← Джавами‘

Джавами‘ · id 37634

دروس الشيخ محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (390 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ترجيح القول بعدم جواز القراءة للحائض الراجح الصحيح هو قول الجمهور، والذي ينص على أن المرأة التي تقرأ القرآن وهي حائض آثمة عاصية لله جل وعلا، وأنها تستحق العقاب بقراءتها للقرآن وهي حائض؛ لأن الأدلة واضحة ظاهرة جداً على التحريم، ومنقاشة الأدلة التي استدل بها الجمهور على النحو التالي: فأما بالنسبة لحديث ابن عمر ﵁ وأرضاه الذي في السنن، وهو قول النبي ﷺ : (لا تقرأ الحائض ولا الجنب القرآن)، فقد رواه رواه الترمذي وابن ماجة والبيهقي والدارقطني كلهم من طريق: إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر. وإسماعيل بن عياش ثقة في الشاميين، فهو ضابط عند علماء الجرح والتعديل، لكنه ضعيف في غير الشاميين. وهذه الرواية صراحة هي عن أهل الحجاز وعن أهل العراق، فهو يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق مناكير، قال البخاري: يضعف في روايته عن غير الشاميين. وهذا الحديث أنكره أحمد، فالحديث بإسناده ضعيف؛ لأن فيه إسماعيل بن عياش أتي من قبل حفظه في غير الشاميين، لكن يمكن لنا أن نناوش في هذا الإسناد أيضاً، ونبين أن هذا الإسناد يحتمل التحسين، وأن بعض العلماء قد صحح هذا الإسناد، فيحتمل التحسين لأدلة: منها: أن إسماعيل بن عياش الذي يخشى منه الوهم والخطأ وعدم الضبط، قد جاءتنا أدلة تدل أنه قد ضبط هذه الرواية، وعلى هذا فالإسناد يرتقي إلى الحسن لغيره، قال الشيخ أحمد شاكر في شرحه على الترمذي -وبعدما ذكر أن العلماء ضعفوا هذا الحديث من قبل إسماعيل بن عياش - قال: وأكثر ما في رواية ابن عياش الخوف من الغلط فيه؛ لأنه في غير الشاميين، والمتابعة من عبد الملك بن مسلمة -وهذا وهم من الشيخ أحمد شاكر؛ لأن عبد الملك بن مسلمة ليس هو المتابع، وليس في نفس طبقة إسماعيل بن عياش وإنما هو في طبقة سابقة- قال: والمتابعة من عبد الملك بن مسلمة مع احتمال الخطأ ترفع خطأ إسماعيل بن عياش، لا سيما وأن عبد الملك بن مسلمة وثقه الدارقطني. هذا يؤخذ على الشيخ أحمد شاكر من وجهين: الأول: أنه وهم على الدارقطني، فـ الدارقطني لم يوثق هذا الرجل، لكن الشيخ أحمد شاكر يقول كلاماً نفيساً جداً، وهو: أن الخلط في هذا الإسناد من وهم إسماعيل، وإسماعيل يمكن أن يرتفع وهمه بالمتابعة التي توضح لنا أنه لم يخطئ في ضبط هذا الحديث. وهذا الكلام نفيس جداً لا سيما بأن الذي تابعه هو المغيرة، والمغيرة مصري ثقة ثبت، وقد وثقه علماء الجرح والتعديل، وهو الذي تابع. إذاً: الرواية الأولى رواية ضعيفة، لكنها تحتمل التحسين لا سيما وأن المغيرة قد تابع إسماعيل بن عياش، لكن يبقى الإسناد ضعيف. الرواية الثانية: حديث علي بن أبي طالب، وهذه الرواية بفضل الله صحيحة خلافاً لمن ضعفها، وقد صححها أكابر من أهل الحديث. فعن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قال: (لم يكن يحجب النبي ﷺ عن القرآن سوى الجنابة). رواه أحمد في مسنده، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي، والدارقطني من طريق: شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. وصحح هذا الحديث الترمذي والترمذي وإن قال بعضهم: إنه متساهل في التصحيح، لكن الترمذي من المتقدمين في عصر الرواية، وهو صاعقة في الحفظ، كان أعمى، وكان أحفظ الناس في زمانه، بل من أنجب تلاميذ البخاري، ومن أنجب علماء العلل، فـ الترمذي ليس بالهين في علم الحديث، وكذلك صحح هذا لحديث: ابن السكن وعبد الحق والبغوي، وروى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة أنه قال: هذا الحديث، أي: حديث علي بن أبي طالب ثلث رأس مالي؛ يبين صحة هذا الحديث. وقال الدارقطني: قال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن من هذا. فكل هذا يدل على صحة الحديث؛ ولذلك لم ير الحافظ ابن حجر في فتح الباري إلا أن يحسن هذا الحديث، فبين أنه حديث حسن إسناده، وقال: هو من قبيل الصحيح الذي يحتج به، وهذا إسناد حسن لم يؤخذ عليه إلا عبد الله بن سلمة، وهو صدوق قد تغير في آخره. ويعضد ذلك وهو أقوى منه: قول عمر بن الخطاب (لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن). أي: يحرم، وحتى لو قال عمر: أكره. فمعناها: التحريم، للأدلة المتعاضدة على ذلك، فهذه أدلة تثبت لنا بأن هذا الحديث سنده صحيح. ومن الأدلة: القياس الجلي، وهو أن النبي ﷺ قد منع نفسه من أمر واجب وهو الرد على السلام؛ لأنه كان متلبساً بنجاسة.

стр. 177

الرد على من قال بجواز القراءة مطلقاً وللحاجة الرد على الإمام ابن حزم سيدخل تحت الرد على الإمام مالك؛ لأن أدلة الإمام مالك أقوى من أدلة الإمام ابن حزم. وأدلتهم: الدليل الأول: الأصل عدم المنع وعدم التحريم، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦] فالأصل هو عدم المنع، لكن قد جاءنا الناقل الذي نقلنا عن الأصل إلى التحريم، فالأصل الإباحة، لكن حديث علي ﵁ المرفوع ناقل، وكلام عمر بن الخطاب ناقل؛ لأن عمر بن الخطاب وإن خالفه ابن عباس فإني أقول: لو كان عمر في كفة لرجحت كفة عمر. الدليل الثاني: عموم قول النبي ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج) وهذا عام وقوي، فالحاج يذكر الله، ويسبح، ويقرأ القرآن. وأنا أقول لهم: يكون هذا استدلالاً قوياً إذا قلتم بأن النبي ﷺ مقامه التبيين، وقد بين ﵊ المستثنى، وهو: الطواف، والرد على هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الحديث عام مخصوص بحديث علي بن أبي طالب من أن الجنابة هي التي كانت تحجزه. وأيضاً بقول عمر: لا تقرأ الحائض القرآن، وقول علي بن أبي طالب: لا تقرأ الحائض القرآن، والقياس الجلي من المخصصات المنفصلة التي تخصص العموم. إذاً: فهذا عام مخصوص. الوجه الثاني: أنهم قالوا: لو كانت قراءة القرآن محرمة لخصصها النبي كما خصص الطواف. قلنا: المخصص مخصصان: مخصص متصل، ومخصص منفصل. فالمخصص المتصل جاء في الحديث: (غير ألا تطوفي بالبيت). وأما المخصص المنفصل فقد بينه النبي ﷺ لهم في المدينة، والمقام والحال يقتضي أن يبين لها أن الطواف لا يجوز. الدليل الثالث: قول ابن عباس بأن النبي ﷺ بعث بالكتاب إلى كسرى وقيصر، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم وتلا الآية، قال: إن ملوك الأعاجم على الكفر، وهم أيضاً على الجنابة؛ لأنهم يجامعون ولا يغتسلون بنية رفع الجنابة. والرد على هذا الحديث من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: هذا الحديث لا ينفع أصلاً الاستدلال به في هذا الباب، فهو في غير محل النزاع؛ لأن مسألتنا قراءة الحائض ليست للضرورة ولكن للحاجة، والمسألة هذه على الضرورة، والضرورة هي: أن النبي ﷺ بعث إليه بالآية، وبعث إليه بهذا الكلام ليدعوه إلى الإسلام، فهذه ضرورة، ومحل النزاع ليس في ضرورة، والضرورة تبيح المحظور، فقد قال الثوري وغيره: ابعث بالمصحف للنصراني أو الكافر؛ لعله أن يعلم. الوجه الثاني: أن هذا الحديث قد تطرق إليه الاحتمال، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل سقط به الاستدلال، فرسول رسول الله لما ذهب إلى كسرى وقيصر ومعه الرسالة، ألا يحتمل أن يكون هذا الرسول هو القارئ؟ فيحتمل أن رسول رسول الله هو الذي قرأ وهو ليس على جنابة، فلا وجه لكم في الاستدلال. واحتمال آخر وهو: أن الآية التي قرأها كسرى أو قيصر قرأها مع بعض الكلمات الأخرى التي كتبها النبي ﷺ ، وهي آية واحدة، وذلك كما تقرأ المرأة الآية في كتب الفقه كاستدلال على مسألة، واحتمال أن يكون نائب كسرى أو نائب قيصر كان مسلماً ويخفي إسلامه فقرأ هذه الرسالة. إذاً: هذه احتمالات تسقط الاستدلال بهذا الحديث، وهي احتمالات قائمة. الوجه الثالث: أنه يقرأها كما تقرأ المرأة الذكر، فعندما تركب الدابة تقول: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤] فلا تقرأ على أنها تلاوة، والفقهاء قالوا: يقرؤها ملك كسرى وقيصر لا على أنها قرآناً تتلى. والأوجه من ذلك: أن المكلف هو المحاسب فقط، فالمنع يكون على الجنب المكلف، أما هذا فهو غير مكلف. الدليل الرابع: ما استدل به مالك وتكلم به شيخ الإسلام في الفتاوى، ألا وهو: بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ووجه الدلالة من ذلك أنه قال: يحرم على المرأة نسيان القرآن الذي حفظته، فلا بد من أن تحافظ على هذا القرآن، فلا بد من التلاوة؛ لأنها لو تركت التلاوة نسيت فوقعت في الحرام، فيصير ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والرد على ذلك من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن هذا أيضاً في غير محل النزاع، فحرمة نسيان القرآن المخاطب به هو الناسي عن غفلة، أما المرأة التي تركت القراءة؛ فلأن النبي حرم عليها القراءة، وعلي حرم عليها القراءة، وعمر حرم عليها القراءة، وهذا ليس من غفلتها ونسيانها وإنما هو طاعة لله، فإن كان طاعة لله فلا يدخل في ذلك؛ لأن الحديث يختص بالتي تنسى وتفلت منها لقصدها وبغفلة منها. الوجه الثاني: أنه ليس من الممكن أن تنسى إلا بترك القراءة، فهي ممنوعة من القراءة، لكن لها طرق ووسائل أخرى يمكن ألا تنسى القرآن بها، فكما أجمع العلماء ونقل الإجماع النووي -وإن كان في الإجماع نظر- بأن المرأة الحائض لها أن تقرأ القرآن في قلبها، ولها أن تمرر الآيات في خاطرها. وعلى هذا فيجوز لها أن تكتب السورة التي حفظتها في ورق؛ لأنه لم يرد النهي عن الكتابة، والأصل عدم المنع، لكن لا تقرأ، لأنه قد ورد النهي عن القراءة، ثم بعد ذلك تأخذ الورق وتحرقه وتدفنه. وكذلك المسجل، وهو من منن الله علينا، فلها أن تأخذ شريطاً للسورة التي تحفظها وتسمعها في المسجل. فنقول: الراجح الصحيح هو: عدم قراءة الحائض للقرآن.

стр. 178

الإخلاص وآثاره في تمكين الأمة الإخلاص هو لب العبادات وثمرتها، ولا يقبل الله العمل إلا به، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم هم القدوة الحسنة في كل أعمالهم وتصرفاتهم وإخلاصهم، ولقد ضربوا أروع الأمثلة في الإخلاص في شتى المجالات.

стр. 179

من فضائل صحابة رسول الله ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن الله امتن على هذه الأمة بمنن كثيرة ابتدأها بأن أرسل إليها خير رسله، وأكرم الخلق عليه سيد المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وأتم لهم النعمة بأن اختار لهم باقة هم أفضل البشر أجمعين بعد الأنبياء، فأفضل من صاحب نبياً هم صحابة رسول الله ﷺ ، فإنهم جيل ذكي نقي، إنه الرعيل من الصحابة الأخيار، وسادة الأمة الأبرار، الشموس المشرقة، والأقمار النيرة، والكواكب المتلألئة، وسحائب الخير الممطرة في سماء إسلامنا، هؤلاء الذين اصطفاهم الله جل في علاه لصحبة نبيه فأخلفوه في أمته فنصروا دينه ونشروا دعوتهم، وجابوا آفاق الدنيا بأسرها، وجابوا الأرض مشارقها ومغاربها، ففتح الله لهم قلوب العباد والبلاد. هؤلاء الذين أنزل الله عدالتهم من فوق سبع سماوات، هؤلاء الشموس التي أشرقت في سماء إسلامنا، هم الأخيار، هم الأبرار، وهم أسمى الناس أخلاقاً، وأصدق الناس إخلاصاً، وأخلصهم إيماناً، وأثبتهم يقيناً: أبو بكر كذا الفاروق منا ومنا خير من وطئ الترابا إن الله صور لنا فضل هؤلاء تصويراً بديعاً مع نبيهم ﷺ في كتابه الجليل حيث يقول: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وقال جل في علاه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقال جل في علاه في هذه الأمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].

стр. 180

صور من إخلاص الصحابة ثم إن أروع ما ترى من قصص الله جل في علاه: هي فضل هؤلاء الأخيار من المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، فقوله: (من المؤمنين) أي: من الصحابة، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣]، وهذه الآية الكريمة نزلت في فضل صاحب من أصحاب رسول الله ﷺ ، بل في فضل أصحاب رسول الله ﷺ . فـ أنس بن النضر تخلف عن غزوة بدر؛ لأنه ظن أنها عير وليست بغزوة، فلما علم أنها غزوة قال: (تخلفت عن أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده! لئن أبقاني الله لغزوة أخرى يغزوها رسول الله ليرين الله مني خيراً). إنه رجل صدق الله فصدقه الله، ولذا قال: ليرين الله مني خيراً، وقد فر في غزوة أحد كثير من أصحاب رسول الله ﷺ وقد غفر الله لهم، وعفا عنهم، فهذا سعد بن معاذ سيد الأنصار قام ينظر إلى أنس بن النضر والكل يتخلف وهو يتقدم، فيقول: (ويحك يا أنس إلى أين تذهب؟ قال: إيه يا سعد! والذي نفسي بيده إني لأشم رائحة الجنة من دون أحد)، فتقدم وقاتل ببسالة وشجاعة، فهو من تربية رسول الله ﷺ ، وتأديب رسول الله ﷺ لمثل هذا الرجل جعله يتقدم بشجاعة وبسالة، فقاتل حتى قتل فلم يعرف إلا ببنانه كما قال الله عنه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]. وانظروا إلى رجل يأتي إلى رسول الله ﷺ بعد أن علم عن الإسلام خيراً، فيبايع رسول الله ﷺ على الإسلام فيستعد للنفير، ثم يسمع المنادي فيجاهد في سبيل الله، فيقسم له الرسول ﷺ بعد الانتصار في الغزوة قسم الغنائم، فقال: ما على هذا عاهدتك، وما على هذا بايعتك، فهم كما قال الله عنهم: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، قال: بايعتك على أن أغزو في سبيل الله، فأضرب هاهنا، أي: في عنقي، فقال له النبي ﷺ : (اصدق الله يصدقك). وانظروا إلى هذا الصادق الذي صدق مع ربه فصدقه الله جل في علاه، قام في الغزوة ثم بعد أن انتهت أتوا به إلى رسول الله، وقد قتل في المكان الذي أشار إليه، قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، فهؤلاء الذين أنزل الله فيهم هذا الفضل، وهذا الخير العميم، أنزل الله عدالتهم من فوق سبع سماوات. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (أصحابي أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فلو أنكم أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، ويقول النبي ﷺ وكأنه يبين أن الله قد ربط الأمان لهذه الأمة بوجود هؤلاء الصحابة الأخيار، حيث يقول كما في الصحيح: (النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى الأمة ما توعد). فقد ربط الله الإيمان والأمان بوجود هؤلاء الأخيار، وربط الله النصر بوجود هؤلاء الأخيار، ومن جاء على دربهم وسار مثل سيرهم. وأيضاً: في البخاري ومسلم وأحمد قال النبي ﷺ : (يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: أفيكم من أصحاب رسول الله؟! فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: أفيكم من صاحب صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ويغزون فئام من الناس، فيقال لهم: أفيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم)، وهذا مصداق لقول النبي ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فهؤلاء هم القدوة، وهؤلاء هم الأسوة، وهؤلاء هم الأخيار، ولو سرنا على سيرهم، وتمثلنا بما فعلوا لمكّن الله لنا كما مكن لهم، وانظروا إلى المشاهد الربانية والقواعد الإيمانية، كيف تمثلت أروع ما تتمثل في أفعالهم، فإنهم كانوا أصدق الناس إخلاصاً. والإخلاص ركن ركين لقبول العمل عند الله جل في علاه، ومن عمل عملاً يرائي فيه غير الله فإن الله قد أحبط عمله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].

стр. 181

الترغيب في الإخلاص والترهيب من ضده والإخلاص هو: تجريد العمل ابتغاء وجه الله، أو هو: دوام النظر للخالق دون النظر إلى المخلوق، وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، وقد حذر الله رسوله والصحابة الأخيار من الشرك أيما تحذير، فقال لرسوله وهو أخلص الأمة، بل هو أخلص البشر على الإطلاق: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه). والإخلاص عمل عزيز قد خير الله صحابة رسوله بهذا المشهد الرباني الإيماني، وأقر الله جل في علاه وأودع في قلوب الصحابة الكرام الإخلاص في القول والعمل ظاهراً وباطناً، وقد ضرب صحابة رسول الله ﷺ أروع الأمثلة بالإخلاص لله، وكأنهم يقولون: مكن الله لنا، وجعل لنا القيادة والريادة والسيادة بالإخلاص لوجهه الكريم.

стр. 182

صور من إخلاص أبي بكر ﵁ فهذا الصديق ﵁ ينشر الله فضله وإخلاصه بين الناس من فوق سبع سماوات بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٧ - ٢٠]. فهنيئاً لك يا أبا بكر! أن الله ينشر فضلك وإخلاصك الباطني من فوق سبع سماوات بقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣]، قال علي بن أبي طالب: الذي جاء بالصدق: هو رسول الله، والذي أخلص في تصديقه هو أبو بكر ﵁ وأرضاه. وانظروا إلى أروع الأمثلة التي ضربها لنا أبو بكر في إخلاصه لله تعالى، فلما مات رسول الله -بأبي هو وأمي- أرعب القوم، بل فُشِّلوا جميعاً، ثم جاء عمر بن الخطاب فأشهر سيفه وهو يقول: لو قال قائل: إن محمداً قد مات لأعلونه بالسيف، وهو يتململ تململ السليم، وهو يقول: ما مات محمد أبداً، بل ذهب إلى ربه وسيرجع ليقطع أرجل وأيدي المنافقين، فجاء أبو بكر ليعلو بكلمته ويظهر إخلاصه لله، فمنهجه: لا نرتبط بأحد أبداً حتى ولو كان رسول الله ﷺ ، لا نرتبط بأحد أبداً إلا بالله جل في علاه، فقلوبنا متوجهة توجهاً واحداً إلى الله، فالممدوح بحق من مدحه الله، والمذموم بحق من ذمه الله، والثواب عند الله، والعقاب عند الله. ويدخل أبو بكر على رسول الله وهو مسجى ثم يقبل بين عينيه ويقول: طبت حياً وميتاً بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ثم يخرج على عمر فيقول: اسكت، ولا يسكت عمر، فقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حيٌّ لا يموت. وهذا أروع ما يكون من الإخلاص فإنه يتمثل في فعل أبي بكر.

стр. 183

صور من إخلاص عمر ﵁ وقد أظهره الخليفة الثاني أمير المؤمنين معلناً إخلاصه لله جل في علاه، لا ينظر إلى أحد أبداً، فهذا عمر بن الخطاب يقف في سقيفة بني ساعدة أمام المهاجرين والأنصار فيستمع إلى الأنصار وهم يقولون: منا أمير ومنكم أمير، فيأتي عمر ويقول: قد حبرت قولاً أقوله بين يدي أبي بكر، فجاء أبو بكر فسكت عمر، ثم تكلم هو بكل ما أراد عمر فقال: منا الأمير، ومنكم الوزير، وأختار لكم أحد الرجلين، يعني: أبا عبيدة بن الجراح، وعمر بن الخطاب فأخلص عمر على ذاته ونفسه فما أراد أن يترأس ولا أراد أن يتقدم القوم، فإن الذي اختاره هو أفضل الخلق بعد النبي ﷺ ، فقال: أختار لكم أحد الرجلين: أبا عبيدة بن الجراح أو عمر بن الخطاب، فيقول أبو عبيدة: ابسط يدك يا عمر! فاختار عمر وفي القوم أبو بكر، فيظهر عمر إخلاصه الصريح في قلبه لله، فيقول: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة! أتقدم على قوم فيهم أبو بكر، أتقدم على أبي بكر؟ والله! لئن أتقدم فيضرب عنقي ولا أتقدم على أبي بكر!! فتحدث بإخلاصه، وعلم الله سريرته النقية، فأظهرها فنضحت على لسانه ووجهه، فقال: يا معشر المهاجرين! ويا معشر الأنصار! أما علمتم أن رسول الله ارتضى أبا بكر لدينكم، أما ترتضون أن يكون أبو بكر لدنياكم؟ قالوا: رضينا رضينا، ثم قام فقال: يا أبا بكر! ابسط يدك، فبايع أبا بكر وتتابع الناس على بيعة أبي بكر، فانظروا إلى الإخلاص؛ فقد كاد عمر يتقدم سيد الناس أجمعين بعد رسول الله، لكن الإخلاص حجمه وأحجمه وقال: لا، والله لا أتقدم على أبي بكر، وهذا إخلاص عاشوه واقعاً، ولو أردنا ما أرادوه فلا بد أن نفعل ما فعلوه، ولابد أن نسير على دربهم ونفعل مثل فعالهم.

стр. 184

صور من إخلاص علي بن أبي طالب ﵁ وهذا علي بن أبي طالب الذي باع نفسه صدقاً وإخلاصاً لله جل في علاه، فلما كان طفلاً صغيراً نام على سرير رسول الله، وما حمله على هذا سيادة أو وجاهة أو رياء أو سمعة أو مادة مال أو نساء أو أطفال، فهو طفل صغير ويعلم أن الموت حتماً سيأتيه، فينام على فراش رسول الله ﷺ إخلاصاً لله جل في علاه، وإخلاصاً لرسوله ﷺ ؛ ولذلك كافأه الله جل في علاه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فنمى الله الإخلاص في قلبه فنصر الله به الدين، فكان أسداً من أسد الله وأسد رسول الله ﷺ ، ولما رمت العرب رسول الله عن قوس واحدة وتخندق رسول الله ﷺ جاء عمرو بن ود وكان صنديداً من صناديد قريش وفوارسهم فقال: يا أيها المسلمون! أما زعمتم أن لكم جنة؟ أما تريدون لقاء ربكم؟ أما يشتاق أحدكم إلى الجنة؟ هل من مبارز؟ فأرعب القوم وما قام أحد إلا علي يعلنها صراحة إخلاصاً لله: لو ضربت السالفة فهي في الله، ولو قتلته فهو في الله، ثم قام علي فقيل له: امكث يا علي! فإنه عمرو بن ود، فقال: وأنا علي بن أبي طالب، ثم نزل المعركة والمبارزة بينه وبين عمرو بن ود، وكان هذا من الإخلاص، لا من الشجاعة ولا البسالة، بل هي لوجه الله، فقال: إني أدعوك إلى ثلاث خصال، قال: هاتها، قال: أن تدخل الإسلام ويكون لك ما لنا وعليك ما علينا، قال: ائتني بغيرها لا حاجة لي بهذه، قال: أن ترجع سالماً، قال: ولا حاجة لي بهذه، قال: إذاً: فإني أشتهي قتلك في سبيل الله؟ فعقر ناقته وأقبل على علي فضربه علي وأصبح كأمس الذاهب، ثم أنشد يقول: عبد الحجارة من سفاهة رأيه وعبدت رب محمد بصواب لا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزاب إن الإخلاص الذي بثه الله في قلوب الصحابة هو الذي مكن لهم، وهو الذي أعلى شأنهم، وهو الذي أعلى ذكرهم، اللهم ألهمنا الإخلاص يا رب العالمين. اللهم اجعلنا من المخلصين لك، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 185

أهمية معرفة فضل صحابة رسول الله ﷺ الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، الذي أجرى السحاب في السماء، فأنزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها. ثم أما بعد: يقول ابن مسعود: (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد أصفاها وأنقاها وخيرها قلب رسول الله ﷺ فاصطفاه الله لرسالته، ونظر بعد ذلك في قلوب العباد فوجد أصفاها وأنقاها وخيرها وأفضلها قلوب أصحابه رضوان الله عليهم فاختارهم وزراء لنبيه)؛ نصرة لدينه ونشراً لدعوته، وهؤلاء هم الأفاضل الأكارم الأماجد، وهم القدوة، وهم السلف، وهم الأسوة. وابن المبارك كان يقول: إن من السنة تعليم حب أبي بكر وعمر، وسئل ابن المبارك أيضاً: من الجماعة؟ فقال: أبو بكر وعمر. وعن مالك إمام دار الهجرة أنه قال: كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر. وورد عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: (حب صحابة رسول الله من السنة). وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)، وما زلنا مع المشاهد الإيمانية والقواعد الربانية ومع هؤلاء القادة السادة، وهؤلاء الأخيار الأماجد الأكارم، مع هؤلاء الأبرار، فهناك مشاهد ربانية إيمانية أودعها الله في قلوب هؤلاء الأخيار، فالإخلاص سر بين الرب وبين العبد لا يعلمه إلا الله جل في علاه، والله يغار، وغيرة الله أن يجعل العبد الشيء في غير موضعه، فمن حكمة الله: أن أودع في قلوب الأخيار الإخلاص له.

стр. 186

صور من إخلاص خالد بن الوليد ﵁ وهذا خالد بن الوليد وما أدارك ما خالد؟ قال له ملك الأعاجم: من أنت؟ أأنزل الله لك سيفاً من السماء تقاتل به فلا تهزم أبداً؟ هو خالد الذي أخبت لربه وأظهر الله إخلاصه وسريرته النقية، فقد جعل الله النصر للمسلمين والعز لأهل الإسلام كلهم، وذلك بيد هذا الرجل سيف الله المسلول خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، وهناك أروع الأمثال التي ضربها لنا إخلاصاً لله، فـ خالد بن الوليد كان أمير الجيوش في معركة زلزلت الروم: معركة اليرموك، فقد كان هو أمير الجيوش بأسرها، وكان عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يكلم أبا بكر كثيراً أن يعزل خالداً بن الوليد، فلما مات أبو بكر وهم في معمعة المعركة بعث عمر بن الخطاب لـ خالد بن الوليد، فلما تلقى خالد الكتاب نزل على رأي عمر، حتى إنه قال: إنه يرى ما يرى، فهو يرى الأصلح، ثم بعد ذلك خلع إشارة الإمارة وأصبح جندياً في سبيل الله يعمل بحديث النبي ﷺ : (رُب فارس آخذ بعنان فرسه، إن كان في المقدمة كان في المقدمة، وإن كان في المؤخرة كان في المؤخرة، وإن كان في الساقة كان في الساقة)، أي: إن كان أميراً كان أميراً لله، وإن كان جندياً كان جندياً لله، ما دام العمل لله جل في علاه. وانظروا للمكافئة من الرب الجليل، فـ خالد بن الوليد بعد أن أصبح جندياً تحت إمرة أبي عبيدة بن الجراح في غزوة قنسرين أبلى بلاءً حسناً، فأمره أبو عبيدة عليها، فبعث لـ عمر وقال: أمرت خالداً، فبكى عمر وقال: والله! إن خالداً يؤمر نفسه، رحم الله أبا بكر كان أعرف بالرجال مني.

стр. 187

صور من إخلاص أبي عبيدة ﵁ وأروع من ذلك إخلاصاً أبو عبيدة؛ لأنه لما جاء الكتاب كانوا في معمعة المعركة والراية قد رفعت والأمير هو خالد، وجاء الكتاب إلى أبي عبيدة بن الجراح يقول: أنت الأمير، وخالد ينزل من الإمارة، فأخفى الكتاب حتى كتب الله النصر لهذه الأمة؛ ولقوة الإخلاص لم يقل: أنا الأمير، ولا بد أن أزيحه من مكانه، وأكون أنا المترئس، أكون أنا الأمير، فالعمل كان لله، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، فهؤلاء هم القدوة، وهؤلاء هم الأسوة، فتأسوا بهؤلاء ترتفعوا كما ارتفعوا.

стр. 188

صور من إخلاص طلحة بن عبيد الله ﵁ وانظروا إلى طلحة الذي فدى رسول الله ﷺ بنفسه إخلاصاً للرب الجليل، ففي غزوة أحد لما انفض الناس عن رسول الله ﷺ قام عشرة من الأنصار ومعهم طلحة الخير ينافحون عن رسول الله ﷺ ، فجاء القوم فقال رسول الله: (من يرد القوم وهو معي في الجنة! فقام طلحة فقال: امكث، فقام أنصاري فقاتل حتى قتل، ثم قام الثاني فقاتل حتى قتل، ثم الثالث ثم الرابع إلى العاشر، فقال النبي ﷺ : ما أنْصَفَنا إخواننا)، وفي رواية: (ما أنصفنا إخواننا) أي: أقحمناهم فما استطاعوا أن يردوا عنا القوم، فقام طلحة فقاتل بقتال العشرة ورد الناس عن رسول الله ﷺ ، وهنا الإخلاص يتجلى لنا في أروع صورة في طلحة، فقد قام رسول الله ﷺ يستشرف القوم برأسه فقال: لا يا رسول الله! نحري دون نحرك يا رسول الله! لا يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ثم دق سيفه فأخذ ينافح عن رسول الله بأصابعه حتى قطعت، فألقي على الأرض، فجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله: (دونكم صاحبكم فقد أوجب)، يعني: فقد أوجب الجنة بإخلاصه في عمله لله، وإخلاصه لرسول الله ﷺ ، وهذا ما يفعله الإخلاص بأصحاب رسول الله، وهذه هي ثمرة الإخلاص، ولقد مكن الله للقوم بإخلاصهم له جل في علاه.

стр. 189

صور من إخلاص سعد بن معاذ والمقداد ﵄ وهذا الإخلاص هو الذي جر سعد بن معاذ عندما كان يستنفرهم رسول الله، ويقول: (أشيروا علي أيها القوم! فقال سعد: كأنك تلمح بنا، قال: نعم، فقال: يا رسول الله! خذ منا ما شئت فما أخذت أحب مما تركت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، فلو خضت بنا طريق البحر لخضناه معك). وقام المقداد إخلاصاً لربه جل في علاه، فقال: (يا رسول الله! والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون). فهؤلاء هم الأخيار، وهم الأبرار، ومن أراد أن يتأسى فليتأسى بمن مات، ومن أراد القدوة والأسوة، فهؤلاء هم القدوة، ومن أراد العزة والتمكين، وأراد الرفعة، ومن أراد الدنيا والآخرة فهي عند رسول الله، وعند أصحاب رسول الله، فافعل مثل ما فعلوا، وسر على دربهم تصل، وإذا صنعت ما صنعوا، وأخلصت كما أخلصوا كافأك الله كما كافأهم. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وسنة نبيك ﷺ . اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.

стр. 190

الطريق إلى الجنات لقد جعل الله لعباده مواسم للخيرات، يتعرضون فيها لزيادة الدرجات، والفوز بالرضوان، والنجاة من النيران، ومن هذه المواسم شهر رمضان المبارك الذي تتضاعف فيه الحسنات، وتفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد فيه مردة الجان، فحري بكل عاقل أن يغتنمه ويستغله في طاعة ربه ومولاه.

стр. 191

من فضائل شهر رمضان المبارك إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: أبشروا يا أهل الإسلام! بشهر رمضان الكريم الفضيل الذي تتنزل فيه الرحمات، وتكثر فيه البركات، وتغفر فيه السيئات، وتكفر فيه الزلات، ويكون فيه العتق من النيران، والفوز بالجنان، ورضا الرحمن، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين). وفي مسند أحمد والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كانت أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي المنادي كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة).

стр. 192

صفة الجنة تأمل يا أخي الكريم وقف وفكر، فإن الجنة قد تزينت لك، وفتحت أبوابها الثمانية لاستقبالك أنت، فإن الجنة التي خلقها الله بيده، وجعلها مقراً لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، نعيمها هو الفوز العظيم، وملكها هو الملك الكبير، وأرضها وتربتها المسك والزعفران، وسقفها عرش الرحمن، وهي محفوفة بالغلمان والولدان، ومزينة بالحور العين من الخيرات الحسان، كما قال : ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٧٣ - ٧٤]، وقال سبحانه: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٧ - ١٨] ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات:٤٦]، وقال عن أنهار الجنة: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥]، فالجنة تنادي عليك في هذا الشهر الكريم، وقد تزينت لك، وأكلها دائم وظلها، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).

стр. 193

الحث على اغتنام شهر رمضان وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، ففي هذا الشهر الفضيل الكريم تكون الجنة أقرب إليك من شراك نعلك، فاغتنم هذه الفرصة، وسارع إليها وانتهزها، ولا تنم عنها ولا تغفل، فتخسر وتندم حين لا ينفع الندم؛ فإن هذا الشهر هو شهر السرعة إلى الله جل وعلا، وهو شهر الفوز بالجنان، والنظر إلى وجه الكريم المنان، وقد ورد في بعض الآثار: (ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها). فشمر أخي الكريم عن ساعد الجد والاجتهاد، وأتبع الحسنة بالحسنات، والطاعة بالطاعات، وأكثر من الخير والصدقات، فإنها الجنة تشرئب إليها الأعناق: فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم وحي على السوق الذي فيه يلتقي المحبون ذاك السوق للقوم يعلم فما شئت خذ منه بلا ثمن له فقد أسلف التجار فيه وأسلموا وحي على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش فاليوم موسم فيا باغي الجنات! هذا هو شهر الإقبال، ويا باغي الفردوس! أسرع، فإن سقفها عرش الرحمن، وهرول بالطاعات لعلك ترافق النبي العدنان، وفيها النظر إلى وجه الكريم المنان، وإن أردت أن تكون من أصحاب الجنة فاعلم أن الله وصف أصحاب الجنة بصفات، فتأمل وتفكر وتدبر في نفسك واعرض نفسك على هذه الصفات، فإن تحليت بها فأنت أنت، وإن لم تتحل بها فسارع إلى الرجوع إلى الله، وإلى التوبة والحوبة، وتحل بهذه الصفات حتى تبشر بالجنة وأنت تمشي على الأرض.

стр. 194

صفات أهل الجنة اعلم أخي المسلم! أن لأهل الجنات صفات لا بد أن تتصف بها، فهلم حتى نتعرف على الصفات التي إذا اتصف بها صاحبها كان من أهل الجنات، وإلا فعليك أن تسعى سعياً حثيثاً لتتصف بها فتكون من أهلها. فصفات أهل الجنة أربع، وهي تكمن في آيات بينات تتلى على مسامعنا ليل نهار، فقد كان النبي ﷺ يُذكر بها في خطبه، وقد حفظتها المرأة من خطبة النبي ﷺ ، قال جل وعلا كاشفاً لنا كشفاً جلياً عن صفات أهل الجنان: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٣]. هذه هي الصفات التي وصف الله بها أهل الجنان الذين يرافقون النبي ﷺ فيها. وكأن الله جل في علاه أجمل ثم فصل لتتشوق القلوب، وتشرئب الأعناق إلى هذه الصفات، فقد أجمل هذه الصفات في كلمة واحدة، قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [ق:٣١]، فأجمل ثم فصل أعلى سمات وصفات هؤلاء المتقين. فلننزع الستار عن هؤلاء المتقين، ثم لنعرض أنفسنا على صفاتهم، فإن كنا على صفاتهم فنحن الذين وصفنا الله جل وعلا، ويسر لنا طريق الهدى، وإلا فعلينا بالرجوع، فقد آن الأوان إلى الرجوع، حتى لا نندم في وقت لا ينفع فيه الندم. فهؤلاء المتقون الذين يعملون بطاعة الله جل وعلا على نور من الله، فهم يتعبدون بعلم دون جهل، ويسارعون بعد تعلم العلم بالتعبد لله جل وعلا على علم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: على علم، فهم يعملون بطاعة الله، على نور من الله، يرجون ثواب الله، ويكفون عما حرم الله، على نور من الله، يخافون عقاب الله، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا جميعاً من هؤلاء المتقين، الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية من الطاعات والقربات والحسنات. والتقوى منزلة يتوصل إليها العبد بالمحافظة على وظائف العبودية والمواظبة عليها، كما في الصحيحين عن عائشة عن النبي ﷺ قال: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل). أخي الكريم! هذه هي صفات المتقين، فإن أكرمك الله جل وعلا بالذكر والاستغفار وتلاوة القرآن في هذا الشهر الكريم فحافظ على هذه التلاوة، فإن كنت تقرأ جزءاً فاقرأ ربعاً، وإن كنت تقرأ ربعاً فاقرأ آية، ولكن داوم على هذه الطاعة، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وهذه هي صفات المتقين، فهم يواظبون على طاعة الله جل وعلا، ويسارعون إلى مغفرة الله جل وعلا، ولا يتقاعسون عن عبادة الله جل وعلا، قال الله جل في علاه مبيناً لنا مواظبة هؤلاء المتقين على العبادات، وكيف أنهم بالمواظبة نالوا درجة التقوى، قال جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] أي: على الديمومة، وقال جل في علاه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، أي: بالمواظبة على هذه العبادات يرتقي المرء إلى درجة التقوى، وقال جل وعلا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]، فسارعوا في الخيرات، وواظبوا على الطاعات، كي تنالوا درجة المتقين.

стр. 195

التقوى ميزان تفاضل الخلق عند الله جل وعلا اعلم أخي الكريم! أن التقوى هي ميزان تفاضل الخلق عند الله جل وعلا، فليس ثمة نسب بين الله وبين عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فبقدر ما يحافظ العبد على طاعة الله جل وعلا، وعلى وظائف العبودية تكون منزلته عند الله جل وعلا، فهذا هو الإجمال لمواصفات أهل الجنان.

стр. 196

الأوبة والرجوع إلى الله من صفات أهل الجنة أما التفصيل الذي تشوقت له القلوب، واشرأبت لها الأعناق لكي تصل إلى الجنان، وترافق النبي العدنان، وتنظر إلى وجه الكريم المنان، فأول هذه الصفات ذكرها الله جل وعلا بقوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣٢]، فالأوبة صفة للمتقي، والأواب كثير الرجوع إلى ربه جل وعلا، ويقبل عليه ولا يدبر، فكلما اقترف إثماً من الآثام أو اجترأ على محارم الله جل وعلا سارع إلى الأوبة والتوبة، وسارع إلى الرجوع إلى ربه جل وعلا، ويتذكر عند رجوعه قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]، فأحدهم يتذكره خالياً فيتذكر ذنوبه، فتفيض عيناه بكاءً وخشية من الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] فهو يئوب إلى ربه، ويهرب من عدوه، ويعلم أن نجاته برجوعه إلى مليكه ومولاه، فالرجوع الأول هو رجوع من السيئات إلى الحسنات، ومن المعصية إلى التوبة، وأما الرجوع الثاني فهو من الغفلة عن الذكر إلى كثرة الذكر، كما كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: (غفرانك). وكان يبين أنه يغان على قلبه؛ لأنه لم يذكر الله، مع أن رسول الله ﷺ كان لا يكف قلبه عن ذكر الله جل وعلا، بل كان تنام عيناه ولا ينام قلبه، ومع هذا فهو الذي يقول: (غفرانك). فلابد لنا إذا غفلنا عن ذكر الله جل وعلا أن نرجع إلى كثرة الذكر والقرآن وتلاوة كلام الله جل وعلا، فإن الأواب إذا غفل يرجع إلى ذكر الله جل وعلا، وإن تقاعس عن طاعته فسرعان ما يرجع ويسرع إلى ربه. لسان حاله يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] فيا فوز من كانت هذه صفته. وفي المسند عن النبي ﷺ أنه قال مبيناً لنا هذا الرجاع الأواب: (أذنب رجل ذنباً فقال: رب أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله جل وعلا: عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر، اشهدوا أني قد غفرت له، ثم رجع إلى المعصية)، فكل إنسان خطاء، قال ﵊: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فرجع إلى نفس الذنب مرة ثانية، ولكنه يعلم أنه إذا رجع سيجد رباً رحيماً رءوفاً غفوراً، فقال: رب قد أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله جل وعلا: عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر، قد غفرت له، ثم رجع). وهذه طبيعة وجبلة، فرجع للذنب، ثم رجع إلى التوبة، فهو يعلم أنه إذا رجع استقبله الله، بل هرول إليه، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: (إذا تقرب إلي عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)، فإن الله يفرح بتوبة عبده. (فرجع فقال: رب قد أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله: عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر، افعل ما شئت، ثم ارجع وتب فقد غفرت لك)، أي: افعل ما شئت، ثم استغفر، فستجدني غفوراً رحيماً. وكذلك يرجع من الوحشة، فالإنسان إذا أظلم قلبه بالسيئات وبالمعاصي وبالتجرؤ على محارم الله جل وعلا فإنه يشعر بالوحشة، وضيق الصدر، فيرجع من هذه الوحشة إلى الأنس بالله جل وعلا، وإلى الأنس بكلام الله، وإلى الأنس بسنة النبي ﷺ ، وهذا عرفه الأولون فقد كان عثمان بن عفان ﵁ يقول: لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام الله، فالأنس والمودة بالله يشعر بهما الإنسان المؤمن التقي الرجاع لربه، وكان ابن مسعود ﵁ يقول: إذا أردت أن تختبر حبك لله فاعرض نفسك على كلام الرحمن جل وعلا. والأواب الرجاع يزداد محبة فوق محبة، وخضوعاً فوق خضوع، وإقبالاً على الله جل وعلا، وتراه قانتاً لله حنيفاً، شاكراً لأنعمه، ولسان حاله يقول: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] فأسأل ربي جل في علاه أن يجعلنا جميعاً ممن يتصفون بهذه الصفة، ويا خسارة وبوار من لم يتصف بهذه الصفة! ويا خسارة وبوار الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون، ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الأوابين التوابين الراجعين إليه جل في علاه.

стр. 197

حفظ الأوامر والنواهي الشرعية من صفات أهل الجنة الصفة الثانية من صفات أهل الجنان بينها الله جل وعلا بقوله: (حفيظ) أي: غير مضيع، فهو يحفظ الله جل وعلا، ويحفظ رسوله، ويحفظ فرائضه، ويحفظ سنته، ويحفظ الحقوق التي عليه والتي له، قال ابن عباس ﵂: حفيظ على فرائض الله جل وعلا فلا يضيعها، فهو يؤدي الصلاة في وقتها؛ عملاً بقول النبي ﷺ : (الصلاة خير موضوع). في الصحيحين أن النبي ﷺ (سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال الصلاة على وقتها). فبادر أخي! وكن حفيظاً على فرائض الله جل وعلا، وأتبع ذلك بصيام شهر رمضان عملاً بقوله ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وأيضًا إذا بلغ مالك النصاب وحال عليه الحول فسارع إلى تزكيته؛ لأن من صفات من يكون من أهل الجنة: أنه حفيظ، فيحفظ فرائض الله جل وعلا، فيخرج الزكاة من ماله الذي بلغ النصاب وحال عليه الحول، ويكون مقبلاً بذلك على ربه متهللاً مستبشراً بثواب الله جل وعلا. وإذا جاء موسم الحج حج بيت الله الحرام إن كان مستطيعاً؛ عملاً بقول النبي ﷺ : (من حج ولم يفسق ولم يرفث رجع كيوم ولدته أمه). وفي الصحيحين بين لنا النبي ﷺ أن هذا الحفيظ إذا حافظ على الفرائض ولم يتبعها بالنوافل فهو من أهل الإيمان، وهذه الصفة هي صفة أهل الجنان، فقد جاء أعرابي إلى النبي ﷺ وقال: (يا محمد! أخبرني عن شرائع الإسلام؟ فأخبره النبي ﷺ عن الصلوات الخمس، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، ثم ذكر له الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، ثم ذكر له صوم رمضان، ثم ذكر له الحج، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: والله! لا أزيد على هذا ولا أنقص -يعني: سأكون محافظاً على هذه الفرائض فقط- فقال النبي ﷺ : أفلح إن صدق). وفي رواية أخرى في الصحيحين: (دخل الجنة إن صدق). إذاً: فصفات أهل الجنان: المحافظة على الفرائض، فكيف بمن حافظ على الفرائض واتبع الفرائض بالنوافل؟ فلا شك أنه بلغ درجة المحبوبية عند ربه جل وعلا. وهو أيضاً حفيظ على جوارحه، فهو يعلم أن جسده عارية عنده لا يملك منه شيئاً، فهو حفيظ على جوارحه، فلا يهجم بها على الحرام، فإنه يحفظ البطن وما حوى، فلا يأكل حراماً، ولا يتجرأ على الربا فيأكله مستحلاً له، ولا يأكل أموال اليتامى ظلماً، ولا يتجرأ على أموال الناس غصباً وعدواناً، ولا يأكل السحت وكأنه لا يخشى مولاه، ولا يشرب حراماً؛ بل إنه قد حافظ على جوارحه من الحرام، وعلم أنه لو أكل حراماً ثم رفع يديه ولو في رمضان ولو في السحر ولو بعد القيام الطويل وبعد الصيام الطويل فإنه يرد خائباً، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. ويحفظ جوارحه فلا يشرب الحرام، فلا يتجرأ على شرب الخمر؛ لأنه يعلم أن فاعل ذلك ملعون، فقد لعن في الخمر عشرة، ولا ينجس جسده بالمخدرات وغيرها من المهلكات، بل هو حفيظ على جوارحه. وهو أيضاً حفيظ على رأسه وما وعى، فيحفظ بصره من النظر المحرم، فلا يشاهد المسلسلات الخليعة، ولا النساء المتبرجات العاريات، وإنما يحفظ بصره من النظر المحرم، ويحفظ أذنه من السماع للمحرم: من الأغاني، ومن الفحش، ومن الغيبة، ومن النميمة. ويحفظ فرجه من الزنا، بل إنه يخشى على عينيه من الزنا، ويخشى على أذنه من الزنا، ويخشى على يده من الزنا، وعلى فرجه من الزنا؛ عملاً بقول النبي ﷺ : (العين تزني وزناها النظر، والفم يزني وزناه القبل، واليد تزني وزناها البطش، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) أو كما قال النبي ﷺ ، والحديث في الصحيحين.

стр. 198

خشية الرحمن بالغيب من صفات أهل الجنة أما الصفة الثالثة من صفات من يكون من أهل الجنة: أنه يخشى ربه بالغيب، كما قال : ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق:٣٣]، ولسان حاله يقول: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب وهذه هي: عبادة الإحسان، فإنه يعبد ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ عندما سأله جبريل: (ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فقلبه حاضر كأنه يرى عرش الرحمن، فهو يشهد العرش والملائكة تطوف حول العرش، والله فوق العرش يدبر أمر خلقه؛ فكل يوم هو في شأن، فيرفع أقواماً ويخفض آخرين، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، يعلم وهو فوق عرشه ما عليه الخلق. فيعلم هذا الحفيظ الذي خشي الرحمن بالغيب قدرة الله جل وعلا، وسمع الله، وبصر الله، وأن الله جل وعلا أحاط بكل شيء علماً وسمعاً وبصراً وقدرة، فإذا تجرأ على المحارم، فنظر إلى محرم قال: بصر الله أسرع، وإذا قدح في أخ له في غيبته، قال: الله أسمع، وإذا هم بالمعصية، قال: الله أعلم بدقائق القلوب وأسرارها. فهو يعلم أن الله جل وعلا قد أحاط بكل شيء علماً وسمعاً وبصراً وقدرة، فلا تواري عنه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره. ولذا فهو يعبد الله بالخشية وبالإحسان، فهو يعبد الله كأنه يراه، فيعلم أنه إذا لم يكن هو يرى الله جل وعلا فإن الله يراه، فلا تخفى عليه خافية، فلذلك يصلح سريرته، وينقي قلبه، فلا دغل ولا حسد ولا حقد ولا ضغينة، فهو يصلح سريرته كما يصلح علانيته، فباطنه كظاهره، وإذا خلى يوماً من الدهر فلا يقول: قد خلوت، ولكن يقول: علي رقيب. وقد كان بعض العلماء يقرب إليه طالباً من دون كل الطلبة فعابوا عليه ذلك، فقالوا له: أنت تصطفي هذا الطالب من هؤلاء الطلبة، وهم يسارعون في الخيرات؟ قال: أنبئكم بما عليه هذا الطالب من خشية الرحمن بالغيب، ومن عبادة الله بالإحسان، ثم قال له: إني سوف أختبر هؤلاء الطلبة، فأتى بطير، وأعطي كل واحد طيراً وقال له: اذبحه في مكان لا يراك فيه أحد، فذهب كل طالب من هؤلاء الطلبة يذبح طيره، هذا في خربه، وهذا في بيته، وهذا في جنح الليل، ثم جاء كل واحد بطيره مذبوحاً، وجاء هذا الطالب بطيره لم يذبحه، فقال العالم: لِمَ لَمْ تذبح طيرك؟ فكل واحد قد ذبح طيره، فقال الطالب: أنى لي بمكان لا يراني الله فيه؟ فقال العالم: من أجل ذلك قربته؛ فقد خشي الرحمن بالغيب. وعبادة الخشية بالغيب لا تكون إلا لمن تعمق في العلم بالله، وفي العلم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وقدرته وربوبيته وإلهيته ، وأنار الله بصيرته بالعقيدة والفهم السديد، وأما صاحب الهمة الدون الذي لا يسارع في تعلم فرائض الله جل وعلا، ولا في العلم بالله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى فأنى له أن يكون من رءوس الناس؟! وكيف يخشى الله أو يبلغ درجة الخشية؟! لقد بين الله أن الخشية لا ينالها إلا من سارع في تعلم أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أي: العلماء الذين علموا بالله وبقدرته وبربوبيته وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والعجب كل العجب! من أهل العلم الذين لا يخشون الله سراً ولا علانية، ومن الجاهلين من أهل العلم الذين هم في عداوة وحسد فيما بينهم، وقد قال أحمد بن حنبل عندما شكي إليه وقيل له: إن يحيى بن معين يقول في الشافعي كذا وكذا، فقال: يحيى لا يعرف ما يقوله الشافعي، ومن جهل شيئاً عاداه. فعليك أخي المسلم أن تسارع إلى العلم بأسماء الله جل وعلا، وأن تسارع إلى حلق العلم وحلق الذكر، فهي من رياض الجنة، فارتعوا في رياض الجنة حتى تصلوا إلى خشية الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فمن رام مرافقة الأنبياء فعليه بخشية الله، ومن رام خشية الله فعليه بالعلم. ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حياً به أبداً فالناس موتى وأهل العلم أحياء أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه؛ فإنه هو الغفور الرحيم.

стр. 199

القلب المنيب من صفات أهل الجنة الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، الحمد الذي لا تواري عنه سماء سماء، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين: أما بعد: فيا أمة محمد! أنتم الذين بشركم الله بالجنان، وبشركم بمرافقة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وأنتم في هذا الشهر الكريم الفضيل الذي أغلق الله فيه أبواب النار، وفتح فيه أبواب الجنة، فسارعوا إلى ربكم واتصفوا بهذا الصفات حتى تكونوا من أهل الإيمان. الصفة الرابعة من صفات من يكون من أهل الجنة أنه صاحب قلب منيب، قال : ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٣]. وصاحب القلب المنيب الرحيم هو الذي يبكي إذا سمع كلام الله جل وعلا، وهو الذي يتذكر إذا ذكر، قال النبي ﷺ : (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم كأفئدة الطير) أي: من التوكل، أو من الرقة والرحمة، والحديث أخرجه مسلم. فصاحب القلب السليم يعلم أن الله جل وعلا جعل له كرامته، والقلب هو محل الكرامة، وبه تتم السعادة، وبه يفرق بين البر والفاجر، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله). وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم). وقال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠]. فصاحب القلب المنيب قلبه من النقاء بمكان، فلا يحسد، وليس في قلبه دغل ولا ضغينة، وقلبه من النقاء بمكان، وقد عكف قلبه على طاعة الرحمن، وعلى محبته والإقبال عليه والإخبات له، وقد تخللت طاعة الله ومحبته مسالك روحه، وما ترك في قلبه لأحد شيئاً، كما غار الرحمن على قلب خليله إبراهيم عندما ولد له الولد فأخذ حظاً من قلبه، فابتلاه الله جل وعلا بذبح ابنه؛ ليختبر صدق حبه لله، فلما قال: سمعت وأطعت، ارتفع عند ربه وارتقى. فصاحب القلب المنيب ما ترك في قلبه لأحد شيئاً، فلا يحب إلا ما أحبه الله، ولا يبغض إلا ما أبغضه الله، ولا يقرب إلا ما قربه الله، ولا يبعد إلا من أبعده الله، ولا يعطي إلا لله، ولا يأخذ إلا لله، ولا يمنع إلا له، وهو يوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، فهذا هو صاحب القلب المنيب. وصاحب هذا القلب يمشي على الأرض بين الناس وهو مغفور له، ومبشر بالجنات، كما في المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرج عليكم رجل من أهل الجنة وهو يمشي على الأرض، فاندهش عبد الله بن عمرو بن العاص؛ كيف يكون رجل يمشي على الأرض ويبشر بالجنة! فـ عبد الله بن عمرو ﵁ وأرضاه، الذي كان يسارع في الخيرات ذهب إليه، وقال له: يا هذا! كان بيني وبين أبي شيء وأريد أن أبيت عندك -أي: حتى ينظر في طاعته- فلما أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قال: الآن يقوم الليل حتى تتورم قدماه؛ لأنه رجل بشر بالجنة، فما وجد ذلك، فقال في النهار: يصوم النهار، فظمأ النهار جُنة من النار، فنظر إليه فوجده يأكل طعامه، فقال: يا هذا! والله! ما كان بيني وبين أبي من شيء، ولكني سمعت رسول الله يبشر أنك من أهل الجنة، فنظرت في أعمالك فما وجدت صياماً ولا قياماً! فقال: هذا ما رأيت، أو قال: والله! ما عندي من كثير صلاة ولا صيام، ولكني أبيت وليس في قلبي على أحد شيء)، فلا يحمل ضغينة ولا حسد، هذا هو صاحب القلب المنيب الذي بين الله أن صاحب هذه الصفة من أهل الجنان. إن صاحب القلب المنيب الذي يبشر بالجنة خلقه الله للسيادة والريادة في الدنيا قبل الفوز في الآخرة، فهذا أبو بكر ﵁ تقدم على الناس أجمعين بما وقر في قلبه، وبقلبه السليم النقي، قال عبد الرحمن بن عوف: ما سبق أبو بكر القوم بكثير صلاة ولا صيام، ولكن بما وقر في قلبه، فقد جاء بقلب منيب. ولا ينجو أحد يوم القيامة يوم يتزلزل الناس إلا صاحب القلب السليم. فإذا اتصف العبد بهذه الصفات فإنه يستحق بذلك الجنان بفضل الله عليه ورحمته، فيستحق دخول الجنة بسلام، ويحل عليه الرضوان، وينظر إلى وجه الرحمن، ويرافق النبي العدنان، قال جل وعلا بعدما أجمل وفصل وبين لنا صفات أهل الجنان: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣٤]. نسأل الله جل وعلا أن يخلدنا في الجنان، وأن يجعلنا مع النبي العدنان، ونسأل الله جل وعلا أن يحلينا بصفات أهل الجنان. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان. اللهم اجعل هذا الشهر الكريم شاهداً لنا لا علينا، وفرج فيه الكروب، واستر فيه العيوب، إنك أنت علام الغيوب. اللهم أدخلنا الجنان بسلام. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لما تحبه وترضاه، واجعل الخير على أيديهم، واجعلهم خيراً على رعاياهم يا رب العالمين!

стр. 200

إنزال الناس منازلهم من هدي النبي ﷺ أنه كان ينزل الناس منازلهم، وقد أمر صحابته الكرام بذلك فكانوا الأسوة الحسنة في إنزال كل واحد منزلته التي يستحقها، سواء كانت في السبق بالإسلام، أو في القرابة من النبي ﷺ ، أو غير ذلك من الفضائل.

стр. 201

الإسلام يدعو إلى إنزال الناس منازلهم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فالله نسأل أن يجمع بيننا جميعاً في خير وعلى خير، وأن يديم علينا مجالس العلم، وأن يجعلنا ممن يسارع في طلب العلم ويحثون عليه؛ لأن أرقى الناس وأرفعهم عند الله جل وعلا هم طلبة العلم, فطلبة العلم هم الواسطة بين الخالق وبين المخلوق, وكما قال ابن عيينة: أرفع الناس منزلة: الواسطة بين الخالق وبين المخلوق. وينبغي أن يحث بعضنا بعضاً على طلب العلم في مجالس العلم, وعلى المسارعة إلى رفعة هذه الأمة, فإن صلاح هذه الأمة في هذه الحقبة من الزمن لن يكون إلا بما صلحت به مع الرعيل الأول, الزكي النقي، الذي مكن له في مدة وجيزة من الزمن. إن الإنسان إذا نظر في الواقع الأليم الذي تمر به الأمم والشعوب منذ سنوات طويلة وقرون عدة يعتصر قلبه ألماً, ويتحسر مما يرى أو مما يعلم بما وقع لهذه الشعوب. والمتأمل فيما وقع لهذه الشعوب أو في الأسباب التي أوقعت هذه الشعوب في الهلاك والفناء والقتل والتشريد سيجد سبباً يلوح في الأفق، هذا السبب هو أنهم لم ينزلوا الناس منازلهم, ولم يعرفوا للرسول ﷺ قدراً، ولم يعظموا له مقاماً, فخابوا وخسروا لأنهم لم يعرفوا لكل رسول قدره وعظم منزلته، ابتدءً بأمة نوح ﵇ وانتهاءً بأمة محمد ﷺ . فقد كان قوم نوح كلما مروا على نوح سخروا منه, والله جل وعلا يبين لنا أن هذا هو دأب الجهلة السفهاء البله, فيقول جل وعلا: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر:١١] أي: يسخرون من هذا الرسول، فهذا النبي جاء إلى قوم جهلاء، فأوقع الله عليهم الهلاك وصب عليهم العذاب صباً؛ لأنهم لم ينزلوا الناس منازلهم. وما أهلك قريشاً إلا سخريتهم بمحمد ﷺ , فلما سخروا منه وقالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أذاقهم الله وسامهم سوء العذاب, حتى دعا عليهم النبي ﷺ . فإنزال الناس منازلهم ومعرفة الأسباب التي جعلت هذه الأمة تمكن في مدة وجيزة من الزمن هو الذي يجعلنا نسير على الدرب لعلنا نصل. هذه الأمة تمكنت؛ لأنها أولاً: نظرت إلى صفات الله جل وعلا وإلى أفعاله سبحانه، فطبقتها خلقاً واقعاً على هذه الأرض. ونظرت في سنة النبي ﷺ وإلى الهدي النبوي فسارت على نهج النبي ﷺ . فالله جل وعلا بين لنا أن من أوج الأسباب التي ترتفع بها الأمم أن يعرفوا قدر أنفسهم، وقدر أئمتهم, وينزلوا الناس منازلهم, فالله جل وعلا يقول: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣] فيبين الله جل وعلا أن هناك تفاوتاً عظيماً بين الناس, وأن كل صاحب فضل لا بد أن يؤتى فضله, وكل صاحب قدر لا بد أن يؤتى هذا القدر. والله جل وعلا من أجل ذلك فاوت بين درجات العباد في الجنة, فمنهم من في الفردوس الأعلى, ومنهم من هو أنزل درجة منها، ومنهم من هو أنزل منه درجة, ومنهم من يكون في آخر درجات الجنة. والغرض المقصود أن الله جل وعلا فارق وفاضل بين العباد؛ لأنه حكم عدل، وله الفضل كل الفضل، فيعرف منزلة كل أحد, ويضع كل واحد في منزلته، كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣]. وقد قررنا في كتاب الأسماء والصفات، وفي كتاب التوحيد أمراً مهماً ألا وهو: أن كل صفة من صفات الله جل وعلا فإن الله يحب أن يرى أثرها في خلق عباده، فإن الله كريم يحب كل كريم, وإن الله جل وعلا رفيق كما قال النبي ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق) ويحب كل رفيق , والله جميل يحب الجمال، ويحب كل جميل, سواء جميل الأخلاق، أو جميل الثياب، أو حسن المنظر.

стр. 202

أمر النبي ﷺ للأمة أن ينزلوا الناس منازلهم إن النبي ﷺ أيضاً يقرر هذا الهدي النبوي، وأنه لا بد لهذه الأمة أن تنزل الناس منازلهم، وتعرف لكل وحد قدره, قال النبي ﷺ كما في مقدمة صحيح مسلم عن عائشة قالت: (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وفوق كل ذي علم عليم)، فقولها: أمرنا هذا أمر، وأثر الأمر الوجوب؛ لأن الآمر هو الله، والناقل لأمره هو الرسول ﷺ .

стр. 203

قصة إيثار أبي بكر لعلي بن أبي طالب في مجلسه بقرب رسول الله إن النبي ﷺ بعدما أمر بإنزال الناس منازلهم قولاً طبقه واقعاً وفعلاً, فقد كان ﷺ في مجلس التعليم وأبو بكر بجانبه، ودخل علي بن أبي طالب وكان المجلس ممتلئاً بصحابة رسول الله ﷺ , فلم يجد مكاناً يجلس فيه, فنظر النبي ﷺ يميناً ويساراً لعله يجد من يجلس علياً ابن عم رسول الله ﷺ -فإن له من الفضل ما له ﵁ فقام أبو بكر ليقر عين النبي ﷺ فقال: هاهنا يا أبا الحسن، فأفسح له مكانه؛ ليجلس فيه بجانب رسول الله ﷺ , فتبسم النبي ﷺ مقراً لفعل أبي بكر، قال: (يا أبا بكر لا يعرف لأهلي فضلهم إلا أهل الفضل) , فتعلم أبو بكر ﵁ وأرضاه هذا الدرس ووعاه، وعلم أن الرفعة لن تكون إلا في التطبيق للهدي النبوي, ولما طبق أبو بكر هذا الهدي النبوي تطبيقاً تاماً كان أثر الفتوحات العظيمة الجليلة لهذه الأمة في حصيلته ﵁ وأرضاه.

стр. 204

ما حدث بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف من خصومة وموقف النبي منها جاء في الصحيحين أن خالد بن الوليد حدثت بينه وبين عبد الرحمن بن عوف خصومة، فاشتد خالد بن الوليد على عبد الرحمن بن عوف وعبد الرحمن بن عوف سادس ستة، أو سابع سبعة أسلموا، فهو من السابقين إلى الله جل وعلا وإلى الإسلام, وكان خالد متأخراً في الإسلام، وهو سيف الله المسلول على أعداء الله، ﵁ وأرضاه, وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : (واستلم الراية سيف من سيوف الله فتح الله على يديه) ولذلك قال له ملك الروم: أأنزل الله لك سيفاً من السماء تقاتل به فلا تهزم أبدا؟ هذا خالد بن الوليد الذي قال فيه عمر -هو يبكي بعدما نحاه-: والذي نفسي بيده إن أبا بكر كان أعرف بالرجال مني, لأنه أنزل خالداً من مكانة هو يترقي إليها في عهد عمر، وأمر أبا عبيدة بن الجراح على المدينة التي فتحها خالد. فـ خالد بن الوليد له مكانة عند الله جل وعلا، وعند رسول الله، وعند صحابة رسول الله، لكنه اشتد على عبد الرحمن والفضل كل الفضل لـ عبد الرحمن؛ لأنه سبقه في الإسلامه, فقال النبي ﷺ : (أصحابي أصحابي) مع أن خالداً صاحب، ومن أجل الأصحاب، إلا أن النبي ﷺ يقصد بذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه، فقال: (أصحابي أصحابي، لا تسبوا أصحابي، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). وإنما قال النبي ﷺ ذلك ليبين الفضل لأهل الفضل، ويؤسس أصلاً لهذه الأمة لتعرف أنها لن تمكن ولن تقود ولن تسود إلا بهذا التطبيق النبوي الشريف الظاهر الجلي, فقال لـ خالد كيف تفعل ذلك مع عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه؟

стр. 205

ما حدث بين أبي بكر وعمر من خصومة وموقف النبي منها إن الفاروق عمر بن الخطاب والذي قال فيه ابن مسعود: لم نعرف العزة إلا بعد إسلام عمر ﵁ وأرضاه، والذي نظر إليه النبي ﷺ فقال: (إذا سلك عمر فجاً سلك الشيطان فجاً آخر) والذي كان يسير في الطريق فظهر له شيطان، فتصارعا فصرعه عمر ﵁ وأرضاه، فهو أشد الأمة في الحق وفي الدين، ومع ذلك لما حدث أمر بينه وبين أبي بكر، أراد النبي ﷺ أن يعلم الأمة أن منزلة أبي بكر لا تدانيها منزلة. كانت بين أبي بكر وبين عمر مشادة وأغلظ أبو بكر على عمر، فغضب عمر من أجل شدة أبي بكر، ثم إن أبا بكر ﵁ وأرضاه ذهب يستسمحه فلم يسمح له, فذهب أبو بكر إلى رسول ﷺ ، فرجع عمر بعدما ندم, فذهب إلى بيت أبي بكر فقال: أثم أبو بكر؟ فقيل له: لا، فعلم عمر أن أبا بكر ذهب إلى رسول الله ﷺ , وكان أبو بكر قد ذهب إلى المسجد، فدخله ورفع ثوبه فظهرت ركبته، فقال النبي ﷺ -وهو ينظر إليه متعجباً-: (أما صاحبكم فقد غامر) فقص على النبي ﷺ القصة, فغضب رسول الله ﷺ من أجل أبي بكر، ولأنه أمرنا أن ننزل الناس منازلهم, وتطبيقاً لقوله ﷺ في أبي بكر: (لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل) والذي بين فيه مكانة أبي بكر عند العامة والخاصة، فلما جاء عمر نظر النبي ﷺ إليه مغضباً، فعلم أبو بكر أنه سيشتد على عمر لا محالة, فجثا على ركبتيه شفقة عليه وقال: والله يا رسول الله لقد كنت أنا أظلم. لكن رسول الله أحب أن يبين لهذه الأمة تأصيلاً لا بد منه، وأن يطبقه واقعاً في هذه الأمة حتى تعيش في مستوى القيادة والريادة والسيادة, هذا التأصيل والهدي النبوي لابد من أن نحذو حذوه, وأن نعرف لكل إنسان قدره, وأن نضع كل إنسان في مكانه المناسب، فأراد ﷺ أن يعلن للأمة أن خلافتها في أبي بكر فقام النبي ﷺ مغضباً على عمر وظهر ذلك في وجهه ووجنتيه، وقال: (هل تركتم لي صاحبي) مع أن عمر من أفضل أصحاب رسول الله ﷺ ، بل هو وزير للنبي ﷺ , ولما مات عمر ﵁ وأرضاه قام علي يبكي ويقول: أبشر يا أمير المؤمنين، والله ما كنت أسمع رسول الله ﷺ إلا ويقول: (جئت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر)، حتى أنه لما ذكر علامات الساعة كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال ﷺ : (ركب رجل على بقرة) أي: حملته (فنظرت البقرة إليه فقالت: ما خلقت لهذا، إنما خلقت للحرث، فقال النبي ﷺ -وهو ينظر إلى أصحابة متعجبين من تكلم البقرة-: أنا أؤمن بذلك) -يعني: بتكلم البقرة- وأبو بكر وعمر). الغرض المقصود أن عمر له منزله كبيرة عند النبي ﷺ وكذلك أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه, فأراد النبي ﷺ أن يبين مكانة أبي بكر وفضله؛ تطبيقاً للهدي النبوي فقال: (هلا تركتم لي صاحبي قلتم: كذب، فصدقني وواساني بأهله وماله) فقال الراوي: والله ما وجد أبو بكر على أحد بعد هذه المقالة, وما تجرأ أحد أنه يقف أمامه ﵁ وأرضاه بعدما بين النبي ﷺ منزلته بين الناس.

стр. 206

موقف أبي بكر الصديق مع الأنصاري وهذا موقف آخر تراه جلياً ظهر بعد ذلك لما وقع بين أبي بكر وبين بعض الأنصار مشادة، فاشتد أبو بكر على الأنصاري, ثم تراجع أبو بكر وقال: اقتص مني, أي: أنه تراجع عما فعل؛ لأن أفضل الناس -كما بين الناس النبي ﷺ من كان سريع الرضا, أي: أنه يرجع ويئوب، لأنه ما من أحد إلا ويخطئ, كما قال النبي ﷺ : (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، هو خطاء؛ لأنه خلق في ظلمة وجهل, فإذا ترك لنفسه العنان ضاع واتبع الشهوات, والمعصوم من عصمه الله جل وعلا, وليس عيباً على الإنسان أن يخطئ، ولكن العيب كل العيب أن يكابر ولا يرجع. ولما قال أبو بكر للأنصاري: اقتص مني, قال الأنصاري: لا أقتص منك، فقال له أبو بكر: اقتص مني وإلا لأستعدين عليك رسول الله, فغضب الأنصار من أبي بكر غضباً شديداً؛ لأنه أغلظ على صاحبهم في القول، ثم قال له: لأستعدين عليك رسول الله، فقال الأنصار لصاحبهم: والله لنذهبن معك ولنستعدين عليه رسول الله ﷺ ؛ إذ كيف يخطئ في حقك، ويذهب إلى رسول الله؟ فلما قالوا ذلك، قام الأنصاري -وكان فقيهاً- فقال لهم: أتعلمون من هذا؟ إنه أبو بكر، فاسكتوا حتى لا يسمع ما تقولون فيغضب, فيغضب رسول الله ﷺ لغضب صاحبه, فيغضب الله لغضب رسوله، فيهلك صاحبكم. وهذا فقه عال من الرجل؛ لأنه علم منزلة أبي بكر ومكانته من رسول الله ﷺ , فلما قص على النبي ﷺ هذه القصة قال له: (قل: يغفر الله لك يا أبا بكر)، أي: لا تقتص من أبي بكر، ولكن قل: (يغفر الله لك يا أبا بكر). فالنبي ﷺ يبين فضل كل ذي فضل، وينزل كل واحد منزلته.

стр. 207

النبي ﷺ يذكر الفضل لنسائه وينزل كل واحدة منهن منزلتها حتى مع نسائه ﷺ فهو أرفق الأمة بهن, وهو الذي قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وكان يطوف على نسائه، وإذا أعطى إحداهن درهماً أعطى كل امرأة منهن درهماً، وكان يعدل بينهن في المبيت، حتى لو ابتسم لهذه ابتسم للأخرى، فكان أعدل الناس، ومن يعدل إذا لم يعدل رسول الله ﷺ ؟ ولما سئل: (من أفضل النساء عندك؟ قال: عائشة) فبين أن عائشة هي أفضل نساء هذه الأمة، ثم بين بعد ذلك فضل خديجة فقال: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من السناء إلا أربع: وذكر مريم وآسيا وفاطمة وخديجة)، فلما ذكر خديجة قال: (وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام).

стр. 208

حكم إنزال الناس منازلهم وأثر تطبيقه في هذه الأمة إن النبي ﷺ بين فضل كل ذي فضل، فهذا فعله ﷺ ، وهذا هديه الذي طبق بعد ذلك، فكان النصر والقيادة والريادة والسيادة في هذه الأمة لمدة وجيزة من الزمن. وأبو بكر ﵁ وأرضاه تربى على مائدة رسول الله, وعلم أن هذه الصفات من أفعال الله، وأن الله يحب أن يرى أثر صفاته على أخلاق عباده، ورأى النبي ﷺ وهو يبين فضله للناس، حتى ظهر جلياً أمامهم, فكان يضع كل واحد في موضعه، وينزل كل إنسان في منزلته, ويعرف لكل واحد قدره؛ لأن هذا أمر من النبي ﷺ . ولكن هذه المسألة قد ضاعت بين الناس، فهم لا يفقهونها ويحسبونها أنها نافلة قول، والحقيقة أنها واجبة؛ لأن عائشة قالت: (أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم)، وجمهرة المحدثين يرون أن هذا من باب المرفوع؛ لأن النبي ﷺ هو الذي أمر بأن ينزل الناس منازلهم, فيأثم الإنسان إن لم يفعل ذلك, ولكن الجهلاء والبله في هذه العصور لا يميزون بين أهل الفضل وبين غيرهم. فالغرض المطلوب أن أبا بكر طبق هذا الهدي النبوي وهذه الصفة التي تعد من صفات الله جل وعلا، وكان لها أثر في أخلاقه وتعامله مع صحابة رسول الله، فجعل الخير كله على يديه، حتى أن الفتوحات العظيمة التي كانت في عهد عمر كانت في حصيلة أبي بكر ﵁ وأرضاه, لأنه عند موته لما دخل عليه عثمان أمره أن يكتب من يخلفه، فلما أفاق قال له: أكتبت أن تكون الخليفة؟ قال: لا، قال: لو كتبت كنت خليقاً بها، قال: كتبت عمر قال: ونعم ما كتبت. فدخل الناس يشتدون على أبي بكر: كيف تستخلف علينا هذا الشديد؟ وماذا تقول لربك إذا سألك من استخلفت عليهم؟ قال: إذا سألني ربي سأقول: استخلفت عليهم أتقاهم وأعلمهم وأفقهم وأورعهم وأشدهم في دين الله جل وعلا. فبين فضل عمر ﵁ وأرضاه.

стр. 209

أبو بكر يعرف منزلة أسامة إن أبا بكر كان يعرف للناس منازلهم, فلما أمر أسامة من قبل رسول الله على جيش عرمرم كثير، ومات رسول الله، وأصبحت الفتن تأتي على هذه الأمة بعد موته، وظهرت الردة في أنحاء الجزيرة العربية، سوى مكة والمدينة، ومع ذلك فـ أبو بكر ينفذ جيش أسامة، بل ويجعل أسامة الذي لم يبلغ العشرين من عمره أميراً على هذا الجيش العرمرم. فجاء عمر بن الخطاب يراجعه في تنحية أسامة من إمارة الجيش، فقال: والله لا أنحين أميراً أمره رسول الله ﷺ , وقال فيه ﷺ : (إنه لخليق بهذه الأمارة) فبين فضل أسامة ﵁ وأرضاه وتمسك به، وعض عليه بالنواجذ. وكان لذلك الأثر العظيم في هذه الأمة، فالقبائل التي ارتدت عن الإسلام خافت على نفسها من المسلمين؛ بسبب جيش أسامة. وعى عمر بن الخطاب الدرس جيداً بعد أن اختلف مع أبي بكر، وعلم أن النبي ﷺ بين له أن هذه المنازل لا تتعدى أصحابها الذين خلقهم الله لها.

стр. 210

عمر بن الخطاب يعرف لأبي عبيدة بن الجراح فضله وقدره إن عمر بن الخطاب بعدما تربى على يد رسول الله، وتعلم من رسول الله ﷺ أن ينزل الناس منازلهم، وأن يؤتي كل ذي فضل فضله، طبق هذه القاعدة النبوية العظيمة الجليلة تطبيقاً رائعاً حتى جعل الله الفتح على يديه, فالفتوحات العظيمة كانت على يد عمر بن الخطاب؛ لتطبيقه لهذا الهدي النبوي, فكان يضع كل واحد في مكانه المناسب, حتى أنه ما أنكر عليه تنحية خالد ووضع أبي عبيدة بن الجراح مكانه، وهو من هو في الفضل! وعند موت عمر قال: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته, كيف لا وقد قال النبي ﷺ : (إن لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)، ﵁ وأرضاه, فكان عمر أيضاً يعرف أقدار الناس، وينزلهم منازلهم.

стр. 211

عمر بن الخطاب يعرف قدر أبي بكر وفضله وهذا ظهر جلياً في خلافة أبي بكر لما ذهب إلى سقيفة بني ساعدة، فقام أبو بكر فخطب في الناس وبين مكانة المهاجرين ثم مكانة الأنصار، ثم قال: منا الأمير ومنكم الوزير, وقال: ابسط يدك يا عمر، أو قال: أبايع لكم أحد هذين الرجلين، فقال عمر: والله لئن أموت خير لي من أن أبايع وفينا أبو بكر، وهذه الكلمة قالها لـ أبي عبيدة، فـ أبو بكر فيكم، وتقول: ابسط يدك، إن أبا بكر أفضل هذه الأمة. فكان عمر بن الخطاب يضرب مثلاً واقعاً جلياً في التطبيق النبوي لإنزال الناس منازلهم.

стр. 212

عمر بن الخطاب يفضل بلالاً على أبي سفيان إن أبا سفيان بن حرب الذي كان رأس مكة وواليها وأمير تجارة مكة وأموالها، وكانت له الوجاهة العظمى، والمكانة العلياء في مكة لما منَّ الله عليه بالإسلام مع سهيل بن عمرو، استأذنا عمر للدخول فلم يأذن لهما، وبقيا مدة طويلة خارج الباب، فجاء بلال يستأذن أمير المؤمنين في الدخول، وهو العبد الأسود الحبشي, فقام عمر بن الخطاب متهللاً، وأدخله قبل أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو , فغضب أبو سفيان وقال لـ سهيل: العبد الحبشي يتقدم علينا! في الدخول. فقال سهيل معلماً لـ أبي سفيان بن حرب: سارع إلى ربه، أو تقدم إلى ربه، أو سبقنا إلى ربه، فجعله الله يسبقنا عند العباد. أي: أنه سبق في الآخرة فسبق أيضاً في الدنيا, فبين عمر بن الخطاب أن هذا الدين له هدي وطرق وأصول لا بد أن لا نتعداها. فـ بلال سجد لله جل وعلا قبل أن يسجد أي كافر من هؤلاء، بعدما من الله عليهم بالإسلام, ولقي شدة وعذاباً شديداً في الله وهو يقول: أحد أحد، فضرب لنا مثلاً رائعاً في الأخذ بالعزيمة، مع أن عمار بن ياسر ﵁ وأرضاه أخذ بالرخصة، وتكلم في رسول الله، وأبى بلال على نفسه ذلك، واشتد العذاب عليه، ولم ينثني عن عقيدته ﵁ وأرضاه, فتكلم عمر بن الخطاب بكلمة عظيمة تكتب على الصدور بماء الذهب، وقال: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا أي: أعتق بلالاً ﵁ وأرضاه. فهؤلاء القوم لما رضخوا لأوامر الله, وطبقوا الهدي النبوي, وأخذوا شريعة الله بحذافيرها نزع الله جل وعلا عنهم الذلة والمهانة، وجعل السيادة والقيادة والريادة في ربوع الأرض مشارقها ومغاربها، وفي مدة وجيزة من الزمن في أيدي هذا الرعيل الذكي النقي.

стр. 213

علي بن أبي طالب يفضل أبا بكر وعمر على الأمة إن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه كان ابن عم رسول الله، وكان يتربع على مائدة رسول الله، ولم يتخلى عن هذا الخلق الكريم, فكان يبين للناس مكانة الأفاضل الأكارم الأماجد، فبعد أن سمع أهل الكوفة يقولون: أفضل هذه الأمة بعد النبي هو علي بن أبي طالب وهو أحق الناس بالخلافة، وإنما سرق أبو بكر الخلافة وكذلك عمر , قام خطيباً في الناس معلناً بصراحة مكانة هؤلاء الأفاضل الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] ومدح هؤلاء الذين سارعوا إلى الله جل وعلا فأسرع الله بهم إلى كل خير, فقال: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ومن فضلني على أبي بكر وعمر جلدته حد المفتري, يعني: ثمانين جلدة, فهو كذاب مفتر؛ لأن أبا بكر هو أفضل هذه الأمة بعد النبي ﷺ , وعمر أفضل هذه الأمة بعد أبي بكر ﵁ وأرضاه. فعرف هؤلاء القوم لكل صاحب فضل فضله، وأنزلوا الناس منازلهم، فأنزلهم الله خير المنازل في الدنيا، وهم في الآخرة رفقاء النبي ﷺ في الفردوس الأعلى. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يحذو حذوهم، ويسير على دربهم, حتى نلتقي بهم في الفردوس الأعلى.

стр. 214

أبو موسى الأشعري ينزل عبد الله بن مسعود منزلته إن أبا موسى الأشعري عندما كان في الكوفة وكان أميراً عليها كان معه عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه الذي قال فيه النبي ﷺ : (من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد)، فجاء أناس وسألوا أبا موسى الأشعري فقالوا: مات رجل عن بنت وبنت ابن وأخت، فقال أبو موسى الأشعري: للبنت النصف وللأخت الباقي ولا شيء لبنت الابن، فذهبوا إلى ابن مسعود فسألوه عن المسألة، وأخبروه بما قال فيها أبو موسى، فقال -كلمة أشد ما تكون-: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، لو قلت بخلاف السنة. للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وللأخت الباقي. فقيل لـ أبي موسى ما قاله ابن مسعود، فقال: كيف تسألونني وفيكم هذا الحبر؟ فـ أبو موسى يبين في ذلك مكانة عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه. أيضاً أبو موسى خرج على قومه فوجدهم يتحلقون حلقاً ويذكرون الله، ويسبحون بالحصى، فيكبرون مائة ويهللون مائة, فأنكر أبو موسى الأشعري عليهم في نفسه، وذهب إلى ابن مسعود فقال: رأيت اليوم أمراً جللاً؟ أو أمراً عظيماً أنكره قلبي, وذكر له ما يفعلون، فذهب ابن مسعود إليهم متصنعاً بثيابه، وجلس في حلقة الذكر، ثم قام من بينهم فقال: أنا ابن مسعود صاحب رسول الله ﷺ , ثم قال لهم: عدوا سيئاتكم وأنا أضمن لكم حسناتكم؛ إنكم على ملة أهدى من ملة رسول الله، أو إنكم مفتتحوا باب ضلالة. فنهى الناس أن يجتمعوا للذكر بمثل هذه الحلق، فإنها بدعة مميتة، وبين مكانته وأنه صاحب من أصحاب رسول الله فأنزلوه الناس منزلته, وسمعوا له وأطاعوا. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن ينزل الناس منازلهم ويطبق هذا الهدي النبوي, فالعلماء أيضاً علموا هذا الهدي النبوي، وطبقوه تطبيقاً عظيماً جليلاً ولذلك رفعهم الله.

стр. 215

هارون الرشيد ينزل مالك بن أنس منزلته كان هارون الرشيد من الأمراء والحكام الذين فتح الله على أيديهم كثيراً من البلاد, وعندما كان يدخل عليه مالك بن أنس كان يقوم مرتعداً هيبةً له، وهو أمير المؤمنين له أن يسجنه أو يعذبه، أو أن يفعل به ما يشاء، ومالك عليه السمع والطاعة؛ لأنه ولي أمر.
следующие страницы →