Полный текст (390 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
التكفير حق محض لله تعالى، والأمثلة على ذلك
إن التأصيل الأول: هو أن التكفير حق محض لله جل وعلا لا دخل للإنسان فيه، ومثله مثل التحليل والتحريم، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [النور:٥٤].
فالرسول عليه أن يبلغ، فمن انصاع له وقال: آمنت بالله وآمنت برسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقد دخل حظيرة الإسلام، فلا يجوز لأحد أن يخرجه منها؛ لأنه حق محض لله جل في علاه.
ومن الأدلة على ذلك: ما قاله النبي ﷺ عندما قال الرجل: اللهم ارحمني وارحم محمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً فقال له: (حجرت واسعاً) فالرسول ﷺ أنكر عليه ذلك؛ إذ أن هذا ليس حقاً له، بل هو حق لرب البرية جل في علاه، فليس له أن يحجر هذا الواسع، ولذلك قال له النبي ﷺ : (حجرت واسعاً) منكراً عليه إياه، على أن هذا حق محض لله جل وعلا.
وأيضاً ما قصه علينا النبي ﷺ كما في الصحيحين: (عن رجل من بني إسرائيل أنه كان يمر على أخ له يرتكب المعاصي، فيقول له: يا رجل! يا فلان! ارجع إلى ربك واستغفر ربك، ثم في الثانية والثالثة والرابعة يجده على هذا الذنب، فقال له: والله لا يغفر الله لك أبداً)، فالنبي ﷺ يبين لنا أن الله أنكر عليه أشد إنكار؛ إذ إن التكفير ومغفرة الذنوب ودخول الجنة والحرمان من الجنة ودخول النار حق محض لله، فقال: النبي ﷺ يبين لنا أن الله قال: (من ذا الذي يتألى علي) واشتد النكير بأن قال له: (قد غفرت له وعذبتك أنت)، أو كما قال النبي ﷺ مبيناً لنا أن هذا حق محض لله جل في علاه.
إذاً: فالقاعدة الأولى التي يجب أن يعرفها طالب العلم قبل أن يتجاسر على التكفير هي: أن هذا التكفير حق محض لله، ومن لوازم ربوبية الله، ومن نازع الله في ربوبيته فهو على هلاك مبين، وعلى خطر عظيم، ولا يخاض في ذلك إلا بدليل أوضح من الشمس.
وهناك مثال ثالث يوضح لنا أن هذه المسألة حق محض لله، وأن الذي يتجاسر عليها منازع الله في ربوبيته، فـ أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه كما في الصحيحين عندما أغاروا على قوم فأعملوا فيهم القتل، ففر رجل منهم، فقام أسامة يشتد عليه حتى قتله، والرجل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فرجع إلى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال النبي ﷺ : (أقتلته بعدما قالها؟) يعني: بعدما قال: لا إله إلا الله.
ومعنى ذلك: أنه إذا قال: لا إله إلا الله فقد دخل في حظيرة الإيمان، فلا يجوز أن تخرجه من حظيرة الإيمان بحال من الأحوال، وليس لك أن تكفره بحال من الأحوال، لأن هذا حق محض لله جلا وعلا.
فقال: (أقتلته بعدما قالها؟ قال: يا رسول الله ما قالها إلا متعوذاً) كأنه اجتهد في ذلك اجتهاداً، ويظهر أن هذا الرجل نافق خوفاً من القتل، فقال: النبي ﷺ مكرراً معاتباً منكراً إنكاراً شديداً على أسامة (أقتلته بعدما قالها؟ ثم قال له في الثالثة: ماذا تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة) وندم أسامة ندماً شديداً على ذلك.
فالنبي ﷺ يؤصل له أصلاً وهو: أن من دخل في الإيمان فلا يصح لأحد أن يكفره، ولا أن يخرجه من حظيرة الإيمان بحال من الأحوال إلا بدليل أوضح من شمس النهار، كأن يخبرنا الله ببينة واضحةٍ أن هذا كافر، مثل فرعون، وكذلك أبي لهب وأبي جهل، قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣].
فقد بين الله قطعاً أنه من أهل النار، وأنه كافر، وكذلك اليهود والنصارى بين الله كفرهم في كتابه، فمن لم يكفرهم بعدما علم أن الله قد كفرهم فإنه يخرج من حظيرة الإيمان.
ومن الأمثلة التي تثبت ذلك، وتثبت التأصيل الذي أصله النبي ﷺ لأصحابه جميعاً: (عندما نافق الرجل وقال لرسول الله ﷺ : هذه قسمة ما ابتغي بها وجه الله جل في علاه، فقال خالد: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : لعله يصلي، فقال خالد: كم من مصل يفعل ما لا يعتقد، أو يقول ما لا يعتقد، فأصل له النبي ﷺ تأصيلاً علمياً يتعلمه طالب العلم، ويعلم -وهو أحرى بذلك- أن النبي ﷺ لا يتجاسر على تكفير أحد، فمن باب أولى: العلماء، ثم من باب أولى: طلبة العلم، ثم من باب أولى: أصاغر طلبة العلم، فلا يتجاسرون على هذه المسألة العظيمة التي تجعلهم يقعون في خطرٍ عظيم إذا تجرؤا عليها، فقال النبي ﷺ : (ما أمرت أن أشق عن القلوب) أي: أن الحكم على القلوب ليست إلي، بل هي إلى الله وحق محض له.
إذاً: فالنبي ﷺ يؤصل لنا: أن من دخل دائرة الإسلام لا يجوز أن تقول عليه: كافر إلا بدليل أوضح من شمس النهار، وهذا مثل عظيم ضربه النبي ﷺ لـ خالد، وقد ضربه النبي ﷺ لبعض أصحابه كـ عمر وأسامة، وضربه النبي ﷺ لنا؛ حتى نتبين أمرنا ونعلم أنه لا يجوز لنا أن نتجاسر على مسألة التكفير.
стр. 282
المطلق يبقى على إطلاقه والعام يبقى على عمومه ما لم يأت دليل على تقييده أو تخصيصه
وبعدما علمنا أن التكفير حق محض لله جل وعلا، وليس لأحد أن يتجاسر عليه، فإنه قد ورد في الآثار أو وردت في الآيات تكفير فعل معين، فالتأصيل الثاني: أن هناك فرقاً بين أن نقول: من فعل كذا فقد كفر، ومن قال: كذا فقد كفر، فالآيات التي جاءت مطلقة، والأحاديث التي جاءت عامة، وأقوال أهل العلم التي جاءت مطلقة تبقى على إطلاقها، وتبقى على عموماتها، ولا تنزل على الشخص المعين إلا بدليل واضح بين.
إذاً: فما جاء مطلقاً فالقاعدة عند العلماء: أن المطلق يبقى على إطلاقه، والعموم يبقى على عمومه حتى يأتي المقيد أو الخاص، بمعنى: أنه إذا قال أحمد بن حنبل: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، فهذا القول مطلق، فأيما شخص يقول: القرآن مخلوق، ويقول: الله لم يتكلم بالقرآن، بل القرآن كالشجر، كالحجر، كالأنهار، كالسماء، كالأرض، فمن قال ذلك فقد كفر، ولا نكفر من قال ذلك بعينه.
стр. 283
تقسيم الكفر إلى نوع وعين والتفريق بينهما
إن هناك فرقاً بين تكفير النوع وتكفير المعين، فمن قال: القرآن مخلوق فقد كَفَر كُفْر نوع، وأما الشخص الذي قال هذه المقولة فلا أكفره، ولابد من إثبات ذلك بالأدلة بـ (قال الله، قال رسوله)، قال الشاعر: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه والأدلة على التفريق بين النوع والعين كالتالي: أما السنة فمنها: حديث الرجل الذي قال لأولاده: إذا أنا مت فأحرقوني ثم ذروني في البر والبحر؛ لأن الله لو بعثني لعذبني بهذه المعاصي، فهو مؤمن بقدرة الله، وهو يؤمن بأن الله يقيمه مقامه ثم يعذبه، فهو يخاف ويرجو الله جل وعلا، وقد اتفق المسلمون جميعاً: أن الذي يقول: إن الله لا يقدر على شيء، فحكمه أنه مكذب بالقرآن، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].
فمن قال: إن الله لا يقدر على أن يبعثني مثلاً فهذه المقولة كفر باتفاق المسلمين، لكن ننظر إلى هذا الكفر هل يقع على نفس العين أم لا؟ فالرجل لما بعثه الله -كما بين لنا النبي ﷺ قال له ربه: (ما الذي حملك على هذا؟ قال: مخافتك، أو قال: أرجو رحمتك، فغفر الله له وأدخله الجنة).
فوجه الدلالة هنا: أن الرجل أتى بكفر باتفاق علماء المسلمين؛ لأنه ضل في باب القدرة، لكنه كان جاهلاً، فأتى بكفر نوع لا كفر عين، فلما كان جاهلاً عذره الله بجهله، ثم أدخله الجنة، إذاً: لو قال أحد كلمة الكفر فلا نستطيع أن نقول: هو كافر، بل نقول: أتى بكلمة الكفر، لكن هو ليس بكافر إلا إذا أقيمت عليه الحجة، وأزيلت عنه الشبهة.
الدليل الثاني: أن صحابياً من أصحاب رسول الله ﷺ كان يلقب بحمار، ﵁ وأرضاه، وكان شراباً للخمر كثيراً، ويؤتى به كثيراً فيجلد كثيراً، فقال خالد: لعنة الله عليه؛ ما أكثر ما يؤتى به، ونحن نعلم أن شارب الخمر ينزل تحت اللعن، فقد لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة منهم: شاربها، إذاً فشارب الخمر عموماً ملعون، وهذا حكم على النوع لا على العين، فلما كان يؤتى بهذا الرجل الذي يشرب الخمر فيجلد، ثم يشرب ثم يجلد قال خالد: لعنة الله عليه، فأوقع الحكم العام على عين هذا الشخص، كما في الحديث: (لعنة الله عليه؛ ما أكثر ما يؤتى به، فقال له النبي ﷺ منكراً عليه: يا خالد لا تعن الشيطان عليه، إني لأعلم أنه يحب الله ورسوله)، فهذا الحديث فيه دليل على أنه خارج من اللعن، مع أن شارب الخمر ملعون، والرجل قد يقع في الكفر، لكننا لا نستطيع نكفره، لأن هناك موانع تمنع أن نكفره، فقد يكون الفعل كفراً والقول كفراً، لكن القائل والفاعل لا يمكن أن نخرجه من حظيرة الإيمان إلا بضوابط كما سأبينها، إذاً: فالرجل شرب الخمر والنبي ﷺ يقول: (لعن الله في الخمر عشرة منهم: شاربها) ومع ذلك قال: هذا ليس بملعون، وهذه دلالة على أن الحكم العام لا يسقط على الشخص لموانع معينة.
إن من قال: إن القرآن مخلوق، قد فصل حكمه تفصيلاً بديعاً إمام أهل السنة والجماعة، الإمام أحمد بن حنبل مفخرة المسلمين، وإمامهم، فكان ﵁ وأرضاه يقول: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر، ومع ذلك فتنه المأمون وغيره من حكام الدولة العباسية، وقصصه مع من قال بخلق القرآن مشهورة جداً، حيث إنهم قالوا: القرآن مخلوق، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، وقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١].
ومعناها كما يزعمون: خلق الظلمات والنور، فقالوا: جعله قرآناً عربياً، يعني: خلقه قرآناً عربياً، فرد عليهم الإمام أحمد فقال: قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥].
فقد خلقهم الله بشراً، فهل جعلهم كعصف مأكول يعني: خلقهم كعصف مأكول، بل حولهم بالحجارة إلى عصف مأكول، والغرض المقصود من ذلك أن الإمام أحمد هو القائل: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومع ذلك لما قالوا له: نخرج على المأمون، قال: لا، وإني لأصلي خلفه، وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق، وأرى ذلك واجباً علي، وكأنه يقول: ولي أمري وإن أخطأ وأتى بالكفر، فإني لا أكفره عيناً، مع أني أقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، وإني لا أتجسر على تكفيره، بل له علي السمع والطاعة، والدعاء بالتسديد والتوفيق، والصلاة خلفه، والغزو معه.
فهذا إمام الأئمة إمام أهل السنة والجماعة يؤصل لنا هذا الأصل: أنه حتى لو أتى الأمير أو ولي الأمر بمكفر فلا نستطيع أن نكفره بهذا أبداً، ولا يتجاسر ولا يجرؤ على ذلك إلا جريء، فهذا من أقوال الأئمة الذين فرقوا بين كفر النوع وكفر العين.
стр. 284
ثبوت الإيمان باليقين لا يزول بالشك بأي حال من الأحوال
التأصيل الثالث الذي لا بد أن يضبطه طالب العلم: أنه من ثبت إيمانه بيقين فلا يزول بشك بأي حال من الأحوال، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة، فقال أبو ذر: يا رسول الله وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، ثم قال له في الثالثة: وإن زنى وإن سرق وعلى رغم أنف أبي ذر).
فمن قال: لا إله إلا الله دخل الإسلام، ودخل الإيمان، وله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، فقد دخل الإسلام بيقين، ولا يمكن أن نخرجه من الإسلام إلا بيقين، فإذا قال الرجل كلمة الكفر فإني من الممكن أن أقول: هل قالها عامداً؟ وهل قالها جاهلاً؟ وهل سبق لسانه قلبه؟ وهل لم يطمئن قلبه؟ وهل كان مكرهاً؟ وكل هذه تسمى احتمالات، فتدخله في دائرة الشك، وعندي القاعدة التي أرجع إليها بالتأصيل العلمي: أن الذي ثبت إيمانه بيقين لا يزول هذا الإيمان بالشك؛ لأنه من الممكن أن يقول: إن الله لم يتكلم، فيكون قد نشأ في البادية، أو هو جاهل لا يعلم معنى القرآن، ولا معنى كلام الله، ولا معنى أن الله يتكلم، فإن كان جاهلاً فلا بد أن أعلمه، وأقيم عليه الحجة، وأزيل عنه الشبهة.
إذاً: فالتأصيل الثالث: من ثبت إيمانه بيقين فلا يمكن أن يزول بشك، وهذا يبين لنا خطأ من يتجاسر -كائناً من كان، حتى ولو كان يدافع عن حظيرة الإسلام، ويرفع رايته- على التكفير، فلا يجوز له ذلك، ولا يتجرأ على ذلك إلا بيقين وبعلم، لأن تكفير المعين جرأة على الدين، وفيه جرأة على لوازم ربوبية الله جل في علاه.
стр. 285
حكم الكفر لا يثبت إلا بتوافر شروط وانتفاء موانع
التأصيل الرابع: أن موجب الكفر أو حكم الكفر لا يثبت إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع، وإذا ثبتت الشروط وجب أن يكون حكم الكفر موجوداً، لكن بشرط أن تنتفي الموانع، ومثال ذلك: رجل ثبت في حقه الكفر، فقال مثلاً: لا صلاة عصر في اليوم والليلة، والمفروض على الناس أربع صلوات فقط لا خامس لها، فهو أتى بمكفر؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، لكن ننظر في هذه الشروط، فإن توفرت فهو كافر، وننظر في الموانع فقد يكون من أدغال أفريقيا لا يعرف حتى إن الله جلا وعلا افترض على عباده صلاة أو صياماً، أو جاهلاً لا يقرأ ولا يسمع ولا يعرف أي شيء، فهذا مانع يمنعني من تكفيره، أو يكون الرجل مجتهداً فيقول: إن الله لم يستو على عرشه، وينفي صفة الاستواء، فعلينا أن ننظر في كلامه، هل هو عالم من العلماء، اجتهد ونظر في الأدلة فوصل اجتهاده إلى هذا الخطأ، فنقول: هذا مخطئ مجتهد وله أجر، ولا يمكن أن يكفر بذلك، حتى تنتفي الموانع وتتوفر الشروط، وإن توفرت الشروط ولم تنتف الموانع، فإنا لا نكفر.
ومثال ذلك وأوضح ما يقال في هذا: المسلم الذي يقتل المسلم متعمداً، فذلك شرط في حكم الكفر، فإن الذي يقتل مؤمناً متعمداً حكمه الخلود في النار، والخلود في النار لا يكون إلا لكافر، فهنا توافر الشرط، لكن بقي علينا أن ننظر انتفاء المانع، فننظر هل الموانع موجودة أم لا؟ أرى أن الموانع جاءت مجيشة تبين أن المسلم إذا قتل مسلماً ولو متعمداً لا يخلد في نار جهنم، مع أن الله قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣].
فنقول: هذا حكمه وعاقبة أمره إن جوزي به كما قال أبو هريرة: فالمقتضي للحكم هو قتل المسلم تعمداً، فإذا قتل المسلم متعمداً فهذا سبب لخلوده في النار، لكن يأتي المانع فيدفع هذا السبب، والمانع هنا: هو كلمة لا إله إلا الله، لأن من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من الدهر، ودخل بها الجنة، ولا تكون لا إله إلا الله مانعة إلا إذا صلى، فنقول: لا إله إلا الله جاءت مانعةً من خلود من قتل مسلماً متعمداً في النار؛ لأن حكم من قتل مسلماً متعمداً أنه يخلد في نار جهنم، لكن جاء المانع فدفع هذا السبب، فإن توفر الشرط ووجد المانع فلا بد أن ينتفي الحكم.
فهذا هو التأصيل الرابع الذي لا بد أن يصاحب طلبة العلم، ولا بد أن يحفروا ذلك في صدورهم، ويعلموا أن من تجاسر على تكفير أحدٍ فهو إلى بوار وهلاك، وأن التكفير حق محض لله لا يجرؤ عليه إلا جريء، ولا بد أن يعلم أولاً أنه من لوازم ربوبية الله، ومن نازع الله في ربوبيته فهو على شفا هلكة.
والأمر الثاني: أن هناك فارق بين تكفير النوع والمعين.
والأمر الثالث: أن من ثبت إيمانه بيقين فلا يزول بالشك بحال من الأحوال.
الأمر الرابع: حتى نكفر أحداً لا بد من توافر شروط وانتفاء موانع.
إذاً: فيصعب ذلك جداً وتضيق دائرة التكفير جداً حتى على العلماء المجتهدين، إلا من نور الله بصيرته واجتهد اجتهاداً عالياً فأقام الحجة، وأزال الشبهة عمن قد ثبت إيمانه بيقين وأتى بمكفر ثم بعدما أقيمت عليه الحجة وأزيلت الشبهة فيكفر بذلك، فلابد لها من عالم مجتهدٍ نحرير، وليس لأحد أن يتجاسر على هذا الأمر، ولو تجرأ عليه فهو على شفير هلكة فهذا التأصيل لا بد أن يصاحب طالب العلم في حله وترحاله، وقد أكدت عليه وقررته وكررته لأن من وقع في هذا الباب فقد وقع في مذلة، ومن وقع فيه فقد وقع في خطر عظيم، إذاً فحكم من قال: إن القرآن مخلوق أنه كافر، وهذا تكفير مطلق، ولا نكفر بالعين إلا بدليل واضح بين.
стр. 286
أوجه الدلالة على كفر من قال القرآن مخلوق، وكفره كفر نوع
وأوجه الدلالة على أن من قال: القرآن مخلوق يكون كافر كفراً نوعاً: أولاً: تكذيبه للقرآن، فإن الله قرر في كتابه أن القرآن هو كلام الله غير مخلوق، فمن قال: هو مخلوق فقد كذب الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦].
فأضاف (الكلام) إلى الله، وهذا من إضافة الصفة إلى الموصوف، لأن هذا ليس عين قائمة بذاتها.
ثانياً: أنه شبه الخالق بالمخلوق، إذ المخلوق كلامه مخلوق، فمن قال: إن كلام الله مخلوق فقد شبه الله بخلقه، وقد أصل لنا نعيم بن حماد شيخ البخاري تأصيلاً عظيماً فقال: من شبه الله بخلقه فقد كفر.
ثالثاً: هو مختلف فيه أصولياً وهو: أن من قال: إن القرآن مخلوق قد خالف إجماع سلف الأمة.
стр. 287
إجماع سلف الأمة على أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، وحكمهم بتكفير من قال بخلق القرآن
وسلف هذه الأمة قالوا: من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، وإليكم بعض الآثار عنهم: جاء بسند صحيح عن الإمام أحمد أنه سئل عمن قال: القرآن مخلوق، فقال: من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، والجهمية كفرهم نوعاً لا عيناً، فقد صلى خلف الجهمي وأمر باتباعه، والسمع والطاعة له.
كذلك وكيع التنين الذي إذا نزل مكة انفض الناس عن كل المجالس إلا مجلس وكيع، إذْ كان جبلاً في الحفظ ﵁ وأرضاه، فقد سئل وكيع عن حكم ذبائح الجهمية فقال: حرام ميتة، فهم كفار، فهو أنزل الجهمية الذين يقولون: إن القرآن مخلوق منزلة الكفار وأن ذبائحهم تكون ميتة لا يجوز الأكل منها، ووكيع ثبت ثقة حافظ جليل، وإمام من أئمة المسلمين.
وأيضاً قيل لـ ابن المبارك: إن النضر يقول: إن من قال: إن الله لم يكلم موسى فقد كفر، قال: صدق النظر، وقد استدل النضر على أن الله كلم موسى بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢].
فمن قال: إن قول: (إني أنا ربك فاخلع نعليك) مخلوق، فقد زعم بذلك أن الله أمر موسى أن يعبد مخلوقاً لا أن يعبد الخالق، وهذا أم الكفر وباب الكفر، فقال: صدق النضر.
وأيضاً الإمام مالك قال: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، يقتل بعدما يستتاب.
وقيل لـ جعفر الصادق: من قال: إن القرآن مخلوق ما حكمه؟ قال: كافر، يقتل ولا يستتاب.
وفي استتابته خلاف بين العلماء، والمقصود أنه: ما من إمام من الأئمة إلا وكفر من قال: إن القرآن مخلوق، وليس صفة من صفات الله جل وعلا.
وقد ناظر الشافعي حفص الفرد وبعد ما ناظره قال له حفص: إن القرآن مخلوق، فقال الشافعي: قد كفرت، يعني: بهذه المقولة، فإن من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر.
وقد بينا وجه ذلك بأنه تكذيب للقرآن، ولأنه إنزال للخالق منزلة المخلوق، ومخالفة لإجماع أئمة الدين وسلف الأمة، فالقرآن كلام الله، سمعه منه جبريل بصوت وحرف كما بينا، ثم نزل به إلى النبي ﷺ .
стр. 288
حكم من قال لفظي بالقرآن مخلوق
أما مسألة اللفظ وهي قول: لفظي بالقرآن مخلوق فقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال، وهذه المقولة مستحدثة، ولم تكن في عهد الصحابة ولا التابعين، فما كانت في عصر عمر ولا أبي بكر ولا عثمان ولا علي ولا التابعين، بل استحدثت هذه الكلمة في عصر تابعي التابعين، فهي كلمة مستحدثة، والمعاملة مع الكلمات المبهمة التي تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً أن نتوقف فيها ونقول لقائلها: ماذا تقصد؟ فإن قصدت الحق قبلناه، وإن قصدت الباطل رددناه، إذاً: فلا نرد ولا نقبل مطلقاً.
ومثال ذلك: الحلف بالقرآن، فإن ابن عباس صلى خلف رجل يقول: اللهم رب القرآن اغفر لفلان، فقال: تعال ماذا تقصد برب القرآن؟ لأنها تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً، فإن قوله: (رب القرآن) تحتمل أن تكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، أو تحتمل أنها من إضافة الخالق للمخلوق، فقال: رب القرآن، أي: القرآن كلام الله، قال: نِعْمَ ما قلت.
إذاً: فالقاعدة أن الكلام المبهم الذي يحتمل حقاً ويحتمل باطلاً لا نرده ولا نقبله على الإطلاق، وقولك: لفظي بالقرآن مخلوق نتعامل معه أيضاً بهذه القاعدة فنقول: ماذا تقصد؟ فإن قصدت أن القرآن نفسه مخلوق، فهذا كفر، وإن قصدت أن لفظك أنت هو المخلوق فهذا حق، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: وهو قول جماعة من أهل السنة من الأكارم الأماجد كـ أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم وغير هؤلاء، فهم يقولون من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فقد كفر.
ووجه ذلك أنه يقصد بها القرآن.
القول الثاني: طرفان ووسط، طرف كفر، والطرف الثاني توقف، ويسمون الواقفة، فقالوا: نقف ولا نقول: كافر ولا ليس بكافر، ولا نعرف عن ذلك شيئاً، وهؤلاء هم أفراخ الجهمية، وجهلهم كما قال أحمد: جهل بسيط وليس جهلاً مركباً.
وهناك فرق بين الجهل المركب والجهل البسيط، فالجهل البسيط: أن يعلم الإنسان أنه جاهل، فيقول: لا أدري، وأما الجهل المركب: فإنك تسأله فيفتي لك أشد ما يكون، ونحن نعلم أن الذي يفتي في كل مسألة فهو جاهل، ولا يعترف هو للناس أنه جاهل، بل يفتي للأنام.
فالإمام أحمد بن حنبل، كان يقول عن أفراخ الجهمية: إن جهلهم جهل بسيط؛ لأنهم يقولون: نقف، ونتوقف.
والإمام البخاري وإمام الأئمة ابن خزيمة يقولان: لا شيء في قولنا: لفظي بالقرآن مخلوق، وهذا القول هو الحق، ولكن نزيده تفصيلاً فنقول: إن قصد بلفظي بالقرآن أي: فعلي وكسبي وقراءتي التي أقرؤها مخلوقة فهذا حق، وإن قصد أن كلام الله وهو القرآن مخلوق فهذا كافر، وهذا يعضده الأثر والنظر.
стр. 289
حكم من سب الدين وحكم من سب الله وسب رسوله
من المتأخرين من يقول: إن سب الدين ليس بكفر، وإنما هو من سوء الأدب، وهذا كلام باطل ضعيف جداً، بل إن سب الدين كفر، فمن سب الدين فقد كفر؛ لأن الذي يسب الدين فهو في الأصل يسب من أنزل هذا الدين، فقد قال النبي ﷺ : (لا تسبوا الريح)؛ لأن من سب الريح فقد سب من أرسل هذه الريح، فسب الدين الأصل فيه أنه كفر، وهذا التكفير للنوع وليس للمعين، وأما المعين فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، فإذا جئنا إلى هذا الرجل الذي يسب الدين فقلنا له: فنقول: اتق الله، فسب الدين سب لله، وذلك كفر، فإن قال: إليك عني، وسب بالدين مرة ثانية فإنه يكفر عيناً، فيستتاب وإلا يقتله ولي الأمر.
وأما سب الله وسب رسوله فليس فيه إقامة حجة ولا إزالة شبهة، فسب الدين يختلف عن سب الله وسب رسوله؛ لأن القاعدة عند العلماء: أن لازم القول ليس بقول حتى يقر صاحب القول بذلك؛ لأن من سب الدين فلازمه سب أنزل هذا الدين.
ولذلك فالنبي ﷺ لم يكفر من سب الريح لكن نهاه، وقال: (لا تسبوا الريح) لأن الذي يسب الريح فلازم ذلك سب من أرسل هذه الريح، فلازم القول ليس بقول، فلذلك لا بد أن تقيم عليه الحجة وتزيل الشبهة.
وأما من سب الله بواحاً، أو سب الرسول في عرضه، أو قال: عائشة زانية أعوذ بالله من غضب الله، فهي المبرأة الصديقة، وهي زوج النبي في الدنيا وفي الآخرة، فمن رماها بالزنى فهو كافر بلا إقامة حجة ولا إزالة شبهة، لأنه مكذب للقرآن صراحة، ومتهم للنبي ﷺ .
وصل اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 290
صفحات من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية
بين كل فترة وأخرى يبعث الله لهذه الأمة رحمة بها من يجدد لها أمر دينها، ويعيد إليها مجدها، ويحيي ما اندرس من معالم دينها.
ومن هؤلاء المجددين: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد كان عالماً جامعاً للعلوم، داعياً إلى الله تعالى، مقيماً للحق، ومن أعظم صفاته: عمله بعلمه، وصدعه بالحق، وحياته مليئة بالدروس فتصفحها وتأملها ففيها أعظم الفوائد.
стр. 291
أقوال العلماء في ابن تيمية
الحمد لله فاطر الأرض والسماوات، الذي خلق كل شيء فأبدعه، وجعله دلائل على ربوبيته وآيات باهرات، وأجرى البحار والأنهار وأرسى الجبال الشامخات، وزين السماء بالكواكب وجعلها حفظاً من مسترقي السمع وأرسل عليهم شهباً خاطفات، وجعل الشمس والقمر آيتين من آياته الباهرات، وجعل كسوفهما وخسوفهما على العباد من الابتلاءات، وأنزل الكتاب فيه الآيات الواضحات، فأرسل أفضل البشر بالبشارات والنذارات عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليمات، واصطفى له خير صحبة تمسكوا بسنته وصاروا على نهجه، وكان لهم أسمى الصفات والأخلاقيات، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ورزقهم النصر والفتوحات، ثم اصطفى من بعدهم خيرة خلقه لحمل الكتاب وعن النبي الروايات، وجعلهم واسطة بين الخلق وبين رب السماوات، وقد وصفهم بالنجوم الهاديات، والله نسأل أن يجمعنا بهم مع النبي ﷺ في الجنات.
أما بعد: فالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه على ما منّ علينا من إتمام الدروس العلمية، ثم بهذا اللقاء الحافل لإخوة أفاضل وأخوات فضليات، وإن من دواعي سروري وامتناني واعتزازي وافتخاري أن أجلسني ربي بجانب شيخنا الفاضل الكريم في هذه الليلة المباركة، فقد أحسن معنا منذُ التزمنا ومنذ نعومة أظفارنا ونحن نجلس بين يديه إلى يومنا هذا أتم الإحسان، ولا أريد أن أكثر من مدحي فيه، فإنه يستغني عن مدح مثلي، فالحمد لله تعالى الذي تتم بنعمته الصالحات.
سنتكلم اليوم عن رجل عز الزمان أن يأتي بمثله، وعقمت النساء أنت تأتي بنظيره، رجل خلقه الله له، كان شديداً على أهل البدعة رفيقاً بأهل السنة، حرباً على أعداء الله سلماً لأوليائه، أحرص الناس على السنة وأشدهم هجراً للبدعة هو: علم الأعلام، مجدد عصره، ودرة دهره، الإمام المفسر المحدث الحافظ الفقيه المجتهد المجاهد محيي السنة وقامع البدعة: شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، إمام زمانه والمقتدى به في أوانه، بركة الزمان وحسنة الأيام، بذل الغالي والنفيس لنصرة الحق، ورفع راية الدين، عانى دهراً يكفأ الباطل ويكشف سيفه، ويحق الحق ويعلي شأنه.
قال الذهبي فيه: شيخنا شيخ الإسلام فرد الزمان وبحر العلوم.
وقال ابن سيد الناس: سيدنا وشيخنا الإمام العالم العلامة الأوحد البارع الحافظ الزاهد الورع القدوة شيخ الإسلام وسيد العلماء وقدوة الأئمة الفضلاء، ناصر السنة وقامع البدعة حجة الله على العباد، راد أهل الزيغ والعناد.
وقال فيه السيوطي: هو شيخ الإسلام الحافظ الناقد الفقيه المجتهد المفسر نادرة العصر أحد الأعلام كان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، ومن الزهاد والأفراد.
قال فيه الشوكاني: لا أعلم بعد ابن حزم مثله، وما أظن أنه سمح الزمان بين عصري الرجلين بمن يشابههما أو يطالبهما، قال ابن دقيق العيد بعدما سألوه: رأيته؟ قال: رأيته، قالوا: كلمته؟ قال: كلمته، قالوا: ناظرته؟ قال: لا، قالوا: لِم؟ قالوا: يحب الكلام، وأحب الصمت، وتأول هذا على أنه إذا تكلم كان كالسيل الجرار، فهو بحر العلوم، قالوا: ماذا تقول فيه؟ قال: أقول: لم يرَ مثل نفسه.
قال ابن حجر: شهرة إمامة الشيخ تقي الدين أشهر من الشمس.
وتلقيبه شيخ الإسلام في عصره باقٍ إلى الآن على الألسنة الذكية، ويستمر غداً كما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقدارهم، أو تجنب الإنصاف، وكان من أعظم الناس قياماً على أهل البدع من الروافض والحلولية والاتحادية، قال: وقد شهد له بالتقدم في العلوم والتمييز بين المنطوق والمفهوم أئمة عصره من الشافعية وغيرهم فضلاً عن علماء الحنابلة، قال أبو الحجاج المزي: ما رأيت مثله، وأبو الحجاج من جهابذة أهل العلم، كان حافظاً نحريراً مدققاً، عالماً بالجرح والتعديل والرجال والأسانيد، يقول عن شيخ الإسلام: ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، ما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا أتبع لهما منه؛ لذا حري بنا أن نتصفح جوانب من حياة شيخ الإسلام وسيد الأعلام.
ومن هذه الجوانب: الجانب العلمي، ولا غرو ولا عجب، فهو العالم الرباني، إمام الأئمة، ومفتي الأمة، وبحر العلوم.
وقبل الكلام على هذا الجانب المهم من حياة شيخ الإسلام لابد لنا من مقدمة نبين فيها فضل العلم وأهله، تشحيذاً للهمم، وإعانة لمن أراد الوصول إلى القمم.
стр. 292
فضل العلم وأهله
عن حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع)، ودعا رسول الله ﷺ بأكبر جائزة لـ ابن عباس عندما وضع وضوء رسول الله ﷺ ليلاً ليتوضأ منه عندما يقوم من الليل، فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وفي رواية أخرى في الصحيح، قال النبي ﷺ : (اللهم علمه الكتاب)، وقد كان.
وقال رسول الله ﷺ : (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب).
وشتان شتان ما بين القمر وبين سائر الكواكب! يقول النبي ﷺ : (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
وعن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية ﵁ وأرضاه خطيباً يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، وهذا الحديث له منطوق وله مفهوم، أما المنطوق فهو: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، وأما المفهوم فهو: الذي لم يتفقه ولم يلهم العلم ولا الفقه في الدين لم يرد الله به خيراً، فيا للخسارة على من تخلف عن مجالس العلم! قال النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي)، وهذه إشارة من رسول الله ﷺ على أن الفهم الذي هو شطر العلم -إن لم يكن هو كل العلم- محض فضل الله جل في علاه، وهذه توافق قول الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨]، قال النبي ﷺ : (إنما أنا قاسم، والله يعطي، ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله)، هذه الطائفة المنصورة والطائفة الناجية، قال كثير من المحدثين: لا نعرفهم إلا أهل الحديث.
قال علي بن أبي طالب للكميل: العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، العلم حاكم والمال محكوم عليه، المال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق.
وقال أيضاً: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم كانت في الإسلام ثغرة لا يسدها إلا خلف منه، ولا غرو ولا عجب، فإن الله جل في علاه كتب في اللوح المحفوظ: فناء هذه الدنيا وخرابها مناط بموت العلماء؛ ولذلك قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (لا تقوم الساعة حتى يفشو الجهل ويقبض العلم، وإن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق الله عالماً أو لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسألوهم فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)، فإن الساعة لا تقوم إلا بموت العلماء.
وقال معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه: تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبثه لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والدين عند الأخلاق، والقربة عند الغرباء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخلق قادة يقتدى بهم، وأئمة في الخلق يقتفى آثارهم.
وقال أبو الدرداء ﵁ وأرضاه: مثل العلماء في الناس كثمل النجوم في السماء يهتدى بهم.
وقال الإمام أحمد: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ وذلك بأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه.
وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزال الله يغرس لهذا الدين غرساً يستعملهم لنصرة دينه)، أو كما قال ﷺ ، قال ابن القيم: هذا الغرس هم أهل العلم.
وبين عمر بن عبد العزيز أن الذي يتعبد على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فقال: من عمل بغير علم كان ما يهدم أكثر مما يبني، وليس منكم ببعيد قصة الراهب والعالم عندما أفتيا الذي قتل تسعة وتسعين نفساً.
وقال بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم؟! لا شيء، وأي شيء فاته من أدرك العلم؟! لا شيء.
وقال الحسن: مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدماء الشهداء، لولا العلماء لكان الناس كالبهائم.
وقال سالم بن أبي الجعد: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم، فأعتقني، فقلت بأي حرفة أحترف؟ عبد أسود أعتق، أي عمل يعمل بعد ذلك؟ قال: فاحترفت العلم فما تمت بي سنة حتى أتاني أمير المؤمنين زائراً فلم آذن له.
والأعمش سليمان بن مهران كان جبلاً في الحفظ، وإن كان مدلساً لكن كان نحريراً مدققاً محققاً عالماً بالحديث وبفقه متنه، كان يقول: لولا الحديث لازدراني الناس، ولذلك قال لقمان: إن العلم أجلس المساكين مجالس الملوك.
وقال معاذ بن جبل: العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الإيمان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأحرار ومجالسة الملوك، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، الفكر به يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الله ، وبه يعبد، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، العلم إمام والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء فقد بين معاذ ﵁ أن الله أناط السعادة بأهل العلم، وأناط الشقاوة بأهل الجهل، وقد بوب البخاري يبين فضل العلم على فضل العبادة أوسع ما يكون، فقال: باب العلم قبل العمل، واستشهد على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فرتب الاستغفار بعد العلم: تعلم فليس أخو علم كمن هو جاهل وإليكم أروع الأمثلة للعالم الرباني، الذي يؤتسى به ويقتفى أثره: هذا النحرير العالم فارس الميدان العالم الرباني شيخ الإسلام ابن تيمية: إخوتي الكرام! لا يخلو عالم ولا طالب للعلم من همة عالية، فإن علو الهمة عنوان التسديد والنجاح، وسفول الهمة عنوان الخسران والحرمان، لقد روى مسلم في صحيحه عن يحيى بن أبي كثير قال: العلم لا ينال براحة الجسد، وقد قالوا: من جد وجد، ومن طلب العلا سهر الليالي، وقال الشاعر: لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
стр. 293
ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية
عن حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع)، ودعا رسول الله ﷺ بأكبر جائزة لـ ابن عباس عندما وضع وضوء رسول الله ﷺ ليلاً ليتوضأ منه عندما يقوم من الليل، فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وفي رواية أخرى في الصحيح، قال النبي ﷺ : (اللهم علمه الكتاب)، وقد كان.
وقال رسول الله ﷺ : (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب).
وشتان شتان ما بين القمر وبين سائر الكواكب! يقول النبي ﷺ : (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
وعن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية ﵁ وأرضاه خطيباً يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، وهذا الحديث له منطوق وله مفهوم، أما المنطوق فهو: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، وأما المفهوم فهو: الذي لم يتفقه ولم يلهم العلم ولا الفقه في الدين لم يرد الله به خيراً، فيا للخسارة على من تخلف عن مجالس العلم! قال النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي)، وهذه إشارة من رسول الله ﷺ على أن الفهم الذي هو شطر العلم -إن لم يكن هو كل العلم- محض فضل الله جل في علاه، وهذه توافق قول الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨]، قال النبي ﷺ : (إنما أنا قاسم، والله يعطي، ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله)، هذه الطائفة المنصورة والطائفة الناجية، قال كثير من المحدثين: لا نعرفهم إلا أهل الحديث.
قال علي بن أبي طالب للكميل: العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، العلم حاكم والمال محكوم عليه، المال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق.
وقال أيضاً: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم كانت في الإسلام ثغرة لا يسدها إلا خلف منه، ولا غرو ولا عجب، فإن الله جل في علاه كتب في اللوح المحفوظ: فناء هذه الدنيا وخرابها مناط بموت العلماء؛ ولذلك قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (لا تقوم الساعة حتى يفشو الجهل ويقبض العلم، وإن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق الله عالماً أو لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسألوهم فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)، فإن الساعة لا تقوم إلا بموت العلماء.
وقال معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه: تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبثه لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والدين عند الأخلاق، والقربة عند الغرباء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخلق قادة يقتدى بهم، وأئمة في الخلق يقتفى آثارهم.
وقال أبو الدرداء ﵁ وأرضاه: مثل العلماء في الناس كثمل النجوم في السماء يهتدى بهم.
وقال الإمام أحمد: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ وذلك بأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه.
وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزال الله يغرس لهذا الدين غرساً يستعملهم لنصرة دينه)، أو كما قال ﷺ ، قال ابن القيم: هذا الغرس هم أهل العلم.
وبين عمر بن عبد العزيز أن الذي يتعبد على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فقال: من عمل بغير علم كان ما يهدم أكثر مما يبني، وليس منكم ببعيد قصة الراهب والعالم عندما أفتيا الذي قتل تسعة وتسعين نفساً.
وقال بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم؟! لا شيء، وأي شيء فاته من أدرك العلم؟! لا شيء.
وقال الحسن: مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدماء الشهداء، لولا العلماء لكان الناس كالبهائم.
وقال سالم بن أبي الجعد: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم، فأعتقني، فقلت بأي حرفة أحترف؟ عبد أسود أعتق، أي عمل يعمل بعد ذلك؟ قال: فاحترفت العلم فما تمت بي سنة حتى أتاني أمير المؤمنين زائراً فلم آذن له.
والأعمش سليمان بن مهران كان جبلاً في الحفظ، وإن كان مدلساً لكن كان نحريراً مدققاً محققاً عالماً بالحديث وبفقه متنه، كان يقول: لولا الحديث لازدراني الناس، ولذلك قال لقمان: إن العلم أجلس المساكين مجالس الملوك.
وقال معاذ بن جبل: العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الإيمان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأحرار ومجالسة الملوك، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، الفكر به يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الله ، وبه يعبد، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، العلم إمام والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء فقد بين معاذ ﵁ أن الله أناط السعادة بأهل العلم، وأناط الشقاوة بأهل الجهل، وقد بوب البخاري يبين فضل العلم على فضل العبادة أوسع ما يكون، فقال: باب العلم قبل العمل، واستشهد على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فرتب الاستغفار بعد العلم: تعلم فليس أخو علم كمن هو جاهل وإليكم أروع الأمثلة للعالم الرباني، الذي يؤتسى به ويقتفى أثره: هذا النحرير العالم فارس الميدان العالم الرباني شيخ الإسلام ابن تيمية: إخوتي الكرام! لا يخلو عالم ولا طالب للعلم من همة عالية، فإن علو الهمة عنوان التسديد والنجاح، وسفول الهمة عنوان الخسران والحرمان، لقد روى مسلم في صحيحه عن يحيى بن أبي كثير قال: العلم لا ينال براحة الجسد، وقد قالوا: من جد وجد، ومن طلب العلا سهر الليالي، وقال الشاعر: لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
стр. 294
نشأته
نشأ شيخ الإسلام تقياً نقياً ورعاً زاهداً ناسكاً عابداً صوّاماً قواماً، ذاكراً لله تعالى، وقافاً عند حدود الله جل في علاه، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، له همة كبيرة كالجبال، نفسه لا تشبع من العلم ولا تروى من المطالعة، لا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث، فقد ظهرت عليه النجابة منذ صغره، فكان ذكياً فطناً سريع الحفظ، وقد اشتهر أمره وذاع صيته حتى سمع به شيخ من حلب وهو ما زال في طفولته، فجاء يسأل عنه يهتبل الفرصة فلما قابله أراد اختبار حفظه ومعه لوح كبير، فقال: يا بني! هات هذا اللوح وامسح ما به، ثم أملى عليه بعض الأحاديث فقرأها مرة واحدة، ثم رد عليه اللوح فقال: هل تستطيع أن تقرأ عليّ هذه الأحاديث؟ فقرأها عليه من حفظه فانبهر الشيخ! فقال: امسح يا بني هذا، فانتخب بعض الأسانيد فكتبها له، ثم قال: اطلع على هذه الأسانيد، وأعطاه اللوح فرددها عليه من حفظه، فقال الشيخ بعدما انبهر من سرعة حفظه، ومادحاً مكانة هذا الصبي، قال: هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإنه لم يُرَ مثله، وقد كان، ثم فاق شيخ الإسلام أقرانه في الحفظ وسعة الاطلاع وكثرة الاشتغال حتى أفتى ولم يبلغ العشرين من عمره، ثم شرع في التجميع والتأليف حتى صار إماماً لا يشق غباره في كل شيء، فإذا سئل عن فنٍ ما ظن السامع بعد الإجابة أنه لا يحسن غير هذا الفن؛ من شدة إتقانه لهذه العلوم.
стр. 295
تبحره في كثير من العلوم
كان له قصب السبق في علم التفسير، وكان آية في استحضار الآيات وانتزاع الأحكام منها كما قال الذهبي، وكان يصف نفسه وكثرة اطلاعه وسعة دائرة مباحثه فيقول: ربما طالعت على الآية الواحدة ما يقرب من مائة تفسير، ثم أسأل الله جل في علاه الفهم وأقول: يا معلم إبراهيم علمني، أما علم الأثر فهو جبل الحفظ مع دقة الفهم والنقد والتحقيق والتحرير.
قال الذهبي: وله خبرة تامة بالرجال، وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث وبالعالي والنازل والصحيح والسقيم، مع حفظه للمتون، وهذا ما انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه، وهو عجيب في استحضار الحديث واستخراج الحجج منهما، وإليه المنتهى في عزوه الحديث إلى الكتب الستة ومسند أحمد.
قال الذهبي فيه: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.
وهو الذي ربط الناس بالأثر دون تعظيم البشر على حساب الأثر، ولا غرو ولا عجب فهذا دأب سلفه من العلماء الربانيين، فهذا أبو حنيفة يقول: إن رأيتم قولي يعارض قول رسول الله ﷺ فخذوا بقول رسول الله ﷺ واضربوا بقولي عرض الحائط، وهذا مالك الإمام العلم الذي قال فيه الشافعي: إذا ذكر الحديث فـ مالك النجم، قال مالك: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، وقال الشافعي عندما سئل في مسألة فأجاب بعض أصحابه بحديث عن النبي ﷺ فقال السائل: يا شافعي! أتقول بهذا؟ قال: وما لي لا أقول بهذا؟ أرأيتني خرجت من كنيسة؟! أريت في وسطي زنار؟! وما لي لا أقول بما قال به الرسول ﷺ ؟! والقصة المشهورة في مناظرة الشافعي مع إسحاق بن راهويه عندما دخل أحمد على مجلس الشافعي وقال لـ إسحاق: سأريك رجلاً لم ترَ عينك مثله، فنظر إلى الشافعي فوجده شاباً حدثاً فقال: أنترك ابن عيينة يقول: حدثنا فلان عن فلان ونجلس في مجلس هذا الحدث؟ قال: إن فاتك الحديث من ابن عيينة بعلو خذه بنزول، وإن فاتك العلم من الشافعي فلن تجده عند غيره، فجلس مجلس الشافعي وكانت المسألة المطروحة هل تباع بيوت مكة؟ وهل تؤجر؟ وهل تشترى؟ وهل تمتلك أم لا؟ فقال الشافعي: تمتلك وتباع وتؤجر، واستدل على ذلك بحديث أن النبي ﷺ لما فتح مكة قالوا: (تنزل في بيت عمك؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع).
وفقه الحديث: أن عقيلاً ورث عندما كان كافراً أباه وامتلك بهذا الإرث وباع واشترى في هذه البيوت، وأقر النبي ﷺ ذلك، فاستشهد الشافعي بهذا الحديث، فلم يتفطن إسحاق لفقه هذا الحديث، فأنكر على الشافعي وقال: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن عائشة -وانتبهوا هو يعارض قول النبي بقول أفضل البشر أجمعين بعد رسول الله ﷺ قال: حدثني فلان عن فلان عن عائشة: أنها ما كانت ترى ذلك، وحدثني فلان عن فلان عن الزبير: أنه ما كان يرى ذلك، وعدد كثيراً من الصحابة، فقام الشافعي مغضباً، ثم قال: من هذا؟ كأنه يقلل من شأنه، قالوا: ابن راهويه، قالوا: أنت فقيه خراسان؟ قال: يزعمون ذلك، قال: ليتني بك طفلاً صغيراً أعرك أذنه، أقول لك: قال رسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي- وتقول: قال فلان وقال علان، فعلمه درساً لم ينساه أبداً.
وقال أحمد: لا تأخذوا مني، ولا من ابن عيينة ولا من الثوري وخذوا من حيث أخذوا، ولذلك رفع هذا الشعار ابن تيمية فربط الناس بالأثر دون تعظيم البشر على حساب الأثر، واستقى ذلك تلاميذه النجباء، وأعلاهم قدراً ابن القيم الذي أتانا بقول يكتب بماء الذهب: ما العلم إلا قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه ومن درر كلام شيخ الإسلام: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده وفهم متنه، ففهم المتن رأس الأمر، وهنا يخلط ابن تيمية بين علم الحديث وعلم الفقه، وهذا ما قرره مصنف من تلاميذ تلاميذه وهو: ابن رجب حيث يقول: طبقات العلماء ثلاث، أعلاها وأرقاها فقهاء المحدثين: كـ الشافعي وأحمد والبيهقي والنووي وابن حجر وغيرهم، ولذلك جمع شيخ الإسلام بين العلمين فقال: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وهذا علم الحديث رواية، وفهم متنه وهذا علم الفقه أو فقه المتن، فجمع بين العلمين، ولا يزال العلماء يعتدون بتصحيح ابن تيمية وتضعيفه، وآخرهم محدث الشام علامة الزمان العلامة الألباني، أما في الفقه فهو البحر الذي لا ساحل له، فهو المحرر والمدقق والمحقق، وهو القائل: ليس العلم أن تعلم الحلال من الحرام، لكن العلم أن تحرر محل النزاع، وتعرف الراجح من المرجوح، أي: أن تعلم خير الخيرين، وشر الشرين.
ورحم الله ابن رشد حيث قال: صانع الخفاف ليس كبائع الخفاف، وهذا يقرر كلام ابن تيمية، فـ ابن تيمية يقول: ليس العلم أن تعلم الحلال والحرام، فكل إنسان يمكن أن يفتح الكتاب ويقرأ: هذا حلال وهذا حرام، ولكن العلم أن تحرر محل النزاع، وتعرف كيف ترجح بين الراجح والمرجوح، قال: أن تعلم خير الخيرين وشر الشرين، فيقول ابن رشد: ليس صانع الخفاف كبائع الخفاف، يفرق به بين الفقيه العالم المحرر المدقق المحقق وبين المقلد، كأنه يأمر المقلد أن يصمت، ولا يناقش، ولا يجادل، ولا يرد على أحد، ويتعبد بما قلد به، أما المحرر فالفارق بينه وبين المقلد كما بين السماء وبين الأرض، ولذلك قال الذهبي يبين فضل شيخ الإسلام: قد فاق شيخ الإسلام الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين فضلاً عن المذاهب الأربعة، فليس له نظير، وقال ابن سيد الناس: إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته.
стр. 296
من دقائق فهم ابن تيمية
من دقيق فهمه أنه قال: لولا الإجماع لقلت: إن عدة المطلقة ثلاثاً حيضة واحدة، وهذه التي أقف عندها، والتي ستبين لكم دقة نظر شيخ الإسلام، وأنه بحق أعجوبة في الزمان، وأنه خلقه الله له، وأن الله جل في علاه حباه فهماً لم يعطه غيره، فإن عمر بن الخطاب يبين أن الفهم هو كل العلم، عندما بعث إلى أبي موسى الأشعري فقال: الفهم الفهم فيما يأتيك، يقول ابن تيمية: لولا الإجماع لقلت: إن المطلقة ثلاثاً عدتها حيضة واحدة، وسأبين لكم دقة فهمه ﵀.
فـ ابن تيمية يقول: العدة لها حقان، حق لله وحق للزوج، حق الزوج الرجعة، وقد انقطعت في البينونة الكبرى فلا رجعة، حتى تنكح زوجاً غيره، وحق الله هو استبراء الرحم، واستبراء الرحم لا يكون إلا بحيضة واحدة، فقال: لولا الإجماع لقلت: المطلقة ثلاثاً لا يبقى لها إلا حق الله جل في علاه فلا تكون العدة إلا حيضة واحدة.
أما العقيدة والملل والنحل فهذا بابه وفنه الذي من أجله قاتل وناظر، فما تعرفت القرون من بعده على عقيدة السلف الصحيحة إلا به، فله في عنق كل سلفي المنة، فقد أنار الله به منار السنة وأطفأ به نار البدعة، وقد نفض الغبار عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وقاتل بها أهل البدعة والضلالة، والمكتبة الإسلامية زاخرة برسائله وكتبه الماتعة، لاسيما في الأسماء والصفات، ومسائل الإيمان والنبوات والرسالات.
стр. 297
تعرضه للإيذاء
أختم كلامي بسنة كونية وهي: ما بزغ نجم عالم أو طالب علم إلا ظهر له من يحقد عليه ويحسده ويوشي به، ويقلل من شأنه ويجهله، وهؤلاء صنفان: صنف يجهل ما يقوله العالم أو طالب العلم، فهذا أحسن من الصنف الثاني؛ لأنه إذا تعلم سكت، وإذا أنصت وعلم قدر العالم عظمه وأعلى شأنه وسكت عن الكلام فيه، وقد قعد لنا علي بن أبي طالب قاعدة عظيمة في هذا الباب طبقها إمام أهل السنة والجماعة، فإن علياً قال: من جهل شيئاً عاداه، وأما التطبيق فقد كان للإمام أحمد عندما قيل له: إن يحيى بن معين يتكلم في الشافعي ويجرحه، فاشتدت دهشته وقال: أو تكلم يحيى بن معين في الشافعي؟! قالوا: نعم تكلم في الشافعي، فقال الإمام أحمد: إن يحيى يجهل ما يقوله الشافعي، ومن جهل شيئاً عاداه؛ ولذلك كانوا يجهلون علم شيخ الإسلام فيقولون: نسأله في المسألة في المشرق فيأتي بالمشرق والمغرب والجنوب والشمال، فقال ابن القيم مذيلاً يبين لنا ويوضح أن هذا من آفة الجهل: وهذا من سعة علم شيخنا وجهلهم وضيق أفقهم.
وأما الصنف الثاني من هؤلاء فهم أهل الحسد والحقد، والحسد مذموم في كل الشرائع، وقد نهى عنه الشرع نهياً جازماً، قال النبي ﷺ : (ولا تحاسدوا)، فهو داء عضال، نسأل الله جل في علاه أن يعافينا منهم، فالحاسد محترق، لا يرضى إلا بموت المحسود، وزوال النعمة عنه، فيطلق بصره ولسانه ويده على المحسود، يتمنى أن يمنع عنه خير ربه وليس بمانع، وهذا الصنف أشر على العلماء وعلى طلبة العلم من الجهال، وهؤلاء أصناف كثيرة عادوا شيخ الإسلام في دمشق وفي مصر، أما في دمشق فقد كان أعلاهم شأناً المنصوري، وأما في مصر فكان زين الدين بن مخلوف، فهؤلاء رموا شيخ الإسلام بالجهل والتجسيم، بل كفروه بعد ذلك، ولاقى ما لاقى من التعذيب والإهانة والسجن والضرب والنفي بسبب وشاية هؤلاء، فإن شيخ الإسلام لما قام بتعليم الناس وربطهم بكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، ونبذ التقليد وتعظيم الأشخاص فوق دين الله جل في علاه، أغاض بذلك أهل الهوى وأصحاب التقليد الأعمى وأصحاب المآرب والكراسي، فرموه بكل لقب سيء يريدون بذلك صد الناس عنه، وإخماد دعوته والتعمية عليهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لكن نقول كما قال الله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
فالمبتدعة نفاة الصفات قالوا عنه: إنه مجسم؛ لأنه أثبت صفات الله كما أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ ، وأما المقلدة العميان المتعصبة للفقهاء فقالوا: قد خرق الإجماع وعادوه بل كادوا يقتلونه من أجل مسألة التبرك، والطلاق ثلاثاً والطلاق في الحيض.
وقال القبوريون الذين يعظمون الأولياء فوق تعظيمهم لرسول الله، بل فوق تعظيمهم لله جل في علاه: إنه يبغض الأولياء ولا يعظم الرسل والأنبياء إلى آخر هذه الافتراءات والأباطيل على شيخ الإسلام.
فلا غرو ولا عجب أن هذا الموقف لا يقف عند شيخ الإسلام بل يتكرر كثيراً مع كل مصلح، أو مجددٍ، أو مجتهد يدعو إلى دين الله جل في علاه، الذي جاء به رسول الله ﷺ ، ويدعو إلى نبذ ما خالفهم، وعدم التعصب للأشخاص مع إجلالهم وتقديرهم، ومهم جداً أن تعرف قدر العظماء والأفاضل والأماجد والأكارم، لكن لا ترفع قدرهم فوق رسول الله، ولا فوق شريعة النبي ﷺ ، بل يجب عدم التعصب للأشخاص مع إجلالهم وتقديرهم، ودون الغلو فيهم، والعاقبة لابد أن تكون لهؤلاء العلماء الربانيين بفضل الله جل في علاه؛ لأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]، وما زلنا حتى الآن نتكلم عن شيخ الإسلام وعن فضله، وعن كتبه، وما زال الناس يعظمونه ويعظمون شأنه ويدرسون كتبه، فإن من أراد الله أراد الله له ما يريد، فيا فوز العلماء! ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم! وأترك المجال لشيخنا ليشنف آذاننا بما عنده، جزاه الله خيراً.
стр. 298
بعض صفاته
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وآله وصحبه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فيقول النبي ﷺ : (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه آخر، أما هذه الأمة فإن الله تعالى يبعث لها على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها)، هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى واحد من هؤلاء الأماجد الذين ملئوا الدنيا، وعلموا الناس، وهو حقيق بقول الشاعر المتنبي: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم هذا غيض من فيض في حق هذا الإمام الجليل، ونحن الليلة نتطفل على مائدة شيخ الإسلام ابن تيمية وننهل من معينه الذي لا ينضب، ونوره الذي لا يكاد ينقضي، فهو شمس أرسلت أنوارها المتجددة إلى عالم ما وراء الزمان والمكان، فهذا الشيخ الجليل العظيم رفع الله ﵎ له ذكره؛ لأنه أفنى عمره في خدمة دين الله ﵎، هذا الرجل الذي أحيا ما اندرس من معالم السنة، وجدد شرع الله ﵎، ورفع لواء العقيدة السلفية، وجاهد على كافة الأصعدة، جاهد في الله ﵎ بالسيف والسنان في سبيل إعلاء كلمة الله ، وزهد في كل منصب من مناصب الدنيا الفانية، ولقد كان في وسعه أن يكون أميراً على بلد كامل، لكنه رفض ذلك وقال: أنا رجل ملة ولست رجل دولة، وهكذا فقه مراد الله فوظف نفسه لخدمة شرع الله ﵎.
فـ ابن تيمية ليس رجلاً عادياً إنما هو مفخرة من مفاخر الأمة الإسلامية، وطود شامخ، وصانع من صناع التاريخ، وأمة سكبت في رجل، ومنهج صيغ في شخص، وتاريخ كتب باسم إنسان، هذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎.
صفحات حياته مضيئة، مشرقة بالأنوار الهادية التي لا تكاد تنقضي، فعندنا نحن المسلمين من بين سائر الأمم من هذه الشخصيات القيادية الريادية ما تخضع لها أعناق الأمم والشعوب، مثل ابن تيمية الذي كتب بأحرف من نور على جبين الزمن فعاش من الخالدين؛ لأن الله ﵎ لا يضيع أجر المحسنين، وهي سنة كونية تعمل في هذا الكون، أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فهذا الرجل الذي خلط روحه ودمه بشرع الله ، ووصل ليله ونهاره لخدمة منهج الحق، هذا الرجل رفعته الأمة فوق رءوسها، وما زال صدى شيخ الإسلام ابن تيمية يتردد في آفاق العالم كله.
أما الذين ناصبوه العداء ورموه عن قوس واحدة، وفتحوا له أبواب الزنازين والمعتقلات، وأفتوا بإهراق دمه، فقد أخمد الله ﵎ ذكرهم، فإذا بهم يرقدون الآن صرعى تحت أنقاض الزمن، أما هو فقد جدد الله ﵎ له ذكره، ورفع له قدره، وصارت الأمة الآن خلفه حتى أن المحاكم الشرعية في سائر أقطار العالم الإسلامي تتبنى اجتهادات ابن تيمية التي كان يطعن بها عليه، وأصبحت الآن منهجاً مقرراً في القوانين والدساتير التي تخط في تلك المحاكم، ورجل كهذا لابد أن يأخذ دوره الريادي، فهو بحق رجل لكل العصور، وابن تيمية جدد منهاج السلف في فترة -لو تعلمون- كانت أنوار السلف فيها خافتة، وظلمات البدعة قد عمت الآفاق حتى أشرقت شمس ابن تيمية فبددت تلك الظلمات، حارب الصوفية الغلاة، وحارب الفرق المنحرفة المبتدعة، وأظهر منهاج السلف، وكتب في كل صعيد، ولم يكتف بالكتابة، وإنما ربى أمة من أفاضل العلماء، حملوا منهاج النبي ﷺ ، وليس هذا فحسب، بل هو الرجل القانت الزاهد الأواب الذي يئوب إلى ربه ﵎، ويستعينه في كل معضلة.
إنك إذا تأملت سيرة ابن تيمية فإنما تقرأ قصة رجل صنعه الإسلام وصاغته الشريعة الإسلامية لتبين للناس عبقرية الإسلام في إخراج أبناء الإسلام الذين يلفتون الأنظار إلى شرع الله ﵎، هو الرجل المجاهد في سبيل الله، القوام بالحق، الرجل الزاهد، الرجل الأسيف الذي يبكي من خشية الله وتضطرب فرائصه وترتعد فرقاً من الله تعالى، وهو الرجل الذي يرفع حوائجه إلى الله جل وعلا، وهو الرجل الذي يقول عن نفسه: وكانت تشكل عليّ المسألة فأهرع إلى المساجد المهجورة وأعفر وجهي في التراب وأسجد وأبكي وأقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، فعلمه معلم إبراهيم وفهمه مفهم سليمان .
فارفعوا عقيرتكم بالجؤار إلى الله في كل أمر صغير أو حقير من أمور هذه الحياة، فقوة الإيمان صفحة واضحة المعالم في حياة ابن تيمية رضي الله تعالى عنه.
стр. 299
حاله مع الله تعالى
لندع تلميذه ابن قيم الجوزية يحكي لنا طرفاً من حياة ابن تيمية، فهذا التلميذ خصيص بـ ابن تيمية، سجن معه ولم يطلق صراحه إلا بعد وفاة ابن تيمية هو شعاع من نور ابن تيمية أرسله إلى هذه الأمة، يقول ابن قيم الجوزية: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: في الدنيا جنة -يعني بها: جنة الإيمان، وما جاء به النبي ﷺ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري -أي: الإيمان والعلم- أينما ذهبت فهي معي، أنا سجني خلوة، وإخراجي من بلدي سياحة، وقتلي شهادة في سبيل الله ﵎.
فأمره كله مفوض إلى الله ، أسلم قياده إلى تدابير القدر، فما يصنع أعداء الله تعالى بطالب علم أسلم قياده إلى الله ، يعلم أن له في كل أمر من أمور حياته حكمة مع الله ﵎، فاسمه الحكيم ؟ وكان يقول في محبسه بالقلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما وفيت شكر هذه النعمة، رجل مسجون مأسور محبوس، يذكر عن نفسه أنه لو أنفق ملء القلعة ذهباً ما وفى حق شكر نعمة الله ﵎، عندما جاءه الجلاوزة ليقتادوه إلى هذا الحبس الذي قضي عليه فيه هش وبش وابتسم، وقال: كنت أنتظر ذلك منذ أمد طويل، وهذا فيه خير عظيم، ثم انطلق معهم إلى السجن، فلما أغلق الباب تفتق ذهنه فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]، لذلك يقول ابن قيم الجوزية: كنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الدنيا أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة! فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، يقول ابن القيم: سمعته يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟! وحضرته مرة وقد انفتل من صلاة الفجر، ثم جلس يذكر الله إلى قريب من منتصف النهار، ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي، فإذا لم أتغذى سقطت قواي، أي: أن ذكر الله ﵎ هو مادة القوة التي تربط على قلبي، وتنير الآفاق لروحي، فينطلق عاملاً لله ﵎، إن هذا المعنى هو الذي أرسله النبي ﷺ للصحابة عندما قال لهم: (إنكم لستم كهيئتي، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)، قال العلماء: يقصد ما يفتح الله ﵎ به على قلبه من أبواب المعاني الإلهية فيطعمه ويسقيه: لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الطعام وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور تستضيء به وقت الكلال وفي أعقابها حاد إذا شكت من كلال السير أوعبها روح القدوم فتحيا عند ميعاد إن مثل هذا الرجل العظيم بعثه الله ﵎ والأمة تتخبط في دياجير الظلمات، وحاله كحال الشاعر وكأنه يصفه يوم قال: ليل ولم يبقَ غير شعاع لم ينعه للمدلجين الناعي ما زال وضاء الثناء بأمة ضل القطيع بها وضل الراعي إن الإخلاص في طلب الحق والتخلص من أدران الهوى صفحة مضيئة من صفحات شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يقول: ومعلوم أن الإيمان كله تقوى الله، وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله الموضع، فإنها الدين كله، وينبوع الخير وأصله: إخلاص العبد لربه، وعبادته والاستعانة به كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ولقد أحس بإخلاصه كل من عايشه وأدركه، فهذا الإمام السبكي وكان من ألد أعدائه، يقول في رسالته: والمملوك يقول ذلك دائماً وقدره -أي: ابن تيمية - في نفسي أكبر من ذلك وأجل، مع ما جمعه الله له من الزهادة، والورع، والديانة، ونصرة الحق، والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك المأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان، بل من أزمان.
يقول الحافظ ابن كثير: لم أرَ مثله في ابتهالاته، واستعانته بالله، وكثرة توجهه إليه.
فكل مسلم حري به وحقيق أن يطرق باب ربه ﵎، وأن يرفع حوائجه إلى الله جل وعلا، فالإعانة من الله جل وعلا، فإذا أردت أي باب من الأبواب فاقرع باباً لا يغلق آناء الليل وأطراف النهار، وهو باب الله تعالى؛ لذلك قال بعض العارفين: إن من أدمن قرع الباب أوشك أن يفتح له، من وقف على باب الله تعالى قارعاً مبتهلاً متبتلاً أوشك الله جل وعلا أن يفتح له هذا الباب، ليلج مع السابقين الأولين من العظماء الأماجد الذين حملوا مشعل الهداية، وصاروا في ركاب الأنبياء والمصلحين عمالاً مع الله ﵎، مجاهدين تحت راية النبي ﷺ ، وشيخ الإسلام ابن تيمية الرجل العظيم الذي نزل الإسكندرية، وهذه من مفاخر أهلها، وكذلك الصحابة وطئوا أرضها، ونزلها من الأعلام الأماجد الشوامخ ما لا يحصى عدداً، فشرفنا في هذه المدينة بلقاء شيخ الإسلام ابن تيمية حيث أرسلوه ليحبس في قلعة الإسكندرية.
مكث ابن تيمية في مدينة الإسكندرية ثمانية شهور يبث اعتقاد السلف رضي الله تعالى عنهم جميعاً، وأهدى إلى الأمة كتابات من أبدع ما كتب للرد على الملاحدة والمنطقيين، سئل عن تقريرات المناطقة فكتب كتابه الماتع: الرد على المنطقيين، وسئل عن ابن سبعين الصوفي الملحد فألف رسالته: بغية المرتاد المعروفة باسم السبعينية، وهذه كتبها هنا في مدينة الإسكندرية، ودعا إلى منهاج السلف، ومن يومها ومذهب السلف مستقر في مدينة الإسكندرية بحمد لله ﵎.
стр. 300
ثباته وقوته في الحق
أما ثبات ابن تيمية فمن الصفحات المشرقة في حياته، فقد كان ذا شخصية قوية، ونفس لا تهاب الصعاب يقف أمام السلاطين، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاص، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً.
يقول خادمه: ثم بعد أيام جاء عند الشيخ شمس الدين بن سعد الدين الحراني، وأخبره أنهم يسفرونه إلى الإسكندرية، -أي: الأمراء- وجاءت المشايخ التدامرة -نسبة إلى تدمر بلدة بالشام- وأخبروه بذلك، وقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم وهم عاملون على قتلك أو نفيك أو حبسك، فقال لهم: أنا إن قتلت كانت لي الشهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان الحبس لي معبداً وأنا مثل العنز كيفما تقلبت تقلبت على صوف! هذه كلمات تلاميذ الأنبياء! فيئسوا منه وانصرفوا، ثم ذكر أنه لما ركب مع نائب السلطان قال له أحد تلامذته: يا سيدي هذا مقام الصبر! فقال له ابن تيمية: بل هذا مقام الحمد والشكر، وإنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قسم على أهل الشام ومصر لفضل عنه، ولو أن معي في هذا الموضع ذهباً وأنفقته ما أديت عشر هذه النعمة! يقول الإمام الذهبي مؤرخ الإسلام: كان قوالاً بالحق نهاءاً عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام وعدم مداراة.
стр. 301
من مواقفه مع الحكام
من مواقفه الجريئة في الصدع بالحق أنه جاء إلى السلطان الناصر وحثه على القدوم إلى الشام لمواجهة التتار وقال له: إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله والذب عنهم فإن الله تعالى يقيم لهم من ينصرهم غيركم، ويستبدل بكم سواكم، وتلا قوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وبلغ هذا الكلام الشيخ ابن دقيق العيد فاستحسن هذا الكلام وأعجبه هذا الاستنباط، وتعجب من مواجهة ابن تيمية للحكام والسلاطين.
ووشي بـ شيخ الإسلام إلى السلطان الناصر، فاستدعاه وقال: بلغنا أنك تراسل التتار، وتحاول الاستيلاء على الحكم، فصرخ الشيخ في وجهه قائلاً: أنا أبحث عن الحكم يا مسكين! والله إن ملكك وملك أبيك وملك المغول لا يساوي عندي فلسين، قال ذلك للسلطان في وجهه، والحاشية من حوله؛ فخضعوا لهيبة هذا الشيخ العظيم رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وهو الذي ذهب بالنيابة عن أهل الشام لمواجهة السلطان قازان سلطان الدولة المغولية عندما قدموا لاحتلال الشام، وحاولوا أن يأتوا إلى مصر، فذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وأغلظ له في القول، وقال: أنت تزعم أنك مسلم وأبوك وجدك كانا مشركين، وصدقا معنا، ووفيا بعهودهما، وأنت ما وفيت، فلما قدم له الطعام أمسك شيخ الإسلام عن الأكل فقال له السلطان متلطفاً: لماذا لا تأكل أيها الشيخ؟ قال: كيف آكل وقد قطعتم أشجار الناس فأنضجتم عليه الطعام، وسرقتم الدقيق واللحوم لتأكلوها من أموال الناس بالباطل؟! فعظم في عين السلطان المغولي ونزل على إرادته، يقول من كانوا بحوزته من المراسيل: فكنا نرفع ثيابنا لتوقعنا أن تتناثر دماؤه علينا، فلما خرجوا من عنده غلظوا عليه، وقالوا له: لقد عرضت نفسك للهلاك وعرضتنا معك، سنفارقك، فقال لهم: وأنا أيضاً أفارقكم، فأخذ من طريق فنجاه الله، وساروا هم في طريق آخر فخرج عليهم قطاع الطريق واللصوص فشلحوهم وأخذوا ما معهم حتى جردوهم من ثيابهم! فالذي يعمل لله ﵎ يكون في كلأ الله وحفظه ومعيته، ويكون في حفظ الله ﵎، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
وكان قطلوبك واحداً من أمراء المماليك الظلمة يأكل أموال الناس بالباطل فجاء رجل فقير إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يستعديه على هذا الأمير الجبار، فذهب معه شيخ الإسلام فقال له قطلوبك: إذا رأيت الأمير على باب الفقير فنعم الأمير ونعم الفقير، وإذا رأيت الفقير على باب الأمير فبئس الفقير وبئس الأمير، وأنت رجل زاهد أرسل لي وأنا آتيك، فقال له شيخ الإسلام ابن تيمية: قطلوبك! لا تعمل عليَّ دركواناتك -يعني خدعك-، كان فرعون أنحس منك، وكان موسى يأتيه مرات يذكره بالله، وكان موسى خيراً مني، ولم يتكبر على أن يأتي باب فرعون، وأنا آمرك أن ترد إلى هذا الرجل ماله؛ فاستجاب لرغبة شيخ الإسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 302
إنصافه مع مخالفيه
ومن صفحات حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله تعالى عنه الإنصاف، فقد كان رجلاً منصفاً حتى مع مخالفيه، ولقد هم السلطان أن يقتل الرجال الذين سعوا بـ شيخ الإسلام لديه، وأفتوا بقتله؛ لأنهم أفتوا بخلع السلطان، فلما عاد إلى سدة الحكم استفتى شيخ الإسلام في قتلهم، فجثا على ركبتيه وقال له: اتق الله! هم مادة الإسلام، إذا قتلت هؤلاء لا تجد مثلهم في الآفاق! وما زال بالسلطان حتى رجع عما كان قد أضمره من قتل هؤلاء! يقول القاضي ابن مخلوف وهو من أشد أعداء ابن تيمية ومن الذين أفتوا بقتله ما رأينا مثل ابن تيمية، جاهدنا لنقتله فلما قدر علينا عفا عنا! هكذا يكون العالم منصفاً لله ﵎، فهو منصف مع كل الفرق، ويعطي كل ذي حق حقه، ويذكر السلبيات والإيجابيات، وهذا بحر طويل لا يتسع المقام لذكره، لكن لنذكر منه شيئاً! اسمع إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يتحدث عن الإمام الغزالي، وهو من رءوس الصوفية وفقهاء الشافعية وأئمة الأشعرية، وكان رجلاً متبحراً في العلوم لكن بضاعته في الحديث كانت مزجاة؛ ولذلك ضل عن السبيل، يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه، ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسلوكه طريق الزهد والرياضة، ينتهي في هذه المسائل -مسائل الإيمان والغيب- إلى الوقف والحيرة، ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك -انظر إلى الإنصاف! - رجع إلى طريقة أهل الحديث، وصنف إلجام العوام عن علم الكلام.
ما أحرانا بتحري الإنصاف مع الخصوم والمخالفين، لو كان هذا في زماننا وتحدث رجل عن مخالف له لقال لك: المبتدع، رأس النفاق، أستاذ المبتدعة، وغير ذلك من الشقشقات الفارغة التي قطعت حبال المودة بين قلوب الناس، علينا أن نكون منصفين، فإن الله ﵎ خاطبنا بالإنصاف حتى مع المشركين فقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، ولفظ الناس يعم الناس كلهم، مؤمنهم وكافرهم.
стр. 303
شجاعته
أما شجاعة شيخ الإسلام ابن تيمية فيضرب بها المثل، يقول الحافظ سراج الدين: كان إذا ركب الخيل يجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، وينكي العدو من كثرة الفتك بهم، ويخوض بهم خوض رجل لا يخاف الموت.
فليس شيخاً يقرر في مجالس العلم اجتهادات واختيارات فقهية، وإنما يخرج إلى ساحة الورى يحمل روحه على راحته ليكون قدوة للعالمين، هكذا يكون طالب العلم، ويكون العالم الرباني، إنه يصول ويجول في سبيل نصرة دين الله ﵎ بكل ما أوتي من قوة باللسان أو بالسنان.
ومن أعظم مواقفه: أنه قاد الأمة يوم وقعة (شقحب) التي انكسر فيها التتار كسرة عظيمة، يقول أحد أمراء الشام: قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية يوم وقعة (شقحب) مع التتار ونحن بمرج الصفر وقد تراءى الجمعان: يا فلان أوقفني موقف الموت، قال: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليه، ثم قلت له: يا سيدي هذا موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت الغبرة فدونك وما تريد، قال: فرفع طرفه إلى السماء، وأشخص بصره، وحرك شفتيه طويلاً، ثم انبعث وأقدم على القتال، وأما أنا فخيل إليّ أنه دعا عليهم، وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة، قال: ثم حال القتال بيننا وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر، وانحاز التتار إلى جبل صغير، قال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما تحريضاً على القتال، وتخويفاً للناس من الفرار، فقلت: يا سيدي لك البشارة بالنصر، فإنه قد فتح الله ونصر وهاهم التتار محصورون في هذا الوادي، فقال: إن شاء الله يأخذهم الله عن آخرهم، وحمد الله وأثنى عليه! هكذا يطلب من الأمير أن يوقفه في موقف الموت، فيقول: أوقفني موقف الموت! رجل صادق يبحث عن الشهادة في سبيل الله ﵎، لم يخرج مع الجيوش رياء وسمعة، ولم يتخف في بنيات الطريق، وإنما وقف على قمة الجيش يبحث بصدق عن الموت في سبيل الله ﵎، لكن الله ادخره لهذه الأمة ليواصل المسيرة الحضارية العلمية العظيمة التي أحيا بها ما اندرس من علوم السلف الصلحاء.
стр. 304
تفننه في مختلف العلوم
كان إماماً مبرزاً وعالماً فحلاً من فحول الأمة في كل أمر من الأمور، ليس في الفقه والحديث والأصول والتفسير والعقيدة فقط، وإنما في التاريخ واللغة، بل حتى في سائر معارف عصره، إنه تعلم اللغة اللاتينية ليدرس كتب الفلاسفة والمناطقة بلغاتهم الأصلية، وتعلم اللغة العبرية ليدرس التوراة والإنجيل بلغتها الأصلية، وتعلم اللغة التركية ليستطيع أن يخاطب بها التتار، فهو عالم موسوعي، من منا الآن تعلو همته ليتعلم ثلاثة لغات لخدمة دين الله ﵎؟! إن الذي يحفظ عشرة أحاديث الآن يقال له: أبو فلان كذا، وغير ذلك من الألفاظ العارية عن المحتوى، وهو كان يتحدث ثلاث لغات، ويحفظ الأحاديث حتى قيل: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، وهذا من باب المبالغة في إظهار حفظه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
علمه كالبحر، حتى إنه تبحر في علوم اللغة العربية، وكان الإمام أبو حيان الأندلسي وهو من كبار النحاة وعلماء الشريعة والتفسير منبهراً بشيخ الإسلام ابن تيمية فجلس معه يوماً يتناقشان في مسألة من الإعراب والنحو، فأغلظ له ابن تيمية وخطأ قوله، فقال أبو حيان: هذا الكلام ذهب إليه سيبويه، فقال له ابن تيمية: وهل سيبويه نبي النحو؟ إن سيبويه أخطأ في كتابه في ثمانين مسألة لا تعلمها أنت ولا سيبويه! حتى في اللغة كان إماماً مبرزاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فليس رجلاً عادياً، وهذه الهمة جعلته فوق هامة الزمن إنما هي همة إسلامية صرفة؛ لأن الله ﵎ حفظ للأمة منهاج النبي ﷺ ، ففي الزمن الذي يعتور فيه منهج أهل السنة والجماعة الأضاليل والأباطيل والبدع، يخرج العلماء الفحول ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين؛ لأجل ذلك وقف الإمام شعبة بن الحجاج رضي الله تعالى عنه، عندما استشرت حركة الوضع في الحديث على أيدي الزنادقة، وقف على الجسر في بغداد ونادى بأعلى صوته: يا أهل بغداد أيظن ظان أنه يستطيع أحد أن يكذب على رسول الله ﷺ وأنا حي بين ظهرانيكم، هيهات هيهات، هيهات هيهات! كان ابن تيمية رضي الله تعالى عنه صناعة إسلامية خالصة، رجلاً مبرزاً في كل الأمور، ليس رجلاً عادياً، فالمهمة تحتاج إلى همة، ولن تنال المجد حتى تلعق الصبرَ، فالإنسان يحتاج إلى أن يخوض الأوحال، وإلى أن يعضه الجوع، وإلى أن يتعرى في الله، وإلى أن يفتقر في الله، وإلى أن يؤذى في الله ﵎؛ لأن الله ﵎ يصهر الناس في المحن، فإذا صمدوا أخرجهم ذهباً إبريزاً، ثم حملتهم الأمة بعد ذلك فوق رأسها.
فهذا الرجل أمضى حياته بياضها وسوادها لخدمة دين الله ﵎، حتى إن والده وهو طفل صغير أراد أن يأخذه مع إخوته للتنزه فبكى واعتذر لوالده، وقال له: لا أحب الخروج فمكث، فلما عاد والده قال: يا أحمد! ماذا صنعت في هذه الفترة؟ قال: يا أبي حفظت هذا الكتاب، ثم دفع إليه جزءاً كبيراً فراجعه معه أبوه فلما وجده حفظه عن ظهر قلب، قال: يا بني لا تخبر بذلك أحداً، خاف عليه من العين.
ولقد بلغ من محبته لنصرة الحق أنه درس الفلسفة من كتب أهلها ثم أنحى عليهم باللائمة وخطأهم، يقول: كنت أنام فأرى في المنام أنني أناظر أرسطو كبير الفلاسفة، فأقطع حجته، وهذا من محبته للعلم.
ولما مرض جاء إليه الطبيب فقال: لا بد من إخراج هذه الكتب من عندك؟ فقال: أنتم تزعمون في الطب أن المحبوب إلى النفس يدفع النفس الغريزية في الإنسان إلى مقاومة المرض أليس كذلك؟ فقال له: نعم، قال: فأنا أحب القراءة والمطالعة، وهذا يقوي النفس الغريزية عندي على مقاومة المرض، فأذن له الطبيب في ذلك، أحب المطالعة في كل صغير وكبير من أمور حياته، لم يقرأ كتاباً ثم يدعي بعد ذلك أنه إمام الأئمة أو سلطان الأمة لا؛ بل أفنى عمره في المطالعة والتضرع لله حتى وهو محبوس مأسور في القلعة، فقد بعث برسالة إلى الإمام ابن قيم الجوزية، يقول: أرجو أن تبعث لي بتعليقة القاضي أبي يعلى، يعرف مكانها أخي، أرسلها على وجه السرعة هكذا يقرأ وهو في السجن، يكتب وهو في السجن حتى أحصى له تلامذته أربعين ألف فتوى في الأمور الفقهية فجمعوها رضي الله تعالى عنه وأرضاه، على كل أمر من أمور حياته مقيم على المطالعة، مقيم على الكتابة، كان يكتب الكتاب الكبير بين الظهر والعشاء! ولما سئل عن الكتابة في المنطق قال: يكفي ما كتبناه في التقرير في النقض على المنطقيين، وقد كتبت ذلك بالإسكندرية في جلسة بين الظهر والعصر، وهو كتاب في مجلد كبير كتبه بين الظهر والعصر استدلالاً واستشهاداً ومناقشة وترجيحاً فرحمه الله ﵎! وكتب الصارم المسلول على شاتم الرسول في جلسة بين العصر والمغرب، فقد كان يكتب رضي الله تعالى عنه وأرضاه في كل فن من الفنون، وفي كل أمر من الأمور.
стр. 305
كرمه
أما كرمه وجوده فحدث عن البحر ولا حرج، فمع ما كان يحياه من ضنك العيش وشظف الحياة إلا أنه كان أكرم الناس للناس، وكان أسعى الناس في قضاء حوائج المحتاجين، قال عبد الله بن المبارك: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل، هذا هو السخاء الحقيقي أن يتعفف الإنسان عما في أيدي الناس، هذا تعفف عما في أيدي الناس، وبذل ما في يده لسائر العالمين، ولقد بلغ من كرمه أنه بلغ منزلة يضرب بها المثل، يقول ابن فضل الله العمري: كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب، والفضة، والخيل المسومة، والأنعام والحرث، فيهب ذلك بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه، لا يأخذ منه شيئاً إلا ليهبه، ولا يحفظه إلا ليذهبه.
وقال الإمام الذهبي: كان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزهاد الأفراد، والشجعان الكبار، والكرماء الأجواد، حتى إن رجلاً كان محتاجاً إلى عمامة دخل مجلس ابن تيمية وهو مع أساطين عصره، فلما لمح الرجل يستحي من الطلب خلع ابن تيمية عمامته فشقها بنصفين وأعطى الرجل نصفها واعتم هو بالنصف الآخر! هكذا كان جوده.
وكان يتحرى التصدق بين يدي الصلاة، والدعاء ما أمكنه؛ لأنه إذا استحبت الصدقة بين يدي مناجاة النبي ﷺ ، فاستحبابها بين يدي مناجاة الله عند الدعاء والصلوات أولى من ذلك.
أما قوة فراسته فهذا باب بحر خضم يحتاج إلى حديث طويل، ولقد ذكر تلميذه الرباني ابن قيم الجوزية في شرح منازل السائرين من ذلك شيئاً كثيراً، فليراجع ذلك.
стр. 306
سجنه وتحويله السجن إلى مدرسة علمية
كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أستاذاً من أساتذة السنة وعاملاً من عمال الله ﵎ في هذه الأرض، ولقد ابتلي وأوذي وسجن، وهذا معلم واضح من معالم طلاب العلم في هذه الحياة، فإنك إذا ذهبت تستقرئ سير وتواريخ الأنبياء، وأتباع الأنبياء في سائر الأثبات والمصنفات ستجد بعد ذكر اسمه وشيوخه وتلاميذه ومصنفاته يقولون: محنته؛ لأن امتحان طالب العلا لابد أن يكون شيئاً متحققاً: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣].
وقد ابتلي ابن تيمية رحمه الله تعالى بالإيذاء النفسي، والبدني، وبالتضييق عليه، واعتقل وسجن أكثر من مرة حتى كانت وفاته في السجن رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأنزل الابتلاء والأذى على سائر تلاميذه ومحبيه، وصودر ما لديهم من الكتب، وكانت معه مواجهات صمد فيها صمود الجبال الرواسي حتى إنه لما دخل السجن حوله إلى مدرسة علمية، وانفتل إلى الناس يدرسهم الفقه والحديث والتفسير حتى تحول السجن من مكان للصوص والشطار وأكابر المجرمين إلى مدرسة علمية تربوية! يقول المؤرخون: حتى كان الرجل يأتيه الإذن بالإفراج من الوالي فيبكي ويرفض الخروج من السجن؛ لأنه يريد أن يلازم شيخ الإسلام ابن تيمية، فتحول السجن إلى مدرسة ابن تيمية للعلوم الشرعية رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذه هي الهمة العالية! فالإنسان المثمر هو كالغيث أنى نزل على أرض أنبت فيها المرعى والعشب والكلأ، فلابد أن تظهر آثارنا على المجتمع وعلى من حولنا من الناس، ولا يكون ذلك إلا بعلم وإخلاص وتطبيق وعمل؛ لأن اقتران العلم بالعمل يذهب من النفوس الشك والتكذيب، ويدفع الناس إلى الثقة والانقياد.
стр. 307
مرضه ووفاته
وبعد حياة حافلة حفيلة بالعلم، والعمل، والدعوة، والزهادة، والإخلاص، والإنابة، والتوكل على الله تبارك، وتعالى أثمر فيها في كل الميادين، وانتصر في كل فتح من الفتوح على كافة الأصعدة، آن لهذا البدن المعنى أن يغادر الحياة، ولتلك الروح الغريبة عن عصرها أن تلحق بربها ﵎، فمرض شيخ الإسلام رضي الله تعالى عنه كما يقول ابن فضل الله العمري، وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، وطبع على قلبه منه طابع الألم، فكان ذلك مبدأ مرضه ومنشأ عرضه، حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار المنابر، وحل ساحة ربه وما يحاذر، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذر، وكانت مدة مرضه بضعة وعشرين يوماً، وأكثر الناس ما علموا بمرضه واستمر به الحال حتى وافاه الأجل.
يقول عامة المؤرخين: توفي ﵀ في العشرين من شهر ذي القعدة عام ثمانية وعشرين وسبعمائة هجرية، وقد اتفق موته في سحر ليلة الإثنين، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة، وتكلم بها الحراس، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا بهذا الخطب الجسيم، فبادر الناس إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجيء منه، حتى من الغوطة والمرج، وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب، واجتمع حشد عظيم من الخاصة والعامة، وبدأ الناس يختمون القرآن قبل غسله، وأذن للنساء بعد الرجال فزرنه، ولم يبق عند الغسل إلا من كان عليه أن يغسله، واجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وامتلأ الجامع وصحنه وباب البريد وباب الساعاد.
ثم شرعوا في غسل الشيخ، وكان الذي تولى غسله هو الإمام الحافظ المزي ﵀ ﵎، وصلي عليه مرات، وحملت جنازته إلى المسجد الأموي، واجتمعت البلدة على بكرة أبيها، ولم يعرف أن عدداً خرج في جنازة إلا في جنازة الإمام أحمد ما يوافي ما خرج في جنازة ابن تيمية رحمه الله تعالى ورضي عنه، حتى حصروهم بثلاثمائة ألف من الرجال غير الذين جاءوا إلى قبره للصلاة، وأعلن بالصلاة عليه، واجتمع الناس، وضجت الأسواق بالنحيب والبكاء والترحم والثناء والدعاء، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم، وسقطت المناديل والعمائم عن رءوس الناس والناس لا يلتفتون إلى ذلك، وعظم الأمر بسوق الخيل، وتضاعف الخلق، وكثر الناس، ووضعت الجنازة هناك، وتقدم للصلاة عليه أخوه زين الدين وحمل إلى المقبرة، حيث دفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله، ولم يتخلف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور، وحصر الرجال الذين حضروا الجنازة ما بين ستين إلى مائتي ألف عدا النساء، ويقدر الحاضرات من النساء بخمسة عشر ألف امرأة عدا من كنّ على الأسطحة والغرف، ولم يعهد مثل هذا الزحام في تاريخ دمشق! قال الإمام البرزالي: ولا يمكن أحد حصر من حضر من الجنازة، وتقريب ذلك أنه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل البلد، يقول ابن رجب: وصلي عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة حتى في اليمن والصين، وأخبر المسافرون أنه نودي بأقصى الصين للصلاة عليه يوم الجمعة، الصلاة على ترجمان القرآن، قال البزار: وما وصل خبر موته إلى بلد إلا وصلي عليه في جميع جوامعه، خصوصاً أرض مصر والشام والعراق وتبريز والبصرة وغيرها، ولم يُر لجنازة ما رؤي لجنازته من الوقار والهيبة، وخرج بعض تلامذته لما رأى ذلك متأثراً فصاح في وسط الناس: هكذا تكون جنائز أئمة السنة، فضجّ الناس بالبكاء والعويل! وحق لهم أن يبكوا على الشمس التي رحلت في رابعة النهار مرتحلاً إلى ربه ﵎ بعد أن شق طريقاً للسنة، وأسس أساساً للمنهج السلفي، وأرسى دعائمه، وبنى قوائمه، وناظر المبتدعة فرماهم بسهام السنة فأصماهم في سويداء قلوبهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومصداق جنازته في تنبؤ الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه يوم قال: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز، قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز، فاللهم ارض عن صاحب هذه الروح، وافسح له أبواب الجنة، فهي آخر ما كان يرجوه من الفتوح.
هذه إضاءات على صفحات مشرقة لإمام من أئمة الدعوة السلفية، ومؤسس المدرسة السلفية المعاصرة في القرون المتأخرة، وحامي ومجدد علوم السلف رضي الله تعالى عنه وأرضاه، تلك هي الصناعة الإسلامية، وبقية الخير في هذه الأمة لا تنزع عنها إلى قيام الساعة، ومصداق ذلك في قول النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال).
فنحن بحاجة في هذه الأزمنة التي تباعد فيها الناس عن السنة، والتي غلبت فيها الأهواء والشحناء والأحقاد والمنازعات؛ بحاجة إلى الرجوع إلى مثل هذه التراجم للنظر في سير الأئمة الأعلام، أئمة الدعوة السلفية المباركة، الذين حملوها في قلوبهم، فرفعتهم في قلوب الناس، رضي الله تعالى عنهم جميعاً وأرضاهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 308
هذا رسولنا ﷺ أيها السفهاء
إن الأقلام ليجف حبرها، وإن الكلمات ليعجز الإنسان عن سردها عندما يكون الحديث عن خير مخلوق عرفته الأرض؛ إنه محمد ﵊ الذي حاز أعلى درجات الكمال البشري، وحاز على رضا ربه ومولاه، وتمكن حبه من كل قلوب أتباعه، فيجب علينا أن نسير على ما كان يسير عليه، وأن نقتفي أثره، ونتبع سنته.
стр. 309
بيان مكانة النبي الكريم
الحمد لله فاطر السماوات والأرضين، الذي تكفل لنا بحفظ الملة والدين، جبار السماوات والأرض القوي المتين، أرسل لنا خير الثقلين وخير خلقه أجمعين، الذي لقبه أهل الكفر أنفسهم بالصادق الأمين، صاحب الأخلاق العلية والأنوار البهية، إمام النبيين والمرسلين، صاحب لواء الحمد الذي به يكشف عن البشرية في يوم الدين.
أرسله ربه رحمة للعالمين وهادياً للمتقين وإماماً للصالحين، ومكن له في ربوع الأرض مشارقها ومغاربها ليبلغ هذا الدين، فسارت دعوته إلى جميع الأقطار، وبلغ الدين بإذن ربه ما بلغ الليل والنهار، وما ترك بيت مدرٍ ولا وبر إلا دخلته بعز عزيز أو بذل ذليل، وستبقى طائفة يدافعون عنه وعن شريعته إلى يوم الدين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ولا من تكالب عليهم من الإنس والجن مجتمعين.
واختار له خير صحبة على مر الدهور والعصور والسنين، فأحبوه من كل قلوبهم وقدموه على الأموال والأنفس والبنين، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين وعلى أصحابه الطاهرين الغر الميامين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، أما بعد: فقد صدق الله وصدق رسوله ونحن على ذلك من الشاهدين، قال الله تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]، قال جل في علاه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩]، وقال جل في علاه كاشفاً عن أوصافهم: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩].
فلا تزال الحرب مشتعلة مستعرة بين أهل الطغيان أولياء الشيطان وبين أولياء الرحمن بشتى ألوانها وأنواعها، وتتمثل الحرب الآن في شخص رسولنا الكريم ﷺ ، ولا عجب ولا غرابة في هذا؛ فإن أهل الكفر من اليهود والنصارى قد آذوا موسى ﵇ من قبل ذلك واتهموا يوسف بالزنا، وآذوا عيسى بن مريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فأرادوا قتله وصلبه.
ثم هذه الحرب التي لا هوادة فيها شنوها حرباً ضروساً على سيد الأنبياء والمرسلين، ولذلك كان لزاماً على جميع الأمة صغيرها وكبيرها أن يدفع ذلك بكل ما أوتي من قوة قدر استطاعته فإن الله لا يكلف نفساً إلا ما آتاها، وإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وبسبب هذا الهجوم على هذه الأمة نخصص في هذه الليلة هذه المحاضرة التي نتحدث فيها عن رسولنا الكريم لعل الله أن يتقبلنا جميعاً فيمن ينزل تحت لوائه مدافعاً عن عرضه بأبي هو وأمي.
نخاطب من خلالها الذين تجرءوا على عرض نبينا ﷺ أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ينتمي نسبه إلى عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل الذبيح عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فهو أشرف الناس نسباً وأعظمهم قدراً.
روى مسلم في صحيحه عن واثلة قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى منهم قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم).
سأتكلم بإيجاز في هذه المحاضرة، وأبين لهؤلاء السفهاء مكانة رسول الله ﷺ عند ربنا جل في علاه رب الأرض والسماوات وعند الصحابة الكرام؛ علنا نقتدي بفعلهم وتعظيمهم وتبجيلهم وتوقيرهم لرسول الله ﷺ ، وعلنا لا نفضح يوم القيامة عند المقارنة بين أفعالهم تجاه جناب رسول الله وبين أفعالنا في هذه الأزمنة، ثم نبين مكانة رسول الله ﷺ عند المشركين والكافرين، ثم واجب هذه الأمة نحو رسولها ﷺ .
стр. 310
الرسول يبشر به من قبله من الرسل
إن النبي ﷺ بين أنه دعوة إبراهيم وبشارة عيسى وموسى ورؤيا أمه: أما دعوة إبراهيم فقد حكى لنا الله جل في علاه عنه بقوله عندما دعا ربه ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩].
وأما بشارة موسى وعيسى ففي التوراة والإنجيل ذكره حتى بعد التحريف قال تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
وقال جل في علاه مبينا على لسان عيسى بشارة النبي ﷺ : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف:٦].
وهذا دأب الكافرين، وأحمد من أسماء نبينا ﷺ كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب).
وورد عندهم في التوراة في بعض الأسفار: لقد أضاءت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده.
وهذا فيه ذكر محمد صراحة دون أدنى تحريف ولا تأويل.
وورد في إنجيل لوقا: الحمد لله في الأعالي وعلى الأرض إسلام وللناس أحمد، وأحمد المقصود به هذا النبي العظيم ﷺ .
стр. 311
محمد ﷺ أفضل المرسلين
النبي محمد هو أعظم الرسل مكانة عند ربه جل وعلا، فهو خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وقدوة الصالحين، وسيد الملائكة المبشرين، أعظم الرسل قدراً، وأشرفهم مكاناً، وأعلاهم شأناً، فقد أجمعت الأمة على أن رسل الله جل في علاه هم أفضل الخلق على الإطلاق، والرسل بعد ذلك يتفاضلون فيما بينهم قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣].
وقد فضل الله أولي العزم من الرسل على البقية، وأولي العزم هم: محمد ﷺ بأبي هو وأمي، نسأل الله جل وعلا ألا يفضحنا أمامه يوم القيامة، ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، وقال جل من قائل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣].
وذكرهم بالتصريح في آية أخرى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]، (ومنك) أي: من محمد ﷺ ، وأفضل هؤلاء الخلق على الإطلاق بلا منازع هو رسولنا الكريم ﷺ وهو أكرمهم على ربه جل في علاه.
فقد ذكر الله في كتابه الحكيم كل نبي باسمه دون لقبه، إلا رسول الله مبيناً شرف ومكانة هذا النبي العظيم عند ربه جل في علاه، فليسمع هؤلاء الرعاع كيف يلقبه ربه جل في علاه تعظيماً لمكانته قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٧].
وربنا جل في علاه لم يقسم بحياة نبي قط وهم أشرف الخلق على الإطلاق إلا بحياة رسولنا ﷺ -بأبي هو وأمي- حيث يقول الله جل في علاه: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
ومن الأدلة التي تبين فضل رسول الله على البشر أجمعين وعلى أولي العزم من الرسل أنه ما من معجزة ولا فضيلة ولا عظيمة آتاها الله جل في علاه لنبي من أنبيائه إلا كان الحظ الأوفر والنصيب الأعظم لنبينا ﷺ ، فقد اتخذ الله إبراهيم خليلاً واتخذه كذلك خليلاً، كما في مسلم عن النبي ﷺ قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً).
حتى إنه لما أُسري به أم الأنبياء؛ شرفاً وتعظيماً وتكريماً لهذا النبي الجليل.
وكانت خاصية موسى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وكلم الله كذلك محمداً ﷺ أيضاً كما كلم موسى، وهذه ظاهرة جداً في قصة المعراج عندما عرج به وكلم ربه عندما قال جبريل: هنا لا أستطيع أن أتقدم، فتقدم رسولنا على جبريل، فهو سيد الخلق أجمعين بلا منازعة.
ويكلمه ربه فيفرض عليه خمسين صلاة، وتنزل إلى خمس صلوات كخمسين في الأجر فضلاً من ربنا ورحمة.
وكما أن الله حبا عيسى ﵇ القدرة على أن يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فإن في غزوة بدر قام ابن النعمان ينافح عن رسول الله فسقطت عينه على وجنته فأخذها رسول الله ﷺ فوضعها في مكانها فكانت أصح ما تكون وكانت أفضل العينين لـ قتادة بن النعمان.
وعبد الله بن عتيق كسرت رجله فحمل إلى رسول الله فمسح على رجله فاستقامت رجله فكانت أصح الرجلين له، وهذه فضيلة حباها ربنا لرسوله ﷺ كما أعطاها لعيسى ﵊.
стр. 312
فضائل لم يعطهن نبي قبله
فضل الله نبينا على جميع الرسل، وخصه بست من الفضائل لم يعطَ نبي فضيلة واحدة من هذه الست، وأعظم من هذه الست القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧].
وفضله الله على الأنبياء بأن أعطاه جوامع الكلم، ونصر بالرعب، وأحلت له الغنائم، وقد بين النبي ﷺ هذه الفضائل الست في قوله ﷺ : (فضلت على الناس بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون).
كان كل نبي يرسل إلى قومه خاصة وأرسله الله كرامة له للناس أجمعين، ولذلك صح في البخاري ومسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده! ما يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار).
وقد أوتي النبي ﷺ جوامع الكلم، وذلك أن يجمع الله له بالقول الوجيز المعاني الكثيرة.
فلو تدبر الإنسان قول النبي ﷺ : (قل: آمنت بالله ثم استقم)، وإذا شرح هذا الحديث في مجلدات ما احتملت المجلدات شرح هذا الحديث.
قال: (ونصرت بالرعب) فإن الله جل في علاه -كرامة لهذا النبي العظيم- يلقي في قلوب أعدائه الرعب من مسيرة شهر، قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١]، وقال في آية أخرى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢].
قال: (وأحلت لي الغنائم) وكانت العادة في زمن الأنبياء أن تنزل النار من السماء تأكل هذه الغنائم، فأحلها الله رحمة بهذه الأمة وكرامة لنبي هذه الأمة.
قال: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) جعلت الأرض بأسرها طهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة في أي مكان فلم يجد الماء فله أن يضرب يديه على الأرض ويمسح على وجهه ويديه ويصلي الصلاة في أي مكان مستقبلاً القبلة رحمة من الله بهذه الأمة وكرامة لنبي هذه الأمة.
وهذه الفضيلة المهمة العظيمة قال: (وأرسلت للناس كافة) فإن الله جل وعلا أرسله للناس كافة عربهم وعجمهم أبيضهم وأحمرهم، بل وأرسل النبي ﷺ للثقلين: الإنس والجن، قال تعالى على لسان نبيه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال تعالى حاكياً عن الجن: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣٠ - ٣٢].
وأخيراً هو خاتم الأنبياء فلا نبي بعد رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠].
هذه الكرامات وهذه المكانة العظيمة التي أجلاها الله وصورها في هذه الدنيا إتماماً لهذه الكرامات وإتماماً لتعظيم مكانة رسولنا ﷺ عندما يبعث الله الخلائق يوم الدين، يوم يكون رسولنا الأمين بيده لواء الحمد والأنبياء والمرسلون تحت لوائه كل يكون تابعاً له، قال النبي ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، بيدي لواء الحمد بلا فخر، وما من نبي يومئذٍ -آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أول شافع وأول من يشفع ولا فخر) فعندما يشتد الكرب ويدلهم الخطب وتقترب الشمس من الرءوس يغرق الناس في العرق، ومنهم من يصل عرقه إلى كعبيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وتزلزل القلوب، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، وعندما يعظم الأمر على الناس يستشفعون بالرسل والأنبياء ليشفعوا لهم عند ربهم للقضاء بينهم، وما من نبي إلا ويقول: نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، آدم يحيلهم إلى نوح، ونوح يحيلهم إلى موسى، وموسى يحيلهم إلى عيسى، فيقول عيسى: اذهبوا إلى محمد ﷺ ، إنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيقول النبي الأمين: (أنا لها أنا لها، فيذهب ويخر ساجداً عند العرش، فيحمد الله بمحامد لا يعلمها إلا في ذلك الوقت)، وهذه خصيصة لرسولنا ﷺ كرامة وتعظيماً وتشريفاً لنبينا.
يقول: (فأحمد الله بمحامد فيقال: يا محمد سل تعط، واشفع تشفع) -بأبي هو وأمي- هذه مكانته عند ربه جل في علاه، فهلا علم هؤلاء السفهاء كيف مكانة هذا الرسول العظيم عند ربه جل في علاه؟!
стр. 313
مكانة النبي ﷺ عند الصحابة
انظروا كيف كان الصحابة الكرام يضحي كل واحد منهم بنفسه وحياته وماله فداءً لرسول الله ﷺ .
إليكم نبأ هؤلاء الأخيار ماذا فعلوا مع رسولهم ﷺ ، والصحابة هم أفضل البشر على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، وأحسن الناس خلقاً، وأكثرهم علماً، وأبرهم قلوباً، ومن عظيم فضلهم رؤيتهم لسيد المرسلين، وأهم مناقبهم رؤية وجه النبي الكريم.
فكان أحدهم من شدة تعظيمه له لا يستطيع أن يديم بصره إلى وجه النبي الكريم، مع أن النظر إلى وجه النبي الكريم ﷺ من أعظم المناقب كما سلف وذكرنا.
قال عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه واصفاً إسلامه: أتيت النبي وكان أبغض الناس إلي، فلما أسلمت كان النبي ﷺ أحب الناس إليّ، وكان من شدة تعظيمه له لا يستطيع أن يرفع بصره إليه، ولو طُلب منه أن يصف النبي ﷺ ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فما كان يستطيع النظر في وجه النبي ﷺ تعظيماً وتشريفاً وتكريماً للنبي ﷺ ، ومهابة لرسول الله ﷺ ، فكانوا يحبونه من كل قلوبهم، ويفدونه بكل غالٍ وثمين، ويقدمون النبي ﷺ على كل شيء، ويضعون نصب أعينهم قول ربهم جل في علاه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، ويقدمون قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
وصح عن نبينا ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) وهذا الحديث يتوقف عنده كل واحد منا ويخلو بربه ويخلو بنفسه، بعدما سمع ورأى الحرب الضروس على نبينا، والاستهتار بجلاله والخفض من مكانة النبي ﷺ ويسأل نفسه: هل رسول الله أحب إلى أحدنا من نفسه ومن والده ومن ولده ومن الناس أجمعين؟ الإجابة تفصل لك الإيمان ومكانتك عند ربك جل في علاه، لو أنك وقفت موقفاً ورأيت رجلاً سفيهاً قد علا صوته واشتد خطبه عليك وسبك وسب أباك وأمك ومن تعرف، فكيف سيكون موقفك؟ حبك لأبيك يدفعك للرد فكيف برسول الله ﷺ ؟! فكل منا يقف وقفة مع نفسه ويقول: إن النبي أناط الإيمان بأن أقدمه على نفسي وعلى أبي وعلى أمي وعلى كل شيء، فهل كل منا قدم رسول الله ﷺ على كل شيء؟ الإجابة عندكم، وكل منا سيضع الدرجة التي يكون فيها ومكانته عند ربه جل في علاه لقول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين).
وقد أظهرت لنا المواقف الرائعة مكانة رسول الأنام عند صحبه الذين برأهم ربهم من درن كثير من الآثام، وإجمالاً سنحكي لكم حالهم مع رسول الله ثم يأتي بعد الإجمال التفصيل.
كانوا جميعاً عند رسول الله ﷺ يتمنى أحدهم حمل نعله والآخر يحمل وسادته، وإذا توضأ تزاحموا على فضل وضوئه، وإذا تنخم مسحوا بما تنخم به جلودهم تبركاً بالنبي ﷺ .
وهذا عروة بن مسعود الثقفي يحكي لنا كيف كان وضع النبي ﷺ بين أصحابه الكرام قال: لقد وفدت على الملوك وعلى قيصر وعلى كسرى والنجاشي والله! ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله! ما تنخم نخامة ووقعت في كف رجل منهم إلا دلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون إليه النظر تعظيماً له ومهابة له.
ويقول أنس ﵁ وأرضاه: ما فرح أصحاب محمد بشيء أشد من فرحهم بقوله ﷺ : (المرء مع من يحب) وكلهم يحب النبي ﷺ ويتمنون مرافقة رسولهم ﷺ في الدنيا وفي الآخرة.
ولذلك لما قدم مولى رسول الله الوضوء لرسول الله قال له النبي ﷺ مكافأة: (تمن علي، فقال له مولاه: أتمنى مرافقتك في الجنة.
فقال: أوغير ذلك؟ قال: هو ذلك) ما عندي إلا ذلك، الدنيا بأسرها لا تساوي دقيقة واحدة بالنظر في وجه النبي ﷺ ، اللهم! لا تسقطنا من هذه المكانة أبداً، اللهم! اجمعنا معه في الفردوس الأعلى يا رب العالمين، فقال له النبي ﷺ : (فأعني على نفسك بكثرة السجود)، هذا إجمال حالهم مع رسول الله.
أما تفصيلاً: فهذا أبو بكر خير الناس بعد النبيين والمرسلين لقول النبي ﷺ : (ما طلعت الشمس على مثل النبيين والمرسلين مثلما طلعت على أبي بكر)، ﵁ وأرضاه قد فدى رسول الله ﷺ بأهله وماله، وقال النبي ﷺ : (كنتم تقولون: كذب ويقول: صدق، سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، واساني بأهله وماله)، لما هاجر مع رسول الله ﷺ كان يتذكر العدو من الأمام فيأتي أمام النبي ﷺ خوفاً على حياة رسول الله ﷺ ، حياته لا تساوي شيئاً أمام حياة النبي ﷺ ، ثم يتذكر الطلب من قريش فيأتي خلف النبي ﷺ ، ثم يأتي يميناً ثم يأتي يساراً! كان الصحابة حين يجلسون مع رسول الله أو حين يرون طعامه أو شرابه أو نومه يتأدبون بأدب جم مع هذا النبي الكريم كما في الحديث: (كنا نسير أمام رسول الله ﷺ ونترك ظهره للملائكة)، ويصف لنا أحد الصحابة الكرام مجلسه قال: كنا في مجلس رسول الله ﷺ كأن على رءوسنا الطير! هيبة وتعظيماً لمجلس رسول الله ﷺ .
ولا غرو ولا عجب فقد تأدب بأدبهم التابعون وفعل ذلك الذين تبعهم بإحسان، فيذكر أهل السير من مناقب مالك أنه كان ما يجلس مجلس التحديث ليروي حديثاً عن النبي ﷺ حتى يغتسل ويتطيب، وكان الناس يرونه يمشي في المدينة حافياً فيسألونه: لم تفعل ذلك؟ فكان يقول: تعظيماً لرسول الله ﷺ .
بل فوق ذلك كان شغوفاً بالعلم، لكن كان إذا جلس ليكتب حديث النبي ﷺ يعلوه الوقار والسكينة، وفي ذات مرة في مجلس التحديث تزاحم الناس على ربيعة شيخ الإمام مالك فما وجد مكاناً ليجلس ويكتب الحديث، فكان قائماً والناس يكتبون، ومالك لا يكتب فعلتهم الدهشة! فسألوه: لم لا تكتب حديث النبي ﷺ ؟! فقال: كنت قائماً فعظمت حديث النبي أن أكتبه وأنا قائم، فلا بد من الجلوس والتعظيم والتبجيل والتوقير لمجلس رسول الله ﷺ في حياته وبعد مماته.
علت أصوات الصحابة أبو بكر وعمر أمام رسول الله ﷺ في ذات مرة فنهاهم الله عن ذلك وردهم رداً رادعاً زاجراً، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فيبكي عمر ويبكي أبو بكر ويقولان: حبطت الأعمال، فكانوا يجلسون مجلس النبي ﷺ يخاف أحدهم أن يتنفس النفس وله صوت عند رسول الله ﷺ فينزل تحت طائلة هذه الآية العظيمة! ومن أدبهم مع رسولنا الكريم أنهم كانوا يطرقون بابه بالأظافر خوفاً وهيبة وتعظيماً لهذا الرسول العظيم الذي عظمه ربه جل في علاه.
وهذا ابن عمر ﵁ وأرضاه في أسفاره كان يتلمس أي مكان ينزل فيه الرسول فينزل في هذا المكان، يضع القدم على القدم، ويقول: ليت القدم يكون على قدم رسول الله ﷺ ، حتى سأل الصحابة: أين كان يبول رسول الله ﷺ ؟ فيذهب فيبول في المكان الذي بال رسول الله ﷺ فيه! وجاء رجل من أهل اليمن إلى ابن عمر يسأله عن حج النبي ﷺ وطواف النبي ﷺ بالبيت فقال: (كان رسول الله ﷺ أول ما يبتدئ بالوضوء يتوضأ ويدخل إلى البيت فيذهب إلى الحجر الأسود فيقبله، فقال اليمني: أرأيت يا ابن عمر إن دفعوني، يقول: رأيت رسول الله يقبل الحجر، يقول: يا ابن عمر أرأيت إن زاحموني، يقول: رأيت رسول الله يقبل الحجر، اقتداء واحتذاء برسولنا الكريم ﷺ ، فقال له: أرأيت يا ابن عمر! لو قتلوني، فقال: اجعل أرأيت في اليمن، قد رأيت رسول الله يقبل الحجر)، حتى ذكر عن ابن عمر أنه كان يقف ليقترب من الحجر فيدفعونه حتى يرعف وينزل الدم من أنفه ومن وجهه ولا يتحرك حتى يقبل الحجر ويقول: (رأيت رسول الله يقبل الحجر)، ولا غرب ولا عجب، فأبوه كان يأتي إلى الحجر الأسود ويقبله ويقول: (والذي نفسي بيده! قد علمت أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك).
وهذا أنس كان لا يحب الدباء، قال: (جلست مجلساً مع رسول الله ﷺ وكانت الدبا على المائدة، ورسول الله يتتبع الدباء في الصحفة، فأصبحت أحب الدباء منذ رأيت رسول الله ﷺ يحب أكل الدبا).
وأبي بن كعب ﵁ وأرضاه فضيلته مشهورة معروفة، فإن النبي ﷺ صلى بالناس فنسي آية فما رد عليه أحد، فلما سلم قال: (أفي القوم أبي؟ فقال: هأنذا يا رسول الله! فقال: لم لم ترد علي؟ فقال: خشيت أو استحي
стр. 314
شهادات من أهل الكفر للنبي الكريم
هذا رسولنا ﷺ لم تقف مكانته العظيمة عند المسلمين، والحق ما شهدت به الأعداء، فإن الله جل في علاه جعل لرسوله العظيم المكانة العظيمة والمهابة الخالدة عند عقلاء الكافرين، وهذا الذي جر كثير من أهل الكفر للدخول في الإسلام.
فهذا عروة بن مسعود الثقفي يصف لنا رسول الله ﷺ بعظمته وهيبته فيقول للقوم: ما رأيت أحداً يعظمه أصحابه مثلما رأيت من أصحاب محمد يعظمونه، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
ومن مكانته عند هرقل عظيم الروم أنه قال -عندما جاءه كتاب رسول الله- مبيناً عظمة رسولنا ﷺ ، وهو منهم: إني كنت أعلم بخروجه، ولم أكن أظن أنه منكم -أي من العرب-، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه تعظيماً وتبجيلاً لرسول الله ﷺ ! فما بالنا لا نعظم رسولنا؟! فما بالنا لا نعرف له حقه؟! فما بالنا لا نعرف قدره؟! وأبو جهل كان أشد الناس عداوة وضراوة على رسول الله ﷺ ، وأشد الناس تهكماً على رسول الله ﷺ ، لكنه في الخلوات كان يعرف قدره ويعرف عظمة رسول الله ﷺ ، يقول لصاحبه: إني والله! لأعلم أنه صادق! وعبد الله بن سلام كان منصفاً من اليهود يعلم عظم قدر رسول الله، وكان يقرأ صفاته، فلما رأى الصفات متجلية أمامه دخل في الإسلام لعظمة صفات النبي ﷺ فلما دخل الإسلام قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت فلا تخبرهم بإسلامي، فدخل عليهم رسول الله فسألهم: كيف فيكم عبد الله بن سلام؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، سيدنا وابن سيدنا، حبرنا وابن حبرنا، فقال: كيف إذا أسلم؟ قالوا: لا والله! لا يسلم أبداً، فدخل عبد الله بن سلام يبين عظمة رسول الله ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فقالوا: حقيرنا وابن حقيرنا بغيضنا وابن بغيضنا، فانقلبوا رأساً على عقب! والغرض المقصود أنه علم مكانة الرسول فسارع بالدخول إلى الإسلام.
стр. 315
أنوار من شخصية الرسول الكريم
إليكم أنوار من سمات شخصية رسولنا الكريم التي جرت الكافرين للإسلام: كان النبي ﷺ أعلم الناس بالله وأخشاهم وأتقاهم.
كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه.
كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم، وفي هذه عبادة وتلك عبادة.
كان يتغلب على الجوع بالصوم.
كان كريماً شهماً يحمل الكل ويعين على المصائب والنوائب.
جاءه رجل يسأله فأعطاه وادياً من الغنم، فذهب سفيراً إلى قومه فقال: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
وحسن جواره وتعامله مع أهل الكفر أثر فيهم فدخلوا الإسلام، وأنقذهم الله بحسن خلقه من النار، ذهب النبي ﷺ بحسن خلقه ليعود مريضاً يهودياً فلما ذهب إليه النبي ﷺ وقف عند رأسه فقال: يا غلام! أسلم تسلم، فدخل أبوه اليهودي فقال للغلام: أطع أبا القاسم، فقال الولد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فخرج النبي فرحاً يقول: (الحمد لله الذي أنقذه الله بي من النار)، وهذا من فرط رحمة النبي ﷺ بالناس أجمعين، وما أرسله الله إلا رحمة للعالمين، حتى قال تعالى له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] (باخع) أي: قاتل.
стр. 316
واجب الأمة نحو رسولها
ختاماً: ما هو واجب الأمة نحو هذا الرسول العظيم الذي عظمه ربه وكرمه وشرفه، وعظمة الصحابة الكرام والتابعون من بعدهم؟ إن هذه الأمة لما استهانت بنبيها ﷺ باستهانتها لسنته جعلت في الخلف ظهرياً، وعندما أصبحت تعيب على أصحاب السنن وتستهين بهم، بل وتستهين بعلمائها الذين هم حملة الدين وورثة النبي ﷺ ؛ هانوا عند ربهم بأفعالهم؛ لأنهم حاربوا السنن بقدر استطاعتهم.
فعلى هذه الأمة أن تستيقظ من سباتها، وتستفيق من غفوتها، وترجع إلى تعظيم نبيها ﷺ ، وتعظيم سنته، والعمل بها ونشرها بين الناس، فإذا رأى أهل الكفر أن هذه الأمة تعظم نبيها بتعظيم سنته عظموه وهابوا مكانته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٨ - ٩] وتعظيم النبي وتعظيم سنته وتحكيم شريعته يكون في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل دقيقة؛ ونشر ذلك في كل مكان: على الإنترنت، على الفضائيات، على المذياع، على كل شيء.
لا تسكت أنت تستطيع أن تحول أمة بأسرها إن كنت مخلصاً، فلحظة صدق واحدة مع الله لنصرة النبي ﷺ تنقلب الدنيا بأسرها لتناصر رسول الله ﷺ .
انظروا إلى أم إسماعيل لحظة صدق واحدة صدقت فيها مع ربها جل في علاه فحباها الله زمزم عيناً معيناً إلى يوم القيامة بلحظة واحدة.
ولا بد من النصح لأصحاب الفضائيات وغير هؤلاء بوقفهم الهجوم الضاري على سنن النبي ﷺ ، ويناصح الذين يقولون: إن البخاري أحاديثه موضوعة، ومسلم أحاديثه ضعيفة! علينا أن نناصح هؤلاء القوم بأن نقول: إن سنة النبي فوق الرءوس، فهو قدوتنا وأسوتنا، ولن نرتقي ولن نمكن ولن نرتفع إلا بتعظيم النبي ﷺ بتعظيم سنته.
ألخص النقاط التي يجب علينا فعلها ونسأل الله أن نفعلها جميعاً: أولا: التوبة إلى الله: فإن سب الرسول من أردئ وأشد البلايا على هذه الأمم؛ لأن الله يغربل البشر، فإن سب الرسول فيه غربلة لنا، وإن رسول الله جنابه محفوظ، ومكانته عند ربه محفوظة، والمعني بذلك نحن، وإن الله يختبرنا وينظر إلى قلوبنا ويكشف عنا، هل نصدق معه؟ هل نحب رسول الله حقاً؟ هل نتمسك بسنته حقاً أم لا؟ فلا بد من التوبة الصادقة على تفريطنا في دين الله جل في علاه، وعلى تفريطنا في عدم التمسك بسنة النبي ﷺ ، فإن هذا بلاء، وإن البلاء لا ينزل إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة.
ثانياً: نشر فضائله في كل الأقطار، فعليك أن تنشر فضل نبيك ﷺ وأن تعرف رحمته وتعرف سماحته وكرمه وشجاعته وعلمه وتقواه وورعه، وأن تنشر ذلك في كل مكان: في عملك في دكانك في بستانك في أسرتك، علم أولادك حب رسول الله وحب آل بيت رسول الله وتعظيم رسول الله وتعظيم صحابة رسول الله، كما قال عبد الله بن المبارك: إن تعليم الأولاد حب صحابة رسول الله من دين الله جل في علاه فكيف بحب رسول الله ﷺ ؟! ثالثاً: التمسك بهذه السنن والعمل بها وتعظيمها وتعظيم من يعمل بها، ولن يتم ذلك إلا بطلب العلم، فلا يمكن أن تعظم سنة النبي إلا أن تعلمها، وكيف تعلمها وأنت على سريرك؟ وكيف تتعلمها وأنت أمام الفضائيات؟ فهم لا يشرحون لك الكتب العلمية، ولا يعلمونك كيف كان يستنبط العلماء كلام النبي ﷺ ، ولن تتعلم سنة النبي إلا بالعلم، ولن تفوز ولن ترتقي إلا بذلك، وقد قرأت كلام بعض العلماء المعاصرين قال: من أراد التمكين والرفعة لهذه الأمة والرجوع إلى الازدهار الأول وجب عليه التفريق بين القراء وبين العلماء، وبين العلماء والخطباء، لا بد أن تفرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن الأمة لم ترتق إلا بعلمائها، وكل القراء والخطباء والعظماء والمثقفون لابد أن ينزلوا تحت لواء العلماء، وخلفهم؛ لأن هؤلاء كلهم خلف رسول الله، ورسول الله يحمل لواءه العلماء، فعليك أن تعلم أنك لن تنشر سنة نبيك إلا بالعلم، ولن ترتقي إلا بتعلم سنة النبي حتى تنصرها وحتى تنشرها بين الناس.
رابعاً: الولاء التام للنبي ﷺ بكل ما تستطيع، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، بالقلم فتكتب عن رسولنا العظيم، ولن تبرأ ذمتك أمام ربك جل في علاه حتى تضرب بسهم في نصرة رسول الله وعرض رسول الله ﷺ .
خامساً: حث الناس على مقاطعة كل ما يأتي من قبل هؤلاء، أنا ما كنت أقول بالمقاطعة في السابق حتى عارضين بعض طلبة أهل العلم، فقلت بذلك نظراً للمصالح في هذه المسألة، فهذا عرض رسول الله هذا جناب رسول الله، فكيف نرضى بالدرهم والدينار ليهدم عرض رسول الله؟ لو قمنا بهذه المقاطعات هل سيحدث الفقر؟! وإذا حدث فلنمت على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه﴾ [التوبة:٢٨].
سادساً: لا بد من الوقفة الصحيحة الصادقة مع النفس، فكل واحد يقول: هل نصرت رسول الله أم لا؟ وهذه تكفيك، والإجابة عندكم وليست عندي.
سابعاً وأخيراً: الهمة في دعوة غير المسلمين، أنت الآن لا تستطع أن تفعل لهم شيئاً، ولكن تستطيع أن تدعوهم، فالنبي ﷺ ما قاتل الكفار من أجل القتال ولا من أجل إسالة الدماء ولكن قاتل من أجل نشر الدعوة والتوحيد، فنحن نقول الآن: أنت تستطيع أن تدعوهم إلى الإسلام، فلا بد من الهمة العالية في دعوة غير المسلمين إلى الدخول في هذا الدين؛ لأن هذا من حق نبينا عليك، ومن نصرة النبي أن تفعل ما أمرك به، فمن حق نبينا علينا أن نبلغ عنه ولو آية، كما قال ﷺ : (بلغوا عني ولو آية)، وقال ﵊: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).
وحتى لا يصل الإسلام مشوهاً إلى هؤلاء الذين يقولون عنا: قتلة، ويسيلون الدماء، ويفعلون كذا، فلا بد عليك من أن تتعلم العلم وتنشره بين الناس وتدعو إلى ربك على غرار قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، وبقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل ربي الكريم أن يلهمني الإخلاص، وأن يبرئ ساحتي أمام رسول الله ﷺ ، وألا أكون مقصراً في حقه إلى يوم الدين.
стр. 317
هل ينسب الشر لله ؟
القدر سر الله في الكون، والعبد مكلف بالتسليم لأقدار الله وحكمه فحسب، فالله يخلق ما يشاء ويقدر ما يشاء لا اعتراض على حكمه ولا شقاق لأمره، أفعاله كلها كمال كأسمائه وصفاته، ولا عبث فيما خلق، فكل مخلوق خلق لحكمة جهلها من حجب الله عنه نور علمه، وعلمها من هداه الله لنور حكمته، وعظيم تقديره وصنعه، ومع ذلك فالعبد عاجز عن إدراك حكمة الله في كل دقائق محيطه، والله من رحمته قد جلى له حكماً تنير سبيل تسليمه لربه.
стр. 318
مقدمات ضرورية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فسنتكلم في هذا البحث عن مسألة طرحت وتطرح وينظر ويدقق النظر فيها، وهي مسألة نسبة الشر إلى الله، فهل ينسب الشر لله جل في علاه أم لا؟ وهذه مسألة عويصة تكلم فيها من لا علم له فيها فأفسد، وتكلم فيها من أتقن فيها فأجاد، ولا بد في هذه المسألة من نظر أولي بتأصيل علم معين.
ومن هذا التأصيل أن نقول: الشر مثل: الزنا، والسرقة، والكذب، والخداع، والغش، هل هو من خلق الله؟ والسؤال الثاني المطروح: هل يحب الله هذه الشرور؟ وهل كل ما خلقه الله يحبه؟ فهذا سؤالان مطروحان لابد من الإجابة عنهما.
والإجابة عن هذه الأسئلة تأتي بعد التأصيل الذي سيريح طالب العلم، وهو كالتالي: الأصل الأول: إن الله جل في علاه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وله الكمال المطلق، فله الكمال في أسمائه الحسنى، وله الكمال في صفاته العلى، وله الكمال في أفعاله، فلا يمكن أن ينتج عن فعل الله إلا الكمال.
وهذا التأصيل هو الذي يجب أن تعتقده أولاً.
الأمر الثاني الذي يجب أن تعتقده: أن الله جل في علاه لم يخلق خلقاً ولم يفعل فعلاً إلا وهو نابع عن حكمة وعلم، فالله جل في علاه هو أعلم العالمين، وهو أحكم الحاكمين، فما خلق شيئاً إلا لحكمة، وما فعل شيئاً إلا لحكمة، وستدرك فائدة هذه المسألة حين تعلم أن الله ما قدر قدراً، سواء كان يسراً أو عسراً إلا لحكمة بالغة.
التأصيل الثاني يتناول الشرور وهو: شر الزنا وشر السرقة وشر الغش هل هذه شرور محضة؟ وهل الشر فيها شر محض أم أنه نسبي إضافي؟ وهذا تأصيل ثانٍ لابد لطالب العلم أن يتقنه.
فينبغي أن يعلم أن الشرور قسمان: القسم الأول: شر محض مطلق لا خير فيه بوجه من الوجوه، وهذا القسم من الشر لا وجود له بحال من الأحوال، فلم يخلق الله شراً محضاً.
القسم الثاني: شر نسبي إضافي، يكون من وجه شر ومن وجه آخر خير، أو من وجوه أخرى خير، ومثال ذلك: قطع يد السارق فهو شر بالنسبة له؛ لأنه فقد عضواً من أعضائه التي كان من الممكن أن يعينه ويساعده على الحياة، وهو ليس بشر محض، بل هو خير من وجوه أخر منها قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، فكل سارق سيحدث له القطع الزجر الشديد، ويكون رادعاً له فلا يسرق، فيأمن الناس على بيوتهم وأموالهم وأعراضهم، وكل هذه خيرات من قطع يد السارق.
بل فوق ذلك أن هذا الشر الذي لحق بالسارق فيه خير له، وهو أن قطع اليد كفارة لما فعل، فلا يسأل عن السرقة يوم القيامة عند الله جل في علاه، والدليل على ذلك: (أن النبي ﷺ عندما جاءته المرأة فقالت: إني حبلى من الزنا فطهرني، فأمر برجمها، فلما رجمت تناثر الدم على وجه خالد فقال خالد: لعنة الله عليك، فقال النبي ﷺ : لا تسبها فإنها تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم).
ووجه الدلالة أن النبي ﷺ قد أقرها على قولها: طهرني، فيستفاد من ذلك أن إقامة الحد طهارة من الذنوب، وإذا طهرت من الذنب فلا تسأل عنه يوم القيامة بحال من الأحوال، وهذا وجه الدلالة الأول.
وهناك وجه ثان في قول النبي ﷺ : (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوستعهم)، وهو أن التوبة تجب ما قبلها، ومعلوم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويؤيده حديث (من تاب تاب الله عليه)، وإن كان فيه ضعف.
فدل ذلك على أن إقامة الحد فيه خير كبير للسارق.
وقد يظن أن إبليس شر محض، فهو صاحب الغواية والوسوسة، وهو الذي ألزم نفسه وأقسم بربنا جل في علاه أنه يزين لأهل الأرض حتى يدخلهم نار جهنم، وهو شر ليس بعده شر، ومع ذلك خلقه الله جل في علاه، وهنا لا ينبغي أن تقول: رضية ولا تقول: أراده بل تقول: شاءه الله، أي: قدره كوناً، ومع ذلك فهو شر نسبي إضافي.
فما الخير الذي يأتي من ورائه إذا قلنا: إنه ليس بشر محض؟ هو شر من وجه ومن وجوه أخرى فيه خيرات، فهل هناك خيرات تأتي من الشيطان؟ كيف وقد لعنه الله حيث قال: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨]؟ كيف والشر كله في إبليس غواية، ووسوسة، وقتل، وتفريق بين الزوجين، وسحر، وغير ذلك؟! نعم، كل هذه شرور من الشيطان، لكن فيه خير، بل خيرات، فمنها مغفرة الذنوب، ومنها التمييز إذ بالشيطان يحدث التمايز، وهذه حكمة بليغة من الله جل في علاه؛ لأن الله من حكمته أنه يضع الشيء في موضعه، ومعلوم أن الشرع يأتي فيفرق بين المختلفين ويسوي بين المتماثلين، وأصل هذه التقعيدات قول الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٣ - ١٥٤].
فلولا أن الشيطان موجود، يوسوس لهذا ويوسوس للآخر، ويجعل هذا يزل وهذا يزني وهذا يسرق، لادّعى كل إنسان الخير والصلاح.
وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك كل سيدعي أنه من أهل الخير، فالتميز حاصل بالوسوسة التي تمحص المؤمن من الكافر، وتميز المسلم من الفاسق والبر من الفاجر.
إذاً: الأصل الثاني: لم يخلق الله جل في علاه شراً محضاً، وهنا قد يقول قائل: إنك أصلت أصلاً أولاً قد رجع عليك بالنقد إذ إنك قلت: كل أفعال الله كمال، خالية من الشر وقد أقررت هنا بالشرور! والجواب على ذلك أن نقول: إن الشر في مفعولات الله وليس في أفعال الله، بمعنى: الشر في الأثر وليس في الأصل، فخلق الله لإبليس كمال محض، من حيث إنه خلق، أما إبليس نفسه ففيه شر، فيعلم أن فعل الله كمال والشر في المفعول وليس في الفعل.
ويفسر هذا قول النبي ﷺ : (وأعوذ بك من شر ما قضيت)، فالشر في المقضي فحسب، فدل على أن الشر في المفعولات وليس في الأفعال.
стр. 319
الأدب في نسبة المفعولات إلى الله
من الشرور الزنا والسرقة والقتل والغدر، فهل تنسب هذه الشرور إلى الله؟ الإجابة على ذلك أن نقول: سنقر بهذا لكن بقيد وشرط، ونثبت هذا على التقييد لا على الإطلاق، أو نقول: على التضمين وليس على التصريح، فلنا ثلاثة أمور نقر فيها بأن الله خلق الشر: الأمر الأول: أن نجعل هذه الشرور تندرج تحت الأصل العام، فلو قيل: أخلق الله الزنا؟ أخلق الله القتل؟ أخلق خلق الله السرقة؟ نقول: الله خالق كل شيء؛ إذ إنه من سوء الأدب أن تقول: خلق الله الزنا، أو خلق الله هذا الفحش من الكلام، فمع أن الله خلقه، لكن نقول: هذا الشر في المفعول وليس في الفاعل، فتدرجه تحت الأصل العام ألا وهو: الله خالق كل شيء.
الأمر الثاني: أن تنسب هذا الشر للإنسان وكسبه، فالإنسان هو الذي زنى، وهو الذي سرق، وهو الذي قطع، وهو الذي تكلم بفحش الكلام، وقد قال الله تعالى حاكياً عن الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٨٠] فمع أن المرض خلقه الله، إلا أنه نسب المرض لنفسه؛ ولذا يصح أن تقول: الزاني فلان، أو السارق فلان.
وفي الحديث أن عائشة ﵂ وأرضاها لما دخل اليهود وقالوا: يا رسول الله! السام عليك، فقالت عائشة: وعليكم السام، ثم قالوا: السام عليكم مرة ثانية ثم ثالثاً فقالت عائشة: وعليكم السام والموت يا إخوة القردة والخنازير، فلما قالت ذلك قال لها النبي ﷺ : (يا عائشة! قد رددنا عليهم، إن الله لا يحب الفاحش البذيء)، فنسب السب للمكلف، فلك أن تنسب الشر لفاعله.
وسبق في مبحث الأسماء والصفات أننا عندما نتحدث عن صفات الكمال ينبغي أن نتحدث عنها بتفصيل فنقول: الله خالق، الله رازق، الله معطي، الله محب، الله ينزل، وعند التحدث عن الصفات السلبية التي هي صفات النقص نتحدث عنها بإجمال، وقد ضرب صاحب شرح الطحاوية مثلاً لذلك فقال: لو دخل رجل على ملك موقر فقال له: أنت ليس في الكون مثلك، أنت لست بزبال ولست بكناس ولست بزان وأمك ليست بعاهرة، ولا أبوك بسارق، فلا شك أنه سيقطع رأسه في الحال؛ لأنه سيء الأدب.
وهكذا عند نسبة الشر لله جل في علاه نقول: إنه يندرج تحت القاعدة العامة أو الأصل العام: الله خالق كل شيء، والثاني: أن ننسب لفاعل الشر فعل الشر، وهذا مستقى من قول إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠].
ومع ذلك لا بد أن يعلم أن نسبة الشر لفاعله ليس على الإطلاق، بل ننسبه لفاعله كسباً وننسبه لله خلقاً وإيجاداً، فإن قال لك قائل: خلق الله الزنا؟ خلق الله الفحش؟ فقل: هذا زان، هذا فاحش، وإذا شئت التفصيل فقل: هذا زان كسباً، ولكن الله جل وعلا خلق كل شيء.
الأمر الثالث: عند نسبة الشر لله جل في علاه ينبغي أن تبني بالمفعول، فلا تصرح بنسبة الشر لله، وهذا علمناه من فقهاء الجن، حيث قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] فهم عندما تحدثوا عن الكمالات نسبوها صريحة لله جل في علاه، وعندما تحدثوا عن الشرور بنوا للمفعول فقالوا: أريد بهم شراً ولم يقولوا: الله أراد بهم شراً.
стр. 320
مسائل في القدر
إن أول ما خلق الله من المخلوقات القلم كما ورد في الحديث: (أولُ ما خلق الله القلم - أو: أولَ ما خلق الله القلم- ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء إلى يوم القيامة)، فالله قد كتب كل شيء، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما في مسند أحمد قال: (إن النبي ﷺ خرج ومعه كتاب في يمينه فقال: فرغ ربكم من العباد، فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، قال: فختم عليهم بأسمائهم وأسماء ذرياتهم وأسماء آبائهم، وكتاب آخر في شمال النبي ﷺ فقال: وهؤلاء في النار ولا أبالي، ختم عليهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وذرياتهم) فانتهى الأمر، والله أعلم بما كانوا عاملين.
следующие страницы →