← Джавами‘

Джавами‘ · id 37634

دروس الشيخ محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (390 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حكم إسبال الثياب من الأمور التي نهى عنها الشرع الحنيف: إسبال الثياب؛ لما فيه من المخيلة والكبر والترفع على الناس، وقد دل على حرمة الإسبال أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ، والإسبال لا يقتصر على الإزار فقط، وإنما يتعدى إلى الثوب والعمامة وغير ذلك.

стр. 107

تغليظ تحريم الإسبال إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا! من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب). وعنه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة لا يكلمهم يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئاً إلا منه، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره)، وفي رواية: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم).

стр. 108

تأويل حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله) ما من أحد إلا سيقف أمام ربه فيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب، فيسمع الله ، ويبين له ما فعل وما عمل وما ترك، وما اقترفه، وكيف اقترفه، وذلك كما بين النبي ﷺ بقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان). فأما المؤمن فينظر إلى يمينه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر إلى شماله فلا يجد إلا ما قدم، وينظر إلى أمامه فلا يجد إلا النار فيظن أنه قد هلك، فيقول الله جل في علاه: (عبدي قد سترت عليك ذلك في الدنيا، وسأغفرها لك في الآخرة). وأما الكافر والعياذ بالله فسيكلمه الله جل في علاه -وقد وردت الأدلة الثابتة بذلك- فيقرره بنعمه ويكبته ويعذبه على ذلك. ومن هذه الأحاديث التي تثبت ذلك: أن الله جل في علاه يقول: (أما يرضيك أن يكون لك شاهد من نفسك على نفسك؟ فيختم على فمه، فتتكلم الأيدي والجوارح بما عملت، ثم يقول: خبتم وخسرتم! والله كنت أنافح عنكم ومازلت أنافح عنكم). وأيضاً: فإن الله سبحانه عندما يحشر العبد الكافر يقول له بعد ما يرى عذاب الله جل في علاه: (أرأيت لو امتلأت الأرض ذهباً أكنت تفتدي به من عذاب النار؟ فيقول: اللهم نعم، فيقول الله جل في علاه: قد طلبت منك ما هو أهون من ذلك وأنت في صلب آدم، طلبت منك أن تعبدني ولا تشرك بي). ونحتاج إذا قررنا بهذه الأدلة إلى تأويل قول النبي ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله). فإن عرصات يوم القيامة كثيرة وليست عرصة واحدة، فلابد من عرصة يكلمهم الله جل في علاه ويقررهم بذنوبهم ويعذبهم على ذلك، ومن نوقش الحساب -كما قال النبي ﷺ عذب، وبعد ذلك لا يكلمهم في بقية العرصات. أو أن الله لا يكلمهم كلام رحمة وأمل، وإنما يكلمهم كلام تبكيت وتوبيخ ونذارة، حيث يقول سبحانه: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨] فيمحو الله كل حجة لهم، وكذلك يؤول قول النبي ﷺ : (ولا ينظر إليهم). حيث أن الله ينظر إليهم، ولكن لا ينظر إليهم نظر رحمة، بل نظر سخط لكبائر ارتكبوها إجمالاً. وقول النبي ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم) أي: أن لهم عذاباً أليماً في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلا يزكيهم؛ لأن الكبر دنس في القلب والله لا يزكي قلباً فيه كبر. وأما في الآخرة فلا يدخل الله عبداً الجنة أضمر في قلبه ذرة من كبر، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال: قال رسول الله ﷺ (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). والعذاب الأليم نوعان: معنوي، وحسي. فالعذاب في الدنيا محو البركة كما تمحى بركة الذي ينفق السلعة بالحلف الكاذب. وأيضاً: لا راحة في القلب، ثم بعد ذلك العذاب المؤلم يوم القيامة.

стр. 109

الأحاديث الواردة في مسألة إسبال الإزار إن المسائل التي تتعلق بهذا الحديث العظيم ثلاث مسائل: المسألة الأولى: مسألة إسبال الإزار، وهذا معترك دامٍ لا بد أن نبينه ونجليه، حتى أن كثيراً من الفقهاء يحملون المطلق على المقيد ويقولون: الإسبال المذموم فقط هو: الإسبال بخيلاء، ونحن سنفصل بإذن الله المسألة برمتها وأقوال الفقهاء فيها. فمن الأدلة التي يحتج بها الفريقان: الحديث الأول: قال النبي ﷺ (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، منهم: المسبل إزاره)، وهذا مطلق لم يقيده بشيء. الحديث الثاني: ورد في الصحيحين قال النبي ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة)، وهذا تقييد، فالأول: كان مسبلاً بإطلاق، والثاني: قيده بالخيلاء. الحديث الثالث: قول النبي ﷺ : (إزار المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج) -رفع الحرج فيه دلالة على الجواز، والأصل في السنة أن يرتفع إلى نصف الساق- أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين. أي: إن كان بينه وبين الكعبين فلا حرج عليه، ثم قال: (من جر إزاره بطراًلم ينظر الله إليه)، وهناك حديث واحد يجمع هذه الأقسام الأربعة، وهو: (ما أسفل الكعبين ففي النار) فقسم النبي ﷺ طول القميص إلى أربعة أقسام: القسم الأول: السنة: إلى نصف الساق. القسم الثاني: الرخصة: وهو ما نزل من نصف الساق إلى الكعب. القسم الثالث: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه). القسم الرابع: ما كان إطلاقاً، وهو (ما أسفل الكعبين ففي النار). الحديث الرابع: قال النبي ﷺ كما في مسند أحمد: (الإسبال مخيلة). وهذا حديث ممتع، فهو يفصل لنا كل الأقوال، حتى لا يستطيع أحد أن ينازعنا في شيء، ويحمل على الإطلاق، سواء أسفل الكعبين أو فوق الكعبين. والحديث الخامس: قصة عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه عندما استأذن النبي ﷺ حين مر على بيته، فقال النبي ﷺ : (من؟ قال: عبد الله، قال: إن كنت عبداً لله فارفع إزارك)، وكان قد أرخى إزاره تحت الكعبين. الحديث السادس: الذي يتغنى به من يقول: بأن المسألة خاصة بالخيلاء، وهو أن أبا بكر جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن إزاري يسترخي -يسقط- إلا أن أتعاهده، فقال له النبي ﷺ : لست منهم يا أبا بكر!)، أي: لست ممن يفعل ذلك خيلاء. الحديث السابع: قصة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه حين صلى بالناس، فجاء أبو لؤلؤة المجوسي -عليه من الله ما يستحق- فطعن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فأخذ عمر بيد عبد الرحمن بن عوف وجعله إماماً، ولما أتم الصلاة استقبل بجنبه الأرض، فدخل رجل يمدح في أمير المؤمنين، فقال: تشهد الله إذا سألك على ذلك؟ قال: أشهد الله على ذلك، فلما ولى الرجل نظر عمر بن الخطاب إلى ثوبه فوجده تحت الكعبين، فقال: إلي بالرجل، فقال له: يا بني! ارفع ثوبك، أو قال: ارفع إزارك يكن مرضاة لربك، مطهرة لثوبك. وهذا الحديث سنحتج به على من يخالف القول: بأن المسألة على العموم.

стр. 110

اختلاف أقوال العلماء في الأحاديث الواردة في مسألة إسبال الإزار فهذه سبعة أحاديث في الباب اختلفت أقوال العلماء فيها على قولين: القول الأول: الإسبال حرام إذا كان بمخيلة، واستدلوا على ذلك بأدلة منها: الأول: حديث أبي بكر -وهو عمدة الباب عندهم- وهو أن أبا بكر ﵁ كان يرخي إزاره إلى تحت الكعبين، فقال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إني أتعاهده ويسترخي، فقال: لست منهم يا أبا بكر)! أي: لست ممن يفعل ذلك خيلاء، ففي هذا دلالة على أن الخيلاء علة مؤثرة في الحكم. الثاني: أن النبي ﷺ عدَّ من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، وهذا على الإطلاق، ثم قيده في الحديث الآخر بقوله: (من جر ثوبه خيلاء)، قالوا: و (خيلاء) وصف مقيد بمفهوم المخالفة، فمن جر ثوبه بلا مخيلة فلا يدخل تحت هذا الوعيد. الثالث: أن النبي ﷺ قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة! فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال يرخين شبراً. قالت: إذاً تنكشف أقدامهن. قال: فيرخينه ذراعاً ولا يزدن). قالوا: لو كان خيلاء ما رخصه للنساء، لأنه سوف يحدث زيادة، وهذا الزيادة تدل على الكبر إن قلتم: لا، ويقولون أيضاً: إن الإسبال فقط في الإزار، أي: لا يدخل القميص ولا السروال ولا أي شيء آخر، وهذا مردود عليهم بنص حديث النبي ﷺ . القول الثاني: وهو القول الفصل الذي لا يمكن أن نحيد عنه، وهو قول المحققين من أهل العلم، قالوا: الإسبال نوعان يتفقان ويفترقان، فيتفقان بأن كلاهما محرم، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (ما أسفل الكعبين ففي النار). وهذا على الإطلاق. الثاني: إذا كان كبراً وخيلاء فله عذاب أليم. ويفترقان في العقاب، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يكلمه وله عذاب أليم)، وقوله ﷺ : (ما أسفل الكعبين ففي النار). وسيأتي تفسيره.

стр. 111

الرد بالأدلة على من خصص تحريم الإسبال والرد على من يقول: التخصيص بالخيلاء: بقول النبي ﷺ : (ما أسفل الكعبين ففي النار)، وهذا على الإطلاق، ولا يمكن حمله على التقييد؛ لأن الحكم يختلف، فالأول: قال: (ما أسفل الكعبين -وحكمه-: ففي النار). وفيه تأويلان: التأويل الأول: ما كان تحت الكعبين فهو في النار، أي: عندما يقف في عرصات يوم القيامة ليحاسب؛ لأنه أسبل إزاره، فيرى سبيله في الجنة أم في النار. التأويل الثاني: إجراء الحديث على ظاهره، فقالوا: هذا من فعل أهل النار ويعاقب عليه. والصحيح: التأويل الأول، لأن النبي ﷺ قال: (من جر ثوبه خيلاء) أي: كبراً وتفاخراً، فحكمه: (لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يكلمه، وله عذاب أليم). إذاً: اختلفا في الحكم، وإذا اختلفا في الحكم فلا يحمل المطلق على المقيد. أيضاً: عندنا نوعان من الإسبال: الأول: نوع محرم تحريماً أغلظ من الثاني. الثاني: نوع محرم تحريماً أخف من الأول. فأما النوع المحرم الأغلظ فهو: أن يجر ثوبه خيلاء، فيمشي به بين الناس كالطاوس، فيتكبر ويتجبر ولا يذكر لله نعمة عليه، فهذا حكمه أننا نسقط عليه كل الأدلة التي جاءت في حكم المسبل إزاره: (فلا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يكلمه، وله عذاب أليم)، بل في رواية: (لا يدخل الجنة). وأما النوع الثاني: -وهو النوع الأخف- قول النبي ﷺ (ما أسفل الكعبين ففي النار)، وهو: أن يجر ثوبه ولا يقصد الخيلاء، ولا يمر على قلبه الكبر بحال من الأحوال، لكنها عادة القوم، كأن يكون قد رأى أباه أو أهله يسيرون بثياب طويلة ففعل ذلك، فيلبس لباسهم ويسبل الإزار تحت الكعبين، وهذا أيضاً قد وقع في كبيرة؛ لأن النبي ﷺ جعل صاحبها من أصحاب النار، لكنها أخف من الأولى، وهذا هو الراجح والصحيح، وهو الذي قسمه النبي ﷺ ، إذ الأصل في العطف المغايرة، وقد عطف النبي ﷺ بين الأول وبين الثاني، فقال: (ما أسفل الكعبين ففي النار)، ثم قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة). إذاً: الإسبال محرم مطلقاً، وهذا هو الراجح والصحيح على من حمل كل الأدلة التي جاءت في تحريم الإسبال بأنها على الخيلاء. وأما الذين احتجوا بفعل أبي بكر ﵁ وأرضاه فنقول: إذا وقفت مع من يحتج بدليل ليس له، ورددته عليه لكان دليلاً لك، فلما قالوا: أبو بكر لا يمكن أن يفعل ذلك خيلاء؛ ولذلك قال له النبي ﷺ : (لست منهم يا أبا بكر)، والرد عليهم من حديث أبي بكر من وجهين: الوجه الأول: إن أبا بكر لم يكن مرخياً لثيابه، بل كان يرفع إزاره إلى الكعبين، أو إلى نصف الساق، والصحيح الراجح: أنه كان يرفعها إلى الكعبين؛ لأنه عندما كان يتركه فيسترخي فينزل تحت الكعبين. إذاً: هذا الحديث لا يتعلق به؛ لأن أبا بكر كان لا يرخي ثوبه، بل الأصل في ثوبه أنه فوق الكعبين. الوجه الثاني: إذا قلنا: إن النبي ﷺ قال له: (لست منهم يا أبا بكر!)، فليس فيه دلالة على إباحة الإسبال، لأن النبي ﷺ قال عموماً: (ما أسفل الكعبين ففي النار)، فهذا مسكوت عنه، والمسكوت عنه أقصى أحواله إما أنه يجوز، وإما أنه يحرم، وقد جاء الاحتمال بالتحريم؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما أسفل الكعبين ففي النار). والرد عليهم أيضاً من دليل ابن عمر لما استأذن بالدخول على النبي ﷺ ، ونحن مجمعون على أن ابن عمر ليس من أهل الخيلاء، وإزاره كان قد أرخاه تحت الكعبين، فلو كان جائزاً هل للنبي ﷺ أن ينكر عليه أمام أصحابه؟ بل قال له: (لو كنت عبداً لله) وعلامة العبودية أن تأتمر بأمر الله، وبأمر رسول الله ﷺ . وفي هذا دلالة واضحة أن النبي ﷺ لم يفرق هنا بين الخيلاء وغير الخيلاء. أيضاً الرد عليهم من حديث عمر ﵁ وأرضاه؛ وعمر هو أفقه الناس بكلام النبي ﷺ بعد أبي بكر؛ لأن النبي ﷺ قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر)، وقال النبي ﷺ : (إن يتبعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)، فـ عمر ملهم، ويجري الحق على لسانه، والملائكة تتكلم على لسانه، فهو أفهم الناس وأفقههم بحديث النبي ﷺ . فلما دخل الشاب يمدح في عمر ويثني عليه، قال له عمر: يا بني! ارفع ثوبك يكن مرضاة لربك ومطهرة لثوبك، فلو أن عمر فقه من النبي ﷺ أن الخيلاء يحرم وغير الخيلاء لا يحرم لكان له الوقوف عند حدود الله ويقول: يا بني! أخبرني هل هذا الإسبال فيه كبر منك، أم عادة فقط؟ فلما لم يسأله عمر رجعنا إلى قاعدة الشافعي: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فكأنه يقول: أسبلت سواء خيلاء أو غير خيلاء فقد اقترفت إثماً وتجرأت على حدود الله جل في علاه، ارفع إزارك مرضاة لربك ومطهرة لثوبك. فهذه الأدلة كلها تثبت أن القول الأول ضعيف. إذاً: الإسبال عند المحققين على نوعين: إ سبال يحرم، وهو: ما قاله النبي ﷺ : (ما أسفل الكعبين ففي النار). وإسبال أغلظ من الأول، ألا وهو: ما قاله النبي ﷺ : (لم ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء يوم القيامة)، وهذه عقوبة في الآخرة.

стр. 112

ثبوت الإسبال بالإزار والثوب والعمامة وغير ذلك قال النبي ﷺ : (الإسبال في الإزار وفي القميص وفي العمامة)، ففيه دلالة على أن الإسبال يدخل في كل ثوب، ويدخل في العمامة أيضاً. والعلماء لما ذكروا الإسبال في العمامة قالوا: الإسبال بالعمامة يكون بالذؤابة، فإذا أرخى الذؤابة إلى غير ما اعتاد الناس على طولها فقد وقع في الإسبال. أيضاً الإسبال يكون في الأكمام، فإذا كان الكم طويلاً يكون إسبالاً أيضاً، ولا بد من رفعه في القميص، وفي السروال، وفي البنطال، وفي الإزار كذلك. والنبي ﷺ قد سوى بين الإزار والعمامة والقميص في الإسبال، وكل ذلك فيه عقوبة وخيمة في الدنيا للمتكبر أو للذي يجر ثوبه خيلاء، ليبين عظم الفارق بين من جر ثوبه من غير خيلاء، وبين من جر ثوبه خيلاء، فقد قال ﷺ : (بينما رجل ممن كان قبلكم يمشي متبختراً جر ثوبه خيلاء إذ خسف الله به في الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)، وعقوبة الخسف والمسخ تكون لمن تكبر على حدود الله جل في علاه، ويكفيه حديث النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).

стр. 113

توحيد الاتباع لقد أرسل الله رسوله ﷺ مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأنزل معه كتابه تبياناً لكل شيء، وهدى وموعظة للمتقين، وكما جاء النبي ﷺ بالقرآن فقد جاء بالسنة، فالسنة مبينة للقرآن وشارحة وموضحة له؛ ولذلك كان لابد من التسليم لنصوصها، والإذعان لأوامرها، فكما يسلم لله ولكتابه، فلابد من التسليم لرسوله ﷺ ولسنته، لأنه المبلغ عن رب العالمين، ولأنه لا يستقيم للإنسان الدخول في هذا الدين إلا بالتسليم الكامل للكتاب والسنة.

стр. 114

الغاية من خلق الإنسان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: قال الإمام ابن القيم ﵀: خلق الله الكون كله بسمائه وأرضه، وبأشجاره وأنهاره، وبحاره وسهوله، وكل ما فيه لك أنت أيها المكلف، وخلقك أنت له، فانشغل بما خلقت له، ولا تنشغل بما خلق لك. يا لها من كلمات! ويا له من غواص! ولعله استقى ذلك من قول النبي ﷺ : (نفث في روعي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، فما خلق لك فسيأتيك، وما خلقت له فلا بد أن تسعى إليه.

стр. 115

الأدلة على أن الغاية من خلق الإنسان هو توحيد الله إن الله جل في علاه خلق الخلق لمهمة جسيمة ولغاية عظيمة، وقد جمعها في قوله جل في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وقال جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال جل من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، فخلق الله الخلق لمهمة جسيمة وهي توحيده ، فالدنيا بأسرها أشرقت على شمس التوحيد، وما خلقها الله إلا لتسبح بحمده جل في علاه.

стр. 116

أنواع التوحيد وتوحيد الله نوعان: توحيد العبادة، أو: توحيد الخالق في أسمائه الحسنى وصفاته العلى وفي ربوبيته وإلهيته، وتوحيد الرسالة. فتوحيد الخالق هو: توحيد الله جل في علاه، وتوحيد الرسالة هو: توحيد الإتباع. وقد قال بعض العلماء: إن بينهما تلازماً، فإن توحيد الخالق لا يمكن أن يكون إلا بتوحيد الإتباع، قال بعض العلماء: بينهما تلازم وثيق. وتوحيد النبي ﷺ هو: إفراده بالاتباع ﷺ . وقال بعضهم: بل بينهما علاقة تضمن، فتوحيد الله جل في علاه لا يكون إلا بتوحيد الاتباع، وهو: إفراد النبي ﷺ بالاتباع.

стр. 117

توحيد الاتباع من أهم أنواع التوحيد: توحيد الاتباع، أو سنة النبي ﷺ ، وإن القرآن العظيم فيه آيات كثيرة تبين لنا وتجلي أهمية هذا التوحيد، وتوحيد الاتباع هو: إفراد النبي ﷺ بالاتباع.

стр. 118

الأدلة على وجوب اتباع النبي ﷺ قال الله جل في علاه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقد فسرها النبي ﷺ بقوله (لا ألفين أحدكم على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري فيقول: ننظر في كتاب الله، فما وجدناه حلالاً أخذنا به، وما وجدناه حراماً تركناه)، ثم قال النبي ﷺ مؤسساً أصلاً: (وإنما حرم رسول الله كما حرم الله)، وفي رواية: (ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه). وقد أناط الله جل في علاه طاعته بطاعة الرسول ﷺ ، فلا يقبل طاعة إلا باتباع النبي ﷺ ، حيث يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وأقوى من ذلك وأرقى أن الله جل في علاه علق الإيمان على اتباع النبي ﷺ ، فقال جل من قائل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال جل من قائل: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥]، وهنا أكد بمؤكدات ثلاثة، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. ومن ادعى محبة الله جل في علاه، وادعى توحيده فإن ذلك لا يكون إلا بتوحيد اتباع النبي ﷺ ، فلما ادعى قوم محبة الله، أو كمال توحيده جل في علاه امتحنهم الله بهذه الآية الممحصة، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. وأما السنة فهناك الكثير من الأدلة يبين فيها النبي ﷺ أن توحيد الله لا يتم أبداً إلا بتوحيد اتباع النبي ﷺ .

стр. 119

اتباع النبي ﷺ شرط لقبول العبادة وقد أخبر الله جل في علاه أنه لا يقبل عبادة إلا عن طريق النبي ﷺ لا عن طريق الهوى ولا الفقهاء، ولا غير هؤلاء، وإنما عن طريق النبي ﷺ ، ولذلك قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، ويظهر من هذه الآية أنك إن لم تطع الرسول في هذه العبادة التي تتقدم بها عند الله جل في علاه فإن الله لا يقبل هذه العبادة، وهي باطلة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [محمد:٣٣]، ثم شدد فقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [محمد:٣٣]، أي: طاعة مستقلة؛ ليبين التلازم بينهما، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]. وقد قال النبي ﷺ كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ر)، أي: باطل لا يقبل عند الله جل في علاه؛ لأنه لم يخرج من مشكاة النبي ﷺ . وفي رواية أخرى قال: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد).

стр. 120

اتباع النبي ﷺ شرط لدخول الجنة وقد بين النبي ﷺ أن الفوز بالجنة والسعادة الأبدية لا تكون إلا لمن أطاع النبي ﷺ ، فقال كما جاء عنه في الصحيحين -بأبي هو وأمي-: (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى). فاندهش الصحابة هل هناك أحد يأبى أن يدخل الجنة؟ (فقالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ فقال النبي ﷺ : من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). وقال النبي ﷺ أيضاً كما في قصة الثلاثة النفر وهي لا تخفى، عندما قال الأول: (أقوم ولا أنام، وقال الثاني: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: لا أتزوج النساء)، فكأنهم تقالوا عبادة النبي ﷺ ، فيبين النبي ﷺ مصححاً مقال الصحابة الكرام أن الأعمال ليست بالاجتهاد، ولا بالقيام ولا بالصيام، ولكنها بالاتباع، فقال النبي ﷺ معلناً لهذه الأمة أن رأس قبولها عند الله جل في علاه في اتباعه، فقال: (أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). وقد قال النبي ﷺ مصوراً لنا ما يحدث على عرصات يوم القيامة واختلاج أقوام من بين يديه عند الحوض، فيقول: (ربي! أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي)، أي: بعداً بعداً لمن بدل بعدي؛ فإن ميزان القبول هو طاعة النبي ﷺ ، وتمام التوحيد وأساسه لا يكون إلا من خلال اتباع النبي ﷺ .

стр. 121

شرطا السيادة والقيادة لأمة محمد إن الله خلق هذه الأمة لتكون لها مطلق الريادة والقيادة والسيادة، ولكنه اشترط لهم شروطاً حتى تكون لهم هذه القيادة والريادة، وهذه الشروط هي: التمسك بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ ، كما روى الحاكم بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي). وقال النبي ﷺ (بشر هذه الأمة بالرفعة والسناء)، وقال أيضاً: (أمتي كالمطر لا يدرى أين الخير فيها أفي أولها أم في آخرها؟).

стр. 122

اتباع الصديق للنبي ﷺ إن أروع الأمثلة التي ضربها الرعيل الأول، ذلك الرعيل الزكي النقي الذي تمكن من ربوع الأرض مشارقها ومغاربها، والذي تمكن من رقاب العباد، وعبّد العباد لرب العباد؛ لأنهم تمسكوا بسنة النبي ﷺ ، موقفهم في المحنة والشدة التي كانت بعد موت النبي ﷺ ، ففي الصحيح عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ لما مات ارتد من ارتد من العرب، وكفر من كفر من العرب، وما بقي إلا قلة من المؤمنين، فلما حدثت الفتنة وأطلت برأسها على أهل المدينة والحجاز ومكة قام أبو بكر ﵁ وأرضاه يعلمنا بلسان حاله أن هذه الأمة لن تثبت إلا بالتمسك بسنة النبي ﷺ . فقام خطيباً في الناس بعد ما مات رسول الله ﷺ بعد أن قام عمر في وجه الناس يقول: إن محمداً لم يمت، وإنما ذهب إلى ربه، وليرجعن وليقطعن أيدي المنافقين، فقام أبو بكر، فقال: على رسلك يا عمر، فما سكت، فقال: إليك عني. ثم قام خطيباً في الناس فقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ومن هنا وقفت الأمة وثبتت على أرض راسخة، وبعد هذا الثبات ثبتت مرة أخرى في حرب الردة عندما قام عمر يعارض أبا بكر ﵁ وأرضاه في قتال قوم قالوا: لا إله إلا الله. فقال: كيف تقاتلهم؟ وقد قال رسول الله ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، وقد قالوها. ولكن أبا بكر كان أفقه من عمر، فقاس الأمر وفيه نص صريح عن النبي ﷺ ، فقال متمسكاً بسنة النبي ﷺ -لأن فيها النجاة-: والله والذي نفسي بيده لو منعوني عناقاً أو عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول ﷺ لقاتلتهم عليه. ولذلك قال إسحاق بن راهويه ﵁ وأرضاه: ثبت الله هذا الدين بـ أبي بكر في حرب الردة، وبـ أحمد بن حنبل في الفتنة. والغرض المقصود: أن أبا بكر ثبت وثبتت معه الأمة في التمسك بسنة النبي ﷺ . وهناك أمثلة تبين كيف كان يتحرى سنة رسول الله ﷺ ، فلما جاءته الجدة تسأله عن ميراثها قال لها: أما في كتاب الله فلا أعلم لك فرضاً ولا أعلم لك شيئاً، ثم قال: وأما في سنة النبي ﷺ فلا أعلم ولعله غاب عني سنة من سنن النبي ﷺ ، فارجعي إلي حتى أسأل الناس، فجمع المهاجرين والأنصار فسألهم عن نصيب أو عن فرض الجدة، فقام المغيرة بن شعبة وقال: سمعت رسول الله ﷺ جعل لها السدس، فقام محمد بن مسلمة أيضاً فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ ، فقضى لها بالسدس. فقد كان يتمسك ويعض بالنواجذ على سنة النبي ﷺ وعلى نهجه ﷺ ، ولذلك أصبح بعد رسول الله ﷺ ينادى بخليفة رسول الله ﷺ ، بل أصبح أفضل الأمة بعد نبينا ﷺ . وعندما جاءه عمر بن الخطاب يقول له: اعزل خالداً؛ لأن خالداً في قتال مسيلمة قتل مالك بن نويرة، فجاء أخوه ينعى ذلك، وكان خالد متأولاً، في ذلك؛ لأنه سمعه يقول: إن صاحبكم قد فرض على الناس الزكاة، فقوله: صاحبكم، يقصد به رسول الله ﷺ . فقال خالد: صاحبنا! أوليس بصاحب لك؟! فقتله، وحسبه ارتد ولم يكن كذلك، فتأول فقتله، فكان القتل تأولاً. فقام عمر فقال: اعزل خالداً فقد قتل المسلمين، فقال له أبو بكر -وانظر إلى دقة نظر أبي بكر؛ لأنه قد وفق بحق وثبت بحق بالتمسك بسنة النبي ﷺ ، فكان تمسكه بها رفعة ونصراً لهذا الدين- فقال له: والله والذي نفسي بيده لا أغمد سيفاً سله رسول الله ﷺ . وكان ذلك راجعاً إلى عضه على سنة النبي ﷺ بالنواجذ؛ لأن رسول الله ﷺ أمّر خالد بن الوليد على سرية، فقتل بعض من قال: صبأنا صبأنا، وأرادوا الإسلام ولكنهم أخطئوا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فلما قالوا: صبأنا صبأنا حسب خالد أنهم على الكفر فقتلهم، وهم كانوا يريدون أن يقولوا له: خرجنا من هذا الدين ودخلنا في دين الإسلام، ولكنهم لم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فقتلهم متأولاً، فقال النبي ﷺ بعد ما بلغه الأمر: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد)، أي: إن هذا فعل لا يصح، ولم يعزله النبي ﷺ ، وأقره على عمله، فكان حري بـ أبي بكر أن يفعل مثل ما فعل النبي ﷺ ، فيقول: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد، ولا يعزله من مكانه؛ لأن رسول الله ﷺ فعل ذلك، فلما عظ بالنواجذ على فعل النبي ﷺ كان ذلك نصراً للإسلام. وأيضاً أمر رسول الله ﷺ أسامة بن زيد على جيش عرمرم ليغزو الروم، فلما توفي رسول الله ﷺ وكان أسامة من الصغر بمكان قال عمر: اعزل أسامة. يعني: اجعل أحداً من أشياخ المهاجرين أو الأنصار ليكون أميراً عليهم، فقال له أبو بكر ﵁ وأرضاه: والله لا أنزع أحداً وضعه رسول الله ﷺ ؛ فإن الخير كل الخير في ما وضعه رسول الله ﷺ . فثبت الله له الأمة بتمسكه بسنة النبي ﷺ .

стр. 123

اتباع الفاروق للنبي ﷺ لقد وعى الدرس جيداً عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فتمسك بتلابيب سنة النبي ﷺ ، فكان لا ينام ولا يقوم إلا على سنة، حتى إنه لما طاف بالبيت ذهب إلى الحجر الأسود فقبله متعجباً وهو يقول: والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، فهو هنا يعلن التمسك بسنة النبي ﷺ ؛ تعبداً لله جل في علاه، كما قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. فالذي حمله على أن يقبل حجراً لا ينفع ولا يضر هو اتباع سنة النبي ﷺ . ومن ذلك أيضاً أنه عندما سئل عن دية الجنين لما قدم رجل من أهل البادية يسأله عن ذلك، فقال: انتظر حتى نرى في سنة النبي ﷺ ، فسأل فقام المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة وقالا له: إن النبي ﷺ قد جعل في دية الجنين غرة أو وليدة، فحكم به؛ لأنه سنة النبي ﷺ .

стр. 124

اتباع عثمان للنبي ﷺ وعثمان أيضاً يبين للناس أن النجاة كل النجاة في التعبد، ولا يمكن إلا باتباع سنة النبي ﷺ ، فعندما أُتى بماء ليتوضأ منه قال: قد توضأ رسول الله ﷺ نحو وضوئي هذا. فهذا فيه تحري عثمان الخليفة الراشد لسنة النبي ﷺ حتى يطبقها ويعلمها للناس.

стр. 125

اتباع علي للنبي ﷺ وأيضاً علي ﵁ قال: كان تحت إمرة عثمان، وكان في الحج، فنهى عثمان بن عفان عن المتعة، وكان علي بن أبي طالب فقيهاً بحق، فعلم أن المتعة من سنة النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يقول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت). فقام علي بن أبي طالب وقال لـ عثمان: أتمنع الناس من المتعة؟ وكان هذا اجتهاداً لـ عثمان، لكننا هنا لا ننظر إلى اجتهاد عثمان؛ لأنه خالف سنة النبي ﷺ ، فإن كلاً يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ ؛ فإن لم نجد أحداً يخالف عثمان فعلى الرحب والسعة، فقال له علي: أتمنع الناس من التمتع وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يستحب ذلك؟ لا والله لا نخالف سنة النبي ﷺ لقول أحد كائناً من كان، ثم قام يعلنها أمام عثمان ولم يعنفه عثمان؛ لأنه احتج بسنة، وكلهم يحترمون ويعظمون سنة النبي ﷺ . وقام علي وقال: لبيك اللهم بعمرة متمتعاً بها بلا حجة.

стр. 126

الأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين فهذا هو تمسك الخلفاء الراشدين المهديين بسنة النبي ﷺ ، وقد حث رسول الله ﷺ الأمة أن ينظروا في سنته، فإن لم يجدوا سنة من النبي ﷺ فعليهم بسنة الخلفاء الراشدين، فقال كما في حديث العرباض بن سارية في مسند أحمد وفي السنن بسند صحيح: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، فقلنا: كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة)، أي: السمع لولاة الأمور والطاعة. ثم قال: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً)، وهذا في الرعيل الأول وفي قرون الخيرية، فما بالنا في هذه الأيام؟! فقال: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة). وأيضاً في مسند أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر)، وهذا لشدة تمسكهم بسنة النبي ﷺ ، فقد جعل لهم سنة مستقلة نأخذ بها إن لم نرَ سنة عن النبي ﷺ .

стр. 127

تمسك الصحابة بسنة النبي ﷺ وهذا هو دأب الصالحين من أصحاب رسول الله ﷺ ، ودأب الأكارم والأماجد والسلف الصالح الذين كانوا يعضون بالنواجذ على سنة النبي ﷺ . فهذا بحر العلوم الذي لا ساحل له، والذي دعا له النبي ﷺ وقال: (اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل)، ابن عباس حبر هذه الأمة، قام خطيباً في الناس في الحج يعلمهم تفسير كتاب الله جل في علاه، ويقول لهم: إن من السنة أن تتمتع بالعمرة إلى الحج، وكان ابن عباس يرى الوجوب، والجمهور على الاستحباب، والراجح: الاستحباب، فلما قال ذلك قام رجل فقال: يا ابن عباس! كيف تقول ذلك؟ وقد قال أبو بكر بعدم المتعة، وقال عمر بعدم المتعة. فقال: توشك السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. فالنجاة النجاة والتمسك بما قال رسول الله ﷺ . ويروي أبو هريرة حديثاً عن النبي ﷺ في الوضوء مما مسته النار، وكان هذا في بادئ الأمر، وأصبح ذلك منسوخاً، وهناك اختلاف فقهي. فقام ابن عباس يعترض على أبي هريرة، فقال لـ أبي هريرة: أنتوضأ من الحميم؟ فقال له أبو هريرة: يا ابن أخي إذا حدثتك عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له الأمثال. وكان ابن عمر ﵁ الذي يتتبع سنة النبي ﷺ حذو القذة بالقذة، وكان يدافع عن سنة النبي ﷺ حتى على أبيه، فعندما سألوه عن التمتع في الحج قال: هي سنة، فقالوا له: أبوك يخالف ذلك، أي: يقول: بغير ما تقول، فقال: ما أمرنا باتباع غيره. وهذا ليس نفياً مطلقاً لاتباع سنة عمر بن الخطاب وإنما هو مقيد بمخالفة سنة النبي ﷺ ، فإن لم يخالف سنة النبي ﷺ فلا بد أن نأخذ بقوله؛ لقول النبي ﷺ (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وأما عند المخالفة فإنما أمرنا باتباع النبي ﷺ . وفي واقعة لـ ابن عمر تكتب بماء الذهب مع ابنه عندما بين له فضل التمسك بسنة النبي ﷺ ، فعارضه ابنه بالنظر، قال ابن عمر: إن رسول الله ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فقال له ابنه: والذي نفسي بيده لنمنعهن، إذاً: يتخذنه دغلاً، أي: يجلسن يتحدثن في أمور الدنيا، ويغتبن، ويتكلمن في أمور لا تنفع ولا تضر، فنمنعهن من هذا فهو أفضل، وكان هذا نظر عائشة ﵂ وأرضاها عندما قالت: (والله لو رأى رسول الله ﷺ ما فعلت النساء اليوم لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل). فقال له الولد: والذي نفسي بيده لنمنعهن، فقال له ابن عمر: لعنك الله، وهذا كلمة ليست بالهينة، وإنما هي نارية، فمعناها الطرد من رحمة الله جل في علاه. فقال: لعنة الله عليك، أقول لك: قال رسول الله ﷺ ، وتقول: نمنعهن! لا كلمتك أبداً. فقيل: إنه ما كلمه حتى مات؛ حفاظاً على سنة النبي ﷺ . وأيضاً هذا ابن مسعود الذي مدحه النبي ﷺ وقال: (من أراد أن يأخذ القرآن غضاً طرياً فعليه بـ ابن أم عبد)، وابن مسعود كان على الكوفة ومعه أبو موسى الأشعري، فسئل ابن مسعود ﵁ وأرضاه عن رجل مات وترك بنتاً وأختاً وبنت ابن كيف يورثوا؟ وقبل أن يسأل ابن مسعود ﵁، سئل عنها أبو موسى الأشعري ﵁ وأرضاه، فنظر فيها وقال: للبنت النصف، وللأخت الباقي تعصيباً، وهذا التعصيب يسمى تعصيباً مع الغير. فذهبوا إلى ابن مسعود فسألوه وقالوا: إن أبا موسى الأشعري قال: كيت وكيت في مسألة المواريث، فقال ابن مسعود: إن قلت بقوله فقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، أي: إنني إن خالفت سنة النبي ﷺ فهو ضلال ولا يمكن أن يكون هداية، فقال: إن رسول الله ﷺ أعطى البنت النصف، وأعطى بنت الابن السدس تكملة الثلثين، وأعطى الباقي للأخت؛ تعصيباً مع الغير. فالشاهد: أن ابن مسعود ﵁ وأرضاه لما رأى مخالفة رسول الله ﷺ ضلالاً قال: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، وهذا هو شأن الصالحين من صحابة رسول الله ﷺ ، فقد عضوا بالنواجذ على سنة النبي ﷺ ؛ لأنهم علموا أن النجاة لا تكون إلا باتباع سنة النبي ﷺ ، وعلموا أن العبادة لا تقبل عند الله إلا باتباع سنة النبي ﷺ .

стр. 128

تمسك الأئمة الأربعة بسنة النبي ﷺ وجاء الأئمة الأربعة ففعلوا كما فعل الصحابة، فارتقوا كما ارتقوا، وتمكنوا كما تمكنوا. فهذا الإمام أبو حنيفة الذي قال فيه الإمام الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة وقد كان في مكان يضعف فيه أن يأخذ الأثر عن الثقات، فقدم النظر على الأثر الضعيف الذي لم يخرج من أفواه الثقات الأثبات، وأبو حنيفة نفسه يقول: إذا وجدتم قولي يخالف قول رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي عرض الحائط، وخذوا بقول النبي ﷺ . وهذا هو قول الإمام مالك عندما قال: كل يأخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر. وجاء رجل إلى الإمام مالك وقد أراد أن يلبي بالعمرة أو بالحج من قبل الميقات فقال له الإمام مالك: لا تفعل، قال: ولم إنما أفعل ذلك زيادة في الخير. فقال له: لا تفعل لا ترى نفسك فعلت شيئاً قد قصر عنه رسول الله ﷺ ، إني أخشى عليك الفتنة. مع أنه جائز، ولكن لما رأى نفسه قد فعل شيئاً قصر عنه رسول الله ﷺ قال له: أخشى عليك الفتنة، فالتخلف عن سنة النبي ﷺ تودي بالمرء إلى الفتن، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. ولما تركت السنة رد الناس إليها الشافعي، وهو الذي قال فيه الإمام أحمد: كان الشافعي للناس كالشمس للدنيا. وهو الذي رفع راية التمسك بالآثار. وكان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ودخل عليه رجل في مجلسه يسأله، وكان هناك من طلبة العلم الكثير، فقام طالب من طلبة العلم قد أذن له الشافعي أن يجيب، فلم يعبأ السائل لهذا الطالب؛ لأن الشيخ موجود، فأجاب الطالب بسنة النبي ﷺ ، فقال: هذه المسألة فيها سنة عن النبي ﷺ ، قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، فقام الرجل وكان فقهه قليلاً فقال: يا شافعي أتقول بقوله؟ فقال له الشافعي: ولم لا أقول بقوله وقد قال بقول رسول الله ﷺ ؟! أرأيتني خرجت من كنيسة؟ أرأيت في وسطي زناراً؟ وما لي لا أقول بقول النبي ﷺ . بل لقد أدب الإمام الشافعي رأساً من رءوس السنة وعلماً من أعلامها، وشيخ البخاري الإمام الحافظ إسحاق بن راهويه، فقال له كلمة حفرت في صدره إلى أن مات، وذلك أنه لما رحل الإمام أحمد بن حنبل مع إسحاق يريدان ابن عيينة في مكة ليسمعا منه دخلا مكة فقال له أحمد من باب النصح في الله، والدين النصيحة: سأريك رجلاً شاباً لم تر عينك مثله، فعليك به أو فالزمه. فنظر إليه وقال: نترك مجلس ابن عيينة يقول: حدثنا فلان عن فلان، ونجلس إلى هذا الحدث؟! أي: الرجل الصغير، فقال له الإمام أحمد وكان فقيهاً يعلم الرجال: إن فاتك الحديث من ابن عيينة بعلو فخذه بنزول، يعني: تنزل طبقة وتجد الحديث، فإن فاتك الحديث بعلو فخذه بنزول، وإن فاتك العلم من هذا الفقيه فلن تأخذه من غيره. فدخل معه جلس في مجلسه، وكان الشافعي يتكلم على رباع مكة هل تملك أم لا تملك؟ وكان الشافعي يرى: أنها تملك، واستدل على ذلك بالحديث عن النبي ﷺ : أنه لما نزل مكة قالوا: أتنزل في بيت عقيل، أو تنزل في بيوت من بيوتك؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من دار؛ لأن عقيلاً ورث أباه وكان كافراً ثم باع هذه الديار؛ فقال: ما ترك لنا عقيل من دار، ولم يفهم إسحاق هذا الحديث ولا مغزى الحديث. ولله در ابن تيمية عندما قال: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه. وفهم المتن هو رأس الأمر، وهو الفقه؛ لأن الفقه: هو الفهم. فلم يعقل إسحاق المغزى من هذا الحديث، وكان يرى عدم البيع، فقال له: يا شافعي، حدثني فلان عن فلان عن فلان أن عائشة كانت ترى عدم البيع، وحدثني فلان عن فلان أن فلاناً من الصحابة كان يرى ذلك. فقام الشافعي مستغرباً مندهشاً وقال للناس: من هذا الذي يعارض قول النبي ﷺ بقول أحد من أصحابه؟ قالوا: إسحاق بن راهويه، قال: هذا فقيه خراسان؟ فقال إسحاق: يزعمون ذلك. ثم تكلم بكلمة فارسية سب بها الشافعي، فقال له الشافعي: تناظر؟ فقال: أناظ، وبعدما ناظره قال له الشافعي: ليتني بك طفلاً صغيراً أعرك أذنك، أقول لك: قال رسول الله ﷺ ، وتقول لي: قالت عائشة، وقال الزبير! لا يعارض قول رسول الله ﷺ بقول أحد كائناً من كان. وأختم الأئمة الأربعة بإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل، وكيف تحرى سنة النبي ﷺ ، والأقوال الكثيرة في مذهبه يعتذر له فيها أنه كان يتلمس السنة، فيقول بالقول، فيظهر له حديث فيقول بالقول الذي فيه حديث؛ لأنه يتتبع آثار النبي ﷺ ، وقد قال: لا تأخذوا مني، ولا من ابن عيينة، ولا من الثوري، وخذوا من حيث أخذوا. يقصد بذلك: أن تأخذ بسنة النبي ﷺ ، مطبقاً قول شيخه الإمام الشافعي: من استبانت له سنة النبي ﷺ فلا يحل له أن يأخذ بقول أحد كائناً من كان. وقال الإمام ابن القيم: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فالرفعة كل الرفعة في التمسك بسنة النبي ﷺ .

стр. 129

مخالفة أتباع المذاهب لمذاهبهم المخالفة للسنة وإليك نبأ القوم الذين جاءوا من بعد هؤلاء الأئمة المتعصبين لمذاهبهم، فإن من مذاهبهم أنهم يوافقون السنة إذا رأوا أنها تخالف المذهب، فمثلاً: الإمام أبو حنيفة كان يتكلم في الاستصناع ويبيحه، لكنه كان يقول أنه غير ملزم؛ لأنه يمكن للبائع أن يقول: لا أبيع لك، ويمكن للمشتري أيضاً أن يرجع عنه. فقام صاحبه محمد بن الحسن فخالفه في الاستصناع، وكذلك أبو يوسف، وقالا: هذا للتقعيد الأثري أقوى. والإمام مالك مذهبه: عدم الغسل بالتتريب من ولوغ الكلب في الإناء، وقد قال النبي ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعاً إحداهن بالتراب)، فكان الإمام مالك لا يقول بالتتريب؛ لعمل أهل المدينة. فقام بعض أتباعه - أظنه الإمام أصبغ - فقال: سنة النبي ﷺ تقدم على قول مالك، فإن النبي ﷺ قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً، ويعفره الثامنة بالتراب)، فقدم قول النبي ﷺ على قول مالك ﵁ وأرضاه. وكان الإمام مالك لا يرى المسح على الخفين في الحضر ولا في السفر، فقال: وسنة النبي ﷺ تقدم على قول مالك؛ فإنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ جواز المسح على الخف في السفر يوم وليلة في الحضر، وثلاثة أيام بلياليهن في السفر. وأيضاً كان الإمام النووي يعلم أنه لا يمكن له أن ينخلع عن مذهب الشافعي، ومع ذلك لما استبانت له السنة ترك مذهب الشافعي في الوضوء، وذلك أن الشافعي كان يرى أنه لا يجب الوضوء على الإنسان إذا أكل لحم الجزور، فقال الإمام النووي: والسنة وجوب الوضوء على من أكل لحم الجزور، وسنة النبي ﷺ تقدم على قول الشافعي، بل إن الوضوء من لحم الجزور مذهب الإمام الشافعي أي: أخذه من قول الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي. والعلماء يقولون: كل شافعي وللشافعي عليه منة إلا الإمام البيهقي، فإن له منة على الشافعي، فإنه تتبع كلام الشافعي ودلل عليه بالآثار، فكان يأخذ قول الشافعي ويأتي بالحديث الذي يؤكد ما ذهب إليه الشافعي، وعندما لا يجد سنة في قول قاله الشافعي فإنه يرجع الأمر إلى السنة. فمثلاً: كان الشافعي يرى أن الوضوء ينتقض بلمس المرأة الأجنبية، لقول الله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]. فقال البيهقي: وصحت السنة عن النبي ﷺ أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. واستدل على ذلك بحديث في السنن والبخاري وهو حديث صحيح أن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: (كان رسول الله ﷺ يقبل إحدى نسائه فيذهب فيصلي ولا يتوضأ، فقال لها عروة: ما هي إلا أنت، فضحكت). قال البيهقي: فهذه سنة قد ثبتت من أن النبي ﷺ قد قبل إحدى نسائه، وذهب فصلى ولم يتوضأ فهذا مذهب الشافعي، ونقل قولاً للشافعي من أن الوضوء لا ينتقض بلمس النساء. فهؤلاء من الذين يتبعون السنة، وقد قالوا: نعلنها صراحة وإن كان الإمام مبجلاً، وإن كان الإمام يؤخذ بقوله، فهذا عند عدم ورود الأثر، فأما إن جاء الأثر فلا قول لأحد، وإنما كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب رسول الله ﷺ . وللكمال مراتب أربع.

стр. 130

المراتب التي يلزم توافرها لمن أراد الكمال

стр. 131

العلم بالسنة المرتبة الأولى: العلم بالسنة، فلا يمكن أن يخطو المرء المكلف خطوة إلى الكمال إلا بالعلم بسنة النبي ﷺ ، وبما جاء عن النبي ﷺ . ولذلك قال النبي ﷺ مستنهضاً همم الأمة لتعلم سنته ﷺ : (فضل العالم على غير العالم كفضلي على أدناكم). فيا لها من كرامة، وأيضاً صح عن نبينا ﷺ أنه قال: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بخظ وافر). وكان ﷺ يميز بين درجة العابد ودرجة العالم ويقول: (فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب). وشتان شتان بين القمر ليلة البدر وبين سائر الكواكب. إذاً: فالمرتبة الأولى لمن أراد الكمال: العلم بسنة النبي ﷺ ، وعلى من خطى هذه الخطوة أن يتذكر قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وقوله جل في علاه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].

стр. 132

العمل بالسنة أما المرتبة الثانية: العمل بهذه السنة، فإن العلم ينادي بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. وقد كان سفيان الثوري رحمة الله عليه يقول: يا أهل الحديث زكوا عن الحديث، فسأله سائل: كيف نزكي؟ قال: على كل أربعين حديث يعمل بحديث واحد. وقال الزهري: من عمل بحديث تعلمه مرة واحدة كان من أهله. فلا بد من العمل بعد التعلم، فإن الله جل في علاه قدم ذلك فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩].

стр. 133

الدعوة إلى السنة المرتبة الثالثة: الدعوة بعد التعلم، وأن تنشر هذا العلم بين الناس، وقد قال ابن عيينة: خير الناس الواسطة بين رب الناس وبين الناس، وقد كان ﷺ يأمر الأمة أن يبلغوا عنه، فقال: (بلغوا عني ولو آية)، وقال ﷺ (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعها فأدها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، وفي رواية أخرى: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). فهذه المرتبة الثالثة لمن أراد الكمال، وكلها تدور حول سنة النبي ﷺ .

стр. 134

الصبر على العمل والدعوة أما المرتبة الرابعة: فهي الصبر على العمل والدعوة؛ فإن أصحاب السنة غرباء، وقد بين النبي ﷺ ذلك عندما قال: (لا تزال طائفة) يقللها، وهم أصحاب السنة، قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم). فلا بد أن تصبر على ذلك، وكفاك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]. واعلم أن الله جل في علاه قد أمرك بأمر لا بد أن تأخذ به، وهو: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. نسأل الله الكمال كله دقه وجله.

стр. 135

حكم صيام يوم الشك والحسابات الفلكية اختلف العلماء في ثبوت شهر رمضان هل لابد فيه من رؤية الهلا بالبصر كما أخبر النبي ﷺ ، أم يصح أن يكون بالحسابات الفكلية المتطورة في هذا العصر؟ وبعض العلماء توسط في المسألة فأثبت دخول رمضان برؤية الهلال مع عدم الاستغناء عن الحسابات الفلكية. كما اختلفوا في حكم صيام يوم الشك، فأجازه بعضهم وحرمه البعض الآخر، والمسألة قد حسمت بسنة رسول الله القولية أن من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ .

стр. 136

حكم صيام يوم الشك إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع كتاب الصيام من عمدة الأحكام. قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له)]. إن الشريعة الغراء السمحة الحنيفية جاءت تنيط الأحكام بما يسهل على الناس ولا يشق عليهم، قال الله جل في علاه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، ولذلك أناط الشرع الحنيف توقيت هذه العبادة بما يكون في متناول الجميع، فلم يشق عليهم ولم يكلفهم أمراً لا يستطيعونه، فأناط صيام رمضان أو ابتداء القيام بهذه العبادة برؤية الهلال بالعين المجردة، وكأن الشرع يقول لهم: لا أكلفكم ما لا تطيقون، فإني أكلفكم أن تبتدءوا صيام رمضان إذا رأيتم الهلال بالعين المجردة، أو رآه أحدكم فأخبركم أنه رآه بالعين المجردة، وإن لم تروا الهلال فلا تتعبوا أنفسكم، ولا تشقوا على أنفسكم، ولا تأتوا بالمنظار، ولا تأتوا بالحسابات الفلكية، ولا تأتوا بالتقديم ولا بالتأخير ولا بغير ذلك، بل أتموا شهر شعبان ثلاثين ثم ابدءوا صوم رمضان وأنا أقبل منكم. فهذه دلالة على سماحة الشريعة الغراء، ولذلك سنبين في الفوائد المستنبطة أن من سماحة الشريعة ومن القواعد التي تستقى من هذا الحديث العظيم: أن اليقين لا يزول بالشك، أو الأصل بقاء ما كان على ما كان.

стр. 137

أقوال العلماء في حكم صيام يوم الشك

стр. 138

قول الحنابلة في صيام يوم الشك اختلفت أنظار الفقهاء في معنى قوله: (فاقدروا له) وعلى غرار هذا الاختلاف في تفسير قول النبي ﷺ : (فاقدروا له) ظهر ونجم الخلاف الفقهي، فقال الحنابلة: أي: ضيقوا له، ومعنى (ضيقوا له) أي: ضيقوا عدد شعبان فلا تجعلوه كاملاً، بل اجعلوه تسعاً وعشرين، وانطلاقاً من هذا التفسير قالوا: إن صوم يوم الشك -الذي هو يوم الثلاثين- واجب إذا وجد غيم، أي: اشترطوا وجود غيم ليلة ثلاثين من شعبان يمنع من رؤية الهلال، فإن لم تستطع أن ترى الهلال فيجب صيام هذا اليوم! ولو سئلوا لم وجب صومه، والإيجاب لا يكون إلا من الشرع؟ قالوا: لقول النبي ﷺ : (فاقدروا له) أي: ضيقوا عدة شعبان، واجعلوا هذا اليوم من رمضان. واستدلوا على ذلك بأدلة أخرى كحديث فاطمة بنت الحسين تروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لأن أصوم يوماً من شعبان أفضل لي من أفطر يوماً من رمضان. وهذا معناه أن يصام اليوم الثلاثين حتى ولو كان من شعبان، فصومه أفضل من أن يكون قد أفطر يوماً من رمضان؛ لأنه لو كان أول يوم من رمضان هو يوم الثلاثين فيعتبر قد صامه ولم يفته، فالأفضل لي أن أكون صائماً سواءً كان اليوم من رمضان أو من غير رمضان؛ حتى لا أفاجأ أني قد أكلت في يوم من رمضان. ومما ذكروا من الأدلة على ذلك أن ابن عمر ﵁ وأرضاه كان يتحرى صوم يوم الشك، وحين سألناهم: ما حجتكم في هذا الحديث؟ قالوا: من وجهين: أن ابن عمر صحابي، وفعل الصحابي أو قوله حجة إن لم يخالفه أحد، فما بالكم وقد وافقه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة وهو علي بن أبي طالب، فكان ابن عمر يستحب ويتحرى يوم الشك فيصوم فيه. الوجه الثاني: أن ابن عمر هو راوي قول النبي ﷺ : (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له) وتفسير الراوي يكون أصح التفاسير التي نأخذ بها، إذ القاعدة عند المحدثين تقول: الراوي أعلم بما روى، فنأخذ به. وأما الدليل الثالث فقالوا: إن العبادة لا بد فيها من الاحتياط، فالعبد الذي يتحرى التعبد لله جل في علاه ويتحرى رضا الله جل في علاه لا بد أن يحتاط لعبادته، وأخذ الحيطة مستحب. وهذا يخالف قولهم بالوجوب، وبعضهم قال: لا، يجب أن يحتاط لدينه فيصوم يوم الشك لأنه يجوز أن يكون من رمضان، وهذا على تفسير الحنابلة، وقد أنكر هذا القول عليهم شيخ الإسلام، فقال: الحنابلة لم يقولوا بالوجوب، وهذه الرواية التي نسبت ل أحمد لم تصح. وكثير من المحققين في الحنابلة قالوا: نحن نقول بصيام يوم الشك، وهذا مذهب ابن عمر وعائشة وبعض الصحابة.

стр. 139

قول الجمهور في صيام يوم الشك أما الجمهور فخالفوهم في التفسير وقالوا: إن قول النبي ﷺ : (فاقدروا له) يفسره رواية أخرى وهي قوله: (أتموا العدة ثلاثين) فمعنى (اقدروا له) أي: أكملوا عدد شعبان ثلاثين يوماً، فلما فسروا هذا التفسير نجم لنا قولهم في مسألة صيام يوم الشك، فقالوا بحرمة صيام يوم الشك؛ لأن الأحاديث ظاهرة في ذلك، ومنها: أولاً: قال النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته) أي: صوموا رمضان عند رؤية الهلال، (وأفطروا لرؤيته) أي: عند رؤية هلال شوال، (فإن غم عليكم) أي: جاء الغيم ولم تروا شيئاً، (فإن غم عليكم فأتموا الشهر ثلاثين) فاستدلوا بهذه الرواية. وأما قوله ﵊: (فاقدروا له) فهو حديث يفسره قول النبي ﷺ : (فأتموا شعبان ثلاثين) >فإن قيل: هذا من العموم، قلنا: هناك ثلاث روايات فيها التصريح، وهي قوله ﷺ : (فأتموا الشهر ثلاثين) وقوله: (فأتموا عدة شعبان ثلاثين) (الشهر تسعة وعشرون، فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين). فهذه دلالة على أن قوله: (فاقدروا له) بمعنى: أتموا عدة شعبان ثلاثين يوماً، بل عند الجمهور ما هو أوضح من ذلك وهو فاصل للنزاع، وهو ما ورد بسند صحيح عن عمار بن ياسر ﵁ قال: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم)، ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة جداً، فمعنى قوله (فقد عصى): أن هذا الفعل يأثم صاحبه؛ لأنه خالف النبي ﷺ ، قالوا: وهذه دلالة واضحة جداً أن صيام يوم الشك عصيان لله جل في علاه، وعصيان لرسوله ﷺ ، فيكون حراماً. قالوا: والدليل الرابع ما جاء في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم من شعبان) أي: لا تستقبلوا رمضان بصوم يوم قبله كصوم يوم من شعبان. قالوا: ويعضد ذلك قوله: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين) فهذه الرواية يدخل فيها صيام يوم الشك، فهو محرم. وأما الأدلة النظرية فهي أن الأصل العام الذي تتفقون معنا فيه: أن كل عبادة وقتت بوقت لا يصح أداؤها قبل الوقت، فمن قال: أؤديها قبل الوقت احتياطاً قلنا: قد تكلفت، وقد أمر الله رسوله أن يقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. ويقول ﷺ أيضًا: (هلك المتنطعون) فالاحتياط فيما الأصل فيه براءة الذمة تنطع، فالأصل عدم شغل الذمة بالصيام، وعدم دخول شهر رمضان، فمن تعجل هذا الأمر فقد تنطع، والحيطة فيما لا حيطة فيه تنطع، وقد قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون).

стр. 140

الراجح في حكم صيام يوم الشك الراجح من هذين القولين هو حرمة صيام يوم الشك، وإن رجح شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره الاستحباب، وهذا من أضعف ما يكون، لأنه مخالف لظاهر حديث النبي ﷺ . وقد استدل ابن تيمية ﵀ على ذلك بحديث لـ أم سلمة -ويعد هذا قول ثالث وإنما أدرجته مع الحنابلة لأنه تابع لقولهم- ﵂: (أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان ويصله برمضان)، وسنقف عند هذا الدليل قبل أن نرد على الحنابلة، فنقول: حديث أم سلمة جاء على الغالب. فإن قالوا: خالفتم الظاهر؛ لأنه وصل شعبان برمضان، قلنا: فإن عائشة التي هي أبقى من أم سلمة وأثبت في نقل ما يفعله النبي ﷺ قالت: (ما صام النبي ﷺ شهراً كاملاً إلا رمضان) فهذه دلالة على أن صيام شهر شعبان كان على الغالب. وورد عن عائشة -وإن كان بسند فيه ضعف ولكن يستأنس به- أنها قالت: (كان يتحفظ النبي ﷺ من شعبان، وكان لا يصوم رمضان حتى يرى الهلال أو يتم الشهر ثلاثين) وفيه دلالة على أنه ما صام يوم الشك، فقالوا: هذا يعضد فهم عائشة ﵂ وأرضاها، وفيه رد على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 141

ما يرد به على الحنابلة في صيام يوم الشك أما الرد على الحنابلة بعد أن رجحنا حرمة صيام يوم الشك فنقول: أولاً: حديث فاطمة بنت الحسين عن علي الذي استدللتم به حديث ضعيف، لأن فاطمة لم تدرك علياً، فالحديث منقطع، والانقطاع يدل على سقوط راو، وسقوط راو يدل على الجهالة، والجهالة تدل على ضعف الحديث، والأحكام فرع عن التصحيح. كما أن للحديث سياقاً وقصة وهي: أنه جاء القوم فسألوا علي بن أبي طالب، فقال أعرابي: رأيت الهلال، فقال له: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فصام وأمر الناس بالصيام، ثم قال: لأن أصوم يوماً من شعبان خير من أن أفطر يوماً من رمضان. ولما كان الحديث له قصة وكانت هذه إجابة عما حدث من رؤية الأعرابي للهلال فيبعد أن يكون في النزاع، ولا يصح أن تنفرد بالاحتجاج به؛ لأنه جاء إجابة عن قصة الأعرابي الذي رأى الهلال، فكأن علي بن أبي طالب يؤكد ما أمر الناس به، وكأنه يقول: وتأكيداً لكم لو أن هذا الأعرابي أخطأ برؤية الهلال ورأى حاجبه مثلاً أو شعر حاجبه فقال: هذا الهلال إن أخطأتم في الصيام يوماً من شعبان خير لكم من أن تخطئوا في فطر يوم من رمضان، فكانت إجابة عن القصة أو السياق الذي حدث من الأعرابي. وأما قولهم: إن ابن عمر كان يفعل ذلك والراوي أعلم بما روى، قلنا: سنرد عليكم من وجهين: الوجه الأول: هذه القاعدة باطلة، وهي مما يعمل بها الأحناف، وليس نصها: الراوي أعلم بما روى، وإنما نصها: إذا خالف الراوي روايته التي رواها فالعمل بما رأى لا بما روى، فهذه قاعدة الأحناف، ومعناها: أن ابن عمر يروي حديث: (فاقدروا له) والرواية الأخرى: (فأتموا الشهر ثلاثين) ومع ذلك ابن عمر -إن لم أكن واهماً أن هذه رواية ابن عمر - خالف وصام، فالراوي خالف ما روى فتكون الحجة فيما رأى في اجتهاده لا الحجة في روايته، وجعلوا فعل ابن عمر تضعيفاً لمعنى الحديث المرفوع. الأمر الثاني: قالوا: تنزلوا معنا وقولوا: الراوي أعلم بما روى؛ لأنه لما روى: (فاقدروا) فسرها بضيقوا، قلنا: هذا مخالف للرواية الأخرى الصريحة التي رواها، فتفسير النبي بقوله أولى بالأخذ به من تفسير ابن عمر، فالنبي ﷺ فسر قوله: (فاقدروا له) بأن يتموا شهر شعبان ثلاثين، فهذا تفسير رسول الله ﷺ ، ثم جاء ابن عمر ولعله لم يجلس في المجلس الذي فسر فيه النبي ﷺ الحديث مثلاً، لكن هو راوي الحديث، فعندما سألوه: عن معنى قول النبي: (فاقدروا له) قال: معناه: فضيقوا له. إذاً: فعندنا تفسيران: تفسير رسول الله ﷺ ، والثاني تفسير ابن عمر فبتفسير من نأخذ؟ لا شك أن تفسير النبي ﷺ أولى بالتقديم من تفسير ابن عمر، قالوا: احترنا معكم فما رأيكم بالدليل النظري؟ ويعنون به الحيطة في العبادات. قلنا: الرد عليكم فيه من وجوه: الوجه الأول: أن هذه الحيطة لا دليل عليها، والأصل براءة الذمة، فلا تشغل الذمة بحال من الأحوال إلا بدليل؛ لأن الله جل وعلا بين أن العبادات لا يمكن أن تكون إلا بقال الله أو قال الرسول، وهذا لا خلاف فيه، فلا يمكن أن ينشئ المرء عبادة في حال من الأحوال إلا وقد سمع قال الله أو قال الرسول، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. والأدلة على ذلك كثيرة وهاك بعضها: قوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم)، وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]، ووجه الدلالة من الآية من وجهين: أحدهما إيجابي والآخر سلبي، فالوجه الأول في قوله: (ما كتبناها عليهم) إذ لا بد أن تكتب، ولا يمكن أن تكون العبادة مشروعة إلا وقد كتبها الله جل وعلا، وقد رأينا أن الله ما كتب صيام يوم الشك. أما الثاني: فإنه قال: (ابتدعوها) أي: من عند أنفسهم، وعلى ذلك فالعبادات لا يمكن الحيطة فيها؛ لأن الحيطة فيها تنطع وزيادة على الدين، وقد أكمل الله الدين، وبهذا نعلم أن الراجح في المسألة الأولى: حرمة صيام يوم الشك، ومن صامه فقد عصى الله وعصى رسوله وأثم، ولا يصح هذا الصوم؛ إذ النهي يقتضي الفساد.

стр. 142

الأحوال الواردة في صيام يوم الشك عملاً بقول الحنابلة يتفرع على هذه المسألة: من صام يوم الشك آخذاً بقول الحنابلة فلا يخلو حاله من أن يكون موصوفاً بإحدى الحالات الآتية: الحالة الأولى: صام يوم الشك وهو ينوي أنه من رمضان، فقد بيت النية على أن هذا من رمضان. الحالة الثانية: صام يوم الشك معلقاً النية، ومعنى معلقاً النية أي: متردداً بين أن يكون اليوم هو يوم شك أم هو من رمضان، فإن كان من رمضان فهو من رمضان، وإن كان من غير رمضان فهو مطلق، فصاحبه متردد النية. الحالة الثالثة: صام يوم الشك ولم ينو نية بحال من الأحوال، وإنما استيقظ فوجد نفسه لم يأكل، فقال: أصوم، ولم يحدد النية. الحالة الرابعة: جاء يوم الشك فأكل وشرب، ثم ظهر يوم الشك أنه من رمضان. فهذه أربع حالات. فأما الحالة الأولى: إذا صام يوم الشك بنية أنه من رمضان فظهر أنه من رمضان، فهذا باتفاق الأمة أن صيامه صحيح. الحالة الثانية: إذا صام يوم الشك متردداً في النية، فالأحناف الذين لا يجعلون النية ركناً في الصيام يقولون بصحة الصوم، والصحيح خلافه، وأن هذا الصوم لا يصح وعليه أن يمسك باقي اليوم ويلزمه القضاء. الحالة الثالثة: من استيقظ فوجد نفسه صائماً ولم يأكل فاستمر في صيامه، فعند الأحناف يصح أن ينوي أن هذا اليوم من رمضان ولو في نصف النهار، وعند الجمهور -الأئمة الثلاثة وهذا الراجح الصحيح- أنه لا يصح؛ لأنه لا بد أن يبيت النية، وهو لم يبيت النية، فلا يصح من رمضان. الحالة الرابعة: من أكل في يوم الشك ثم ظهر أنه من رمضان: فعند الجمهور يجب عليه الإمساك، وعليه قضاء هذا اليوم. ولو سأل سائل عن الدليل؟ قلنا: الدليل ما جاء في صوم يوم عاشوراء عندما أرسل النبي ﷺ المنادي لينادي في الناس: (من أكل فليمسك باقي اليوم، ومن كان صائماً فليتم صومه) فعليه الإمساك، وعليه أن يقضي يوماً مكانه. فهذه مجمل المسائل المتفرعة على صيام يوم الشك، وبقي مسألة: من صام ونوى أنه لو كان من رمضان فهو من رمضان، فظهر أنه من رمضان، فمن الممكن أن يكون فيها الخلاف على أن مطلق النية يقتضي الفساد، ومن الممكن أن نقول: بالاتفاق أنه بيت النية على أنه من رمضان فظهر أنه من رمضان، فيصح الصوم ويأثم بأنه صامه في يوم الشك، وعلى ذلك فالصحيح الراجح أن صيامه يجزئ وليس عليه قضاء، وأما من عداه فعليه قضاء هذا اليوم.

стр. 143

حكم الاستعانة بالحسابات الفلكية المسألة الثانية مما يتعلق بهذا الحديث: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا) أن الشرع علق ثبوت قدوم شهر رمضان أو ثبوت ظهور الشهر برؤية الهلال، والمعلوم أن شهر رمضان يعرف بأمرين قد اتفق العلماء عليهما، وبأمر ثالث اختلف العلماء فيه، فالأمران اللذان اتفق العلماء عليهما هما: الأول: رؤية الهلال، فإذا رأوا الهلال سواء كان في بلد أو في غيره وجب عليهم أن يصوموا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فجعل شهود الشهر برؤية الهلال، ولابد أن نفسر القرآن بالسنة، فقد قال رسول الله: (إذا رأيتموه) والرؤية هنا هي الرؤية البصرية، ولا يصح حمله على غيرها، والمعنى: إذا رأيتموه بأعينكم وبها يثبت الشهر. الأمر الثاني: فبإتمام شعبان ثلاثين يوماً، وهذا بالاتفاق، ويكون الاتفاق حينما يكون الجو صحواً لا غيم فيه؛ لأن الخلاف كله في الغيم، كما قال النبي ﷺ : (فإن غبي أو فإن غم عليكم). الأمر الثالث وهو المختلف فيه: إن غم عليكم أو غبي عليكم، قال بعض العلماء: يعرف بالحساب الفلكي، فالذين يعرفون ويتدبرون منازل القمر يخبرون متى يولد الهلال ومتى يكون كالعرجون القديم، ومتى يكون كذا، وعلماء الحسابات الفلكية عندهم المناظير، وعندهم كل شيء علمي، فالله جل وعلا حباهم ذلك، فاستخدموا وطوعوا هذا العلم المعروف بعلم التكنولوجيا ليعرفوا منازل القمر إذا كان خلف الشمس، ومتى يدور الدورة الكاملة ليكون في الناحية الثانية، وفي آخر الشهر يكون كالعرجون القديم فيكون في الناحية المقابلة، وهذا كما قال ابن تيمية لا يكون إلا بعد ليلة كاملة. فالمقصود أن أهل الخبرة بالمطالع والمنازل ينظرون في منازل القمر، ويعرفون بالحساب متى يظهر وأين يظهر، وأي مكان يكون فيه الهلال، فمن قال بالاستعانة بالحسابات الفلكية قالوا: عندنا أدلة تعضد ما نقول به؛ لأن الحسابات الفلكية الآن ظهرت وأصبحت من الدقة بمكان، والعلم هذا لابد أن نستخدمه لله جل في علاه، فمن هذه الأدلة: أولاً: أن هؤلاء أتقن وأعلم منا بهذا الحساب، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] فالآية عامة، وهم من أهل الذكر. الأمر الثاني: أنهم قالوا بأن النظر يعضد هذا، فإن الله جل في علاه قد أمر بالصيام عند رؤية الهلال، سواءً رآه المسلم أو لم يره؛ لأن الأعمى لا يراه، كما أنه قد يكون أهل بلدة ما قدر الله عليهم مثلاً ألا يروا الهلال، فلا يصح أن نقول هنا: إن المقصود هو رؤية الهلال، وعلماء الحسابات الفلكية يعلمون متى وأين يطلع الهلال، فقالوا: إذاً من النظر أنه لابد علينا أن نأخذ بهذه الحسابات الدقيقة. وهذا القول للمُحْدَثين من الفقهاء ولم يكن في القرون الخيرية الثلاثة الأولى أبداً، بل هو لبعض المتأخرين من الفقهاء، وهؤلاء أيضًا ما قالوا بهذه التوسعة التي نراها في هذه العصور، بل قالوا: إن الذي عنده علم بالحساب الفلكي ويدقق النظر فيه فله أن يصوم بنفسه فقط ولا يأمر غيره، فليس له أن يذهب إلى القاضي ولا إلى ولي الأمر ليأمر الناس بالصيام، بل ما يفعله ديانة هو أن يصوم بنفسه ولا يلزم غيره، وأما المعاصرون فقد أوسعوا المسألة بحثاً وقالوا: كل الناس يلزمون بذلك، وخالفهم جمهور أهل العلم في هذا، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة: أولاً: أن النبي ﷺ أناط مسألة الصيام بالرؤية، فقال ﷺ : (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا) وتعليق الشرع بالرؤيا مقصوده الرؤيا البصرية بالعين المجردة، وهذه لا مدخل ولا نظر فيها، فإن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتموه) يعني: بأم أعينكم، (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا). وكذلك قول الله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] وشهود الشهر يكون بالرؤية. ولحديث النبي ﷺ وهو الفاصل في النزاع: (إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، فإذا رأيتموه فصوموا)، فهذا كأنه تفسير لقوله: (إنا أمة أمية) بمعنى: إنا لسنا بصدد الحساب الفلكي، (لا نحسب ولا نكتب، فإذا رأيتموه) فنفى الاعتماد على الحساب؛ لأننا أمة أمية لا نحسب، وعلق الحكم بالرؤية. قالوا: ومن النظر أن علم صيام الشهر بالحساب الفلكي فيه تعليق بما يشق على الأمة، فقد نكون غير متحضرين وليس عندنا تكنولوجيا ونحن في فقر مدقع لا نستطيع أن نحسب، فهذا تعليق لحكم الشرع بما يشق على الناس، وهذا مخالف للتأصيل الشرعي العام: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]. والوجه الثاني من النظر: أن إلزام الناس بالحساب الفلكي تكلف وحرج في الدين، وقد رفع الله الحرج عن الدين، وأيضًا قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون)، وأمره الله أن يقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. فهذان قولان في مسألة الحساب الفلكي، والصحيح الراجح: أن من قال بالحساب الفلكي فقد أبعد النجعة، ولا يصح بحال من الأحوال الاعتماد على الحساب الفلكي؛ لأن النبي ﷺ قد بين أن هذه الأمة أمية لا تحسب ولا تكتب، ولابد أن تأخذ بما أناط الشرع به، والقاعدة عند العلماء: إذا أناط الله الحكم بوصف فلا يصح إلغاؤه وإدخال وصف غيره، فالله جل وعلا أناط حكم ثبوت الشهر بوصف وهو الرؤية، فلا يصح إلغاء ما علق الله به الحكم، وإثبات ما ألغى الله عنه الحكم، فتعليق الله الحكم لثبوت الشهر بالرؤيا هو الوصف الصحيح، وإلغاؤه حكم ثبوت الشهر بالحساب الفلكي. وقد ألغاه الله على لسان النبي ﷺ عندما قال: (نحن أمة أمية لا نحسب) فألغى أن يحكم الشرع بوصف الحساب، وأناط الحكم وعلقه على الرؤية، فمن قال بالاعتماد على الحساب الفلكي فقد ألغى ما اعتبره الله وصفاً في الحكم، وأثبت ما ألغاه الشرع وصفاً للحكم؛ ولذا نقول: من قال بالاعتماد على الحسابات الفلكية فقد أخطأ وأبعد النجعة. وهناك وصف آخر قال به بعض المعاصرين، فقالوا: نحن نعتمد على الرؤية ونستأنس بالحساب الفلكي، قلنا: هذا قول وجيه لكنه مخالف لظاهر الحديث، وإلا فإن من قال بأنه يستأنس بالحساب الفلكي ويأخذ بالرؤية إذا نظرت ودققت النظر فيه لا يخرج ولا ينظر إلى الرؤيا، بل يعتمد على التكنولوجيا والعلم المتحضر، ولسان حاله يقول: نحن في القرن العشرين، فلماذا نذهب إلى أهل الجاهلية؟! فعندنا علم متحضر يحسب لنا منازل القمر فنعتمد عليه، فالكلام من بعض المعاصرين: أننا نعتمد على الرؤية ونستأنس بالحساب الفلكي وسيلة إلى إلغاء ما اعتبره الشرع! والوسائل لها أحكام المقاصد، فنقول: هذه وسيلة وذريعة إلى أن تلغي ما اعتبره الشرع -وهو رؤية الهلال- وتكتفي بعد ذلك بالحساب الفلكي؛ لأنك لا تستأنس بالحساب الفلكي إلا وأنت تحسن الظن بهذه الحسابات، وهي نظريات تخطئ وتصيب.

стр. 144

الراجح في مسألة الاستعانة بالحسابات الفلكية إن القول الفصل في هذه المسألة المعضلة هو أن الحسابات الفلكية لا تجوز بحال من الأحوال، ومن قال بالاعتماد على الحسابات الفلكية فليراجع نفسه؛ لأنه أخطأ خطأ فاحشاً مصادماً لظاهر حديث النبي ﷺ : (إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب) وقول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته). وأما من قال بأننا نستأنس بالحسابات الفلكية فهذا لا دليل عليه، بل إن ابن تيمية يقول: الحسابات الفلكية بدعة في الدين، وبعض العلماء يقولون: هذا وسيلة إلى الشرك، ويستدلون على ذلك بقول النبي ﷺ : (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر)؛ لأن من يقول بالاعتماد على الحساب الفلكي يجعل الناس يعتقدون في كلام الكهنة والعرافين الذين ينظرون في النجوم، فكأننا فتحنا لهم الباب على مصراعيه، والنووي نفسه قال في رحلته في طلب العلم: وحبب إلي النظر إلى النجوم -علم الحساب-، وقال به الرازي وذكره كثيراً في تفسيره، قال النووي فلما نظرت في هذه العلوم -علم النجوم- أظلم قلبي، وما استطعت أن أتفهم مسألة واحدة من العلم، فلما تبت إلى الله من هذا العلم رجع لي ما كنت أعهده من نفسي قبل ذلك، فالصحيح الراجح: أنه لا ينظر في النجوم ولا الحساب الفلكي اعتماداً؛ لأن الاعتماد بدعة في الدين لا يمكن أن تقبل، ولا استئناساً لأنها وسيلة إلى بدعة في الدين أيضاً، فالمسألة كلها: (إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب) و (الشهر هكذا وهكذا) (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته).

стр. 145

اختلاف المطالع المسألة الأخيرة في هذا الباب ما جاء في صدر الحديث وهو قوله: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) فهل الأمر بهذا لكل الأمة أم لا؟ وتسمى هذه المسألة عند العلماء: اختلاف المطالع، وقبل أن ندخل في مسألة اختلاف المطالع وهي مسألة شائكة ينبغي أن ندرك تفسير المطالع، وما معنى اختلاف المطالع؟ فقال البعض: إذا اشتركت بلدة مع بلدة أخرى في الليل ولو في جزء منه فمطلعهم واحد، وبه قال النووي وغيره، ولو قلنا بذلك فمن المؤكد أن السعودية مع مصر يشتركان في جزء من الليل، فيكون المطلع واحداً. القول الثاني: أنهما يشتركان إذا كانت المسافة بينهما مسافة قصر، ومسافة القصر هي ثمانون كيلو، وعليه تكون القاهرة والإسكندرية منفصلتين، وكل مدينة لها رؤيا، ورؤيتها لا تلزم المدينة الأخرى. القول الثالث: كل قطر أو بلدة لها ولاية معينة فلها رؤيتها لوحدها، فلو رأت الرؤية عملت بها، وإن لم تر الرؤية فلا تلزمها رؤية البلد الأخرى والقطر الآخر. وبعض المعاصرين حدد المطلع بألفين ومائتين كيلو، أو ألفين ومائتين وستة وستين كيلو، أو ألفين ومائتين وستة وعشرين، وقد تأملت من أين أتى بهذا فكان أقرب شيء أنه نظر في حديث كريب؛ لأن المسافة بين الشام وبين المدينة يمكن تقديرها بهذه المسافة، فعندما وجد ابن عباس لم يأخذ بكلام كريب قال: هذه بسبب المسافة بين الشام وبين المدينة، فيكون اختلاف المطلع واتحاد المطلع على هذه المسافة، فحيثما كانت فهذا معنى اختلاف المطالع. فهذه مقدمة حتى ننظر في المسألة: هل يعمل باختلاف المطالع أم لا يعمل باختلاف المطالع؟ ومعنى ما سبق: أن من قال باختلاف المطالع ولو كان على مسافة الألفين قال: إن فصل بين بلدة وبلدة ألفان ومائتان وستة وعشرون كيلو، فكل بلد يستقل برؤيته، فأي بلدة رأت الرؤيا فإنها تصوم، وإن لم تر الرؤيا فلا يلزمها الصوم، ومن قال بأنه لا اختلاف في المطالع ولا اعتبار باختلاف المطالع، قال: إذا رأت الرؤيا بلدة واحدة أو دولة فكل الأمة الإسلامية عليها أن تصوم في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا القول قول الجمهور؛ إذ إن جمهور أهل العلم من المالكية والحنابلة والأحناف يقولون بعدم اختلاف المطالع، وعندهم أدلة قوية أثراً ونظراً. فأما الأثر: فعموم قول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) وهذا على الجماعة، بمعنى: أيتها الأمة! صوموا إذا رأيتم هلال الشهر، وقد ترونه بواحد أو باثنين، وقد ترونه بمصر أو بلدة، فإن رأيتموه فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فهذا على عمومه. واستدلوا أيضًا بعموم قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] قالوا: والشهادة هي الرؤيا، وهذه أيضًا عامة على عموم المسلمين. وأما من النظر: فإن من مقاصد الشريعة والقواعد الكلية تآلف المسلمين واتحادهم وتجانسهم وتحابهم، وتكون الألفة والترابط بأن يتعبدوا لله في وقت واحد، وأن ينتهوا من العبادة في وقت واحد، فإن ظاهر الحديث الإلزام بالعبادة عند رؤية أي بلد من البلاد، وهذه تؤدي إلى التجانس والتآلف والتحاب، وهذا يوافق القواعد الكلية في الشريعة ومقاصدها في التآلف والاتحاد في عبادة الله جل في علاه، فقالوا: هذه وسيلة من الوسائل التي تؤدي إلى ائتلاف الأمة واتحادها وتحاب أبنائها وتعاطفها، فقد التي تشرذمت كثيراً. القول الثاني -والأقوال كثيرة، لكننا سنوجز الأقوال المهمة- وهو قول الشافعية وبعض الحنابلة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ ولهم وجهان: وجه باختلاف كل بلدة عن الأخرى في المطلع، والوجه الثاني: التفصيل، فإذا اتفقوا في جزء من الليل أو في مطلع فعليهم الصيام، وهذا ما وجهه شيخ الإسلام ابن تيمية من أقوال الشافعية. وهناك تفصيل في مذهب الشافعية لسنا بصدده، وهو: أن كل بلدة رأت رؤيا فإنها تصوم بها، وأما القول الثاني للشافعية فمداره على اشتراط جزء من الليل، فلو أن السعودية رأت لزم مصراً أن تصوم، وكذا لو رأت مصر يجب على السعودية أن تصوم معها، وهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يرجح إطلاق قول الشافعية، إذ إن إطلاق قول الشافعية أن كل بلدة لها أمير عليها الصوم بالرؤيا، وبالمثال يتضح المقال، فمصر تصوم مع ولي أمر مصر فقط، وتصوم السعودية مع ولي أمر السعودية فقط، وتصوم المغرب مع ولي أمر المغرب فقط، وتصوم ليبيا مع رؤية بلد ليبيا فقط، فهذا أصل قول الشافعية. واستدلوا على ذلك بحديث كريب، وأنا أضم القول هذا للقول الثاني؛ لأن هذا الدليل هو دليل للفريقين، لمن قال بالتفصيل في اختلاف المطالع، وكذا من اشترط جزءاً من الليل، استدلوا بحديث كريب وهو في الصحيح، أن أم سلمة بعثت كريباً لحاجة لها في الشام عند معاوية، فلما وصل إلى الشام استهل رمضان ليلة الجمعة فصام مع معاوية، ثم رجع إلى المدينة بعدما قضى حاجة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، فلما رجع قابل ابن عباس، فتكلما، ثم سأله ابن عباس على الهلال، فقال: رأينا الهلال ليلة الجمعة فصمنا وسنفطر مع معاوية، فقال له: وأنتم؟ قال: ما رأيناه إلا ليلة السبت، قال: ألا تأخذ برؤية معاوية؟ قال: لا نصوم حتى نرى الهلال أو نتمّ الشهر ثلاثين، هكذا أمرنا رسول الله). فكأن ابن عباس يقول: أمرنا رسول الله أن أهل الشام إذا رأوا الهلال فليصوموا، ولا نصوم نحن حتى نراه نحن في المدينة، ونحن في المدينة لا نصوم ولا نفطر حتى نرى الهلال، فكأنه يقول: هذا أمر النبي ﷺ ، وهذا تفسير النبي ﷺ لقوله: (صوموا لرؤيته) فكل بلدة رأت الهلال عليها أن تصوم، وهذا حديث من القوة بمكان. وأما من النظر: فقالوا بقياس العقل، قالوا: أنتم توافقوننا بأن الشمس إذا غربت في مصر لم تغرب في السعودية؛ لأن الفرق بين السعودية ومصر بقدر ساعة، وهذه تنفع الرجل المسافر بالطائرة، ولو أن رجلاً مصرياً أو من غيرها كان جالساً في مصر ففتح التلفاز وكان يشاهد قناة فضائية مسلمة تنقل الغروب والأذان، فنظر فقال: قد سقط حاجب الشمس في السعودية، والله قد أناط الفقه بسقوط حاجب الشمس أو بزوال الشفق الأبيض، وقد سقط حاجب الشمس في السعودية فعلى الأمة كلها أن تأكل، فمنا من سيصوم ساعة، ومنا من سيصوم دقيقة، ومنا من لا يصوم؛ لأن الشمس لم تطلع أبداً في حياته، ومنا من يفطر قبل الناس بساعة، قالوا: وأنتم تمنعون هذا، مع أن الإفطار علق على غروب الشمس وقد غربت الشمس في السعودية، فسيقال لهم: غربت في السعودية ولم تغرب في مصر، فقالوا: الحمد لله أتينا من لسانكم بما نحجكم به، فإن رؤي في السعودية ولم يروه في مصر فعلى نفس السياق، فأنتم قلتم: غربت في السعودية ولم تغرب في مصر، فسنقول: وكذلك هذا رأوه في السعودية ولم يروه في مصر، فلابد أن نعمل بذلك لأننا لنا رؤية وهم لهم رؤية، كما لهم سقوط حاجب الشمس وعندنا سقوط في حاجب الشمس. قالوا: وهذا النظر أقوى من نظركم، فاختلاف المطالع واختلاف الشروق والغروب يبين لنا الاختلافات في الأوقات. والراجح الصحيح في هذا القول هو قول الشافعية، وأنه لابد من العمل باختلاف المطالع، لأن ابن عباس ما قال ذلك اجتهاداً؛ وإذا قالوا: هذا اجتهاد من ابن عباس وقد خالف العموم، قلنا: لا، إن هذا ليس اجتهاداً من ابن عباس، بل هذا قول صريح من رجل عاقل يعلم مراد رسول الله، وهو حبر الأمة وبحرها، على أنه قال: أمرنا، وهذا ليس فيه اجتهاد بحال من الأحوال؛ لأنه نسب الأمر للرسول. فهذا رد قاطع وفاصل في النزاع لمن يقول: إن هذا كان اجتهاداً من ابن عباس، فقد رفع الحديث حيث قال: (هكذا أمرنا رسول الله ﷺ فالصحيح الراجح في ذلك الاعتداد والعمل باختلاف المطالع، فكل بلدة لها رؤيا تعمل بها، واختلاف المطالع -كما قال شيخ الإسلام - هو القول الفصل، وعند الشافعية العمل باختلاف المطالع، فكل بلدة تشترك مع بلدة في جزء من الليل تأخذ برؤيتها أو نقول: إن كان البعد بينهما ألفين ومائتين وستة وعشرين كما حسبها بعضهم، فاختلاف المطالع له أثر أقوى بكثير من الكلام على عدم اختلاف المطالع. بقي لنا مسألة متفرعة على هذه المسألة وهي: إذا قلنا بأن اختلاف المطالع يعتد به، فلو رأوا الهلال في السعودية وما رأوه في مصر فماذا نفعل؟ نقول: الحق مع اختلاف المطالع، فنأخذ برؤية مصر، ونحن تبع لولي الأمر هنا، فكل بلدة تأخذ برؤيتها بشرط ألا يدخلوا في ذلك الحسابات الفلكية. فلو قالوا: سيولد أو سيكون جنيناً أو سيكون محاقاً، فلا تأخذ بهذا القول، لأنك أمرت بأن تأخذ بالرؤيا، فإذا قالوا بالحسابات فلا تأخذ بهذا، والأخذ باتفاق المطلع أولى. أما إذا قالوا: نحن نأخذ بالرؤيا والحسابات تساعدنا مثلاً، فإنني أجد في نفسي حرجاً من ذلك، لكن لو قالوا: الأصل عندنا وعمدتنا هو رؤية الهلال فوجب عليك أن تتبع ولي أمرك في ذلك، فإذا قالوا بالحسابات الفلكية نقول: إذاً لا سمع ولا طاعة، لكن بالاستتار دون أن تأتي بالمفاسد العظيمة، أو أن تهيج الناس عليك وعلى الإخوة الملتزمين وعلى الشرع، فتجدهم يقولون: أتوا بدين جديد. أنك إذا كنت تعلم أنهم يعتدون بالحسابات الفلكية ولا يأخذون بمسألة الرؤيا، فعليك أن تأخذ بالرؤيا وتفطر في بيتك دون أن تبين لأحد سراً، وتقول: لا سمع ولا طاعة، دون مفاسد، لأن السمع والطاعة مقيد بالسمع والطاعة لله ولرسوله، قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فما قال: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)
следующие страницы →