← Джавами‘

Джавами‘ · id 37634

دروس الشيخ محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (390 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ما يرد به على الحنابلة في صيام يوم الشك أما الرد على الحنابلة بعد أن رجحنا حرمة صيام يوم الشك فنقول: أولاً: حديث فاطمة بنت الحسين عن علي الذي استدللتم به حديث ضعيف، لأن فاطمة لم تدرك علياً، فالحديث منقطع، والانقطاع يدل على سقوط راو، وسقوط راو يدل على الجهالة، والجهالة تدل على ضعف الحديث، والأحكام فرع عن التصحيح. كما أن للحديث سياقاً وقصة وهي: أنه جاء القوم فسألوا علي بن أبي طالب، فقال أعرابي: رأيت الهلال، فقال له: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فصام وأمر الناس بالصيام، ثم قال: لأن أصوم يوماً من شعبان خير من أن أفطر يوماً من رمضان. ولما كان الحديث له قصة وكانت هذه إجابة عما حدث من رؤية الأعرابي للهلال فيبعد أن يكون في النزاع، ولا يصح أن تنفرد بالاحتجاج به؛ لأنه جاء إجابة عن قصة الأعرابي الذي رأى الهلال، فكأن علي بن أبي طالب يؤكد ما أمر الناس به، وكأنه يقول: وتأكيداً لكم لو أن هذا الأعرابي أخطأ برؤية الهلال ورأى حاجبه مثلاً أو شعر حاجبه فقال: هذا الهلال إن أخطأتم في الصيام يوماً من شعبان خير لكم من أن تخطئوا في فطر يوم من رمضان، فكانت إجابة عن القصة أو السياق الذي حدث من الأعرابي. وأما قولهم: إن ابن عمر كان يفعل ذلك والراوي أعلم بما روى، قلنا: سنرد عليكم من وجهين: الوجه الأول: هذه القاعدة باطلة، وهي مما يعمل بها الأحناف، وليس نصها: الراوي أعلم بما روى، وإنما نصها: إذا خالف الراوي روايته التي رواها فالعمل بما رأى لا بما روى، فهذه قاعدة الأحناف، ومعناها: أن ابن عمر يروي حديث: (فاقدروا له) والرواية الأخرى: (فأتموا الشهر ثلاثين) ومع ذلك ابن عمر -إن لم أكن واهماً أن هذه رواية ابن عمر - خالف وصام، فالراوي خالف ما روى فتكون الحجة فيما رأى في اجتهاده لا الحجة في روايته، وجعلوا فعل ابن عمر تضعيفاً لمعنى الحديث المرفوع. الأمر الثاني: قالوا: تنزلوا معنا وقولوا: الراوي أعلم بما روى؛ لأنه لما روى: (فاقدروا) فسرها بضيقوا، قلنا: هذا مخالف للرواية الأخرى الصريحة التي رواها، فتفسير النبي بقوله أولى بالأخذ به من تفسير ابن عمر، فالنبي ﷺ فسر قوله: (فاقدروا له) بأن يتموا شهر شعبان ثلاثين، فهذا تفسير رسول الله ﷺ ، ثم جاء ابن عمر ولعله لم يجلس في المجلس الذي فسر فيه النبي ﷺ الحديث مثلاً، لكن هو راوي الحديث، فعندما سألوه: عن معنى قول النبي: (فاقدروا له) قال: معناه: فضيقوا له. إذاً: فعندنا تفسيران: تفسير رسول الله ﷺ ، والثاني تفسير ابن عمر فبتفسير من نأخذ؟ لا شك أن تفسير النبي ﷺ أولى بالتقديم من تفسير ابن عمر، قالوا: احترنا معكم فما رأيكم بالدليل النظري؟ ويعنون به الحيطة في العبادات. قلنا: الرد عليكم فيه من وجوه: الوجه الأول: أن هذه الحيطة لا دليل عليها، والأصل براءة الذمة، فلا تشغل الذمة بحال من الأحوال إلا بدليل؛ لأن الله جل وعلا بين أن العبادات لا يمكن أن تكون إلا بقال الله أو قال الرسول، وهذا لا خلاف فيه، فلا يمكن أن ينشئ المرء عبادة في حال من الأحوال إلا وقد سمع قال الله أو قال الرسول، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. والأدلة على ذلك كثيرة وهاك بعضها: قوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم)، وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]، ووجه الدلالة من الآية من وجهين: أحدهما إيجابي والآخر سلبي، فالوجه الأول في قوله: (ما كتبناها عليهم) إذ لا بد أن تكتب، ولا يمكن أن تكون العبادة مشروعة إلا وقد كتبها الله جل وعلا، وقد رأينا أن الله ما كتب صيام يوم الشك. أما الثاني: فإنه قال: (ابتدعوها) أي: من عند أنفسهم، وعلى ذلك فالعبادات لا يمكن الحيطة فيها؛ لأن الحيطة فيها تنطع وزيادة على الدين، وقد أكمل الله الدين، وبهذا نعلم أن الراجح في المسألة الأولى: حرمة صيام يوم الشك، ومن صامه فقد عصى الله وعصى رسوله وأثم، ولا يصح هذا الصوم؛ إذ النهي يقتضي الفساد.

стр. 142

الأحوال الواردة في صيام يوم الشك عملاً بقول الحنابلة يتفرع على هذه المسألة: من صام يوم الشك آخذاً بقول الحنابلة فلا يخلو حاله من أن يكون موصوفاً بإحدى الحالات الآتية: الحالة الأولى: صام يوم الشك وهو ينوي أنه من رمضان، فقد بيت النية على أن هذا من رمضان. الحالة الثانية: صام يوم الشك معلقاً النية، ومعنى معلقاً النية أي: متردداً بين أن يكون اليوم هو يوم شك أم هو من رمضان، فإن كان من رمضان فهو من رمضان، وإن كان من غير رمضان فهو مطلق، فصاحبه متردد النية. الحالة الثالثة: صام يوم الشك ولم ينو نية بحال من الأحوال، وإنما استيقظ فوجد نفسه لم يأكل، فقال: أصوم، ولم يحدد النية. الحالة الرابعة: جاء يوم الشك فأكل وشرب، ثم ظهر يوم الشك أنه من رمضان. فهذه أربع حالات. فأما الحالة الأولى: إذا صام يوم الشك بنية أنه من رمضان فظهر أنه من رمضان، فهذا باتفاق الأمة أن صيامه صحيح. الحالة الثانية: إذا صام يوم الشك متردداً في النية، فالأحناف الذين لا يجعلون النية ركناً في الصيام يقولون بصحة الصوم، والصحيح خلافه، وأن هذا الصوم لا يصح وعليه أن يمسك باقي اليوم ويلزمه القضاء. الحالة الثالثة: من استيقظ فوجد نفسه صائماً ولم يأكل فاستمر في صيامه، فعند الأحناف يصح أن ينوي أن هذا اليوم من رمضان ولو في نصف النهار، وعند الجمهور -الأئمة الثلاثة وهذا الراجح الصحيح- أنه لا يصح؛ لأنه لا بد أن يبيت النية، وهو لم يبيت النية، فلا يصح من رمضان. الحالة الرابعة: من أكل في يوم الشك ثم ظهر أنه من رمضان: فعند الجمهور يجب عليه الإمساك، وعليه قضاء هذا اليوم. ولو سأل سائل عن الدليل؟ قلنا: الدليل ما جاء في صوم يوم عاشوراء عندما أرسل النبي ﷺ المنادي لينادي في الناس: (من أكل فليمسك باقي اليوم، ومن كان صائماً فليتم صومه) فعليه الإمساك، وعليه أن يقضي يوماً مكانه. فهذه مجمل المسائل المتفرعة على صيام يوم الشك، وبقي مسألة: من صام ونوى أنه لو كان من رمضان فهو من رمضان، فظهر أنه من رمضان، فمن الممكن أن يكون فيها الخلاف على أن مطلق النية يقتضي الفساد، ومن الممكن أن نقول: بالاتفاق أنه بيت النية على أنه من رمضان فظهر أنه من رمضان، فيصح الصوم ويأثم بأنه صامه في يوم الشك، وعلى ذلك فالصحيح الراجح أن صيامه يجزئ وليس عليه قضاء، وأما من عداه فعليه قضاء هذا اليوم.

стр. 143

حكم الاستعانة بالحسابات الفلكية المسألة الثانية مما يتعلق بهذا الحديث: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا) أن الشرع علق ثبوت قدوم شهر رمضان أو ثبوت ظهور الشهر برؤية الهلال، والمعلوم أن شهر رمضان يعرف بأمرين قد اتفق العلماء عليهما، وبأمر ثالث اختلف العلماء فيه، فالأمران اللذان اتفق العلماء عليهما هما: الأول: رؤية الهلال، فإذا رأوا الهلال سواء كان في بلد أو في غيره وجب عليهم أن يصوموا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فجعل شهود الشهر برؤية الهلال، ولابد أن نفسر القرآن بالسنة، فقد قال رسول الله: (إذا رأيتموه) والرؤية هنا هي الرؤية البصرية، ولا يصح حمله على غيرها، والمعنى: إذا رأيتموه بأعينكم وبها يثبت الشهر. الأمر الثاني: فبإتمام شعبان ثلاثين يوماً، وهذا بالاتفاق، ويكون الاتفاق حينما يكون الجو صحواً لا غيم فيه؛ لأن الخلاف كله في الغيم، كما قال النبي ﷺ : (فإن غبي أو فإن غم عليكم). الأمر الثالث وهو المختلف فيه: إن غم عليكم أو غبي عليكم، قال بعض العلماء: يعرف بالحساب الفلكي، فالذين يعرفون ويتدبرون منازل القمر يخبرون متى يولد الهلال ومتى يكون كالعرجون القديم، ومتى يكون كذا، وعلماء الحسابات الفلكية عندهم المناظير، وعندهم كل شيء علمي، فالله جل وعلا حباهم ذلك، فاستخدموا وطوعوا هذا العلم المعروف بعلم التكنولوجيا ليعرفوا منازل القمر إذا كان خلف الشمس، ومتى يدور الدورة الكاملة ليكون في الناحية الثانية، وفي آخر الشهر يكون كالعرجون القديم فيكون في الناحية المقابلة، وهذا كما قال ابن تيمية لا يكون إلا بعد ليلة كاملة. فالمقصود أن أهل الخبرة بالمطالع والمنازل ينظرون في منازل القمر، ويعرفون بالحساب متى يظهر وأين يظهر، وأي مكان يكون فيه الهلال، فمن قال بالاستعانة بالحسابات الفلكية قالوا: عندنا أدلة تعضد ما نقول به؛ لأن الحسابات الفلكية الآن ظهرت وأصبحت من الدقة بمكان، والعلم هذا لابد أن نستخدمه لله جل في علاه، فمن هذه الأدلة: أولاً: أن هؤلاء أتقن وأعلم منا بهذا الحساب، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] فالآية عامة، وهم من أهل الذكر. الأمر الثاني: أنهم قالوا بأن النظر يعضد هذا، فإن الله جل في علاه قد أمر بالصيام عند رؤية الهلال، سواءً رآه المسلم أو لم يره؛ لأن الأعمى لا يراه، كما أنه قد يكون أهل بلدة ما قدر الله عليهم مثلاً ألا يروا الهلال، فلا يصح أن نقول هنا: إن المقصود هو رؤية الهلال، وعلماء الحسابات الفلكية يعلمون متى وأين يطلع الهلال، فقالوا: إذاً من النظر أنه لابد علينا أن نأخذ بهذه الحسابات الدقيقة. وهذا القول للمُحْدَثين من الفقهاء ولم يكن في القرون الخيرية الثلاثة الأولى أبداً، بل هو لبعض المتأخرين من الفقهاء، وهؤلاء أيضًا ما قالوا بهذه التوسعة التي نراها في هذه العصور، بل قالوا: إن الذي عنده علم بالحساب الفلكي ويدقق النظر فيه فله أن يصوم بنفسه فقط ولا يأمر غيره، فليس له أن يذهب إلى القاضي ولا إلى ولي الأمر ليأمر الناس بالصيام، بل ما يفعله ديانة هو أن يصوم بنفسه ولا يلزم غيره، وأما المعاصرون فقد أوسعوا المسألة بحثاً وقالوا: كل الناس يلزمون بذلك، وخالفهم جمهور أهل العلم في هذا، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة: أولاً: أن النبي ﷺ أناط مسألة الصيام بالرؤية، فقال ﷺ : (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا) وتعليق الشرع بالرؤيا مقصوده الرؤيا البصرية بالعين المجردة، وهذه لا مدخل ولا نظر فيها، فإن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتموه) يعني: بأم أعينكم، (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا). وكذلك قول الله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] وشهود الشهر يكون بالرؤية. ولحديث النبي ﷺ وهو الفاصل في النزاع: (إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، فإذا رأيتموه فصوموا)، فهذا كأنه تفسير لقوله: (إنا أمة أمية) بمعنى: إنا لسنا بصدد الحساب الفلكي، (لا نحسب ولا نكتب، فإذا رأيتموه) فنفى الاعتماد على الحساب؛ لأننا أمة أمية لا نحسب، وعلق الحكم بالرؤية. قالوا: ومن النظر أن علم صيام الشهر بالحساب الفلكي فيه تعليق بما يشق على الأمة، فقد نكون غير متحضرين وليس عندنا تكنولوجيا ونحن في فقر مدقع لا نستطيع أن نحسب، فهذا تعليق لحكم الشرع بما يشق على الناس، وهذا مخالف للتأصيل الشرعي العام: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]. والوجه الثاني من النظر: أن إلزام الناس بالحساب الفلكي تكلف وحرج في الدين، وقد رفع الله الحرج عن الدين، وأيضًا قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون)، وأمره الله أن يقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. فهذان قولان في مسألة الحساب الفلكي، والصحيح الراجح: أن من قال بالحساب الفلكي فقد أبعد النجعة، ولا يصح بحال من الأحوال الاعتماد على الحساب الفلكي؛ لأن النبي ﷺ قد بين أن هذه الأمة أمية لا تحسب ولا تكتب، ولابد أن تأخذ بما أناط الشرع به، والقاعدة عند العلماء: إذا أناط الله الحكم بوصف فلا يصح إلغاؤه وإدخال وصف غيره، فالله جل وعلا أناط حكم ثبوت الشهر بوصف وهو الرؤية، فلا يصح إلغاء ما علق الله به الحكم، وإثبات ما ألغى الله عنه الحكم، فتعليق الله الحكم لثبوت الشهر بالرؤيا هو الوصف الصحيح، وإلغاؤه حكم ثبوت الشهر بالحساب الفلكي. وقد ألغاه الله على لسان النبي ﷺ عندما قال: (نحن أمة أمية لا نحسب) فألغى أن يحكم الشرع بوصف الحساب، وأناط الحكم وعلقه على الرؤية، فمن قال بالاعتماد على الحساب الفلكي فقد ألغى ما اعتبره الله وصفاً في الحكم، وأثبت ما ألغاه الشرع وصفاً للحكم؛ ولذا نقول: من قال بالاعتماد على الحسابات الفلكية فقد أخطأ وأبعد النجعة. وهناك وصف آخر قال به بعض المعاصرين، فقالوا: نحن نعتمد على الرؤية ونستأنس بالحساب الفلكي، قلنا: هذا قول وجيه لكنه مخالف لظاهر الحديث، وإلا فإن من قال بأنه يستأنس بالحساب الفلكي ويأخذ بالرؤية إذا نظرت ودققت النظر فيه لا يخرج ولا ينظر إلى الرؤيا، بل يعتمد على التكنولوجيا والعلم المتحضر، ولسان حاله يقول: نحن في القرن العشرين، فلماذا نذهب إلى أهل الجاهلية؟! فعندنا علم متحضر يحسب لنا منازل القمر فنعتمد عليه، فالكلام من بعض المعاصرين: أننا نعتمد على الرؤية ونستأنس بالحساب الفلكي وسيلة إلى إلغاء ما اعتبره الشرع! والوسائل لها أحكام المقاصد، فنقول: هذه وسيلة وذريعة إلى أن تلغي ما اعتبره الشرع -وهو رؤية الهلال- وتكتفي بعد ذلك بالحساب الفلكي؛ لأنك لا تستأنس بالحساب الفلكي إلا وأنت تحسن الظن بهذه الحسابات، وهي نظريات تخطئ وتصيب.

стр. 144

الراجح في مسألة الاستعانة بالحسابات الفلكية إن القول الفصل في هذه المسألة المعضلة هو أن الحسابات الفلكية لا تجوز بحال من الأحوال، ومن قال بالاعتماد على الحسابات الفلكية فليراجع نفسه؛ لأنه أخطأ خطأ فاحشاً مصادماً لظاهر حديث النبي ﷺ : (إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب) وقول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته). وأما من قال بأننا نستأنس بالحسابات الفلكية فهذا لا دليل عليه، بل إن ابن تيمية يقول: الحسابات الفلكية بدعة في الدين، وبعض العلماء يقولون: هذا وسيلة إلى الشرك، ويستدلون على ذلك بقول النبي ﷺ : (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر)؛ لأن من يقول بالاعتماد على الحساب الفلكي يجعل الناس يعتقدون في كلام الكهنة والعرافين الذين ينظرون في النجوم، فكأننا فتحنا لهم الباب على مصراعيه، والنووي نفسه قال في رحلته في طلب العلم: وحبب إلي النظر إلى النجوم -علم الحساب-، وقال به الرازي وذكره كثيراً في تفسيره، قال النووي فلما نظرت في هذه العلوم -علم النجوم- أظلم قلبي، وما استطعت أن أتفهم مسألة واحدة من العلم، فلما تبت إلى الله من هذا العلم رجع لي ما كنت أعهده من نفسي قبل ذلك، فالصحيح الراجح: أنه لا ينظر في النجوم ولا الحساب الفلكي اعتماداً؛ لأن الاعتماد بدعة في الدين لا يمكن أن تقبل، ولا استئناساً لأنها وسيلة إلى بدعة في الدين أيضاً، فالمسألة كلها: (إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب) و (الشهر هكذا وهكذا) (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته).

стр. 145

اختلاف المطالع المسألة الأخيرة في هذا الباب ما جاء في صدر الحديث وهو قوله: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) فهل الأمر بهذا لكل الأمة أم لا؟ وتسمى هذه المسألة عند العلماء: اختلاف المطالع، وقبل أن ندخل في مسألة اختلاف المطالع وهي مسألة شائكة ينبغي أن ندرك تفسير المطالع، وما معنى اختلاف المطالع؟ فقال البعض: إذا اشتركت بلدة مع بلدة أخرى في الليل ولو في جزء منه فمطلعهم واحد، وبه قال النووي وغيره، ولو قلنا بذلك فمن المؤكد أن السعودية مع مصر يشتركان في جزء من الليل، فيكون المطلع واحداً. القول الثاني: أنهما يشتركان إذا كانت المسافة بينهما مسافة قصر، ومسافة القصر هي ثمانون كيلو، وعليه تكون القاهرة والإسكندرية منفصلتين، وكل مدينة لها رؤيا، ورؤيتها لا تلزم المدينة الأخرى. القول الثالث: كل قطر أو بلدة لها ولاية معينة فلها رؤيتها لوحدها، فلو رأت الرؤية عملت بها، وإن لم تر الرؤية فلا تلزمها رؤية البلد الأخرى والقطر الآخر. وبعض المعاصرين حدد المطلع بألفين ومائتين كيلو، أو ألفين ومائتين وستة وستين كيلو، أو ألفين ومائتين وستة وعشرين، وقد تأملت من أين أتى بهذا فكان أقرب شيء أنه نظر في حديث كريب؛ لأن المسافة بين الشام وبين المدينة يمكن تقديرها بهذه المسافة، فعندما وجد ابن عباس لم يأخذ بكلام كريب قال: هذه بسبب المسافة بين الشام وبين المدينة، فيكون اختلاف المطلع واتحاد المطلع على هذه المسافة، فحيثما كانت فهذا معنى اختلاف المطالع. فهذه مقدمة حتى ننظر في المسألة: هل يعمل باختلاف المطالع أم لا يعمل باختلاف المطالع؟ ومعنى ما سبق: أن من قال باختلاف المطالع ولو كان على مسافة الألفين قال: إن فصل بين بلدة وبلدة ألفان ومائتان وستة وعشرون كيلو، فكل بلد يستقل برؤيته، فأي بلدة رأت الرؤيا فإنها تصوم، وإن لم تر الرؤيا فلا يلزمها الصوم، ومن قال بأنه لا اختلاف في المطالع ولا اعتبار باختلاف المطالع، قال: إذا رأت الرؤيا بلدة واحدة أو دولة فكل الأمة الإسلامية عليها أن تصوم في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا القول قول الجمهور؛ إذ إن جمهور أهل العلم من المالكية والحنابلة والأحناف يقولون بعدم اختلاف المطالع، وعندهم أدلة قوية أثراً ونظراً. فأما الأثر: فعموم قول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) وهذا على الجماعة، بمعنى: أيتها الأمة! صوموا إذا رأيتم هلال الشهر، وقد ترونه بواحد أو باثنين، وقد ترونه بمصر أو بلدة، فإن رأيتموه فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فهذا على عمومه. واستدلوا أيضًا بعموم قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] قالوا: والشهادة هي الرؤيا، وهذه أيضًا عامة على عموم المسلمين. وأما من النظر: فإن من مقاصد الشريعة والقواعد الكلية تآلف المسلمين واتحادهم وتجانسهم وتحابهم، وتكون الألفة والترابط بأن يتعبدوا لله في وقت واحد، وأن ينتهوا من العبادة في وقت واحد، فإن ظاهر الحديث الإلزام بالعبادة عند رؤية أي بلد من البلاد، وهذه تؤدي إلى التجانس والتآلف والتحاب، وهذا يوافق القواعد الكلية في الشريعة ومقاصدها في التآلف والاتحاد في عبادة الله جل في علاه، فقالوا: هذه وسيلة من الوسائل التي تؤدي إلى ائتلاف الأمة واتحادها وتحاب أبنائها وتعاطفها، فقد التي تشرذمت كثيراً. القول الثاني -والأقوال كثيرة، لكننا سنوجز الأقوال المهمة- وهو قول الشافعية وبعض الحنابلة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ ولهم وجهان: وجه باختلاف كل بلدة عن الأخرى في المطلع، والوجه الثاني: التفصيل، فإذا اتفقوا في جزء من الليل أو في مطلع فعليهم الصيام، وهذا ما وجهه شيخ الإسلام ابن تيمية من أقوال الشافعية. وهناك تفصيل في مذهب الشافعية لسنا بصدده، وهو: أن كل بلدة رأت رؤيا فإنها تصوم بها، وأما القول الثاني للشافعية فمداره على اشتراط جزء من الليل، فلو أن السعودية رأت لزم مصراً أن تصوم، وكذا لو رأت مصر يجب على السعودية أن تصوم معها، وهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يرجح إطلاق قول الشافعية، إذ إن إطلاق قول الشافعية أن كل بلدة لها أمير عليها الصوم بالرؤيا، وبالمثال يتضح المقال، فمصر تصوم مع ولي أمر مصر فقط، وتصوم السعودية مع ولي أمر السعودية فقط، وتصوم المغرب مع ولي أمر المغرب فقط، وتصوم ليبيا مع رؤية بلد ليبيا فقط، فهذا أصل قول الشافعية. واستدلوا على ذلك بحديث كريب، وأنا أضم القول هذا للقول الثاني؛ لأن هذا الدليل هو دليل للفريقين، لمن قال بالتفصيل في اختلاف المطالع، وكذا من اشترط جزءاً من الليل، استدلوا بحديث كريب وهو في الصحيح، أن أم سلمة بعثت كريباً لحاجة لها في الشام عند معاوية، فلما وصل إلى الشام استهل رمضان ليلة الجمعة فصام مع معاوية، ثم رجع إلى المدينة بعدما قضى حاجة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، فلما رجع قابل ابن عباس، فتكلما، ثم سأله ابن عباس على الهلال، فقال: رأينا الهلال ليلة الجمعة فصمنا وسنفطر مع معاوية، فقال له: وأنتم؟ قال: ما رأيناه إلا ليلة السبت، قال: ألا تأخذ برؤية معاوية؟ قال: لا نصوم حتى نرى الهلال أو نتمّ الشهر ثلاثين، هكذا أمرنا رسول الله). فكأن ابن عباس يقول: أمرنا رسول الله أن أهل الشام إذا رأوا الهلال فليصوموا، ولا نصوم نحن حتى نراه نحن في المدينة، ونحن في المدينة لا نصوم ولا نفطر حتى نرى الهلال، فكأنه يقول: هذا أمر النبي ﷺ ، وهذا تفسير النبي ﷺ لقوله: (صوموا لرؤيته) فكل بلدة رأت الهلال عليها أن تصوم، وهذا حديث من القوة بمكان. وأما من النظر: فقالوا بقياس العقل، قالوا: أنتم توافقوننا بأن الشمس إذا غربت في مصر لم تغرب في السعودية؛ لأن الفرق بين السعودية ومصر بقدر ساعة، وهذه تنفع الرجل المسافر بالطائرة، ولو أن رجلاً مصرياً أو من غيرها كان جالساً في مصر ففتح التلفاز وكان يشاهد قناة فضائية مسلمة تنقل الغروب والأذان، فنظر فقال: قد سقط حاجب الشمس في السعودية، والله قد أناط الفقه بسقوط حاجب الشمس أو بزوال الشفق الأبيض، وقد سقط حاجب الشمس في السعودية فعلى الأمة كلها أن تأكل، فمنا من سيصوم ساعة، ومنا من سيصوم دقيقة، ومنا من لا يصوم؛ لأن الشمس لم تطلع أبداً في حياته، ومنا من يفطر قبل الناس بساعة، قالوا: وأنتم تمنعون هذا، مع أن الإفطار علق على غروب الشمس وقد غربت الشمس في السعودية، فسيقال لهم: غربت في السعودية ولم تغرب في مصر، فقالوا: الحمد لله أتينا من لسانكم بما نحجكم به، فإن رؤي في السعودية ولم يروه في مصر فعلى نفس السياق، فأنتم قلتم: غربت في السعودية ولم تغرب في مصر، فسنقول: وكذلك هذا رأوه في السعودية ولم يروه في مصر، فلابد أن نعمل بذلك لأننا لنا رؤية وهم لهم رؤية، كما لهم سقوط حاجب الشمس وعندنا سقوط في حاجب الشمس. قالوا: وهذا النظر أقوى من نظركم، فاختلاف المطالع واختلاف الشروق والغروب يبين لنا الاختلافات في الأوقات. والراجح الصحيح في هذا القول هو قول الشافعية، وأنه لابد من العمل باختلاف المطالع، لأن ابن عباس ما قال ذلك اجتهاداً؛ وإذا قالوا: هذا اجتهاد من ابن عباس وقد خالف العموم، قلنا: لا، إن هذا ليس اجتهاداً من ابن عباس، بل هذا قول صريح من رجل عاقل يعلم مراد رسول الله، وهو حبر الأمة وبحرها، على أنه قال: أمرنا، وهذا ليس فيه اجتهاد بحال من الأحوال؛ لأنه نسب الأمر للرسول. فهذا رد قاطع وفاصل في النزاع لمن يقول: إن هذا كان اجتهاداً من ابن عباس، فقد رفع الحديث حيث قال: (هكذا أمرنا رسول الله ﷺ فالصحيح الراجح في ذلك الاعتداد والعمل باختلاف المطالع، فكل بلدة لها رؤيا تعمل بها، واختلاف المطالع -كما قال شيخ الإسلام - هو القول الفصل، وعند الشافعية العمل باختلاف المطالع، فكل بلدة تشترك مع بلدة في جزء من الليل تأخذ برؤيتها أو نقول: إن كان البعد بينهما ألفين ومائتين وستة وعشرين كما حسبها بعضهم، فاختلاف المطالع له أثر أقوى بكثير من الكلام على عدم اختلاف المطالع. بقي لنا مسألة متفرعة على هذه المسألة وهي: إذا قلنا بأن اختلاف المطالع يعتد به، فلو رأوا الهلال في السعودية وما رأوه في مصر فماذا نفعل؟ نقول: الحق مع اختلاف المطالع، فنأخذ برؤية مصر، ونحن تبع لولي الأمر هنا، فكل بلدة تأخذ برؤيتها بشرط ألا يدخلوا في ذلك الحسابات الفلكية. فلو قالوا: سيولد أو سيكون جنيناً أو سيكون محاقاً، فلا تأخذ بهذا القول، لأنك أمرت بأن تأخذ بالرؤيا، فإذا قالوا بالحسابات فلا تأخذ بهذا، والأخذ باتفاق المطلع أولى. أما إذا قالوا: نحن نأخذ بالرؤيا والحسابات تساعدنا مثلاً، فإنني أجد في نفسي حرجاً من ذلك، لكن لو قالوا: الأصل عندنا وعمدتنا هو رؤية الهلال فوجب عليك أن تتبع ولي أمرك في ذلك، فإذا قالوا بالحسابات الفلكية نقول: إذاً لا سمع ولا طاعة، لكن بالاستتار دون أن تأتي بالمفاسد العظيمة، أو أن تهيج الناس عليك وعلى الإخوة الملتزمين وعلى الشرع، فتجدهم يقولون: أتوا بدين جديد. أنك إذا كنت تعلم أنهم يعتدون بالحسابات الفلكية ولا يأخذون بمسألة الرؤيا، فعليك أن تأخذ بالرؤيا وتفطر في بيتك دون أن تبين لأحد سراً، وتقول: لا سمع ولا طاعة، دون مفاسد، لأن السمع والطاعة مقيد بالسمع والطاعة لله ولرسوله، قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فما قال: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)

стр. 146

أحكام الصيام للصيام أحكام كثيرة بينها العلماء بأدلتها من الكتاب والسنة، ومن ذلك: معرفة دخول شهر الصيام، وبيان المفطرات، وحكم الكبير والمريض العاجز عن الصوم، وحكم فطر الحامل والمرضع، وحكم صوم المسافر، وبيان كفارة من جامع أهله في نهار رمضان، وغير ذلك من المسائل التي ينبغي على كل مسلم أن يعلمها.

стр. 147

خصائص شهر رمضان وبركاته إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن شهر رمضان شهر مبارك كما روى الطبراني بإسناد جيد عن النبي ﷺ قال: (أتاكم شهر رمضان, شهر مبارك)، فهو شهر كله بركة، تتنزل فيه الرحمات، وتستجاب فيه الدعوات، وتكثر فيه البركات, وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يدعون الله قبل رمضان بستة أشهر أن يبلغهم رمضان, فإذا اجتهدوا في العبادة وجدوا وتعبدوا لله جل وعلا دعوا ستة أشهر أن يقبل الله منهم هذه العبادة في هذا الشهر الكريم! ومن بركات هذا الشهر: أنه تصفد فيه مردة الشياطين، وليس كل الشياطين, وتغلق أبواب النيران, وتفتح أبواب الجنات, وتعتق النسمات, فهو شهر مبارك كريم. وهذا الشهر فيه عبادة جليلة جداً وهي: الصوم, وهو: الامتناع من الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ومن فضل هذه العبادة: أن الله جل وعلا قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فهذه دلالة على فضل هذه العبادة الجليلة, وقد جاء في حديث: أن النبي ﷺ قال: (الصيام لا عدل له) أي: لا يعدل الصيام شيء. ومن بركة هذا الشهر الكريم: الصوم، وقد قال النبي ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، ووفي رواية فيها زيادة: (وما تأخر)، ومن بركة هذا الشهر: أن فيه ليلة هي خير من ألف شهر, والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر, ألا وهي: ليلة القدر, قال النبي ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنب). أيضاً من بركة هذا الشهر: أن العمرة فيه تعدل حجة كما قال النبي ﷺ : (عمرة في رمضان كحجة معي). ومن بركة هذا الشهر: كثرة التلاوة والتدبر في كتاب الله جل وعلا، قال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] , وهذا الشهر هو شهر القرآن كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، قال الشافعي: ما نزلت من نازلة في هذه الدنيا إلا وفي كتاب الله حلها, علمها من علمها وجهلها من جهلها, قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، و (كل): لفظ من ألفاظ العموم, يعني: فكل شيء حله موجود في القرآن إما بالإجمال وإما بالتفصيل وإما بالإحالة على من يغوص في معانيه من أهل العلم. وهذا الشهر هو شهر تدبر القرآن, وقد كان الشافعي يختم القرآن في هذا الشهر في اليوم مرتين, يعني: فيقرأ ستين ختمة في شهر رمضان, وكثير من السلف كانوا في رمضان يقبلون على القرآن ويتركون مجالس العلم, فقد كان مالك يترك الموطأ ويترك الأحاديث وينشغل في شهر رمضان بالقرآن. وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن, فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة). وأيضاً من بركات هذا الشهر: كثرة الصدقات في هذا الشهر الكريم, وبعض الأغنياء يؤخرون إخراج الزكاة بعدما يحول على أموالهم الحول إلى رمضان, وهذه إساءة يأثمون عليها، فالواجب إخراجها بعد تمام الحول، ولا يؤخرونها إلى رمضان، وإن كانت الصدقات تعظم عند الله جل وعلا في هذا الشهر الكريم, فينبغي الإكثار فيه من الصدقات النافلة، فهو شهر مبارك, شهر كريم, وعلى كل امرئ أن يستعد له, ويهيئ نفسه أن يعبد الله فيه بالجد والاجتهاد. والصوم لغة: الإمساك مطلقاً, قال الله تعالى حاكياً عن مريم رضوان الله عليها قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]، أي: إمساكاً عن الكلام. وفي الشرع هو: إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص, أو بالمعنى الأوضح هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

стр. 148

وجوب النية في الصوم والصوم عبادة، وكل عبادة تفتقر إلى نية، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (إنما الأعمال بالنيات)، فقبول الأعمال عند الله جل وعلا بالنيات, فيفتقر الصوم إلى النية. والكلام على النية من وجهين: الوجه الأول: النية بمعنى الإخلاص, فما من عمل يقبل عند الله جل وعلا إلا بالإخلاص، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك, فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه). الوجه الثاني: بمعنى أن العبادة تفتقر إلى نية، فلابد من تبييت النية بالصوم في كل ليلة، على خلاف بين العلماء كما سنبينه. جاء في السنن عن ابن عمر وعن حفصة موقوفاً وعن عائشة متصلاً أن النبي ﷺ قال: (من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له)، والنفي يعود على القبول، لا على الكمال، ولا على الوجود، يعني: أن الصيام غير مقبول عند الله جل وعلا حتى يبيت له النية من الليل على خلاف بين العلماء، فالجمهور من المالكية, والشافعية, والحنابلة, أنه لابد من تبييت النية من الليل، أما الأحناف فقالوا: للمرء أن ينوي الصيام من قبل الزوال, مثلاً: نام رجل من الليل واستيقظ صباحاً قبل الزوال في رمضان، فالأحناف قالوا: يتم صومه؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، والرد عليهم أن النبي ﷺ قال: (من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له)، وهذا صريح من قول النبي ﷺ أنه لابد من تبييت النية من الليل. واختلف الجمهور فيما بينهم: هل تبييت النية بالصيام يلزم في كل ليلة من رمضان، أم تكفي نية واحدة من أول الشهر؟ فالشافعية والحنابلة قالوا: لابد من تبيبت النية كل ليلة؛ لأن الحديث صريح: (من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له)، فهو على الإطلاق. والمالكية قالوا: نحن نستدل بهذا الحديث أنه على الإطلاق، فتكفي النية مرة واحدة، فإن الأصل في الأمر عدم التكرار إلا أن تأتي قرينة تدل على التكرار. والصحيح الراجح والأحوط: أن يبيت النية في كل ليلة؛ لأن النبي ﷺ قال: (من لم يبيت النية)، ونظرنا إلى العبادة التي قال فيها ذلك, فوجدناها كل يوم عبادة مستقلة بذاتها, فلابد من تبييت النية لكل يوم. إذاً: لابد لكل امرئ أن يبيت النية من الليل, فمن لم يبيت النية من الليل ونام حتى استيقظ بعد طلوع الفجر وصام فلا صيام له, لكن يجب عليه الإمساك وعليه قضاء هذا اليوم.

стр. 149

معرفة دخول شهر رمضان وشرط وجوب الصوم: هو دخول هذا الشهر, وكيف يعرف دخول هذا الشهر؟ بين لنا النبي ﷺ حالتين يدخل بهما الشهر: الأولى: أن يرى الهلال، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وهذه الرؤية بالعين المجردة، ويشترط فيمن يرى الهلال: أن يكون عدلاً، فيصوم الناس برؤيته, كما في حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: (تراءى الناس الهلال فرأيته فأخبرت رسول الله ﷺ , فصام وأمر الناس بالصيام)، وهذه العدالة التي نشترطها في الرجل الذي يرى الهلال هي: العدالة الظاهرة لا الباطنة، يعني: أن يكون أمام الناس يصلي ويصوم ويؤدي الفرائض ويجتنب المحرمات، فهذه العدالة الظاهرة, ودليل ذلك حديث في السنن (أن النبي ﷺ جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله! إني رأيت الهلال, فقال له الرسول ﷺ : أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله, فقال النبي ﷺ لـ بلال: قم فأذن في الناس بالصيام). وإذا قلنا: رؤية الهلال بالعين المجردة يخرج بذلك الحسابات الفلكية, والحسابات الفلكية للصيام من أشد البدع في الدين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا يجوز لمن كان عالماً بمنازل القمر أن يعتمد الحساب الفلكي؛ لأن النبي ﷺ علق الصوم على رؤيته بالعين المجردة، فالحساب الفلكي بدعة، لابد للمرء أن يجتنبها، وليس لها اعتبار بالنسبة للشرع. الحالة الثانية: اكتمال الشهر, فإذا لم نر الهلال فقد بين النبي ﷺ أن الحالة الثانية لدخول الشهر هي: إكمال عدة شعبان, قال النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته, فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً).

стр. 150

حكم اختلاف المطالع وقد اختلف العلماء في اعتبار اختلاف المطالع, فالجمهور يقولون بعدم اختلاف المطالع, يعني: لو رئي الهلال في بلد من بلاد المسلمين وجب على كل المسلمين الصيام؛ لقول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، ووجه الدلالة: أن هذا أمر لجميع المسلمين, ولم يقيده بقيد, وهذا يتناسب مع عصرنا، ويسلم له الجميع، لكن إن نظرت فقهياً وجدت أن هذا القول ليس براجح, والراجح: هو اعتبار اختلاف المطالع, فكل بلد لها هلالها, فعندما ترى الهلال تصوم, وهذا القول أصوب, والخلاف فيه خلاف سعة ورحمة, فمن عمل بهذا القول أو بهذا القول فلا إنكار عليه. والشافعية يقولون باختلاف المطالع، ويجعلون لكل بلد رؤية، ويستدلون بحديث كريب أنه ذهب إلى معاوية في الشام فرأى معاوية الهلال ليلة الجمعة، ثم رجع كريب بعدما انتهى من مهمته إلى المدينة فقابل ابن عباس فقال: رأيتم الهلال؟ قال: نعم، رأينا الهلال ليلة الجمعة فصمنا وصام معاوية , فقال ابن عباس: أما نحن فقد رأيناه ليلة السبت, وما زلنا نصوم حتى نراه أو نكمل الشهر, فقال له: ألا تتبع معاوية؟ فقال له ابن عباس: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ , وهذا يجعل الحديث مرفوعاً حكماً للنبي ﷺ , لأنه قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . وهذا الحديث يعتبر من المخصصات لعموم قول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، فيكون معنى قول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته) أي: يا أهل البلد! إذا رأيتم الهلال فصوموا لرؤيته. والشافعية أيضاً قالوا: البلدان اللذان في نفس القطر أو بينهما أقل من مسافة القصر رؤيتهم واحدة، وهذا هو الأفقه والأرجح فقهياً, لكننا نقول بقول الجمهور حتى تسلم الأمة من التشتت والتشرذم الذي هي فيه: وهو عدم اختلاف المطالع, فأي بلدة رأت الهلال لزم الجميع أن يصوم.

стр. 151

حكم الكبير العاجز عن الصوم وصوم الكبير أو الشيخ الهرم الأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقد اختلف الفقهاء في حكمه على قولين: القول الأول: قول المالكية: ليس عليه صوم ولا كفارة، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] , وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وهذا الشيخ الكبير الهرم لا يستطيع الصوم فيسقط عنه الفرض. القول الثاني: قول جمهور أهل العلم: أن الكبير يفطر وعليه فدية عن كل يوم يطعم مسكيناً, قال سلمة بن الأكوع في هذه الآية: هذا منسوخ, وقد كان المرء يخير بين أن يصوم أو يطعم, فنسخت بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقال ابن عباس: هي لم تنسخ، بل هي باقية على الشيخ الكبير الهرم, يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً, وكان أنس ﵁ وأرضاه بعدما كبر سنه يجمع ثلاثين مسكيناً ويطعمهم. والصحيح: أن الكبير الهرم يطعم عن كل يوم مسكيناً، والمالكية يقولون: لا يطعم ولا يصوم, فقد سقط الفرض عنه, وشيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً ما يتأثر بأصول مالك , فمثلاً يقول: إن لم يستطع المريض أن يصلي قائماً فليصل قاعداً, فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً فليصل على جنب, فإن لم يستطع سقطت عنه الصلاة, جرياً على أصول مالك , فهو كثيراً ما يتبع أصول مالك ويرجحها, وتكون رواية لـ أحمد تابعة لأصول مالك , وفي كتاب البيوع ترى ترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً متأثرة بأصول مالك. والجواب عن المالكية أن نقول في قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] إننا نقول بذلك، فالشيخ الكبير تسعه الفدية، وأيضاً نقول: الصوم هو أصل الفرض، لكن على الكبير ليس بأصل الفرض, فأصل الفرض على الكبير هو: الإطعام لا الصوم على خلاف فقهي مشهور، لكن هذا هو الراجح الصحيح, فتسقط عنه المطالبة إذا أطعم عن كل يوم مسكيناً.

стр. 152

حكم المريض العاجز عن الصوم والمرض مرضان: مرض يرجى برؤه, ومرض لا يرجى برؤه, والأصل في جواز إفطار المريض قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤] تقدير الآية: (فأفطر) ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، يقضيها. فالمريض مرضاً لا يرجى برؤه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ويلحق بالكبير العاجز. والمريض مرضاً يرجى برؤه يفطر ثم يقضي. واختلف العلماء في حد المرض الذي يرخص فيه الفطر, فـ داود الظاهري وابن المسيب يجيزان الفطر من ألم الضرس وألم الأصبع، وجمهور أهل العلم يقولون: العبادة لابد فيها من مشقة يتحملها, والمرض الذي يرخص فيه الفطر لابد أن يكون مرضاً, بحيث إذا صام المرء مع هذا المرض لم يتحمل المشقة, أو أن المشقة تتعبه أو تزيد من مرضه. وأسعد الناس بالدليل: هم أهل الظاهر؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] فقوله: (مريضاً) , على الإطلاق، فالصحيح: أن أي مرض يصاب به المرء حتى وإن كان ألم الضرس فله الرخصة في الفطر.

стр. 153

حكم الحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان والمرأة الحامل والمرضع هل يلحقان بالشيخ الكبير أم يلحقان بالمريض الذي يرجى برؤه؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والأصل في هذا يدور على قول ابن عباس وابن عمر: الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على أنفسهما أو خوفاً على ولديهما فعليهما أن يطعما عن كل يوم مسكيناً, وتعلق بهذا المالكية وقالوا: المرأة الحامل أو المرضع تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً, ولا قضاء عليها, وقال جمهور أهل العلم: حكمهما فيه تفصيل: فإن أفطرتا من أجل أنفسهما فإنهما يقضيان فقط, وإن أفطرتا من أجل الرضيع أو الجنين فعليهما القضاء مع الفدية. وبيان ذلك: أنها لو أفطرت من أجل غيرها لم يتعلق الأمر بها، فعليها الفدية قياساً على من أفطر لينقذ الغريق, فهو سيفطر من أجل غيره, فالعلماء قالوا: يرخص له بالفطر, بل يجب عليه؛ لأنه سينقذ نفساً، حتى وإن كان الغريق من العجماوات المحترمة، فله أن يفطر وينزل في الماء لينقذها. وهذا الرجل يكون عليه القضاء فقط, فإن أفطر لغيره فعليه القضاء مع الفدية, فالمرأة إذا أفطرت من أجل الولد أو من أجل الجنين لا خوفاً على نفسها فالعلة خارجة عنها، وعليها الصوم قضاء، وعليها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً, ولكن لو خافت على نفسها فعليها القضاء فقط, وهذه المسألة محل نظر، وليس فيها دليل قاطع، فإما أن تأخذ بقول الجمهور، وهو أنها تفطر وتفدي، أو أنها تطعم فقط ولا تقضي, وهذا قد رجحه فضلاء من العلماء والله أعلم.

стр. 154

صوم المسافر أما المسافر فله الرخصة في أن يفطر، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، واختلف العلماء في الفطر في السفر: هل هو واجب أو رخصة مباحة, أو هو مستحب, أو هو خلاف الأولى؟ على أقوال. القول الأول: قول الشافعية: يستحب الصوم في السفر، والفطر خلاف الأولى، واستدلوا على ذلك بأن سرعة إبراء الذمة أولى بالمرء, والمرء مع الجماعة يتشجع في أمر العبادة, وأيضاً: فالنبي ﷺ صام في السفر, بل صام عبد الله بن رواحة والنبي ﷺ في شدة الحر, قال الصحابي: (ما منا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة). القول الثاني: قول الحنابلة: يستحب له أن يفطر, واستدلوا بقول النبي ﷺ : (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه). القول الثالث: وهو أعدل الأقوال، وهو قول عمر بن عبد العزيز: أفضله أيسره, يعني: إن كان الأيسر على المسافر الفطر فليفطر, وإن كان الأيسر عليه الصوم فليصم, ويستدل لهم بقول الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. القول الرابع: قول الظاهرية, وهو رواية عن أحمد، وهو ترجيح الشيخ الألباني ﵀: أنه يجب على المسافر الفطر، ولا يجوز له الصوم, واستدل على ذلك بأدلة كثيرة أوضحها حديث النبي ﷺ : (ليس من البر الصيام في السفر)، وقول النبي ﷺ : (ذهب المفطرون اليوم بالأج)، وقول النبي ﷺ : (ليس من البر الصيام في السفر) يبين أنه يحرم على المرء أن يصوم؛ ولهذا قال داود الظاهري: لو صام المسافر لم يصح منه الصوم وعليه القضاء, يعني: يأثم وعليه القضاء. والراجح من ذلك: هو قول الجمهور، وهو إما جواز الفطر في السفر أو استحبابه، والأدلة على ذلك كثيرة, منها حديث حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إني كثير السفر أفأصوم في السفر؟ فقال النبي ﷺ : إن شئت فصم, وإن شئت فأفط) فهذه دلالة ظاهرة جداً وصريحة على إباحة الفطر في السفر. ومما يدل أيضاً على جواز الفطر في السفر: حديث أنس ﵁ وأرضاه قال: (كنا في سفر مع النبي ﷺ فمنا الصائم ومنا المفطر, فلم يعب هذا على ذاك, ولا هذا على ذاك). وأيضاً حديث: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) ففيه دلالة: على أن هناك أناساً غير مفطرين, فهذه أدلة تدل على جواز الصوم والفطر في السفر من قول النبي ﷺ ومن أمره ومن فعل النبي ﷺ , وتدل على قوة مذهب الجمهور. ولابد من الرد على المخالف فنقول: إن عمدة ما استدلوا به: هو حديث: (ليس من البر الصيام في السفر)، وهذا الحديث هو واقعة عين, ووقائع الأعيان لا عموم لها, يعني: أنما حالة خاصة بحالة معينة، ووقائع الأعيان لا تعمم, بل تعرف بالقرائن، فننظر مثلاً إلى السياق, وإن كان السياق ليس من المخصصات, بل هو من المقيدات, فالنبي ﷺ مر على رجل ملقى على الأرض, فقال النبي ﷺ : (ما هذا؟ فقالوا: يا رسول الله! صائم، وكان في سفر, فقال النبي ﷺ : ليس من البر الصيام في السفر)، فالسياق يوضح سبب إنكار النبي ﷺ لهذا، فالرجل كان ملقى على الأرض من الصوم، فقال: (ليس من البر الصيام في السفر) بمعنى: ليس من البر على هذه الحالة أن يصوم المرء وقد يهلك نفسه, والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، ولذلك يجوز للرجل أن يتيمم والماء موجود لبرودة الماء إن خاف على نفسه الضرر، كما في قصة عمرو بن العاص، فليس من البر الصيام في السفر الذي يفضي بالمرء إلى الموت. والذي دلنا على ذلك فعل النبي ﷺ وقوله، فالنبي ﷺ صام وأمر بالصيام, بل وخير في الصيام, والنبي ﷺ لا يخير في أمر ليس فيه بر, فهذه قرينة توضح أن هذا الحديث واقعة عين, ووقائع الأعيان لا تعمم, ونحن ندور مع الشرع حيث دار, فنقول بقوله: (ليس من البر الصيام في السفر) لمن لا يطيق ذلك, بل يحرم على المرء الذي لا يطيق الصوم في السفر أن يصوم, فنحن نقول بهذا الحديث في دائرته فقط ولا نعمم المسألة. أما الحديث الثاني: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر)، وجه الشاهد عند الظاهرية: أن المفطرين ذهبوا بكل الأجر, والذي لم يفطر لم يأخذ أجراً, هذا وجه استدلالهم، فالرد عليهم أن نقول: إن النبي ﷺ قد صام وعبد الله بن رواحة في شدة الحر, والنبي ﷺ لا يفعل أمراً لا يؤجر عليه، ولن يرشد أصحابه رضوان الله عليهم أن يصوموا في السفر ولا أجر لهم, فهذه أدلة من الخارج تبين لنا أن معنى (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) يعني: الأجر الأكبر كان لهم؛ لأن الدال على الخير كفاعله, والذي ييسر على معسر له الأجر, فهؤلاء انشغلوا بتحضير الطعام للصائمين، وبتحضير الرحال ونصب الخيم, والنبي ﷺ يقول: (من فطر صائماً كان له مثل أجره)، فمعنى الحديث: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) يعني: بأكثر الأجر.

стр. 155

حكم جماع من أتى من سفره نهاراً لامرأته التي طهرت من الحيض مسألة: الرجل إذا سافر وترخص بالرخصة فأفطر, ثم رجع إلى بلده في النهار, فرأى امرأته قد طهرت من الحيض, فهل له أن يجامعها أم ليس له أن يجامعها؟ المذهب الصحيح الراجح: أن المسافر إذا دخل على امرأته ووجدها قد طهرت من الحيض وهو قد ترخص بالفطر في السفر فله أن يجامعها, وليس هذا انتهاكاً لحرمة اليوم, وعليه قضاء هذا اليوم بلا كفارة، وهذا ما رجحه ابن عثيمين

стр. 156

حكم صوم الجنب وإذا أصبح المرء جنباً فله أن يصوم, وكثير من الناس يحسب أنه لو قام جنباً فلا صوم له, وهذا هو مذهب أبي هريرة ﵁ وأرضاه، والصحيح الراجح: أن له أن يصوم، لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله يصبح جنباً فيصوم)، وجاء أعرابي إلى النبي ﷺ , فقال: يا رسول الله! إني أصبح جنباً وأريد أن أغتسل وأريد أن أصوم, فهل لي أن أصوم؟ فقال رسول الله (وأنا أصبح جنباً فأغتسل وأصو)، فالمرء إذا أصبح جنباً فله أن يصوم وليس عليه شيء.

стр. 157

المفطرات

стр. 158

الأكل والشرب ومفطرات الصيام كثيرة: الأكل والشرب, فإذا أكل المرء أو شرب أفطر بذلك، لقول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، أما إن كان عامداً اختلف العلماء فيه على أقوال ثلاثة أرجحها: أن عليه أن يستغفر الله جل وعلا ويقضي يوماً. وإذا أكل أو شرب ناسياً فلا قضاء عليه، والإمام مالك يخالف الجمهور في هذا، والجمهور يحتجون بقول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وفي الحديث القدسي: (قال: قد فعلت, قد فعلت)، والإمام مالك وجه الحديث بقوله: رفع عنهم الإثم ولكن يجب عليهم القضاء, واعتمد على قاعدة قعدها العلماء, وهي: كل مطلوب لا يسقط بالنسيان وإن رفع الإثم فيه, وكل منهي عنه يسقط بالنسيان ويرفع عنه الإثم. فمثلاً: النبي ﷺ نهى عن الكلام في الصلاة، ومع ذلك تكلم رجل, ففعل منهياً عنه, فلما انتهى النبي ﷺ أخذه فعلمه أن الصلاة لا يصح فيها كلام الناس، ولم يأمره بالإعادة, فصحت الصلاة مع فعله منهياً عنه, ورفع عنه الإثم ولم يطالب بشيء. أما في الواجبات: فإذا نسي المرء الركوع في الركعة, فلا تصح ركعته، ويرفع عنه الإثم, لقول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، لكن لابد عليه أن يأتي بالركوع لتصح الركعة, فهذا هو الذي ارتكز عليه الإمام مالك، فقال: رفع عنه الإثم لكن عليه القضاء, ونحن نقول: هذه القاعدة تسقط أمام صريح حديث النبي ﷺ : (من أكل أو شرب ناسياً فلا قضاء عليه فإنما أطعمه الله وسقاه)، وهذا نص صريح في محل النزاع.

стр. 159

القيء عمداً المفطر الثاني: القيء عمداً؛ لقول النبي ﷺ : (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء).

стр. 160

الحجامة المفطر الثالث: الحجامة، وقد اختلف فيه العلماء, فالإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية رجحا: أن المحتجم يفطر، واستدلوا بقول النبي ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم)، وهذا الحديث جل أسانيده ضعيفة, لكن احتج به الإمام أحمد، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية بالأثر وبالنظر, أما بالأثر فهذا الحديث، وأما النظر فقال: أما المحجوم فإنه يضعف جداً بالحجامة، فلا يستطيع أن يكمل الصيام, وأما الذي يحجمه فلا يبعد أنه إذا سحب الدم يدخل في فمه شيء من دمه، فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم). والصحيح الراجح: قول الجمهور، وقد قال الشافعي: هذا الحديث منسوخ بحديث أنس ﵁ وأرضاه: (كان جعفر بن أبي طالب يحتجم, فمر عليه النبي ﷺ فقال: أفطر الحاجم والمحجوم)، وفي نفس الحديث قال: (ثم رخص النبي ﷺ في الحجامة, وكان أنس يحتجم وهو صائم)، وعن ابن عباس بأسانيد صحيحة: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم)، فثبت أن الحجامة لا تفطر, لكنها تكره لأن النبي ﷺ نهى عنها للإبقاء على صحابته, لأنه عندما يسحب الدم من الصائم يضعف جداً، فقد لا يستطيع أن يكمل صومه, فتكره الحجامة للصائم، وقد تحرم على المرء الذي لا يستطيع أن يكمل صومه بعد الحجامة. إذاً: فالصحيح الراجح: أن الحاجم والمحجوم إذا لم يتأثرا بالحجامة فصيامهما صحيح.

стр. 161

الجماع المفطر الرابع: الجماع، فمن جامع امرأته في نهار رمضان يفطر وعليه القضاء، لقول النبي ﷺ (صم يوماً مكانه واستغفر الله)، وعليه الكفارة, وهي: أن يعتق رقبة فإن لم يستطع صام ستين يوماً، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، لحديث: (جاء رجل إلى النبي ﷺ يلطم خده ويقول: يا رسول الله! هلكت, قال: ما أهلكك؟ قال: جامعت أهلي في نهار رمضان, فقال النبي ﷺ له: أتجد رقبة؟ قال: لا, قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: ما فعل بي ذلك إلا الصيام، فقال له النبي ﷺ : أطعم ستين مسكيناً, فقال: ما عندي شيء، ثم أعطاه النبي ﷺ تمراً ليتصدق به، فقال: هل على أفقر مني؟ فأمره النبي ﷺ أن يطعمه أهله)، أي: وتبقى الكفارة في ذمته, ولا تسقط على الراجح من أقوال أهل العلم.

стр. 162

حكم مباشرة الصائم لزوجته دون الجماع ويباح للصائم أن يباشر امرأته وهو صائم؛ لأن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (كان النبي ﷺ يباشر نساءه وهو صائم) لكنما قيدت الأمر فقالت: (وكان أملككم لإربه)، فنحن نقول: ندور مع الشرع حيث دار, فالذي يملك نفسه ويأمن أن تثور شهوته فيجامع امرأته فهذا له أن يباشرها في نهار رمضان، وإلا فلا يحل له أن يقترب منها. جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (أقبل امرأتي في نهار رمضان؟ قال: قبلها, وجاء آخر فقال: أقبل امرأتي في نهار رمضان؟ قال: لا)، وكان الذي أباح له النبي ﷺ شيخاً كبيراً, والآخر كان شاباً, فالمسألة كلها تدور على ثوران الشهوة. فالذي يملك نفسه له أن يباشر امرأته فيضمها ويقبلها ولا يفطر إلا إذا أنزل, فإذا باشر الرجل امرأته فأنزل المني يفطر, والشيخ الألباني يقول: لا يفطر، وهذا قول ضعيف جداً، وهو يستدل بأن النبي ﷺ كان يباشر امرأته وهو صائم، والمباشرة مدعاة للشهوة، فهي وسيلة مباحة، ومن قواعد الشرع الكلية: الوسائل لها أحكام المقاصد, فالمباشرة وسيلة في ثوران الشهوة، فلو أنزل لا يفطر، والرد على هذا أن نقول: قالت عائشة ﵂: (وأيكم يملك إربه)، وفي الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، وهذا لم يترك شهوته، فعليه أن يقضي مكان هذا اليوم.

стр. 163

حكم من باشر زوجته وهو صائم فأمذى ولو باشر الصائم امرأته فأمذى فالصحيح الراجح أنه لا يفطر بذلك، وليس عليه القضاء. والأصل: أن المذي يخالف المني؛ لأنه أقرب إلى البول منه إلى المني, فحكم المذي: الوضوء, وحكم المني: الغسل, فهذا فارق, فيكون قياس المذي على المني قياس مع الفارق. ومن نظر إلى امرأة عارية, أو نظر إلى امرأة في الشارع، وكرر النظر إليها فاشتدت شهوته فأنزل, فالصحيح الراجح أنه لا يفطر, وليس عليه قضاء.

стр. 164

عدم صحة عموم قاعدة: كل ما دخل الجوف يفطر قعد الفقهاء قاعدة وهي: كل ما دخل الجوف فهو يفطر الصائم؛ ولذلك يقولون: إن أي شيء دخل في الإحليل أو في الدبر يفطر, حتى قال بعض الشافعية: من استنجى فأدخل إصبعه في دبره فقد أفطر, والمرأة عندما تستنجي إذا أدخلت أصبعها في الفرج تفطر، والإمام النووي في المجموع يقول: ولو ضرب رجل صائماً بسكين فدخلت في أمعائه أو دخلت في بطنه فقد أفطر, والصحيح الراجح: أن هذه القاعدة ليست على عمومها، ولا دليل عليها، فإن الله أناط الحكم بالطعام والشراب, والمنفذ الذي يدخلان منه: هو الفم، ومثله الأنف, فأي شيء يدخل من الأنف أو الفم فهو الذي يفطر فقط, فمن وضع كحلاً في العين فوجد الطعم في حلقه لا يفطر, أو في الأذن فوجد طعمه لا يفطر, ولا شيء يفطر إلا ما دخل من الفم أو العين. والإبر لا تفطر إلا إذا كانت من الإبر المغذية التي تقوم مقام الغذاء؛ لأنها بمعنى الغذاء.

стр. 165

حكم الكفارة على من أفطر بالأكل متعمداً من أفطر بالأكل متعمداً فعليه القضاء ولا كفارة عليه، والأحناف والمالكية يقولون: إذا أكل أو شرب عامداً فعليه القضاء والكفارة, وهذا كلام ليس بصحيح.

стр. 166

حكم الكفارة على من جامعها زوجها في رمضان يحرم على المرأة أن تمكن زوجها من وطئها في نهار رمضان؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, وحق الله مقدم على حق الزوج، فإذا أكرهها فجامعها فللعلماء قولان هل تقضي أم لا؟ والصحيح الراجح: أنها تقضي. فإن جعلته يجامعها فالخلاف في مسألة الكفارة, هل الكفارة على الرجل وحده أو على الرجل والمرأة؟ فمن قال: الكفارة على الزوج والزوجة استدل بعموم الحديث، ومن قال: الكفارة على الزوج وحده قال: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فالنبي لم يسأل الرجل الذي جامع امرأته هل طاوعته زوجته أم لا؟ وجعل الكفارة من ماله وليس من مالها، وعلى كلا القولين فهي آثمة بذلك، ولابد أن تستغفر الله جل وعلا, وعليها القضاء؛ لأنها قد أفطرت عامدة, وقال بعض العلماء: لو صامت الدهر كله لم يكفها, فليس عليها قضاء، والصحيح الراجح: أن عليها القضاء.

стр. 167

حكم تبييت النية من أول الليل والصحيح أن النية إذا بيتها المرء قبل ثلث الليل الآخر أو بعده فصومه صحيح، بل إذا بيت النية من أول الليل صح ذلك الصوم.

стр. 168

حكم صيام تارك الصلاة ومن يصوم ولا يصلي لا يصح صومه، فتارك الصلاة كافر, ومن شروط الصيام: الإسلام. نسأل الله أن يثبتنا على الحق, وأن يعلمنا علماً نعمل به، ونرتقي به عند ربنا.

стр. 169

تنبيه عباد الرحمن على حرمة قراءة الحائض للقرآن القرآن الكريم هو أعظم كتاب؛ لأنه كلام الله، فهو يستمد عظمته من عظمه قائله، وحفاظاً لهذه العظمة كان لزاماً على من يقرؤه أن يكون طاهر البدن، فتحرم القراءة على الحائض تشريفاً وتعظيماً لهذا القرآن.

стр. 170

انتفاء الإيمان عمن لم يحكم الله ورسوله في شئونه الدينية والدنيوية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: الله تعالى يرسي لنا قاعدة يشكك فيها إيمان من لم يأخذ بهذه القاعدة، ألا وهي قوله جل في علاه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]. وقال جل في علاه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]. وقال جل في علاه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] أي: أولي العلم. ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]. ويقول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). بل إن الله أناط محبته وعلامة محبته بطاعة الرسول، قال الحسن البصري: زعم أناس حب الله وحب رسوله فامتحنهم الله بآية في المحنة، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. وفي السنن والمسند عن العرباض بن سارية ﵁ وأرضاه قال: (وعظنا النبي ﷺ موعظة بليغة، قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ). وفي رواية أخرى قال النبي ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر). ونحن الآن سنفصل في هذه المسألة بقال الله قال الرسول، وكل لبيب بالإشارة يفهم.

стр. 171

جواز قراءة الحائض للآية والآيتين في كتب الفقه وغيرها من كتب أهل العلم هل يصح للمرأة الذكر والتسبيح وقراءة الآية والآيتين في كتب التفسير وكتب الفقه، وقراءة الآية عندما تركب الدابة على أنه دعاء؟ نقول: أولاً: أما الذكر والتسبيح وقراءة الآية على أنها ذكر في كتب الفقه والتفسير وغيره، فيجوز بالاتفاق دون أدنى خلاف. والدليل على ذلك: قول عائشة ﵂ وأرضاها: (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحواله) وهذا على العموم. وأيضاً: قول النبي ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) وهذا على العموم أيضاً. ومن الأدلة كذلك: الآيات والأحاديث التي تثبت فضل الذكر دون التفريق بين حائض وجنب وغيرهما، لقول النبي ﷺ : (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله) وهذا على العموم في كل الأحوال، سواء جنباً أو غير جنب، كنتِ امرأة حائض أو لستِ بحائض، فلكِ أن تجعلي لسانك رطباً بذكر الله. إذاً: هذا العموم يبين لنا الاتفاق على أن للمرأة الحائض التسبيح والذكر وقراءة الآية في كتب الفقه على أنها من الأدلة وليست من تلاوة القرآن، وقد رخص فيه بعض العلماء الذين يقولون بالمنع، وقالوا: لها أن تقرأ آية أو آيتين.

стр. 172

حكم قراءة القرآن للحائض، وأقوال العلماء في ذلك أما قراءة القرآن بالنسبة للمرأة الحائض فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: المنع مطلقاً. القول الثاني: الجواز مطلقاً. القول الثالث: الجواز للحاجة.

стр. 173

القول بالمنع مطلقاً، وأدلة ذلك فالذين قالوا بالمنع مطلقاً هم الجمهور: الشافعية والحنابلة والأحناف، فيحرم على المرأة الحائض قراءة القرآن، وتأثم إن قرأت القرآن، فإذا علمت الحق وأصرت عليه كان من الكبائر، وإن لم تعلم فهي من الصغائر، والله تعالى أعلى وأعلم. واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: حديث ابن عمر في السنن قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن). وهذا الحديث قد جاء أيضاً من طريق آخر عن جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه في منع الحائض من قراءة القرآن، وجاء من طريق أنس أيضاً، والروايات كلها ضعيفة كما سأبين. الدليل الثاني: حديث علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: (كان النبي ﷺ يقرأ القرآن على كل أحواله سوى الجنابة). والحائض عند العلماء تلحق بالجنب، وهي أشد منه وأولى منه. الدليل الثالث: جاء في سنن البيهقي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال: لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن. الدليل الرابع: عن علي بن أبي طالب بسند صحيح أنه قال: لا يقرأ الجنب القرآن -والحائض يلحق بالجنب- قالوا: يا أمير المؤمنين! ولا حرفاً واحداً؟ قال: ولا حرفاً واحداً. وهذا فيه جزم بالتحريم وتصريح به. الدليل الخامس: عن عائشة بنت الصديق ﵁ وأرضاها كما في صحيح البخاري قالت: (كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن في حجري وأنا حائض). ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (يقرأ القرآن في حجري) وصفتي أني حائض (وكنت أعلم) كما فهمت من رسول الله أن الحائض لا تقرأ القرآن، فكيف يقرأ القرآن في حجري؟! فكأن النبي بلسان حاله يعلمها أن المرأة الحائض لا تقرأ القرآن لحيضها، أما القارئ الذي لا تمسه جنابة ولا حيض فإن له أن يقرأ القرآن، ولا يؤثر فيه إن كانت هذه القراءة بجانب الحائض، بل لو كانت في حجر الحائض فيجوز له ذلك؛ لأن المنع بوصف الحيض، والحيض وصف لا يتصف به إلا النساء. الدليل السادس: جاء في سنن أبي داود بسند صحيح: (أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ فمر عليه رجل فقال: السلام عليك يا رسول الله! فلم يرد عليه النبي ﷺ السلام، ثم ضرب بيده الحائط فتيمم ثم رد ﵇، ثم قال: كرهت أن أذكر الله إلا على طهر). هذا الحديث لا يساعدهم في التحريم، لكن يساعدهم في الكراهة فلفظة: (كرهت) لا تدل على التحريم، وإن كان بعض العلماء يقول: إنها أصل في التحريم، والصحيح والراجح: أنها ليست دلالة بالتصريح على التحريم، لكن يستأنس به. الدليل السابع: قياساً على فعل النبي ﷺ كما في مسند أحمد بسند صحيح: (أن النبي ﷺ كان يبول -أي: متلبس بالنجاسة- فمر عليه رجل، فقال: يا رسول الله! السلام عليك ورحمة الله، أو قال: السلام عليك يا رسول الله! فلم يرد عليه، فلما قضى حاجته ذهب إليه فقال له: إذا وجدتني على هذه الحال فلا تسلم علي، فإن فعلت فلن أرد عليك). فهنا محرمان: المحرم الأول: ألا يرد. المحرم الثاني: أن يرد وهو متلبس بالنجاسة، فدفع النبي ﷺ الكبرى بارتكاب الصغرى، وكأن النبي ﷺ يقول بفعله: إن رد السلام وأنا متلبس بالنجاسة كبيرة، وأصغر منه أن أمتنع عن رد السلام، فأفعل الأصغر وأدفع به الفعل الأكبر، فيكون وجه الدلالة هنا: قياس الأولى وهو: أن النبي ﷺ أسقط واجباً؛ لأنه كان متلبساً بالنجاسة. الدليل الثامن: اتفق المجيزون والمانعون على حرمة مس المصحف لغير الطاهر، واستدلوا بحديث مرسل لكنه صحيح، أن النبي ﷺ قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر) فقالوا: اتفقنا نحن وأنتم على حرمة مس المصحف، وأيهما أغلظ حرمة مس المصحف أم قراءة كلام الله الذي تكلم به وسمعه جبريل ونزل به إلى النبي ﷺ ؟ الجواب القراءة أغلظ، فكيف تمنعون الأدنى وتجيزون الأغلظ؟! فهذا مخالف لكل القواعد والتأصيلات العامة، ومخالف للتقعيد الفقهي. وهذا قياس الأولى، فإذا قلنا بالمنع من مس المصحف فمن باب أولى أن نمنع قراءة القرآن.

стр. 174

القول بالجواز مطلقاً، وأدلة ذلك وهو قول ابن حزم الذي قال بالجواز مطلقاً، فتقرأ إذا خافت النسيان وإن لم تخف النسيان، نائمة، قائمة، جالسة، قاعدة، تقرأ القرآن، وقول ابن حزم هذا يستدل له: بأن الأصل عدم المنع، وأن الأصل هو الجواز، ولا دليل يمنع؛ لأن ابن حزم قصف الأقلام كلها، فقطع دابر كل من يستدل بحديث، وبين صراحة أسانيد هذه الأحاديث التي استدل بها المانعون، وأنها كلها أحاديث باطلة؛ لأنها أسانيدها ضعيفة، وسأبين القول الفصل في الأسانيد إن شاء الله.

стр. 175

القول بالجواز للحاجة، وأدلة ذلك وهو قول الإمام مالك ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وهو: جواز القراءة للحاجة، ويدخل فيه الصنعاني الذي يقول بالكراهة ولا يقول بالجواز، واستدل أصحاب هذا القول بخمسة أدلة: الدليل الأول: أن الأصل عدم المنع؛ لأنه ليس هناك دليل يمنع، والأدلة التي جاءت بالمنع أدلة ضعيفة. فأجازوا القراءة للحاجة لا للضرورة؛ لأن القاعدة عند العلماء: أن الحاجيات تبيح المكروهات، أما الضرورات فتبيح المحظورات، وإلا فأنا أقول: بأن المرأة الحائض تقرأ للضرورة، أي: إن كانت ستمتحن أو ستختبر وسترسب إذا لم تقرأ فلها أن تقرأ. الدليل الثاني: عموم قول النبي ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)، ووجه الدلالة قوله: (افعلي ما يفعل الحاج)، والحاج يذكر الله، ويسبح، ويستغفر، ويقرأ القرآن، فدخل في عموم قول النبي ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج)، ولو كان القرآن ممنوعاً لخصصه كما خصص الطواف، وهذا قول وجيه جداً، فلما لم يبين دل ذلك على الجواز. الدليل الثالث: ما استدل به ابن عباس كما عند البخاري: (أن النبي ﷺ بعث إلى كسرى وقيصر: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤] إلى آخر الآيات)، قال: والكافر جنب؛ لأن الكافر يجامع امرأته ولا يغتسل، وهو سوف يقرأ القرآن، والنبي ﷺ أقر ذلك. الدليل الرابع: أن هناك أخباراً وأحاديث صحيحة تذم من نسي القرآن، وتثبت أن القرآن يتفلت، فلا بد من المحافظة عليه، وفيها إشعار على أن الذي يتفلت منه القرآن بغفلته يكون آثماً، بل يدخل في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]. الدليل الخامس: الاستدلال بهذه القاعدة العظيمة: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما قال ابن تيمية، فالواجب عدم النسيان لحرمة النسيان، فلا يتم الواجب إلا بالقراءة، سواء كانت حائضاً أو غير حائض، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 176

ترجيح القول بعدم جواز القراءة للحائض الراجح الصحيح هو قول الجمهور، والذي ينص على أن المرأة التي تقرأ القرآن وهي حائض آثمة عاصية لله جل وعلا، وأنها تستحق العقاب بقراءتها للقرآن وهي حائض؛ لأن الأدلة واضحة ظاهرة جداً على التحريم، ومنقاشة الأدلة التي استدل بها الجمهور على النحو التالي: فأما بالنسبة لحديث ابن عمر ﵁ وأرضاه الذي في السنن، وهو قول النبي ﷺ : (لا تقرأ الحائض ولا الجنب القرآن)، فقد رواه رواه الترمذي وابن ماجة والبيهقي والدارقطني كلهم من طريق: إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر. وإسماعيل بن عياش ثقة في الشاميين، فهو ضابط عند علماء الجرح والتعديل، لكنه ضعيف في غير الشاميين. وهذه الرواية صراحة هي عن أهل الحجاز وعن أهل العراق، فهو يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق مناكير، قال البخاري: يضعف في روايته عن غير الشاميين. وهذا الحديث أنكره أحمد، فالحديث بإسناده ضعيف؛ لأن فيه إسماعيل بن عياش أتي من قبل حفظه في غير الشاميين، لكن يمكن لنا أن نناوش في هذا الإسناد أيضاً، ونبين أن هذا الإسناد يحتمل التحسين، وأن بعض العلماء قد صحح هذا الإسناد، فيحتمل التحسين لأدلة: منها: أن إسماعيل بن عياش الذي يخشى منه الوهم والخطأ وعدم الضبط، قد جاءتنا أدلة تدل أنه قد ضبط هذه الرواية، وعلى هذا فالإسناد يرتقي إلى الحسن لغيره، قال الشيخ أحمد شاكر في شرحه على الترمذي -وبعدما ذكر أن العلماء ضعفوا هذا الحديث من قبل إسماعيل بن عياش - قال: وأكثر ما في رواية ابن عياش الخوف من الغلط فيه؛ لأنه في غير الشاميين، والمتابعة من عبد الملك بن مسلمة -وهذا وهم من الشيخ أحمد شاكر؛ لأن عبد الملك بن مسلمة ليس هو المتابع، وليس في نفس طبقة إسماعيل بن عياش وإنما هو في طبقة سابقة- قال: والمتابعة من عبد الملك بن مسلمة مع احتمال الخطأ ترفع خطأ إسماعيل بن عياش، لا سيما وأن عبد الملك بن مسلمة وثقه الدارقطني. هذا يؤخذ على الشيخ أحمد شاكر من وجهين: الأول: أنه وهم على الدارقطني، فـ الدارقطني لم يوثق هذا الرجل، لكن الشيخ أحمد شاكر يقول كلاماً نفيساً جداً، وهو: أن الخلط في هذا الإسناد من وهم إسماعيل، وإسماعيل يمكن أن يرتفع وهمه بالمتابعة التي توضح لنا أنه لم يخطئ في ضبط هذا الحديث. وهذا الكلام نفيس جداً لا سيما بأن الذي تابعه هو المغيرة، والمغيرة مصري ثقة ثبت، وقد وثقه علماء الجرح والتعديل، وهو الذي تابع. إذاً: الرواية الأولى رواية ضعيفة، لكنها تحتمل التحسين لا سيما وأن المغيرة قد تابع إسماعيل بن عياش، لكن يبقى الإسناد ضعيف. الرواية الثانية: حديث علي بن أبي طالب، وهذه الرواية بفضل الله صحيحة خلافاً لمن ضعفها، وقد صححها أكابر من أهل الحديث. فعن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قال: (لم يكن يحجب النبي ﷺ عن القرآن سوى الجنابة). رواه أحمد في مسنده، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي، والدارقطني من طريق: شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. وصحح هذا الحديث الترمذي والترمذي وإن قال بعضهم: إنه متساهل في التصحيح، لكن الترمذي من المتقدمين في عصر الرواية، وهو صاعقة في الحفظ، كان أعمى، وكان أحفظ الناس في زمانه، بل من أنجب تلاميذ البخاري، ومن أنجب علماء العلل، فـ الترمذي ليس بالهين في علم الحديث، وكذلك صحح هذا لحديث: ابن السكن وعبد الحق والبغوي، وروى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة أنه قال: هذا الحديث، أي: حديث علي بن أبي طالب ثلث رأس مالي؛ يبين صحة هذا الحديث. وقال الدارقطني: قال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن من هذا. فكل هذا يدل على صحة الحديث؛ ولذلك لم ير الحافظ ابن حجر في فتح الباري إلا أن يحسن هذا الحديث، فبين أنه حديث حسن إسناده، وقال: هو من قبيل الصحيح الذي يحتج به، وهذا إسناد حسن لم يؤخذ عليه إلا عبد الله بن سلمة، وهو صدوق قد تغير في آخره. ويعضد ذلك وهو أقوى منه: قول عمر بن الخطاب (لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن). أي: يحرم، وحتى لو قال عمر: أكره. فمعناها: التحريم، للأدلة المتعاضدة على ذلك، فهذه أدلة تثبت لنا بأن هذا الحديث سنده صحيح. ومن الأدلة: القياس الجلي، وهو أن النبي ﷺ قد منع نفسه من أمر واجب وهو الرد على السلام؛ لأنه كان متلبساً بنجاسة.

стр. 177

الرد على من قال بجواز القراءة مطلقاً وللحاجة الرد على الإمام ابن حزم سيدخل تحت الرد على الإمام مالك؛ لأن أدلة الإمام مالك أقوى من أدلة الإمام ابن حزم. وأدلتهم: الدليل الأول: الأصل عدم المنع وعدم التحريم، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦] فالأصل هو عدم المنع، لكن قد جاءنا الناقل الذي نقلنا عن الأصل إلى التحريم، فالأصل الإباحة، لكن حديث علي ﵁ المرفوع ناقل، وكلام عمر بن الخطاب ناقل؛ لأن عمر بن الخطاب وإن خالفه ابن عباس فإني أقول: لو كان عمر في كفة لرجحت كفة عمر. الدليل الثاني: عموم قول النبي ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج) وهذا عام وقوي، فالحاج يذكر الله، ويسبح، ويقرأ القرآن. وأنا أقول لهم: يكون هذا استدلالاً قوياً إذا قلتم بأن النبي ﷺ مقامه التبيين، وقد بين ﵊ المستثنى، وهو: الطواف، والرد على هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الحديث عام مخصوص بحديث علي بن أبي طالب من أن الجنابة هي التي كانت تحجزه. وأيضاً بقول عمر: لا تقرأ الحائض القرآن، وقول علي بن أبي طالب: لا تقرأ الحائض القرآن، والقياس الجلي من المخصصات المنفصلة التي تخصص العموم. إذاً: فهذا عام مخصوص. الوجه الثاني: أنهم قالوا: لو كانت قراءة القرآن محرمة لخصصها النبي كما خصص الطواف. قلنا: المخصص مخصصان: مخصص متصل، ومخصص منفصل. فالمخصص المتصل جاء في الحديث: (غير ألا تطوفي بالبيت). وأما المخصص المنفصل فقد بينه النبي ﷺ لهم في المدينة، والمقام والحال يقتضي أن يبين لها أن الطواف لا يجوز. الدليل الثالث: قول ابن عباس بأن النبي ﷺ بعث بالكتاب إلى كسرى وقيصر، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم وتلا الآية، قال: إن ملوك الأعاجم على الكفر، وهم أيضاً على الجنابة؛ لأنهم يجامعون ولا يغتسلون بنية رفع الجنابة. والرد على هذا الحديث من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: هذا الحديث لا ينفع أصلاً الاستدلال به في هذا الباب، فهو في غير محل النزاع؛ لأن مسألتنا قراءة الحائض ليست للضرورة ولكن للحاجة، والمسألة هذه على الضرورة، والضرورة هي: أن النبي ﷺ بعث إليه بالآية، وبعث إليه بهذا الكلام ليدعوه إلى الإسلام، فهذه ضرورة، ومحل النزاع ليس في ضرورة، والضرورة تبيح المحظور، فقد قال الثوري وغيره: ابعث بالمصحف للنصراني أو الكافر؛ لعله أن يعلم. الوجه الثاني: أن هذا الحديث قد تطرق إليه الاحتمال، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل سقط به الاستدلال، فرسول رسول الله لما ذهب إلى كسرى وقيصر ومعه الرسالة، ألا يحتمل أن يكون هذا الرسول هو القارئ؟ فيحتمل أن رسول رسول الله هو الذي قرأ وهو ليس على جنابة، فلا وجه لكم في الاستدلال. واحتمال آخر وهو: أن الآية التي قرأها كسرى أو قيصر قرأها مع بعض الكلمات الأخرى التي كتبها النبي ﷺ ، وهي آية واحدة، وذلك كما تقرأ المرأة الآية في كتب الفقه كاستدلال على مسألة، واحتمال أن يكون نائب كسرى أو نائب قيصر كان مسلماً ويخفي إسلامه فقرأ هذه الرسالة. إذاً: هذه احتمالات تسقط الاستدلال بهذا الحديث، وهي احتمالات قائمة. الوجه الثالث: أنه يقرأها كما تقرأ المرأة الذكر، فعندما تركب الدابة تقول: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤] فلا تقرأ على أنها تلاوة، والفقهاء قالوا: يقرؤها ملك كسرى وقيصر لا على أنها قرآناً تتلى. والأوجه من ذلك: أن المكلف هو المحاسب فقط، فالمنع يكون على الجنب المكلف، أما هذا فهو غير مكلف. الدليل الرابع: ما استدل به مالك وتكلم به شيخ الإسلام في الفتاوى، ألا وهو: بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ووجه الدلالة من ذلك أنه قال: يحرم على المرأة نسيان القرآن الذي حفظته، فلا بد من أن تحافظ على هذا القرآن، فلا بد من التلاوة؛ لأنها لو تركت التلاوة نسيت فوقعت في الحرام، فيصير ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والرد على ذلك من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن هذا أيضاً في غير محل النزاع، فحرمة نسيان القرآن المخاطب به هو الناسي عن غفلة، أما المرأة التي تركت القراءة؛ فلأن النبي حرم عليها القراءة، وعلي حرم عليها القراءة، وعمر حرم عليها القراءة، وهذا ليس من غفلتها ونسيانها وإنما هو طاعة لله، فإن كان طاعة لله فلا يدخل في ذلك؛ لأن الحديث يختص بالتي تنسى وتفلت منها لقصدها وبغفلة منها. الوجه الثاني: أنه ليس من الممكن أن تنسى إلا بترك القراءة، فهي ممنوعة من القراءة، لكن لها طرق ووسائل أخرى يمكن ألا تنسى القرآن بها، فكما أجمع العلماء ونقل الإجماع النووي -وإن كان في الإجماع نظر- بأن المرأة الحائض لها أن تقرأ القرآن في قلبها، ولها أن تمرر الآيات في خاطرها. وعلى هذا فيجوز لها أن تكتب السورة التي حفظتها في ورق؛ لأنه لم يرد النهي عن الكتابة، والأصل عدم المنع، لكن لا تقرأ، لأنه قد ورد النهي عن القراءة، ثم بعد ذلك تأخذ الورق وتحرقه وتدفنه. وكذلك المسجل، وهو من منن الله علينا، فلها أن تأخذ شريطاً للسورة التي تحفظها وتسمعها في المسجل. فنقول: الراجح الصحيح هو: عدم قراءة الحائض للقرآن.

стр. 178

الإخلاص وآثاره في تمكين الأمة الإخلاص هو لب العبادات وثمرتها، ولا يقبل الله العمل إلا به، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم هم القدوة الحسنة في كل أعمالهم وتصرفاتهم وإخلاصهم، ولقد ضربوا أروع الأمثلة في الإخلاص في شتى المجالات.

стр. 179

من فضائل صحابة رسول الله ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن الله امتن على هذه الأمة بمنن كثيرة ابتدأها بأن أرسل إليها خير رسله، وأكرم الخلق عليه سيد المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وأتم لهم النعمة بأن اختار لهم باقة هم أفضل البشر أجمعين بعد الأنبياء، فأفضل من صاحب نبياً هم صحابة رسول الله ﷺ ، فإنهم جيل ذكي نقي، إنه الرعيل من الصحابة الأخيار، وسادة الأمة الأبرار، الشموس المشرقة، والأقمار النيرة، والكواكب المتلألئة، وسحائب الخير الممطرة في سماء إسلامنا، هؤلاء الذين اصطفاهم الله جل في علاه لصحبة نبيه فأخلفوه في أمته فنصروا دينه ونشروا دعوتهم، وجابوا آفاق الدنيا بأسرها، وجابوا الأرض مشارقها ومغاربها، ففتح الله لهم قلوب العباد والبلاد. هؤلاء الذين أنزل الله عدالتهم من فوق سبع سماوات، هؤلاء الشموس التي أشرقت في سماء إسلامنا، هم الأخيار، هم الأبرار، وهم أسمى الناس أخلاقاً، وأصدق الناس إخلاصاً، وأخلصهم إيماناً، وأثبتهم يقيناً: أبو بكر كذا الفاروق منا ومنا خير من وطئ الترابا إن الله صور لنا فضل هؤلاء تصويراً بديعاً مع نبيهم ﷺ في كتابه الجليل حيث يقول: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وقال جل في علاه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقال جل في علاه في هذه الأمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].

стр. 180

صور من إخلاص الصحابة ثم إن أروع ما ترى من قصص الله جل في علاه: هي فضل هؤلاء الأخيار من المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، فقوله: (من المؤمنين) أي: من الصحابة، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣]، وهذه الآية الكريمة نزلت في فضل صاحب من أصحاب رسول الله ﷺ ، بل في فضل أصحاب رسول الله ﷺ . فـ أنس بن النضر تخلف عن غزوة بدر؛ لأنه ظن أنها عير وليست بغزوة، فلما علم أنها غزوة قال: (تخلفت عن أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده! لئن أبقاني الله لغزوة أخرى يغزوها رسول الله ليرين الله مني خيراً). إنه رجل صدق الله فصدقه الله، ولذا قال: ليرين الله مني خيراً، وقد فر في غزوة أحد كثير من أصحاب رسول الله ﷺ وقد غفر الله لهم، وعفا عنهم، فهذا سعد بن معاذ سيد الأنصار قام ينظر إلى أنس بن النضر والكل يتخلف وهو يتقدم، فيقول: (ويحك يا أنس إلى أين تذهب؟ قال: إيه يا سعد! والذي نفسي بيده إني لأشم رائحة الجنة من دون أحد)، فتقدم وقاتل ببسالة وشجاعة، فهو من تربية رسول الله ﷺ ، وتأديب رسول الله ﷺ لمثل هذا الرجل جعله يتقدم بشجاعة وبسالة، فقاتل حتى قتل فلم يعرف إلا ببنانه كما قال الله عنه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]. وانظروا إلى رجل يأتي إلى رسول الله ﷺ بعد أن علم عن الإسلام خيراً، فيبايع رسول الله ﷺ على الإسلام فيستعد للنفير، ثم يسمع المنادي فيجاهد في سبيل الله، فيقسم له الرسول ﷺ بعد الانتصار في الغزوة قسم الغنائم، فقال: ما على هذا عاهدتك، وما على هذا بايعتك، فهم كما قال الله عنهم: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، قال: بايعتك على أن أغزو في سبيل الله، فأضرب هاهنا، أي: في عنقي، فقال له النبي ﷺ : (اصدق الله يصدقك). وانظروا إلى هذا الصادق الذي صدق مع ربه فصدقه الله جل في علاه، قام في الغزوة ثم بعد أن انتهت أتوا به إلى رسول الله، وقد قتل في المكان الذي أشار إليه، قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، فهؤلاء الذين أنزل الله فيهم هذا الفضل، وهذا الخير العميم، أنزل الله عدالتهم من فوق سبع سماوات. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (أصحابي أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فلو أنكم أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، ويقول النبي ﷺ وكأنه يبين أن الله قد ربط الأمان لهذه الأمة بوجود هؤلاء الصحابة الأخيار، حيث يقول كما في الصحيح: (النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى الأمة ما توعد). فقد ربط الله الإيمان والأمان بوجود هؤلاء الأخيار، وربط الله النصر بوجود هؤلاء الأخيار، ومن جاء على دربهم وسار مثل سيرهم. وأيضاً: في البخاري ومسلم وأحمد قال النبي ﷺ : (يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: أفيكم من أصحاب رسول الله؟! فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: أفيكم من صاحب صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ويغزون فئام من الناس، فيقال لهم: أفيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم)، وهذا مصداق لقول النبي ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فهؤلاء هم القدوة، وهؤلاء هم الأسوة، وهؤلاء هم الأخيار، ولو سرنا على سيرهم، وتمثلنا بما فعلوا لمكّن الله لنا كما مكن لهم، وانظروا إلى المشاهد الربانية والقواعد الإيمانية، كيف تمثلت أروع ما تتمثل في أفعالهم، فإنهم كانوا أصدق الناس إخلاصاً. والإخلاص ركن ركين لقبول العمل عند الله جل في علاه، ومن عمل عملاً يرائي فيه غير الله فإن الله قد أحبط عمله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].
следующие страницы →