المطلب الثاني: التكييف الشرعي للسحب ببطاقة الصراف الآلي من صراف بنك العميل
اختلف العلماء في سحب العميل من حسابه الجاري، وذلك بحسب اختلافهم في تكييف فتح الحساب، أهو قرض للبنك أم وديعة عنده؟
فمن اعتبر فتح الحساب في المصرف (الحساب الجاري) عقد وديعة بين العميل والمصرف، قال إنَّ سحب العميل من المصرف بالبطاقة - أو أي طريقة كانت - استيفاءً من العميل لوديعته ورداً من المصرف للأمانة المودعة عنده.
ومن اعتبر فتح الحساب في المصرف (الحساب الجاري) إقراضاً من العميل للمصرف، قال إن السحب منه يُعدُّ استيفاءً من المقرض (العميل) لقرضه، أو أنه استقراضاً من البنك، فالعميل فيه مقترض والبنك مقرض له مقابل إقراضه الأول للبنك، فيكون هنا دينان متقابلان تُجرى بينهما المقاصة القهرية بمجرد حصولهما دون حاجة إلى عقد أو اتفاق مسبق، ولا يبقى إلا ما يمثل الفارق بين الرصيد الدائن والرصيد المدين.
فإن اعتبرنا سحب العميل استيفاءً من الحساب الجاري لا استقراضاً من البنك فلا يكون الحساب الجاري حينئذٍ متألفاً من قائمتين من الديون المتقابلة، بل من قائمتين إحداهما تمثل ديون العميل على البنك بقدر ما وضع في الحساب الجاري من أموال، والأخرى تمثل استيفاء العميل لدينه الذي يحدد بمقدار سحبه من رصيده، ولا مقاصة حينئذ وهذا الرأي هو الأقرب لحقيقة ووقائع
стр. 177
السحب، إذ لا مانع عند المصارف من سحب العميل أمواله كلها أو بعضها في نفس اليوم الذي تم الإيداع فيه، ولو كان إقراضاً من البنك للعميل لخضع لإرادة البنك زمنًا وقدراً، وأيضاً فإن الساحب إذا أصدر شيكاً أو أمر بسحب أكثر من حسابه قد يقع عليه جزاء مالي أو جسدي، وهذا يدل على أن ما يأخذه يعتبر استيفاء إذ لو كان قرضاً لما ترتب على رفضه جزاء فإن المقترض إذا كان يطلب قرضا لا جزاء عليه ولا عقوبة، وإنما يجاب فيقرض أو يرد طلبه (١).
من خلال كل ما سبق يمكن القول إنه لا حرج في سحب العميل ماله، كليّاً أو جزئياً من المصرف عبر بطاقة الصراف الآلي، في أي وقت شاء، ولا حرج في التعامل مع البنك على هذه الصورة، فهو تعامل بين مقرِض (وهو العميل) ومقترض (وهو المصرِف)، واستيفاء على الصفة المتفق عليها في العقد بينهما.
стр. 178
المطلب الثالث: التكييف الشرعي للسحب بالبطاقة من غير صراف (ATM) بنك العميل المصدر لها
- تصوير المسألة
مصرفان وعميل، المصرف الأول للعميل فيه حساب جارٍ ومنه صدرت بطاقة الصراف الآلي، والمصرف الثاني ليس للعميل فيه حساب، قام العميل باستيفاء قرضه من المصرف الأول ولكن باستخدام آلة صراف المصرف الثاني الذي ليس للعميل فيه حساب، بعمولة مقطوعة أو نسبية، تؤخذ من العميل، أو من مصرفه الذي فيه حسابه.
- التمثيل
قيام عميل له حساب في مصرِف - بيت التمويل الكويتي- بسحب مئة دينار من حسابه السابق ولكن عن طريق آلة صرف تابعة لبنك - بوبيان- (١)، فتترتب عليه عمولة - مئة فلس- للبنك صاحب الآلة - بنك بوبيان- تؤخذ من حسابه في بيت التمويل، أو تؤخذ من مصرفه- بيت التمويل الكويتي-.
- محور البحث
عرفنا أن سحب العميل من حسابه يعد استيفاء لقرضه من المصرف ويدور محور البحث في مسألتنا حول شرعية تلك العمولة المقتطعة، أو النسبية المستفادة للمصرف صاحب الآلة. ومن خلال تصوير المسألة نجد أن العمولة تؤخذ من أحد طرفين:
الأول: عميل المصرف وهو الساحب نفسه من خلال حسمها من حسابه.
стр. 179
ثانياً: المصرف الذي فيه حساب العميل، وليس على الساحب شيء.
ولبيان شرعية تلك العمولة من عدمها لابد من الوقوف على ماهيتها ثم تكييف المسألة بحسب الدافع والمعطي لها كل على حدة.
- تعريف العمولة المصرفية
تنوعت تعريفات العمولة المصرفية في كتب الاقتصاديين، لكنَّ أدق ما يمكن أن تعرف به هو أنها: "عوض يأخذه المصرف من العميل مقابل خدمة". (١)
والعوض في مسألتنا هو: المبلغ المالي المقتطع من حساب العميل أو المأخوذ من المصرف الذي فيه حساب العميل.
والآخذ لهذا العوض هو: المصرف صاحب الآلة المسحوب منها.
والخدمة المقدمة هي: تمكين الساحب من استعمال آلة المصرف.
الفرع الأول: التكييف الشرعي حالة كون الدافع للعمولة هو الساحب (العميل)
عند سحب العميل مبلغاً من آلة صراف غير مصرفه، سواء كان السحب داخلياً، أم خارجياً، ـ خارج بلد مصرفه ـ فإن المصرف صاحب الآلة يتقاضى منه عمولة تحسم من حسابه في مصرفه، وتكون مبلغاً مقطوعاً، أو بحسب المبلغ المسحوب، ويمكن تكييف هذه المسألة على أحد الوجوه الآتية:
стр. 180
الوجه الأول: أن هذه المسألة مشتملة على عقدين: عقد قرض، وعقد حوالة (١).
وقبل تبيين هذا التكييف يجدر بنا أن نقف بعجالة عند عقدي القرض والحوالة في الفقه الإسلامي.
يعرف فقهاء الإسلام القرض بأنه:
المذهب الحنفي: هو ما تعطيه من مثلي لتتقاضاه (٢).
المذهب المالكي: دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلا تفضلا فقط لا يوجب إمكان عارية لا تحل متعلقا بذمة (٣).
المذهب الشافعي: هو بفتح القاف أشهر من كسرها يطلق اسما بمعنى الإقراض وهو تمليك الشيء على أن يرد بدله وسمي بذلك لأن المقرض يقطع للمقترض قطعة من ماله ويسميه أهل الحجاز سلفا هو قربة (٤).
стр. 181
المذهب الحنبلي: القرض عبارة عن دفع مال إلى الغير لينتفع به ويرد بدله (١).
مشروعيته
ثبتت مشروعية القرض بالكتاب، والسنة، والإجماع:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ البقرة آية (٢٨٢)
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَفِعْلُهُ ﷺ حَيْثُ رَوَى أَبُو رَافِعٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَال: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًّا، فَقَال: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً (٢).
وقد أجمع المسلمون على جوازه واستحبابه للمقرض (٣).
стр. 182
أركان القرض
أركان القرض ثلاثة: هى الصيغة والقرض والمقرض (١)، وبعضهم يضيف شرطاً، فتكون أربعة: العاقدان والصيغة والشيء المقرض. (٢)
١ - الصِّيغَةُ (وهي الإيجاب والقبول) ولا خلاف بين الفقهاء في صحة الإيجاب بِلَفْظِ الْقَرْضِ وَالسَّلَفِ وبكل ما يؤدي معناهما. (٣)
٢ - المقرِض (وهو المعطي للقرض) ويشترط فيه أن يكون جائز التصرف لأنه عقد على مال، (٤) وأهلاً للتبرع لأن القرض فيه شائبة التبرع. (٥)
٣ - المقترض (وهو الآخذ للقرض) ولم يشترط الفقهاء في المقترِض إلا أهلية المعاملة (٦)، وأن يصادف ذمة، لأن الدين لا يثبت إلا في الذمم. (٧)
٤ - والشيء المقرَض (وَهُوَ الْمَال الْمُقْرَضُ) ويصح قرض كل ما يصح السلم فيه لأنه يملك بالبيع ويضبط بالصفة فصح قرضه. (٨)
стр. 183
وذهب الحنفية إلى أن ركن القرض هو الصيغة المؤلفة من الإيجاب والقبول الدَّالَّيْنِ على اتفاق الإرادتين وتوافقهما على إنشاء هذا العقد، وروي عن أبي يوسف أن الركن فيه الإيجاب فقط. (١)
وأما الحوالة فيعرفونها بأنها:
المذهب الحنفي: نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. (٢)
المذهب المالكي: طَرْحُ الدَّيْنِ عن ذِمَّةٍ بمثله في أُخْرَى. (٣)
المذهب الشافعي: عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة. (٤)
المذهب الحنبلي: نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. (٥)
стр. 184
مشروعيتها
الحوالة مشروعة بالسنة، والإجماع:
أما السنة فما رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: "مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ" (١).
وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها. (٢)
أركان الحوالة
أركان الحوالة ستة: محيل ومحتال ومحال عليه ودَينان دين للمحتال على المحيل ودين للمحيل على المحال عليه وصيغة (٣)، وذهب الحنفية إلى أن أركان الحوالة عِبَارَةٌ عَنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ. (٤)
١ - المحيل: (فهو الذي كان الحق عليه، فنقله بالحوالة إلى ذمة غيره) (٥)، ويشترط فيه رضاه حتى لو كان مُكْرَهًا على الْحَوَالَةِ لا تصح لأن الحوالة
стр. 185
إبراء فيها معنى التمليك فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات (١).
٢ - الْمُحَتال: (هو الدائن، وهو أبداً طرف في العقد، إما بمباشرته، وإما بإجازته) ويشترط رضاه أيضاً ولا تصح الحوالة من غير رضاه لأنه نقل حق من ذمة إلى غيرها فلم يجز من غير رضى صاحب الحق (٢)، إلا الحنابلة فإنهم لم يشترطوا رضاه إن كان المحال عليه مليئاً (٣).
٣ - الْمُحَال عَلَيْهِ: (هو من انتقل الحق بالحوالة من ذمة المحيل إلى ذمته) (٤)، ويشترط رضاه على المعتمد عند الحنفية (٥)، ولا يشترط رضاه عند المالكية والشافعية والحنابلة، إلا أن المالكية يستثنون وجود عداوة بين الْمُحَالِ وَالْمُحَالِ عليه، فَلَا بُدَّ حينئذٍ من رِضَاهُ (٦)؛ ويعللون
стр. 186
بأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله (١)، وقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض فلزم المحال عليه الدفع إليه كالوكيل.
ويشترط وجود دين للمحيل على المحال عليه عند المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو أحد الوجهين عند الشافعية (٤)، بخلاف الحنفية فإنهم لا يشترطون ذلك (٥).
ومن هنا اختلف الفقهاء في معنى الحوالة، أهي بيعٌ؟ أم عقد استيفاء فيه إرفاق ومعونة؟ على قولين:
стр. 187
الأول: اعتبر الحوالة بيعاً فيه معنى المعاوضة ـ بيع دين بدين (١) ـ، ورتب عليها كثيراً من أحكام البيع، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣).
الثاني: جعلها عقد استيفاء وإرفاق ومعونة، وهو مذهب الحنفية (٤)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٥).
٤ - الْمُحَال بِهِ: (هُوَ الدَّيْنُ نفسه الذي للمحتال على المحيل، وهو هنا محل عقد الحوالة) ويشترط فيه أَنْ يكون ديناً فلا تصح الحوالة بالأعيان القائمة لأنها نقل ما في الذمة ولم يوجد (٦).
٥ - الصيغة: (وتتكون من الإيجاب والقبول) وهي عند جمهور الحنفية (٧)،
стр. 188
والمالكية ((١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، كل ما دلَّ على المعنى وإن لم يكن مشتق من لفظ الحوالة.
وهل تبرأ ذمة المحيل بالحوالة المستوفية للشروط أم لا؟
اتفق الفقهاء، الحنَفيةِ (٤)، والمالكية (٥)، والشَافِعيةِ (٦)، والحَنَابِلةِ (٧)، على براءةِ ذمةِ المحيلِ؛ لأن الْحَوَالَةَ مُشتَقَّةٌ من التحويل وهو النقل فكان معنى الانتقال لازماً فيها.
بيان التكييف:
بعد البيان لعقدي القرض والحوالة في الفقه الإسلامي، نأتي إلى التنزيل الفقهي لهذين العقدين على مسألتنا فنقول وبالله التوفيق:
стр. 189
- جهات القرض
المقرض: المصرف صاحب الآلة
المقترض: العميل صاحب البطاقة
القرض: المبلغ المسحوب من الآلة
- جهات الحوالة
المحيل: العميل صاحب البطاقة (المقترض)
المُحال: المصرف صاحب الآلة (المقرض)
المحال عليه: مصرف العميل المصدر للبطاقة
الحوالة: استيفاء القرض المسحوب من المقرِض (المصرف صاحب الآلة)
- التنزيل الفقهي
أولاً: يقوم العميل بسحب مبلغ من آلة مصرفٍ ليس له فيه حساب، وهذا يمثل اقتراضاً من ذلك المصرف ـ صاحب الآلة ـ.
ثانياً: يسمح المصرف بصرف المبلغ المطلوب، على أن يحيله الساحب على مليء وهو المصرف الذي للساحب فيه حساب.
ثالثاً: يحيل الساحب المصرف صاحب الآلة على مليء، وهو مصرفه المدين له ـ له فيه حساب جارـ.
стр. 190
رابعاً: يقبل مصرف العميل الحوالة بموجب العقود المبرمة، والاتفاقات الموقعة مسبقاً من قِبل العميل والمصرف عند فتح الحساب.
خامساً: تبرأ ذمة المحيل ـ الساحب ـ ويتحول الحق على المحال عليه ـ مصرف الساحب المليء ـ وهذا مقتضى الحوالة.
سادساً: يتقاضى المصرف الأول ـ صاحب الآلة ـ دينه من المحال عليه ـ مصرف العميل ـ ولكن بزيادة مقطوعة لكل عملية اقتراض، أو نسبية بحسب المبلغ المسحوب.
الحكم الشرعي على هذا الوجه من التكييف:
بناءً على ما سبق من التكييف للمسألة، فقد اختلف الباحثون في الحكم الشرعي على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يقضي بعدم جواز السحب من غير أجهزة مصدر البطاقة، لما يمثل ذلك من محظورات شرعية تتمثل بتلك العمولة المأخوذة من صاحب البطاقة، والتي تعد من الربا المحرم في الشريعة الإسلامية (١).
* أدلة هذا القول:
يمكن أن يستدل لهذا القول على هذا التكييف بعدة أدلة أهمها:
стр. 191
أولاً: شبهة الربا
والربا هنا يتمثل بالزيادة ـ العمولة ـ التي يأخذها البنك صاحب الآلة والذي يعد مقرِضاً، يأخذها من الساحب والذي يعد مقترضاً، إذ أن المصرف صاحب الآلة يستوفي دينه من المحال عليه، ـ مصرف الساحب ـ زائداً عليه مبلغاً من المال، أو مشترطاً نسبة معينة لكل عملية اقتراض، بحسب قوانين البنك ولوائحه الداخلية؛ وهذه الزيادة هي عين الربا.
ثانياً: إن كان السحب من آلة بنك ربوي فإن فيه إعانة له على الإثم، لما يأخذه من العمولات من كل ساحب من آلته، والتي تبلغ أرقاماً كبيرة كلما زاد عدد الساحبين، وهذا من التعاون على الإثم الذي نهينا عنه شرعاً، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ المائدة، آية (٢)
القول الثاني: فرق بعض الباحثين بين أن تكون العمولة مبلغاً مقطوعاً، أو نسبياً، فيُجَوِّزون المبلغ المقطوع، ويمنعون المبلغ النسبي ويعتبرونه رباً، أو من عقود الإذعان التي فيها حيف على العميل؛ لأن المبلغ المقطوع يعتبر تكاليف القرض، والنسبي شيء زائد لا مقابل له، فهو إما ربا على التكييف السابق، أو استغلال للعميل، وأخذ للمال دونما يقابله من عمل، فإن الجهد
стр. 192
والتكلفة الفعلية لاستخدام العميل للبطاقة لا يختلف من المبلغ القليل أو الكثير (١).
القول الثالث: يرى بعض الباحثين جواز تلك العمولة بإطلاق مع اعتماده هذا التكييف (قرض وحوالة) واعتبر أن العمولة ليست سوى أجرة وليست فائدة (٢).
стр. 193
الوجه الثاني: تكيف هذه المسألة بأنها وكالة بأجر (١).
وقبل بيان هذا التكييف يجدر بنا الوقوف عند عقد الوكالة في الفقه
الإسلامي:
يعرف فقهاء الإسلام الوكالة بأنها:
المذهب الحنفي: إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف معلوم (٢).
المذهب المالكي: نيابة ذي حق غير ذي إمرةٍ ولا عبادة لغيره فيه غير مشروط بموته (٣).
المذهب الشافعي: تفويض شخص لغيره ما يفعله عنه حال حياته مما يقبل النيابة (٤).
المذهب الحنبلي: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة (٥).
مشروعية الوكالة:
الوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع.
стр. 194
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ التوبة، آية (٦٠) فجوَّز العمل عليها وذلك بحكم النيابة عن المستحقين.
وأيضا قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الكهف، آية (١٩)
فلما أضاف الورق إلى جميعهم وجعل لهم استنابة أحدهم دل على جواز الوكالة وصحة الاستنابة (١).
وأما السنة: فعن عروة أن النبي ﷺ أعطاه دينارا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه (٢).
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمةُ على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجةَ داعية إليها (٣).
أركان عقد الوكالة:
أركان الوكالة أربعة: موكِّلٌ، ووكيلٌ، وموكَّلٌ فيه، وصيغة (٤).
стр. 195
وذهب الحنفية إلى أن للوكالة ركنٌ واحد فقط، هو الإيجاب والقبول (١). وهو يستلزم بالضرورة بقية الأركان.
الموكِّل: وهو من يقيم غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم (٢).
ويشترط فيه، صحة مباشرته ما وَكَّل فيه وهو التصرف المأذون فيه بملك كتوكيلِ نافذ التصرف في ماله، أو ولاية كتوكيل الأب، أو الجد في مال موليّه.
فلا يصح توكيل صبي ولا مجنون، ولا مغمى عليه ولا نائم في التصرفات، ولا فاسق في نكاح ابنته، إذ لا تصح مباشرتهم لذلك فإذا لم يقدر الأصل على تعاطي الشيء فنائبه أولى أن لا يقدر (٣).
الوكيلُ: هو المعهود إليه بتنفيذ الوكالة.
ويشترط فيه أيضاً أن يكون ممن يصح تصرفه فيه لنفسه، فلا يصح توكيل الصبي، والمجنون ومن في معناهما، أن يتوكلا في البيع والشراء لامتناع مباشرتهما العقد لأنفسهما فلغيرهما أولى، وفي معناهما المعتوه، والنائم، والمغمى عليه (٤). كما يشترط فيه أيضاً أن يكون معيناً (٥).
стр. 196
الموَكَّل فيه: وهو التصرف المأذون فيه من الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيل بملكٍ أو وِلاية (١).
ويشترط فيه عند الشافعية ثلاثة شروط (٢):
الأول: أن يكون قابلا للنيابة وهو ما لا يتعين بحكمه مباشرة (٣).
الثاني: أن يكون ما به التوكيل مملوكا لموكِّله (٤).
الثالث: أن يكون الموَكَّل به مضبوط الجنس معلوماً (٥).
стр. 197
الصيغةُ: وهي الإيجاب والقبول، وبهما يتم العقد، ويُعرف تراضي طرفي العقد. وتصح الوكالة بكل لفظ دل على الإذن وبكل قول أو فعل دل على القبول (١).
أنواع الوكالة:
تتنوع الوكالة باعتبار المحل إلى: وكالة عامة، ووكالة خاصة (٢). والأصل في الوكالة أن تكون في شيء مخصوص كونها نيابة، ولذا اختلف الفقهاء في الوكالة العامة على ما سيأتي.
فالوكالة العامة: هي كقولك لآخر: وكلتك بكل أمر من أموري الجائزة، أو وكلتك وكالة عامةً مطلقة، وما إلى ذلك من الألفاظ المشعرة بالعموم (٣). وقد قال بجوازها الحنفية (٤) والمالكية (٥).
أما الشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، فإنهم يشترطون في المحل أن يكون معلوماً، ولو بوجه من الوجوه، وهذا ما يعني نفي الوكالة العامة.
стр. 198
وأما الوكالة الخاصة: وهي كقولك لآخر أنت وكيلي بشراء هذه الدار، أو أنت وكيلي بالمرافعة مع هذا الشخص، وما إلى ذلك من الألفاظ المشعرة بالخصوصية (١).
أخذ الأجرة على الوكالة:
يجوز التوكيل بجعل وبغير جعل، وقد ثبت عن النبي ﷺ الأمران معاً، فقد وكَّل ﷺ أنيساً في إقامة الحد (٢)، وعروة (٣) في شراء شاة (٤).
تعيين الأجرة:
اشترط الفقهاء في الجُعل أو الأجرة على الوكالة أن تكون معلومة (٥)، وإن لم تكن معلومة فللوكيل أجرة المثل إن كان ممن لا يخدم إلا بأجرة، كأصحاب المهن والحرف، وإذا لم يكن ممن يخدم بالأجرة عُدَّ متبرعاً في عمله (٦).
стр. 199
وقت استحقاق الأجرة:
قرر الفقهاء وقت استحقاق الوكيل الأجرة من موكِّله، واشترطوا لهذا الاستحقاق أن يكون العمل معلوماً (١)، وأن يسلمه للموكِّل إن كان مما يمكن تسليمه؛ فمتى سلمه إلى الموكِّل فله الأجر (٢).
بيان التكييف لمسألتنا:
بعد البيان لعقد الوكالة في الفقه الإسلامي، نأتي إلى التنزيل الفقهي لهذا العقد على مسألتنا فنقول وبالله التوفيق:
- جهات عقد الوكالة
الموكل: صاحب البطاقة
الوكيل: المصرف صاحب الآلة
الوكالة: استيفاء الدين من مصرف العميل (المصرف المصدر للبطاقة)
- التنزيل الفقهي
أولاً: قيام العميل بإدخال البطاقة في صراف مصرفٍ غير مصرفه، هو بمثابة توكيل له بالاستيفاء من مصرفه الذي له فيه حساب، بحسب المبلغ المراد سحبه من مصرفه، وهذا من باب الوكالة الخاصة أو المقيدة، زماناً بوجود البطاقة المصرفية في الآلة، وقدراً بحسب المبلغ المحدد المراد سحبه.
стр. 200
ثانياً: يقوم المصرف صاحب الآلة بمخاطبة مصرف موكِّله، والتحقق من وجود رصيد لموكِّله، ومن ثمَّ استيفاء المبلغ المراد، مع عمولة يأخذها كأجرةٍ على الوكالة.
ثالثاً: يوافق مصرف الموكِّل على حسم المبلغ لوكيله، ـ المصرف صاحب الآلة ـ كاملاً مع أجرة الوكالة.
رابعاً: يسلم الوكيل ـ المصرف صاحب الآلة ـ المبلغ لموكِّله كاملاً، بعد أن يأخذ أجرته على هذه الوكالة ـ العمولة المصرفية ـ.
خامساً: يستحق الوكيل ـ المصرف صاحب الآلة ـ الأجرة على عمله قليلة كانت أم كثيرة من موكِّله، والتي تكون معلومة، ولعمل معلوم.
الحكم الشرعي على هذا التكييف:
يقرر أصحابُ هذا التكييف جواز السحب بالبطاقة من آلةٍ أخرى غير آلة البنك المصدر للبطاقة، وأن ليس في ذلك أي محظور شرعي، وقد ذهب إلى ذلك أكثر العلماء (١).
стр. 201
أدلة هذا الوجه من التكييف:
يمكن أن يستدل لهذا التكييف بعدة أدلة منها:
أولاً: إن صاحب البطاقة إنما يسحب من رصيده في الواقع ومن حسابه ولا يسحب من حساب البنك صاحب الآلة، ومما يدل على هذا، هو خصم المبلغ من الحساب لدى الساحب فوراً؛ بحيث لا يعد البنك صاحب الآلة مقرِضاً.
وبيان ذلك يتمثل بأن الصرَّاف يتعامل مع شبكة النقد التي تصله بالبنك المصدِر للبطاقة، فإذا تأكَّد من وجود المبلغ المراد سحبه في رصيد العميل اقتطع ذلك المبلغ مباشرة اقتطاعاً نهائيّاً لحسابه، فيكون هذا البنك قد قبض المبلغ حكماً من مصدِر البطاقة، وأما الرسوم المأخوذة من العميل، فهي أجور التكاليف والخدمات المقدّمة من البنك صاحب الآلة، والتي كُيِّفت بأنها أجرة على الوكالة.
ثانياً: القول بأن فيه إعانة على الإثم ـ حالة كون البنك المسحوب من آلته ربوياً ـ غير مسلَّم؛ لأنه ليس كل تعامل مع بنك ربوي يكون فيه إعانة، وقد تعامل النبي ﷺ مع اليهود وهم أكَّالون للسحت، وتوفي ﵊ ودرعه مرهونة عند يهودي؛ فتبين أنه ليس كل تعامل مع بنك ربوي يكون إعانة على الإثم، إنما تكون الإعانة إذا كانت تلك
стр. 202
الإعانة ظاهرة؛ بحيث لو لم تقدم لما قامت تلك البنوك، مثل الحسابات الجارية؛ لأن البنوك تعتمد اعتمادًا كبيرا على هذه الحسابات، ومقاطعة الناس للبنوك الربوية بعدم فتح حسابات فيها لا شك أنه أقوى رادع لها عن الوقوع في الربا، لكن مثل هذه العملية التي نحن بصددها لا يظهر أن فيها إعانة.
стр. 203
الترجيح
إنّ الناظر في المسألة يجد أن التكييف الشرعي ناتج عن تصور المسألة من الجانب الفني (١)، والتي نتح عنها التكييف الشرعي.
وبعد التدقيق في واقع تلك العمليات التي تُجرى بين البنك المسحوب منه، والبنك المصدر للبطاقة عموماً في أي بلد لا يمكن أن تخرج عن صورتين:
الصورة الأولى: أن يقوم البنك المصدِّر للبطاقة بتحويل المبلغ عند عملية السحب إلى البنك المسحوب منه مباشرة بطريقة إلكترونية، قبل أن يأخذ حامل البطاقة المبلغ من البنك المسحوب منه، ويحصل ذلك عبر شبكات مالية رابطة بين البنوك، وعند ذلك تُكَيَّف هذه الصورة بأنها (وكالة بأجر).
حكم هذه الصورة
نستطيع القول إنه حالة كون البنوك تتعامل بينها كما بينا في هذه الصورة، فإن المسألة دائرة في المباح، وليس فيها ما يقتضي التحريم، كما أن العمولة هي أجرة على الوكالة كما سبق، ويجوز أن تكون قليلة أو كثيرة، بشرط أن تكون معلومة.
стр. 204
الصورة الثانية: أن يقوم البنك المصدِّر للبطاقة بتعليق المبلغ المراد سحبه، أي لا يقوم بتحويله فوراً إلى البنك المسحوب منه، ثم بعد ذلك يأخذ العميل المبلغ من البنك المسحوب منه ـ صاحب الآلةـ، وبعد فترة يقوم البنك المصدر بتحويل ذلك المبلغ إلى البنك المسحوب منه؛ وعند ذلك تُكَيَّف هذه الصورة بأنها (قرض ومن ثم حوالة).
حكم هذه الصورة
وهنا نستطيع القول بأنه إن كانت هذه الرسوم التي يأخذها البنك المسحوب منه في مقابل التكاليف، وكانت مبالغ مقطوعة فهذا جائز، على أنها حقوق ومصروفات القرض، وإن كانت زائدة على التكاليف التي يبذلها البنك، أو كانت نسبية بحسب المبلغ المسحوب، فإنها غير جائزة لأنها من القرض الذي جر نفعاً (١).
الخلاصة
أستطيع القول بأن السحب من آلة مصرف غير مصرف مصدر البطاقة، جائزٌ إلا في حالة واحدة وهي:
أن لا يقبض المصرف صاحب الآلة المبلغ من مصرف العميل مباشرة، أو أنَّ مصرف العميل يعلق المبلغ المسحوب ولا يسلمه لمصرف صاحب الآلة،
стр. 205
وتكون حينئذٍ العمولة نسبية بحسب المبلغ المسحوب، أو ثابتة ولكن زائدة على التكاليف التي يبذلها المصرف صاحب الآلة.
وإنما آثرت هذا التقسيم في الترجيح ليتناسب مع كل بنك، وفي كل بلد بحسب ما تتعامل به تلك البنوك وبحسب الاتفاقات بين شبكات النقد التي تربط تلك البنوك، ولوائحها المنظمة.
كما أنه من الخطأ الحكم على المسألة بحكم واحد، لتصورٍ تصوره علماء بلد معين، بحسب لوائح البنوك والمصارف التي فيه، ثم نسحب الحكم ونعممه على غيره من البلدان من دون النظر إلى لوائح البنوك التي فيها وكيفية تعاملها مع بعضها، فإن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره.
الفرع الثاني: التكييف الشرعي حالة كون الدافع للعمولة هو مصرف العميل
عند سحب العميل مبلغاً من آلة صراف غير مصرفه، سواء كان السحب داخلياً، أم خارجياً، ـ خارج بلد مصرفه ـ فإن المصرف صاحب الآلة يتقاضى عمولة من المصرف المصدر للبطاقة، وتكون مبلغاً مقطوعاً، أو بحسب المبلغ المسحوب، ويمكن تكييف هذه المسألة على أحد الوجوه الآتية:
الوجه الأول: تكيف هذه المسألة بأنها تجمع بين القرض والحوالة (١)
وقد تكلمنا في الفرع الأول عن هذين العقدين من الناحية الفقهية بالتفصيل.
стр. 206
بيان التكييف
- جهات عقد القرض
المقرض: المصرف صاحب الآلة
المقترض: العميل صاحب البطاقة
القرض: المبلغ المسحوب من الآلة
- جهات عقد الحوالة
المُحيل: العميل صاحب البطاقة (المقترض)
المُحال: المصرف صاحب الآلة (المقرِض)
المحال عليه: مصرف العميل المصدر للبطاقة
- التنزيل الفقهي
والكلام حول التنزيل الفقهي في الفرع الأول هو بذاته الكلام هنا، خلا العمولة المصرفية المستفادة للمصرف صاحب الآلة؛ ففي الفرع الأول يدفعها العميل وتحسم من رصيده، وفي مسألتنا هذه تُدفع من المصرف المصدر للبطاقة، وهذا يعني أن القرض قد جرَّ نفعاً، وإن كان هذا النفع من غير المقترض.
стр. 207
الحكم الشرعي على هذا التكييف:
بناءً على ما سبق من التكييف للمسألة:
فإن الحكم الشرعي يقضي بعدم جواز السحب من غير أجهزة مصدر البطاقة، لما يمثل ذلك من محظورات شرعية تتمثل بتلك العمولة المأخوذة من المصرف المصدر للبطاقة، والتي تعد من القرض الذي يجر نفعاً، وهو وجه من وجوه الربا.
أدلة هذا الوجه من التكييف:
يمكن الاستدلال لهذا التكييف بعدة أدلة أهمها:
أولاً: شبهة الربا
والربا هنا يتمثل بالزيادة ـ العمولة ـ التي يأخذها البنك صاحب الآلة والذي يعد مقرِضاً، يأخذها من المصرف المصدر للبطاقة، إذ أن المصرف صاحب الآلة يستوفي دينه من المحال عليه، ـ مصرف الساحب ـ زائداً عليه مبلغاً من المال، أو مشترطاً نسبة معينة لكل عملية اقتراض، بحسب قوانين البنك ولوائحه الداخلية؛ وهذا يعني أن القرض قد جرَّ نفعاً للمقرض، وإن كان من غير المقترض، وقد نهى النبي ﷺ عن كل قرض يجر وراءه نفعاً بقوله: كل قرض جرَّ منفعة فهو ربا (١).
стр. 208
ثانياً: عند تحقيق النظر نجد أن العملية فيها ربا من وجه آخر، وهو أن المصرف المصدر والذي يُعد مقترضاً من العميل ـ عند فتح الحساب الجاري ـ يُسدي نفعاً للمقرض وهو العميل صاحب البطاقة بتحمله عمولات السحب عنه، مما يجر نفعاً للمقرض ـ وهو العميل ـ وهذا وجه من وجوه الربا.
ثالثاً: إن كان السحب من آلة بنك ربوي فإن فيه إعانة له على الإثم، لما يأخذه من العمولات من كل ساحب من آلته، والتي تبلغ أرقاماً كبيرة كلما زاد عدد الساحبين، وهذا من التعاون على الإثم الذي نهينا عنه شرعاً، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ المائدة، آية (٢).
الوجه الثاني: تُكيَّف هذه المسألة بأنها عقد جعالة بين المصرف مصدر البطاقة، والمصرف صاحب الآلة (١).
وقبل بيان التكييف يجدر بنا التوقف عند عقد الجعالة في الفقه الإسلامي ومن ثم نُنزِّل التكييف على مسألتنا:
تعريف الجعالة:
عرفها المالكية بأنها: أن يجعل الرجل للرجل أجرا معلوما ولا ينقده إياه على أن يعمل له في زمن معلوم أو مجهول مما فيه منفعة للجاعل (٢).
стр. 209
وعرفها الشافعية بقولهم: التزام عوض معلوم على عمل معين معلوم أو مجهول بمعين أو مجهول (١).
وعرفها الحنابلة بأنها: تسمية مالٍ معلوم لمن يعمل للجاعل عملاً مباحاً، ولو كان مجهولاً، أو لمن يعمل له مدةً ولو مجهولة (٢).
مشروعية الجعالة:
الجعالة جائزة عند الجمهور (٣)، خلا الحنفية (٤)، فإنهم لا يجيزونها في غير العبد الآبق، ودليل المنع عندهم ما في الجعالة من تعليق التملك على الخطر (أي التردد بين الوجود والعدم) كما أن الجعالة التي لم توجه، إلى معين لم يوجد فيها من يقبل العقد فانتفى العقد.
ودليل الجمهور الكتاب، والسنة، والمعقول على النحو التالي:
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يوسف، آية (٧٢)
стр. 210
وكان حمل البعير معلوماً عندهم، وهو الوسق وهو ستون صاعاً، وشرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا قُصَّ علينا من غير نكير، ولم يثبت نسخه، ومن خالف في هذه القاعدة جعله استئناساً (١).
أما من السنة: فعن أبي سعيد ﵁ قال: انطلق نفر من أصحاب النبي في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعلهم أن يكون عندهم بعض شيء. فأتوهم فقالوا: أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم: والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من غنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: (الحمد لله رب العالمين) فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَةٌ، قال: فأوفوهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي، فنذكر له الذي كان، فننظر الذي يأمرنا. فقدموا على النبي ﷺ ، فذكروا له ذلك، فقال: (وما يدريك أنها رقية؟ ) ثم قال: (قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهماً) وضحك النبي ﷺ (٢).
стр. 211
قال الزركشي ويستنبط من هذا الحديث جواز الجعالة على ما ينتفع به المريض من دواء أو رقية ولم يذكروه (١).
ومن المعقول: فإن الحكمة تقتضي ذلك، فإن العمل قد يكون مجهولًا، فتتعذر الإِجارة فيه، والحاجة تدعو إلى رده، وقد لا يجد متبرعاً فاقتضت حكمة الشارع جواز ذلك (٢).
أركان عقد الجعالة:
أركان الجعالة أربعة: الصيغة، والمتعاقدان، والعمل، والجعل (٣)، وبيانها على النحو التالي:
الأول: الصيغة
وهي: قول المستعمِل من رد عبدي الآبق، أو ضالتي، أو عمل العمل الذي يريده مما يجوز فعله ويستباح فله دينار. ولم يشترط القبول لفظاً بل كل من سمعه اشترك في حكمه فمن قام بالعمل استحق (٤).
стр. 212
ولم يشترط القائلون بالجعالة صيغة معينة لها، بل كل لفظ دال على الإذن في العمل بعوض معلوم، مقصود وملتزم، سواءٌ أكان الإذن عاماً لكل من سمعه أو علم به، أم كان الإذن خاصاً بشخص معين (١).
الثاني: المتعاقدان
المقصود بالمتعاقدين طرفا العقد وهما الجاعل الملتزم للجعل، والمجعول له وهو العامل.
ويشترط في الجاعل الملتزم للجعل مالكاً كان أو غيره أن يكون مطلق التصرف، فلا يصح من صبي، ومجنون، ومحجور سفه (٢).
وأما العامل فإن كان معينا اشترط فيه أهلية العمل، فيدخل فيه العبد، وغير المكلف بإذن وغيره، ويخرج عنه العاجز عن العمل كصغير لا يقدر عليه لأن منفعته معدومة، فأشبه استئجار الأعمى للحفظ؛ وإن كان مبهما كفى علمه بالنداء (٣).
стр. 213
الثالث: العمل
وهو كل ما يجوز الاستئجار عليه وما لا يحوز، فما لا تجوز الإجارة عليه من الأعمال لكونه مجهولاً تجوز الجعالة عليه للحاجة، وما جازت الإجارة عليه جازت الجعالة أيضا على الصحيح (١).
إذاً لا يشترط كون العمل معلوماً (٢)، بل يجوز وإن كان مجهول القدر. ويشترط في العمل كونه فيه كلفة، لأن ما لا كلفة فيه لا يقابل بعوض (٣).
الرابع: الجُعْلُ
وهو الأجر من الملتزم (الجاعل) للعامل. ويشترط لصحة الجعالة كون الجُعل مالاً معلوماً؛ لأنه عوض كالأجرة، ولأنه عقد جُوِّز للحاجة، ولا حاجة لجهالة العوض بخلاف العمل والعامل (٤).
وقت اسْتِحْقَاقُ الْجُعْل
لا يستحق العامل الجعل إلا بعد الفراغ من العمل وإتمامه (٥)، فلو شرط تعجيل الجعل فسد العقد، واستحق أجرة المثل (٦).
стр. 214
بيان التكييف لمسألتنا:
بعد بيان عقد الجعالة في الفقه الإسلامي، نأتي إلى التنزيل الفقهي لهذا العقد على مسألتنا فنقول وبالله التوفيق:
- جهات عقد الجعالة
الجاعل: مصرف العميل وهو المصدر للبطاقة
العامل: المصرف صاحب الآلة
الجعالة: العمولة المتفق عليها
العمل: الاستجابة لطلبات عميل الجاعل (صاحب البطاقة)
- التنزيل الفقهي
أولاً: يتم الاتفاق بين المصرف مصدر البطاقة والمصرف صاحب الآلة عن طريق شبكة النقد (١) على أن من جاء من عملاء مصدر البطاقة طالباً السحب من آلة مصرف آخر، فإنه يسمح له، على أن يُجعل للمصرف صاحب الآلة جُعلاً يتفقا عليه.
стр. 215
ولا يقال إن الجعالة في هذه الحالة مجهولة العمل، لكون المصرف لا يعلم كم من العملاء سيستخدمون أجهزة مصارف أخرى، ولا كم عدد مرات الاستخدام، لأن جهالة العمل لا تؤثر في عقد الجعالة كما بينا (١).
ثانياً: عند إدخال العميل بطاقته في آلة المصرف الآخر، فإن هذا المصرف يخاطب مصرف العميل برغبة عميله السحب من آلته، ثم يأخذ منه الموافقة، ويتم السحب، وتجري الأمور على نسق العقد المبرم بينهما سابقاً.
ثالثاً: بعد التحقق من كفاءة رصيد العميل تأتي موافقة مصرف العميل على السحب، ثم يتم السحب والخصم فوراً من حساب العميل، عن طريق القيد المصرفي، ويتم أيضاً معها خصم أجرة المصرف صاحب الآلة (الجعالة).