تصرُّفٍ معلومٍ جائز؛ وهو أن يسدِّد عنه إذا لم يسدِّد هذه الضمانات أو لم يقم بهذه العملية ونحو ذلك. حيث ورد في القرار ما نصُّه: " وبعد النظر فيما أُعد في خطاب الضمان من بحوث ودراسات، وبعد المداولات والمناقشات المستفيضة التي تبين منها: أولاً: أن خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاءٍ أو بدونه، فإن كان بدون غطاء، فهو: ضمُّ ذمَّة الضامن إلى ذمَّة غيره فيما يلزم حالاً أو مآلاً، وهذه هي حقيقة ما يعنى في الفقه الإسلامي باسم: الضمان أو الكفالة. وإن كان خطاب الضمان بغطاء , فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مُصْدِرِه هي: الوكالة، والوكالة تصح بأجرٍ أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له) " (١). والتفريق في الأحكام -كما سيأتي- بين خطاب الضمان المغطَّى وغير المغطَّى قد بُنيَ على تصورٍ تام لهذا النوع من المعاملات البنكية , وبعد معرفةٍ لحقيقتها, وهو المقصود من مراعاة هذا الضابط أثناء الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام. ثانياً: تقرر شرعاً أنه لايجوز أخذ الأجرة على الضمان. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور من الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة (٥).

стр. 499

بل إن ابن المنذر حكى الإجماع في ذلك فقال: " أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحِمالة بجُعلٍ يأخذه الحميل، لا تحلّ ولا تجوز " (١). وذلك لأنه في حال عدم وفاء المضمون عنه بالالتزام تجاه الطرف الثالث يكون الضامن ملزَماً بأداء الدَّين بناءً على عقد الضمان, وإذا أدَّاه وجب ذلك المبلغ المضمون عنه ,فصار الضمان في هذه الحالة كالقرض , فإذا أخذ عنه عوضاً صار قرضاً جرَّ نفعاً (٢). وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط هذا الحُكْم في خطاب الضمان غير المُغطَّى؛ لأنه في حالة أداء الكفيل (البنك) مبلغَ الضمان فإنه يشبه القرض, فإذا أخذ البنك عنه عوضاً صار قرضاً جرَّ نفعاً على المقرِض، وهو محرَّمٌ شرعاً. حيث ورد في القرار ما نصُّه: " إن الكفالة هي عقد تبرعٍ يُقصَد به الإرفاق والإحسان, وقد قرَّر الفقهاء عدم جواز أخذ العوِض على الكفالة؛ لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جرَّ نفعاً على المقرِض، وذلك ممنوع شرعاً". ولأن الأصل في الضمان أنه من عقود الإرفاق والإحسان، فإذا شرط الضامن لنفسه حقاً مالياً خرج عن موضوعه، فمنع صحته (٣). وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط هذا الحُكْم في خطاب الضمان الذي يأخذ عليه البنك أجراً-عمولة - من العميل , سواء كان خطاب الضمان مُغطَّى كلياً أو جزئياً أو غير مُغطَّى , وذلك باعتبار أنه عقد كفالة, وعقد الكفالة من عقود التبرع التي يقصد بها الإرفاق والإحسان, ويجوز في هذه الحالة أن يأخذ البنك قيمة المصروفات الفعلية التي تكلِّفها عملية إصدار خطاب الضمان.

стр. 500

حيث ورد في القرار مانصُّه: ": أن خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاءٍ أو بدونه، فإن كان بدون غطاءٍ فهو: ضمُّ ذمَّة الضامن إلى ذمَّة غيره فيما يلزم حالاً أو مآلاً، وهذه هي حقيقة ما يعنى في الفقه الإسلامي باسم: الضمان أو الكفالة". "وإن كان خطاب الضمان بغطاءٍ فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مصدره هي: الوكالة، والوكالة تصح بأجرٍ أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له) ".

стр. 501

المبحث الثامن التورُّق المصرفي المنظَّم التورُّق لغةً: طلب الوَرِق , والوَرِق هي: الفضة مضروبةً كانت أو غير مضروبة , ثم شاع استعمال الوَرِق: في الدراهم المضروبة من الفضة (١). والتورُّق اصطلاحاً هو: أن يشتري المرءُ سلعةً نسيئةً، ثم يبيعها نقداً لغير البائع بأقل ممّا اشتراها به، ليحصل بذلك على النقد (٢). وهذه المسألة تُسمَّى عند الحنابلة بـ"مسألة التورُّق" من الوَرِق، وهو الفضة؛ لأن مشترِي السلعة يبيع بها, والمقصود فيها الحصول على النقد (٣). وتسمَّى عند بعض الشافعية ب"الزرنقة", وهي لفظةٌ أعجميةٌ معرَّب زرنة: أي ليس الذهب معي، فيطلب الذهب بالعِينَة (٤). ويبحثها أكثر الفقهاء ضمن مسائل بيوع الآجال, وعند ذكر مسألة العِينَة , مع الاقتصار على إيراد صورتها دون تسميتها (٥). أما التورُّق المصرفي المنظَّم فهو: "قيام المصرف بعملٍ نمطيٍّ يتم فيه ترتيب بيع سلعةٍ (ليست من الذهب أو الفضة) من أسواق السلع العالمية أو غيرها، على المستورِق بثمنٍ آجل، على أن يلتزم المصرف - إما بشرطٍ في

стр. 502

العقد أو بحُكْم العرف والعادة - بأن ينوب عنه في بيعها على مشترٍ آخر بثمنٍ حاضر، وتسليم ثمنها للمستورِق" (١). أو يقال هو: " شراء المستورِق سلعةً من الأسواق المحلية أو الدولية أو ما شابهها بثمنٍ مؤجَّلٍ يتولى البائع (المموِّل) ترتيب بيعها، إما بنفسه أو بتوكيل غيره أو بتواطؤ المستورِق مع البائع على ذلك، وذلك بثمنٍ حالٍّ أقلّ غالباً" (٢). ومن أبرز غايات التورُّق المصرفي المنظَّم مايأتي (٣): ١ - تمويل الأفراد والشركات، وتوفير السيولة اللازمة التي تحتاجها مشاريعهم الاقتصادية والاجتماعية. ٢ - تمكين المدينين من سداد ديونهم لدى المصارف التجارية، حيث تستخدم المصارف الإسلامية التورُّق لتحويل المدين للبنوك التجارية للتعامل مع المصارف الإسلامية. ٣ - استثمار المصرف ما لديه من سيولةٍ فائضةٍ في السلع الدولية عن طريق المتاجرة بها، حيث يقوم المصرف بشراء السلعة من شركةٍ في السوق الدولية بوسائل الاتصال الحديثة، ومن ثَمَّ بيعها للمتورِق بالأجل مساومةً أو مرابحة، بأكثر من سعر يومها، ثم يبيعها المصرف نيابةً عن المالك (العميل)، وقد يبيعها للشركة التي اشترى منها السلعة, ويستفيد المصرف من فرق السعرين. فإذا كان التورّق المصرفي المنظَّم كما تقدم بيانه فما حُكْم التعاقد به في الشرع المطهّر؟

стр. 503

لقد بحث مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذه المعاملة , وذلك في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من ١٩ - ٢٣/ ١٠/ ١٤٢٤ هـ الذي يوافقه: ١٣ - ١٧/ ١٢/ ٢٠٠٣ م. وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة حول الموضوع، والمناقشات التي دارت حوله، قرر مايلي: " عدم جواز التورّق الذي سبق توصيفه .. ". كما بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي هذه المعاملة , وذلك في دورته التاسعة عشرة في إمارة الشارقة (دولة الإمارات العربية المتحدة) من ١ إلى ٥ جمادى الأولى ١٤٣٠ هـ، الموافق ٢٦ - ٣٠ نيسان (إبريل) ٢٠٠٩ م. وبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع التورّق: حقيقته، أنواعه (الفقهي المعروف والمصرفي المنظَّم)، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، وبعد الاطلاع على قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة بهذا الخصوص, قرَّر مايلي: " لا يجوز التورّقان (المنظَّم والعكسي) .. " (١). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط التصوّر التام للواقعة ومعرفة مكوناتها التي تميِّزها عن غيرها كما تقدّم (٢). وقد راعى مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا الضابط في توصيفه للتورّق المصرفي المنظَّم كما يجري في الوقت الحاضر قبل تحقيق مناط التحريم فيه.

стр. 504

حيث ورد في القرار ما نصُّه: " وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة حول الموضوع، والمناقشات التي دارت حوله، تبين للمجلس أن التورّق الذي تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر هو: قيام المصرف بعملٍ نمطيٍّ يتم فيه ترتيب بيع سلعةٍ (ليست من الذهب أو الفضة) من أسواق السلع العالمية أو غيرها، على المستورِق بثمنٍ آجل، على أن يلتزم المصرف - إما بشرطٍ في العقد أو بحُكْم العرف والعادة - بأن ينوب عنه في بيعها على مشترٍ آخر بثمنٍ حاضر، وتسليم ثمنها للمستورِق". كما أوضح مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي الفرق بين التورّق المعروف عند الفقهاء والتورّق المصرفي المنظَّم , وهو من تمييز مكونات الواقعة عن غيرها الذي يترتَّب عليه الأثر في اختلاف الحُكْم بين الصور والوقائع. حيث ورد في القرار ما نصُّه: " وهذه المعاملة -أي: التورّق المصرفي المنظَّم- غير التورّق الحقيقي المعروف عند الفقهاء، والذي سبق للمجمع في دورته الخامسة عشرة أن قال بجوازه بمعاملاتٍ حقيقيةٍ وشروطٍ محدَّدَةٍ بيَّنها قرارُه (١) .. وذلك لما بينهما من فروقٍ عديدةٍ فصَّلت القولَ فيها البحوثُ المقدَّمة, فالتورّق الحقيقي يقوم على شراءٍ حقيقيٍّ لسلعةٍ بثمنٍ آجلٍ تدخل في ملك المشتري , ويقبضها قبضاً حقيقياً , وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها هو بثمنٍ حالٍّ لحاجته إليه، قد يتمكن من الحصول عليه وقد لا يتمكن، والفرق بين الثمنين الآجل والحال لا يدخل في ملك المصرف الذي طرأ على المعاملة لغرض تسويغ الحصول على زيادةٍ لِما قدَّم من تمويلٍ لهذا الشخص بمعاملاتٍ صوريَّةٍ في معظم أحوالها، وهذا لا يتوافر في المعاملة المبيَّنة التي تجريها بعض المصارف" (٢). أما مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي فقد

стр. 505

راعى هذا الضابط بذكر أنواع التورّق، وتوصيف التورّق المعروف عند الفقهاء، وتوصيف التورّق المصرفي المنظَّم ,ثم بناء الحُكْم على الفرق المميِّز بينهما. حيث ورد في القرار ما نصّه: " أولاً: أنواع التورّق وأحكامها: (١) التورّق في اصطلاح الفقهاء: هو شراء شخصٍ (المستورق) سلعةً بثمنٍ مؤجَّلٍ من أجل أن يبيعها نقداً بثمنٍ أقلّ غالباً إلى غير من اشتُريت منه بقصد الحصول على النقد. . . (٢) التورّق المنظَّم في الاصطلاح المعاصر: هو شراء المستورق سلعةً من الأسواق المحلية أو الدولية أو ما شابهها بثمنٍ مؤجَّلٍ يتولى البائع (المموِّل) ترتيب بيعها، إما بنفسه أو بتوكيل غيره أو بتواطؤ المستورِق مع البائع على ذلك، وذلك بثمنٍ حالٍّ أقلّ غالباً. (٣) التورّق العكسي: هو صورة التورّق المنظَّم نفسَها مع كون المستورِق هو المؤسسة والمموِّل هو العميل" (١). ثانياً: ثبت بنصِّ السُّنَّة الصريح تحريم بيع العِينَة , كما في قوله ﷺ : " إذا تبايعتم بالعِينَة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزَّرع وتركتم الجهاد سلَّط الله عليكم ذُلَّاً لا ينْزِعُه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم" (٢). والمقصود بالعِينَة: بيع الرجل سلعةً إلى أجل، ثم يشتريها البائع نفسُه بثمنٍ حالٍّ أقلّ منه (٣).

стр. 506

ومناط التحريم في بيع العِينَة: أنه ذريعةٌ إلى الرِّبا، وسَدُّ الذرائع مُعتبرٌ شرعاً، ووجه اعتباره ذريعةً إلى الرِّبا أن البائع استباح أخذ الثمن الأكثر الآجل بالثمن الأقل العاجل إلى أجلٍ معلوم, واحتال على ذلك بالبيع إلى أجل (١). وقد اجتهد مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في تحقيق مناط التذرّع إلى الرِّبا في التورّق المصرفي المنظَّم , وذلك باعتبار أن المصرف يهدف بطريقةٍ منظَّمةٍ إلى توفير السيولة النقدية للمتورِّق على أن يكون مديناً له بزيادة , وهذا هو حاصل رِبا النسيئة , وقد اتخذ المصرف التورّقَ المنظَّم ذريعةً إلى ذلك (٢). حيث ورد في القرار ما نصّه -في سياق ذكر تعليل الحُكْم بعدم جواز التورّق المصرفي المنظَّم-: " أن التزام البائع في عقد التورّق بالوكالة في بيع السلعة لمشترٍ آخر أو ترتيب من يشتريها يجعلها شبيهةً بالعِينَة الممنوعة شرعاً، سواء أكان الالتزام مشروطاً صراحةً أم بحُكْم العرف والعادة المتَّبَعة ". ونصّ القرار على "أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويلٍ نقديٍّ بزيادةٍ لما سُمِّيَ بالمستورِق فيها من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه والتي هي صوريةٌ في معظم أحوالها، هدفَ البنكُ من إجرائها أن تعود عليه بزيادةٍ على ما قدَّم من تمويل". فالمتورِّق -هنا- لا همَّ له غير السيولة النقدية , وموضوع السلعة إنما كان فقط للتحايل، فالمحصِّلة بالنسبة للمتورِّق في هذه المعاملة أنه أخذ من البنك مبلغاً وهو (ثمن السلعة بعد بيعها حالَّا) وسيردُّه أكبرَ من ذلك (ثمن السلعة التي اتفق أن يشتريها من البنك آجلا) , وهذا من صور الرِّبا. كما اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في تحقيق مناط التذرُّع إلى الرِّبا في التورّق المصرفي المنظَّم , وجاء

стр. 507

في القرار الصادر عنه ما نصُّه: " لا يجوز التورقان (المنظَّم والعكسي) وذلك لأن فيهما تواطؤاً بين المموِّل والمستورِق، صراحةً أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وهو رِبا" (١). وهذا المعنى هو ماحدا بشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلى القول بتحريم التورّق المعروف عند الفقهاء. قال ابن القيم: "وكان شيخنا ﵀ يمنع من مسألة التورُّق، وروجع فيه مراراً وأنا حاضِرٌ فلم يرخِّص فيها ,وقال: المعنى الذي لأجله حُرِّم الرِّبا موجودٌ فيها بعينه" (٢). بل قرر ابن القيم في موضعٍ آخر أنه أعظم تحريماً؛ وذلك لأنه قَصَدَ التحايلَ على الرِّبا, حيث قال: " فإن من أراد أن بيع مائةً بمائةٍ وعشرين إلى أجلٍ فأعطى سلعةً بالثمن المؤجَّل ثم اشتراها بالثمن الحال , ولا غرض لواحدٍ منهما في السلعة بوجهٍ ما. . . فلا فرق بين ذلك وبين مائةٍ بمائةٍ وعشرين درهماً بلا حيلةٍ البتة , لا في شرعٍ ولا في عقلٍ ولا في عرفٍ , بل المفسدة التي لأجلها حُرِّم الرِّبا بعينه قائمةٌ مع الاحتيال أو أزيد , فانها تضاعفت بالاحتيال " (٣). بينما ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٤) ,والمالكية (٥) , والشافعية (٦) , والحنابلة (٧) إلى جواز التورّق البسيط باعتبار أنه لاتذرُّع فيه إلى الرِّبا , والأصل في البيوع الإباحة.

стр. 508

كما أصدر المجمع الفقهي الاسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراراً ينصُّ على جواز التورّق المعروف عند الفقهاء -وهو: شراء سلعةٍ في حوزة البائع وملكه، بثمنٍ مؤجَّلٍ، ثم يبيعها المشتري بنقدٍ لغير البائع، للحصول على النقد (الوَرِق) - لأن الأصل في البيوع الإباحة، لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ولم يظهر في هذا البيع رِباً لا قصداً ولا صورة، ولأن الحاجة داعيةٌ إلى ذلك لقضاء دَين، أو زواج , أو غيرهما (١). ثالثاً: ثبت بنصِّ السُّنَّة الصريح اشتراط قبض المبيع قبل بيعه , كما في قوله ﷺ : " من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه" (٢). وهذا النهي يشمل الطعامَ وغيرَه من المبيعات ,كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء من الحنفية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة (٥). قال ابن عباس (راوي الحديث): ولا أحسب كلَّ شيءٍ إلا مثلَه (٦). وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضاً لها, فقبض ما يُتنَاول عادةً باليد يكون بتناوله باليد, وقبض المكيل والموزون والمعدود والمذروع يحصل باستيفائه كيلاً أو وزناً أو عدّاً أو ذرعاً ,وتمييزه عن غيره , وقبض مالا يُعْتَبر فيه تقديرٌ من كيلٍ أو وزنٍ أو ذَرْعٍ أو عدٍّ كالدَّواب يُرجَع فيه إلى العرف , والأشياء التي لا تنقل كالأراضي والعقارات ونحوها يكون قبضها بالتخلية بينها وبين المشتري, بلا حائلٍ دونها, وتمكينه من التصرف فيها (٧).

стр. 509

وقد اجتهد مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في تحقيق مناط القبض في معاملة التورّق المصرفي المنظَّم, فأثبت في القرار عدم تحقُّق القبض الشرعي في أكثر عقود التورّق المصرفي , واعتبر ذلك سبباً من أسباب عدم جواز هذه المعاملة. حيث ورد في القرار ما نصّه -في سياق ذكر تعليل الحُكْم بعدم جواز التورّق المصرفي المنظَّم -: "أن هذه المعاملة تؤدي في كثيرٍ من الحالات إلى الإخلال بشروط القبض الشرعي اللازم لصحة المعاملة". فالمصرف - غالباً- لايقبض السلعة ويحوزها من الأسواق العالمية قبضاً شرعياً أثناء إبرام عقد الشراء الذي وكَّلَه فيه العميل , وكذلك العميل فإنه لا يقبض تلك السلعة ويستوفيها أثناء عقد البيع الذي وكَّل فيه المصرف لبيعها , وكلُّ مايتم في ذلك إنما هو على الأوراق فقط؛ لأن وجود السلعة -هنا- أمرٌ صوريٌّ ليس مقصوداً لذاته. حيث" إن السلعة التي ذُكِرَت للتحليل لا وجود لها، ولا يعلم المشتري عنها شيئاً، ولا يمكن أن يتم تسليمها، وإنما التعامل في أوراقٍ فقط، وأوراق المخازن الأصلية التي تثبت الملكية لا أحد يتسلمها أو يفكر في الحصول عليها، والذين يحصلون عليها للتسلُّم شركاتٌ عملاقةٌ تشتري بمئات الملايين أو بالمليارات، ويمكن لها التعامل في البورصة، أما المبالغ التي تودع في البنوك في هذا المنتج فهي ضئيلةٌ لا تصلح لشراء الأطنان من المعادن, لذلك وجدنا من هذه البنوك من يلغي السلعة أصلاً، ووجدنا كذلك من يصرِّح بأن العمليات تتم بالأوراق فقط، فالسلعة غير مقصودة" (١). رابعاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط اعتبار مقاصد المكلَّفين , والنظر في حقائق العقود لامسمياتها أو أشكالها الصورية كما تقدم (٢). وقد راعى مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم

стр. 510

الإسلامي هذا الضابط في تحقيق مناط التحريم في عقود التورّق المصرفي المنظَّم , وذلك بناءً على اختلاف حقيقته عن التورّق المباح عند الفقهاء بشروطه. حيث ورد في القرار ما نصُّه: -في سياق ذكر تعليل الحُكْم بعدم جواز التورّق المصرفي المنظَّم-" أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويلٍ نقديٍّ بزيادةٍ لما سُمِّيَ بالمستورِق فيها من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه والتي هي صوريةٌ في معظم أحوالها، هدفَ البنكُ من إجرائها أن تعود عليه بزيادةٍ على ما قدَّم من تمويل , وهذه المعاملة غير التورّق الحقيقي المعروف عند الفقهاء، والذي سبق للمجمع في دورته الخامسة عشرة أن قال بجوازه بمعاملاتٍ حقيقيةٍ وشروطٍ محدَّدَةٍ بيَّنها قراره (١) , وذلك لما بينهما من فروقٍ عديدة. . . " (٢). ورغم أن التورّق المعروف عند الفقهاء يتفق مع التورّق المصرفي المنظَّم في الحصول على النقد عن طريق شراء سلعةٍ بالأجل وبيعها بالثمن الحال، إلا أنهما يختلفان من عِدَّة وجوهٍ مؤثِرةٍ في الحُكْم من أهمها (٣): ١ - التورّق المعروف عند الفقهاء يجمع بين عقدين منفصلين عن بعضهما البعض، حيث يقوم العميل بشراء السلعة مستوفياً أركانَ البيع بالأجل، ثم تنتهي هذه العملية لتبدأ عملية أخرى منفصلةً عنها مطلقاً, وهي بيع السلعة التي اشتراها بثمنٍ حال, أما في التورّق المصرفي فإن عملياته مرتبطةٌ بعضها ببعض، حيث يقوم المصرف باتفاقاتٍ سابقةٍ على العملية، مع كلٍّ من الجهة التي يشتري منها، والجهة التي يبيع عليها؛ ليضمن استقرار السعر، وعدم

стр. 511

تذبذبه, وهو تواطؤٌ يقترب من بيع العِينَة , وبمجرد توقيع العميل على الأوراق تتم عملية البيع والشراء، ويدخل الدَّين في ذِمَّة العميل , ويتم تحويل ثمن السلعة بالنقد على حسابه البنكي. ٢ - في التورّق المصرفي المنظَّم يكون المصرف وكيلاً عن المشتري في بيع السلعة التي اشتراها منه، ولولا وكالة المصرف بالبيع نقداً لما أقدم العميل على هذه المعاملة، ولو انفصلت الوكالة عن البيع الآجل لانهار هذا التمويل من أساسه ,في حين أن البائع في التورّق المعروف عند الفقهاء لا علاقة له ببيع السلعة مطلقاً، ولا علاقة له بالمشتري الثاني. ٣ - في التورّق المعروف عند الفقهاء تدور السلعة دورتها العادية من مالكٍ أصليٍّ إلى المتورّق إلى مالكٍ جديد، ثم منه إلى أطرافٍ أخرى, أما في التورّق المصرفي المنظَّم فالسلعة قد ترجع إلى الشركة التي باعتها إلى المصرف , وبهذا يكون التورّق المصرفي صورةً من صور العِينَة. ٤ - التورّق المعروف عند الفقهاء يقوم على شراءٍ حقيقيٍّ لسلعةٍ بثمنٍ آجلٍ تدخل في ملك المشتري ,ويقبضها قبضاً حقيقياً , وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها هو بثمنٍ حالٍّ لحاجته إليه، قد يتمكّن من الحصول عليه وقد لا يتمكّن، والفرق بين الثمنين الآجل والحال لا يدخل في ملك المصرف الذي طرأ على المعاملة لغرض تسويغ الحصول على زيادةٍ لما قدَّم من تمويلٍ لهذا الشخص بمعاملاتٍ صوريةٍ في معظم أحوالها، وهذا لا يتوافر في التورّق المصرفي المنظَّم. وبهذا يتبين أن عقد التورّق المصرفي المنظَّم كما تجريه أكثر البنوك أشبه ما يكون بالصورية أو الشكلية التي تعود عليها بالتربُّح من التمويل بمايشبه بيع العِينَة في المعنى الذي من أجله وقع النهي عن التبايع به , والأصل تحريم ما أدى من العقود إلى محرَّم يكثرُ قصدُه , ولو لم يُقصَد بالفعل (١).

стр. 512

المبحث التاسع تحديد النَّسْل التحديد مصدر من (حدد) , والحدّ في اللغة يُطْلَق على عدة معانٍ منها (١): - الحاجز بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر أو لئلا يتعدَّى أحدهما على الآخر. - ومنتهى الشيء , يقال: حدود الأراضين , أي: منتهاها. - والمنع, يقال: حدَدتُ الرجلَ إذا أقمت عليه الحدّ؛ لأنه يمنعه من المعاودة. قال ابن فارس: "الحاء والدال أصلان: الأول: المنع، والثاني: طرفُ الشيء" (٢). أما النَّسْل فهو: الولد والذُّرِّيَّة (٣). والمراد بـ (تحديد النسل) في الاصطلاح هو: كلُّ ما يتَّبِعُه الزوجان من الوسائل والأسباب التي من شأنها أن تحول دون نشوء الحمل، إما بشكلٍ دائمٍ أو بشكلٍ مؤقت، وإما باختيارٍ منهما أو بإجبارٍ من الدولة (٤).

стр. 513

وهذا التعريف يشمل مايمنع الإنجاب مطلقاً , أو مؤقتاً , أو يحدِّده بعددٍ معين , ومن أهم الصور التطبيقية على ذلك مايأتي (١): - سَنَّ الدولة لقانونٍ يحدِّد عدداً من الأولاد لكلِّ أسرة , وإجبار الناس على التزام ذلك, وترتيب عقوباتٍ على المخالفين له. - اتفاق الزوجين على تأجيل الحمل لفترةٍ محدَّدةٍ باستخدام الوسائل المباحة. - اتفاق الزوجين على منع الحمل بشكلٍ دائمٍ باستخدام الوسائل المباحة. - إجراء عمليات التعقيم التي تمنع الحمل بشكلٍ دائم. - إجراء عمليات الإجهاض التي يُتَخلَّص فيها من الحمل. فإذا كان تحديد النَّسْل كما تقدم بيانه فما حكمه في الشرع الحنيف؟ لقد بحث مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا الموضوع في دورته الثالثة المنعقدة في مكة المكرمة في الفترة من ٢٣ إلى ٣٠ ربيع الآخر سنة ١٤٠٠ هـ. وبعد المناقشة وتبادل الآراء في ذلك قرر المجلس بالإجماع ما يلي: " لا يجوز تحديد النَّسْل مطلقاً، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق. . . أو كان ذلك لأسبابٍ أخرى غير معتبرة شرعاً, أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالاتٍ فرديةٍ لضررٍ محقَّقٍ لكون المرأة لا تلد ولادةً عاديَّةً وتضطر معها إلى إجراء عمليةٍ جراحيةٍ لإخراج الجنين فإنه لا مانع من ذلك شرعاً، وهكذا إذا كان تأخيره لأسبابٍ أخرى شرعيَّة أو صحيةٍ يُقِرُّها طبيبٌ مسلمٌ ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقَّق على أُمِّه إذا كان يُخْشى على حياتها منه بتقريرِ مَنْ يُوثَق به من الأطباء المسلمين, أما الدعوة إلى تحديد النَّسْل أو منع الحمل بصفةٍ

стр. 514

عامّةٍ فلا تجوز شرعاً, وأشدُّ من ذلك في الإثم والمنع إلزام الشعوب بذلك وفرضه عليها ... " (١). كما بحث هذا الموضوع -أيضاً- مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي , وذلك في دورته الخامسة بالكويت من ١ - ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ الموافق ١٠ - ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨ م. وبعد اطلاعه على البحوث المقدمة في الموضوع، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله , قرَّر ما يلي: "أولاً: لا يجوز إصدار قانونٍ عامٍّ يَحُدُّ من حرية الزوجين في الإنجاب. ثانياً: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يُعرَف بالإعقام أو التعقيم، ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية. ثالثاً: يجوز التحكُّم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدةٍ معينةٍ من الزمان، إذا دعت إليه حاجةٌ معتبَرةٌ شرعاً، بحسب تقدير الزوجين عن تشاورٍ بينهما وتراض، بشرط أن لا يترتَّب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وأن لا يكون فيها عدوانٌ على حملٍ قائم" (٢). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط التصوُّر التام لمحل الحُكْم ,وحقيقته , وعدم الاغترار بالمسمَّيات الخادعة كما تقدَّم (٣). وقد راعى مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا الضابط في تحقيق مناط تحديد النَّسْل , وذلك ببيان حقيقته ,

стр. 515

ومقاصد الدعوة إليه , وأن باعثها الكيد للمسلمين لتقليل أعدادهم , ونهب ثرواتهم , مع تضليل الناس وخداعهم بتسميته "تنظيم النَّسْل". حيث ورد في قرار المجمع الفقهي الإسلامي ما نصُّه: "فقد نظر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في موضوع تحديد النَّسْل أو ما يُسمَّى تضليلاً بـ (تنظيم النَّسْل)." (١). وورد في نصِّ القرار أيضاً: "ونظراً إلى أن دعاة القول بتحديد النَّسْل أو منع الحمل فئةٌ تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين لتقليل عددهم بصفةٍ عامة، وللأمة العربية المسلمة والشعوب المُستضْعَفَة بصفةٍ خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها والتمتع بثروات البلاد الإسلامية" (٢). كما إن الاستماع إلى آراء الخبراء ومناقشاتهم يكشف عن حقيقة الموضوع, وأصل نشأته, وآثاره المباشرة وغير المباشرة , وهو مايُعطي تصوُّراً دقيقاً عن محل الحُكْم. وقد ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي مايشير إلى الاعتماد على رأي الخبراء في بيان حقيقة الدعوة إلى تحديد النَّسْل وتنظيمه , والصور الداخلة تحته , وآثارها على استمرار النوع البشري. حيث جاء في القرار مانصُّه: " بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع تنظيم النَّسْل، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله .. " (٣). ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط اعتبار مقاصد المكلَّفين كما تقدَّم (٤).

стр. 516

وقد راعى المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا الضابط أثناء تحقيق مناط التحريم في إحدى صور تحديد النَّسْل , وهي الصورة التي يُقصَد فيها تحديد النَّسْل خشية الإنفاق. حيث ورد في القرار ما نصُّه: "ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرَّزَّاق ذو القوة المتين، وما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها" (١). كما اعتبر مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي من الصور التي يجوز فيها منع الحمل مؤقتاً إذا ما كان ذلك بقصد المباعدة بين فترات الحمل , لاخشيةَ الإنفاق. حيث ورد في القرار ما نصُّه: " يجوز التحكُّم المؤقَّت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل .. " (٢). وقد بُنيَ التفريق بين الحالتين في تحقيق مناط التحريم أو الجواز على قصد المكلَّف الباطن , فيحرم منع الحمل إذا كان القصد منه تقليل النفقات واتقاء الفقر , ويجوز منع الحمل مؤقَّتاً إذا كان القصد منه إيجاد فترةٍ محدودةٍ تفصل بين الحملين تَسْتَرِد فيها الحامل صحتها , وتستكمل الرضاعة فيها لمولودها. ثالثاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد كما تقدَّم (٣). وقد راعى المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا الضابط أثناء تحقيق مناط المشروعية في بعض صور تحديد النَّسْل التي يجوز أو يجب فيها استخدام وسائل منع الحمل ,أو تأخيره , لضررٍ محقَّقٍ , أو راجح , كأن تكون المرأة لاتلِدُ إلا بعمليةٍ جراحية , أو كان يغلب على الظنّ

стр. 517

فوات حياتها إن قُدِّر لها الحمل , وفي ذلك موازنةٌ وترجيحٌ بين المصالح والمفاسد , فحفظ حياة الأم يترجّح على طلب الحمل وتكثير النَّسْل في مثل هذه الحالات. حيث ورد في القرار ما نصُّه: "أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالاتٍ فرديةٍ لضررٍ محقَّقٍ لكون المرأة لا تلِدُ ولادةً عاديةً , وتضطر معها إلى إجراء عمليةٍ جراحيةٍ لإخراج الجنين , فإنه لا مانع من ذلك شرعاً، وهكذا إذا كان تأخيره لأسبابٍ أخرى شرعيَّة أو صحيةٍ يُقِرُّها طبيبٌ مسلمٌ ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقَّق على أُمِّه إذا كان يُخشَى على حياتها منه (١). كما اعتبر مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حالات الضرورة سبباً من أسباب جواز مايسمَّى ب"التعقيم". حيث ورد في القرار ما نصُّه: " يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يعرف بالإعقام أو التعقيم، ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية" (٢). رابعاً: من وسائل الاجتهاد في تحقيق المناط الاعتماد على قول أهل الخبرة كما تقدَّم (٣). وقد راعى المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا الضابط أثناء تحقيق مناط المشروعية في صور تحديد النَّسْل التي يجوز أو يجب فيها استخدام وسائل منع الحمل أو تأخيره لضررٍ محقَّقٍ أو راجح , ففي هذه الحالات وغيرها يتحقَّق مناط الجواز أو الوجوب اعتماداً على قول أهل الخبرة , وهم -هنا- الأطباء المختصّون من المسلمين الثقات. حيث ورد في القرار ما نصُّه: "وهكذا إذا كان تأخيره لأسبابٍ أخرى

стр. 518

شرعيَّةٍ أو صحيةٍ يُقِرُّها طبيبٌ مسلمٌ ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقَّق على أُمِّه إذا كان يُخشَى على حياتها منه بتقريرِ من يُوثَق به من الأطباء المسلمين" (١). خامساً: ثبت باستقراء نصوص الشرع أن من أعظم مقاصد النكاح بقاء النوع الإنساني , والحث على تكثيره. ومن ذلك: قوله ﷺ : "تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثرٌ بكم الأمم" (٢). و" فيه فضيلة كثرة الأولاد؛ لأن بها يحصل ما قصده النبي ﷺ من المباهاة" (٣). كما أنه " لا ينتظم أمر المعاش حتى يبقى بدنه سالماً ونسله دائماً، ولا يتم كلاهما إلا بأسباب الحفظ لوجودهما وذلك ببقاء النَّسْل." (٤). ومن ذلك أيضاً: نهيُّ الشرع المطهَّر عن التبتُّل والاختصاء، فعن سعد بن أبي وقاص (٥) ﵁ قال: "ردَّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون (٦) التبتَّل , ولو أذِنَ له لاختصينا" (٧). قال ابن حجر: "والحكمة في منعهم من الاختصاء إرادة تكثير النَّسْل ليستمر جهاد الكفار، وإلا لو أذِنَ في ذلك لأوشك تواردهم عليه فينقطع النَّسْل، فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية" (٨).

стр. 519

وبناءً على ذلك فقد نصَّ الفقهاء على تحريم استعمال ما يقطع الماء أو يقطع الحَبَل؛ لأن ذلك يقطع النَّسْل من أصله , وهو مايتعارض مع مقصود الشارع من استمرار النَّسْل وتكثيره (١). وقد اجتهد مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في تحقيق هذا المناط الكلي في مسألة تحديد النَّسْل , ومنع الحمل مطلقاً , أو فرض ذلك على الشعوب وإلزامهم به. حيث ورد في القرار ما نصُّه: "نظراً إلى أن الشريعة الإسلامية تحضُّ على تكثير نسل المسلمين وانتشاره، وتعتبر النَّسْل نعمةً كبرى ومِنَّةً عظيمة منَّ الله بها على عباده، وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعيَّة من كتاب الله- وسُنَّة رسوله ﷺ ، ودلَّت على أن القول بتحديد النَّسْل أو منع الحمل مصادمٌ للفطرة الإنسانية التي فطر اللهُ الناسَ عليها وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الله تعالى للعباده، ونظراً إلى أن دعاة القول بتحديد النَّسْل أو منع الحمل فئةٌ تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين لتقليل عددهم بصفةٍ عامة، وللأمة العربية المسلمة والشعوب المستضعَفَة بصفةٍ خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعباد أهلها والتمتع بثروات البلاد الإسلامية، وحيث إن في الأخذ بذلك ضرباً من أعمال الجاهلية وسوء ظنًّ بالله- تعالى- وإضعافاً للكيان الإسلامي المتكوِّن من كثرة اللَّبِنات البشرية وترابطها, لذلك كلِّه فإن المجمع الفقهي الإسلامي يقرر بالإجماع أنه لا يجوز تحديد النَّسْل مطلقاً .. " (٢). كما أوضح القرار أن إلزام الشعوب بذلك يُعْتَبر أشد إثماً , حيث ورد في القرار ما نصّه: "أما الدعوة إلى تحديد النَّسْل أو منع الحمل بصفةٍ عامةٍ فلا تجوز شرعاً للأسباب المتقدم ذكرها، وأشدُّ من ذلك في الإثم والمنع إلزامُ الشعوب بذلك وفرضه عليها " (٣).

стр. 520

كما إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي , اجتهد في تحقيق مناط التحريم في صور تحديد النَّسْل التي تتنافى مع مقصود بقاء النوع الإنساني والحث على تكِثير ذلك كإصدار قانونٍ عامًّ يَحُدُّ من حرية الزوجين في الإنجاب, واستئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة. حيث ورد في القرار ما نصُّه: " وبناءً على أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية الإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد؛ لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل والحفاظ عليه والعناية به، باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها .. قرر ما يلي: أولاً: لا يجوز إصدار قانونٍ عامًّ يَحُدُّ من حرية الزوجين في الإنجاب. ثانياً: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة. . ." (١). سادساً: ثبت في السُّنَّة الصحيحة جواز العَزْل (٢) عن المرأة إذا تعلَّق بذلك سببٌ مشروع ,كخشية أن يصير الولد رقيقاً إذا كانت الموطوءة أمَةً , أو خشية دخول الضرر على الولد المرضَع إذا كانت الموطوءة ترضِعُه (٣) , فعن جابرٍ ﵁ قال: "كنا نَعْزِل على عهد النبي صلى لله عليه وسلم والقرآن يَنْزِل" (٤).

стр. 521

ومناط جواز العَزْل عن الموطوءة هو: استعمال ما يمنع مؤقتاً-لابالكليِّة- من وصول ماء الرجل إلى رحم المرأة دون إلحاق الضرر بهما أو بأحدهما (١). وقد ذهب إلى جواز العَزْل عن الزوجة بشرط إذنها: جمهور الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). واستندوا في ذلك على ما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُعْزَل عن الحرَّة إلا بإذنها (٦). وذلك لأن الوطء عن إنزالٍ سببٌ لحصول الولد، ولها في الولد حقّ، وبالعزل يفوت الولد، فكأنه سببٌ لفوات حقِّها, فلم يجز إلا بإذنها (٧). وقد اجتهد مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في تحقيق مناط جواز العَزْل في الحالات التي يُتعاطَى فيها وسائل تمنع الحمل مؤقتاً , وذلك باعتبار أنها لاتقطع الحمل بالكليِّة , فيجوز استعمالها عند الحاجة , وبتشاورٍ من الزوجين. حيث ورد في القرار -أثناء ذكر الحالات التي يجوز فيها تعاطي أسباب منع الحمل مؤقتاً - ما نصّه: " .. وهكذا إذا كان تأخيره لأسبابٍ أخرى شرعيَّةٍ أو صحيِّةٍ يُقِرُّها طبيبٌ مسلمٌ ثقة " (٨).

стр. 522

وذلك بناءً على أنها وسائل تؤخِّر الحمل إلى فترةٍ مؤقتةٍ لحاجة , وليس من وظيفتها قطع الحمل بالكليِّة. كما ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ما نصّه: " يجوز التحكُّم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدةٍ معينةٍ من الزمان، إذا دعت إليه حاجةٌ معتبَرةٌ شرعاً، بحسب تقدير الزوجين عن تشاورٍ بينهما وتراض، بشرط أن لا يترتَّب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وأن لا يكون فيها عدوانٌ على حملٍ قائم" (١).

стр. 523

المبحث العاشر إنشاء بنوك الحليب البشري والرضاع منها بنوك الحليب هي: مؤسساتٌ متخصصةٌ تقوم بجمع اللبن الطبيعي من أمهاتٍ شتى يتبرَّعن بشيءٍ مما في أثدائهن من اللبن , إما لكونه فائضاً عن حاجة أطفالهن، وإما لكون الطفل قد تُوفي وبقي اللبن في ثدي أمِّه، أو بأجرةٍ وقيمةٍ تُعطَى لهن مقابل اللبن المأخوذ منهن , ومن ثم بيعه واستعماله في إرضاع الأطفال المحتاجين إلى اللبن الطبيعي بعد تعقيمه وحفظه بطريقةٍ معقَّمةٍ في قوارير خاصةٍ يتم تخزينها في ثلاجاتٍ خاصةٍ داخل تلك المؤسسات (١). وقد بدأت فكره إنشاء بنوك الحليب خلال السبعينات من القرن العشرين في أوروبا والولايات المتحدة بعد أن انتشرت بنوك الدم وبنوك القرنية وبنوك المني وبنوك الأعضاء، ونحو ذلك (٢). ومن أهم الأسباب الداعية لهم إلى ذلك (٣): ١ - تخلِّي الأم عن طفلها بعد ولادتها له سفاحاً مع حاجته إلى الرضاعة الطبيعية لكونه خداجاً أو ناقص الوزن أو مصاباً بالتهاباتٍ حادَّةٍ مما يحتاج معه إلى الرضاعة الطبيعية. ٢ - وفاة الأم بعد ولادتها مع حاجة الطفل إلى الرضاعة الطبيعية لما تقدم.

стр. 524

٣ - مرض الأم الذي يمنع من الرضاعة الطبيعية مع حاجة الطفل الشديدة إلى ذلك لما تقدم. ٤ - عدم وجود الحليب في ثدي الأم أو عدم كفايته لحاجة الطفل ولاسيما إذا كانت هناك حاجةٌ ماسَّةٌ إلى الرضاعة الطبيعية كما في الحالات التي تقدم ذكرها. ونظراً لندرة وجود المرضِعة البديلة عن الأم إثر التفكك الاجتماعي في البلدان الغربية، مع الحاجة إلى تأمين الرضاعة الطبيعية للأطفال الخداج وناقصي الوزن والمصابين بالالتهابات الحادة، تم إنشاء بنوك الحليب التي تقوم بجمع اللبن الطبيعي من أمهاتٍ شتى إما تبرعاً أو بأجرةٍ , ثم تعقيمه وحفظه في ثلاجاتٍ خاصَّةٍ بغرض بيعه واستعماله في إرضاع الأطفال المحتاجين إلى ذلك (١). فإذا كان الأمر كما تقدم بيانه فما حُكْم إنشاء بنوك الحليب البشري والإرضاع منها؟ لقد بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي هذا الموضوع , وذلك في دورته الثانية بجدة من ١٠ - ١٦ ربيع الآخر ١٤٠٦ هـ الموافق ٢٢ - ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٥ م، وقرر المجلس ما يلي: أولاً: منع إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي. ثانياً: حُرْمَة الرضاع منها (٢). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط التصوُّر التام لمحل

стр. 525

الحُكْم، ومعرفة حقيقته، وملابساته المحيطة به , ومن أهم الوسائل الموصلة إلى ذلك الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص كما تقدم (١). وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الضابط بالرجوع إلى الدراسات الطبية المتخصصة في ذلك , حيث ورد في القرار ما نصُّه: " بعد أن عُرِض على المجمع دراسةٌ فقهية، ودراسةٌ طبيَّةٌ حول بنوك الحليب، وبعد التأمل فيما جاء في الدراستين , ومناقشة كلٍّ منهما مناقشةً مستفيضةً شملت مختلف جوانب الموضوع , وتبيَّن منها: أولاً: أن بنوك الحليب تجربةٌ قامت بها الأمم الغربية، ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية والعلمية فيها , فانكمشت وقلَّ الاهتمام بها. ثانياً: أن الإسلام يَعْتَبِر الرضاعَ لُحْمَةً كلُحْمِة النَّسب يحْرُم به ما يحْرُم من النَّسب بإجماع المسلمين, ومن مقاصد الشريعة الكليَّة المحافظة على النَّسب، وبنوك الحليب مؤديةٌ إلى الاختلاط أو الريبة. ثالثاً: أن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفِّر للمولود الخِداج أو ناقص الوزن أو المحتاج إلى اللبن البشري في الحالات الخاصة ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبيعي، الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب .. " (٢). ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط اعتبار مآلات الأفعال كما تقدم (٣). وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الضابط أثناء تحقيق مناط تحريم إنشاء بنوك الحليب , وذلك باعتبار أنها تؤدي إلى اختلاط الأنساب والريبة فيها , حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى أن يتزوج الرجل امرأةً يكون قد رضع منها أو من لبن ابنتها أو من لبن أمِّها,

стр. 526

وذلك لأن اللبن المرتضَع لايُعْرَف هو لبن أي امرأة , فلم ينظر -هنا- إلى مجرد تجميع لبن الأمهات فحسب, بل نظر إلى هذا الفعل من حيث ما يؤدي إليه , ومالا يتم ترك الحرام إلا به فتركه واجبٌ وفعله محرَّم, ولذلك اشتمل القرار على تحريم إنشاء مثل هذه البنوك وتحريم الإرضاع منها باعتبار أنها وسيلةٌ للمُحرَّم (١). ثالثاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد , ومن ذلك درء المفاسد الراجحة وإن تعلَّقت بها مصالح مرجوحة. وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الضابط أثناء تحقيق مناط تحريم إنشاء بنوك الحليب , وذلك باعتبار أنها تؤدي إلى مفسدة اختلاط الأنساب والريبة فيها , فقد يتزوج الرجل امرأةً يحْرُم عليه الزواجُ منها لرضاعٍ محرِّم , وهذه المفسدة معتبَرةٌ في مقابل مصلحة تأمين الحليب الطبيعي من تلك البنوك الذي يمكن الحصول عليه مباشرةً عن طريق المرضِعات المتبرِّعات أو المستأجَرات ,وهنَّ موجوداتٌ بحمد الله في المجتمعات الإسلامية , كما يمكن الاستفادة من أنواع الحليب المصنَّعة التي تؤدي الغرض المطلوب دون ارتكاب مايؤدي إلى المفسدة الأعظم وهي اختلاط الأنساب والارتياب فيها. رابعاً: ثبت باستقراء نصوص الشرع أن المحافظة على النَّسب , ومنع كلِّ مايؤدي إلى اختلاطه أو الريبة فيه من أعظم مقاصد الشريعة الكليَّة, ولأجل تحقيق هذا المقصد العظيم فقد حرَّم الشارع الزِّنا , ورتَّب عليه الحدّ , وتوعَّد مرتكبه بأشنع العقوبات , كما حرّم التَّبَنِّي، وشرَّع أحكاماً خاصةً بالعِدَّةِ وبراءة الأرحام، وأحكاما أخرى تتعلق بإثبات النسب وجحده كما في اللعان, وحرَّم الجَنَّة على من انتسب إلى غير أبيه , وغيرِ ذلك من الأحكام التي تؤكد اعتناء الشارع الحكيم بضبط الأنساب وصيانتها من كلِّ مايؤدي إلى الريبة أو

стр. 527

الاختلاط , وآصرة الرضاع كآصرة النسب (١). وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في تحقيق هذا المناط الكلِّي في تحريم إنشاء بنوك الحليب والإرضاع منها , وذلك باعتبار أنها تتنافى مع المقصود الكلِّي من المحافظة على الأنساب , وتؤدي إلى الاختلاط والريبة فيه. خامساً: ثبت بالسُّنَّة الصحيحة أن مناط انتشار التحريم في الرضاع هو: " حصول الغذاء بلبن آدميةٍ يُنْبِت اللحم ويَشُدُّ العظم". عن ابن مسعودٍ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا رضاع إلا ما شدَّ العظمَ وأنْبَتَ اللحم" (٢). وعن عائشة ﵂ عن النبي صلى الله عليه أنه قال: " .. فإنما الرضاعة من المجاعة" (٣). أي: إنما الرضاعة التي تثبُت بها الحُرْمَة وتَحِلُّ بها الخلوة هي حيث يكون الرضيع طفلاً لسدِّ اللبن جوعته؛ لأن معدته ضعيفةٌ يكفيها اللبن , وينْبُت بذلك لحمه , فيصير كجزءٍ من المرضِعة , فيشترك في الحُرْمَة مع أولادها، فكأنه قال لا رضاعة معتبَرةٌ إلا المُغْنية عن المجاعة أو المُطْعِمة من المجاعة (٤). وبناءً على ذلك فإنه لايُشترَط في انتشار التحريم في الرضاع المصُّ من الثدي مباشرة , بل يحصل التحريم أيضاً بصبِّ اللبن في حَلْق الطفل أو في فَمِه من غير التقام الثدي وهو ما يسمى ب"الوَجُور" (٥) ,كما ذهب إلى ذلك

стр. 528

جمهور الفقهاء من الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤). وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في تحقيق مناط انتشار التحريم في الرضاع في اللبن المرتضَع من بنوك الحليب الذي يُسقَى به الطفل, وذلك باعتبار أنه لبن آدميةٍ يحصل به الغذاء فيشُدُّ العظمَ ويُنْبِت اللحم , فلا فرق في ذلك بين مصِّ اللبن من الثدي مباشرةً وتناوله من القوارير التي يحفظ بها , فكلاهما يسُدُّ الجوعَ ويحصل به الغذاء للطفل, ولما كان الخلط بين لبن الأمهات في تلك القوارير يؤدي إلى اختلاط الأنساب والريبة فيها صدر القرار في ذلك بتحريم إنشاء بنوك الحليب والرضاع منها (٥).

стр. 529

المبحث الحادي عشر إجراء عمليات التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب تُعتبَر عمليات التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب من طرق التخصيب الطبية الحديثة في حال تعذُّر الإنجاب الطبيعي بالاتصال المباشر بين الزوج وزوجته (١). والتلقيح الصناعي نوعان: النوع الأول: التلقيح الصناعي الداخلي , وهي العملية التي يتم بواسطتها أخذ كميَّةٍ مركَّزةٍ من السائل المنوي وحقنها داخل تجويف الرَّحِم (٢). ويتم إجراء التلقيح الصناعي الداخلي لعدة أسبابٍ من أهمها: (٣) ١ - وجود عائقٍ لوصول السائل المنوي إلى عنق الرَّحِم لسببٍ أو لآخر (كحالات الضعف الجنسي). ٢ - وجود أجسامٍ مضادَّةٍ بين الحيوانات المنوية وإفرازات عنق الرَّحِم. ٣ - وجود قطعٍ صغيرةٍ مشابهةٍ لبطانةٍ جدار الرَّحِم خارجةً , أو في الحوض ,أو على المبيضين ,وهو ما يُعْرَف بالبِطانة المهاجرة التي تمنع غالباً من فرص الإخصاب. ٤ - قلة عدد الحيوانات المنوية ,وضعف حركتها ,أو شكلها , بنسبةٍ ضئيلةٍ أو متوسطة.

стр. 530

النوع الثاني: التلقيح الصناعي الخارجي أو ما يُسمَّى ب "طفل الأنبوب" , وهي العملية التي يتم فيها جمع الحيوان المنوي مع البويضة في أنبوبٍ خارجيٍّ في ظل ظروفٍ معيَّنةٍ حتى يتم التخصيب ,ومن ثَمَّ تُغْرَس البويضة الملقَّحة في الرَّحِم لتواصل مراحل نموها (١). وتعتمِد هذه العملية على أخذ البويضة من المرأة عند خروجها من المبيض , وذلك بواسطة مسبارٍ خاصٍّ يُدخِله الطبيب في تجويف البطن عند موعد خروج البويضة من المبيض فيلتقطها , ثم يضعها في طبقٍ , وفي هذا الطبق سائلٌ فسيولوجي مناسبٌ لبقاء البويضة، ثم يؤخذ مني الرجل ويوضع في الطبق مع البويضة، فإذا تم تلقيح البويضة بأحد الحيوانات المنوية-وذلك يمكن مشاهدته تحت الميكروسكوب- تُركِت هذه البويضة الملقَّحة لتنقسم انقساماتها الطبيعية حتى تصبح ثمان خلايا , ثم تُغْرَز أو تُوضَع في الرِّحِم، والمدة التي تبقى فيها البويضة في الطبق لا تعدو يومين أو ثلاثة. ويتم إجراء ذلك لأسبابٍ من أهمها: (٢) ١ - الضعف الشديد في عدد الحيوانات المنوية وقدرتها على الحركة عند الرجل. ٢ - عدم نجاح ثلاث محاولاتٍ أو أكثر من الحقن الصناعي الداخلي. ٣ - حدوث تضادٍّ مناعيٍّ في الجهاز التناسلي للمرأة أو الرجل يمنع من فرص التخصيب. وتنحصر صور التلقيح الاصطناعي - سواء كان داخلياً أو خارجياً - فيما يأتي: (٣) الصورة الأولى: أن يجري التلقيح بين نطفةٍ مأخوذةٍ من زوجٍ وبييضةٍ مأخوذةٍ من امرأةٍ ليست زوجته , ثم تُزرَع تلك اللقيحة في رحِم زوجته.
следующие страницы →