← Джавами‘

Джавами‘ · id 37634

دروس الشيخ محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (390 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الأصل في العبادات التوقيف وإذا أصلنا ذلك بالدليل فإنه يستلزم أن نؤصل أصلاً ثانياً تابعاً لهذا الأصل، ألا وهو: إن كان من القربات والعبادات، فهل القربات والعبادات توقيفية، بمعنى: أن الأصل فيها المنع، أم هي جائزة لأي أحد بأن يتعبد الله بأي شيء يريد؟ الصحيح والراجح في ذلك: أن الأصل في العبادات التوقيف، فإذا قلنا: إنها عبادة، فلا بد من قول الله أو قول الرسول ﷺ ، إذ أننا إذا أصلنا بأن العبادات الأصل فيها التوقيف، أي: الأصل فيها أن يتبع فيها الوحي: كتاب أو سنة رسوله ﷺ ؛ فلابد من قول الله أو قول رسوله ﷺ . وأقوى الأدلة وأصرحها على ذلك: قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]. إذاً: فالدين لا بد أن يأذن به الله، والشرع لا بد أن يشرعه الله جل وعلا، إما في كتابه وإما على لسان نبيه، قال : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وعلى هذا فالله لم يأذن بهذا الاحتفال في كتابه، ولا على لسان رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقد يأتي متنطع فيقول: لكن الله تعالى لم يقل: وما سكت عنه النبي فلا تفعلوه. فنقول: نعم، لكن الله قد قال ذلك ضمناً، ويتضح ذلك إذا ضممنا دلالة هذه الآية مع دلالة الحديث الذي في الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد). وفي رواية: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: باطل، فمن أحدث في هذا الدين الذي أتيتكم به شرعاً ووحياً، وفعل فعله لم آتي بها، فهو باطل مردود على صاحبه. إذاً: المسكوت عنه في العبادات لا بد أن نجتنبه؛ لأنه ليس من الدين؛ قال النبي ﷺ : (من أحدث في ديننا هذا)، أي: أحدث وأتى بأمر الذي لم آت به، فهو بدعة مردودة على صاحبها، وهذه كلها أدلة من الأثر. وأما من النظر: فإن العبادة والقربة قد عرفها أهل العلم تعريفاً جامعاً مانعاً، فقالوا: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. وما أحبه الله لا نعرفه إلا عن طريق الوحي؛ لأننا مأمورون بأن نحب ما أحبه الله جل وعلا. هل جاءنا عن طريق الكتاب أو السنة الاجتماع والاحتفال بالمولد؟ الجواب لا والله. إذاً: هذا العمل لا يحبه الله جل وعلا، وأكون متنطعاً لو قلت: إن هذا العمل يحبه الله، فهل أوحى الله إلي بذلك؟! وهل أوحى لمن قال: إن الله يحب هذا الاحتفال وأمر به؟ نقول: لا والله ما أمر الله به، إنما هو مردود عليك؛ فإن الله لو أحبه لأمر نبيه أن يأمرنا بأن نحتفل به، وأن نفعل هذا الاحتفال بهذه الطريقة التي يفعلونها. إذاً: التأصيل الأول: يبين لنا جلياً أن الاحتفال قربة وعبادة تختص بأيام خصها الله جل وعلا، وأمر بها وحث عليها. والتأصيل الثاني: يبين لنا أن كل عبادة لا بد لها من دليل، ولا دليل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي.

стр. 247

الأدلة على حرمة الاحتفال بالمولد النبوي فإن قيل: ما هي الأدلة التي تدل على حرمة الاحتفال بالمولد النبوي؟ فنقول: الأدلة على ذلك كثيرة من الأثر ومن النظر. أما من الأثر: فقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، أي: إن كنتم تتقربون إلى الله بمحبته وبمحبة رسوله فعليكم باتباع سنة النبي ﷺ ، وليس من سنة النبي ﷺ هذا الاحتفال، ولو كان من سنته لعمله الصحابة أو عمله التابعون، أو عمل به الذين تابعوهم بإحسان إلى يوم الدين. وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، فهل أمر الرسول بالاحتفال بمولده؟ وهل أمر الرسول ﷺ بالاجتماع له، وإطعام الطعام، وفعل ما يُفعل احتفالاً بمولده؟ الجواب لا والله ما أمر الرسول بذلك! فنحن مأمورون بأن نأتمر بأمر النبي ﷺ ، ولا نبتدع في دينه؛ لأن الله جل وعلا قال منكراً على النصارى الذي يجتهدون في العبادة بدون أدنى دليل: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧]. أيضاً من الأدلة الأثرية: ما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). قوله: (أحدث) أي: يتعبد لله بعبادة لم يأت بها، ولم يأمر بها في كتابه ولا سنة رسوله ﷺ . والاحتفال بالمولد لم يأمر الله به في الكتاب، ولم يأمر به النبي ﷺ في السنة، فهو إذاً بدعة ضلالة مردودة على صاحبها. ومن الأدلة أيضاً: قول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وفي رواية قال: (وكل ضلالة في النار). فقوله ﷺ : (عليكم بسنتي)، أي: ألزمكم أن تأتموا بسنتي، أن تستنوا بسنتي ولا تتعدوها، وأن تستنوا بسنة أصحابي، ولذا لم يأمر النبي ﷺ باتباع سنة بعد سنته إلا سنة الصحابة رضوان الله عليهم، وبالأخص الخلفاء الراشدين، ولذلك قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، فهل الخلفاء الذين هم أخلص لرسول الله، وأحب لرسول الله ﷺ ، وأتبع لسنته، وأطوع لأوامره احتفلوا بمولده؟ وهل أبو بكر ﵁ وأرضاه جمع الناس للاحتفال بمولد النبي ﷺ ؟ وهل فعل ذلك عمر؟ وهل فعل ذلك عثمان؟ وهل فعل ذلك علي بن أبي طالب؟ وسعد بن أبي وقاص؟ والزبير وبقية العشرة المبشرين بالجنة؟ فإذا لم يفعلوا، ألا يسعكم ما وسع الصحابة؟ وهل أنتم أفقه بشرع رسول الله من صحابة رسول الله؟! وهل أنتم أخلص حباً لرسول الله من صحابة رسول الله؟ لو كان خيراً لسبقونا إليه: وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف إن كنتم أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان فأنتم وأنفسكم، وحسابكم على الله جل وعلا، وإن قلتم: لا، فيسعكم ما وسع الصحابة، فاجلسوا كما جلسوا، واحتفلوا كما احتفلوا بمولده ﷺ ، وسنبين كيف احتفلوا بمولده ﵊. ومن الأدلة التي تبين حرمة الاحتفال بالمولد النبوي: قول النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، فالعلاقة بين هذا الحديث وبين الاحتفال بالمولد النبوي علاقة وطيدة، إذ يقول النبي ﷺ مخبراً منكراً: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع)، وفي رواية: (حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول اللهَ! اليهود والنصارى؟ قال: فمن). أي: فمن غير هؤلاء الناس؟! فالنبي ﷺ يقول: (من تشبه بقوم فهو منهم). بل وحشر معهم، والنصارى هم الذين اخترعوا وابتدعوا في دينهم عيد ميلاد المسيح، ونحن إذا احتفلنا بعيد ميلاد النبي ﷺ فنكون قد تشبهنا بهم، ووقعنا في النهي الصريح الذي قال فيه النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، فإن هذا نهي صريح، وهو خبر يراد به الإنشاء، أي: لا تتشبهوا بهؤلاء. وأما من النظر فمن وجهين: الوجه الأول: أن إيمان العبد لا يستقيم إلا بمحبة النبي ﷺ ، والعبد إنما يتقرب إلى الله بمحبة النبي ﷺ ، فهو الذي قال -كما في الصحيحين- (ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). وقد حرص النبي ﷺ كل الحرص على أن يرشد الأمة إلى ما ينفعها وإلى ما يقربها إلى الله جل وعلا كما بين ذلك أكثر الصحابة، فإن النبي ﷺ ما ترك خيراً يقربهم إلى ربهم إلا ودلهم عليه، وما ترك شراً يبعدهم عن ربهم إلا حرم عليهم ذلك الشر، وأرشدهم إلى البعد عنه. فهل يعقل أن النبي الكريم لا يرشد الأمة إلى تعظيمه ومحبته حتى يتقربوا بها إلى الله جل وعلا؟ فلو كان الاحتفال بمولد النبي ﷺ من مظاهر محبته ولم يرشدنا إليه فقد قصر ﷺ وحاشاه! ولو كان الاحتفال بمولد النبي يدل على محبة النبي ﷺ فقد قصر أبو بكر في محبة النبي ﷺ ، وقد قصر عمر وعثمان وعلي. فلما لم يُبلِّغ النبي ﷺ ويرشدنا إلى ذلك، ولما لم يفعل الصحابة ذلك دل على أنه ليس من مظاهر حب النبي ﷺ الاجتماع وإطعام الطعام والاحتفال بالمولد النبوي على هذه الطريقة المبتدعة المحدثة. الوجه الثاني: باب سد الذرائع، وحسم المادة، وإغلاق الوسائل إلى المحرمات، فإن الاحتفال بالمولد النبوي يؤدي إلى اختلاط النساء والرجال، وهذا يفضي إلى مفسدة عظيمة، ويفضي إلى محرمات منكرة من وجوه: الوجه الأول: اختلاط الرجال بالنساء. ويُعرف هذا في مصر التي هي من أكثر البلاد التي تعرف الموالد، فإنه يشتهر فيها اختلاط النساء بالرجال، مع شرب الدخان، والرقص والتمايل، والكلام الذي يغضب الرب جل وعلا، وهذا بدافع الاحتفال بمولد النبي، ومحبة وتعظيم النبي والولي. الوجه الثاني: أنه ينتج عن هذه الاحتفالات الغلو في رسول الله ﷺ ، ورفعة من مرتبة النبوة إلى مرتبة الربوبية. فهم في يوم الاحتفال بالمولد النبوي يأتون بالقصائد والمدائح، ويغلون في النبي ﷺ ، وقد قال رسول الله ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله). ولما قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا. أو قالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا. قال النبي ﷺ : (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان). فمنع من الإطراء والغلو فيه ﷺ . ولذلك تجد في الاحتفالات القصائد والمدائح التي فيها الغلو برسول الله إلى مقام الربوبية، بل إلى مقام الألوهية، وقصيدة البردة شاهدة على ذلك، وكثير منهم يتلو هذه القصيدة أمام الناس دون أدنى حياء من هذا الشرك المميت، يقول صاحب البردة: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم قال ابن رجب معقباً على قول هذا الرجل: ما ترك لله شيئاً! قوله: (من جودك الدنيا وضرتها) أي: أن الدنيا والآخرة -في زعمه- من جود النبي ﷺ . وقوله: (ومن علومك علم اللوح) أي: اللوح المحفوظ والقلم، فأين علم الله جل وعلا؟! وأين ملك الله جل وعلا؟! فهذا غلو يصل بالنبي ﷺ إلى الربوبية، بل إلى الإلهية، ناهيك عن أنهم يقولون: بأن النبي لم يخلق من طين، فهو ليس كالبشر، بل خلق من نور، إلى آخر هذه المفاسد التي تصل بهم إلى الشرك، فهم يشركون بالنبي ﷺ ، ويرتقون به من منزلة البشرية إلى منزلة الربوبية. الوجه الثالث: أن الصلاة على النبي ﷺ ، وتوقيره ومحبته لا تظهر إلا في يوم واحد، وهو اليوم الذي ولد فيه النبي ﷺ ؛ ففي الاحتفال في شهر ربيع من كل عام تظهر محبة النبي، ويظهر تعظيم النبي ﷺ وتوقيره بإقامة السرادقات، وإطعام الطعام وإنشاد هذه القصائد والمدائح، ثم بعد ذلك لا سنة تتبع، ولا تعظيم للنبي ﷺ ، ولا توقير لسنة النبي ﷺ ، بل إذا جئت لأحدهم وقلت له: قال رسول الله كذا وكذا. فإنك تجده يضرب بقول رسول الله ﷺ عرض الحائط، ويأخذ بقول شيخه والعياذ بالله! فأين محبة رسول الله؟ وأين تعظيم رسول الله ﷺ ؟! وأين توقير رسول الله ﷺ ؟! فهذه الأدلة الأثرية والنظرية تحرم الاحتفال بمولد الرسول ﷺ بهذه الطريقة: الاجتماع في المساجد، وإطعام الطعام، وإنشاد القصائد والمدائح، واختلاط النساء بالرجال.

стр. 248

شُبه المجيزين للموالد، والرد عليها وحتى ندحض شبه هؤلاء المبتدعة نقول: بعد إمعان النظر وجدنا أن لهم شبهاً يتشبثون بها، فمن هذه الشبه: الشبهة الأولى: قالوا: الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، لكنها بدعة حسنة. وهذه شبهة أوهى من بيت العنكبوت، والرد عليها هين، فإن النبي المعصوم ﷺ قال: (كل بدعة ضلالة). و (كل) هنا نص في العموم، سواء كانت بدعة حسنة، أو سيئة عندكم، فكلها ضلالة. (وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). فإذا كان رسول الله ﷺ يسمي البدعة ضلالة، وهم يقولون: هناك بدعة حسنة! فقد خالفوا رسولهم ﷺ ، فليتقوا الله وليعظموه، وليعظموا قوله: (كل بدعة ضلالة)، وقوله: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد). أي: باطل، وهذا الاحتفال ليس منه، وما فعله الصحابة الكرام، ولا فعله رسول الله ولا أمر به، فهو ليس من الدين، بل هو بدعة، وكل بدعة ضلالة. الشبهة الثانية: وهذه شبهة تحتاج إلى إعمال نظر، فقد قالوا: قد فعل النبي ﷺ احتفالاً شكراً لله على مننه، وذلك أنه ﷺ دخل المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء، فسألهم عن هذا الصيام؟ فقالوا: يوم نحتفل به -فالاحتفال على منة الله شكراً لله- لأنه يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، فقال النبي ﷺ : (نحن أولى بموسى منكم). فاحتفل رسول الله ﷺ بذلك اليوم بأن صامه، شكراً لله على نجاة موسى ﵇. فنقول: نعم، هذا حقيقة، ولن نتحدث معهم فقهياً، هل صوم يوم عاشوراء كان قبل ذلك في مكة أم لا؟ وذلك للخلاف المشهور. ولكن نتنزل معهم فنقول: الرد عليهم من وجهين: الوجه الأول: من الذي فعل ذلك؟ أليس هو رسول الله ﷺ ؟ ورسول الله -على قول بعض الأصوليين- مشرع، وعلى قول جمهرة من أهل الأصول هو ناقل للشرع. فإذا صام بوحي من الله جل وعلا فهل يكون ذلك بدعة؟ حاشا لله! وإنما هذه أصبحت سنة، وأصبح شرعاً أوحاه الله إلى رسول ففعله، فنحن نقتدي برسول الله؛ لأن هذا وحي من الله وهو شرع، ثم هل رسول الله احتفل وجمع الناس وأطعم الطعام كما يفعلون؟ فالفارق بين صيام النبي ﷺ في يوم عاشوراء وبين فعلهم بعيد؛ فالنبي ﷺ فعل هذا بوحي من الله، وهم فعلوه بوحي من الشيطان، والفارق كما بين السماء والأرض، فرسول الله إذا فعل فقد سن، وهذه سنة لا بد أن نتبعها. الوجه الثاني: نتنزل معهم أيضاً فنقول لهم: إذا كان قد احتفل رسول الله، فنحن نقول لكم: احتفلوا بمولد النبي ﷺ كما احتفل رسول الله ﷺ بنجاة موسى، لكن لا تتعدوا احتفاله. فكيف احتفل ﷺ ؟ صام، فصوموا أنتم يوم مولد النبي ﷺ احتفالاً، ولا تتعدوا احتفال النبي ﷺ ، حتى تكونوا قد اقتديتم برسول الله، بل ولكم في ذلك أصل من الشريعة، ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يصوم يوم الإثنين، فسئل عن ذلك فقال: (ذلك يوم ولدت فيه). فاحتفل بمولده في كل السنين، لكن بالصوم بنية الاحتفال بمولده ﷺ ، ولك في ذلك أصل من الدين، ولن تكون مبتدعاً، بل ما تعديت ما فعله النبي ﷺ ، وما احتفل به. الوجه الثالث: أن الصحابة رضوان الله عليهم لو كانوا فهموا من النبي ﷺ أن هذا احتفالاً، وأنه يصح لهم الاحتفال بمولده، وإطعام الطعام والاجتماع في المساجد ونثر القصائد والمدائح لفعلوا ذلك؛ وهم أولى بكل خير، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. الشبهة الثالثة: جاء في الصحيحين أن أبا لهب لما بشر بمولد محمد ﷺ أعتق سهيلة أمة له، فرآه بعض أهله في رؤيا فقالوا: ما فعل الله بك؟ قال: ما رأيت خيراً منذ فارقتكم، إلا أن الله خفف علي بعتقي بـ سهيلة، أو بعتقي لهذه الأمة. فقالوا -وانظروا إلى دقة النظر، وشبه إبليس-: هذا كافر احتفل بمولد النبي ﷺ فأعتق أمته، فشكر الله له هذا الاحتفال فخفف عنه العذاب، فكيف بالمسلمين؟! وهذه شبهة شديدة شيطانية. ونجيب عليها من أوجه: الوجه الأول: من الذي روى هذا الحديث؟ أليس الصحابة رضوان الله عليهم هم الذين رووا هذا الحديث؟ فهل هم أفقه بهذا الحديث من الصحابة؟! فلو فقه الصحابة من هذه الرواية أنه يصح الاجتماع والاحتفال بالنبي ﷺ لفعلوه، وعلى هذا نقول لهم: عندما لم يفقهوا ذلك يلزمكم أمران: الأمر الأول: أنهم أفقه من الصحابة، فهل يقرون بهذا؟ فلو أقروا فقد كذبوا وأتوا بهتاناً وزوراً! فإن هؤلاء أنزل الله عدالتهم من السماء. الأمر الثاني: أنهم أجهل من الصحابة، وهذا هو الحق. إذاً يسعهم ما وسع الصحابة، والصحابة لم يفعلوا ذلك. الوجه الثاني: أن أبا لهب لم يعتق جاريته لكونه محمد رسول الله، وإنما أعتقها لأنه بشر بولد، وإلا فهو لما بعث رسول الله عاداه وكفر به. فإذاً: كان عتقه للولد لا للنبي ﷺ ؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يكرهون البنات، ويئدون البنات، فلما بشر بولد أعتق للولد، لا لأنه رسول الله ﷺ ، فيرجع الأمر إلى أن الرسول ﷺ لم يشرع هذا. فإذاً: قياسهم هذا قياس مع الفارق. الوجه الثالث: نتنزل معهم، ونقول: إن الله قد خفف له ذلك لاحتفاله، فهل كل عام يأتي بعبد ويعتقه؟! أو كان يأتي بأمه يعتقها لوجود النبي ﷺ ؟! ما حدث ذلك، فأنتم خالفتم حتى الكافر. فقياسكم مع الفارق، فأنتم كل عام تقفون وتجتمعون من أجل هذا الاحتفال، فأصبح القياس قياساً مع الفارق، بل هو قياس باطل. الوجه الرابع: أنها رؤية منام، والأحكام الشرعية لا تؤخذ من المنام.

стр. 249

بيان التعظيم الحقيقي للنبي ﷺ إن تعظيم النبي ﷺ يكون باتباع سنته، قال الله تعالى ممتحناً الذي زعموا حبه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فإن أردتم تعظيم النبي ﷺ ، وتوقير النبي ﷺ فوقروا سنته، وعظموا سنته، وافعلوا ما كان يفعله ﷺ ، ولا تتنطعوا بعيداً عن السنة وتقولون: هذا تعظيم للنبي ﷺ . هذا آخر ما مررنا عليه من أقوالهم وشبههم التي طرحوها، وقد رددنا رداً علمياً، وأصلنا تأصيلاً واضحاً لهذه البدعة المنكرة المميتة للسنة، ويخلص بنا الأمر إلى أن الاحتفال بالمولد النبوي من إطعام الطعام، والاجتماع في المساجد، وإنشاد القصائد والمدائح بدعة منكرة، مأزور صاحبها غير مأجور، والسنة في الاحتفال بمولد النبي ﷺ أن نصوم كل يوم إثنين.

стр. 250

زاد المسافر الإنسان في سفر مستمر إلى الله جل وعلا منذ أن خلق إلى أن يصل إلى مستقره في الجنة أو في النار، والمسافر إلى الله يحتاج إلى زاد يوصله إليه، وأهم زاد يحتاج إليه هو الزهد في الدنيا، والهمة العالية إلى ما عند الله، والاجتهاد العظيم في الطاعة، والمداومة على الأعمال الصالحة، والافتقار إلى الله تعالى، وامتلاء القلب بمحبته سبحانه.

стр. 251

السفر إلى الدار الآخرة

стр. 252

الأدلة التي تثبت السفر للدار الآخرة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي, هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين وليس لهم حط رحالهم إلا في الجنة أو النار, لأن الدنيا ليست لهم بدار مقام، وليست هي الدار التي خلقوا لأجلها, قال جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، وقال جل في علاه: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١]، وقال : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة:٩٦]. وقد صور لنا النبي الكريم ﷺ حال المؤمن في هذه الدنيا الزائلة الفانية كما في الصحيح عن ابن عمر أنه قال قال: رسول الله ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وقال علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه -موضحاً ومبيناً مشقة السفر وطوله-: آه من طول الطريق وقلة الزاد. أخي المسلم: إنك في هذه الدنيا الفانية الزائلة مسافر إلى ربك, وراحل إليه، وستقف أمامه لا محالة، وسيكلمك وليس بينك وبينه حجاب. واعلم أخي الكريم أن كل مسافر له أحوال, فالمسافر إلى الشيطان له أحوال, والمسافر إلى الرحمن له أحوال, جعلنا الله وإياك ممن يسافرون إلى الرحمن.

стр. 253

أهم زاد يحتاجه المسافر إلى ربه إن المسافر إلى ربه جل في علاه يهيئ الزاد الذي يوصله إلى رضا ربه وجناته، وأهم ما يحتاج إليه في هذه الدنيا هو الزهد فيها, والانصراف عنها, وعدم الرغبة فيها, طلباً لما هو أفضل منها.

стр. 254

الآيات القرآنية التي تذم الدنيا والرغبة فيها إن المسافر إلى ربه جل في علاه يعلم أن الله قد ذم الدنيا والرغبة فيها, ومدح الزهد فيها والتقلل منها, فقال جل في علاه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧]، وقال جل في علاه: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد:٢٦]، وذم الله أهل الدنيا الذين تشبثوا بها وتركوا الآخرة، وآثروا الذي يفنى على الذي يبقى، فقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة:٢٠ - ٢١].

стр. 255

الأحاديث النبوية التي تذم الدنيا وتحتقرها لقد بين النبي الكريم أن زاد المسافر إلى ربه هو التقلل من هذه الدنيا ثم كشف لنا عن حقارة هذه الدنيا، حيث مثلها بالشاة الميتة التي لا تساوي عند الإنسان شيئاً، فقال ﷺ كما في صحيح مسلم: (والله لا الدنيا أهون على الله من هذه عليكم)، وفي مسلم أيضاً عن المستورد بن شداد ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بمَ يرجع)، وروى الترمذي -بسند مقارب- عن سهل بن سعد ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) فهذه الدنيا دنية، وجيفة لا يتجمع حولها إلا الكلاب التي تتجمع حول الجيف. وفي الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً ومتعلما) أي: أن الدنيا لا تساوي عند الله شيئاً، وهي مع ذلك ملعونة وملعون من شغفها حباً وحام حولها. فإذا شق الزهد على المسافر واشتد عليه الأمر الذي يسافر به إلى ربه، وخطفته الدنيا بشهواتها وزينتها فعليه أن يتذكر كيف كانت حياة النبي ﷺ , فهو أسوته وقدوته ﷺ , فلقد كانت حياته من الزهد في الدنيا والتقلل منها ما يكون نبراساً لكل مسافر إلى ربه جل وعلا.

стр. 256

زهد النبي ﷺ في الدنيا جاء في صحيح مسلم عن عمر ﵁ وأرضاه قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يتلوى لا يجد من الدقل -أي: التمر الرديء لا الجيد- ما يملأ بطنه). وفي البخاري عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (ما شبع آل محمد ﷺ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ﷺ . كيف لا وقد مات رسول الله ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي في صاع من تمر أو صاع من شعير؟ إن الله الذي اختار لنبيه أن يكون سيد المرسلين وإمام المتقين، قد اختار له أفضل حياة، ألا وهي الزهد في الدنيا والتقلل منها, فكان ﷺ -من زهده في هذه الدنيا الفانية- ينام على الحصير فيظهر أثره في جسده الشريف, فدخل عليه عمر فقال: (يا رسول الله! كسرى وقيصر ينامون على الحرير، وأنت رسول الله -أي سيد الخلق أجمعين- تنام على الحصير! فقال ﷺ -يعلم عمر الزهد في الدنيا- أما ترضى يا عمر! أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟). وفي مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: أخرجت لنا عائشة ﵂ وأرضاها كساءً ملبداً -أي: مخرقاً مرقعاً- وإزاراً غليظاً، فقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين الثوبين.

стр. 257

صور من زهد الصحابة في الدنيا وهكذا كان حال صحابة رسول الله ﷺ من بعده بعدما فتحت الأمصار وأخذت كنوز كسرى وقيصر يقومون الليل ويتزهدون في هذه الدنيا، فقد كان علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه يقوم الليل كله، ثم ينظر إلى الدنيا ومتعتها وزينتها وزخارفها, ويقبض على لحيته ويبكي ويقول: يا دنيا! غري غيري، طلقتك ثلاثاً! فليكن أخي الكريم هذا حالك. أيها الراحل إلى ربك! إن أردت الوصول إلى الله فكن زاهداً في الدنيا، مقبلاً على الآخرة، قد آثرت الباقي على الفاني. إن لله عباداً فطناً طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطناً جعلوها لجةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

стр. 258

الهمة العالية والاجتهاد العظيم من أنواع زاد المسافر أخي المسافر إلى ربه! اعلم أن زاد المسافر هو: الهمة العالية والاجتهاد العظيم, فالمسافر إلى ربه يبذل الجهد ويستفرغ طاقته في سبيل إرضاء ربه جل وعلا، فهو صاحب همة عالية, يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل الغاية المأمولة, وتحقيق البغية المطلوبة؛ لأنه يعلم أن المكارم منوطة بالمكاره, وأن اللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة, ولله در من قال: لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال. واعلم أخي المسافر! أن النعيم لا يدرك بالنعيم, وأن من آثر الراحة فاتته الراحة, وبحسب الجد والاجتهاد وتحمل المشقة تكون اللذة والفرحة, فمن جد وجد, ومن طلب العلى سهر الليالي. لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا لقد كان سيد المجتهدين وإمام المرسلين يجد ويجتهد في طلب الله ورضوانه جل في علاه, فكان يقوم الليل كله إلا قليلاً، حتى تورمت قدماه, ويقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً).

стр. 259

صور من اجتهاد الصحابة وهممهم العالية لقد اجتهد الصحابة الكرام من بعده ﷺ على عهده، فكانوا هم البررة وهم أتقى من سافر إلى ربه جل وعلا, فمن اجتهادهم وعلو هممهم ما جاء عن نافع: لما سئل: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ فقال: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما, أي: أنه يتوضأ للصلاة فلا يشغله عنها شاغل، فإذا انقضت الصلاة ذهب إلى ربه، فتدبر آياته الكونية والقرآنية فقهاً وتلاوة وعملاً وذكراً. واجتهد أبو موسى الأشعري ﵁ وأرضاه في العبادة اجتهاداً عظيماً، ولما كان على فراش الموت قالوا له: يا أبا موسى! لولا رفقت بنفسك! فقال: إن الخيل إذا قاربت المنتهى -أي في السباق- وصلت، فالخيل تبدأ الهوينا, ثم تسرع فإذا وصلت إلى الخط الأخير اجتهدت اجتهاداً كبيراً, وهذا بقي من أجله أقل مما مضى, فلم يزل ﵁ على هذا الحال من الاجتهاد في عبادة الله جل وعلا، من قيام وصيام وذكر لله حتى رحل إلى ربه جل في علاه.

стр. 260

الهمة العالية عند التابعين لقد اجتهد التابعون ومن بعدهم في السفر إلى الرب جل وعلا، وكانوا ذوي همة عالية, فعن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه، قالت: ما رأيت أحداً أكثر صلاةً ولا صياماً من عمر بن عبد العزيز، ولا أحداً أشد خوفاً ووجلاً من ربه جل في علاه منه, كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي على حاله وعلى الدنيا حتى تغلبه عيناه. وكان عامر بن عبد الله يقوم الليل كله ويقول: أذهب حر النار نوم الليل. إن هذه الكلمات بيان، وإن من البيان لسحراً، فمن منا يستيقظ في ليله ليقومه، ويستغفر في سحره، ويتذكر النار وعرصات يوم القيامة والكلاليب والصرع ويقول: أذهب حر النار نوم الليل؟ وكان الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمة الله عليه يقوم الليل كله، ويقبض على لحيته باكياً ويقول: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٥] ويتلو الآيات ويتدبرها ويعقلها ويفقه ما فيها, ثم يختمها ويقول: يا من تأخذ بمثقال الذرة اغفر لـ أبي حنيفة. إنها همم عالية كالجبال الشم الشوامخ, وإن الله يحب صاحب الهمة العالية, ويكره قليل الهمة ومن يهتم بسفاسف الأمور.

стр. 261

المداومة على الأعمال الصالحة من زاد المسافر كن أخي المسافر إلى الله عالي الهمة باذلاً للجهد والوسع في طاعة ربك جل وعلا. فمن زاد المسافر إلى ربه أيضا أنه إذا أنشأ عبادة داوم عليها، فلا يبكي في رمضان بكاء الأطفال، فيقوم الليل كله في ليالي رمضان, ثم إذا ذهب رمضان ذهب رب رمضان، وذهبت عبادة رمضان، ورجع إلى المعاصي كالزنا والربا, فكن فيما بعد رمضان كما أنت في رمضان, فإن المسافر إلى ربه جل وعلا إذا أنشأ عبادةً وطاعةً لله استدام عليها؛ لأنه يعلم يقيناً أنها ترفعه إلى المنازل العالية، ويستحضر في ذلك قول عائشة كما في الصحيح قالت: كان النبي ﷺ إذا عمل عملاً داوم عليه, وكان يقول: (إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلت) وفي رواية: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) وقد قضى النبي ﷺ سنة الظهر بعد صلاة العصر، ثم داوم عليها بعد صلاة الظهر ولم يتركها عملاً بما قال: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) وكان إذا نسي شيئاً من حزبه أو نام عنه قضاه في نهاره. أخي الكريم: كن مستديماً لطاعة ربك جل وعلا تبلغ المنازل العلا. إن المسافر إلى ربه جل في علاه لا يفتقر إلا لربه, يستغني الناس بالدنيا، فيستغني هو بربه جل وعلا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 262

الافتقار إلى الله زاد المسافر الحمد لله فاطر السماوات والأرض, جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع, يزيد في الخلق ما يشاء وهو السميع العليم, يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور, يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء, لا تواري عنه سماء سماء, ولا أرض أرضاً, ولا بحر ما في قعره, ولا جبل ما في وعره, لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يرفع القسط ويخفضه, سبحانه جل في علاه, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين, ﷺ . أخي الكريم: إن المسافر إلى ربه جل في علاه يداوم على الطاعة؛ لأن عظمة الهمة العالية في صدره, فلا يرضى بالقليل، وهو يعلم أن من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز, فلا يرضى بغير مرافقة النبي ﷺ , ولا يرضى بدرجة سفلى في الجنة، إلا بالفردوس الأعلى, فهذا حال المسافر المجد الذي يعلم إنه إذا اجتهد بلغ عند ربه مرتبة عالية في الجنة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر, يوم أن يقترب يوم الزيارة من ربه جل وعلا. أخي المسافر: تذكر أن زادك وأنت ترحل إلى ربك جل وعلا أن تفتقر كل الفقر لربك، وإن استغنى الناس بغير الله, واستغنوا بالجاه أو السلطة أو المال أو الولد، فاستغن أنت بربك جل في علاه, ومن كان الله معه فمن عليه؟! فمن استغنى بالله فافتقر فإنه لا يفتقر إلا إلى ربه جل وعلا. لسان حال المسافر يقول: إذا اكتفى أهل الدنيا بنعيمها، فلا أكتفي أبداً من فضل الله وسعة رحمته، ولا غنى لي عن بركته, وهذا فقه عال، كما فعل ذلك أيوب -صلى الله عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- لما شفاه الله وأمر السماء أن تنزل عليه جراداً من ذهب جعل يحثو في ثيابه، فقال له الله جل وعلا: يا أيوب! ألم أكن قد أغنيتك؟ فقال -بفقه عالٍ وهمةٍ كبيرة- لا غنى لي عن بركتك. فهذا حال المسافر إلى ربه جل وعلا. وإذا أنس أهل الدنيا بأحبابهم أنس المسافر بربه, وإذا استغنى أهل الدنيا بالدينا, استغنى هو بالله، فهو يتودد إلى ربه بالطاعات ويطمع في كرمه بالدعوات, ويريد العزة بالذل له, والرفعة بالتواضع له.

стр. 263

زاد المسافر في محبة الله تعالى إن المسافر وهو يرحل إلى ربه جل في علاه قد امتلأ قلبه بمحبة ربه, فهو ليل نهار يقول: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربني إلى حبك, فيتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض؛ لينال بذلك درجة المحبوبية التي إذا وصل إليها العبد لا يسقط منها أبدا، وإن عصى أو أذنب فإن الله يلهمه التوبة بعد التوبة، حتى يرتقي إلى منازل النبيين والمرسلين, ففي الحديث القدسي عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه -كما في الصحيحين- عن النبي ﷺ أنه قال: (ما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه, ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ولئن سألني لأعطينه, ولأن استعاذني لأعيذنه). وانظر إلى عظم المنزلة فإن جبار السماوات والأرض يتردد في قبض روح عبده، وهذه صفة جليلة تليق بجماله وكماله, فالرب الجليل يرتدد لقبض روح المؤمن المسافر الذي رحل إلى ربه بكيانه كله, والذي تقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فقال: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي لقبض روح المؤمن, يكره الموت وأكره مساءته) يا لله ما أعظمها من منزلة وما أكرمها من درجة! إن المسافر وهو في شوقه إلى ربه على الديمومة , قد أحب لقاء الله, فأحب الله لقاءه, وقد اهتز عرش الرحمن لمن أحب الله لقاءه, فقد ورد في الآثار -ويتسامح في الأسانيد- أن عرش الرحمن اهتز فرحاً لقدوم سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه, تقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض وأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، أحبت المخلوقات لقاءه, فالعرش العظيم اهتز فرحاً بقدومه ﵁ وأرضاه. كيف لا وقد خير أعظم المسافرين ﷺ بين الدنيا والآخرة, فاختار جوار ربه صلوات الله وسلامه عليه, وقال: اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى! وكان معاذ ﵁ وأرضاه في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم اخنق خنقك فإنك تعلم أني أحبك. اللهم ارزقنا الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. أيها المسافر الكريم: اعلم أن الطريق شاق وطويل، فاستعد للرحيل، وهيئ الزاد، واستعن بالكريم الجليل، تفز بالعيش الهنيء وتشرب من السلسبيل, فتقطع بعون الله جل وعلا المسافات، ثم تفز بعد ذلك بالجنات.

стр. 264

فضيلة الاعتكاف في المساجد وقبل الختام, سوف نذكر السنن المستحبات والقربات المندوبات في العشر الأواخر من رمضان. فأول هذه السنن وأعظمها: الاعتكاف في هذه الليالي المباركات؛ لأن رسول الأنام ﷺ كان إذا دخل العشر شد المئزر واجتهد في عبادة الله جل وعلا، وأحيا ليله وأيقظ أهله ﷺ , طلباً لليلة هي خير من ألف شهر, وهي ليلة القدر, قال تعالى مبيناً فضل الاعتكاف مطلقاً -وقد بينه الرسول أنه في العشر الأواخر-: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]. وفي الصحيح عن بعض صحابة رسول الله أن رسول الله ﷺ اعتكف واعتكف أصحابه معه؛ طلباً لليلة القدر.

стр. 265

متى يبدأ المعتكف اعتكافه ؟ كان ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه, وكان إذا كان مقيماً اعتكف العشر في مسجده, وإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين ليلة, وكان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها. أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المجتهدين في عبادته وطاعته. اللهم نسألك عيش السعداء وموت الشهداء ومرافقة الأنبياء. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات, والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات, اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، فإنك أنت الأعز الأكرم, اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لكل ما تحبه وترضاه، اللهم خذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، واجعلهم رحمةً على رعاياهم يا رب العالمين, اللهم اجعلهم نصراً لدينك، رافعين للواء نبيك ﷺ , اللهم انصر الإسلام والمسلمين, اللهم انصر المستضعفين في كل مكان, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 266

الإشارات إلى الأسهم والسندات تنقسم الشركات في الشرع إلى قسمين: عنان ومضاربة، وكلاهما جائز، وما وقع حديثاً من شركات المساهمة فهي باعتبار أصلها، فما أسس على حلال فهو حلال، وما أسس على حرام فهو حرام، وما اختلط حلاله بحرامه ففيه تفصيل: فإن كانت من الشركات الكبيرة فتجوز بشرط أن تكون نسبة حرامها ضئيلة، ويخرج حرامها من الأرباح فلا يقسم.

стр. 267

أحكام الأسهم والسندات

стр. 268

تعريف الأسهم لغة واصطلاحاً إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: الأسهم في اللغة: مفردها سهم، وهو النصيب في الشيء. وفي الاصطلاح: هو صك يمثل نصيباً عينياً أو نقدياً من رأس مال الشركة، قابل للتداول، يعطي صاحبه حقوقاً خاصة. وهذا السهم يكتب باسمه وبالقيمة أو لحامله، فصاحب السهم يأخذ السهم بعدما يصدر من الشركة، ويكون له حق بيعه وشرائه وغير ذلك من المعاملات، وله أيضاً حق التبديل، فلوارثه أن يحل محله إما بالاسم، وإما أن يكون مبهماً حتى يسهل التبديل. وهذا السهم هو وضع مال معين إما بألف أو ألفين أو مائة ألف حسب تقدير الشركة، فقد تصدر السهم مثلاً في بداية المنشأ بمائة درهم، فيشتري الرجل ما يشاء من الأسهم. إذاً: فالسهم نصيب في الشركة معلوم يأخذ به صكاً ويسمى سهما. والقيمة الاسمية للسهم هي القيمة المبينة في الصك، فلو أن السهم مثلاً بألف وكل إنسان في الشركة له سهم، فله جزء بقيمة محدودة في هذه الشركة، وهذه الشركة تسمى بشركة المساهمة. وقد تكون شركة المساهمة شركة صناعية، أو تجارية، أو صناعية تجارية.

стр. 269

التكييف الشرعي لشركات المساهمة وقبل الحكم عليها من حيث الجواز وعدمه لا بد من بيان التكييف الشرعي لهذه الشركة. فإذا نظرت في كتب الفقه إلى الضوابط الفقهية والتكييفات الشرعية للشركات سوف تجد أن شركة المساهمة لا تنفك عن شركتين: شركة العنان، وشركة المضاربة. الصورة الأولى: شركة العنان، وهي: أن يضع أشخاص أموالاً كل واحد منهم له مال معلوم، والربح يرجع عليهم كل إنسان على قدر سهمه، ومجالس الإدارات غالباً هم الذين يكونون شركة المساهمة، ومنهم أناس آخرون دفعوا هذه الأسهم وعملوا مع مجلس الإدارة. إذاً فهذه صورة من صور شركات المساهمة: أن يكون مجلس الإدارة نفسه له حصة من الأسهم، والذين دفعوا الحصص الأخرى من الأسهم يعملون مع مجلس الإدارة، فهذه صورة شركة العنان. الصورة الثانية: أن يشترك أشخاص بأموالهم، ويكون لكل منهم أسهم محددة، وآخرون يعملون في هذا المال سواء كان ذلك تجارة أو صناعة أو غيرها. أي: أن هؤلاء الأشخاص معهم مال ولا يستطيعون العمل، وآخرون ليس عندهم مال فيعملون بأموال أولئك، وهذه الشركة هي شركة المضاربة. الصورة الثالثة: تخليط بين شركة المضاربة وشركة العنان، وهي: أن مجلس الإدارة يعملون ولهم أيضاً أسهم، وآخرون دفعوا أسهماً ولا يعملون، فأصبح الذين دفعوا الأموال دون أن يعملوا مضاربين في شركة مضاربة، ومجلس الإدارة الذين لهم الأسهم وشاركوا في العمل في شركة عنان، فأصبحت شركة عنان ومضاربة، وفي هذه الصورة خلاف فقهي؛ لأن مجلس الإدارة يكون لهم حالتان، ولتوضيح الحالتين نضرب مثالاً: رجل عنده مال واستأجر رجلاً آخر يعمل في هذا المال، فقال هذا الرجل: وأنا عندي مال، فأنت دفعت عشرة آلاف وأنا سأدفع ثلاثة آلاف، وسأعمل لك في المال، فأصبح العامل هنا مضارباً ومشاركاً، فإذا كان مضارباً ومشاركاً فله حق الإدارة أي: راتب شهري، أو له نسبة فهاتان حالتان: الحالة الأولى: أن يكون له راتب شهري مع نسبة سهمه؛ لأنه مشارك ومضارب، فهذه صحيحة وليس فيها شيء. الحالة الثانية: أن يكون له راتب شهري وعند الربح يخصص له مثلاً (٢%) أو (٣%) غير سهمه، وهذا حرام قطعاً قولاً واحداً؛ لأنها إجارة مجهولة. والدليل على صحة هذه الشركات هو عموم الأدلة التي أثبتت صحة الشركة، منها أولاً: قول الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:١٩]، فكل واحد منهم دفع مالاً وقالوا: اذهب وائتنا بطعام، فاشتركوا في المال ليشتري لهم طعاماً، وإن كان في هذا الدليل نظر، لكن يستدل به على جواز الشركة. ثانياً: الحديث الصريح عن النبي ﷺ : (أن الله جل وعلا يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر). ثالثاً: فعل الصحابة رضوان الله عليهم. رابعاً: أن الأصل في المعاملات الحل ما لم يأت دليل على الحرمة. خامساً: توافر شرط التراضي في هذه المعاملة كما قال النبي ﷺ : (إن البيع عن تراضي)، وقال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. إذاً: فالأصل إباحة هذه الشركات.

стр. 270

أنواع شركات المساهمة المعاصرة إن شركات المساهمة المعاصرة على أقسام: الأول: شركات المساهمة التي تعمل في حلال محض كتجارة الطيران، والثلاجات، والعملة، بترخيص من ولي الأمر أو من الحكومات، ويكون عملها يداً بيد بالشروط المعروفة في تجارة العملة، فالمهم أن تعمل هذه الشركة في حلال محض. الثاني: أن تعمل في حرام محض كبيع الخمور، أو البنوك، أو الدجاج المصعوق؛ لأنه ميتة، والتجارة في الميتة حرام، فهذا النوع حرام محض. الثالث: أن تخلط هذه الشركات بين الحلال والحرام، فالأصل في عملها الحل، ويدخل في جزئية من الجزئيات الحرمة، وهي أصعب ما تكون، وهي الموجة الآن في عصرنا، مثل البنوك والقرض مع أخذ الفائدة، أو التمويل الربوي. فهذه أنواع ثلاثة لا يمكن أن تنفك واحدة عن هذه الأنواع.

стр. 271

حكم شركات المساهمة المعاصرة أما النوع الأول: وهي الشركات التي تعمل في الحلال المحض فهي حلال لا غبار عليها. وأما النوع الثاني: وهي الشركات التي تعمل في الحرام كبيع الميتة والخمور والخنزير، فهي حرام محض قولاً واحداً. وأما النوع الثالث: وهي محل الخلاف، وهي الشركات التي اختلط فيها الحلال بالحرام كشركات تعمل في تجارة الأخشاب مثلاً وتؤسس بنكاً من البنوك الربوية، وذلك ليسهل لهم الضمان البنكي والسندات والتسهيلات. وقد اختلف العلماء في حكم هذه الشركات على ثلاثة أقوال: القول الأول: المنع مطلقاً. القول الثاني: الجواز مطلقاً. القول الثالث: التفصيل. فأما أصحاب القول الأول القائلون بالمنع مطلقاً، فاستدلوا بالآتي: أولاً: أن هذه الشركات وإن كان أصلها حلالاً وتعمل في الحلال إلا أنها فتحت بنكاً من البنوك الربوية، فتعاملت بالربا بغض النظر عن المعيار أو النسبة؛ لأن التعامل بالربا حرام محض، وفيه حرب من الله ، وقد أتت الأدلة الواضحة الظاهرة على حرمة ذلك، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]. ثانيا: من الأثر: قول النبي ﷺ : (لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه). فإن قيل: إن مقدار الربح الذي فيه ربا سوف يتصدق به تطهيراً لهذا المال. فالجواب على ذلك: أنكم بهذا أعنتم الذي يتعامل معكم على أكل الربا، ودخلتم تحت عموم من لعنهم النبي ﷺ في الربا، فإن الأدلة كثيرة على لعن آكل الربا، وموكله، والذي يتعامل بالحرام. ثالثاً من النظر: إن هناك قاعدة فقهية ذكرها الزركشي وغيره من علماء الأصول وهي: أن الحرام إذا اختلط بالحلال غُلب الحرام حيطة وورعاً للدين، قال ﷺ : (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)، وقال أيضاً: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وتغليب الحاظر على المبيح قاعدة عند أهل الحديث. ثم إن هذه الشركات وإن كانت فيها مصلحة وهي انتعاش الاقتصاد إلا أن مفسدتها أعظم وهي أكل الربا، وهذه المفسدة محققة الوقوع ومقطوع بها، وأما المصلحة فهي مظنونة وليست محققة الوقوع، وإذا تعارض المقطوع به مع المظنون قدم المقطوع، ولذلك يحرم الاشتراك في هذه الشركات. وأما أصحاب القول الثاني القائلون بالجواز مطلقاً فاستدلوا بما يأتي: أولاً قاعدة: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، فأصل الشركة حلال، وأصل التعامل حلال، فهم أصلاً يتاجرون في الأخشاب والسيارات، وهذه جاءت بجانبها، فيغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، كمن يشتري الجاكت أو الرداء وفيه حشو ولا يعلم مقدار هذا الحشو، فهذه جهالة لكنها تغتفر لأنها تابعة للأصل وهو الجاكت أو الرداء. مثال آخر: الأصل أن مال العبد للسيد؛ لقوله ﷺ : (من باع عبداً له مال فماله لسيده إلا أن يشترط المبتاع) فالمال للسيد، وهذا هو الأصل، ولكن إذا اشترط المبتاع أن المال له فقبل السيد هذا الشرط جاز، فيغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل. ثانياً: اليسير معفو عنه كما دلت على ذلك القواعد الفقهية، فيسير النجاسة معفو عنها، وهذا يسير بالنسبة لمال الشركة. ثالثاً: أن المصلحة هنا أعظم من المفسدة، وإذا تعارضت مصلحة مع مفسدة قدم أعظمهما، فإطعام الطعام، وانتعاش الاقتصاد، والقضاء على الفقر مصلحة مغلبة على مفسدة الربا، وسوف تعالج مفسدة الربا الصغيرة بإخراج هذا الربح صدقة تطهيراً لهذا المال. وأما أصحاب القول الثالث القائلون بالتفصيل فذهبوا إلى المنع من الشركات التي اختلط فيها الحرام مع الحلال، إلا أن تكون هذه الشركات شركات كبيرة ذات أموال طائلة وتسد حاجات الأمة، ففي الدول النامية مثلاً شركات المياه أو النقل أو الكهرباء حيث جاءت هذه الشركات المساهمة من الخارج لتساهم في تعمير البلد فالدولة لا تستطيع القيام بذلك، فهذه حاجة الأمة لها ماسة، ولا مال عند الأمة لتسد حاجة الناس إلا بهذه الشركات المساهمة التي فيها شيء من الحرام، فتقدم هنا مصلحة الجماعة على المفسدة القليلة. ولعل هذا القول من أوفق الأقوال، وإن كان الدكتور علي السالوس -وهو من الذين يحررون هذه المسائل- يرى الحرمة الباتة القاطعة، لكن هذا هو أوفق الأقوال إذا كانت الأمة تنتفع بها ولا تستطيع أن تقوم بحاجات الناس إلا بهذه الشركات، فيغتفر الجزء اليسير من الربا، لكن لابد حتماً أن يعرف مقدار هذا الجزء ليخرج من الأرباح، ولابد أن يكون هذا الجزء قليلاً كأن يكون واحد في المائة، أو اثنين أو ثلاثة، أو خمسة في المائة، أما أن يصل هذا الجزء إلى الربع أو الثلث أو النصف فهذا لا يصح في حال من الأحوال.

стр. 272

زكاة الأسهم في شركات المساهمة إذا كان الإنسان له أسهم في هذه الشركات فكيف يزكي هذه الأسهم؟ قسم العلماء الشركات إلى نوعين: شركات صناعية وشركات تجارية، فأما الشركات الصناعية التي لها آلات ومصانع تعمل بها فهذه الأعيان ليس فيها زكاة، وإنما تكون الزكاة في الريع الذي يخرج منها إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، فإنه يخرج اثنين ونصفاً في المائة. وأما إذا كانت هذه الشركات تجارية تقوم ببيع وشراء البضائع فإن الزكاة فيها تكون كزكاة عروض التجارة، فتخرج الزكاة على أصل السهم، وعلى الربح إذا حال عليه الحول وبلغ النصاب. وقرر المجمع الفقهي قراراً آخر وهو: أن الزكاة ترجع إلى النية لا إلى الصناعة ولا إلى التجارة، فإذا كانت نية المساهم الاستفادة من الريع فلا زكاة إلا على الربح، مثل أن يشتري المساهم السهم ليستفيد من الريع فقط لا ليتداول السهم بيعاً وشراءً، فهذا ليس عليه زكاة إلا في الربح، وذلك بعد أن يقبضه ويمر عليه حول كامل، فيضرب في واحد على أربعين ويخرج الزكاة. وإن كانت النية أنه عندما يرتفع سعر السهم فإنه يبيعه فتكون الزكاة على أصل السهم مع أرباح الشركة بعد أن يحول عليها الحول.

стр. 273

الفرق بين الأسهم والسندات الفرق بين الأسهم والسندات: أن السهم يكون لشريك له نصيب في الشركة، وأما السندات فهي قروض يقرضها صاحب المال للشركة لتعمل بهذا المال، وله فائدة ثابتة في كل عام، فلا ارتباط له بالربح ولا بالخسارة، وهي حرام قطعاً، فيأخذ هذا المال في المدة المحددة مع الفائدة التي ثبتت له من قبل، وهذا ربا محض، لذا فالسندات حرام قطعاً، ولا تجوز في حال من الأحوال. وأما الأسهم فهي على التفصيل الذي فصلناه.

стр. 274

حكم الضمان البنكي هناك مسألة أخرى وهي مسألة الضمان البنكي، فالضمان البنكي يحل ويحرم، وذلك أن البنك يبعث إلى الشركة في الهند أو الصين ويقول: أنا أغطي لكم ثمن هذه السلعة، ويكون الذي أخذ هذا الضمان البنكي ليس عنده رصيد في البنك، فالضمان يكون مثلاً بمائة ألف، وهو إنما وضع في البنك عشرين ألفاً فقط، فهذا الضمان البنكي لا يكون بدون مقابل، وإنما هو يقرر عليك مبلغاً من المال أو نسبة معينة مقابل هذا الضمان فهذا حرام لا يجوز؛ لأن هذا أشبه ما يكون بقرض يجر نفعاً فهو ربا؛ لأنه ليس عنده رصيد. وأما لو كان عنده رصيد وسيغطيه ويعطيه للشركات فهذه تعتبر وكالة للدفع، وما أخذه البنك من المال فهو أجرة على الوكالة، وهذه تصح في الشرع.

стр. 275

حكم الاكتتاب في شركات الأسهم الوهمية التي ليس لها أصول وهنا مسألة مهمة هي: لو كانت هناك شركة ليس عندها شيء لا تجارة ولا صناعة، فقالت: سنعمل صناعة، ولم تعمل صناعة، لكن نزلت بثقلها في الأسواق والبورصات وأسواق المال، وأنزلت الأسهم التي عندها ليشتريها الناس، فتهافت الناس على طلب الأسهم، فالمساهمون الأولون اشتروا السهم بمائة درهم مثلاً، فشكل هذا نوعاً من الدعاية للشركة فأقبل الناس عليها فالسهم الذي كان بمائة صار بألف، فيكون الربح خيالياً، وهذا الذي يفعله بعض الناس وهو حرام محض؛ لأن الشركة نفسها لم تبن والسهم غير موجود، وهو ما عنده إلا مال فقط، فجاء المشتري يشتري هذا السهم بمال، فأصبحت المسألة مبادلة مال بمال، بينهما مسمى (سهم)، وهذا نفس الأمر الذي قال عنه ابن عباس: دراهم بدراهم بينهما حريرة. فهو أصلاً باع مال بمال دون التقابض ودون التساوي، فاشترى بمائة درهم وباعها بألف، فهو كالذي بدل المائة بالألف مع التقابض، والنبي ﷺ يقول: (الذهب بالذهب يداً بيد، سواء بسواء، مثلاً بمثل).

стр. 276

حكم النسبة التي يتقاضاها مندوب المبيعات بجانب راتبه وننبه هنا على مسألة المندوبين الذين يعملون بأجرة، وهذه الأجرة ألف مثلاً أو ألفين، فيعمل كمندوب المبيعات لشركات البنايات وله أيضاً نسبة أو عمولة، وركيزته على العمولة لأن راتبه يكون زهيداً، فكل شقة يبيعها يكون له نسبة عالية، وهذا العمل حرام؛ لأن هذه إجارة مجهولة، وشرط الإجارة أن تكون معلومة، فإذا كان الراتب أصلاً ضعيفاً والمعول في المسألة على النسبة فهذه إجارة مجهولة فلا تجوز، وإن كان راتبه هذا هو الراتب الأصلي، لكن جرى تحفيزه بمكافأة بأن يقال: سيكون لك في آخر العام من الأرباح التي تخرج مكافأة كذا، فهذه تجوز، أما إن كانت من الراتب فتظهر فيه الجهالة، وننظر بعدُ إن كانت النسبة ضئيلة فيغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل على امتعاض، وأما إن كانت تصل إلى النصف أو تصل إلى أن يكون عصب المسألة على العمولة فلا تصح بتاتاً؛ لأن هذه إجارة مجهولة. أما ما يسمى بـ (البونص) فتكييفه الشرعي أنه جُعْل فهذا (البونص) اسمه جُعْل، يجعله المدير تحفيزاً للعامل حتى ينتج، والجُعْل يجوز إذا كان ليس من الراتب، ولكن بعض العلماء لا يجيزون الجُعْل مع الجهالة، والراجح الصحيح: أن الجُعْل ليس بإجارة، ويغتفر في الجعل؛ لأنه إرفاق وإحسان وليس بعقد لازم من الإجارة. فإذا قال المدير: إذا دخلنا في مشروع ونجحنا فيه فسيكون هناك مكافآت مجزية بالمال، فهذا جُعْل إن شاء الله.

стр. 277

حكم السمسرة والسمسرة تجوز بشرط أن تكون معلومة، ويعرف الرجل أنه سمسار أو دلال، فإذا كانت السمسرة معلومة صحت؛ لأن السمسرة إجارة والإجارة لابد أن تكون معلومة. وأما إن لم يعلم أنه سمسار فلا يجوز أن يأخذ أجرة إلا أن يشترط على الرجل الذي يوسطه في الشراء أو البيع، أي: أن الرجل لو دل آخر على سيارة مثلاً فاشتراها الآخر فلا يحق لهذا أن يأخذ أجرة من المشتري؛ لأنه لا يُعلم في السوق أنه سمسار، ولم يشترط عليه الأجرة (المسلمون عند شروطهم). ويحق له أن يأخذ من الطرفين إذا كان الطرفين موسطين، واشترط مبلغاً معلوماً وليس نسبة، فإن كان هناك تراضي على مبلغ معين فلا بأس، وأما أن يكون له نسبة فلا يجوز للجهالة، والنسبة لا تكون إلا في المضاربة فقط. وكذلك المساقاة فإن النبي ﷺ كما في حديث - رافع بن خديج - لم يبحها إذا كانت على جزء من الأرض كاثنين في المائة أو ثلاثة في المائة؛ لأن فيها جهالة وليست محددة ولا مقدرة، والسمسرة كذلك، إلا أن يقول له: إذا بعتها لك بخمسين فلي خمسة آلاف مثلاً، وإذا بعتها بستين فلي خمسة، فالسمسرة لابد أن تكون معلومة، والنسبة فيها جهالة فلا يصح بها.

стр. 278

تلخيص التأصيل في قضية التكفير مسألة التكفير مسألة خطيرة لا يجرؤ عليها إلا من لم يجعل الله له حظاً من العلم، فهي حق محض لله تعالى، ومن لوازم ربوبيته، ولا دخل للإنسان فيها. وينقسم التكفير إلى: تكفير للنوع وتكفير للعين، والمطلق يبقى على إطلاقه، والعام يبقى على عمومه ما لم يأت دليل يقيد ذلك ويخصصه، والثابت باليقين لا يزول بالشك. ومن قال: إن القرآن مخلوق فإنه يكفر كفر نوع، إلا إذا أقيمت عليه الحجة، وأزيلت عنه الشبهة، وأما من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فلا شيء عليه على القول الأرجح إن عنى فعله وحركته هو لا القرآن.

стр. 279

حكم من قال: إن القرآن مخلوق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخوتي الكرام: لقد اختلف الناس في هذا الباب إلى ثلاثة فرق: فريق يغالي جداً، وفريق يفرط جداً ويجفو، والوسط هم أهل العدل والحق. إن حكم من قال: إن القرآن مخلوق، وأنه كافر، فإن أصالة ما قيل عن السلف: من قال بأن الله لم يتكلم، ومن قال بأن كلام الله مخلوق، ومثله مثل الجبال والسماء والأنهار والشواطئ والإنسان مخلوق، فقد كفر فهذا هو الحكم إجمالاً.

стр. 280

خطورة التكفير إن هناك قاعدة مهمة في التكفير لا يتجرأ عليها إلا جرئ جاهل، فإن التكفير أصعب وأشق ما يكون، ولا يتجاسر عليه إلا من لم يجعل الله له حظاً في العلم، فعلى الإنسان ألا يتجرأ على هذه المسألة إلا بدليل أوضح من شمس النهار؛ لخطر هذه المسألة ولعظمها، ومما يدل على خطر هذه المسألة ما قاله النبي ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، وفي رواية قال: (فإن كان كذلك وإلا حارت عليه). وتفسير ذلك: أن الإنسان إذا تجاسر وأطلق كلمة الكفر على أحد فإنه إن لم يكن كافراً بحق عند الله، فإنه سيكفر بهذه الكلمة؛ لأنه نزع الإيمان من عبد وما كان له ذلك، فكان جزاءً وفاقاً وأجراً طباقاً أن تحور الكلمة وتتحول عليه، ويصبح هو المتهم بالكفر.

стр. 281

التكفير حق محض لله تعالى، والأمثلة على ذلك إن التأصيل الأول: هو أن التكفير حق محض لله جل وعلا لا دخل للإنسان فيه، ومثله مثل التحليل والتحريم، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [النور:٥٤]. فالرسول عليه أن يبلغ، فمن انصاع له وقال: آمنت بالله وآمنت برسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقد دخل حظيرة الإسلام، فلا يجوز لأحد أن يخرجه منها؛ لأنه حق محض لله جل في علاه. ومن الأدلة على ذلك: ما قاله النبي ﷺ عندما قال الرجل: اللهم ارحمني وارحم محمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً فقال له: (حجرت واسعاً) فالرسول ﷺ أنكر عليه ذلك؛ إذ أن هذا ليس حقاً له، بل هو حق لرب البرية جل في علاه، فليس له أن يحجر هذا الواسع، ولذلك قال له النبي ﷺ : (حجرت واسعاً) منكراً عليه إياه، على أن هذا حق محض لله جل وعلا. وأيضاً ما قصه علينا النبي ﷺ كما في الصحيحين: (عن رجل من بني إسرائيل أنه كان يمر على أخ له يرتكب المعاصي، فيقول له: يا رجل! يا فلان! ارجع إلى ربك واستغفر ربك، ثم في الثانية والثالثة والرابعة يجده على هذا الذنب، فقال له: والله لا يغفر الله لك أبداً)، فالنبي ﷺ يبين لنا أن الله أنكر عليه أشد إنكار؛ إذ إن التكفير ومغفرة الذنوب ودخول الجنة والحرمان من الجنة ودخول النار حق محض لله، فقال: النبي ﷺ يبين لنا أن الله قال: (من ذا الذي يتألى علي) واشتد النكير بأن قال له: (قد غفرت له وعذبتك أنت)، أو كما قال النبي ﷺ مبيناً لنا أن هذا حق محض لله جل في علاه. إذاً: فالقاعدة الأولى التي يجب أن يعرفها طالب العلم قبل أن يتجاسر على التكفير هي: أن هذا التكفير حق محض لله، ومن لوازم ربوبية الله، ومن نازع الله في ربوبيته فهو على هلاك مبين، وعلى خطر عظيم، ولا يخاض في ذلك إلا بدليل أوضح من الشمس. وهناك مثال ثالث يوضح لنا أن هذه المسألة حق محض لله، وأن الذي يتجاسر عليها منازع الله في ربوبيته، فـ أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه كما في الصحيحين عندما أغاروا على قوم فأعملوا فيهم القتل، ففر رجل منهم، فقام أسامة يشتد عليه حتى قتله، والرجل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فرجع إلى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال النبي ﷺ : (أقتلته بعدما قالها؟) يعني: بعدما قال: لا إله إلا الله. ومعنى ذلك: أنه إذا قال: لا إله إلا الله فقد دخل في حظيرة الإيمان، فلا يجوز أن تخرجه من حظيرة الإيمان بحال من الأحوال، وليس لك أن تكفره بحال من الأحوال، لأن هذا حق محض لله جلا وعلا. فقال: (أقتلته بعدما قالها؟ قال: يا رسول الله ما قالها إلا متعوذاً) كأنه اجتهد في ذلك اجتهاداً، ويظهر أن هذا الرجل نافق خوفاً من القتل، فقال: النبي ﷺ مكرراً معاتباً منكراً إنكاراً شديداً على أسامة (أقتلته بعدما قالها؟ ثم قال له في الثالثة: ماذا تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة) وندم أسامة ندماً شديداً على ذلك. فالنبي ﷺ يؤصل له أصلاً وهو: أن من دخل في الإيمان فلا يصح لأحد أن يكفره، ولا أن يخرجه من حظيرة الإيمان بحال من الأحوال إلا بدليل أوضح من شمس النهار، كأن يخبرنا الله ببينة واضحةٍ أن هذا كافر، مثل فرعون، وكذلك أبي لهب وأبي جهل، قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣]. فقد بين الله قطعاً أنه من أهل النار، وأنه كافر، وكذلك اليهود والنصارى بين الله كفرهم في كتابه، فمن لم يكفرهم بعدما علم أن الله قد كفرهم فإنه يخرج من حظيرة الإيمان. ومن الأمثلة التي تثبت ذلك، وتثبت التأصيل الذي أصله النبي ﷺ لأصحابه جميعاً: (عندما نافق الرجل وقال لرسول الله ﷺ : هذه قسمة ما ابتغي بها وجه الله جل في علاه، فقال خالد: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : لعله يصلي، فقال خالد: كم من مصل يفعل ما لا يعتقد، أو يقول ما لا يعتقد، فأصل له النبي ﷺ تأصيلاً علمياً يتعلمه طالب العلم، ويعلم -وهو أحرى بذلك- أن النبي ﷺ لا يتجاسر على تكفير أحد، فمن باب أولى: العلماء، ثم من باب أولى: طلبة العلم، ثم من باب أولى: أصاغر طلبة العلم، فلا يتجاسرون على هذه المسألة العظيمة التي تجعلهم يقعون في خطرٍ عظيم إذا تجرؤا عليها، فقال النبي ﷺ : (ما أمرت أن أشق عن القلوب) أي: أن الحكم على القلوب ليست إلي، بل هي إلى الله وحق محض له. إذاً: فالنبي ﷺ يؤصل لنا: أن من دخل دائرة الإسلام لا يجوز أن تقول عليه: كافر إلا بدليل أوضح من شمس النهار، وهذا مثل عظيم ضربه النبي ﷺ لـ خالد، وقد ضربه النبي ﷺ لبعض أصحابه كـ عمر وأسامة، وضربه النبي ﷺ لنا؛ حتى نتبين أمرنا ونعلم أنه لا يجوز لنا أن نتجاسر على مسألة التكفير.

стр. 282

المطلق يبقى على إطلاقه والعام يبقى على عمومه ما لم يأت دليل على تقييده أو تخصيصه وبعدما علمنا أن التكفير حق محض لله جل وعلا، وليس لأحد أن يتجاسر عليه، فإنه قد ورد في الآثار أو وردت في الآيات تكفير فعل معين، فالتأصيل الثاني: أن هناك فرقاً بين أن نقول: من فعل كذا فقد كفر، ومن قال: كذا فقد كفر، فالآيات التي جاءت مطلقة، والأحاديث التي جاءت عامة، وأقوال أهل العلم التي جاءت مطلقة تبقى على إطلاقها، وتبقى على عموماتها، ولا تنزل على الشخص المعين إلا بدليل واضح بين. إذاً: فما جاء مطلقاً فالقاعدة عند العلماء: أن المطلق يبقى على إطلاقه، والعموم يبقى على عمومه حتى يأتي المقيد أو الخاص، بمعنى: أنه إذا قال أحمد بن حنبل: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، فهذا القول مطلق، فأيما شخص يقول: القرآن مخلوق، ويقول: الله لم يتكلم بالقرآن، بل القرآن كالشجر، كالحجر، كالأنهار، كالسماء، كالأرض، فمن قال ذلك فقد كفر، ولا نكفر من قال ذلك بعينه.

стр. 283

تقسيم الكفر إلى نوع وعين والتفريق بينهما إن هناك فرقاً بين تكفير النوع وتكفير المعين، فمن قال: القرآن مخلوق فقد كَفَر كُفْر نوع، وأما الشخص الذي قال هذه المقولة فلا أكفره، ولابد من إثبات ذلك بالأدلة بـ (قال الله، قال رسوله)، قال الشاعر: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه والأدلة على التفريق بين النوع والعين كالتالي: أما السنة فمنها: حديث الرجل الذي قال لأولاده: إذا أنا مت فأحرقوني ثم ذروني في البر والبحر؛ لأن الله لو بعثني لعذبني بهذه المعاصي، فهو مؤمن بقدرة الله، وهو يؤمن بأن الله يقيمه مقامه ثم يعذبه، فهو يخاف ويرجو الله جل وعلا، وقد اتفق المسلمون جميعاً: أن الذي يقول: إن الله لا يقدر على شيء، فحكمه أنه مكذب بالقرآن، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]. فمن قال: إن الله لا يقدر على أن يبعثني مثلاً فهذه المقولة كفر باتفاق المسلمين، لكن ننظر إلى هذا الكفر هل يقع على نفس العين أم لا؟ فالرجل لما بعثه الله -كما بين لنا النبي ﷺ قال له ربه: (ما الذي حملك على هذا؟ قال: مخافتك، أو قال: أرجو رحمتك، فغفر الله له وأدخله الجنة). فوجه الدلالة هنا: أن الرجل أتى بكفر باتفاق علماء المسلمين؛ لأنه ضل في باب القدرة، لكنه كان جاهلاً، فأتى بكفر نوع لا كفر عين، فلما كان جاهلاً عذره الله بجهله، ثم أدخله الجنة، إذاً: لو قال أحد كلمة الكفر فلا نستطيع أن نقول: هو كافر، بل نقول: أتى بكلمة الكفر، لكن هو ليس بكافر إلا إذا أقيمت عليه الحجة، وأزيلت عنه الشبهة. الدليل الثاني: أن صحابياً من أصحاب رسول الله ﷺ كان يلقب بحمار، ﵁ وأرضاه، وكان شراباً للخمر كثيراً، ويؤتى به كثيراً فيجلد كثيراً، فقال خالد: لعنة الله عليه؛ ما أكثر ما يؤتى به، ونحن نعلم أن شارب الخمر ينزل تحت اللعن، فقد لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة منهم: شاربها، إذاً فشارب الخمر عموماً ملعون، وهذا حكم على النوع لا على العين، فلما كان يؤتى بهذا الرجل الذي يشرب الخمر فيجلد، ثم يشرب ثم يجلد قال خالد: لعنة الله عليه، فأوقع الحكم العام على عين هذا الشخص، كما في الحديث: (لعنة الله عليه؛ ما أكثر ما يؤتى به، فقال له النبي ﷺ منكراً عليه: يا خالد لا تعن الشيطان عليه، إني لأعلم أنه يحب الله ورسوله)، فهذا الحديث فيه دليل على أنه خارج من اللعن، مع أن شارب الخمر ملعون، والرجل قد يقع في الكفر، لكننا لا نستطيع نكفره، لأن هناك موانع تمنع أن نكفره، فقد يكون الفعل كفراً والقول كفراً، لكن القائل والفاعل لا يمكن أن نخرجه من حظيرة الإيمان إلا بضوابط كما سأبينها، إذاً: فالرجل شرب الخمر والنبي ﷺ يقول: (لعن الله في الخمر عشرة منهم: شاربها) ومع ذلك قال: هذا ليس بملعون، وهذه دلالة على أن الحكم العام لا يسقط على الشخص لموانع معينة. إن من قال: إن القرآن مخلوق، قد فصل حكمه تفصيلاً بديعاً إمام أهل السنة والجماعة، الإمام أحمد بن حنبل مفخرة المسلمين، وإمامهم، فكان ﵁ وأرضاه يقول: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر، ومع ذلك فتنه المأمون وغيره من حكام الدولة العباسية، وقصصه مع من قال بخلق القرآن مشهورة جداً، حيث إنهم قالوا: القرآن مخلوق، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، وقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]. ومعناها كما يزعمون: خلق الظلمات والنور، فقالوا: جعله قرآناً عربياً، يعني: خلقه قرآناً عربياً، فرد عليهم الإمام أحمد فقال: قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥]. فقد خلقهم الله بشراً، فهل جعلهم كعصف مأكول يعني: خلقهم كعصف مأكول، بل حولهم بالحجارة إلى عصف مأكول، والغرض المقصود من ذلك أن الإمام أحمد هو القائل: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومع ذلك لما قالوا له: نخرج على المأمون، قال: لا، وإني لأصلي خلفه، وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق، وأرى ذلك واجباً علي، وكأنه يقول: ولي أمري وإن أخطأ وأتى بالكفر، فإني لا أكفره عيناً، مع أني أقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، وإني لا أتجسر على تكفيره، بل له علي السمع والطاعة، والدعاء بالتسديد والتوفيق، والصلاة خلفه، والغزو معه. فهذا إمام الأئمة إمام أهل السنة والجماعة يؤصل لنا هذا الأصل: أنه حتى لو أتى الأمير أو ولي الأمر بمكفر فلا نستطيع أن نكفره بهذا أبداً، ولا يتجاسر ولا يجرؤ على ذلك إلا جريء، فهذا من أقوال الأئمة الذين فرقوا بين كفر النوع وكفر العين.

стр. 284

ثبوت الإيمان باليقين لا يزول بالشك بأي حال من الأحوال التأصيل الثالث الذي لا بد أن يضبطه طالب العلم: أنه من ثبت إيمانه بيقين فلا يزول بشك بأي حال من الأحوال، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة، فقال أبو ذر: يا رسول الله وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، ثم قال له في الثالثة: وإن زنى وإن سرق وعلى رغم أنف أبي ذر). فمن قال: لا إله إلا الله دخل الإسلام، ودخل الإيمان، وله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، فقد دخل الإسلام بيقين، ولا يمكن أن نخرجه من الإسلام إلا بيقين، فإذا قال الرجل كلمة الكفر فإني من الممكن أن أقول: هل قالها عامداً؟ وهل قالها جاهلاً؟ وهل سبق لسانه قلبه؟ وهل لم يطمئن قلبه؟ وهل كان مكرهاً؟ وكل هذه تسمى احتمالات، فتدخله في دائرة الشك، وعندي القاعدة التي أرجع إليها بالتأصيل العلمي: أن الذي ثبت إيمانه بيقين لا يزول هذا الإيمان بالشك؛ لأنه من الممكن أن يقول: إن الله لم يتكلم، فيكون قد نشأ في البادية، أو هو جاهل لا يعلم معنى القرآن، ولا معنى كلام الله، ولا معنى أن الله يتكلم، فإن كان جاهلاً فلا بد أن أعلمه، وأقيم عليه الحجة، وأزيل عنه الشبهة. إذاً: فالتأصيل الثالث: من ثبت إيمانه بيقين فلا يمكن أن يزول بشك، وهذا يبين لنا خطأ من يتجاسر -كائناً من كان، حتى ولو كان يدافع عن حظيرة الإسلام، ويرفع رايته- على التكفير، فلا يجوز له ذلك، ولا يتجرأ على ذلك إلا بيقين وبعلم، لأن تكفير المعين جرأة على الدين، وفيه جرأة على لوازم ربوبية الله جل في علاه.

стр. 285

حكم الكفر لا يثبت إلا بتوافر شروط وانتفاء موانع التأصيل الرابع: أن موجب الكفر أو حكم الكفر لا يثبت إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع، وإذا ثبتت الشروط وجب أن يكون حكم الكفر موجوداً، لكن بشرط أن تنتفي الموانع، ومثال ذلك: رجل ثبت في حقه الكفر، فقال مثلاً: لا صلاة عصر في اليوم والليلة، والمفروض على الناس أربع صلوات فقط لا خامس لها، فهو أتى بمكفر؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، لكن ننظر في هذه الشروط، فإن توفرت فهو كافر، وننظر في الموانع فقد يكون من أدغال أفريقيا لا يعرف حتى إن الله جلا وعلا افترض على عباده صلاة أو صياماً، أو جاهلاً لا يقرأ ولا يسمع ولا يعرف أي شيء، فهذا مانع يمنعني من تكفيره، أو يكون الرجل مجتهداً فيقول: إن الله لم يستو على عرشه، وينفي صفة الاستواء، فعلينا أن ننظر في كلامه، هل هو عالم من العلماء، اجتهد ونظر في الأدلة فوصل اجتهاده إلى هذا الخطأ، فنقول: هذا مخطئ مجتهد وله أجر، ولا يمكن أن يكفر بذلك، حتى تنتفي الموانع وتتوفر الشروط، وإن توفرت الشروط ولم تنتف الموانع، فإنا لا نكفر. ومثال ذلك وأوضح ما يقال في هذا: المسلم الذي يقتل المسلم متعمداً، فذلك شرط في حكم الكفر، فإن الذي يقتل مؤمناً متعمداً حكمه الخلود في النار، والخلود في النار لا يكون إلا لكافر، فهنا توافر الشرط، لكن بقي علينا أن ننظر انتفاء المانع، فننظر هل الموانع موجودة أم لا؟ أرى أن الموانع جاءت مجيشة تبين أن المسلم إذا قتل مسلماً ولو متعمداً لا يخلد في نار جهنم، مع أن الله قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]. فنقول: هذا حكمه وعاقبة أمره إن جوزي به كما قال أبو هريرة: فالمقتضي للحكم هو قتل المسلم تعمداً، فإذا قتل المسلم متعمداً فهذا سبب لخلوده في النار، لكن يأتي المانع فيدفع هذا السبب، والمانع هنا: هو كلمة لا إله إلا الله، لأن من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من الدهر، ودخل بها الجنة، ولا تكون لا إله إلا الله مانعة إلا إذا صلى، فنقول: لا إله إلا الله جاءت مانعةً من خلود من قتل مسلماً متعمداً في النار؛ لأن حكم من قتل مسلماً متعمداً أنه يخلد في نار جهنم، لكن جاء المانع فدفع هذا السبب، فإن توفر الشرط ووجد المانع فلا بد أن ينتفي الحكم. فهذا هو التأصيل الرابع الذي لا بد أن يصاحب طلبة العلم، ولا بد أن يحفروا ذلك في صدورهم، ويعلموا أن من تجاسر على تكفير أحدٍ فهو إلى بوار وهلاك، وأن التكفير حق محض لله لا يجرؤ عليه إلا جريء، ولا بد أن يعلم أولاً أنه من لوازم ربوبية الله، ومن نازع الله في ربوبيته فهو على شفا هلكة. والأمر الثاني: أن هناك فارق بين تكفير النوع والمعين. والأمر الثالث: أن من ثبت إيمانه بيقين فلا يزول بالشك بحال من الأحوال. الأمر الرابع: حتى نكفر أحداً لا بد من توافر شروط وانتفاء موانع. إذاً: فيصعب ذلك جداً وتضيق دائرة التكفير جداً حتى على العلماء المجتهدين، إلا من نور الله بصيرته واجتهد اجتهاداً عالياً فأقام الحجة، وأزال الشبهة عمن قد ثبت إيمانه بيقين وأتى بمكفر ثم بعدما أقيمت عليه الحجة وأزيلت الشبهة فيكفر بذلك، فلابد لها من عالم مجتهدٍ نحرير، وليس لأحد أن يتجاسر على هذا الأمر، ولو تجرأ عليه فهو على شفير هلكة فهذا التأصيل لا بد أن يصاحب طالب العلم في حله وترحاله، وقد أكدت عليه وقررته وكررته لأن من وقع في هذا الباب فقد وقع في مذلة، ومن وقع فيه فقد وقع في خطر عظيم، إذاً فحكم من قال: إن القرآن مخلوق أنه كافر، وهذا تكفير مطلق، ولا نكفر بالعين إلا بدليل واضح بين.
следующие страницы →