قال الزركشي ويستنبط من هذا الحديث جواز الجعالة على ما ينتفع به المريض من دواء أو رقية ولم يذكروه (١).
ومن المعقول: فإن الحكمة تقتضي ذلك، فإن العمل قد يكون مجهولًا، فتتعذر الإِجارة فيه، والحاجة تدعو إلى رده، وقد لا يجد متبرعاً فاقتضت حكمة الشارع جواز ذلك (٢).
أركان عقد الجعالة:
أركان الجعالة أربعة: الصيغة، والمتعاقدان، والعمل، والجعل (٣)، وبيانها على النحو التالي:
الأول: الصيغة
وهي: قول المستعمِل من رد عبدي الآبق، أو ضالتي، أو عمل العمل الذي يريده مما يجوز فعله ويستباح فله دينار. ولم يشترط القبول لفظاً بل كل من سمعه اشترك في حكمه فمن قام بالعمل استحق (٤).
стр. 212
ولم يشترط القائلون بالجعالة صيغة معينة لها، بل كل لفظ دال على الإذن في العمل بعوض معلوم، مقصود وملتزم، سواءٌ أكان الإذن عاماً لكل من سمعه أو علم به، أم كان الإذن خاصاً بشخص معين (١).
الثاني: المتعاقدان
المقصود بالمتعاقدين طرفا العقد وهما الجاعل الملتزم للجعل، والمجعول له وهو العامل.
ويشترط في الجاعل الملتزم للجعل مالكاً كان أو غيره أن يكون مطلق التصرف، فلا يصح من صبي، ومجنون، ومحجور سفه (٢).
وأما العامل فإن كان معينا اشترط فيه أهلية العمل، فيدخل فيه العبد، وغير المكلف بإذن وغيره، ويخرج عنه العاجز عن العمل كصغير لا يقدر عليه لأن منفعته معدومة، فأشبه استئجار الأعمى للحفظ؛ وإن كان مبهما كفى علمه بالنداء (٣).
стр. 213
الثالث: العمل
وهو كل ما يجوز الاستئجار عليه وما لا يحوز، فما لا تجوز الإجارة عليه من الأعمال لكونه مجهولاً تجوز الجعالة عليه للحاجة، وما جازت الإجارة عليه جازت الجعالة أيضا على الصحيح (١).
إذاً لا يشترط كون العمل معلوماً (٢)، بل يجوز وإن كان مجهول القدر. ويشترط في العمل كونه فيه كلفة، لأن ما لا كلفة فيه لا يقابل بعوض (٣).
الرابع: الجُعْلُ
وهو الأجر من الملتزم (الجاعل) للعامل. ويشترط لصحة الجعالة كون الجُعل مالاً معلوماً؛ لأنه عوض كالأجرة، ولأنه عقد جُوِّز للحاجة، ولا حاجة لجهالة العوض بخلاف العمل والعامل (٤).
وقت اسْتِحْقَاقُ الْجُعْل
لا يستحق العامل الجعل إلا بعد الفراغ من العمل وإتمامه (٥)، فلو شرط تعجيل الجعل فسد العقد، واستحق أجرة المثل (٦).
стр. 214
بيان التكييف لمسألتنا:
بعد بيان عقد الجعالة في الفقه الإسلامي، نأتي إلى التنزيل الفقهي لهذا العقد على مسألتنا فنقول وبالله التوفيق:
- جهات عقد الجعالة
الجاعل: مصرف العميل وهو المصدر للبطاقة
العامل: المصرف صاحب الآلة
الجعالة: العمولة المتفق عليها
العمل: الاستجابة لطلبات عميل الجاعل (صاحب البطاقة)
- التنزيل الفقهي
أولاً: يتم الاتفاق بين المصرف مصدر البطاقة والمصرف صاحب الآلة عن طريق شبكة النقد (١) على أن من جاء من عملاء مصدر البطاقة طالباً السحب من آلة مصرف آخر، فإنه يسمح له، على أن يُجعل للمصرف صاحب الآلة جُعلاً يتفقا عليه.
стр. 215
ولا يقال إن الجعالة في هذه الحالة مجهولة العمل، لكون المصرف لا يعلم كم من العملاء سيستخدمون أجهزة مصارف أخرى، ولا كم عدد مرات الاستخدام، لأن جهالة العمل لا تؤثر في عقد الجعالة كما بينا (١).
ثانياً: عند إدخال العميل بطاقته في آلة المصرف الآخر، فإن هذا المصرف يخاطب مصرف العميل برغبة عميله السحب من آلته، ثم يأخذ منه الموافقة، ويتم السحب، وتجري الأمور على نسق العقد المبرم بينهما سابقاً.
ثالثاً: بعد التحقق من كفاءة رصيد العميل تأتي موافقة مصرف العميل على السحب، ثم يتم السحب والخصم فوراً من حساب العميل، عن طريق القيد المصرفي، ويتم أيضاً معها خصم أجرة المصرف صاحب الآلة (الجعالة).
стр. 216
الحكم الشرعي على الوجه من التكييف:
ينبني على التكييف السابق الحكم بجواز سحب الأموال من آلة مصرف غير مصرف العميل المصدر للبطاقة، وما يأخذه المصرف صاحب الآلة من مصرف العميل من أجرة (عمولة) جائزة شرعاً، وهي تمثل عقد الجعالة في الشريعة الإسلامية.
أدلة هذا الوجه من التكييف:
يمكن الاستدلال لهذا التكييف بما يلي:
أولاً: إن عقد الجعالة من العقود المباحة والمشروعة في الإسلام، وليس في المسألة اقتراض إذ إن صاحب البطاقة إنما يسحب من رصيده في الواقع ومن حسابه ولا يسحب من حساب البنك صاحب الآلة، ومما يدل على هذا، هو خصم المبلغ من الحساب لدى الساحب فوراً؛ بحيث لا يعد البنك صاحب الآلة مقرِضاً.
وبيان ذلك يتمثل بأن الصرَّاف يتعامل مع شبكة النقد التي تصله بالبنك المصدِر للبطاقة، فإذا تأكَّد من وجود المبلغ المراد سحبه في رصيد العميل اقتطع ذلك المبلغ مباشرة اقتطاعاً نهائيّاً لحسابه، فيكون هذا البنك قد قبض المبلغ حكماً من مصدِر البطاقة، وأما الرسوم المأخوذة من البنك المصدِر للبطاقة، فهي أجور التكاليف والخدمات المقدّمة من البنك المسحوب منه والتي كُيِّفت بأنها جعالة.
стр. 217
ثانياً: القول بأن فيه إعانة على الإثم ـ حالة كون البنك المسحوب من آلته ربوياً ـ غير مسلَّم؛ لأنه ليس كل تعامل مع بنك ربوي يكون فيه إعانة، وقد بينا ذلك سابقاً.
ثالثاً: النفع الحاصل للعميل، جرَّاء دفع المصرف المصدر للبطاقة للعمولة بدلاً من العميل ليس متمحضاً، بل يشترك فيه المصرف أيضاً، بل إن المصرف إنما تحمَّل هذه العمولة لمصلحته هو، كونه وفَّر على نفسه شراء أعداد كبيرة من أجهزة الصرف، وما يلحقها من عمليات الصيانة وغيرها؛ فالنفع الحاصل للمصرف أكبر بكثير من النفع الحاصل للعميل، وهذا النفع غير المتمحض يمكن قياسه بمسألة (السفتجة) (١) وهي قرض عند الجمهور (٢)، لسقوط خطر الطريق (٣)، وقد جوزها كثير من العلماء.
стр. 218
فقال بجوازها لا سيما مع عدم الاشتراط، الحنفية ولكن مع الكراهة، ورواية في مذهب أحمد مطلقاً لأن النفع حاصل لهما، ولم يجزها الشافعية مع الشرط، وأجازوها بدونه، وهي كذلك عن مالك (١).
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: قد يكون في القرض منفعة للمقرض كما في مسألة السفتجة؛ ولهذا كرهها من كرهها والصحيح أنها لا تكره، لأن المقترض ينتفع بها أيضاً ففيها منفعة لهما جميعاً إذا أقرضه (٢).
ثم بين وجه المنفعة فقال: والصحيح الجواز لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض والشارع لا ينهي عما ينفع الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم وقد أغناهم الله عنه (٣). ولأنها ليست بزيادة في قدر ولا صفة، فلا يفسد القرض كشرط الأجل، بل فيه مصلحة لهما، فجاز كشرط الرهن (٤).
стр. 219
الوجه الثالث: يمكن تكييف مسألتنا بأنها وكالة بأجر
يمكن أن تكيف مسألتنا بأنها وكالة بأجر (١)، وقد تكلمنا على عقد الوكالة في الفقه الإسلامي في الفرع الأول بما يغنينا عن إعادته هنا (٢).
بيان التكييف
- جهات عقد الوكالة
جهات هذا العقد في مسألتنا تتضح من خلال الآتي:
الموكِّل: المصرف المصدر للبطاقة
الوكيل: المصرف صاحب الآلة
الوكالة: أداء دين لصاحبه (العميل صاحب البطاقة).
- التنزيل الفقهي
أولاً: يتم الاتفاق بين المصرف المصدر للبطاقة، مع المصارف الأخرى عبر شبكة النقد، على أن من جاء من عملائه للسحب من أجهزتها فإنها تسمح بذلك، بعد معرفة كفاءة رصيده في مصرفه. مقابل أجر (عمولة)، وهذا بمثابة توكيل من المصرف المصدر للمصارف الأخرى، بالاستجابة لطلبات عملائه وتنفيذها مقابل أجر يقدمه المصرف المصدر.
стр. 220
ثانياً: يدخل العميل بطاقته في آلة غير مصرفه، فتتصل مباشرة بشبكة النقد للرجوع إلى حساب العميل، ويتم التأكد من رصيد صاحب البطاقة.
ثالثاً: يحول المصرف المصدر للبطاقة المبلغ المراد سحبه، للمصرف صاحب الآلة، فيستوفي العميل المبلغ المراد.
رابعاً: يستوفي المصرف أجرته على الوكالة من وكيله وهو المصرف المصدر للبطاقة، بعد القيام بالوكالة والانتهاء منها.
الحكم الشرعي على هذا الوجه من التكييف
ينبني على ما سبق من التكييف جواز القيام بالسحب من آلة مصرف غير مصدر للبطاقة، وإن كانت العمولة يدفعها المصرف المصدر، ولا حرج في ذلك شرعاً، لقيامها على عقد صحيح مباح في الشرع.
أدلة هذا الوجه من التكييف
يمكن الاستدلال لهذا التكييف بما يلي:
أولاً: عقد الوكالة من العقود الجائزة في الشريعة الإسلامية، ولا مبرر لمنعه في مسألتنا، مع حاجة الناس إليه.
ثانياً: الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يأت مَنْ يمنع هذه المسألة بما يشفي النفس من الأدلة والبراهين.
ثالثاً: لا ينشأ في المسألة قرض بين المصرفين البتة حتى نمنع الزيادة عند الاقتضاء، كون الحسم من حساب العميل يتأتى مباشرة، بل ويُعلم العميل عن
стр. 221
طريق الرسائل (sms) (١) عبر الهاتف النقال مقدار ما نقص من رصيده جرَّاء ذلك السحب على الفور.
الترجيح
بعد النظر في التكييفات السابقة للمسألة، يمكن القول بجواز السحب من آلة مصرف غير المصدر، ولا حرج شرعي في ذلك، وذلك بناء على أحد التكييفين الآتيين:
التكييف الأول: عقد الجعالة
التكييف الثاني: عقد الوكالة بأجر
ويبعد تنزيل المسألة على التكييف الأول، القاضي بأنها تحوي عقدين: الأول القرض، والثاني: عقد الحوالة؛ وذلك لأن المصرف صاحب الآلة، لا يُقرِض العميل عند سحبه منه، لكون التأثير بالحسم من رصيده يحصل بصورة مباشرة، فلا يبقى للقرض احتمال.
أما إن كان المصرف لا يحسم المبلغ المسحوب من حساب العميل مباشرة، فإن المسألة ستكيف على أنها قرض وهي لا تخلو عن حالتين:
الأولى: أن تكون الرسوم (العمولة) المأخوذة زائدة على تكاليف القرض، أو نسبية بحسب المبلغ المسحوب.
стр. 222
الثانية: أن تكون الرسوم (العمولة) المأخوذة ليست زائدة على تكاليف القرض.
ففي الحالة الأولى لا يجوز أخذ تلك العمولة لأنها تمثل رباً، أو استغلالاً منه، وأخذاً للمال دونما مقابل، فإن الجهد والتكلفة الفعلية (١) لاستخدام العميل للبطاقة لا يختلف من المبلغ القليل أو الكثير سواء كان البنك المسحوب منه إسلامياً، أو ربوياً (٢).
أما في الحالة الثانية وهي كون العمولة ليست زائدة على تكاليف القرض فيجوز أخذ تلك العمولة، وذلك على أساس أن العمولة تقابل خدمة فعلية لتوصيل المال للساحب، ولا ترتبط بمقدار الدين ولا بأجل الوفاء به، فهي فقط تكاليف القرض (٣).
стр. 223
والخلاصة
جواز أخذ هذه العمولة كون العميل لا يعد مقترضاً لحصول الحسم الفوري من رصيده، سواء كان التكييف لها وكالة بأجر، أم جعالة إلا في حالة واحدة وهي: عند عدم حصول الحسم الفوري من رصيد العميل، وكانت العمولة زائدة على تكاليف القرض، أو كانت نسبية.
وقد صدرت الفتوى من الهيئة الشرعية ببيت التمويل الكويتي بذلك، وجوَّزت أخذ مصاريف على السحب من الحساب الجاري بالبطاقة، إن كان من آلة مصرف آخر، على أن تكون التكلفة فعلية لعملية السحب (١).
стр. 224
المطلب الرابع: التكييف الشرعي للسحب بالبطاقة بغير العملة المودعة في حساب العميل
- تصوير المسألة
مصرفان وعميل، المصرف الأول للعميل فيه حساب جارٍ ومنه صدرت بطاقة الصراف الآلي، والمصرف الثاني ليس للعميل فيه حساب، قام العميل باستيفاء قرضه من المصرف الأول بعملة مغايرة للعملة المودعة في حسابه، ولكن باستخدام آلة صراف المصرف الثاني الذي ليس للعميل فيه حساب، بعمولة تؤخذ من العميل لصالح المصرف صاحب الآلة، وللمنظمة الراعية، وللمصرف المصدر.
- التمثيل
قيام عميل له حساب في مصرِف بيت التمويل الكويتي بالدينار الكويتي، بسحب مئة ريال بالعملة السعودية (١) عن طريق السحب الآلي، من حسابه السابق في بيت التمويل الكويتي، ولكن عن طرق آلة صرف تابعة لبنك مصرف الراجحي (٢)، فتترتب عليه عمولة للبنك صاحب الآلة ـ مصرف الراجحي ـ وعمولة للمصرف المصدرـ بيت التمويل الكويتي ـ جراء
стр. 225
الحوالة للخارج، وعمولة للمنظمة الراعية، فيزا ـ مثلاً ـ تؤخذ من حسابه في بيت التمويل.
- محور البحث
يدور محور البحث في مسألتنا حول شرعية ذلك السحب المالي بالعملة المغايرة، وحكم العمولة المقتطعة، أو النسبية المستفادة للمصرف صاحب الآلة المسحوب منها، والمصرف المصدر، والمنظمة الراعية.
التكييف الشرعي
اختلف الباحثون في التكييف الشرعي لهذه المسألة على عدة أقوال نذكر أهمها:
التكييف الأول: قرض (١)، وحوالة مقترنة بالصرف (٢).
لا يخفى أن هذا السحب المالي من البنك الخارجي هو عبارة عن إذن من المصدر للبطاقة لبنك خاص أو لكل أحد في أن يؤدي قرضًا عليه لمن يحمل بطاقته، فحامل البطاقة يأخذ النقد على ذمة المصدر وهو مأذون في التصرف فيه، ويتملكه الساحب إما بعنوان أداء الدين الذي له على المصدر (استيفاء) فيما إذا كان الساحب صاحب حساب دائن لدى البنك المصدر للبطاقة وهو
стр. 226
أمر لا بأس به، أو بعنوان الاقتراض من البنك المصدر أن لم يوجد له حساب دائن لدى البنك المصدر للبطاقة.
فإذا سحب العميل ببطاقته مبالغ نقدية من فروع بعض البنوك الخارجية المرتبطة ببنكه بواسطة منظمة الفيزا مثلًا، مباشرة أو من طريق أجهزة الصرف الآلي، فإن البنك المصدر يقوم بتسديد الدين الذي أخذه عميله
(صاحب البطاقة)، وعملية التسديد تقتضي أولًا أن يقرض البنك عميله عملة محلية أو أن العملة المحلية موجودة لدى حساب العميل ثم يقوم بتحويلها إلى العملة الخارجية، فيستحق البنك المصدر الفرق في تحويل هذه العملة وهو ما يسمى بالصرف، فيبيع نقده الذي هو دينار إلى العميل بدولار ثم يسدد دين عميله في الخارج بواسطة الدولار، فيحصل البنك على فائدة الصرف، وعمولة التحويل (١). كما يكون للمنظمة الراعية نصيب من العمولة وكذا للمصرف المقرض.
وقد تكلمنا عن عقدي القرض والحوالة في الفقه الإسلامي، فيما سبق مما يغنينا عن إعادته هنا.
ويبقى الكلام عن الصرف في الفقه الإسلامي وهو ما سنتكلم عنه الآن، ومن ثم نُنَزِّل التكييف على مسألتنا هذه.
تعريف الصرف
تعرف الحنفية: بيع الثمن بالثمن جنسا بجنس أو بغير جنس (٢).
стр. 227
تعريف المالكية: بيع النقد بنقد مغاير لنوعه (١).
تعريف الشافعية والحنابلة: بيع النقد من جنسه أو غيره (٢).
وهكذا نجد الفقهاء اتفقوا على أن الصرف بيع النقود بنقود أخرى، كبيع الذهب بالفضة، أو العكس، أو مبادلتها ببعضها.
واليوم قامت الأوراق النقدية مكان الذهب والفضة، فأخذت أحكامها، لكونها تمثل أثماناً للأشياء، كما كان النقدان الأولان الذهب والفضة؛ فبيع الدينار بالريال، أوالريال بالدولار، لها ذات أحكام الصرف في الذهب والفضة.
مشروعية الصرف
بيع النقود ببعضها جائز بالكتاب والسنة، وهو داخل في عموم حلية البيع، كما أن الحاجة إليها داعية.
أما الكتاب: فبيع النقود داخل تحت عموم قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ سورة البقرة - الآية (٢٧٥)
وأما السنة: فما رواه عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (٣).
стр. 228
أي: بيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلاً بمثل" والمراد به المماثلة في القدر، لا في الصورة، وحيث إن عقد الصرف بيع الأثمان بعضها ببعض، ولا يقصد به إلا الزيادة والفضل دون الانتفاع بعين البدل في الغالب، والربا كذلك فيه زيادة وفضل، وضع الفقهاء لجواز الصرف شروطاً تُميِّز الربا عن الصرف، وتمنع الناس عن الوقوع في الربا (١).
وأما دعوى الحاجة لبيع النقود ببعضها، فمعلوم متقرر لا سيما في عصرنا، لمن كان يريد السفر والتنقل بين البلدان؛ بل إن السفر أو الإقامة في بلدٍ ما قد تكون متعذرة، ما لم يبع ما عنده من نقود بلده بنقود البلد التي جاء إليها.
شروط الصرف
اشترط الفقهاء شروطاً للصرف لا يصح ما لم تتوفر، والصرف إما أن يكون بجنسه، أو بغير جنسه وبيانها كالتالي:
أولاً: تَقَابُضُ الْبَدَلَيْنِ:
اتفق الفقهاء على اشتراط التقابض للبدلين بين البائع والمشتري قبل افتراقهما (٢)، سواء كان الصرف من نفس الجنس أو من غيره، ودليلهم في ذلك، قول النبي ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ .. ، يَدًا
стр. 229
بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (١). ونهى أن يباع غائب منها بناجز (٢).
قال ابن المنذر: وأجمعوا أن المتصارفين إذا تفرقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد (٣).
ثانياً: التَّمَاثُل:
هذا هو الشرط الثاني من شروط الصرف، وهو خاص ببيع أحد النقدين بجنسه، كبيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، وإن اختلفت جودتهما، لقوله ﷺ : "مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ" (٤).
ويقاس عليه كل نقدين يقومان مقام الذهب والفضة، كالدينار بالدينار، أو الريال بالريال وهكذا، فكل عملة تعد جنساً، وليست كل العملات جنساً واحداً، إذ أن قوتها الشرائية ليست متكافئة، فلا تجوز الزيادة في بيع أحدهما بالآخر، سواء كانت هذه الزيادة من نفس الجنس، أو من غيره.
وقد اتفق الفقهاء أيضاً على اشتراط التماثل إذا اتحد الجنس (٥)، ودليلهم قول النبي ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ،
стр. 230
وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ .. (١) وقوله: لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ (٢)، وقوله ﷺ : لاَ تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلاَ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ (٣).
أنواع الصرف
للصرف صور وأنواع كثيرة، مثبتة في كتب الفقه الإسلامي (٤)، ونحن نذكر أهمها والمتعلقة بموضوع بحثنا، وهي كالتالي:
النوع الأول: بيع أحد النقدين بجنسه
والمقصود بالنقدين الذهب والفضة، أو ما يقوم مقامهما في الوقت الحاضر، وقد اتفق الفقهاء على اشتراط التماثل في القدر والوزن، والحلول قبل التفرق في مجلس العقد، وقد نهى النبي ﷺ ، عن بيع النقد بجنسه متفاضلاً كما نهى عن بيع النقد بجنسه نساءً.
стр. 231
النوع الثاني: بيع أحد النقدين بالآخر
يجوز في بيع أحد النقدين كالذهب ـ مثلاً ـ بالفضة، متفاضلاً لاختلاف الجنس، ولكن يشترط التقابض في مجلس العقد، وقد أجاز النبي ﷺ ، مثل هذا البيع إذا كان يداً بيد، أي يتقابضا قبل انفضاض المجلس.
النوع الثالث: صرف ما في الذمة أو على الذمة
يمكن تصوير المسألة بعدة صور، إذ أن الصرف في الذمة له صور شتى أشهرها ما يلي:
الصورة الأولى:
رجل له على آخر ذهباً، وللآخر عليه دراهم، فأراد الأول اقتضاء ما له من الآخر، والآخر اقتضاء ما له من الأول، فتصارفا ما في ذمتهما وأسقط الثاني ما في ذمته من ذهب بقدر ما في ذمة الأول من دراهم.
حكم هذه الصورة:
اختلف الفقهاء في حكم هذه الصورة على ثلاثة أقوال:
الأول: جواز هذه الصورة
ذهب الحنفية (١) إلى جواز المصارف في الذمة على هذه الصورة، ووجه الجواز أنه جعل ثمنه دراهم لا يجب قبضها ولا تعيينها بالقبض وذلك جائز إجماعاً؛ لأن التعيين للاحتراز عن الربا أي ربا النسيئة ولا ربا في دين سقط،
стр. 232
إنما الربا في دين يقع الخطر في عاقبته ولذا لو تصارفا دراهم ديناً بدنانير ديناً صح لفوات الخطر (١).
الثاني: منع هذه الصورة
ذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣)، إلى منع المصارفة في الذمة بهذه الصورة، وجعلوا ذلك من بيع الكالئ بالكالئ، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ (٤)، وفُسِّر بأنه الدين بالدين (٥).
стр. 233
الثالث: التفصيل
أما المالكية (١) فقد فصَّلوا في المسألة، فقالوا إن كان الدينان مؤجلان، سواء اتحد الأجلان أم اختلفا، أو أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، وتصارفا قبل حلولهما بأن أسقط كل منهما ماله على الآخر في نظير إسقاط الآخر ماله عليه، فإن ذلك لا يجوز لأن ذلك من بيع الدين بالدين، وإن كانا حالين جاز لعدم تأخر القبض لاستحقاق كل منهما قبض ما هو عليه بمجرد عقد الصرف فيقبضه من نفسه (٢).
الصورة الثانية:
اقتضاء الدائن بأحد النقدين من المدين بالنقد الآخر، كأن يكون رجل له دنانير على آخر فيستوفي منه دراهماً بدلاً من الدنانير.
حكم هذه الصورة:
اختلف الفقهاء في حكم الصرف في الذمة على ما في هذه الصورة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز الصرف على ما في هذه الصورة
ذهب الحنفية (٣)، والشافعية في الجديد (٤)، والحنابلة (٥)، وهو قول أكثر أهل العلم (٦)، إلى جواز هذه المصارفة، بشرطين:
стр. 234
١ - أن يُقبض البدل في مجلس العقد
٢ - وأن تكون بسعر يومها
أما اشتراط التقابض، وأن يكون الصرف بسعر اليوم، فمعلوم من النص، وهو قول النبي ﷺ : فيما روى ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت النبي ﷺ في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فقال: رسول الله ﷺ ، لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء (١).
وأيضاً، فإذا قضاه بسعر يومها ولم يجعل للمقضي فضلاً لأجل تأجيل ما في الذمة، لأنه إذا لم ينقصه عن سعرها شيئا فقد رضي بتعجيل ما في الذمة
стр. 235
بغير عوض فأشبه ما لو قضاه من جنس الدين، ولم يستفصل النبي ﷺ ، ابن عمر حين سأله، ولو افترق الحال لسأل واستفصل (١).
القول الثاني: عدم جواز الصرف على ما في هذه الصورة
ذهب ابن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن شبرمة، وروي ذلك عن ابن مسعود (٢)؛ وهو مذهب الشافعي في القديم (٣)، ذهبوا إلى عدم جواز الصرف على الذمة على ما في هذه الصورة، وقالوا لأن القبض شرط وقد تخلف (٤)، فلا يجوز الصرف بدون القبض، وما في الذمة ليس بمقبوض.
القول الثالث: التفريق فيما كان في الذمة
ذهب المالكية (٥)، إلى القول بعدم جواز الصرف على ما في الذمة بهذه الصورة إن كان ما في الذمة مؤجلاً، ولم يكن حالاً، لافتقاره للقبض، إذ القبض شرط في الصرف، وما كان مؤجلاً ليس مقبوضاً ولا بمعنى المقبوض، وعليه يكون المطالَبُ مسلِفاً، أو مقرِضاً على ما في ذمته.
وقد توقف الإمام أحمد (٦) في هذه الصورة.
ووجه اشتراط المالكية، حلول الدين الذي في الذمة، أنهم اعتبروه قبضاً أو بمعنى القبض، ولكن إن كان مؤجلاً فإنهم لم يعتبروه قبضاً ولا بمعنى
стр. 236
القبض، لأن الذمة عامرة وإنما يكون المطالب ها هنا كالمسلِف على ذمته، فإذا حل الأجل قبض ما أسلفه عنها، أو يقدر أنه نقد ها هنا ليأخذ من ذمته عند حلول الأجل فيصير صرف فيه تأخير (١).
وأجيب عليهم بأن الدين ثابت في الذمة وهو بمنزلة المقبوض، وإن كان مؤجلاً فكأنه رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض، فأشبه ما لو قضاه من جنس الدين، ولم يستفصل النبي ﷺ ، ابن عمر حين سأله، ولو افترق الحال لسأل واستفصل (٢).
بيان التكييف:
يتضح التكييف الفقهي لمسألتنا من خلال الآتي:
- جهة عقد القرض
المقترض: العميل الساحب
المقرض: المصرف صاحب الآلة
القرض: المبلغ المسحوب من آلة المصرف
- جهة عقد الحوالة
المحيل: العميل الساحب
стр. 237
المحال: المصرف صاحب الآلة
المحال عليه: مصرف العميل المصدر للبطاقة
الحوالة: المبلغ المسحوب من قِبل العميل
- أما جهات الصرف والمصارفة فهي كالتالي:
طالب الصرف: العميل الساحب المقرِض للمصرف المصدر
قابل الطلب: مصرف العميل المقترض منه
الصيرفة: استيفاء العميل الدائن (الساحب) قرضه من المصرف المصدر، ولكن بنقد آخر، غير النقد الذي في ذمة المقترض (المصرف المصدر)، وهو الصرف على الذمة.
- التنزيل الفقهي
أولاً: قيام العميل بالسحب من مصرف آخر خارج بلده يعد اقتراضاً، من ذلك المصرف، بعد أن يتأكد المصرف من رصيده في المصرف المصدر وملاءته.
ثانياً: يحيل العميل المصرف الذي اقترض منه، على مصرفه الذي له فيه حساب.
ثالثاً: يقبل مصرف العميل حوالة عميله، بعد التأكد من قابلية رصيده.
стр. 238
رابعاً: إن كانت الحوالة بعملة مغايرة لما في رصيد العميل، يقوم المصرف بصرف العملات، بسعر اليوم الذي وصلت له الحوالة، ولكنه يختار الحد الأعلى من أسعار التحويل، فيستفيد من فارق الأسعار شراءً وبيعاً، حيث أنه يسدد المبلغ بقيمة شراء العملة، ويستوفيه من حامل البطاقة بقيمة بيع العملة الأجنبية، فيقوم المصرف بأمرين: الأول: استبدال العملة والثاني: تحويلها إلى الخارج (١). ومن ثم ينقد المحال بالعملة المطلوبة، بعد اقتطاع أجرة التحويل.
خامساً: يكون العميل قد استوفى قرضه من مصرفه، بنقد آخر يقابله، وهذا هو الصرف على الذمة، على ما في الصورة الثانية كما بينا من قبل.
الحكم الشرعي على هذا التكييف
بناءً على ما سبق من التكييف للمسألة، فقد اختلف الباحثون في الحكم الشرعي على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يقضي بمنع تقاضي العمولة من الساحب لصالح المصرف صاحب الآلة، لأنه مقرض وسيستوفي قرضه بزيادة تتمثل بهذه العمولة، والزيادة هذه هي الربا، وقد ذهبت إلى هذا الرأي الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار، (القرار رقم (٥٠) بتاريخ (٦/ ١٢/١٤١٠ هـ)) وأوجبت على الشركة حين وصول هذه العمولة إليها أو
стр. 239
جزء منها (حيث تقتسم بين الجهات المشاركة في العملية) بأن تقوم شركة الراجحي بتسجيلها للعميل في حسابه، أي تردها إليه (١).
أدلتهم
يمكن أن يستدل لهذا القول على هذا التكييف بعدة أدلة أهمها:
أولاً: شبهة الربا
والربا هنا يتمثل بالزيادة ـ العمولة ـ التي يأخذها البنك صاحب الآلة والذي يعد مقرِضاً، يأخذها من الساحب والذي يعد مقترضاً، إذ أن المصرف صاحب الآلة يستوفي دينه من المحال عليه، ـ مصرف الساحب ـ زائداً عليه مبلغاً من المال، أو مشترطاً نسبة معينة لكل عملية اقتراض، بحسب قوانين البنك ولوائحه الداخلية؛ وهذه الزيادة هي عين الربا.
ثانياً: إن كان السحب من آلة بنك ربوي فإن فيه إعانة له على الإثم، لما يأخذه من العمولات من كل ساحب من آلته، والتي تبلغ أرقاماً كبيرة كلما زاد عدد الساحبين، وهذا من التعاون على الإثم الذي نهينا عنه شرعاً، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة المائدة، آية (٢)
стр. 240
القول الثاني: جواز أخذ العمولة سواء كانت مبالغ مقطوعة، أو نسبية بحسب المبلغ المسحوب؛ ويعد ذلك مصاريف وتكاليف القرض، وهذه المصاريف والتكاليف تزيد كلما زادت المبالغ المسحوبة، وذلك للأسباب الآتية:
ليس هناك من يقول بضرورة تناسب الأجر مع التكلفة، التي يتكبدها البنك في تحويل العملة.
أولاً: لابد من مراعاة مخاطر تحويل العملة؛ لأن البنك يكون مسؤولاً أكثر في صورة تحويل مليون ـ مثلاً ـ من كونه مسؤولاً عن تحويل مائة (١).
وقد أُجيب عن أدلة المجيزين بما يلي (٢):
أولاً: لابد من تناسب الأجر مع التكلفة الحقيقية؛ لأن البنك يستفيد من مجرد صرف العملة واستخدام الرصيد الدائن، ويأخذ أجرة مقطوعة على خدماته الفعلية، فلا يجوز له شرعاً أن يرفع مصاريف التحويل بحجة زيادة استهلاك الزمن في عد المبالغ الكبيرة وغيرها؛ حتى لا تشوب المعاملة بالربا إذا كان قرضاً، في حالة كون الحساب مكشوفاً، ولا أن تؤكل أموال الناس بالباطل لوكان الحساب دائناً.
ثانياً: لمَّا كانت المقاصة (clearing) بين البنوك المحلية والخارجية تتم في ثوان معدودة، فالعملية أصبحت مجرد حسابات إلكترونية، فأين مخاطر تحويل العملة من أمن الطريق ومشقة الحمل وغيرها؟
стр. 241
القول الثالث: جواز أخذ العمولة إن كانت بمقدار مصاريف وتكاليف القرض فقط، وعدم جوازها إن كانت نسبية، وذلك لأنه أخذ للمال بدون مقابل، وفيه إذعان للعميل.
التكييف الثاني: تُكَيَّف (١) هذه المسألة بأنها سفتجة على القول بجوازها (٢)، وصرف على ما في الذمة.
والسفتجة تعريب (سفته) (٣) بمعنى المحكم وهي إقراضٌ لسقوط خطر الطريق (٤)، وهي قرض عند الجمهور (٥)، ولم يُرد به الإرفاق، وإن قُصد فللمقرض لاكتسابه أمن الطريق ومخاطره، أو لهما معاً إن كان المقترض محتاجاً للمال؛ فقد تكون إذاً عقد قرض لا إرفاق فيه، وقد يكون الإرفاق للمقرض، وقد يكون لهما معاً، ولم يقل أحدٌ إن تخلف الإرفاق من جهة
стр. 242
المقترض يخرجها عن كونها عقد قرض. وتكون صرف على ما في الذمة كون ذمة مصرف العميل منشغلة بنقد ما، ويطلب منه العميل المقرض الوفاء بغير جنس ماله (القرض) فيستجيب المصرف فيقع الصرف.
بيان التكييف
- جهات عقد القرض
المقترض: هو مصرف العميل (المصدر) الذي يكتب السفتجة
المقرِض: هو العميل صاحب البطاقة الذي لديه رصيد في مصرفه، ويرغب بتحويله لبلد آخر بعملة أخرى من غير جنس قرضه (وهو صرف على مافي الذمة).
كتاب السفتجة: هي البطاقة التي يحملها العميل.
أوجه الشبه بين السفتجة والحوالات المصرفية الحديثة (١):
للحوالات المصرفية الحديثة أوجه شبه مع السفتجة والتي هي من العقود القديمة، ونحن ننبه على أهمها (٢) من خلال النقاط التالية:
أولاً: في التحويلات المصرفية، تُخصم من حساب العميل إن كان له حساب لديه، بقصد تحويلها دون النقل المادي لها، تجنباً لأخطار حملها، وتوفيراً للوقت والجهد، فهو إذن لا يدفع قيمة المبلغ المراد تحويله، أو يطلب خصمه
стр. 243
من حسابه على سبيل الأمانة، بل على سبيل الضمان، وذلك بإحالة خطر الطريق على المصرف.
والمعروف أن الأساس الذي بُنيت عليه السفتجة هو تجنب خطر الطريق المتوقع. وعلى ذلك فإن الغرض الذي تؤديه كل من عملية التحويل والسفتجة، هو تحويل الأموال دون النقل المادي لها، تجنباً لأخطار الطريق، وذلك عن طريق تضمين المأمور بالتحويل.
ثانياً: إن المصرف أو البريد لا يسلم إلى المستفيد عين المبلغ الذي دفعه طالب التحويل، أو الذي خُصم من حسابه، بل إنه يدفع إلى المستفيد بدله؛ لأن العرف في المصارف جارٍ على أن المصرف يخلط أموال العملاء بأمواله، وكذلك الأمر في الدوائر البريدية، والمتتبع لأقوال الفقهاء يجد أنهم ينسبون الأحكام إلى القاعدة المقررة عندهم من أن (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، وليست للألفاظ والمباني)، فالمال إذا تُصرف فيه أو اختلط بغيره لا يكون مجال للقول بأنه وديعة، بل ينقلب إلى قرض، على اعتبار أن الانتفاع بالمعقود عليه في القرض لا يكون إلا باستهلاكه، وبالتالي فهو مضمون على المقترض أو المدين.
وعلى ذلك فإن عملية التحويل إما أن تكون بقرض حادث، كما في حالة أن يأتي طالب التحويل ومعه المال المراد تحويله، فيدفعه إلى البنك، وإما أن يكون بدين قديم، كما لو كان لطالب التحويل حساب جارٍ لدى المصرف، وطلب منه الخصم من هذا الحساب وتحويله، وقد سبق في السفتجة أنها قد تكون بقرض حادث، وقد تكون بدين قديم.
стр. 244
ثالثاً: في عملية التحويل قد يكون المستفيد هو الآمر نفسه، وذلك كما لو دفع شخص مبلغاً من المال إلى بنك في بلده، أو في مكان معين بغرض الحصول على قيمته في مكان آخر، وقد يكون المستفيد غير الآمر، كما لو كان الآمر عميلاً أو مديناً، وهو الغالب في عملية التحويل.
كذلك الأمر في السفتجة، فقد يكون المقرض أو الدائن هو الذي يقبض في البلد الآخر، وهو الغالب بعكس التحويل، وقد يكون الوفاء لصديق أو دائن هناك.
الحكم الشرعي على هذا التكييف
بناء على ما سبق من التكييف وإلحاق المسألة بما عُرف قديماً بالسفتجة، وقد تقرر القول بجواز السفتجة عند الجمهور كما سبق بيانه (١)، فإن القول بالجواز يصبح متعيناً، ولكن يبقى شرعية العمولة التي يأخذها المصرف المقترض، ولكن يمكن القول أن تلك العمولة بمقابل أجرة التحويل والتوصيل لأموال العميل من حسابه إلى المناطق التي يستخدم فيها البطاقة.
أما مسألة القبض كونها شرطاً للمصارفة، فقد تكلمنا سابقاً أن ذلك معتبر من باب القبض الحكمي كما قرره مجمع الفقه الإسلامي (٢)، وإن كان من ثم تأخر بسيط فإن البنوك الوكيلة لشركة البطاقة تدفع النقود ثم تسترد ما دفعته فوراً، لكي تحقق السرعة بل الفورية المطلوبة في هذه العملية، ليظهر الحسم فوراً على رصيد الساحب.
стр. 245
التكييف الثالث: تكيف المسألة بأنها وكالة وصرف
يمكن تكييف مسألتنا بأنها وكالة مدفوعة الأجر، وصرف يقوم به مصرف العميل، فالعميل مقرض للمصرف المصدر، والمصرف هو المقترض، فإذا أراد العميل استيفاء قرضه وهو في غير بلده، فإنه يوكل مصرفٍ آخر له ارتباط بمصرفه، بقبض ما له من قرض، نظير أجرٍ على هذه الوكالة، فإذا أراد هذا الوكيل استيفاء قرض موكله بنقد غير نقده المودع، قام مصرف العميل بصرف المبلغ بالعملة المطلوبة من عميله، ومن ثم تسليم وكيل عميله المبلغ بالعملة المطلوبة بعد أخذ أجرته على خدماته التي قدمها.
بيان التكييف
- جهات عقد الوكالة
الموكل: صاحب البطاقة
الوكيل: المصرف صاحب الآلة
الوكالة: استيفاء الدين من مصرف العميل (المصرف المصدر للبطاقة).
- جهات عقد الصرف
طالب الصرف: العميل صاحب البطاقة
قابل الصرف: المصدر للبطاقة أو مصرف العميل
الصيرفة: صرف المصرف ما في ذمته بعملة أخرى لوكيل العميل المقرض
- التنزيل الفقهي
أولاً: قيام العميل بإدخال البطاقة في صراف مصرفٍ غير مصرفه، هو بمثابة توكيل له بالاستيفاء من مصرفه الذي له فيه حساب، بحسب المبلغ
стр. 246
المراد سحبه من مصرفه، وهذا من باب الوكالة الخاصة أو المقيدة، زماناً بوجود البطاقة المصرفية في الآلة، وقدراً بحسب المبلغ المحدد المراد سحبه.
ثانياً: يقوم المصرف صاحب الآلة بمخاطبة مصرف موكِّله، والتحقق من وجود رصيد لموكِّله، ومن ثمَّ يقوم مصرف العميل بصرف المبلغ المراد بالعملة المطلوبة ثم تحويلها للوكيل، مع عمولة يأخذها كأجرةٍ على الصرف أو تحويله المبلغ.
ثالثاً: يوافق مصرف الموكِّل على حسم المبلغ لوكيله، ـ المصرف صاحب الآلة ـ كاملاً مع أجرة الوكالة.
رابعاً: يسلم الوكيل ـ المصرف صاحب الآلة ـ المبلغ لموكِّله كاملاً، بعد أن يأخذ أجرته على هذه الوكالة ـ العمولة المصرفية ـ.
خامساً: يستحق الوكيل ـ المصرف صاحب الآلة ـ والشركات المنظمة للعملية الأجرة على عملها قليلة كانت أم كثيرة من الموكِّل، والتي تكون معلومة، ولعمل معلوم.
الحكم الشرعي على هذا التكييف:
يقرر أصحابُ هذا التكييف جواز السحب بالبطاقة بنقد آخر غير المودع في رصيد العميل، وليس في ذلك من محظور شرعي.
أدلة هذا الوجه من التكييف:
يمكن أن يستدل لهذا التكييف بأن صاحب البطاقة إنما يسحب من رصيده في الواقع ومن حسابه ولا يسحب من حساب البنك صاحب الآلة، وليس في ذلك
стр. 247
اقتراض من المصرف صاحب الآلة، ومما يدل على هذا هو خصم المبلغ من الحساب لدى الساحب فوراً؛ بحيث لا يعد البنك صاحب الآلة مقرِضاً.
وبيان ذلك يتمثل بأن الصرَّاف يتعامل مع المنظمة العالمية التي تصله بالبنك المصدِر للبطاقة، فإذا تأكَّد من وجود المبلغ المراد سحبه في رصيد العميل، عبر إرسال طلب العميل، ومن ثَم قبوله وإرسال التفويض، اقتطع المصرف المصدر ذلك المبلغ مباشرة اقتطاعاً نهائيّاً لحسابه، فيكون هذا البنك ـ المصرف صاحب الآلة ـ قد قبض المبلغ حكماً من مصدِر البطاقة، وأما الرسوم المأخوذة من العميل، فهي أجور التكاليف والخدمات المقدّمة من البنك صاحب الآلة، والتي كُيِّفت بأنها أجرة على الوكالة، أما الرسوم المأخوذة من قِبل مصرف العميل والمنظمة الراعية، فهي أجرة على الصرف والتحويل.
استشكال
لقائل أن يقول أين تحقق الشروط المعتبرة في عملية الصرف، والتي اشترطها الفقهاء لتتم صحيحة؟
ولبيان ذلك يمكن القول إنها قد تحققت الشروط في مسألتنا على النحو التالي:
أما شرط أن يكون بسعر اليوم فمعلوم، إذ تقوم المصارف بتسجيل تاريخ العملية، ويتم الصرف بنفس اليوم وفوراً وبسعر ذلك الوقت، وإن كانت تأخذ حداً معيناً للأسعار في اليوم ذاته.
стр. 248
وأما اشتراط التقابض فيتحقق على النحو الأتي:
معلوم أن عملية المقاصة بين البنوك تتم في ثوان معدودة، فإذا تقدم حامل البطاقة بطلب سحب النقود من البنك خارج البلاد اتصل البنك المطلوب منه سحب النقود بالبنك المصدر للبطاقة عن طريق المنظمة الراعية للبطاقة، وذلك للحصول على التفويض، وبعد الموافقة من البنك المصدر، يتم إعطاء النقود لحامل البطاقة، فكأن البنك قام بالقبض الحكمي في عملية استبدال العملة والحصول عليها وحامل البطاقة موجود في مجلس العقد، وحضور المتعاقدين هو المطلوب شرعاً؛ لأن تكون المعاملة صحيحة في نظر الشريعة.
وقد اعتبر مجمع الفقه الإسلامي أن القبض بهذه الصورة يعد بمثابة القبض الحكمي، إذا اقتطع المصرف بأمر من العميل مبلغاً من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى للمصرف نفسه أو غيره لصالح العميل أو لمستفيد آخر، فهو جائز شرعاً (١).
وقد اعتمد المجلس أيضاً التعاقد بالآلات الحديثة، في مؤتمره السادس المنعقد بجدة في مارس (١٩٩٠ م) بما يلي:
قرار رقم (٥٤/ ٣/٦) بشأن حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة
стр. 249
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من (١٧) إلى (٢٣) شعبان (١٤١٠ هـ) الموافق (١٤ - ٢٠) آذار (مارس) (١٩٩٠ م).
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة) ونظراً إلى التطور الكبير الذي حصل في وسائل الاتصال وجريان العمل بها في إبرام العقود لسرعة إنجاز المعاملات المالية والتصرفات، وباستحضار ما تعرض له الفقهاء بشأن إبرام العقود بالخطاب وبالكتابة وبالإشارة وبالرسول، وما تقرر من أن التعاقد بين الحاضرين يشترط له اتحاد المجلس - عدا الوصية والإيصاء والوكالة - وتطابق الإيجاب والقبول، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف.
قرر ما يلي:
أولاً: إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السفارة (الرسول)، وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الحاسوب)، ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله.
стр. 250
ثانياً: إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد وهما في مكانين متباعدين، وينطبق هذا على الهاتف واللاسلكي، فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقداً بين حاضرين، وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء المشار إليها في الديباجة (١).
الترجيح
بعد إمعان النظر في التكييفات السابقة، وغيرها (٢)، نجد أن الأقرب إلى واقع مسألتنا، وأوضحها تنزيلاً هو التكييف الثالث القاضي بأنها وكالة وصرف للاعتبارات التالية:
أولاً: لا يمكن القول بالتكييف الأول، القاضي بأنها قرض وحوالة وصرف؛ لأن المسألة ليس فيها اقتراض من المصرف صاحب الآلة، بدليل التأثير في حساب العميل مباشرة، مع تطور آلات الاتصال الحديثة، مع ملاحظة اشتمال المسألة بهذا التكييف على عقود عدة في عقد واحد، وما فيه من إشكالات شرعية بيناها من قبل.
ثانياً: للقول الثاني القاضي بأنها سفتجة وصرف على ما في الذمة، وجاهته ولكن يُشكِلُ عليه العمولة التي يأخذها المصرف المصدر للبطاقة، إذ أنه مقترض بذلك الاعتبار، والمقترض يؤدي ما اقترضه من غير زيادة، إلا إن