← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وذلك لأن اللبن المرتضَع لايُعْرَف هو لبن أي امرأة , فلم ينظر -هنا- إلى مجرد تجميع لبن الأمهات فحسب, بل نظر إلى هذا الفعل من حيث ما يؤدي إليه , ومالا يتم ترك الحرام إلا به فتركه واجبٌ وفعله محرَّم, ولذلك اشتمل القرار على تحريم إنشاء مثل هذه البنوك وتحريم الإرضاع منها باعتبار أنها وسيلةٌ للمُحرَّم (١). ثالثاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد , ومن ذلك درء المفاسد الراجحة وإن تعلَّقت بها مصالح مرجوحة. وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الضابط أثناء تحقيق مناط تحريم إنشاء بنوك الحليب , وذلك باعتبار أنها تؤدي إلى مفسدة اختلاط الأنساب والريبة فيها , فقد يتزوج الرجل امرأةً يحْرُم عليه الزواجُ منها لرضاعٍ محرِّم , وهذه المفسدة معتبَرةٌ في مقابل مصلحة تأمين الحليب الطبيعي من تلك البنوك الذي يمكن الحصول عليه مباشرةً عن طريق المرضِعات المتبرِّعات أو المستأجَرات ,وهنَّ موجوداتٌ بحمد الله في المجتمعات الإسلامية , كما يمكن الاستفادة من أنواع الحليب المصنَّعة التي تؤدي الغرض المطلوب دون ارتكاب مايؤدي إلى المفسدة الأعظم وهي اختلاط الأنساب والارتياب فيها. رابعاً: ثبت باستقراء نصوص الشرع أن المحافظة على النَّسب , ومنع كلِّ مايؤدي إلى اختلاطه أو الريبة فيه من أعظم مقاصد الشريعة الكليَّة, ولأجل تحقيق هذا المقصد العظيم فقد حرَّم الشارع الزِّنا , ورتَّب عليه الحدّ , وتوعَّد مرتكبه بأشنع العقوبات , كما حرّم التَّبَنِّي، وشرَّع أحكاماً خاصةً بالعِدَّةِ وبراءة الأرحام، وأحكاما أخرى تتعلق بإثبات النسب وجحده كما في اللعان, وحرَّم الجَنَّة على من انتسب إلى غير أبيه , وغيرِ ذلك من الأحكام التي تؤكد اعتناء الشارع الحكيم بضبط الأنساب وصيانتها من كلِّ مايؤدي إلى الريبة أو

стр. 527

الاختلاط , وآصرة الرضاع كآصرة النسب (١). وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في تحقيق هذا المناط الكلِّي في تحريم إنشاء بنوك الحليب والإرضاع منها , وذلك باعتبار أنها تتنافى مع المقصود الكلِّي من المحافظة على الأنساب , وتؤدي إلى الاختلاط والريبة فيه. خامساً: ثبت بالسُّنَّة الصحيحة أن مناط انتشار التحريم في الرضاع هو: " حصول الغذاء بلبن آدميةٍ يُنْبِت اللحم ويَشُدُّ العظم". عن ابن مسعودٍ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا رضاع إلا ما شدَّ العظمَ وأنْبَتَ اللحم" (٢). وعن عائشة ﵂ عن النبي صلى الله عليه أنه قال: " .. فإنما الرضاعة من المجاعة" (٣). أي: إنما الرضاعة التي تثبُت بها الحُرْمَة وتَحِلُّ بها الخلوة هي حيث يكون الرضيع طفلاً لسدِّ اللبن جوعته؛ لأن معدته ضعيفةٌ يكفيها اللبن , وينْبُت بذلك لحمه , فيصير كجزءٍ من المرضِعة , فيشترك في الحُرْمَة مع أولادها، فكأنه قال لا رضاعة معتبَرةٌ إلا المُغْنية عن المجاعة أو المُطْعِمة من المجاعة (٤). وبناءً على ذلك فإنه لايُشترَط في انتشار التحريم في الرضاع المصُّ من الثدي مباشرة , بل يحصل التحريم أيضاً بصبِّ اللبن في حَلْق الطفل أو في فَمِه من غير التقام الثدي وهو ما يسمى ب"الوَجُور" (٥) ,كما ذهب إلى ذلك

стр. 528

جمهور الفقهاء من الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤). وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في تحقيق مناط انتشار التحريم في الرضاع في اللبن المرتضَع من بنوك الحليب الذي يُسقَى به الطفل, وذلك باعتبار أنه لبن آدميةٍ يحصل به الغذاء فيشُدُّ العظمَ ويُنْبِت اللحم , فلا فرق في ذلك بين مصِّ اللبن من الثدي مباشرةً وتناوله من القوارير التي يحفظ بها , فكلاهما يسُدُّ الجوعَ ويحصل به الغذاء للطفل, ولما كان الخلط بين لبن الأمهات في تلك القوارير يؤدي إلى اختلاط الأنساب والريبة فيها صدر القرار في ذلك بتحريم إنشاء بنوك الحليب والرضاع منها (٥).

стр. 529

المبحث الحادي عشر إجراء عمليات التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب تُعتبَر عمليات التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب من طرق التخصيب الطبية الحديثة في حال تعذُّر الإنجاب الطبيعي بالاتصال المباشر بين الزوج وزوجته (١). والتلقيح الصناعي نوعان: النوع الأول: التلقيح الصناعي الداخلي , وهي العملية التي يتم بواسطتها أخذ كميَّةٍ مركَّزةٍ من السائل المنوي وحقنها داخل تجويف الرَّحِم (٢). ويتم إجراء التلقيح الصناعي الداخلي لعدة أسبابٍ من أهمها: (٣) ١ - وجود عائقٍ لوصول السائل المنوي إلى عنق الرَّحِم لسببٍ أو لآخر (كحالات الضعف الجنسي). ٢ - وجود أجسامٍ مضادَّةٍ بين الحيوانات المنوية وإفرازات عنق الرَّحِم. ٣ - وجود قطعٍ صغيرةٍ مشابهةٍ لبطانةٍ جدار الرَّحِم خارجةً , أو في الحوض ,أو على المبيضين ,وهو ما يُعْرَف بالبِطانة المهاجرة التي تمنع غالباً من فرص الإخصاب. ٤ - قلة عدد الحيوانات المنوية ,وضعف حركتها ,أو شكلها , بنسبةٍ ضئيلةٍ أو متوسطة.

стр. 530

النوع الثاني: التلقيح الصناعي الخارجي أو ما يُسمَّى ب "طفل الأنبوب" , وهي العملية التي يتم فيها جمع الحيوان المنوي مع البويضة في أنبوبٍ خارجيٍّ في ظل ظروفٍ معيَّنةٍ حتى يتم التخصيب ,ومن ثَمَّ تُغْرَس البويضة الملقَّحة في الرَّحِم لتواصل مراحل نموها (١). وتعتمِد هذه العملية على أخذ البويضة من المرأة عند خروجها من المبيض , وذلك بواسطة مسبارٍ خاصٍّ يُدخِله الطبيب في تجويف البطن عند موعد خروج البويضة من المبيض فيلتقطها , ثم يضعها في طبقٍ , وفي هذا الطبق سائلٌ فسيولوجي مناسبٌ لبقاء البويضة، ثم يؤخذ مني الرجل ويوضع في الطبق مع البويضة، فإذا تم تلقيح البويضة بأحد الحيوانات المنوية-وذلك يمكن مشاهدته تحت الميكروسكوب- تُركِت هذه البويضة الملقَّحة لتنقسم انقساماتها الطبيعية حتى تصبح ثمان خلايا , ثم تُغْرَز أو تُوضَع في الرِّحِم، والمدة التي تبقى فيها البويضة في الطبق لا تعدو يومين أو ثلاثة. ويتم إجراء ذلك لأسبابٍ من أهمها: (٢) ١ - الضعف الشديد في عدد الحيوانات المنوية وقدرتها على الحركة عند الرجل. ٢ - عدم نجاح ثلاث محاولاتٍ أو أكثر من الحقن الصناعي الداخلي. ٣ - حدوث تضادٍّ مناعيٍّ في الجهاز التناسلي للمرأة أو الرجل يمنع من فرص التخصيب. وتنحصر صور التلقيح الاصطناعي - سواء كان داخلياً أو خارجياً - فيما يأتي: (٣) الصورة الأولى: أن يجري التلقيح بين نطفةٍ مأخوذةٍ من زوجٍ وبييضةٍ مأخوذةٍ من امرأةٍ ليست زوجته , ثم تُزرَع تلك اللقيحة في رحِم زوجته.

стр. 531

الصورة الثانية: أن يجري التلقيح بين نطفة رجلٍ غير الزوج وبييضة الزوجة , ثم تُزرَع تلك اللقيحة في رحِم الزوجة. الصورة الثالثة: أن يجري تلقيحٌ خارجيٌّ بين بذرتي زوجين , ثم تُزرَع اللقيحة في رحِم امرأةٍ متطوعةٍ بحملها. الصورة الرابعة: أن يجري تلقيحٌ خارجيٌّ بين بذرتي رجلٍ أجنبيٍّ وبييضة امرأةٍ أجنبيةٍ , ثم تُزرَع اللقيحة في رحِم الزوجة. الصورة الخامسة: أن يجري تلقيحٌ خارجيٌّ بين بذرتي زوجين , ثم تُزرَع اللقيحة في رحِم الزوجة الأخرى. الصورة السادسة: أن تؤخذ نطفةٌ من زوجٍ وبييضةٍ من زوجته , ويتم التلقيح خارجياً, ثم تُزرَع اللقيحة في رحِم الزوجة. الصورة السابعة: أن تؤخذ بذرة الزوج وتُحقَن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحِمها تلقيحاً داخلياً. فإذا كانت هذه صور التلقيح الصناعي , وتلك أنواعه , وأسبابه, فما حكم الشرع في إجراء هذا النوع من العمليات؟ لقد بحث المجمع الفقهي الإسلامي هذه النازلة في دورته السابعة عام ١٤٠٤ هـ, وفي دورته الثامنة عام ١٤٠٥ هـ , وأصدر في ذلك قراراً بجواز صورتين فقط من صور التلقيح الصناعي وهما: -التلقيح الذي تؤخذ فيها النطفة الذَّكرية من رجلٍ متزوج , ثم تُحقَن في رحِم زوجته نفسها. -التلقيح الذي تؤخذ فيها البذرتان الذكرية والأنثوية من رجلٍ وامرأةٍ زوجين أحدهما للآخر، ويتم تلقيحهما خارجياً في أنبوب اختبار، ثم تُزرَع اللقيحة في رحِم الزوجة نفسها صاحبة البويضة. أما الصور الأخرى للتلقيح الصناعي فقد نصَّ القرار على تحريمها ومنعها مطلقاً , حيث صدر في القرار ما نصُّه: " وأما الأساليب الأخرى من أساليب التلقيح الاصطناعي، في الطريقين الداخلي والخارجي، مما سبق

стр. 532

بيانه، فجميعها محرَّمةٌ في الشرع الإسلامي، لا مجال لإباحة شيءٍ منها .. ". كما بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذا الموضوع في دورته الثالثة بعمَّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ - ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ، الموافق ١١ - ١٦ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٨٦ م، وأصدر في ذلك قراراً بتحريم الصور الخمس الأولى من صور التلقيح الصناعي, ومنعها منعاً باتاً (١)، وأجاز الصورتين السادسة والسابعة (٢). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط التصوُّر التام للواقعة , ومعرفة حقيقتها , ومكوناتها, وأسبابها؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره كما تقدم (٣). وقد راعى مجلس المجمع الفقهي هذا الضابط , واستهلَّ القرار الصادر في هذا الشأن بتوصيفٍ شاملٍ للتلقيح الصناعي , وبيان أنواعه ,وطرقه , وأسبابه. حيث ورد في القرار ما نصُّه: " استعرض المجلس ما تحقَّق في هذا المجال من إنجازاتٍ طبيةٍ توصَّل إليها العلم والتقنية في العصر الحاضر لإنجاب الأطفال من بني الإنسان، والتغلُّب على أسباب العقم المختلفة المانعة من الاستيلاد , وقد تبيَّن للمجلس من تلك الدراسة الوافية المشار إليها، أن التلقيح الاصطناعي بغية الاستيلاد (بغير الطريق الطبيعي وهو الاتصال الجنسي المباشر بين الرجل والمرأة) يتم بأحد طريقين أساسيين: - طريق التلقيح الداخلي، وذلك بحقن نطفة الرجل في الموقع المناسب من باطن المرأة.

стр. 533

- وطريق التلقيح الخارجي بين نطفة الرجل وبويضة المرأة في أنبوب اختبار، في المختبرات الطبية، ثم زرع البويضة الملقَّحة (اللقيحة) في رحِم المرأة. ولابد في الطريقين من انكشاف المرأة على من يقوم بتنفيذ العملية. وقد تبين لمجلس المجمع من تلك الدراسة المقدَّمة إليه في الموضوع، ومما أظهرته المذاكرة والمناقشة، أن الأساليب والوسائل التي يجري بها التلقيح الاصطناعي بطريقيه الداخلي والخارجي لأجل الاستيلاد هي سبعة أساليب بحسب الأحوال المختلفة , للتلقيح الداخلي فيها أسلوبان، وللخارجي خمسةٌ من الناحية الواقعية، بقطع النظر عن حِلِّها أو حُرمتِها شرعًا، وهي الأساليب التالية: في التلقيح الاصطناعي الداخلي: الأسلوب الأول: أن تؤخذ النطفة الذَّكرية من رجلٍ متزوجٍ , وتُحقَن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته، أو رحِمها، حتى تلتقي النطفة التقاءً طبيعيًّا بالبويضة التي يفرزها مبيض زوجته، ويقع التلقيح بينهما، ثم العلوق في جدار الرَّحِم بإذن الله، كما في حالة الجماع , وهذا الأسلوب يُلجَأ إليه إذا كان في الزوج قصورٌ لسببٍ ما عن إيصال مائه في المواقعة إلى الموضع المناسب. الأسلوب الثاني: أن تؤخذ نطفةٌ من رجلٍ، وتُحقَن في الموقع المناسب من زوجة رجلٍ آخر، حتى يقع التلقيح داخليًّا، ثم العلوق في الرَّحِم، كما في الأسلوب الأول , ويُلجَأ إلى هذا الأسلوب حين يكون الزوج عقيمًا لا بذرة في مائه، فيأخذون النطفة الذَّكرية من غيره. في طريق التلقيح الخارجي: الأسلوب الثالث: أن تؤخذ نطفةٌ من زوجٍ، وبويضةٍ من مبيض زوجته، فتوضعا في أنبوب اختبارٍ طبي، بشروطٍ فيزيائيةٍ معينة، حتى تلقِّح نطفةُ الزوج بويضةَ زوجته في وعاء الاختبار، ثم بعد أن تأخذ اللقيحة في الانقسام

стр. 534

والتكاثر، تنقل في الوقت المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحِم الزوجة نفسها صاحبة البويضة، لتعلق في جداره، وتنمو وتتخلَّق ككل جنين، ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية، تلده الزوجة طفلاً أو طفلة , وهذا هو طفل الأنبوب الذي حققه الإنجاز العلمي، الذي يسره الله، وولد به إلى اليوم عدد من الأولاد ذكورًا وإناثًا وتوائم، تناقلت أخبارها الصحف العالمية، ووسائل الإعلام المختلفة , ويُلجَأ إلى هذا الأسلوب الثالث عندما تكون الزوجة عقيمًا، بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها ورحِمها (قناة فالوب). الأسلوب الرابع: أن يجري تلقيحٌ خارجيٌّ في أنبوب الاختبار بين نطفةٍ مأخوذةٍ من زوجٍ وبويضةٍ مأخوذةٍ من مبيض امرأةٍ ليست زوجته (يسمونها متبرِّعة) ثم تُزرَع اللقيحة في رحِم زوجته , ويلجؤون إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصَلاً أو معطَّلاً، ولكن رحِمها سليمٌ قابلٌ لعلوق اللقيحة فيه. الأسلوب الخامس: أن يجري تلقيحٌ خارجيٌّ في أنبوب اختبارٍ بين نطفة رجلٍ وبويضةٍ من امرأة ليست زوجة له (يسمونهما متبرِّعَيْن)، ثم تُزرَع اللقيحة في رحِم امرأةٍ أخرى متزوجة , ويلجؤون إلى ذلك حينما تكون المرأة المتزوجة- التي زرعت اللقيحة فيها- عقيمًا، بسبب تعطُّل مبيضها، لكن رحِمها سليم، وزوجها أيضًا عقيم , ويريدان ولدًا. الأسلوب السادس: أن يجري تلقيحٌ خارجيٌّ في وعاء الاختبار بين بذرتي زوجين، ثم تُزرَع اللقيحة في رحِم امرأةٍ تتطوع بحملها ,ويلجؤون إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرةٍ على الحمل لسبب في رحمها، ولكن مبيضها سليمٌ منتج، أو تكون غير راغبةٍ في الحمل ترفُّهاً، فتتطوع امرأةٌ أخرى بالحمل عنها. هذه هي أساليب التلقيح الاصطناعي الذي حقَّقَّه العلم لمعالجة أسباب عدم الحمل , وقد نظر مجلس المجمع، فيما نشر وأذيع- أنه يتم فعلاً تطبيقه في أوربا وأمريكا- من استخدام هذه الإنجازات لأغراضٍ مختلفةٍ: منها تجاري، ومنها ما يجري تحت عنوان (تحسين النوع البشري)، ومنها ما يتم

стр. 535

لتلبية الرغبة في الأمومة لدى نساءٍ غير متزوجات، أو نساءٍ متزوجات لا يحملن لسببٍ فيهن، أو أزواجِهن، وما أنشئ لتلك الأغراض المختلِفة من مصارف النطف الإنسانية، التي تُحفَظ فيها نطف الرجال بصورةٍ تقانية، تجعلها قابلةً للتلقيح بها إلى مدةٍ طويلة , وتؤخذ من رجالٍ معينين، أو غير معينين تبرُّعًا، أو لقاء عِوض، إلى آخر ما يقال إنه واقعٌ اليوم في بعض بلاد العالم المتمدِّن " (١). كما راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الضابط بالرجوع إلى الأطباء والخبراء المختصين في تصوُّر حقيقة عمليات التلقيح الصناعي , وأنواعه , حيث ورد في القرار ما نصُّه: " إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمَّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ - ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ، الموافق ١١ - ١٦ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٨٦ م، بعد استعراضه البحوث المقدمة في موضوع التلقيح الصناعي (أطفال الأنابيب) والاستماع لشرح الخبراء والأطباء، وبعد التداول الذي تبيَّن منه للمجلس أن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذا الأيام هي سبعة ... " , ثم ذُكِرت الطرق التي تقدم بيانها. ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط اعتبار مآلات الأفعال كما تقدم (٢). وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الضابط أثناء تحقيق مناط تحريم الطرق الخمسة في التلقيح الصناعي، وذلك باعتبار ما يترتب عليها من اختلاط الأنساب , وضياع الأمومة , وغير ذلك من المحاذير الشرعية (٣). كما نصَّ القرار على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة عند الحاجة

стр. 536

إلى إجراء عمليات التلقيح الصناعي بالطريقة السادسة والسابعة التي صدر القرار بجوازها عند الحاجة إلى ذلك. وذلك تحرُّزا من الوقوع في أي خطأ يؤدي إلى اختلاط النطف أو الريبة فيها, وهو ما يتعارض مع مقصود الشريعة في صيانة الأنساب وحفظها كما تقدم. وكذلك نصَّ القرار الصادر عن مجلس المجمع الفقهي على ذلك حيث ورد فيه: " ونظرًا لما في التلقيح الاصطناعي- بوجهٍ عام-من ملابساتٍ حتى في الصورتين الجائزتين شرعًا، ومن احتمال اختلاط النُّطَف، أو اللقائح في أوعية الاختبار، ولاسيما إذا كثرت ممارسته وشاعت، فإن مجلس المجمع الفقهي ينصح الحريصين على دينهم، ألاَّ يلجؤوا إلى ممارسته إلا في حالة الضرورة القصوى، وبمنتهى الاحتياط والحذر من اختلاط النُّطَف، أو اللقائح" (١). ثالثاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد أثناء اجتماعها في محلِّ الحكم كما تقدم (٢). وقد راعى مجلس المجمع الفقهي هذا الضابط بالموازنة بين حاجة الزوجين إلى إجراء عملية التلقيح الصناعي للمساعدة على الإنجاب من جهة, ومفسدة الكشف على عورة المرأة المغلَّظة من جهةٍ أخرى , ورجَّحوا مصلحة التداوي بالتلقيح الصناعي إذا تحقَّق فيه ما يخفِّف المفاسد المترتِّبة على ذلك , كأن يكون المعالِج امرأةً مسلمةً -إن أمكن ذلك- وإلا فامرأةٌ غير مسلمة، وإلا فطبيبٌ مسلمٌ ثقة، وإلا فغير مسلمٍ بهذا الترتيب, وانتفاء الخلوة بالمرأة إذا كان المعالج رجلاً وذلك بحضور زوجها أو امرأةٍ أخرى , وأن يثبت طبياً حاجة المرأة إلى إجراء عملية التلقيح الصناعي للمساعدة على الإنجاب بإذن الله , مع أخذ كل الاحتياطات اللازمة لمنع اختلاط النُّطَف أو الريبة فيها.

стр. 537

وذلك لأن الأصل تحريم النظر إلى عورة المرأة ولمسها ,ولاسيما العورة المغلَّظة التي لايجوز لغير زوجها النظر إليها أو لمسها , سواءً أكان الناظر أو اللامس رجلاً أو امرأة، ولكن أجاز الفقهاء كشف العورة ونظر الأجنبي إليها لدواعي الكشف الطبي والتعليم والحاجة إلى العلاج , باعتبار أن ذلك من الضرورات التي تبيح المحظورات , ولكن تُقدَّر بقدرها , فيقتصر النظر واللمس على قدر الضرورة أو الحاجة. قال السرخسي: " وإذا أصاب امرأةً قرحةٌ في موضعٍ لا يحِلُّ للرجل أن يُنْظَر إليه ,لا يَنْظُر إليه ,ولكن يعلِّم امرأةً دواءَها لتداويها؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف ... وإن لم يجدوا امرأةً تداوي تلك القرحة ,ولم يقدروا على امرأةٍ تعلَّم ذلك إذا علمت , وخافوا أن تهلك أو يصيبها بلاءٌ أو وجعٌ لا تحتمله , فلا بأس أن يستروا منها كلَّ شيءٍ إلا موضع تلك القرحة, ثم يداويها رجلٌ ويغضُّ بصرَه ما استطاع إلا عن ذلك الموضع؛ لأن نظر الجنس إلى غير الجنس أغلظ ,فيُعتبَر فيه تحقُّق الضرورة ,وذلك لخوف الهلاك عليها" (١). وقال ابن مفلح (٢): "فإن مرضت امرأةٌ ولم يوجد من يطبُّها غير رجلٍ جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منه حتى الفرجين" (٣). وقال ابن قدامة: "ويباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدنها من العورة وغيرها؛ فإنه موضع حاجة" (٤). وقال ابن عابدين: "وينظر الطبيب إلى موضع مرضها بقدر الضرورة " (٥). وقد ورد في القرار ما يؤكد ذلك المعنى , ويحقِّق مناطه في الصورتين

стр. 538

الجائزتين من صور التلقيح الصناعي إذا تحقَّت الشروط اللازمة في ذلك, حيث جاء فيه ما نصُّه: " هذا، وإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، بعد النظر فيما تجمَّع لديه من معلوماتٍ موثَّقةٍ، مما كُتِب ونُشِر في هذا الشأن، وتطبيق قواعد الشريعة الإسلامية ومقاصدها، لمعرفة حكم هذه الأساليب المعروضة وما تستلزمه، قد انتهى إلى القرار التفصيلي التالي: أولاً: أحكامٌ عامة: (أ) إن انكشاف المرأة المسلمة على غير من يحِلُّ شرعًا بينها وبينه الاتصال الجنسي، لا يجوز بحالٍ من الأحوال، إلا لغرضٍ مشروعٍ يعتبره الشرع مبيحًا لهذا الانكشاف. (ب) إنَّ احتياج المرأة إلى العلاج من مرضٍ يؤذيها، أو من حالةٍ غير طبيعيةٍ في جسمها، تُسَبِّب لها إزعاجًا، يُعْتبَر ذلك غرضًا مشروعًا يبيح لها الانكشاف على غير زوجها لهذا العلاج، وعندئذٍ يتقيد ذلك الانكشاف بقدر الضرورة. (ج) كلما كان انكشاف المرأة على غير من يحِلُّ بينها وبينه الاتصال الجنسي مباحًا لغرضٍ مشروع، يجب أن يكون المعالج امرأةً مُسْلِمَةً -إن أمكن ذلك- وإلا فامرأةٌ غير مُسْلِمَةٍ، وإلا فطبيبٌ مُسْلِمٌ ثقة، وإلا فغير مُسْلِمٍ بهذا الترتيب. ولا تجوز الخلوة بين المعالِج والمرأة التي يعالجها، إلا بحضور زوجها أو امرأةٍ أخرى. ثانيًا: حكم التلقيح الاصطناعي: ١ - إن حاجة المرأة المتزوجة، التي لا تحمل، وحاجة زوجها إلى الولد، تُعتبَر غرضًا مشروعًا، يبيح معالجتها بالطريقة المباحة، من طرق التلقيح الاصطناعي. ٢ - إن الأسلوب الأول (الذي تؤخذ فيه النطفة الذَّكرية، من رجلٍ متزوج، ثم تُحقَن في رحِم زوجته نفسها، في طريقة التلقيح الداخلي) هو

стр. 539

أسلوبٌ جائزٌ شرعًا، بالشروط العامة الآنفة الذكر، وذلك بعد أن تثبت حاجة المرأة إلى هذه العملية لأجل الحمل. ٣ - إن الأسلوب الثالث (الذي تؤخذ فيه البذرتان الذَّكرية والأنثوية من رجلٍ وامرأةٍ زوجين أحدهما للآخر، ويتم تلقيحهما خارجيًّا في أنبوب اختبار، ثم تُزرَع اللقيحة في رحِم الزوجة نفسها صاحبة البويضة) هو أسلوبٌ مقبولٌ مبدئيًّا في ذاته، بالنظر الشرعي، لكنه غير سليمٍ تمامًا من موجبات الشك، فيما يستلزمه، ويحيط به من ملابسات، فينبغي ألاَّ يُلجأ إليه إلا في حالات الضرورة القصوى، وبعد أن تتوفر الشرائط العامة الآنفة الذكر" (١). وإذا تحقق العمل بهذه الضوابط المذكورة فإنه يترجح حينئذٍ جواز عملية التلقيح الصناعي على منعه , وذلك لرجحان المصالح على المفاسد في هذه الواقعة مع توافر الضوابط المذكورة, وإن لم يتحقق العمل بالضوابط المذكورة فقد يفضي ذلك إلى مفاسد راجحة على المصالح , فيتجه حينئذ المنع والتحريم (٢). رابعاً: ثبت باستقراء نصوص الشرع أن المحافظة على النَّسب , ومنع كلِّ مايؤدي إلى اختلاطه أو الريبة فيه من أعظم مقاصد الشريعة الكليَّة, ولأجل تحقيق هذا المقصد العظيم فقد حرَّم الشارع الزِّنا , ورتَّب عليه الحدّ , وتوعَّد مرتكبه بأشنع العقوبات , كما حرّم التَّبَنِّي، وشرَّع أحكاماً خاصةً بالعِدَّةِ ,وبراءة الأرحام، وأحكاماً أخرى تتعلَّق بإثبات النَّسَب وجحده كما في اللِّعان, وحرَّم الجنَّة على من انتسب إلى غير أبيه , وغيرِ ذلك من الأحكام التي تؤكد اعتناء الشارع الحكيم بضبط الأنساب وصيانتها من كل مايؤدي إلى الريبة والاختلاط (٣). وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر

стр. 540

الإسلامي في تحقيق هذا المناط الكلِّي في المنع من الطرق الخمسة المذكورة تباعاً في طرق التلقيح الصناعي , وذلك باعتبارها تتنافى مع ذلك المقصود الكلِّي , وتؤدي إلى اختلاط الأنساب، لأن البذرتين الذكرية والأنثوية فيها ليستا من الزوجين، أو لأن المتطوعة بالحمل هي أجنبية عن الزوجين مصدر البذرتين (١).

стр. 541

المبحث الثاني عشر إسقاط الجنين المشوَّه خِلْقياً الجنين هو: الولد مادام في بطن أُمِّه مستتراً , والمراد به الكائن المتخلِّق من الحيوان المنوي للرجل والبويضة للمرأة داخل الرَّحِم (١). والإسقاط هو: إلقاء المرأة جنينها قبل أن يستكمل مدة الحمل، وقد استبان بعضُ خلقه , سواءٌ كان ذلك بفعلٍ منها كاستعمال دواءٍ أو بفعلٍ من غيرها (٢). والتشوهات الخِلْقية التي يتعرض لها الجنين تنقسم إلى ثلاثة أنواع: (٣) النوع الأول: تشوهاتٌ لاتؤثر على حياة الجنين , كالعمى والصمم والبكم. ... النوع الثاني: تشوهاتٌ يمكن أن يعيش معها الجنين بعد الولادة , كمن يولد بكِلْيةٍ واحدة, وبعضها يمكن إصلاحه بعد الولادة كبعض تشوهات المعدة والأمعاء. النوع الثالث: تشوهاتٌ خطيرةٌ لايُرْجَى للجنين معها حياةٌ بعد الولادة , كانسداد الحنجرة مما يمنع دخول الهواء للرئتين, وانسداد مجرى الهواء بين الأنف والحنجرة.

стр. 542

وهذه التشوهات الخِلْقية التي تحدث للجنين لها عدة أسبابٍ من أهمها: (١) - تعرُّض الحامِل في الأشهر الأولى للإشعاعات المباشرة, لاسيما منطقة البطن والحوض. - تناول العقاقير والمواد الكيماوية التي تضرّ الجنين أثناء الحمل , وتؤدي إلى تشوهات جسميةٍ وذهنيةٍ بسبب ما تحدثه من تغييرٍ كيمائيٍّ في الدم. - الإدمان على الكحول والمخدرات التي بدورها تؤثر على الحيوانات المنوية والبويضات, ويؤدي ذلك إلى حدوث تشوهاتٍ للجنين في الدماغ والقلب. - وجود تشوهات خِلْقية في أصل الحيوانات المنوية أو البويضات ,كالخلل في الكروموسومات من حيث الشكل أو الحجم. فإذا كانت التشوهات الخِلْقية التي تحدث للجنين كما تقدمت أنواعها وأسبابها فهل يجوز إجراء عملية إسقاطٍ للجنين إذا ثبت طبياً من خلال الفحوصات تعرُّض الجنين لبعض تلك التشوهات في مراحل تخلُّقه؟ لقد بحث مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذه المسألة في دورته الثانية عشرة عام ١٤١٠ هـ, وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة حول الموضوع، والمناقشات التي دارت حوله، قرَّر مايأتي: " - إذا كان الحمل قد بلغ مائةً وعشرين يومًا، فلا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوَّه الخِلْقة، إلا إذا ثبت بتقرير لجنةٍ طبيةٍ من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطرٌ مؤكدٌ على حياة الأم، فعندئذٍ يجوز إسقاطه، سواء أكان مشوَّهًا أم لا، دفعًا لأعظم الضررين. - قبل مرور مائةٍ وعشرين يومًا على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنةٍ طبيةٍ من الأطباء المختصين الثقات-وبناءً على الفحوص الفنية، بالأجهزة

стр. 543

والوسائل المختبرية- أن الجنين مشوَّه تشويهًا خطيرًا، غير قابلٍ للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده، ستكون حياته سيئة، وآلامًا عليه وعلى أهله، فعندئذٍ يجوز إسقاطه بناءً على طلب الوالدين " (١). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط التصور التام لمحلِّ الحكم , ومن أهم الأمور المعينة على ذلك الرجوع إلى أهل الخبرة في كل شيئٍ بحسبه. وقد راعى مجلس المجمع الفقهي هذا الضابط في تصور حقيقة التشوهات الخِلْقية التي يتعرض لها الجنين وأنواعها وأسبابها ,وذلك بالرجوع إلى الأطباء المختصين الثقات , حيث ورد في القرار ما نصُّه: " وبعد مناقشته من قبل هيئة المجلس الموقرة، ومن قبل أصحاب السعادة الأطباء المختصين، الذين حضروا لهذا الغرض .. ". كما ربط المجلس جواز إسقاط الجنين في حالة ثبوت خطرٍ من بقائه على حياة الأم بصدور تقريرٍ من لجنةٍ طبيةٍ تضم الثقات من الأطباء المختصين يؤكد أن بقاء الجنين قد يتسبب في إزهاق حياة الأم, حيث ورد في القرار ما نصُّه: " .. إلا إذا ثبت بتقرير لجنةٍ طبية، من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطرٌ مؤكدٌ على حياة الأم، فعندئذٍ يجوز إسقاطه، سواء أكان مشوَّهًا أم لا .. ". فإذا صدر تقريرٌ يفيد ذلك عن أطباء ثقاتٍ مختصين فحينئذٍ يتحقق مناط جواز إسقاط الجنين في هذه الحالة , وهو من باب تحقيق المناط بالاعتماد على قول أهل الخبرة. وكذلك أيضاً في الحالة الأخرى التي خلص القرار فيها إلى جواز إسقاط الجنين , وهي الحالة التي لم يبلغ فيها الجنين مائةً وعشرين يوماً ,

стр. 544

وثبت بتقرير الأطباء المختصين أن الجنين تعرَّض لتشوُّهٍ خطيرٍ غير قابلٍ للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده، ستكون حياته سيئة، وآلامًا عليه وعلى أهله. فإذا ثبت ذلك بتقرير الأطباء الثقات المختصين فحينئذٍ يتحقق مناط جواز إسقاط الجنين في هذه الحالة أيضاً , وهو من تحقيق المناط بالاعتماد على قول أهل الخبرة. ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد أثناء اجتماعها في محلِّ الحكم كما تقدم (١). وقد راعى مجلس المجمع الفقهي هذا الضابط في الحالة التي يكون فيها الجنين قد بلغ مائةً وعشرين يوماً , وأثبت فريقٌ من الأطباء المختصين الثقات أنه تعرَّض لتشوُّهٍ خطير , وأن بقاءه يهدد حياة الأم , ففي هذه الحالة تمت الموازنة بين مفسدة إسقاط الجنين وقد بلغ مائة وعشرين يوماً , وبين مفسدة إزهاق روح الأم , فقرر المجلس في هذه الحالة جواز إسقاط الجنين حمايةً لحياة الأم التي هي الأصل, وذلك من باب دفع أشد الضررين بارتكاب أخفهما , كما أن حياة الأم في هذه الحالة متيقنة، وبقاء هذا الجنين حياً بعد الولادة أمرٌ مشكوك فيه. ثالثاً: ثبت بنصِّ السُّنَّة أن نفخ الروح في الجنين إنما يكون بعد مضي مائةٍ وعشرين يوماً على الحمل، كما جاء ذلك في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، فقال: " إنَّ أحدكم يُجْمَع خلْقُه في بطن أُمِّه أربعين يوماً نطفة، ثم علقةً مثل ذلك، ثم مضغةً مثل ذلك , ثم يُرسَل إليه الملَك فينفخ فيه الروح .. " (٢). وبناءً على ذلك فقد أناط مجلس المجمع الفقهي تحريم إسقاط الجنين

стр. 545

ولو كان مشوَّهاً خِلقياً ببلوغه مائةً وعشرين يوماً في بطن أمِّه , حيث ثبت عن الصادق المصدوق نفخ الروح فيه بعد مضي أربعة أشهر , فلايجوز التعدي على هذه الروح وإزهاقها, وذلك لأن الجنين بعد نفخ الروح أصبح نفسًا محترمة، يجب صيانتها والمحافظة عليها , حتى وإن ثبت بتقريرٍ طبيٍّ أنه قد تعرَّض لتشوُّهٍ خِلْقي, مالم يكن في بقائه إزهاقٌ لروح أمِّه. كما أناط مجلس المجمع الفقهي جواز إسقاط الجنين المشوَّه تشويهاً خطيراً بعدم بلوغه مائةً وعشرين يوماً في بطن أمِّه , حيث لم تنفخ فيه الروح بعد حسب ما أفاده النصُّ الصريح في الحديث المتقدم , ولأنه إذا بقي وولد في موعده، ستكون حياته سيئة، وآلامًا عليه وعلى أهله.

стр. 546

المبحث الثالث عشر رفع أجهزة الإنعاش عن المتوفَّى دماغياً المراد بالإنعاش الطبي: المعالجة المكثفة التي يقوم بها طبيبٌ أو مجموعةٌ من المختصين لإعادة الوظائف الحيوية في الجسم إلى مباشرة عملها من جديد بعد أن توقفت أو كانت على وشك التوقف (١). وأهم أجهزة الإنعاش المستخدمة في ذلك: (٢) - المِنْفَسَة , وهو: جهازٌ يقوم بإدخال الهواء إلى الرئتين وإخراجه منهما مع إمكانية التحكم بنسبة الأكسجين في الهواء الداخل, إضافةً لأشياء أخرى عديدةٍ تساعد في إيصال هذا الغاز للدم، وسحب غاز ثاني أكسيد الفحم منه, فعندما يرى الطبيب مثلاً أن التنفس قد توقف أو أوشك على التوقف فإنه يقوم بإدخال أنبوبةٍ إلى القصبة الهوائية ويوصل ذلك الأنبوب بالمِنْفَسَة. - أجهزة إنعاش القلب, وهي: مانع الذبذبات, وهذا الجهاز يعطي صدمات كهربائيةٍ لقلبٍ اضطرب نبضه اضطراباً شديداً، وتحول إلى ذبذباتٍ بطينيةٍ لا تدفع الدم من البطين إلى الأورطي (الأبهر) , وإذا لم تُنْقَذ هذه الحالة فإن القلب يتوقف تمامًا عن العمل، وذلك يعنى توقف تغذية الدماغ, وإذا توقفت تغذية الدماغ وخاصةً جذع الدماغ لمدة دقيقتين فذلك يعني موت الدماغ الذي لا رجعة فيه.

стр. 547

- جهاز منظِّم ضربات القلب , وهو: جهازٌ يُصْدِر موجاتٍ كهربائيةٍ تعمل على تنشيط القلب , ويُسْتخدَم عندما تكون ضربات القلب بطيئةً جداً بحيث إن الدم لا يصل إلى الدماغ بكميةٍ كافية, أو ينقطع لفترة ثوانٍ أو لدقيقةٍ ثم يعود، وذلك يسبب الغشى (الإغماء) وفقدان الوعي المتكرر, أو أن ضربات القلب مضطربةٌ جداً كذلك بحيث إنَّ ضخ الدم من القلب منخفضٌ بدرجةٍ خطيرةٍ تؤدي إلى اضطرابات في الوعي، أو في درجة نشاط ذلك الشخص المُصاب. وهناك أيضاً مجموعةٌ من العقاقير التي يستخدمها الطبيب لإنعاش التنفس أو القلب أو تنظيم ضرباته تُستخدَم في إنعاش المرضى. فإذا أصيب شخصٌ بتوقف القلب أو التنفس نتيجةً لإصابة الدماغ بصدمة مثلاً، أو إصابته بأي عرضٍ آخر كغرق , أو خنق، أو موادٍ سامّة، أو جلطةٍ للقلب، أو اضطرابٍ في النبض .. فإنه يترقب الأمل بإنعاش ما توقف من دقات قلبه أو تنفسه باستخدام الوسائل الحديثة في ذلك. وتنحصر حينئذٍ أحوال المريض في غرفة الإنعاش في صور ثلاث: (١) الصورة الأولى: عودة أجهزة المريض لمباشرة وظائفها الحيوية من التنفس، وانتظام ضربات القلب, وحينئذٍ يقرر الطبيب: رفع الجهاز؛ لتحقق السلامة وزوال الخطر. الصورة الثانية: التوقف التام للقلب والتنفس، وعدم القابلية لوسائل الإنعاش الطبية، وحينئذٍ يقرر الطبيب: موت المريض تمامًا بموت أجهزته من الدماغ والقلب، ومفارقة الحياة لهما, وتُرْفَع أجهزة الإنعاش لتحقق الوفاة. الصورة الثالثة: قيام علامات موت جذع الدماغ من: الإغماء، وعدم الحركة، وعدم وجود أي نشاطٍ كهربائيٍّ في رسم المخ، لكن بواسطة العناية المركزة واستخدام أجهزة الإنعاش كجهاز التنفس، وجهاز ذبذبات القلب، لا يزال القلب ينبض، والنفس مستمر, وفي حال رفع أجهزة الإنعاش

стр. 548

عن المريض يتوقف القلب عن النبض ويتوقف النفس , وحينئذٍ يقرر الطبيب موت المريض دماغياً. فإذا قرر الأطباء المختصون في هذه الحالة موت جذع الدماغ الذي هو مركز إمداد القلب: فهل يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن ذلك المريض المتوفىَّ دماغياً؟ لقد بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذه النازلة في دورته الثالثة بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ - ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ. وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة حول الموضوع، والمناقشات التي دارت حوله، قرر مايلي: "يعتبر شرعاً أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعاً للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين: ١ - إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه. ٢ - إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل. وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء، - كالقلب مثلا-، لا يزال يعمل آلياً بفعل الأجهزة المركبة" (١). كما بحث هذه المسألة - أيضاً- مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته العاشرة، المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٤٢ صفر ١٤٠٨ هـ إلى يوم الأربعاء الموافق ٢٨ صفر ١٤٠٨ هـ. وبعد المداولة في هذا الموضوع، من جميع جوانبه وملابساته، انتهى المجلس إلى القرار الآتي: "المريض الذي رُكِّبَت على جسمه أجهزة الإنعاش،

стр. 549

يجوز رفعها، إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطُّلاً نهائيًّا، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء، أن التعطل لا رجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لا يزالان يعملان آليًّا، بفعل الأجهزة المركبة، لكن لا يحكم بموته شرعًا إلا إذا توقف التنفس والقلب توقُّفًا تامًّا بعد رفع هذه الأجهزة " (١). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط التصوُّر التام لمحلِّ الحكم، ومعرفة حقيقته، وملابساته المحيطة به , ومن أهم الوسائل الموصلة إلى ذلك الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص كما تقدم (٢). وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الضابط بالرجوع إلى الأطباء المختصين في التعرُّف على حقيقة موت الدماغ، وأجهزة الإنعاش، ووظيفتها، ووسائلها وما يترتب على استخدامها أو رفعها عن المريض المتوفى دماغياً , حيث ورد في مستهل القرار ما نصُّه: " إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ - ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ، الموافق ١١ - ١٦ تشرين الأول ... (أكتوبر) ١٩٨٦ م، بعد تداوله في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع أجهزة الإنعاش واستماعه إلى شرحٍ مستفيضٍ من الأطباء المختصين قرر مايلي". كما راعى -أيضاً- المجمع الفقهي الإسلامي هذا الضابط ,واستوفى كل مايمكن الاطلاع عليه للتعرف على حقيقة ذلك , حيث ورد في مستهل القرار ما نصُّه: " فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته العاشرة، المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٤٢ صفر ١٤٠٨ هـ الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧ م إلى يوم الأربعاء الموافق ٢٨ صفر ١٤٠٨ هـ الموافق ٢١

стр. 550

أكتوبر ١٩٨٧ م قد نظر في موضوع تقرير حصول الوفاة، بالعلامات الطبية القاطعة، وفي جواز رفع أجهزة الإنعاش عن المريض الموضوعة عليه، في حالة العناية المركزة، واستعرض المجلس الآراء، والبيانات الطبية المقدمة شفهيًّا وخطيًّا، من وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية، ومن الأطباء الاختصاصيين، واطلع المجلس كذلك على قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقد في مدينة عمان العاصمة الأردنية رقم (٥) ٣/ ٧/١٩٨٦ م. وبعد المداولة في هذا الموضوع، من جميع جوانبه وملابساته، انتهى المجلس إلى القرار التالي ... ". ثانياً: من مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط الاعتماد على قول أهل الخبرة فيما يختصون بمعرفته , كما تقدم في مسالك تحقيق المناط (١). وقد أناط مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حكم جواز رفع أجهزة الإنعاش عن المريض بما إذا قرر الأطباء المختصون أن جميع وظائف دماغه تعطلت تعطلاً نهائياً، وأن هذا التعطل لا رجعة فيه. وكذلك المجمع الفقهي الإسلامي فإنه أناط حكم جواز رفع أجهزة الإنعاش عن المريض بما إذا قررت لجنةٌ من ثلاثة أطباءٍ مختصين أن جميع وظائف دماغه تعطلت تعطلاً نهائياً، وأن هذا التعطل لا رجعة فيه. ويُعَدُّ هذا التصرف من صور الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام بالاعتماد على قول أهل الخبرة فيما يختصون بمعرفته. ثالثاً: ثبت عند الفقهاء أن مناط الأحكام الشرعية المترتبة على الموت هو مفارقة الروح للجسد مفارقةً تامةً تستحيل عودة الحياة بعدها (٢). ومعنى مفارقتها للجسد: انقطاع تصرفها عنه بخروج الجسد عن طاعتها، فإن الأعضاء آلاتٌ للروح تستعملها (٣).

стр. 551

قال النّبيّ ﷺ في شأن قبض روح المؤمن: " فتخرُج تسيل كما تسيل القطرة من فِيّ السّقاء، فيأخذها مَلَكُ الموت." (١) وعلى هذا فإن الصلاة على الميت وتغسيله وتكفينه ودفنة واعتداد زوجته عليه وتقسيم إرثه ونحو ذلك من الأحكام تدور وجوداً وعدماً مع مناطها وهو "مفارقة الروح للجسد مفارقةً تامةً تستحيل عودة الحياة بعدها". ويُستَدل على ذلك بعلاماتٍ منها: (٢) ١ - انقطاع النفس. ٢ - استرخاء القدمين مع عدم انتصابهما. ٣ - انفصال الكفين. ٤ - ميل الأنف. ٥ - امتداد جلدة الوجه. ٦ - انخساف الصدغين. ٧ - تقلص خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلدة. ٨ - برودة البدن. وبناءً على ذلك فقد أناط مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي الحكم شرعاً بالموت على المتوفَّى دماغياً الذي رُفِعت عنه أجهزة الإنعاش إذا توقف عنده التنفس والقلب توقفاً تاماً لا رجعة بعده , مما يؤدي إلى انقطاع وصول الدم المحمل بالغذاء والأكسجين إلى أعضاء الجسم المختلفة، فينتج عن ذلك موت خلايا تلك الأعضاء بشكل تدريجي واحداً تلو الآخر (٣). وذلك لأن الأصل حياة المريض, فنبقى على هذا الأصل حتى نجزم بزواله.

стр. 552

رابعاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد كما تقدم (١). وقد راعى المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا الضابط في الحالة التي يجوز فيها رفع أجهزة الإنعاش عن المتوفَّى دماغياً بعد أن ثبت طبياً بأن وظائف الدماغ تعطلت تعطلاً تاماً لا رجعة بعده. ووجه ذلك أن بقاء أجهزة الإنعاش متصلةً بالمتوفَّى دماغياً يترتب عليه عدة أضرارٍ منها: (٢) - أن في ذلك بذل جهدٍ كبيرٍ فيما لاجدوى منه، بل يقرب من كونه نوعاً من العبث، حيث أثبتت الدراسات العملية أن من توفرت فيه كل شروط تشخيص موت الدماغ فقد وصل إلى نقطةٍ يستحيل عودته للحياة بعدها؛ لأن جذع الدماغ هو المتحكِّم في جهازي التنفس والقلب والدورة الدموية , وتوقف جذع الدماغ وموته يؤدي لا محالة إلى توقف القلب والدورة الدموية والتنفس ولو بعد حين. - إنَّ غرف العناية المكثفة في المستشفيات محدودةٌ ومخصَّصةٌ لإعطاء عنايةٍ متواصلةٍ في كلِّ ثانيةٍ حتى تستقر حالة المريض الصحية، لمن يحتاج إلى ذلك، فإذا وُجِد مريضٌ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى أجهزة الإنعاش ويمكن إنقاذ حياته بإذن الله فإنه أولى بتلك الأجهزة من مريضٍ قرر الأطباء تعطل دماغه تعطلاً نهائياً لارجعة بعده. - ازدياد آلام أقارب المريض وذويه، ومعاناتهم بتكرار رؤيتهم له على حالٍ أقرب مايكون فيه إلى الموت , وكلما طالت الفترة وهو على ذلك الحال زادت معاناتهم أكثر. - إن تكاليف وسائل الإنعاش باهظة جداً , وصرف ملايين الريالات

стр. 553

لإبقاء الميت دماغياً يتنفس أمرٌ قليل الجدوى أو عديمها , والأولى من ذلك صرفها على المرضى الآخرين الذين يمكن إنقاذ حياتهم. وبناءً على ما تقدم فإنه يترجح حينئذٍ جواز رفع أجهزة الإنعاش عن المتوفَّى دماغياً؛ لأن بقاءها لا جدوى منه , ويترتب على ذلك عدة أضرار , كما أن في رفعها عن المتوفَّى دماغياً تتحقق مصالحٌ أخرى تتعلق بمرضى آخرين هي أولى من مصلحة إبقاء ذلك المتوفَّى دماغياً يتنفس رغم تعطل الدماغ تعطلاً نهائياً لا رجعة بعده.

стр. 554

المبحث الرابع عشر زراعة ونقل الأعضاء التناسلية زراعة الأعضاء في الطب الحديث تعني: نقل عضوٍ سليمٍ أو مجموعةِ أنسجةٍ من إنسانٍ إلى آخر أو إلى الإنسان نفسه ليقوم مقام العضو أو النسيج التالف (١). والأعضاء التناسلية عند الرجل هي: الخصيتان , والبربخ , والحبل المنوي , وغدة البروستات , والحويصلتان المنويتان , والغدتان البصليتان , والقضيب (٢). أما الأعضاء التناسلية عند المرأة فهي: المبيضان , وقناة فالوب , والرَّحِم , والمهبل , والفرج (٣). ومن أهم وظائف الأعضاء التناسلية سواءً عند الرجل أو المرأة: تحصيل الإنجاب , وتحقيق الاستمتاع والتلذذ بالمعاشرة , وإفراز الهرمونات التي تظهر الصفات الرجولية عند الرجل، والصفات الأنثوية عند المرأة (٤). وأكثر الأسباب الداعية إلى نقل وزراعة الأعضاء التناسلية هو معالجة العقم والمساعدة على الإنجاب , وذلك بزراعة الخصية أو الحبل المنوي

стр. 555

للرجل, وزراعة المبيض أو الرَّحِم أو قناة فالوب للمرأة (١). فهل يجوز إجراء عمليات نقل وزراعة الأعضاء التناسلية من رجلٍ إلى آخر, أو من امرأةٍ إلى أخرى؟ لقد بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي هذه النازلة في دورته السادسة بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ - ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ الموافق ١٤ - ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠ م، وبعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع قرر مايأتي: "أولاً: زرع الغدد التناسلية: بما أن الخصية والمبيض يستمران في حمل وإفراز الصفات الوراثية (الشفرة الوراثية) للمنقول منه حتى بعد زرعهما في متلقٍّ جديد، فإن زرعهما محرَّمٌ شرعاً. ثانياً: زرع أعضاء الجهاز التناسلي: زرع بعض أعضاء الجهاز التناسلي التي لا تنقل الصفات الوراثية - ما عدا العورات المغلَّظة - جائزٌ لضرورةٍ مشروعةٍ، ووفق الضوابط والمعايير الشرعية المبينة في القرار رقم ٢٦ (١/ ٤) لهذا المجمع" (٢). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط التصوُّر التام للواقعة , ومعرفة حقيقتها, ومكوناتها, وأسبابها؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره كما تقدم (٣). وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي هذا الضابط بالرجوع إلى

стр. 556

الأطباء المختصين، وعقد ندواتٍ فقهيةٍ طبيةٍ متخصصةٍ في زراعة ونقل الأعضاء التناسلية؛ لتصور الموضوع تصوراً دقيقاً, ومعرفة حقيقته , ومايؤدي إليه , حيث استهلَّ القرار بما نصُّه: " إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ - ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ الموافق ١٤ - ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠ م، بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من ٢٣ - ٢٦ ربيع الأول ١٤١٠ هـ الموافق ٢٣ - ٢٦/ ١٠/ ١٩٩٠ م، بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، قرر ما يلي .. " (١). وبناء على ذلك التصور الدقيق للنازلة فرَّق مجمع الفقه الإسلامي في الحكم بين الغدد التناسلية التي تفرز الصفات الوراثية للمنقول منه كالخصية والمبيض, والأعضاء التناسلية الأخرى التي لاتفرز الصفات الوراثية للمنقول منه مما ليس من العورات المغلَّظة كالرَّحِم للمرأة والحبل المنوي للرجل. ثانياً: من مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط الاعتماد على قول أهل الخبرة كما تقدم (٢). وأهل الخبرة في هذه النازلة هم الأطباء المختصون في علاجات وجراحات الجهاز التناسلي. وقد اجتهد أعضاء مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط تحريم زراعة ونقل الخصيتن والمبيضين اعتماداً على قول أهل الخبرة , حيث أثبتوا أن الخصية والمبيض توجب انتقال الصفات الوراثية الموجودة في الشخص المنقولة منه إلى أبناء الشخص المنقولة إليه. ثالثاً: المحافظة على وضوح الأنساب ونقائها ومنع أسباب اختلاطها من

стр. 557

أعظم مقاصد الشرع الكلِّية كما تقدم (١). وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق هذا المناط الكلِّي في زراعة ونقل الخصية والمبيض وما شابههما مما يحمل الصفات الوراثية للمنقول منه. وذلك باعتبار أن إجراء هذا النوع من العمليات يتنافى مع المقصود الكلِّي من المحافظة على وضوح الأنساب ونقائها، ومنع أسباب اختلاطها أوالريبة فيها. فزراعة الخصية تعني انتقال الحيوانات المنوية التابعة لصاحب الخصية بماتحمله من الصفات الوراثية إلى المتلقي , وزراعة المبيض تعني انتقال البويضات التابعة لصاحبة المبيض بماتحمله من الصفات الوراثية إلى المتلقِّي, وهو أمرٌ يؤدي إلى اختلاط الأنساب؛ لأن الأولاد حينئذٍ يتبعون في الشبه وفي الصفات الوراثية لصاحب الخصية المنقول منه أو صاحبة المبيض المنقول منها , وتكون ثمرة الإنجاب غير متولِّدةٍ من الزوجين الشرعيين المرتبطين بعقد الزواج , وهي صورةٌ لاتختلف عن صورة الإخصاب لبويضةٍ من حيوانٍ منويٍّ ليس من الزوج، أو إخصاب حيوانٍ منويٍّ من الزوج لبويضةٍ ليست لزوجته فيكون محرَّماً. رابعاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد أثناء اجتماعها في محلِّ الحكم كما تقدم (٢). وقد راعى أعضاء مجمع الفقه الإسلامي هذا الضابط في تحقيق مناط جواز نقل وزراعة عضوٍ تناسليٍّ -كالرَّحِم والحبل المنوي- مما لا يفرز الصفات الوراثية في حال إذا ما دعت ضرورةٌ لذلك، مع مراعاة الضوابط الشرعية الأخرى التي نصَّ عليها قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسانٍ آخر حياً كان أو ميتاً (٣).

стр. 558

وذلك بالموازنة في هذه الحالة بين مفسدة الكشف على العورات وإلحاق الضرر بالجسد , والضرورة التي يمكن أن تدعو إلى فعل ذلك وما يرجى أن يتحقق من مصلحةٍ راجحةٍ للمنقول إليه , فتُرجَّح حينئذٍ مصلحة نقل وزراعة ذلك العضو التناسلي - ماعدا العورات المغلَّظة - على ما يصحب ذلك من مفاسد مرجوحة , مع الاجتهاد ما أمكن في تخفيف تلك المفاسد , كأن يكون المعالِج من جنس المريض , فالمرأة المسلمة تعالج مثلَها ,والرجل كذلك , فإن لم يكن المعالِج مسلِماً فطبيبٌ ثقة , وكانتفاء الخلوة بالمرأة إذا كان المعالِج رجلاً وذلك بحضور زوجها أو امرأةٍ أخرى , وأن يثبت طبياً حاجة المريض إلى إجراء هذا النوع من العمليات , ولاتتوفر آنذاك وسيلةٌ طبيةٌ أقل مفسدةٍ من ذلك (١).

стр. 559

المبحث الخامس عشر زراعة عضوٍ استُؤصِل في حدٍّ أو قصاص زراعة الأعضاء في الطب الحديث تعني: نقل عضوٍ سليمٍ أو مجموعةِ أنسجةٍ من إنسانٍ إلى آخر أو إلى الإنسان نفسه ليقوم مقام العضو أو النسيج التالف (١). والحدُّ في الاصطلاح الفقهي هو: عقوبةٌ مقدَّرةٌ شرعاً لأجل حقِّ الله تعالى (٢). أما القصاص فهو: أن يفُعل بالجاني مثل ما فَعَل بالمجني عليه أو شبهه في القتل أو القطع أو الجرح , وهو ما يطلِق عليه الفقهاء مُسمَّى "القَوَد" (٣). وصورة المسألة أنه إذا أقيم الحدّ الشرعي على الجاني كأن تقطع يده كما في حدِّ السرقة مثلاً , أو يقتص منه بقطع عضوٍ من أعضائه كما فَعَل بالمجني عليه: فهل يجوز للجاني بعد تنفيذ الحدِّ عليه أو القصاص منه أن يقوم بعملية جراحيةٍ لزراعة ذلك العضو وإعادته إلى مكانه؟ لقد بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذه المسألة في دورته السادسة بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ - ٢٣ شعبان ١٤١٠ الموافق ١٤ - ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠ م.

стр. 560

وبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع زراعة عضوٍ استؤصِل في حدٍّ أو قصاصٍ، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، قرر ما يأتي: "أولاً: لا يجوز شرعاً إعادة العضو المقطوع تنفيذاً للحد؛ لأن في بقاء أثر الحدِّ تحقيقاً كاملاً للعقوبة المقررة شرعاً، ومنعاً للتهاون في استيفائها، وتفادياً لمصادمة حكم الشرع في الظاهر. ثانياً: بما أن القصاص قد شُرِع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه، وصون حقِّ الحياة للمجتمع، وتوفير الأمن والاستقرار، فإنه لا يجوز إعادة عضوٍ استؤصِل تنفيذاً للقصاص، إلا في الحالات التالية: أ- أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع من الجاني. ب- أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة عضوه المقطوع منه. ثالثاً: يجوز إعادة العضو الذي استُؤصِل في حدٍّ أو قصاصٍ بسبب خطأٍ في الحكم أو في التنفيذ" (١). ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي: أولاً: من أعظم مقاصد الشرع في الأمر بإقامة الحدود -إذا توفرت شروطها وانتفت موانعها - تحقيق الزجر والتنكيل الذي يمنع الجاني وغيره من ارتكاب ما يوجب إقامة تلك الحدود. كما قال تعالى في حدِّ السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] أي: عقوبةً زاجرةً وعبرةً للناس (٢).

стр. 561

وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق هذا المناط الكلي في منع إعادة العضو الذي استؤصِل في حدٍّ؛ لأن ذلك يتنافى مع مقصود الشارع من إقامة الحدود , وهو تحقيق الزجر والنكال الذي يحجز الناس عن الإقدام على مايوجب إقامة تلك الحدود. حيث ورد في القرار مانصّه: " وبمراعاة مقاصد الشريعة من تطبيق الحدّ في الزجر والردع والنكال، وإبقاءً للمراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة وقطع دابر الجريمة، ونظراً إلى أن إعادة العضو المقطوع تتطلب الفورية في عرف الطب الحديث، فلا يكون ذلك إلاّ بتواطؤٍ وإعدادٍ طبيٍّ خاصٍّ ينبئ عن التهاون في جدّية إقامة الحدِّ وفاعليته، قرر ما يلي: أولاً: لا يجوز شرعاً إعادة العضو المقطوع تنفيذاً للحد؛ لأن في بقاء أثر الحدِّ تحقيقاً كاملاً للعقوبة المقررة شرعاً، ومنعاً للتهاون في استيفائها، وتفادياً لمصادمة حكم الشرع في الظاهر" (١). ولا ريب أن الزجر والتنكيل في إقامة الحدود لا يتحقق إلا بتنفيذها وبقاء أثرها إذا توافرت شروطها وانتفت موانعها, وإلا أدَّى ذلك إلى الاستهانة بالحدود والجرأة على موجباتها , فإذا علم السارق -مثلا- أنه يحقُّ له شرعاً إعادة يده إذا قُطِعت في حدِّ السرقة بإجراء زراعةٍ لذلك العضو فإنه قد يتجرأ على السرقة مرةً أخرى, ولا يتحقق حينئذٍ مقصود الشارع من إقامة حدِّ السرقة عليه وعلى مثله بقطع يده التي امتدت على أموال الناس ظلماً وعدواناً. قال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ , أي: "مجازاةً على صنيعهما السييء في أخذ أموال الناس بأيديهم , فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك" (٢). ثانياً: من أعظم مقاصد الشرع في الأمر بالقصاص تحقيق العدل في العقوبات ,وإنصاف المجني عليه ,وصون النفس من الاعتداء عليها بغير حق,

стр. 562

وقد أناط الشارع ذلك المقصود بتحقيق المثلية في القصاص , وهو أن يُفعل بالجاني مثل مافعَلَ بالمجني عليه سواءً بسواء. قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. وقال عزَّ مِنْ قائل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. ولا ريب أن عدم تحقيق شرط المثلية في القصاص يجرِّئ الجناة على الاعتداء على الآخرين , ويوغر صدور المجني عليهم , ويثير العداوات التي ليس لها حدّ , ولا يضبطها ضابطٌ إلا الشرع. وقد اجتهد مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحقيق مناط المثلية في منع إعادة العضو الذي استؤصِل في قصاص , فإذا اعتدى إنسانٌ على آخر فقطع أذنَه -مثلاً- ثم اقتُصَّ منه بقطع أذنه , فإن الجاني لايحقُّ له شرعاً إجراء عملية زراعةٍ لإعادة تلك الأذن إلى مكانها بعد تنفيذ القصاص. وذلك: " لأنه أبان عضواً من غيره دواماً , فوجبت إبانته منه دواماً؛ لتحقُّق المقاصَّة" (١). حيث ورد في القرار مانصّه: " بما أن القصاص قد شُرِع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه، وصون حقِّ الحياة للمجتمع، وتوفير الأمن والاستقرار، فإنه لا يجوز إعادة عضوٍ استُؤصِل تنفيذاً للقصاص، إلا في الحالات التالية: أ- أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع من الجاني. ب- أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة عضوه المقطوع منه" (٢).

стр. 563

ثالثاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط مراعاة اختلاف أحوال المكلَّفين , فاختلاف الحال الذي يصاحب محلَّ الحكم له أثرٌ كبير في اختلاف الأحكام التي تجري عليه كماتقدم بيانه (١). وقد راعى مجلس مجمع الفقه الإسلامي هذا الضابط في تحقيق مناط الحكم بجواز إعادة العضو المقطوع من الجاني في حدٍّ أو قصاص , وذلك في الحالات التي يشترط فيها تحقيق المثلية المأمور بها في القصاص. وهي الحالات الآتية (٢): الحالة الأولى: أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع من الجاني. وذلك لأن المجني عليه إذا أذن للجاني أن يعيد العضو المقطوع منه فقد أسقط حقه في المثلية التي أناط الشارع حكم القصاص بها. الحالة الثانية: أن يكون المجني عليه قد تمكَّن من إعادة عضوه المقطوع منه. الحالة الثالثة: إعادة العضو الذي استؤصِل في حدٍّ أو قصاصٍ بسبب خطأٍ في الحكم أو في التنفيذ.

стр. 564

خاتمة البحث في ختام هذا البحث أحمد الله تعالى على توفيقه، وأسأله جلَّ وعلا كما أعانني على إتمامه أن يتقبله وينفع به، ومِنْ شكر الله تعالى الذي لا تنقضي موجبات شكره أسطِّرِ في هذه الخاتمة أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث وهي على النحو الآتي: - المناط اصطلاحاً هو: متعلَّق الحكم الشرعي مطلقاً , أي سواءٌ كان عِلَّةً -وهو الاصطلاح الغالب عند الأصوليين- أو قاعدةً شرعية، أو معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعي. - الاجتهاد في المناط هو: استفراغ الوسع في تنقيح عِلَّةٍ منصوصةٍ ,أو استخراج عِلَّةٍ مستنَبطة , أو إثبات معنىً تعلَّق به حُكْمٌ شرعيٌّ في بعض أفراده. - أنواع الاجتهاد في المناط ثلاثة: تنقيح المناط , وتخريج المناط , وتحقيق المناط. - من أهم أوجه الجمع بين تنقيح المناط , وتخريج المناط , وتحقيق المناط مايأتي: - الأنواع الثلاثة تعتبر من أفعال المجتهد، ولاتُعتَبر من مسالك العِلَّة. - الأنواع الثلاثة من مقدمات القياس، وليست هي القياس نفسه. - الأنواع الثلاثة تشترك في أن النظر فيها يتعلق بالعِلَّة , وإن كان تحقيق المناط أعمَّ مورداً من التنقيح والتخريج.

стр. 565

- من أهم أوجه الفرق بين تنقيح المناط , وتخريج المناط , وتحقيق المناط مايأتي: - تنقيح المناط وتخريجه لا يَرِدَانِ إلا على العِلَّة، بينما تحقيق المناط يَرِدُ على العِلَّة وعلى غيرها من متعلَّقات الحكم الشرعي , فهو أعمُّ مورداً منهما. - في " تخريج المناط " يَسْتَخْرِجُ المجتهدُ العِلَّة بأحد مسالكها المُسْتَنْبَطَة، بخلاف ... " تنقيح المناط " فإنه لا يَسْتَخْرِجُ العِلَّة لكونها مذكورةً في النصِّ، بل يُنَقِّحُ العِلَّة المنصوصةَ التي اقترن بها أوصافٌ لا تصلح للعِلِّية، وذلك بإثبات الوصف الصالح للعِلِّية وإلغاء ما سواه, أما في "تحقيق المناط" فإنه يجتهد في إثبات وجود عِلَّة الأصل في الفرع بعد ثبوتها في نفسها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط. - النظر في " تنقيح المناط " يتعلق بالعِلَّة التي عُرِفَتْ بالنصِّ، واقترن بها من الأوصاف ما لايصلح للعِلِّية، وفي" تخريج المناط " يتعلَّق النظر بالعِلَّة التي تُعْرَفُ بالاستنباط، أما في " تحقيق المناط " فإن النظر يتعلق بمعرفة العِلَّة في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط. - بالنظر إلى ترتيب الأنواع الثلاثة حسب عمل المجتهد فإن تنقيح المناط وتخريجه يتقدمان على تحقيق المناط ويتأخر هو عنهما. - لا يلزم في " تخريج المناط " أن تكون هناك أوصافٌ، بل قد لا يكون في محلِّ الحكم إلا وصفٌ واحدٌ وهو العِلَّة فَتُسْتَخَرج بالاجتهاد , بينما في " تنقيح المناط " يلزم أن تكون هناك أوصافٌ حتى يُحْذَفَ منها ما لا مدخل له في العِلِّية، ويثبت ما يصلح وصفاً يقترن به الحكم. - بالنظر إلى درجة الخلاف في كل نوعٍ من الأنواع الثلاثة فإن تحقيق المناط بمعناه الأعمّ لا خلاف فيه، كما أن تنقيح المناط يُقرُّ به أكثر منكري القياس، أما تخريج المناط فهو الاجتهاد الذي عَظَمُ فيه الخلاف. - تنقيح المناط اصطلاحاً هو: " أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على التعليل
следующие страницы →