← Джавами‘

Джавами‘ · id 37634

دروس الشيخ محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (390 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

عمر بن الخطاب يعرف قدر أبي بكر وفضله وهذا ظهر جلياً في خلافة أبي بكر لما ذهب إلى سقيفة بني ساعدة، فقام أبو بكر فخطب في الناس وبين مكانة المهاجرين ثم مكانة الأنصار، ثم قال: منا الأمير ومنكم الوزير, وقال: ابسط يدك يا عمر، أو قال: أبايع لكم أحد هذين الرجلين، فقال عمر: والله لئن أموت خير لي من أن أبايع وفينا أبو بكر، وهذه الكلمة قالها لـ أبي عبيدة، فـ أبو بكر فيكم، وتقول: ابسط يدك، إن أبا بكر أفضل هذه الأمة. فكان عمر بن الخطاب يضرب مثلاً واقعاً جلياً في التطبيق النبوي لإنزال الناس منازلهم.

стр. 212

عمر بن الخطاب يفضل بلالاً على أبي سفيان إن أبا سفيان بن حرب الذي كان رأس مكة وواليها وأمير تجارة مكة وأموالها، وكانت له الوجاهة العظمى، والمكانة العلياء في مكة لما منَّ الله عليه بالإسلام مع سهيل بن عمرو، استأذنا عمر للدخول فلم يأذن لهما، وبقيا مدة طويلة خارج الباب، فجاء بلال يستأذن أمير المؤمنين في الدخول، وهو العبد الأسود الحبشي, فقام عمر بن الخطاب متهللاً، وأدخله قبل أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو , فغضب أبو سفيان وقال لـ سهيل: العبد الحبشي يتقدم علينا! في الدخول. فقال سهيل معلماً لـ أبي سفيان بن حرب: سارع إلى ربه، أو تقدم إلى ربه، أو سبقنا إلى ربه، فجعله الله يسبقنا عند العباد. أي: أنه سبق في الآخرة فسبق أيضاً في الدنيا, فبين عمر بن الخطاب أن هذا الدين له هدي وطرق وأصول لا بد أن لا نتعداها. فـ بلال سجد لله جل وعلا قبل أن يسجد أي كافر من هؤلاء، بعدما من الله عليهم بالإسلام, ولقي شدة وعذاباً شديداً في الله وهو يقول: أحد أحد، فضرب لنا مثلاً رائعاً في الأخذ بالعزيمة، مع أن عمار بن ياسر ﵁ وأرضاه أخذ بالرخصة، وتكلم في رسول الله، وأبى بلال على نفسه ذلك، واشتد العذاب عليه، ولم ينثني عن عقيدته ﵁ وأرضاه, فتكلم عمر بن الخطاب بكلمة عظيمة تكتب على الصدور بماء الذهب، وقال: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا أي: أعتق بلالاً ﵁ وأرضاه. فهؤلاء القوم لما رضخوا لأوامر الله, وطبقوا الهدي النبوي, وأخذوا شريعة الله بحذافيرها نزع الله جل وعلا عنهم الذلة والمهانة، وجعل السيادة والقيادة والريادة في ربوع الأرض مشارقها ومغاربها، وفي مدة وجيزة من الزمن في أيدي هذا الرعيل الذكي النقي.

стр. 213

علي بن أبي طالب يفضل أبا بكر وعمر على الأمة إن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه كان ابن عم رسول الله، وكان يتربع على مائدة رسول الله، ولم يتخلى عن هذا الخلق الكريم, فكان يبين للناس مكانة الأفاضل الأكارم الأماجد، فبعد أن سمع أهل الكوفة يقولون: أفضل هذه الأمة بعد النبي هو علي بن أبي طالب وهو أحق الناس بالخلافة، وإنما سرق أبو بكر الخلافة وكذلك عمر , قام خطيباً في الناس معلناً بصراحة مكانة هؤلاء الأفاضل الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] ومدح هؤلاء الذين سارعوا إلى الله جل وعلا فأسرع الله بهم إلى كل خير, فقال: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ومن فضلني على أبي بكر وعمر جلدته حد المفتري, يعني: ثمانين جلدة, فهو كذاب مفتر؛ لأن أبا بكر هو أفضل هذه الأمة بعد النبي ﷺ , وعمر أفضل هذه الأمة بعد أبي بكر ﵁ وأرضاه. فعرف هؤلاء القوم لكل صاحب فضل فضله، وأنزلوا الناس منازلهم، فأنزلهم الله خير المنازل في الدنيا، وهم في الآخرة رفقاء النبي ﷺ في الفردوس الأعلى. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يحذو حذوهم، ويسير على دربهم, حتى نلتقي بهم في الفردوس الأعلى.

стр. 214

أبو موسى الأشعري ينزل عبد الله بن مسعود منزلته إن أبا موسى الأشعري عندما كان في الكوفة وكان أميراً عليها كان معه عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه الذي قال فيه النبي ﷺ : (من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد)، فجاء أناس وسألوا أبا موسى الأشعري فقالوا: مات رجل عن بنت وبنت ابن وأخت، فقال أبو موسى الأشعري: للبنت النصف وللأخت الباقي ولا شيء لبنت الابن، فذهبوا إلى ابن مسعود فسألوه عن المسألة، وأخبروه بما قال فيها أبو موسى، فقال -كلمة أشد ما تكون-: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، لو قلت بخلاف السنة. للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وللأخت الباقي. فقيل لـ أبي موسى ما قاله ابن مسعود، فقال: كيف تسألونني وفيكم هذا الحبر؟ فـ أبو موسى يبين في ذلك مكانة عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه. أيضاً أبو موسى خرج على قومه فوجدهم يتحلقون حلقاً ويذكرون الله، ويسبحون بالحصى، فيكبرون مائة ويهللون مائة, فأنكر أبو موسى الأشعري عليهم في نفسه، وذهب إلى ابن مسعود فقال: رأيت اليوم أمراً جللاً؟ أو أمراً عظيماً أنكره قلبي, وذكر له ما يفعلون، فذهب ابن مسعود إليهم متصنعاً بثيابه، وجلس في حلقة الذكر، ثم قام من بينهم فقال: أنا ابن مسعود صاحب رسول الله ﷺ , ثم قال لهم: عدوا سيئاتكم وأنا أضمن لكم حسناتكم؛ إنكم على ملة أهدى من ملة رسول الله، أو إنكم مفتتحوا باب ضلالة. فنهى الناس أن يجتمعوا للذكر بمثل هذه الحلق، فإنها بدعة مميتة، وبين مكانته وأنه صاحب من أصحاب رسول الله فأنزلوه الناس منزلته, وسمعوا له وأطاعوا. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن ينزل الناس منازلهم ويطبق هذا الهدي النبوي, فالعلماء أيضاً علموا هذا الهدي النبوي، وطبقوه تطبيقاً عظيماً جليلاً ولذلك رفعهم الله.

стр. 215

هارون الرشيد ينزل مالك بن أنس منزلته كان هارون الرشيد من الأمراء والحكام الذين فتح الله على أيديهم كثيراً من البلاد, وعندما كان يدخل عليه مالك بن أنس كان يقوم مرتعداً هيبةً له، وهو أمير المؤمنين له أن يسجنه أو يعذبه، أو أن يفعل به ما يشاء، ومالك عليه السمع والطاعة؛ لأنه ولي أمر.

стр. 216

تعظيم الإمام مالك للشافعي كان مالك يعظم أهل العلم كثيراً, وكان الشافعي وهو في حداثة سنه أول ما جلس مع مالك يستمع منه الحديث, وكانت القراءة على الشيخ عند مالك أولى من قراءة الشيخ على الطلبة -وهذه مسألة حديثية في علم المصطلح- وكان يقرأ عليه الحديث والشافعي يأخذ بأصبعه ويضعه على فيه ثم يضعها على يده, وكان مالك له وقار عظيم، حتى قال عنه المترجمون: إن مالك كان إذا دخل على طلبة العلم فكأن على رءوسهم الطير من هيبته ﵀، فالله جل وعلا زرع له في قلوب الطلبة الهيبة؛ لأنه وقر وعظم حديث رسول الله ﷺ وشرع الله جل وعلا، فكان يقول: ما مشيت في المدينة إلا حافياً توقيراً واحتراماً لصاحب هذا القبر أي: رسول الله ﷺ , وكان لا يجلس في مجلس التحديث إلا متعطراً مغتسلاً وقد استاك هيبةً لحديث النبي ﷺ , ولذلك زرع الله الهيبة في قلوب طلبة العلم لهذا الشيخ الجليل العالم العظيم. ولما نظر إلى الشافعي وهو يعبث بإصبعه غضب منه احتراماً لحديث النبي ﷺ ، بل إن مالكاً نفسه قال: فاتني فوق العشرين حديثاً؛ لأنني كنت قائماً فلم أكتب حديثاً واحداً احتراماً لحديث النبي ﷺ ؛ لأن مجلس التحديث كان مملوءاً بطلبة الحديث، وكان مالك يستمع من الزهري ولم يجد مكاناً يجلس فيه، فبقي قائماً يستمع الحديث وما كتب حديثاً واحداً، ولما سئل في ذلك قال: استحييت أن أكتب حديث النبي ﷺ قائماً, فلا بد أن أجلس احتراماً وتوقيراً لحديث النبي. ولما رأى الشافعي يصنع ذلك بأصبعه غضب غضباً شديداً هيبة لحديث النبي ﷺ ، وقال: مالي أراك سيء الأدب؟ فقال الشافعي: يا إمام وما رأيت من سوء أدبي؟ قال: أتلوا عليكم حديث رسول الله وأنت تلعب بأصبعك، فقال: والله ما كنت ألعب، إني أحفظ حديثك وما عندي ورقة وقلم ومحبرة، فكنت أكتب الأحاديث التي ذكرتها بريقي وبإصبعي على يدي، ثم ذكر كل الأحاديث التي ذكرها الإمام مالك، فأخذه مالك إلى بيته وقال له: كلمته المشهورة: قد رأيت أن الله جعل لك نوراً فلا تطفئه بالمعاصي. فالغرض المقصود أنهم كانوا يعرفون لكل صاحب فضل فضله.

стр. 217

البخاري ينزل ابن المديني منزلته ما دمنا في مجلس طلب العلم وفي مجلس التحديث فلا بد أن نذكر من نوادر طلبة العلم، أو من نوادر العلماء الذين كانوا يقدرون بعضهم بعضاً، فالإمام البخاري جبل الحفظ، وأستاذ العلل في علم الحديث, وصاحب الكتاب الذي قال فيه العلماء: أصح كتاب بعد كتاب الله جل وعلا وهو صحيح البخاري، ولو أن إنساناً حلف على ذلك لم يحنث؛ لمكانة البخاري التي جعلها الله جل وعلا لهذا الرجل الذي فرغ نفسه لحديث النبي ﷺ . وعندما عمي ﵀ حدثت له كرامة، وذلك أن أمه قنتت وسألت الله كثيراً أن يرد على هذا الطفل بصره، فرد الله عليه بصره, فاستخدمه في حفظ حديث رسول الله ﷺ . فـ البخاري بجلالة قدره يجلس في مجلس التحديث ويقول: ما استصغرت نفسي مثل ما استصغرت نفسي عند علي بن المديني. وعلي بن المديني من طبقة أحمد بن حنبل، فهو من طبقة شيوخ البخاري. فقيل لـ علي بن المديني: إن البخاري يقول كذا وكذا، فقال: دعوكم من قوله، فوالله ما رأى مثل نفسه، أي: ما خلق الله مثل البخاري!

стр. 218

أحمد بن حنبل ينزل البخاري منزلته كان البخاري يجلس في مجلس أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة، الذي سئل عنه يحيى بن معين فقال: أو تسألوني عن أحمد بن حنبل، أحمد إمام أهل السنة، وإمام الدنيا بأسرها. فكان البخاري يجلس في مجلس أحمد، ولما أراد الرحيل، قال أحمد: يا محمد أترحل وتتركنا وتترك حديث النبي ﷺ ؟ فـ أحمد ﵀ يبين مكانة البخاري ﵀ ومنزلته بينهم.

стр. 219

الإمام مسلم ينزل الإمام البخاري منزلته إن الإمام مسلماً عالم جليل القدر، فهو صاحب الصحيح الذي قال فيه العلماء: أصح كتاب بعد كتاب الله وبعد صحيح البخاري كتاب مسلم، بل إن المغاربة يقدمون صحيح مسلم، على صحيح البخاري. ومسلم هو من هو في الحفظ والوعي والدقة في ترتيب الأسانيد، كما بينا في أسانيد مسلم، فكان يجلس في مجلس البخاري فيقول له: دعني أقبل يدك ورجلك يا أستاذ العلل، والله ما يبغضك إلا حاسد. فكل عالم من هؤلاء العلماء كان يعرف قدر العالم الآخر

стр. 220

الإمامان مالك والشافعي يقدران منزلة الإمام أبي حنيفة ظهرت شرذمة من الناس يطعنون في أبي حنيفة فيقولون مثلاً: أبو جيفة, أو يتكلمون عليه بكلمات لا يصح لرجل يطلب العلم ويرجو بطلب العلم رضا الله جل وعلا ووجهه أن يقدح في عالم جليل مثل هذا العالم الذي جعل الله له هذا المذهب العظيم الذي عليه كثير من الناس. فـ أبو حنيفة قال فيه الشافعي: الفقهاء عيال على أبي حنيفة , وقال فيه مالك: أبو حنيفة أنظر الناس، يعني: أقيس الناس وأعقلهم، فلو ناظر أحداً على أن هذا العمود من ذهب لأقنعه بذلك.

стр. 221

الإمام أحمد بن حنبل يقدر منزلة الإمام الشافعي كان الشافعي يعرف قدر مالك حيث قال: إذا ذكر الحديث فـ مالك. وأحمد بن حنبل أروع ما يكون في التواضع ومعرفة الفضل لأهل الفضل، فكان ينهى الناس عن الشافعي؛ لأنه كان يظن أنه من أصحاب الرأي، فلما سمع عن الشافعي وعرف قوة علمه -بل إنه قد يسمى بناصر السنة- قال: فخرج علينا رجلاً طبيباً صيدلانياً هو الشافعي الناقل للسنة، ثم مشى ذات مرة خلف بغلته، فقالوا له: تنهانا عن الشافعي وتسير خلف البغلة؟! فقال: اسكتوا، والله لو لم يتكلم الشافعي وسرت خلف بغلته لتعلمت منه إما من لسان حاله، وإما من تدبره للمسائل. ومن ذلك حديث: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟)، فقد قضى الشافعي ليلته يفكر في هذا الحديث ويستنبط منه مسائل العلم. الغرض المقصود أنهم كانوا يعرفوا للعلماء قدرهم، فلم يرتقوا إلا بهم، وعلموا أن النصر لا يأتي إلا من قبلهم؛ لأن سهم الليل لا يخطئ, والسهام والرماح الأخرى يمكن أن تخطئ، لذلك عرفوا للعلماء قدرهم وأنزلوهم منزلتهم, حتى إن بعض المفسرين قال في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] قال: هم العلماء ثم الأمراء, لأن الأمراء هم أولي الأمر على العامة، والعلماء هم أولي الأمر على الأمراء. فلا بد من إنزال الناس منازلهم حتى ترتقي هذه الأمة. والكلام عن العلماء كثير, لكني أردت فقط أن أذكر بأن إنزال الناس منازلهم ترتقي به الأمة، وهو الذي يثمر وينبت, وألمح بذلك أن أفضل الناس هم طلبة العلم, وهم على الجادة في الطريق, وقد اصطفاهم الله بفضله من بين الخلق أجمعين؛ لينظروا في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ ، ويجعلكم الله جل وعلا بعد ذلك واسطة بين الخالق والمخلوق، فعضوا على ذلك بالنواجذ. أسأل الله جل في وعلاه أن يجمعنا جميعاً في رضاه، ويجعلنا ممن يسيرون على درب أهل العلم؛ حتى نصل إلى رسول الله ﷺ ، ونفوز بهذا الحديث العظيم: (إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 222

الأصل في النكاح التعدد النكاح سنة كونية لا يمكن إهمالها أو تجاهلها بحال من الأحوال، فهي رغبة دفينة أودعها الله في قلوب الناس ليحقق الإنسان غايته العظمى التي خلق من أجلها ألا وهي: العبودية، ولذلك كله جاء الشرع ليؤكد على أهمية النكاح، ويزيل ما علق به من العلائق الخبيثة، وينظم إقامته على وجه البسيطة، بدءاً من اختيار الزوجين كل منهما للآخر، وانتهاء بالحكمة الجليلة لمشروعية تعدد الزوجات.

стр. 223

من أحكام النكاح إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: بسم الله الرحمن الرحيم، فمن روائع البيان أن يُبدأ بتسمية الله جل وعلا، وهذه من السنن التي ما من مصنف كما قال البخاري يفتتح كتابه إلا ويبدأ باسم الله اقتداءً بكتاب الله جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، واقتداءً بفعل النبي ﷺ ، فقد بعث الرسل إلى ملوك الدنيا يقول: باسم الله من محمد رسول الله إلى قيصر الروم أو كسرى فارس.

стр. 224

تعريف النكاح لغة وشرعاً أفرد الفقهاء للنكاح كتاباً وأسموه كتاب النكاح، والكتاب: فعال بمعنى: مفعول أي: مكتوب. النكاح: لغة: الضم والجمع، وقد اختلف الفقهاء هل هو حقيقة في عقد النكاح أم حقيقة في الجماع؟ وكان اختلافهم على ثلاثة أقوال، والصحيح الراجح الذي تدل عليه الآثار أنه حقيقة في العقد، ومجاز في الوطء، ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩]، ففيها دلالة صريحة على أن المقصود بقوله: ((نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ)) أي: كسبتم أو عقدتم هذا العقد عليهن. وقد فرق بينهما بعض الفضلاء والعلماء فقال: إذا قيل: نكحت بنت فلان أو أخت فلان، قصد بذلك العقد، وإذا قيل: نكح امرأته قصد بذلك الوطء والجماع. وشرعاً: هو عقد يفيد حل استمتاع الرجل بالمرأة أو حل استمتاع الزوجين كل منهما بالآخر على وجه مقصود. وقوله: على وجه مقصود بمعنى أن هناك أموراً محظورة لا يستطيع المرء أن يستمتع بها مثل الجماع في الدبر، فهو ممنوع ومحرم على الزوج أن يفعل ذلك مع زوجته.

стр. 225

مشروعية النكاح النكاح مشروع، وأصل مشروعيته في الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، وقال جل وعلا: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]. ومن السنة قول النبي ﷺ : (أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي - يعني هذه سنتي - فليس مني) فهذه دلالة واضحة على أن من سنة الأنبياء النكاح. وورد في بعض الآثار -وإن كان في أسانيدها كلام إلا أنه يستأنس بها- إن من سنن المرسلين أربع: منها النكاح، والشواهد تعضد هذه الآثار، وتدل عليها السنة الصريحة بأن النكاح مشروع بالسنة. وأجمع المسلمون على أن النكاح مشروع في شريعتنا الإسلامية؛ لأن النبي ﷺ نهى عن التبتل والرهبانية فقال: (لا رهبانية في الإسلام) وهذا يخالف ما يتعبد النصارى به من عدم الجماع والنكاح، فالنكاح مشروع بالكتاب وبالسنة وإجماع المسلمين.

стр. 226

أنكحة الجاهلية وحكم الإسلام فيها كانت الأنكحة في الجاهلية على أقسام أربعة ذكرتها عائشة ﵂ وأرضاها كما ذكرها البخاري عنها، وهذه الأقسام كالتالي: القسم الأول: مناكح أصحاب الرايات: أي: العاهرات، وكن يضعن الرايات على بيوتهن حتى يعرفن أنهن معدات لذلك. القسم الثاني: مناكح الرهط والقبائل: فكل قبيلة فحولها يأخذون امرأة تعجبهم، ثم يجامع كل واحد من هذه القبيلة هذه المرأة حتى تلد فإذا ولدت ولداً نظروا إلى أشبه رجل به فألحقوه بهذا الرجل من القبيلة. القسم الثالث: نكاح الاستنجاب للشرف: فإذا أرادت امرأة أن تلد ولداً شريفاً، ذهبت إلى القبائل تبحث عن أفحل رجل في القبيلة، فتبذل نفسها له، فيطأها الرجل تلو الرجل حتى تلد ولداً، فتدعو من جامعها فتلقيه على من أحبت من هؤلاء الفحول. القسم الرابع: النكاح الصحيح: وهو نكاح التعفف، وهو الذي ولد منه النبي ﷺ كما قال: (ولدت من نكاح لا من سفاح) فهو نبي من ذرية نبي ابن نبي من خير الأمم أجمعين.

стр. 227

أقوال العلماء في حكم النكاح اختلف الفقهاء في حكم النكاح على قولين: القول الأول: قول الجمهور من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة على اختلاف بينهم وليس هذا مقام التفصيل فقالوا: هو مستحب، واستدلوا على ذلك من الكتاب بقول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣]، ووجه الدلالة في الآية قوله: (ما طاب لكم)، فقد علق النكاح بالاستطابة، واستطابة النفوس لا يتعلق بها الوجوب، والنبي ﷺ ما استطاب الضب فما أكله، فقال خالد: أحرام هو؟ فقال له النبي ﷺ (لا ولكني أعافه، ما كان يؤكل بدار قومي) فالاستطابة لا يتعلق بها وجوب، كما استدلوا بالآثار التي تقدمت، منها قوله: (من سنن المرسلين النكاح) فقالوا: هي سنة من سنن المرسلين بالتصريح، فهي سنة. القول الثاني: قول داود الظاهري أنه يجب على كل امرئ أن يتزوج، واستدل على ذلك بقول النبي ﷺ كما في الصحيح: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج) فقوله: (فليتزوج) أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وإذا قلنا بعدم الوجوب فلابد من صارف ولا صارف له، وأسعد الناس بالدليل الظاهرية، فأمر النكاح على الوجوب لمن تيسر له، لقوله: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج). والدليل الذي استدل به المالكية والشافعية والأحناف والحنابلة وهو قول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] يدل على الوجوب أيضاً، فقوله: (فانكحوا) أمر، وظاهر الأمر يفيد الوجوب، ويرجع الاستحباب إلى التعدد كما سنبين في طيات هذا المبحث. وبذلك يعلم أن حكم النكاح الوجوب لمن تيسرت له الآلة، ويأثم إن ترك النكاح خلافاً للشافعية الذين يقولون: النكاح أصله ليس من العبادة، فهو كالبيوع والشراء والهبة، والصحيح الراجح: أن النكاح عبادة، والدليل على ذلك قوله ﷺ (وفي بضع أحدكم صدقة)، وقوله: (إنما الأعمال بالنيات)، فكل عمل يقدم عليه المرء فإنه يكون عبادة إذ أحسن النية، لكن الشافعي وضع على الفقهاء إشكالاً عظيماً فقال: إن كان عبادة فهو يصح من الكافر، ولا عبادة تصح من الكافر؟! ويرد عليه أن هناك فرقاً بين الأجر والصحة والبطلان، إذ الأجر لله جل وعلا، فلا يتحكم فيه أحد، لكن الصحة والبطلان لها أمور شرعية ظاهرة، فلذا نقول: يصح من الكافر النكاح، فيصح أن النصارى واليهود والبوذيين يعقدون النكاح بعضهم على بعض. ولا يؤجر أحدهم عليه؛ لأن عمارة الدنيا لا تتحقق إلا بذاك، كما أننا لو قلنا: لا يصح! فإن الدنيا ستفنى، فاستثني ذلك للكافر لأجل عمارة الدنيا، والصحيح الراجح أنها عبادة، وأن حكم النكاح الوجوب.

стр. 228

معايير الإسلام لاختيار الزوجة إذا قلنا بوجوب النكاح وتيسر للمرء أن يتزوج فله اعتبارات في اختيار امرأته، كما قال بعض الفضلاء: إني لأربي ولدي قبل أن يولد بعشرين عاماً، أي: أتخير من ستكون أماً لولدي حتى يكون هذا الولد مجاهداً في سبيل الله ينصر الله به الدين أو عالماً من الصالحين، فهناك اعتبارات مهمة جداً حتى يتخير المرء المرأة التي ستكون قرينة له في هذه الدنيا، وليرتقي بها بعد ذلك في جنات العلى، لتكون الحور العين وصائف لهذه المرأة، ولأن الشرع لم يترك شيئاً إلا وبينه لنا، فقد وضع معايير لاختيار الزوجة ينبغي لكل راغب بالزواج أن يأخذ بها.

стр. 229

(فاظفر بذات الدين تربت يداك) أشار النبي ﷺ لأول فضيلة وأول صفة نعت بها المرأة التي لا بد أن تكون خليلة وزوجة فقال: (فاظفر بذات الدين) يشير أن البركة واليمن واليسر والرضا في الدنيا قبل الآخرة مع ذات الدين، كما أن الغم والنكد والهم والشؤم مع غير ذات الدين، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، وقال النبي ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) والمعنى: اظفر بذات الدين وإلا تربت يداك، أي: افتقرت يداك، وافتقر قلبك وافتقر جيبك وألم بك في الدنيا كل هم وغم؛ لأن ذات الدين هي التي ترتقي بك إلى ربك حيث تعضدك في طاعة الله جل وعلا، فإن رأتك تتقاعس عن الدين قالت: يا فلان! أراك كنت تقوم من الليل، لم لم تقم الليلة من الليل؟ كنت أراك تطالع كثيراً لم تتقاعس عن الاطلاع؟ لم لا تسمو إلى ربك جل وعلا؟ فتشد همتك حتى ترتقي بك إلى رضا الله جل وعلا. أما الأخرى فتقول لك: لم لم تأتِ بالطعام؟ لم لم تأتِ بالسيارة؟ لم لم تأتِ بالدرهم والدينار؟ لم تركت العمل؟ لم لم ترتقِ في مكانك وأنت تعمل؟ أختي عندها بيت في المكان الفلاني وقد بنت بيتاً آخر في المكان الفلاني! فتعدد لك أمور الدنيا حتى ينشغل عقلك وقلبك بها. أما ذات الدين فلابد أنك ستجدها معك في نفس الطريق التي تمشي به، وتسيرا إلى الله جل وعلا، ولذلك قال النبي ﷺ : (فاظفر بذات الدين). جاء أن سعيد بن المسيب دخل على ابنته وهي تقرأ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، فقالت: يا أبتاه! قد عرفنا حسنة الآخرة وهي الجنة فما حسنة الدنيا؟ فقال وهو أعلم التابعين على الإطلاق: المرأة الصالحة للرجل الصالح. فحسنة الدنيا بتنصيص سعيد بن المسيب: المرأة الصالحة للرجل الصالح، إذ إنها تنشر في بيتك كل اليمن والبركة، وغيرها تأتيك بكل الوبال. وكما أن الرجل ينبغي أن يختار ذات الدين فكذلك المرأة لا تتخير إلا صاحب الدين؛ ولذلك قال النبي ﷺ (إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة وفساد) وصاحب الدين كفء لأي امرأة، وقال بعض العلماء: طالب العلم كفء لأي امرأة، ونعجب من بعض الملتزمين الذين إذا تقدم لهم شاب فلا يسألون إلا عن راتبه! وأين يسكن؟ وكيف ستعيش معه؟ ولذا نتسائل: كيف تتكلمون في الفرعيات وأنتم من الملتزمين؟! المفروض أن تستشعروا ما أمرنا به النبي ﷺ حيث قال: (إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه). وقد عرفنا من النساء من جاءها خاطب وله المال الوفير والمكانة والوجاهة والبيوت الواسعة فتركته وقالت: بينها وبين الله عقد أن لا تتزوج إلا طالب العلم ولو بشظف العيش من أجل الله جل وعلا، وقالت: أنا إنما فعلت ذلك من أجل الله، وكان الرجل قد رآها فذهل، فأراد أن يبذل لها كل ما تريد، وأغرى أباها بأنه سيعطيها من الذهب كذا ومن المهر كذا وطلب مقابلتها ليقنعها فعلمته الأدب، وقالت له: كم تحفظ من القرآن؟ ماذا عندك من السيرة؟ فبينت له دنو مكانته ثم تركته وتزوجت بطالب علم يعيش في شظف العيش، وقالت: هذه لله، وقامت ليلاً فقالت: ربي تزوجته لك. فهذه لا ترى أجرها إلا عند ربها، فمثل هذه النساء جديرات بأن يتمسك بهن وهن من عنى النبي ﷺ حيث قال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك). وقد ورد في سنن سعيد بن منصور عن ابن عمر مرفوعاً بسند ضعيف يستأنس به: (امرأة أو أمة سوداء ذات دين خير من حسناء لا دين لها) فالمرأة السوداء الحبشية ذات الدين أفضل بكثير من المرأة الحسناء التي لا دين لها، فكان أول اعتبار في اختيار الزوجة أن تظفر بذات الدين وإلا تربت يداك.

стр. 230

تزوجوا الولود الودود الاعتبار الثاني الذي بينه الشرع أن تتزوج الولود الودود، وقد يسأل سائل: كيف تعرف أن المرأة ودود ولود وهي ما زالت بكراً؟ فيقال: بالنظر إلى مثيلتها في عائلتها، فينبغي للمرء أن يتخير المرأة التي تلد كثيراً؛ لأن هذا هو مغزى الشرع، كما أنه هو المقصود الأسمى للنكاح، وبه يكثر سواد المسلمين، وهو عمل بتوجيه النبي ﷺ كما في السنن (تزوجوا الولود الودود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) والودود التي إذا نظرت إليها سرّتك بجمالها، وجمال المرأة على ضربين: جمال خلقي وجمال مكتسب، فالجمال الخلقي: هبة يهبها الله لمن يشاء، أما الجمال المكتسب فإنه من الأمور المعروفة عند النساء، فمن النساء من تتجمل لزوجها حتى إنه إذا دخل البيت اشتاق لرؤيتها، بينما البعض الآخر تجعل زوجها إذا دخل البيت يقول: أنظر للحائط أم أنظر إلى زوجتي فكلاهما سواء! فإذا كان الجمال الخلقي هبة من عند الله فلا ينبغي للمرأة أن تترك الجمال الذي تكتسبه، بل لابد أن تفعله من أجل زوجها لتصرف زوجها عن غيرها. وفي الحديث: (خير النساء من إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في ماله وعرضه ونفسها) فتحفظه حتى في أسراره، وتعرف أصالة المرأة عندما يضيق بك المقام، فإن كانت تفشي كل مساوئك وتخفي محاسنك أمام الناس، فهذه ليست بأصيلة، وليست بخيرة، ولا تمسك عليها لأنه ليس فيها خير. ولنا في ذلك سلف من إبراهيم ﵇، فإن امرأة إسماعيل لا مطعن في دينها، لكنها كانت تتضجر من عيش إسماعيل والشظف الذي كان يعيشه، فإنها لما سألها إبراهيم ﵇ عن عيشها تضجرت واشتكت سوء العيش مع إسماعيل فقال لها إبراهيم: أبلغيه -أي: إسماعيل ﵇ أن يغير عتبه بيته، فإن كانت كذلك فلا كرامة لها ولا يحرص على التمسك بها.

стр. 231

(هلا بكراً تداعبها وتداعبك) الاعتبار الثالث أن تكون بكراً لا ثيباً قد مسها أحد قبلك، فإن الله امتن على أهل الجنة بالحور العين وأنهن لم يمسهن أحد فقال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، وهذه من أكبر المنن على المتزوج، فالمتزوج ينبغي أن يتخير البكر؛ لأنه إذا اقترب منها وهو أول واحد مسها دخل بسرعة إلى قلبها، بل يأسرها بعد البناء ويكون عندها هو الوحيد ولا تنظر إلى غيره، وقد أشار النبي ﷺ لـ جابر بذلك كما في البخاري فقال (يا جابر أتزوجت؟ قال: نعم! قال: تزوجت بكراً أم ثيباً؟ فقال: بل ثيباً، فقال النبي ﷺ : هلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك)، وفي رواية: (تداعبها وتداعبك)، فبين له أن البكر يميل قلبها إلى الذي مسها أولاً، والذي يبني بها يكون أحب الناس إليها، فالبكر هي أولى النساء التي لا بد أن يتخيرها الرجل.

стр. 232

(تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس) ينبغي أن تكون الزوجة ذات حسب أي: من عائلة أصيلة، ولا يقصد بحسبها أن تكون مرموقة المكانة بل ذات حسب أي: حسب الأصل، وتكون من أناس أصحاب دين. وقد وردت في ذلك أحاديث ضعيفة تشير إلى ذلك منها: (إياكم وخضراء الدمن: المرأة الحسناء التي منبتها منبت سوء)، حتى وإن كانت صالحة فلا يصح أن تقترب منها لأن العرق دساس، وإن كانت الأحاديث ضعيفة لكن لها شواهد تقويها، فلابد أن تبحث عن أصل أصيل صاحبة دين.

стр. 233

الأصل في النكاح التعدد إذا كان حكم النكاح الوجوب، وإذا كان لنا اعتبارات في الاختيار، فإن المرء قد أمر من قبل ربه أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع، فللرجل أن يجمع من النساء أربعاً، وقد اختلف العلماء في الزيادة على ذلك، فمنهم من قال: له أن يجمع بين تسع من النساء، ومنهم من قال: يجمع بين اثنتي عشرة امرأة، ومنهم من قال: له أن يعدد مطلقاً. والصحيح الراجح أن المرء لا يحبس عنده من النساء إلا أربع لقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]. وفي السنة أن غيلان جاء للنبي ﷺ فقال: أسلمت وتحتي عشر من النسوة، فقال له النبي ﷺ : (أمسك عليك أربعاً وفارق الباقي)، فالنبي ﷺ أمره أن يمسك أربعاً ويفارق باقي النساء، وأيضاً معاوية بن نوفل أسلم وكان تحته خمس من النساء فأمره النبي ﷺ أن يفارق واحدة منهن ويبقي على أربع. وقد يسأل سائل: إذا كان للمرء أن يجمع بين الأربع فهل حكمه في ذلك الإباحة أم هي للضرورة أم هو مستحب؟ وهل الأصل في النكاح التعدد أم الأصل في النكاح الاقتصار على واحدة؟ والإجابة على هذا السؤال يقال: الأصل في النكاح التعدد، بل هو مستحب محثوث عليه، فإن أرقى الناس وأفضل الناس وأكمل الناس مَنْ عدد، وما زالت العرب تفتخر بفحولة رجالها بكثرة النساء وكثرة الوطء لهن، وأنا أتحدى أي شخص يأتيني بسند ولو موضوع أن صحابياً مات وتحته امرأة واحدة، بل ما من صحابي من صحابة رسول الله ﷺ إلا وكانت تحته على الأقل أربع نساء من النكاح وكثير من الإماء. وإليكم الأدلة على أن الأصل في النكاح التعدد حتى لا يكون هذا ادعاء كاذباً أو عار عن الأدلة! الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، فقوله: (فانكحوا) أمر، وأصل الأمر الوجوب، وأقل أحواله أن يكون للاستحباب، إذ إن أقل أحوال الوجوب أن يصرف إلى الاستحباب. الدليل الثاني: أن الله صدر الأمر بالتعدد ثم ثنى بالإفراد والاقتصار على واحدة، والتصدير يكون لما له الأهمية، فدل ذلك على أن الأصل في النكاح التعدد، قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣]، فقدم الأصل وأخر الفرع، ومقاصد الشريعة دائماً تفعل ذلك، فتقدم الأصول ثم تأتي بعد ذلك بالفروع. الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣]، فجعل الاقتصار على واحدة مشروط بشرط، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط كالعلة للحكم، فإن الحكم يدور مع العلة حيث دارت، ومفهوم المخالفة فإن لم تخافوا أي: إن استطعتم أن لا تظلموا فارجعوا إلى الأصل وهو النكاح بالمثنى والثلاث والرباع. الدليل الرابع: أن هذا هو فعل النبي ﷺ ، والله لا يختار لنبيه إلا الأكمل والأفضل، فالله جل وعلا اختار لنبيه أن يعدد إلى التسع فمات وعنده تسع على ذمته، وتزوج أكثر من ذلك، وتسرى بـ مارية، فهذا هو الأكمل الذي اختاره الله جل وعلا له، وهذا هو فعل الصحابة، فما من صحابي إلا وقد عدد، فكان هذا هو الأكمل والأفضل؛ لأنه فعل النبي ﷺ . الدليل الخامس: أن الإنسان إذا أمر بشيء فعليه أن يأتي منه ما استطاع، فالاستطاعة قد تكون أولية أو ثانوية إلى درجات عالية، قال النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وقد أمرنا النبي ﷺ بالنكاح، وأمرنا الله بالتعدد ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، فأعلى شيء بالامتثال للأمر هو: الأربع، وأقل منه: الثلاث، وأقل منه: الاثنتين، وأقل الأقل: أن يقتصر على واحدة، فكمال الاقتداء بالنبي ﷺ هو التعدد. هذه أدلة متوافرة متضافرة تبين لنا أن الأصل في النكاح التعدد، ومن عنده دليل يخالف ذلك فليأتنا به، فالأصل في النكاح التعدد، ومستحب لكل ميسور قادر على النكاح أن يتقي الله في نفسه فيعدد، وأن يعف الأخوات المسلمات؛ لأن هذه هي حكمة التشريع، فالنساء الآن كثيرات والرجال في قلة، بل سيصل الأمر قبل يوم القيامة أن الرجل الواحد يكون قيم على أربعين امرأة، والإحصائيات الآن أن كل ثلاث أو أربع نساء لهن قيم واحد! فلا بد لكل من يسر الله له الآلة ووفقه ألا يترك هذه العبادة الجليلة، وليتق الله جل وعلا إن علم من نفسه أنه لا يظلم، وليسارع في هذه العبادة، ولتتق الله المرأة في زوجها، ولا تعوقه وتكون حجر عثرة أمامه إذا أراد أن يعف مسلمة، ولتؤثر بنفسها لأختها، ولا تستأثر بزوجها أنانية وطاعة لهوى نفسها، لا طاعة لربها. فالأصل في النكاح التعدد، وكل امرأة لا بد أن تصبر على ذلك، وتتق الله ولا تظهر غيرتها وتتبع هواها فتعرقل الرجل الذي استطاع أن يعدل بين اثنتين وتمنعه أن يتزوج الثانية أو الثالثة أو الرابعة.

стр. 234

شبهات متعلقة بالتعدد والرد عليها ظهرت شبهات حول أن الأصل في النكاح التعدد تلوكها الألسن، وأكثر من يلوكها النساء، ولنا أن ننظر فيها إن كانت حقاً فنسمع ونطيع، وإن أمكننا الرد عليها بالأدلة الناصعة البيضاء فلا بد لكل امرأة أن تخضع لذلك ولا تعوق زوجها.

стр. 235

شبهة استحالة التعدد في الزمن المعاصر والرد عليها أول هذه الشبه: استحالة التعدد في هذا الواقع المعاصر، فإن سئلوا لم هذه الاستحالة؟ قالوا: عندنا أدلة من الكتاب والسنة باستحالة ذلك، أما من الكتاب فقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:١٢٩]، فعلّام الغيوب بين لنا أن المرء لن يستطيع بحال من الأحوال أن يعدل، حتى ولو جاهد نفسه للعدل، فلن يستطيع العدل، فإذا لم يستطع العدل ظل الشرط موجوداً والله يقول: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣]. والرد على هذه الشبهة القوية أن يقال: نعم! قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء:٣]، ونحن نقول بهذه الآية فمن خاف عدم العدل وجب عليه أن لا يعدد؛ لأنه سيقع في الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، والله حرم الظلم على العباد كما حرمه على نفسه، أما إن كان الرجل يعلم من نفسه أنه سيعدل بين النساء فله أن يعدد. والعدل المقصود به في هذه الآية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء:٣] هو عدل المبيت والنفقة والمسكن، والواجب هو العدل في النفقة والقسم والمسكن، كأن تسكن هذه في سكن وتسكن الأخرى في سكن، وكأن تبيت مع هذه ليلة وتبيت مع الأخرى ليلة مثلاً، فلابد أن يعدل فيكون لهذه ليلة أو هذه ليلة وهذه أسبوع والأخرى أسبوع حسبما يتفق الزوجان في مسألة القسم، ويعدل في النفقة، وفي حسن المعاشرة والتعامل، وفي السكن، كل هذا من باب العدل الذي أمر المرء أن يأتي به في هذه الآية، فالمقصود أن من استطاع أن يفعل ذلك فله أن يعدد فإن لم يستطع فليقف عند بابه ولا يتجرأ حتى لا يقع في المظلمة. أما الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:١٢٩] فإن المقصود بها: العدل الباطني وهو ميل القلوب، وميل القلوب، لا يملكها إلا صاحب القلوب. ويجلي ذلك النبي ﷺ حيث كان يحب عائشة حباً جماً، وكان يقسم بين نسائه حتى أنه لما قالت له عائشة: تحبني؟ قال: نعم! أحبك. قالت: ما دليلك على ذلك؟ فضرب بيده فوجد درهما فأعطاها درهماً قال: هذا الدليل على حبي لك، فحسبت أنها قد استندت بهذا الدرهم وأن النبي ﷺ قد خصها به، فطاف النبي ﷺ على النساء التسع فأعطى كل واحدة منهن درهماً، فقالت مترفعة عليهن: يا رسول الله! من أحب النساء إليك، فقال: التي أعطيتها الدرهم، فوقفت أمامهن تفخر وهي معها الدرهم وهن معهن الدراهم، فالنبي ﷺ قسم هذه الدراهم قسمة عدل ظاهرة أما في الباطن فكانت أحب النساء إليه هي عائشة كما في الصحيحين عن عمرو بن العاص قال: (يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قال: لست أسأل عن النساء بل عن الرجال، قال: أبوها) فإن عائشة كانت أحب النساء إلى النبي ﷺ ، كما أنه في مرض موته كان يقول: (أين أنا غداً؟ أين أنا اليوم؟) ففهم أمهات المؤمنين من النبي ﷺ أنه يريد أن يطبب عند عائشة فأذن له أن يكون عند عائشة، فهي أحب النساء إليه، ومع ذلك كان يقسم قسمة العدل، وكان يقول: (اللهم إن هذا قسمي فيما أملك -في النفقة والسكنة وحسن المعاشرة والملاطفة- فلا تؤاخذني فيما تملك) وهو الميل القلبي، وبذلك علم أن المقصود بهذه الآية: ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا)) [النساء:١٢٩] الميل القلبي أما الأصل إن استطعت فلك أن تعدد.

стр. 236

شبهة أن الفقر عائق عن التعدد والرد عليها الشبهة الثانية: أن الفقر عائق عن التعدد، فإن من النساء من تقول: أنت لا تقدر أن تطعمنا، أتذهب لتحضر امرأة أخرى لتطعمها! اتق الله فينا، فأنت لا تكفي بيتك أصالة فكيف تفتح بيتاً آخر؟ وقد وافقهن الفقهاء في ذلك، فلم يجوزوا للفقير أن يعدد، وهذا فيه نظر؛ إذ إن الأدلة المتوافرة متضافرة على أن الفقير لا يحرم عليه التعدد، بل يسن له أن يعدد، ولعل الله أن يرزقه بها، وعندنا أدلة في ذلك وإن كانت ضعيفة لكن نستأنس بها مع الأدلة الصحيحة، فخير البشر على الإطلاق رسول الله ﷺ كان يعاني من شظف العيش، كما قالت عائشة ﵂ وأرضاها: ما كان يوقد نار في بيته شهراً كاملا، وليس عندهم إلا الأسودان التمر والماء، وعنده تسع من النساء، بل خيرهن: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨]. فدل ذلك على أن الفقر ليس بعائق عن الزواج والتعدد، والصحابة الذين حملوا الدين إلينا حتى جاءنا غضاً طرياً منهم من تزوج على فقرٍ مدقع، فهذا رجل كان بجانب النبي ﷺ فجاءت امرأة تهب نفسها للنبي ﷺ فصعد النبي ﷺ فيها النظر وخفض، ثم وجد أنه لا طلب له فيها، فقال له الرجل: (يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة فزوجني إياها، فسأله أن يعطيها صداقاً، فقال: ما معي شيء، قال النبي ﷺ : التمس ولو خاتماً من حديد، قال: ما عندي إلا إزاري، فقال: لو أعطيتها إزارك جلست بلا إزار، ما معك من القرآن؟ قال: البقرة وآل عمران، قال: زوجتكها بما معك من القرآن) يريد على تعليمك لها من القرآن. واستنبط العلماء من ذلك أن التعليم يجوز أن يؤخذ عليه أجرة، والمقصود أن النبي زوجه إياها وما معه إلا إزار لو أعطاها إياه لجلس بغير إزار، فبرغم ما كان عليه من فقر لم ينكر النبي ﷺ عليه ذلك، بل أقره على ذلك. وجاء عن عمر بسند صحيح أنه قال: التمسوا الغنى بالنكاح. وفي حديث ضعيف يستأنس به أن رجلاً جاء للنبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! اشتدت علي الفاقة -أي: شكا الفقر- فقال النبي ﷺ : انكح)، وهو رجل فقير متزوج بواحدة، فذهب فنكح الثانية، ثم عاد إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! اشتدت الفاقة، فأمره بالنكاح) فذهب وتزوج الثالثة وكذلك في الرابعة، فلما تزوج الرابعة كانت لها صنعة فعلمت الثلاث؛ فأصبح تاجراً كبيراً، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٢٨]، وقال أيضاً: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]. فالصحيح أن الفقر ليس بعائق للنكاح؛ لأن أفضل البشر كان زاهداً فقيراً، ولم يكن عنده من المال شيء، وكان تحته تسع من النساء، فلا ينبغي أن تردد النساء: أنت لا تكفينا في بيتنا فلا يحق لك أن تفتح بيتاً آخر، فالذي رزقها سيرزق غيرها.

стр. 237

شبهة أن النبي ﷺ منع من التعدد والرد عليها الشبهة الثالثة: أن النبي ﷺ وهو خير الخلق وسيد الخلق منع من التعدد، فكيف يتجرأ متجرئ ويبيح التعدد وقد منعه رسول الله؟ فهذا علي ﵁ أراد أن ينكح الثانية، فمنعه النبي ﷺ وأمره ألا يجمع بين فاطمة وأخرى تحته. و الجواب أن ذلك حدث فعلاً، لكن دليلكم حق أريد به باطل، والرد على هذه الشبهة الواهية من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: معلوم أن النبي ﷺ عدد إلى أن وصل إلى التسع، وهو القائل (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ولا يجوز أن أحب لنفسي أن أعدد وأمنعه عن غيري، فهذا بعيد عن النبي ﷺ وهو سيد الخلق أجمعين. أما الحديث الذي ذكر سابقاً فإن رسول الله ﷺ ما منع علياً إلا لعلة أقوى من هذا، فإنه يحب لـ علي أن يفعل هذا، وأظهر لنا الرسول ﷺ علة منعه علياً ﵁ وهما علتان: العلة الأولى: أن علياً أريد منه أن يتزوج من بنت أبي جهل، فقال رسول الله: (لا والله لا تجتمع بنت رسول الله مع بنت أبي جهل في بيت واحد)، هذه علة أولى، فهذا أعدى أعداء الله ورسوله وهو فرعون هذه الأمة فكيف تجتمع بنته مع بنت أفضل البشر على الإطلاق في بيت واحد أو تحت رجل واحد؟! العلة الثانية وهي الأقوى: أن المسألة خاصة بـ فاطمة ولا تعمم على غيرها بحال من الأحوال، وهي أن النبي ﷺ قال: (إن فاطمة قطعة مني يريبني ما أرابها) أي: يؤذيني ما آذاها، ومعلوم أنه لا يوجد في البشر من يساوي أو يداني منزلة الرسول عند ربه، فإذا غضب رسول الله من أجل فاطمة سيغضب على من هو سبب في إغضاب فاطمة، وهو علي، وإذا غضب رسول الله على علي غضب الله على علي من أجل غضب رسول الله ﷺ فهلك. فهذه دلالة واضحة أن هذه خصيصة لـ فاطمة وتخصيصاً لرسول الله لا يستوي معه غيره، وبذلك يظهر جلياً أن مسألة علي ليست مسألة يتغنى بها الناس ليقولوا بعدم التعدد.

стр. 238

شبهة الضرر والرد عليها الشبهة الرابعة: ادعاء أن التعدد يولد الضرر، ومعلوم أن الدين قرر أنه (لا ضرر ولا ضرار)، فالأدلة محفوظة عند النساء إلا أنها غير مفهومة، فتجد إحداهن تقول: أنا امرأة أغار، ولو علمت أن زوجي في الليلة الثانية سيبيت مع الأخرى قد أموت من شدة الغيرة! فنقول: لست أفضل من عائشة ولا أغير منها، فقد كانت ﵂ وأرضاها ذات غيرة شديدة على رسول الله حتى أنها تجرأت في الحديث مع رسول الله ﷺ لما أنزل الله قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٠] فقالت: يا رسول الله ما أرى الله إلا يسارع في هواك. ومن المواقف التي تبين شدة غيرتها ما حدث معها لما سافرت مع رسول الله في أحد أسفاره، وكان معها حفصة، فقالت لـ عائشة: يا عائشة هلا ركبتي مكاني وأركب مكانك فتنظري إلى ما أنظر وأنظر إلى ما نظرت -وهذه حيلة من حفصة لما تعلم أن رسول الله يعجبه أن يجاري مركب عائشة ويداعبها-، فقالت عائشة: فاركبي مكاني وأركب مكانك، فركبت حفصة مكان عائشة وركبت عائشة مكان حفصة، فجاء النبي ﷺ بفرسه ليساير عائشة إذ هي أحب نسائه إليه، فنزلت عائشة ووضعت رجلها في الحشيش فقالت تدعو على نفسها بالموت: ليست حية أو عقرباً يلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً؟! فانظروا الغيرة إلى أي حد وصلت بها؟! تدعو على نفسها بالموت، ومع ذلك النبي ﷺ لم يعتبر بذلك وعدد ﵊. فالغيرة والضرر المدعى الذي يقع على المرأة يجعلنا نقول لها: إن كانت منصفة مخلصة لله جل وعلا فلتسمع لهذا الأمر الذي يكلف الله به عباده، فأي تكليف لا بد أن يكون فيه مشقة، لكن هو تحت إطار الاستطاعة، ولا يمكن أن يكون فوق الاستطاعة، فالله لا يكلف إلا بالاستطاعة وإن كان فيها كلفة وفيها مشقة. وهنا الله جل وعلا أمر المرأة بأن ترضى بأمر التعدد، وأن الرجل يجوز له أن يعدد أكثر من امرأة، وهذه طبيعة الرجل، فالرجل يمكن أن يتجزأ عاطفته كما يمكن أن يتجزأ قوته حتى في الميل الجنسي بعكس المرأة إذا مالت لرجل في الغالب لا تتبع غيره، كما أنها لا تميل كثيراً، وهذه طبيعة البشر التي خلقهم الله عليها، ولذلك كان من الواجب عليها أن ترضى بتكليف الله لها، فترضى بالتعدد، فإن علمت أن الله قد أمرها بهذا فتسمع وتطيع لله جل وعلا، كما ينبغي أن تنظر لأختها التي لو كانت هي في مكانتها، لتمنت أن تكون مثلما أرادت هي، وقالت: أؤثر بنفسي على أختي، ولعل الإيثار يقربني من ربي جل وعلا، وتشاركها هي في زوجها فيلدان من ينافح عن هذا الدين، وتقترب من ربها جل وعلا إن نوت رضا الله جل وعلا، وحتى لا تكون حجر عثرة لزوجها ليعف امرأة مسلمة تحتاج إلى رجل، كمن قتل زوجها في الجهاد، أو امرأة لم تتزوج قط، فهؤلاء النسوة من لهن؟ ومن سيكون خلفاً لزوجها الذي قتل في الجهاد؟ وهل هذا هو الإحسان مع من قتل شهيداً أن يترك أولاده وزوجته بلا عائل! وهذه المرأة قد تشتاق للرجل يوماً، وهذه طبيعة بشرية جبلية فمن لها إذاً؟! من لامرأة ملتزمة خبأت نفسها إرضاءً لله جل وعلا، فلا يراها أحد إلا أهلها، ولم يتقدم لها أحد؟ من لها إن لم يكن الملتزم الذي يريد الله ويرغب أن يعف المسلمة إرضاء لله جل وعلا؟! من للمرأة التي في خدرها أيتام وقد قال النبي ﷺ : (أنا وكافل اليتيم كهاتين)؟ من لها إن تركها الصالحون؟ وليس غير الصالحين إلا الذئاب فهل تترك فريسة لهم؟! فعلى النساء أن يتقين الله، وأن يراجعن أنفسهن، وأن يتعلمن أبواب الإيثار، ويتعلمن أبواب كمال الإيمان. ولذا فالمرأة التي تقف حجر عثرة لرجل يقول: أحتسب لله بزواجي من امرأة أرغب في إعفافها من أجل رضاه، أن في إيمانها زخم؛ لأنها لو كانت وقفت موقف إنصاف من نفسها أمام ربها لقالت: لو كنت مكانها لتمنيت ما تمنت، فلا بد للمرأة أن تتقي الله وتراجع نفسها. وختاماً أدعو كل رجل عنده يسار أن يتقي الله في نفسه، فينظر إلى امرأة مطلقة، أو امرأة قتل زوجها، أو امرأة في خدرها أيتام، فيسارع في نكاحها إرضاء للرب جل وعلا، أما إن كان دافعه الشهوة أو هوى فهذا يرجع أصلاً إليه؛ لأنه سيقع في المظلمة، أما إذا وقف مع نيته وعلم أنه ما يتقدم إلا لله جل وعلا فهذا الذي سيكون معه اليمن والبركة. وأختم بقصة حقيقية واقعة مع أخ لي، وهو رجل كان يعيش وزوجته على فقر في بيت ضيق، فعلم بامرأة طلقها زوجها ظلماً؛ لأنها (عقيم) لا تلد ولا ذنب لها، وكان له إن أراد الولد أن يتزوج بأخرى ويدعها معه، فيفعل السنة ويتزوج الولود الودود ويبقي على الأولى، فقال الأخ الصالح في نفسه: من لها؟ فاستخار الله وتقدم لها، وهو يعلم أن المرأة عقيم، وتزوجها لله، وليس لديه مال ولا درهم ولا دينار، فلما تزوجها حملت وهي عقيم، وقد أقر الأطباء أنها عقيم لا تلد، لكن الجزاء من جنس العمل، فالرجل صدق الله بنيته، فصدقه الله، بل إنه عند الزواج بها ما كان يجد المكان الذي يسكنها فيه، ثم فتح الله عليه وفتح بيتين، ويعيش بفضل الله مكتفياً بين الزوجة الأولى والزوجة الثانية! نسأل الله جل وعلا أن النساء يستفدن من هذه الكلمات، فيقفن مع أنفسهن ويراجعنها طلباً لرضا الله ، فإن وجدت المرأة في زوجها صدق النية، فينبغي أن تدفعه لما أراد، فقد يفتح له فيتزوج من تكون صالحة وتعينه على الطاعة، وتكون رفيقة لأختها في الجنة، في نعيم قد أخدمن الحور العين، فهن وصيفات لهن، والرجل صاحب الهمة العالية لا يرضى بامرأة واحدة فلا يرضيه إلا سبعون من الحور العين، نسأل الله أن يرزقنا ذلك.

стр. 239

الثبات والمداومة على الطاعات الثبات على الطاعات والمداومة عليها علامة من علامات قبول الأعمال عند الله ؛ لأن الله إذا قبل الحسنة من العبد وفّقه لحسنة بعدها، فيجب على المسلم المداومة والحفاظ على كل عبادة ابتدأها ولو كانت قليلة في نظره، فكم من عملٍ يسيرٍ هو أفضل بكثير من الأعمال العظيمة المنقطعة، وذلك بسبب الديمومة، فقليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع.

стр. 240

الثبات على الطاعة وفضله

стр. 241

التحذير من التقاعس عن الطاعة بعد ابتدائها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني الكرام! تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، ويسر لنا ولكم طريق الهدى، ونسأله الرفعة في الدرجات عنده جل وعلا. إن لقبول الأعمال عند الله جل وعلا علامات، منها: الزهد في الدنيا والمسارعة في أعمال الآخرة بترك الدنيا خلفك ظهرياً والإقبال على الله جل وعلا، ولسان حالك يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]، وطرح كل الشهوات والشبهات خلفك ظهرياً. فالوصول إلى القمة أمر سهل، وقد يكون صعباً نوعاً ما، لكن الاحتفاظ بالقمة أمر أصعب، والعبد إذا ارتقى وفُتح له باب من الخيرات، فهذا فتح من الله جل وعلا، والأمر الأصعب من ذلك هو الثبات على هذا الخير، ولهذا رغب الله أهل الطاعات بالثبات على الصالحات والعبادات حتى الممات، وعاب على أقوام تركوا العبادات خلفهم ظهرياً بعدما فتح الله عليهم بها، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) [النحل:٩٢]، فعاب الله على من نسجت غزلها بقوة وبحسن وبشدة، ثم بعد هذا التعب والعناء جعلته هباءً منثوراً، وهذا وصف دقيق لمن يجتهد في العبادة ليلة أو ليلتين أو أسبوعاً أو شهراً ثم بعد ذلك يتوانى ويتقاعس والعياذ بالله. وعاب الله تعالى أيضاً على أقوام سبقونا باجتهادهم في العبادة ثم بعد ذلك ولوها ظهرياً، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، فبعدما اجتهدوا في الطاعات تركوها وتوانوا وتقاعسوا عن المسارعة في الخيرات فقست قلوبهم. وقال جل وعلا منكراً على النصارى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) [الحديد:٢٧]، و (إلا): استثناء منقطع بمعنى: لكن ابتغاء، فهم ما فعلوا ذلك إلا مسارعة واجتهاداً في عبادة الله، قال: ((إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ))، فتقاعسوا عن هذه الطاعات، قال تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧]. والنبي ﷺ أنكر على أناس كانوا يجتهدون في الطاعات ثم يتقاعسون عنها، فقد قال ﷺ -كما في الصحيح- لـ عبد الله بن عمرو بن العاص ناصحاً له: (لا تكن كفلان، كان يقوم من الليل ثم تركه)، ومعلوم باتفاق علماء المسلمين أن من حفظ القرآن ثم نساه بتفريط منه فإنه آثم عند ربه جل وعلا والعياذ بالله. وكانت عائشة تصف عبادات النبي ﷺ كما في الصحيحين بقولها: (كان النبي ﷺ يحرص على الطاعة فإن فاته من حزبه شيء -أي: من قيام الليل أو قراءة القرآن- صلى في النهار ثنتي عشرة ركعة)، وذلك حتى يثبت على الخير فلا يفوته، وكان من دأبه ﷺ : أنه إذا ابتدأ طاعة لا يتركها، حتى إنه ﷺ شغله تقسيم الصدقة عن سنة الظهر، فأقبل عليه العصر فصلى الفرض ثم صلى بعده سنة الظهر قضاءً حتى لا يترك هذه العبادة التي ابتدأها، ولذلك قال بعض العلماء: بأنها سنة، والصحيح الراجح: أنها ليست بسنة، بل هي خصوصية للنبي ﷺ ؛ لأنه كان من دأبه ﷺ : عدم ترك طاعة ابتدأها حتى يموت، وهذا هو دأب الصالحين، ولذلك حرص الصحابة ﵃ على هذا الأمر، فقد حثهم الله عليه وحثنا كذلك معهم.

стр. 242

الأسباب التي تساعد العبد على الثبات على الأعمال الصالحة والأسباب التي تيسر للعبد الثبات على الأعمال الصالحات أسباب إيجابية وأسباب سلبية: أما الأسباب السلبية؛ فلا بد أن يتجنبها المرء، وأشد وأخطر هذه الأسباب هو الشرك بالله، فهو من الأسباب التي تعطل مسيرة الثبات على الأعمال الصالحات، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، وقال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فالشرك بالله من محبطات الأعمال والعياذ بالله، وتجنب الشرك من الأسباب الميسرة للثبات على الأعمال الصالحات. ومن الأسباب السلبية التي يجب تجنبها كذلك: الرياء والعياذ بالله، فإنه من الأسباب الصارفة عن الثبات على الأعمال الصالحات، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به) أي: فضحه إلى يوم القيامة ولم يثبته على طاعة؛ لأنه لم يفعلها لوجه الله جل وعلا. وروى النسائي وأبو داود والبغوي عن النبي ﷺ : (أنه جاءه رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليُرى مكانه، -أي ذلك في سبيل الله؟ - أو قال: ما له يا رسول الله؟! فقال الرسول ﷺ : ليس له شيء. فقام الرجل فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه، ما له؟ قال: ليس له شيء -قالها ثلاثاً- ثم قال في الثالثة: ليس له؛ إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه وابتُغي به وجه الله جل وعلا)، فالرياء من محبطات الأعمال ومن العوائق على الثبات على الأعمال الصالحات، فإن أنشأ عبادة رأى فيها مكانه عند الناس والعياذ بالله، أو طرح مكانه عند الله جل وعلا، فإنه لا يثبت على هذه الطاعة، بل تجر له المعاصي وتطرح عنه الطاعات. أما الأسباب الإيجابية التي تثبت المرء على الأعمال الصالحات، وتيسر له أن يسارع في الخيرات عند رب البريات، فأولها وأهمها: هو الإخلاص لله جل وعلا: قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة:٥]، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: كما جاء عن النبي ﷺ ، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، وفي الصحيحين كذلك: عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) نعوذ بالله من ذلك. ومن الأسباب الإيجابية أيضاً التي تثبت العبد على الصالحات: القصد في الطاعات؛ لأن الهمة يمكن أن تأتي للعبد في ليلة من الليالي فيقوم تلك الليلة في طاعة الله ثم يجلس بجانب هذه الليلة شهراً بعيداً عن طاعة الله جل وعلا، وهذا ليس ممدوحاً عند الله، بل لو قام بركعة واحدة كل ليلة طيلة الشهر ولو لعشر دقائق، لكان أفضل عند الله من هذا الرجل الذي قام ليلة يجتهد فيها ثم مكث شهراً متقاعساً عن عبادة الله، ولذلك قال النبي ﷺ : (فسددوا وقاربوا، وعليكم بشيء من الدلجة)، وقال أحدهم: ما رأيت مثل النار نام هاربها، وما رأيت مثل الجنة نام طالبها. كذلك من الأسباب الإيجابية التي تساعد العبد على الثبات على الأعمال الصالحات: الدعاء الذي هو مخ العبادة، أو كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (الدعاء هو العبادة)، فالعبد بتضرعه وتذلله لله جل وعلا بأن يثبته على الحق يجعل الله يثبته على الأعمال الصالحات، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، أي: في القبر. ومن الأسباب الميسرة أيضاً للثبات على الأعمال الصالحات: متابعة النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. نسأل الله جل وعلا أن يثبتنا وإياكم على الأعمال الصالحات وأن يتقبل منا ومنكم.

стр. 243

بدعة الاحتفال بالمولد النبوي دين الإسلام دين شامل كامل؛ فلم يمت النبي ﷺ حتى بين كل الدين، وما لم يفعله ﷺ فإنه ليس من الدين، ومن ذلك الاحتفال بمولده ﷺ ؛ فإنه لم يفعله لا هو ولا صحابته ولا التابعون، وإنما أحدث بعد القرون المفضلة.

стр. 244

معنى الاحتفال بمولد النبي ﷺ وبيان متى نشأ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن القلب يعتصر ألماً مما يرى من تحقق نبوءة النبي ﷺ ، ففي مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (بين يدي الساعة سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: وما الرويبضة؟ قال: الفاسق، أو الفويسق يتكلم في أمر العامة). فالمقصود من هذا الحديث العظيم هو: انقلاب الأحوال، فقد انقلبت السنة بدعة، والبدعة سنة، وأصبح الذين يرفعون أصواتهم بالاحتفال بالموالد، ويعملون أعمالاً من الصلاة وغيرها يدعون أن هذه هي السنة، وأن هذا هو حب للنبي ﷺ ، وأن هذا هو توقير للنبي ﷺ ، وتعظيم للنبي ﷺ ، وأن النهي عن ذلك من أشنع البدع، بل من التعدي على شرع الله جل وعلا! لذا فقد رأيت أن أعرج سريعاً على مسألة الاحتفال، تأصيلاً علمياً وليس وعظياً، فأبين فيه هذه المسألة: ما معنى الاحتفال بالموالد؟ ومتى نشأ هذا الاحتفال؟ هل هو في القرون الخيرية، أم بعدها؟ ثم أبين حكم هذا الاحتفال، ثم أذكر الشبه التي قيلت حول هذا الاحتفال، ثم نرد على أهل البدع بالتأصيل العلمي لا بالعاطفة والوجد. فأقول: الاحتفال بالموالد معناه: الاجتماع مع إظهار السرور والفرح، والتوسعة من إطعام الطعام وغير ذلك، مما قد يحدث في يوم مولد نبي أو ولي. ونشأة هذا الاحتفال لم يكن في القرون الخيرية التي قال عنها النبي ﷺ : (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). على شك في الثالثة، بل هي من البدع التي جاءت بعد هذه القرون التي وصفها النبي ﷺ بالخيرية، فقد نشأت في القرن الرابع، وكان أول من أحدثها هم العبيديون، ويسمون بالباطنيين، والفاطميين هؤلاء الزنادقة الذين أرادوا إفساد الدين تحت ستار حب وتعظيم النبي ﷺ ، ولم يكونوا يظهرون الكفر، بل كانوا متوارين متسترين. هذا وقد أحدثوا في مصر ستة موالد: المولد النبوي، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد علي، ومولد فاطمة، ومولد الخليفة في ذلك الوقت، ثم توالت البدعة، وأخمدت السنن بانتشار هذه البدع.

стр. 245

حكم الاحتفال بالمولد هل الاحتفال بالمولد سنة متبعة، أم هو بدعة منكرة تموت السنن بسببها؟ لا بد أن نقرر قاعدة مهمة أولاً، ثم نتكلم على حكمه، وهذه القاعدة هي: هل إظهار السرور والفرح في يوم مخصوص هو من القربات أم هو من الأمور المباحات؟ تأصيل هذه القاعدة هو الذي سيفصل وسيبين لنا هل الاحتفال بمولد نبي سنة، أم بدعة؟ إن إظهار السرور والفرح من القربات والعبادات التي تختص بأيام خصها الله جل وعلا، وأمر بها، وحث عليها، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقد قدم النبي ﷺ على أهل المدينة، فوجدهم يلعبون في يومين، فأنكر ذلك عليهم، فسألهم عن هذين اليومين، فقالوا: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال النبي ﷺ : (أبدلكم الله خيراً منهما: يوم الأضحى، والفطر). ومحل الشاهد: أن النبي ﷺ أنكر عليهم إظهار السرور والفرح، والاجتماع وإطعام الطعام في يومين غير عيد الفطر وعيد الأضحى، فدل ذلك على أنه ليس من المباحات، والنبي ﷺ لا ينكر على شيء مباح، ومن باب أولى ما كان من القربات والعبادات، ولذلك قال: (أبدلكم الله خيراً منهما: عيد الفطر، وعيد الأضحى). فهذا التأصيل يبين لنا أن إظهار السرور والفرح في يوم مخصوص من القربات العبادات.

стр. 246

الأصل في العبادات التوقيف وإذا أصلنا ذلك بالدليل فإنه يستلزم أن نؤصل أصلاً ثانياً تابعاً لهذا الأصل، ألا وهو: إن كان من القربات والعبادات، فهل القربات والعبادات توقيفية، بمعنى: أن الأصل فيها المنع، أم هي جائزة لأي أحد بأن يتعبد الله بأي شيء يريد؟ الصحيح والراجح في ذلك: أن الأصل في العبادات التوقيف، فإذا قلنا: إنها عبادة، فلا بد من قول الله أو قول الرسول ﷺ ، إذ أننا إذا أصلنا بأن العبادات الأصل فيها التوقيف، أي: الأصل فيها أن يتبع فيها الوحي: كتاب أو سنة رسوله ﷺ ؛ فلابد من قول الله أو قول رسوله ﷺ . وأقوى الأدلة وأصرحها على ذلك: قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]. إذاً: فالدين لا بد أن يأذن به الله، والشرع لا بد أن يشرعه الله جل وعلا، إما في كتابه وإما على لسان نبيه، قال : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وعلى هذا فالله لم يأذن بهذا الاحتفال في كتابه، ولا على لسان رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقد يأتي متنطع فيقول: لكن الله تعالى لم يقل: وما سكت عنه النبي فلا تفعلوه. فنقول: نعم، لكن الله قد قال ذلك ضمناً، ويتضح ذلك إذا ضممنا دلالة هذه الآية مع دلالة الحديث الذي في الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد). وفي رواية: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، فمن أحدث في هذا الدين الذي أتيتكم به شرعاً ووحياً، وفعل فعله لم آتي بها، فهو باطل مردود على صاحبه. إذاً: المسكوت عنه في العبادات لا بد أن نجتنبه؛ لأنه ليس من الدين؛ قال النبي ﷺ : (من أحدث في ديننا هذا)، أي: أحدث وأتى بأمر الذي لم آت به، فهو بدعة مردودة على صاحبها، وهذه كلها أدلة من الأثر. وأما من النظر: فإن العبادة والقربة قد عرفها أهل العلم تعريفاً جامعاً مانعاً، فقالوا: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. وما أحبه الله لا نعرفه إلا عن طريق الوحي؛ لأننا مأمورون بأن نحب ما أحبه الله جل وعلا. هل جاءنا عن طريق الكتاب أو السنة الاجتماع والاحتفال بالمولد؟ الجواب لا والله. إذاً: هذا العمل لا يحبه الله جل وعلا، وأكون متنطعاً لو قلت: إن هذا العمل يحبه الله، فهل أوحى الله إلي بذلك؟! وهل أوحى لمن قال: إن الله يحب هذا الاحتفال وأمر به؟ نقول: لا والله ما أمر الله به، إنما هو مردود عليك؛ فإن الله لو أحبه لأمر نبيه أن يأمرنا بأن نحتفل به، وأن نفعل هذا الاحتفال بهذه الطريقة التي يفعلونها. إذاً: التأصيل الأول: يبين لنا جلياً أن الاحتفال قربة وعبادة تختص بأيام خصها الله جل وعلا، وأمر بها وحث عليها. والتأصيل الثاني: يبين لنا أن كل عبادة لا بد لها من دليل، ولا دليل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي.

стр. 247

الأدلة على حرمة الاحتفال بالمولد النبوي فإن قيل: ما هي الأدلة التي تدل على حرمة الاحتفال بالمولد النبوي؟ فنقول: الأدلة على ذلك كثيرة من الأثر ومن النظر. أما من الأثر: فقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، أي: إن كنتم تتقربون إلى الله بمحبته وبمحبة رسوله فعليكم باتباع سنة النبي ﷺ ، وليس من سنة النبي ﷺ هذا الاحتفال، ولو كان من سنته لعمله الصحابة أو عمله التابعون، أو عمل به الذين تابعوهم بإحسان إلى يوم الدين. وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، فهل أمر الرسول بالاحتفال بمولده؟ وهل أمر الرسول ﷺ بالاجتماع له، وإطعام الطعام، وفعل ما يُفعل احتفالاً بمولده؟ الجواب لا والله ما أمر الرسول بذلك! فنحن مأمورون بأن نأتمر بأمر النبي ﷺ ، ولا نبتدع في دينه؛ لأن الله جل وعلا قال منكراً على النصارى الذي يجتهدون في العبادة بدون أدنى دليل: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧]. أيضاً من الأدلة الأثرية: ما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). قوله: (أحدث) أي: يتعبد لله بعبادة لم يأت بها، ولم يأمر بها في كتابه ولا سنة رسوله ﷺ . والاحتفال بالمولد لم يأمر الله به في الكتاب، ولم يأمر به النبي ﷺ في السنة، فهو إذاً بدعة ضلالة مردودة على صاحبها. ومن الأدلة أيضاً: قول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وفي رواية قال: (وكل ضلالة في النار). فقوله ﷺ : (عليكم بسنتي)، أي: ألزمكم أن تأتموا بسنتي، أن تستنوا بسنتي ولا تتعدوها، وأن تستنوا بسنة أصحابي، ولذا لم يأمر النبي ﷺ باتباع سنة بعد سنته إلا سنة الصحابة رضوان الله عليهم، وبالأخص الخلفاء الراشدين، ولذلك قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، فهل الخلفاء الذين هم أخلص لرسول الله، وأحب لرسول الله ﷺ ، وأتبع لسنته، وأطوع لأوامره احتفلوا بمولده؟ وهل أبو بكر ﵁ وأرضاه جمع الناس للاحتفال بمولد النبي ﷺ ؟ وهل فعل ذلك عمر؟ وهل فعل ذلك عثمان؟ وهل فعل ذلك علي بن أبي طالب؟ وسعد بن أبي وقاص؟ والزبير وبقية العشرة المبشرين بالجنة؟ فإذا لم يفعلوا، ألا يسعكم ما وسع الصحابة؟ وهل أنتم أفقه بشرع رسول الله من صحابة رسول الله؟! وهل أنتم أخلص حباً لرسول الله من صحابة رسول الله؟ لو كان خيراً لسبقونا إليه: وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف إن كنتم أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان فأنتم وأنفسكم، وحسابكم على الله جل وعلا، وإن قلتم: لا، فيسعكم ما وسع الصحابة، فاجلسوا كما جلسوا، واحتفلوا كما احتفلوا بمولده ﷺ ، وسنبين كيف احتفلوا بمولده ﵊. ومن الأدلة التي تبين حرمة الاحتفال بالمولد النبوي: قول النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، فالعلاقة بين هذا الحديث وبين الاحتفال بالمولد النبوي علاقة وطيدة، إذ يقول النبي ﷺ مخبراً منكراً: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع)، وفي رواية: (حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول اللهَ! اليهود والنصارى؟ قال: فمن). أي: فمن غير هؤلاء الناس؟! فالنبي ﷺ يقول: (من تشبه بقوم فهو منهم). بل وحشر معهم، والنصارى هم الذين اخترعوا وابتدعوا في دينهم عيد ميلاد المسيح، ونحن إذا احتفلنا بعيد ميلاد النبي ﷺ فنكون قد تشبهنا بهم، ووقعنا في النهي الصريح الذي قال فيه النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، فإن هذا نهي صريح، وهو خبر يراد به الإنشاء، أي: لا تتشبهوا بهؤلاء. وأما من النظر فمن وجهين: الوجه الأول: أن إيمان العبد لا يستقيم إلا بمحبة النبي ﷺ ، والعبد إنما يتقرب إلى الله بمحبة النبي ﷺ ، فهو الذي قال -كما في الصحيحين- (ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). وقد حرص النبي ﷺ كل الحرص على أن يرشد الأمة إلى ما ينفعها وإلى ما يقربها إلى الله جل وعلا كما بين ذلك أكثر الصحابة، فإن النبي ﷺ ما ترك خيراً يقربهم إلى ربهم إلا ودلهم عليه، وما ترك شراً يبعدهم عن ربهم إلا حرم عليهم ذلك الشر، وأرشدهم إلى البعد عنه. فهل يعقل أن النبي الكريم لا يرشد الأمة إلى تعظيمه ومحبته حتى يتقربوا بها إلى الله جل وعلا؟ فلو كان الاحتفال بمولد النبي ﷺ من مظاهر محبته ولم يرشدنا إليه فقد قصر ﷺ وحاشاه! ولو كان الاحتفال بمولد النبي يدل على محبة النبي ﷺ فقد قصر أبو بكر في محبة النبي ﷺ ، وقد قصر عمر وعثمان وعلي. فلما لم يُبلِّغ النبي ﷺ ويرشدنا إلى ذلك، ولما لم يفعل الصحابة ذلك دل على أنه ليس من مظاهر حب النبي ﷺ الاجتماع وإطعام الطعام والاحتفال بالمولد النبوي على هذه الطريقة المبتدعة المحدثة. الوجه الثاني: باب سد الذرائع، وحسم المادة، وإغلاق الوسائل إلى المحرمات، فإن الاحتفال بالمولد النبوي يؤدي إلى اختلاط النساء والرجال، وهذا يفضي إلى مفسدة عظيمة، ويفضي إلى محرمات منكرة من وجوه: الوجه الأول: اختلاط الرجال بالنساء. ويُعرف هذا في مصر التي هي من أكثر البلاد التي تعرف الموالد، فإنه يشتهر فيها اختلاط النساء بالرجال، مع شرب الدخان، والرقص والتمايل، والكلام الذي يغضب الرب جل وعلا، وهذا بدافع الاحتفال بمولد النبي، ومحبة وتعظيم النبي والولي. الوجه الثاني: أنه ينتج عن هذه الاحتفالات الغلو في رسول الله ﷺ ، ورفعة من مرتبة النبوة إلى مرتبة الربوبية. فهم في يوم الاحتفال بالمولد النبوي يأتون بالقصائد والمدائح، ويغلون في النبي ﷺ ، وقد قال رسول الله ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله). ولما قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا. أو قالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا. قال النبي ﷺ : (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان). فمنع من الإطراء والغلو فيه ﷺ . ولذلك تجد في الاحتفالات القصائد والمدائح التي فيها الغلو برسول الله إلى مقام الربوبية، بل إلى مقام الألوهية، وقصيدة البردة شاهدة على ذلك، وكثير منهم يتلو هذه القصيدة أمام الناس دون أدنى حياء من هذا الشرك المميت، يقول صاحب البردة: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم قال ابن رجب معقباً على قول هذا الرجل: ما ترك لله شيئاً! قوله: (من جودك الدنيا وضرتها) أي: أن الدنيا والآخرة -في زعمه- من جود النبي ﷺ . وقوله: (ومن علومك علم اللوح) أي: اللوح المحفوظ والقلم، فأين علم الله جل وعلا؟! وأين ملك الله جل وعلا؟! فهذا غلو يصل بالنبي ﷺ إلى الربوبية، بل إلى الإلهية، ناهيك عن أنهم يقولون: بأن النبي لم يخلق من طين، فهو ليس كالبشر، بل خلق من نور، إلى آخر هذه المفاسد التي تصل بهم إلى الشرك، فهم يشركون بالنبي ﷺ ، ويرتقون به من منزلة البشرية إلى منزلة الربوبية. الوجه الثالث: أن الصلاة على النبي ﷺ ، وتوقيره ومحبته لا تظهر إلا في يوم واحد، وهو اليوم الذي ولد فيه النبي ﷺ ؛ ففي الاحتفال في شهر ربيع من كل عام تظهر محبة النبي، ويظهر تعظيم النبي ﷺ وتوقيره بإقامة السرادقات، وإطعام الطعام وإنشاد هذه القصائد والمدائح، ثم بعد ذلك لا سنة تتبع، ولا تعظيم للنبي ﷺ ، ولا توقير لسنة النبي ﷺ ، بل إذا جئت لأحدهم وقلت له: قال رسول الله كذا وكذا. فإنك تجده يضرب بقول رسول الله ﷺ عرض الحائط، ويأخذ بقول شيخه والعياذ بالله! فأين محبة رسول الله؟ وأين تعظيم رسول الله ﷺ ؟! وأين توقير رسول الله ﷺ ؟! فهذه الأدلة الأثرية والنظرية تحرم الاحتفال بمولد الرسول ﷺ بهذه الطريقة: الاجتماع في المساجد، وإطعام الطعام، وإنشاد القصائد والمدائح، واختلاط النساء بالرجال.

стр. 248

شُبه المجيزين للموالد، والرد عليها وحتى ندحض شبه هؤلاء المبتدعة نقول: بعد إمعان النظر وجدنا أن لهم شبهاً يتشبثون بها، فمن هذه الشبه: الشبهة الأولى: قالوا: الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، لكنها بدعة حسنة. وهذه شبهة أوهى من بيت العنكبوت، والرد عليها هين، فإن النبي المعصوم ﷺ قال: (كل بدعة ضلالة). و (كل) هنا نص في العموم، سواء كانت بدعة حسنة، أو سيئة عندكم، فكلها ضلالة. (وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). فإذا كان رسول الله ﷺ يسمي البدعة ضلالة، وهم يقولون: هناك بدعة حسنة! فقد خالفوا رسولهم ﷺ ، فليتقوا الله وليعظموه، وليعظموا قوله: (كل بدعة ضلالة)، وقوله: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد). أي: باطل، وهذا الاحتفال ليس منه، وما فعله الصحابة الكرام، ولا فعله رسول الله ولا أمر به، فهو ليس من الدين، بل هو بدعة، وكل بدعة ضلالة. الشبهة الثانية: وهذه شبهة تحتاج إلى إعمال نظر، فقد قالوا: قد فعل النبي ﷺ احتفالاً شكراً لله على مننه، وذلك أنه ﷺ دخل المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء، فسألهم عن هذا الصيام؟ فقالوا: يوم نحتفل به -فالاحتفال على منة الله شكراً لله- لأنه يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، فقال النبي ﷺ : (نحن أولى بموسى منكم). فاحتفل رسول الله ﷺ بذلك اليوم بأن صامه، شكراً لله على نجاة موسى ﵇. فنقول: نعم، هذا حقيقة، ولن نتحدث معهم فقهياً، هل صوم يوم عاشوراء كان قبل ذلك في مكة أم لا؟ وذلك للخلاف المشهور. ولكن نتنزل معهم فنقول: الرد عليهم من وجهين: الوجه الأول: من الذي فعل ذلك؟ أليس هو رسول الله ﷺ ؟ ورسول الله -على قول بعض الأصوليين- مشرع، وعلى قول جمهرة من أهل الأصول هو ناقل للشرع. فإذا صام بوحي من الله جل وعلا فهل يكون ذلك بدعة؟ حاشا لله! وإنما هذه أصبحت سنة، وأصبح شرعاً أوحاه الله إلى رسول ففعله، فنحن نقتدي برسول الله؛ لأن هذا وحي من الله وهو شرع، ثم هل رسول الله احتفل وجمع الناس وأطعم الطعام كما يفعلون؟ فالفارق بين صيام النبي ﷺ في يوم عاشوراء وبين فعلهم بعيد؛ فالنبي ﷺ فعل هذا بوحي من الله، وهم فعلوه بوحي من الشيطان، والفارق كما بين السماء والأرض، فرسول الله إذا فعل فقد سن، وهذه سنة لا بد أن نتبعها. الوجه الثاني: نتنزل معهم أيضاً فنقول لهم: إذا كان قد احتفل رسول الله، فنحن نقول لكم: احتفلوا بمولد النبي ﷺ كما احتفل رسول الله ﷺ بنجاة موسى، لكن لا تتعدوا احتفاله. فكيف احتفل ﷺ ؟ صام، فصوموا أنتم يوم مولد النبي ﷺ احتفالاً، ولا تتعدوا احتفال النبي ﷺ ، حتى تكونوا قد اقتديتم برسول الله، بل ولكم في ذلك أصل من الشريعة، ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يصوم يوم الإثنين، فسئل عن ذلك فقال: (ذلك يوم ولدت فيه). فاحتفل بمولده في كل السنين، لكن بالصوم بنية الاحتفال بمولده ﷺ ، ولك في ذلك أصل من الدين، ولن تكون مبتدعاً، بل ما تعديت ما فعله النبي ﷺ ، وما احتفل به. الوجه الثالث: أن الصحابة رضوان الله عليهم لو كانوا فهموا من النبي ﷺ أن هذا احتفالاً، وأنه يصح لهم الاحتفال بمولده، وإطعام الطعام والاجتماع في المساجد ونثر القصائد والمدائح لفعلوا ذلك؛ وهم أولى بكل خير، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. الشبهة الثالثة: جاء في الصحيحين أن أبا لهب لما بشر بمولد محمد ﷺ أعتق سهيلة أمة له، فرآه بعض أهله في رؤيا فقالوا: ما فعل الله بك؟ قال: ما رأيت خيراً منذ فارقتكم، إلا أن الله خفف علي بعتقي بـ سهيلة، أو بعتقي لهذه الأمة. فقالوا -وانظروا إلى دقة النظر، وشبه إبليس-: هذا كافر احتفل بمولد النبي ﷺ فأعتق أمته، فشكر الله له هذا الاحتفال فخفف عنه العذاب، فكيف بالمسلمين؟! وهذه شبهة شديدة شيطانية. ونجيب عليها من أوجه: الوجه الأول: من الذي روى هذا الحديث؟ أليس الصحابة رضوان الله عليهم هم الذين رووا هذا الحديث؟ فهل هم أفقه بهذا الحديث من الصحابة؟! فلو فقه الصحابة من هذه الرواية أنه يصح الاجتماع والاحتفال بالنبي ﷺ لفعلوه، وعلى هذا نقول لهم: عندما لم يفقهوا ذلك يلزمكم أمران: الأمر الأول: أنهم أفقه من الصحابة، فهل يقرون بهذا؟ فلو أقروا فقد كذبوا وأتوا بهتاناً وزوراً! فإن هؤلاء أنزل الله عدالتهم من السماء. الأمر الثاني: أنهم أجهل من الصحابة، وهذا هو الحق. إذاً يسعهم ما وسع الصحابة، والصحابة لم يفعلوا ذلك. الوجه الثاني: أن أبا لهب لم يعتق جاريته لكونه محمد رسول الله، وإنما أعتقها لأنه بشر بولد، وإلا فهو لما بعث رسول الله عاداه وكفر به. فإذاً: كان عتقه للولد لا للنبي ﷺ ؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يكرهون البنات، ويئدون البنات، فلما بشر بولد أعتق للولد، لا لأنه رسول الله ﷺ ، فيرجع الأمر إلى أن الرسول ﷺ لم يشرع هذا. فإذاً: قياسهم هذا قياس مع الفارق. الوجه الثالث: نتنزل معهم، ونقول: إن الله قد خفف له ذلك لاحتفاله، فهل كل عام يأتي بعبد ويعتقه؟! أو كان يأتي بأمه يعتقها لوجود النبي ﷺ ؟! ما حدث ذلك، فأنتم خالفتم حتى الكافر. فقياسكم مع الفارق، فأنتم كل عام تقفون وتجتمعون من أجل هذا الاحتفال، فأصبح القياس قياساً مع الفارق، بل هو قياس باطل. الوجه الرابع: أنها رؤية منام، والأحكام الشرعية لا تؤخذ من المنام.

стр. 249

بيان التعظيم الحقيقي للنبي ﷺ إن تعظيم النبي ﷺ يكون باتباع سنته، قال الله تعالى ممتحناً الذي زعموا حبه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فإن أردتم تعظيم النبي ﷺ ، وتوقير النبي ﷺ فوقروا سنته، وعظموا سنته، وافعلوا ما كان يفعله ﷺ ، ولا تتنطعوا بعيداً عن السنة وتقولون: هذا تعظيم للنبي ﷺ . هذا آخر ما مررنا عليه من أقوالهم وشبههم التي طرحوها، وقد رددنا رداً علمياً، وأصلنا تأصيلاً واضحاً لهذه البدعة المنكرة المميتة للسنة، ويخلص بنا الأمر إلى أن الاحتفال بالمولد النبوي من إطعام الطعام، والاجتماع في المساجد، وإنشاد القصائد والمدائح بدعة منكرة، مأزور صاحبها غير مأجور، والسنة في الاحتفال بمولد النبي ﷺ أن نصوم كل يوم إثنين.

стр. 250

زاد المسافر الإنسان في سفر مستمر إلى الله جل وعلا منذ أن خلق إلى أن يصل إلى مستقره في الجنة أو في النار، والمسافر إلى الله يحتاج إلى زاد يوصله إليه، وأهم زاد يحتاج إليه هو الزهد في الدنيا، والهمة العالية إلى ما عند الله، والاجتهاد العظيم في الطاعة، والمداومة على الأعمال الصالحة، والافتقار إلى الله تعالى، وامتلاء القلب بمحبته سبحانه.
следующие страницы →