جدول (٦) توصيفي يوضح عمل ماكينة الصراف الآلي عند إدخال البطاقة فيه
ماكينة الصراف الآلي ... العميل
стр. 142
ثانياً: استخدام بطاقة الصراف الآلي كوسيلة دفع في نقاط البيع
الطرفية (Point of Sale) المختصرة بـ (P.O.S):
قبل الكلام عن هذا النظام يجدر بنا أولاً التوقف حول ماهية (١) هذه الآلة ومن ثم نتعرف على الخطوات المتبعة للدفع من خلالها.
عُرِّفت وحدة الاتصال الطرفية بأنها:
آلة إلكترونية تمرر بها البطاقة فيتم قراءة بياناتها من خلال الشريط الممغنط خلف البطاقة، وتتصل تلقائياً عن طريق خط هاتفي، بالبنك للحصول على موافقة بتنفيذ العملية، وتعطي رقماً لهذه الموافقة، أو ترفض تنفيذ العملية وتعطي أيضاً رقماً للرفض. (٢)
وتوزع هذه المكائن لدى (التجار) ومحلات البيع والأسواق ومختلف القطاعات التي ترغب بقبول الدفع عن طريق أنواع عدة من البطاقات الائتمانية، وغير الائتمانية.
وتعتبر نقاط البيع (Point of Sale)، والمعروفة اختصاراً بـ (P.O.S) هي الخيار الآخر للزبون كي يقوم بدفع ثمن السلعة أو الخدمة التي يحصل عليها، بدلاً من الدفع النقدي عن طريق البطاقة التي يحملها معه، وتكون هذه المكائن مربوطة على الشبكة المالية العالمية بحيث أنها تقبل بطاقة الزبون
стр. 143
ومن أي مكان بالعالم وقد أُصدرت هذه الآلة على شرط أنها تحمل علامة الشركة.
وبمجرد ما تقوم الماكينة بالموافقة على قبول الدفع؛ فان التاجر أصبح ضامناً لأمواله من قبل الشركة العالمية.
وهي ببساطتها كجهاز الهاتف تربط على خط الهاتف العادي، أو تربط على خط الهاتف النقال؛ مما يؤمن لها الاتصال مع الشبكة العالمية، وتستطيع أن تقوم بعملية البيع بفترة لا تتجاوز ستة ثواني.
كما أنها يومياً تُعطي التاجر تقريراً عن عمليات البيع التي أُجريت عليها ومجموع المبالغ المستحصلة.
كيف يستطيع التاجر الحصول على أمواله؟
كل المبالغ المستحصلة على هذه الآلة تكون مضمونة من قبل الشركة التي تحمل البطاقة علامتها؛ وتُحوِّل الأموال إلى حساب التاجر في البنك الذي يختاره، أو يطلب التاجر أن يسلم أمواله على شكل شيك مصدَّق صادر من الشركة، وهذا النظام معتمد في كل دول العالم.
الفائدة المرجوة للتاجر من استخدام مكائن البيع الطرفية (P.O.S)
- الأمان الأكيد فلا يحتفظ التاجر بالنقد (السائل) في مكائن البيع.
- تُحوَّل الأموال إلى الحساب المصرفي للتاجر مباشرة مما يوفِر عليه الجهد والوقت معاً.
- الإيداع ونقل الأموال.
- تقديم خدمة إضافية للزبائن مما يساعد في المنافسة.
стр. 144
- زيادة المبيعات حيث إن الزبون يشتري بالبطاقة أكثر مما يشتري بالنقد (السائل) (١).
- تُقبل بطاقات من كافة أنحاء العالم، ومن مختلف الزبائن.
- يسهل على التاجر ضبط حساباته والدخل اليومي لمبيعاته.
- يُلغى الغش من قبل الموظفين، ويُبعد النقد عن التداول داخل محل التاجر (٢).
- يُلغى مشاكل العملة سواء كانت التالفة أو المزيفة.
الخطوات العملية للشِّراء عبر هذا النظام (P.O.S) (٣):
١ - يتقدم حامل البطاقة بطلب سعلة معينة من المتجر الذي يملك هذا النظام.
٢ - يُظهر حامل البطاقة رغبته بالدفع عن طريق وحدة البيع الطرفية، (P.O.S)، للتاجر المالك لهذا النظام.
٣ - يقوم التاجر بعد التأكد من صلاحية البطاقة وكتابة المبلغ المطلوب (قيمة السلعة)، بتمريرها على ماكينة (P.O.S) وفي هذه الحالة إن كانت البطاقة بطاقة صراف آلي، فإن الأمر يتطلب إدخال رقم التعرفة
стр. 145
الشخصي (PIN) وبعدها تتصل الماكينة مباشرة ببنك التاجر، بعد إدخال بيانات العملية للحصول على تفويض بالموافقة أو الرفض.
٤ - في حالة القبول تظهر رسالة القبول على الجهاز على التقرير وهو عبارة عن شريط ورقي من نسختين، ويقوم الجهاز بإخراجه، موضحاً فيه كافة تفاصيل العملية، وأرقامها، وتاريخها.
٥ - يتسلم حامل البطاقة نسخة من ذلك الشريط الورقي، بينما يحتفظ التاجر بالنسخة الأخرى كورقة ضمان بالمبلغ لدى البنك.
وفي حال كون البطاقة ليست بطاقة صراف آلي يتطلب من العميل التوقيع على الشريط الورقي لدى التاجر، كإثبات أن الشخص القائم بالعملية هو فعلاً مالك البطاقة، كون العملية في هذه الحالة لم تتطلب ابتداءً إدخال رقم التعرفة الشخصي، (PIN).
٦ - يقوم التاجر في نهاية اليوم باستخراج شريط ماكينة (P.O.S) موضحاً به كافة العمليات خلال اليوم، ويسلم أصل الشريط إلى البنك، (بنك التاجر) خلال المدة المتفق عليها مع البنك حيث يتم مطابقته مع الشريط المستخرج من الحاسب الآلي، طرف البنك عن ذات الفترة. (١)
٧ - يتعين على التاجر الاحتفاظ بصور الإشعارات لديه للفترة القانونية المتفق عليها مع بنك التاجر، وطبقاً لتعليمات المنظمة العالمية، وقد
стр. 146
تصل المدة إلى ثمانية عشر شهراً، وذلك للرجوع إليها في حال شكوى أحد العملاء في إتمام أي عملية باستخدام البطاقة. (١)
أطراف التعامل بهذا النظام (P.O.S) (٢)
يتم التعامل بهذا النظام عبر خمسة أطراف نبينها بإيجاز كالتالي:
أولاً: المنظمة العالمية
وهي المانحة للبنوك التراخيص لاستصدار البطاقات، وتقوم بدور الوسيط بين البنوك الأعضاء المتعاملة في مجال البطاقات، وإعطاء التفويضات من عدمها، كمنظمتي الفيزا كارد أو الماستر كارد، وغيرهما.
ثانياً: البنك المصدر للبطاقات بناءً على تصريح مسبق من المنظمة العالمية.
ثالثاً: بنك التاجر، وهو البنك المتعاقد مع التاجر لقبول البطاقات كوسيلة سداد، ويقوم بدفع قيمة الفواتير والإيصالات المحررة للتاجر بعد استقطاع نسبة الخصم، ويقوم بتحصيل تلك الفواتير والإيصالات نيابة عن التاجر، من خلال أنظمة التشغيل الخاصة بالمنظمة العالمية.
رابعاً: التاجر وهو يمثل جميع المحلات والشركات التي تقدم السلع والخدمات وتقبل الدفع، أو السداد بموجب البطاقات.
خامساً: حامل البطاقة، وهو العميل المصرح له باستخدام البطاقة المصدرة له من أحد البنوك، وتكون البطاقة مطبوعة باسمه، وموقعة بتوقيعه ولديه الرقم
стр. 147
السري الخاص بها (PIN)، ويلتزم حامل البطاقة بشروط وأحكام البنك المصدر للبطاقة.
جدول رقم (٧): يوضح نقطة البيع الالكترونية p.o.s
المبادئ العامة ... التقنية ... النتائج
نقطة البيع الالكترونية ... - يوضع في المحلات حيث يسمح للعميل بتسوية عملياته التجارية بالبطاقة أثناء التسديد ... فروع موصولة بشبكة تجمع بنوكا مختلفة تستخدم عبر آلة إلكترونية صغيرة، قارئة للبطاقات، قادرة على الاتصال عبر الخط الهاتفي بالبنوك ذات العلاقة ... يحل مشاكل نقل الأموال ويوفر الأمن
p.o.s ... - ويختصر على التاجر والعميل معاً الوقت والجهد في آن واحد
стр. 148
المطلب الخامس: إيجابيات بطاقة الصرَّاف الآلي وسلبياتها
أولاً: إيجابيات بطاقة الصرَّاف الآلي
تتمتع هذه البطاقة بإيجابيات عديدة تَعُمُّ المصدر لها والحامل على السواء، بل قد تتعدى إلى التجار الذين يرتبطون بقبولها عبر ما يسمى بنظام (كي نت) عند الشراء من خلالها.
ولهذا نستطيع تقسيم إيجابياتها بحسب المستفيدين منها على النحو التالي:
- إيجابيات تستفيد منها الجهة المصدرة
١ - تعتبر بطاقة الصراف الآلي وأجهزة الصراف الآلي، أقل تكلفة في مقابل فتح فروع جديدة لتوسيع نطاق الأعمال المصرفية، وخاصة في المطارات ومحطات القطارات، والمحلات التجارية الكبرى، فيمكن للبنك تركيب عدد من أجهزة الصرف الآلي بدلا من فتح فرع واحد في مناطق متميزة. (١)
٢ - تقلل هذه البطاقة مع أجهزة الصراف الآلي، والنظام الالكتروني من نسبة الأخطاء، وضياع الأموال مقارنة بالأنظمة التقليدية في الصرف والسحب والإيداع.
٣ - تقدم البنوك بأجهزة الصرف الآلي خدمة جديدة متميزة لعملائها فتزيد ثقتهم فيها، وتعاملهم معها بما يزيد في معاملات مصرفية أخرى تستفيد
стр. 149
البنوك بأرباحها الطائلة كما تزيد المدة الزمنية لخدمة العملاء إذ تعمل أجهزة الصرف الآلي على مدار الساعة وطوال الأسبوع. (١)
٤ - يستفيد البنك من إصدار البطاقات للدخول في التعامل الدولي مع بنوك كبرى وبذلك تزيد سمعته على الصعيد الدولي كبنك عالمي، فيجلب العملاء من نوع متميز وكذلك تتسع علاقة البنك المصرفية مع البنوك الدولية، والعلاقات التجارية مع الشركات التجارية العالمية، بما يعود عليه بالأرباح الطائلة من خلال المعاملات المتنوعة وبالجملة يعتبر البنك المصدر للبطاقة طرفاً قوياً في هذه المعاملة، فهو الذي يملي على الطرفَين الآخرَين شروطاً بما يضمن له أرباحاً مجزية. (٢)
٥ - تقوم أجهزة الصرف الآلي (ATMs) بصرف النقود لعملاء البنك حملة البطاقات وتوفر للبنوك الوقت والجهد اللَذَينِ تبذلهما البنوك في التعامل مع عملائها في فروعها؛ وذلك يقلل ضغط العمل في البنوك فتتجه إلى عمليات أخرى تدر ربحاً أكبر مثل التسويق والاستثمار وغيرها. (٣)
стр. 150
٦ - يمكن للبنوك توظيف رصيد فائض من السيولة إذا كانت بطاقة السحب من نوع (Debit Card) وهذا يزيد في ادخار البنوك للأموال واستثمارها في مشروعات مربحة. (١)
٧ - تعطي أجهزة الصراف الآلي فرصة التنافس للبنوك بشكل أفضل لأنها تسمح للبنوك الدخول في معاملات مصرفية دولية (International Transactions) والتي تدر عليها أرباحاً مجزية من عمليات تحويل النقود والمصارفة وغيرها. (٢)
٨ - تعتبر مكائن (ATMs) بديلاً كفؤاً للشيكات والسندات وأرخص منها تكلفة وجهداً (٣)، فيمكن القول أن أجهزة الصراف الآلي (ATMs) أصبحت جزءاً من النظام المصرفي الإلكتروني الحديث الذي لا غنى عنه لمن أراد البقاء في سوق البطاقات من البنوك والمؤسسات. (٤)
٩ - تستفيد الجهات المصدرة للبطاقة من العقود المبرمة مع التجار، والمؤسسات التجارية والأسواق وغير ذلك عند السحب بما يسمى
الـ (الكي نت) عبر (P.O.S) من قبل العملاء، وخاصة عند اتساع التعامل بهذا النظام وهذا هو المشاهد اليوم.
١٠ - يستفيد البنك أموالاً في رسوم الإصدار، والاشتراك السنوي أو الشهري أو رسوم التجديد، وفي بداية الأمر كانت هذه الرسوم أكبر
стр. 151
مورد لدخل البنوك، ولكن المنافسة في سوق البطاقات جعلها تتنازل عن رسم الإصدار، والاشتراك السنوي غالباً، وهناك مؤسسات تعفي عن رسوم التجديد أيضاً. (١)
١١ - يمكن لحامل البطاقة سحب النقود من مكائن الصراف الآلي، وهذه الخدمة يقدمها البنك لقاء عمولة على كل عملية تتم عن طريق البطاقة، بالإضافة إلى ذلك توفر هذه المكائن للبنوك الوقت والجهد والنفقات ـ كما سبق ـ التي تلزم لوجود الموظفين المؤهلين للتعامل مع العملاء للسحب داخل البنوك، وهذه أيضاً جزء من نظام البطاقة. (٢)
- إيجابيات يستفيد منها العميل
١ - يستطيع العميل الوصول لحسابه ومعرفة رصيده بسرعة ويسر بالغَين عن طريق بطاقة الصراف الآلي.
٢ - تعتبر بطاقة الصراف الآلي أيسر وآمن الطرق لنقل وتحويل الأموال.
٣ - توفر بطاقة الصراف الآلي سهولة السحب والإيداع من وإلى الرصيد، وتوفر على العميل الجهد والوقت معاً.
٤ - يستطيع العميل تسديد مستحقاته (فواتير) عبر الخصم من حسابه والتحويل للمستحق، مما يوفر عليه كثيراً من الوقت والجهد.
стр. 152
٥ - تمثل بطاقة الصراف الآلي بديلاً آمناً جداً لحمل النقود التقليدية، مما يدرأ كثيراً من المخاطر المحدقة به لاسيما عند السفر (١).
٦ - تمثل بطاقة الصراف الآلي سهولة بالغة في الحمل مقارنة بالنقود لاسيما إن كان مسافراً، أو يحمل عملات لبلد آخر (٢).
١ - تمثل بطاقة الصراف الآلي وسيلة مفيدة للحد من الإنفاق، وتساعد على التوفير، لاسيما إن كانت أجهزة الصراف الآلي ليست متاحة في كل الأسواق والمتاجر، أو تعذر استخدامها في أماكن تواجدها مؤقتاً (٣).
- إيجابيات يستفيد منها التُجَّار
١ - إن وجود خدمة الـ (كي نت) عبر بطاقة الصراف الآلي في المتجر يُمكِن أن يجلب المزيد من الزبائن، نظراً لتوفر هذه الخدمة، كما يُمكِن أن يُغري الناس لشراء المزيد من السلع (٤).
٢ - غالباً ما يخاف التجار من التزوير في كتابة الشيكات، وعدم وجود رصيد وراءها وبالتالي عدم قبول البنوك لها، بينما لا يخشى ذلك في نظام البطاقة، بل تحول المستحقات المالية فوراً إلى حساب التاجر بمجرد وصول إشعارات البيع. (٥)
стр. 153
٣ - يستفيد التجار من عمليات الشراء عبر ما يسمى بوحدات البيع الطرفية (P.O.S)، جذب المشترين، أو من خلال العقود مع الجهات المصدرة (١).
٤ - يقوم التاجر بتنظيم عملية البيع إلكترونياً عند تعامله بالبطاقة مما يزيد من ضبط المعاملات التجارية وزيادة أرباحها نتيجة لذلك؛ لأن البطاقة تساهم في توفير الوقت والجهد للتاجر اللذين كان يحتاج إليهما في حالة عدم قبول البطاقة. (٢)
٥ - يوفر قبول البطاقة للتاجر الأمان على أمواله التي كانت عرضة للخطر أو السطو المسلَّح لو بقيت في محل التاجر (٣). كما أنها تحد من التلاعب بتلك الأموال بطرق مختلفة من قِبل الموظفين والذي قد يصل في النهاية إلى سرقتها.
٦ - تصدر المنظمات الراعية للبطاقة بالتعاون مع البنوك قوائم المحال التجارية سنوياً التي تقبل بطاقاتهم، فبذلك يُنشر اسم المحل التجاري بين الأسواق والدوائر المالية، ويستفيد التاجر من هذه الدعاية المجانية بوسائل الإعلام المختلفة، ولو قام عليها بنفسه لكلفته أموالاً كثيرة. (٤)
стр. 154
ثانياً: سلبيات بطاقة الصرَّاف الآلي
لبطاقة الصراف الآلي سلبيات ومآخذ أُخذت عليها، اندمجت بسلبيات الصراف الآلي نفسه، إذ به تعمل هذه البطاقة وتتحقق الخدمة التي أُنشأت من أجلها، وهي مرتبطة أيضاً بسلبيات ومخاطر الدفع الإلكتروني عموماً (١) ونستطيع أن نُجمل أهم هذه السلبيات فيما يأتي:
١ - قد يكون فرع الشبكات الخارجية لا يمكن الاعتماد عليها في قبول البطاقة الخاصة بالعميل لسبب أو لآخر، وهذا في حال السفر (٢).
٢ - احتمال إلغاء البطاقة للاشتباه في الاحتيال من قبل البنك المصدر لها، كإجراء احترازي مما يسبب بعض العنت لاسيما إن كان في وقت حرج، كسفر أو غيره، ويكثر ذلك عند استخدام البطاقة في غير البلد المصدر لها (٣).
٣ - تمثل العمولات النقدية التي تتقاضاها المصارف جراء كل عملية صرف، أو تحويل أو إيداع أو أي نشاط عبر البطاقة المصرفية، تمثل عبئاً على العميل، لاسيما إن كان كثير التعامل عبر البطاقة، أو كان يتعامل مع أجهزة مصرف غير المصدر لبطاقته. (٤)
стр. 155
٤ - أدى هذا الاعتماد المتصاعد على ما توفره التقنية من تسهيلات إلى تعقيدات كثيرة، من أسبابها اتساع حجم المعاملات، وكثرة أعداد المستفيدين وافتقاد الصيانة الدورية (١).
٥ - أدى كثرة الاستخدام والتوسع في الإقبال على هذه التقنية إلى كثرة الأعطال لأجهزة الصراف الآلي، مع قلة أعدادها، وقلة وجود الكادر الفني كمّاً ونوعاً، بحسب استطلاع جريدة البلاد، مما يؤثر طرداً على بطاقات تلك الأجهزة. (٢)
стр. 156
المبحث الثاني: التكييف الشرعي لاستخدام بطاقة الصراف الآلي للسحب من الرصيد
تمهيد
سبق وأن عرفنا أن لهذه البطاقة استخدامات عديدة، وأنها صالحة أيضاً للاستخدام العالمي في بعض البنوك المصدرة (١)، ولابد من بيان أحوال استخدامات هذه البطاقة من الناحية الشرعية، بياناً شافياً لا سيما وأن أمر هذه البطاقة قد عم نسبة كبيرة من الناس، وأصبحت تمثل ضرورة عند البعض نظراً لما استجد اليوم في عالم التكنولوجيا والاقتصاد، وحتى تتضح الرؤية الشرعية لجميع استخدامات بطاقة السحب المباشر، أو بطاقة الصراف الآلي (ATM)، لابد من التوقف بتأني عند كل خدمة تقدمها وتكييفها الشرعي، والحكم عليها.
стр. 157
المطلب الأول: التكييف الشرعي لفتح (الحساب الجاري)
لابد من الكلام أولاً عن إيداع العميل أمواله لدى المصرف وتكييفه شرعاً، والذي ينبني عليه إعطاء المصرف للعميل بطاقة الصراف الآلي، ليسحب من أمواله المودَعة لديه، وهو ما يسمى بفتح الحساب الجاري.
وقد اختلف الفقهاء في تكييف هذه المسألة على أقوال، أشهرها قولان:
القول الأول: يعتبر العقد بين العميل والبنك عند فتح الحساب الجاري عقد وديعة (١)، إذ يودع العميل أمواله للمصرف كوديعة عنده؛ فتترتب عليها جميع أحكام الوديعة في الفقه الإسلامي، خلا أن البنك يتعدى على تلك الودائع بخلطها بأمواله أولاً، واستثماره لها ثانياً، وهنا تتحول يده من يد أمانة لا ضمن إلا بالتعدي والتفريط (٢)، إلى يد ضمان على كل حال (٣)، وبهذا التكييف أخذ بنك دبي الإسلامي (٤).
стр. 158
إشكالات هذا القول:
يُشكِل على البعض مسألة الربح الناتج من تلك الودائع لمن يكون؟ أيكون من حق البنك المتصرف بالوديعة من دون إذن المودِع؟ أم من حق صاحب الوديعة التي هي أصل ماله ونتاجه؟
فقال مالك، والليث، وأبو يوسف، وجماعة بحل الربح مع الكراهة (١) للمودَع عنده ـ أي للبنك ـ وإن كان قد تصرف في الوديعة فإنه قد ضمنها، والخراج بالضمان.
وقال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد بن الحسن يؤدي الأصل ويتصدق بالربح (٢). وقال أحمد وهو الصحيح من مذهبه إن الربح يكون للمالك لها (٣) أي مالك الوديعة. وقال قوم البيع الواقع في تلك التجارة فاسد (٤).
стр. 159
فمن اعتبر التصرف قال الربح للمتصرف، ومن اعتبر الأصل قال الربح لصاحب المال (١).
فتصرف البنوك بتلك الودائع إذاً شابه إشكالان:
الأول: التعدي على الوديعة بخلطها بأمواله وتصرفه بها من دون إذن صاحبها. والثاني: مدى مشروعية الأرباح الناتجة عنها.
وللخروج من كل ذلك حاولت البنوك التي تعتمد هذا التكييف، وضع شروط على العميل عند فتحه لحسابات من هذا النوع، تتمثل بالاشتراط على المودع التصرف بالودائع واستثمارها من قِبل البنك، في مقابل ضمان البنك لتلك الودائع، أما مشروعية الربح فالإشكال حوله يبقى قائماً عند بعض الفقهاء.
أدلة هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة نذكر أهمها مع ما أُورد عليها من أجوبة:
١ - إن تعدي المصرف على الودائع، سواء بخلطها بأمواله أو استثماره لها لا يخرجها عن كونها وديعة؛ بل يُضمّن المصرف نتيجة ذلك التعدي كما لو كانت الوديعة لدى شخص غير المصرف وقام بما قام به المصرف.
ويجاب عن هذا الاستدلال بأن المسألة في المصارف أو البنوك، تختلف جذرياً عن الأفراد، ويتبين هذا إذا علمنا أن أموال الحسابات الجارية تعد أهم موارد المصارف، وتمثل ما قد يزيد في غالب الأحوال على
стр. 160
(٩٠%) من مجمل الموارد، ونادراً ما تقل عن (٢٠%) (١)؛ وهذا يعني أن المصارف تَعُد هذه الحسابات مصدراً رئيساً من مصادر التمويل لديها، وهذا يناقض الأصل في عقد الوديعة القاضي بالأمانة والحفظ، وعدم التصرف، مما يجعل تسمية العقد بوديعة عقداً صورياً لفظياً فقط.
أما من جهة العميل فإنه يعلم ـ ألا ما ندرـ أن البنك يستثمر وديعته ويرضى بذلك ضمناً، ـ أو نصاً بحسب نوع العقد ـ مقابل الضمان الناتج عن ذلك التصرف، وهذا يضعف كون الأموال وديعة لها أحكامها، لتحولها إلى صورة أخرى من صور العقود (٢).
٢ - إن المصرف لا يتسلم هذه الوديعة على أنها قرض، بدليل أنه يتقاضى أجرة (عمولة) على حفظ الوديعة تحت الطلب، بعكس الوديعة لأجل التي يدفع هو عليها فائدة. (٣)
ونوقش هذا الدليل بأن الأجور التي يأخذها المصرف من صاحب الحساب الجاري لا يُسلّم على أنها في مقابل الحفظ، بل هي في مقابل الخدمات التي يقدمها المصرف لصاحب الحساب؛ كإصدار دفتر الشيكات، وبطاقة السحب الآلي، وكشوف الحساب وغيرها من
стр. 161
الخدمات، مع أن الواقع أن أغلب المصارف لا تأخذ أجوراً في مقابل فتح الحساب. (١)
٣ - إن المصرف يتعامل بحذر شديد عند استعمال أموال الحسابات الجارية والتصرف فيها، ثم يبادر بردها فوراً عند طلبها مما يدل على أن البنك حينما يتصرف فيها إنما يفعل ذلك من موقف انتهازي لا يستند إلى مركز قانوني كمركز المقترض. (٢)
ونوقش بأن هذا التصرف من المصرف لا يغير من حقيقة العقد، والواقع أن المصرف يتصرف في مال الحساب الجاري بخلاف ما ذُكر حيث يقوم بخلطها بماله ومال العملاء الآخرين بمجرد استلامها، ثم يتصرف فيها كما لو كانت ملكه.
وأما كونه يبادر بردها عند طلبها فهذا لا ينفي كونها قرضاً؛ لأن المقرض له طلب بدل القرض في الحال مطلقا؛ لأن القرض يثبت في الذمة حالاً (٣)، فكان له طلبه كسائر الديون الحالة، ولأنه سبب يوجب رد المثل أو القيمة فكان حالاً.
стр. 162
وكذلك فإن المبادرة بردها عند طلبها فيه حفاظ على سمعة المصرف، وتحفيز للتعامل معه، وفي هذا التعامل فوائد ترجع إلى المصرف، كما هو معلوم). (١)
٤ - إن الأصل في مشروعية القرض هو الإرفاق، (٢) وأدلة مشروعيته تؤكد هذا، وهو مفقود هنا (٣)، فالبنك ليس فقيراً حتى نقرضه، فيكون العقد إذاً عقد وديعة.
ويجاب عليه بأن الإرفاق في القرض ليس ركناً أو شرطاً فيه يبطل بتخلفه، بل الملاحظ أن من القروض ما لا يكون فيها إرفاق أصلاً من جهة المقترض؛ بل بالعكس قد يكون الإرفاق للمقرض، وفي الفقه الإسلامي أمثلة لذلك أشهرها:
- ودائع الزبير بن العوام ﵁.
قال الحافظ ابن كثير: وقد كان الزبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جدا، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله فلما قتل وجدوا عليه
стр. 163
من الدين ألفي ألف ومائتا ألف، فوفوها عنه وأخرجوا بعد ذلك ثلث ماله الذي أوصى به ثم قسمت التركة بعد ذلك، فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف ومائتا ألف درهم، فعلى هذا يكون مجموع ما قسم بين الورثة ثمانية وثلاثين ألف ألف واربعمائة ألف، والثلث الموصى به تسعة عشر ألف ألف ومائتا ألف، فتلك الجملة سبعة وخمسون الف ألف وستمائة ألف والدين المخرج قبل ذلك ألفا ألف ومائتا ألف فعلى هذا يكون جميع ما تركه من الدين والوصية والميراث تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف. (١)
معنى هذا أن تركة الزبير ﵀ ورضي عنه كانت كالآتي:
مجموع الزوجات الأربع (٤ ملايين و ٨٠٠ ألف)، ومن المعلوم أن نصيب الزوجة أو الزوجات ثمن التركة، فتكون التركة المقسمة على الورثة (٣٨ مليوناً و ٤٠٠ ألف)، وهذا يعادل الثلثين حيث أوصى بالثلث ومقدره (١٩ مليوناً و ٢٠٠ ألف) وبهذا تكون التركة بعد الديون (٥٧ مليوناً و ٦٠٠ ألف درهم)
وهنا يرد السؤال:
من يملك هذه الثروة الضخمة كيف يستدين هذا الدين؟
وقبل الإجابة نقف عند ما جاء في صحيح البخاري عن ديون الزبير:
стр. 164
"إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: "لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة ". (١)
مما رواه الإمام البخاري نرى أن الذين جاءوا بهذه الأموال أرادوا حفظها عند الزبير، أي أن تكون وديعة، فطلب الزبير منهم أن تكون سلفاً لا وديعة، ونعرف الفرق بين الوديعة والقرض: فالوديعة لا يضمنها المودع لديه، والقرض يضمنه المقترض؛ ولذلك قال الزبير: "فإني أخشى عليها الضيعة" أي إنه يكون ضامناً للمال باعتباره مقترضاً. ويقابل هذا الضمان أن يكون من حقه الاستفادة من هذا المال المقترض، فيخلطه بماله في التجارة وغيرها، أما الوديعة فتبقى كما هي لا يستفاد منها. (٢)
فالإرفاق هنا حصل للمقرض لا المقترض، وهذا ملاحظ من قول الزبير: "لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة".
فالزبير هنا يريد الإرفاق بالمودعين فحول العقد من عقد وديعة إلى عقد قرض ليضمن لهم أموالهم، بدليل أنه مليء لا يحتاج لأموالهم، ولم يفعل ذلك رجاء استثمارها انظر إلى قوله: "فإني أخشى عليه الضيعة" فإنه واضح في كونه أراد الإرفاق بهم.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: "لا، ولكنه سلف" أي ما كان يقبض من أحد وديعة إلا أن رضي صاحبها أن يجعلها في ذمته، وكان غرضه بذلك أنه
стр. 165
كان يخشى على المال أن يضيع فيظن به التقصير في حفظه فرأى أن يجعله مضمونا فيكون أوثق لصاحب المال، وأبقى لمروءته. زاد ابن بطال وليطيب له ربح ذلك المال. (١)
بل عُدَّ ذلك من مناقب الزبير بن العوام رحمه الله تعالى، قال ابن حجر: وفيه مبالغة الزبير في الإحسان لأصدقائه؛ لأنه رضي أن يحفظ لهم ودائعهم في غيبتهم ويقوم بوصاياهم على أولادهم بعد موتهم ولم يكتف بذلك حتى احتاط لأموالهم وديعة أو وصية بأن كان يتوصل إلى تصييرها في ذمته مع عدم احتياجه إليها غالبا وإنما ينقلها من اليد للذمة مبالغة في حفظها لهم. (٢)
- السفتجة على القول بجوازها (٣)
والسفتجة تعريب (سفته) (٤) بمعنى المحكم وهي إقراضٌ لسقوط خطر الطريق (٥)، وهي قرض عند الجمهور (٦)، ولم يرد به الإرفاق، وإن
стр. 166
قُصد فللمقرض لاكتسابه أمن الطريق ومخاطره، أو لهما معاً إن كان المقترض محتاجاً للمال؛ فقد تكون إذاً عقد قرض لا إرفاق فيه، وقد يكون الإرفاق للمقرض، وقد يكون لهما معاً، ولم يقل أحدٌ إن تخلف الإرفاق من جهة المقترض يخرجها عن كونها عقد قرض.
- إقراض مال اليتيم للإرفاق به
من المقرر أن الولي مسؤول عن مال اليتيم، حفظه، وصيانته، والتصرف به لمصلحته؛ وقد ذكر الفقهاء أن من سُبل حفظه وصيانته، إقراضه من مليء عند الخوف من ضياعه، أوهلاكه، وفي ذلك إرفاقٌ باليتيم (المقرِض)، ورعايةُ مصلحته.
وفي حاشية رد المحتار قوله: للقاضي إقراض مال اليتيم ونحوه .. أي يستحب له ذلك لأنه لكثرة أشغاله لا يمكنه أن يباشر الحفظ بنفسه، والدفع بالقرض أنظر لليتيم؛ لكونه مضمونا والوديعة أمانة وينبغي له أن يتفقد أحوال المستقرضين حتى لو اختل أحدهم أخذ منه المال. (١)
стр. 167
وانظر إلى قوله: " والدفع بالقرض أنظر لليتيم" فهو بيّن في مقصودنا، وهو الإرفاق به (أي المقرض).
وفي المغني أيضاً:
إذا لم يكن في قرض مال اليتيم حظ له لم يجز، وان كان في قرضه حظ لليتيم جاز. قال أحمد لا تقرض مال اليتيم لأحد تريد مكافأته ومودته.
ويقرض على النظر والشفقة كما صنع ابن عمر، وقيل لأحمد: ابن عمر اقترض مال اليتيم فقال: إنما استقرض نظراً لليتيم واحتياطاً، إن أصابه شيء غرمه.
قال القاضي: ومعنى الحظ أن يكون للصبي مال في بلد فيريد نقله إلى بلد آخر فيقرضه من رجل في ذلك البلد ليقضيه بدله في بلده، يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله أو يخاف عليه الهلاك من نهب، أو غرق، أو غيرهما، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه كالحنطة ونحوها فيقرضه خوفا من السوس أو تنقص قيمته، وأشباه هذا فيجوز القرض لأن لليتيم فيه حظا فجاز كالتجارة به، وإن لم يكن فيه حظ لم يجز لأنه تبرع بمال اليتيم فلم يجز كهبته. (١) والنقولات في هذا كثيرة.
ومن المعلوم أن الغاية من إقراض مال اليتيم الرفق باليتيم لا بالمقترض، ومصلحة اليتيم لا مصلحة المقترض، والمراد والمقصود الإيداع والحفظ غير أن الوديعة لا تضمن؛ ففضل الإقراض لغني أمين حتى يحفظ المال لصالح اليتيم لا لصالح الغني.
стр. 168
وبهذا يتبين أنه لا يشترط في القرض أن يكون إرفاقاً من غني لمحتاج، وإن كان الأصل أنه كذلك.
القول الثاني: يكيف أصحاب هذا القول فتح الحساب الجاري بأنه عقد قرض بين العميل والبنك، إذ أن العميل يقرض البنك فيتملك البنك ذلك المال ويتصرف فيه كيف شاء، ويكون هذا القرض حالاً. وبهذا التكييف أخذ بيت التمويل الكويتي (١).
وقد ذهب إلى ذلك أكثر العلماء، (٢) وبمثل هذا التكييف الفقهي جاء قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات وجاء في القرار قوله: ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك
(المقترض) مليئاً (٣).
ومما يقوي هذا القول أن الواقع في تعامل البنوك يؤكد على أن العقد أشبه ما يكون بالقرض، لا الوديعة.
فالوديعة المصرفية لا ينطبق عليها اصطلاح الوديعة الشرعية؛ لأن البنوك والمصارف لا تأخذها كأمانة وتردها إلى أصحابها بعينها، وإنما تتصرف فيها وتلتزم برد المثل، وأحيانا تدفع فوائد على الأموال التي تودع عندها، ومن
стр. 169
المعلوم قطعا أن أحدا لن يدفع مبلغا من المال لمن يودع عنده. بل ولو كانت وديعة حقيقية لحصل العكس بأن يدفع صاحب المال أجراً على حفظ ماله، ومن الواضح أن البنوك ضامنة لما أودع فيها برد مثله ولو كان الهلاك بسبب قهري والوديعة لا تضمن إلا إذا هلكت بسبب تقصير من المودع.
إشكالات هذا القول
أُورد على هذا القول أن البنوك تقدم للعميل منافع، أو هدايا، أو مزايا، وذلك ينافي كون العقد قرضاً، إلا إن اعتبرنا أن المصرف أو البنك غير إسلامي.
والنظر في هذا الإشكال يتمثل في جواز أخذ الهدايا من المقترض، سواء أكانت مادية أم معنوية، وهل يدخل ذلك في باب المنفعة التي يمكن أن يجرها القرض؟ وللجواب على هذا الإشكال لابد من الوقوف على ماهية الهدايا وكيفية أخذها وسبل بذلها.
نستطيع تقسيم الهدايا إلى هدايا مشروطة عقداً، أو عرفاً، بمعنى أن العرف جرى باشتراطها؛ وهدايا غير مشروطة لا عقداً ولا عرفاً.
أولاً: الهدايا المشروطة:
الهدايا نوعان:
- مادية
- معنوية
كما أن الشرط في العقد نوعان أيضاً:
- شرط مصرح به في العقد
- شرط متعارف عليه وليس مذكوراً في العقد
стр. 170
والحكم هنا هو فساد العقد وإثم أطرافه جميعاً، لأنه من الربا المحرم، على كل التفصيلات والأنواع السابقة، بمعنى أكانت الهدايا والمنافع مادية أم معنوية، بل إن من المنافع المعنوية ما قد يفوق في النفع المنافع المادية؛ وسواء أكانت مشروطة أم متعارف عليها فإن العرف ينزل منزلة الشرط. (١)
وقد روي عن النبي ﷺ قوله: " كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ من وُجُوهِ الرِّبَا" (٢)
وإن كان قد تُكلِّم في الحديث إلا أن أهل العلم قد أجمعوا على العمل به، قال ابن المنذر:
"أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، أنَ أخذ الزيادة على ذلك ربا" (٣).
стр. 171
وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة. (١) وكون العقد هنا ليس عقد إرفاق، فإنه لا يبرر أخذ الزيادة أو المنفعة؛ لأن القرض يكون للإرفاق ولغير الإرفاق كما بينا من قبل. وقد عملت بهذا البنوك الإسلامية مثل بيت التمويل الكويتي (٢).
ثانياً: الهدايا غير المشروطة:
وهي التي تكون عفوية من البنك وليست ضمن سياساته المكتوبة المتعارف عليها، وغالباً ما تكون رمزية وليست محددة في زمن معين كل عام، حتى لا يتعارف الناس عليها فتكون كالعرف عند العملاء، فيكون من باب المشروط عرفاً، وهذه الهدايا أو الميزات تعم العملاء جميعاً، كونهم عملاء للبنك ومودعين فيه.
ولو كانت الهدايا تخص فئة معينة لأصحاب رصيد محدد ـ وغالباً ما تكون لأصحاب الأرصدة المرتفعةـ فإن الأمر يعود للبنك في تحديد من يهدي إليه من عملائه، وإذا جازت الهدية ابتداءً لجميع العملاء، فتكون لبعضهم كذلك، إلا أن تكون مشروطة أو متعارف عليها.
стр. 172
والحكم هنا هو الحِل كون النفع غير مشروط ولا متعارف عليه، بل يكون من باب حسن الأداء وأصل ذلك ما روى أبو هريرة ﵁ قال: كان لِرَجُلٍ على النبي ﷺ ، سِنٌّ من الْإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فقال: أَعْطُوهُ فَطَلَبُوا سِنَّهُ فلم يَجِدُوا له إلا سِنًّا فَوْقَهَا فقال: أَعْطُوهُ فقال أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى الله بِكَ قال: النبي ﷺ : "إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً". (١)
وهذا ما تتعامل به البنوك الإسلامية اليوم وبه صدرت الفتوى ببيت التمويل الكويتي (٢)، ومجموعة دلة البركة.
فالمنافع التي لا تقابِل القرض يجوز أن يقدِّمها البنك لعملاء الحسابات الجارية كما أوضحت الهيئة الشرعية، وذلك مثل ما كان من قبيل الأمور المعنوية، أو الخدمات المتعلقة بفتح الحساب، غير المشروطة مثل الشيكات وبطاقات الصراف، وغرف الاستقبال والاهتمام بالعميل، وكذلك يجوز تقديم ما لا يختص بأصحاب الحسابات الجارية، وإنما يكون لهم ولغيرهم كالمواد الدعائية والإعلانية، وبهذا يزول الإشكال.
أدلة القول القاضي بتكييف فتح الحساب بأنه عقد قرض:
استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة نذكر أهمها:
стр. 173
أولاً: وضوح الفارق بين عقدي القرض والوديعة، ففي القرض يتملك المقترض القرض ويحق له التصرف فيه، ويكون ضامناً فرّط أم لم يفرّط.
أما في عقد الوديعة فالأمر بالعكس تماماً، فالمودع لديه لا يتملك الوديعة، وعليه لا يحق له التصرف بها، ويكون أميناً غير ضامنٍ إلا في حال التعدي أو التفريط كما بينا.
والحسابات الجارية أو الودائع المذكورة تتطابق في معناها مع القرض تمام التطابق، وليست من باب الوديعة في شيء وإن تسمت في العقد وديعة.
ثانياً: من المقرر عند الفقهاء أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا الألفاظ والمباني (١)؛ ومعنى العقد هنا هو معنى القرض لا الوديعة.
ثالثاً: إنّ هذا الأمر كان مشتهرا معروفا في عصر صحابة رسول الله ﷺ ومن بعدهم من العصور المختلفة، والمحققون من علماء الإسلام سموه قرضا وإن اختلفت مقاصد العاقدين، فالعبرة في كل عقد بمقصده الأعظم وإن وجدت مقاصد أخرى.
ففي عصر الصحابة سبق بيان ودائع الزبير، وأما فيما بعدهم فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذلك فقال ما نصه:
"من أخذ (السفتجة) من المقرض وهو أن يقرضه دراهم يستوفيها منه في بلد آخر مثل أن يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر والمقترض له دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض فيقترض منه
стр. 174
في بلد دراهم المقرض ويكتب له سفتجة أي ورقة إلى بلد دراهم المقترض فهذا يجوز في أصح قولي العلماء؛ وقيل ينهى عنه لأنه قرض جر منفعة والقرض اذا جر منفعة كان ربا والصحيح الجواز لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم وقد أغناهم الله عنه والله أعلم" (١).
رابعاً: من المعلوم أن العرف بين التجار كالمشروط شرطاً، "والعرف في الشرع له اعتبار، لذا عليه الحكم قد يدار"، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا (٢)، والبنك يأخذ هذه الأموال بقصد استغلالها واستعمالها في نشاطاته المختلفة، ونظامه الأساسي ينص على أن ما دخله يكون على سبيل التملك، والمودع يضع ماله وقد علم أن العمل المصرفي لا يحفظ هذه الأموال بعينها وإنما يخلطها مع غيرها من الأموال، ويعمل بها حسب نشاطاته ويلتزم برد مثلها فقط وهذا هو حقيقة القرض حيث إن تعريفه هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
الترجيح
والأقرب إلى الصواب ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القاضي بتكييف فتح الحساب الجاري بأنه عقد قرض؛ لقوة مستنده من الأدلة، ولقربه في التطبيق
стр. 175
على واقع تلك العقود، فإن المصارف لا تعد تلك الأموال أصلاً أمانة عند أخذها؛ لذا فهي تُجوِّز لأنفسها التصرف مباشرة بتلك الأموال المودعة لديها، بل إنها تعد تلك الأموال مصدر تمويلٍ لا غنى لها عنه، وهذا ليس شأن عقد الوديعة؛ ولو نظرنا أيضاً للمودعين فإنهم يضعون أموالهم في تلك البنوك والمصارف بقصد أن تضمنها لهم بكل حال وإلا لما وضعوها فيها، وإن كانوا على علم بتصرف البنوك بأموالهم؛ وهذا كله ليس شأن الوديعة بل عين القرض.
وبعد تكييف الإيداع لدى المصارف يبقى الكلام عن تكييف سحب العميل من حسابه بهذه البطاقة - بطاقة الصراف الآلي - أو غيرها من طرق السحب وهذا ما سنتكلم عنه في المطلب الآتي.
стр. 176
المطلب الثاني: التكييف الشرعي للسحب ببطاقة الصراف الآلي من صراف بنك العميل
اختلف العلماء في سحب العميل من حسابه الجاري، وذلك بحسب اختلافهم في تكييف فتح الحساب، أهو قرض للبنك أم وديعة عنده؟
فمن اعتبر فتح الحساب في المصرف (الحساب الجاري) عقد وديعة بين العميل والمصرف، قال إنَّ سحب العميل من المصرف بالبطاقة - أو أي طريقة كانت - استيفاءً من العميل لوديعته ورداً من المصرف للأمانة المودعة عنده.
ومن اعتبر فتح الحساب في المصرف (الحساب الجاري) إقراضاً من العميل للمصرف، قال إن السحب منه يُعدُّ استيفاءً من المقرض (العميل) لقرضه، أو أنه استقراضاً من البنك، فالعميل فيه مقترض والبنك مقرض له مقابل إقراضه الأول للبنك، فيكون هنا دينان متقابلان تُجرى بينهما المقاصة القهرية بمجرد حصولهما دون حاجة إلى عقد أو اتفاق مسبق، ولا يبقى إلا ما يمثل الفارق بين الرصيد الدائن والرصيد المدين.
فإن اعتبرنا سحب العميل استيفاءً من الحساب الجاري لا استقراضاً من البنك فلا يكون الحساب الجاري حينئذٍ متألفاً من قائمتين من الديون المتقابلة، بل من قائمتين إحداهما تمثل ديون العميل على البنك بقدر ما وضع في الحساب الجاري من أموال، والأخرى تمثل استيفاء العميل لدينه الذي يحدد بمقدار سحبه من رصيده، ولا مقاصة حينئذ وهذا الرأي هو الأقرب لحقيقة ووقائع
стр. 177
السحب، إذ لا مانع عند المصارف من سحب العميل أمواله كلها أو بعضها في نفس اليوم الذي تم الإيداع فيه، ولو كان إقراضاً من البنك للعميل لخضع لإرادة البنك زمنًا وقدراً، وأيضاً فإن الساحب إذا أصدر شيكاً أو أمر بسحب أكثر من حسابه قد يقع عليه جزاء مالي أو جسدي، وهذا يدل على أن ما يأخذه يعتبر استيفاء إذ لو كان قرضاً لما ترتب على رفضه جزاء فإن المقترض إذا كان يطلب قرضا لا جزاء عليه ولا عقوبة، وإنما يجاب فيقرض أو يرد طلبه (١).
من خلال كل ما سبق يمكن القول إنه لا حرج في سحب العميل ماله، كليّاً أو جزئياً من المصرف عبر بطاقة الصراف الآلي، في أي وقت شاء، ولا حرج في التعامل مع البنك على هذه الصورة، فهو تعامل بين مقرِض (وهو العميل) ومقترض (وهو المصرِف)، واستيفاء على الصفة المتفق عليها في العقد بينهما.
стр. 178
المطلب الثالث: التكييف الشرعي للسحب بالبطاقة من غير صراف (ATM) بنك العميل المصدر لها
- تصوير المسألة
مصرفان وعميل، المصرف الأول للعميل فيه حساب جارٍ ومنه صدرت بطاقة الصراف الآلي، والمصرف الثاني ليس للعميل فيه حساب، قام العميل باستيفاء قرضه من المصرف الأول ولكن باستخدام آلة صراف المصرف الثاني الذي ليس للعميل فيه حساب، بعمولة مقطوعة أو نسبية، تؤخذ من العميل، أو من مصرفه الذي فيه حسابه.
- التمثيل
قيام عميل له حساب في مصرِف - بيت التمويل الكويتي- بسحب مئة دينار من حسابه السابق ولكن عن طريق آلة صرف تابعة لبنك - بوبيان- (١)، فتترتب عليه عمولة - مئة فلس- للبنك صاحب الآلة - بنك بوبيان- تؤخذ من حسابه في بيت التمويل، أو تؤخذ من مصرفه- بيت التمويل الكويتي-.
- محور البحث
عرفنا أن سحب العميل من حسابه يعد استيفاء لقرضه من المصرف ويدور محور البحث في مسألتنا حول شرعية تلك العمولة المقتطعة، أو النسبية المستفادة للمصرف صاحب الآلة. ومن خلال تصوير المسألة نجد أن العمولة تؤخذ من أحد طرفين:
الأول: عميل المصرف وهو الساحب نفسه من خلال حسمها من حسابه.
стр. 179
ثانياً: المصرف الذي فيه حساب العميل، وليس على الساحب شيء.
ولبيان شرعية تلك العمولة من عدمها لابد من الوقوف على ماهيتها ثم تكييف المسألة بحسب الدافع والمعطي لها كل على حدة.
- تعريف العمولة المصرفية
تنوعت تعريفات العمولة المصرفية في كتب الاقتصاديين، لكنَّ أدق ما يمكن أن تعرف به هو أنها: "عوض يأخذه المصرف من العميل مقابل خدمة". (١)
والعوض في مسألتنا هو: المبلغ المالي المقتطع من حساب العميل أو المأخوذ من المصرف الذي فيه حساب العميل.
والآخذ لهذا العوض هو: المصرف صاحب الآلة المسحوب منها.
والخدمة المقدمة هي: تمكين الساحب من استعمال آلة المصرف.
الفرع الأول: التكييف الشرعي حالة كون الدافع للعمولة هو الساحب (العميل)
عند سحب العميل مبلغاً من آلة صراف غير مصرفه، سواء كان السحب داخلياً، أم خارجياً، ـ خارج بلد مصرفه ـ فإن المصرف صاحب الآلة يتقاضى منه عمولة تحسم من حسابه في مصرفه، وتكون مبلغاً مقطوعاً، أو بحسب المبلغ المسحوب، ويمكن تكييف هذه المسألة على أحد الوجوه الآتية:
стр. 180
الوجه الأول: أن هذه المسألة مشتملة على عقدين: عقد قرض، وعقد حوالة (١).
وقبل تبيين هذا التكييف يجدر بنا أن نقف بعجالة عند عقدي القرض والحوالة في الفقه الإسلامي.
يعرف فقهاء الإسلام القرض بأنه:
المذهب الحنفي: هو ما تعطيه من مثلي لتتقاضاه (٢).
المذهب المالكي: دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلا تفضلا فقط لا يوجب إمكان عارية لا تحل متعلقا بذمة (٣).
المذهب الشافعي: هو بفتح القاف أشهر من كسرها يطلق اسما بمعنى الإقراض وهو تمليك الشيء على أن يرد بدله وسمي بذلك لأن المقرض يقطع للمقترض قطعة من ماله ويسميه أهل الحجاز سلفا هو قربة (٤).