المراد سحبه من مصرفه، وهذا من باب الوكالة الخاصة أو المقيدة، زماناً بوجود البطاقة المصرفية في الآلة، وقدراً بحسب المبلغ المحدد المراد سحبه.
ثانياً: يقوم المصرف صاحب الآلة بمخاطبة مصرف موكِّله، والتحقق من وجود رصيد لموكِّله، ومن ثمَّ يقوم مصرف العميل بصرف المبلغ المراد بالعملة المطلوبة ثم تحويلها للوكيل، مع عمولة يأخذها كأجرةٍ على الصرف أو تحويله المبلغ.
ثالثاً: يوافق مصرف الموكِّل على حسم المبلغ لوكيله، ـ المصرف صاحب الآلة ـ كاملاً مع أجرة الوكالة.
رابعاً: يسلم الوكيل ـ المصرف صاحب الآلة ـ المبلغ لموكِّله كاملاً، بعد أن يأخذ أجرته على هذه الوكالة ـ العمولة المصرفية ـ.
خامساً: يستحق الوكيل ـ المصرف صاحب الآلة ـ والشركات المنظمة للعملية الأجرة على عملها قليلة كانت أم كثيرة من الموكِّل، والتي تكون معلومة، ولعمل معلوم.
الحكم الشرعي على هذا التكييف:
يقرر أصحابُ هذا التكييف جواز السحب بالبطاقة بنقد آخر غير المودع في رصيد العميل، وليس في ذلك من محظور شرعي.
أدلة هذا الوجه من التكييف:
يمكن أن يستدل لهذا التكييف بأن صاحب البطاقة إنما يسحب من رصيده في الواقع ومن حسابه ولا يسحب من حساب البنك صاحب الآلة، وليس في ذلك
стр. 247
اقتراض من المصرف صاحب الآلة، ومما يدل على هذا هو خصم المبلغ من الحساب لدى الساحب فوراً؛ بحيث لا يعد البنك صاحب الآلة مقرِضاً.
وبيان ذلك يتمثل بأن الصرَّاف يتعامل مع المنظمة العالمية التي تصله بالبنك المصدِر للبطاقة، فإذا تأكَّد من وجود المبلغ المراد سحبه في رصيد العميل، عبر إرسال طلب العميل، ومن ثَم قبوله وإرسال التفويض، اقتطع المصرف المصدر ذلك المبلغ مباشرة اقتطاعاً نهائيّاً لحسابه، فيكون هذا البنك ـ المصرف صاحب الآلة ـ قد قبض المبلغ حكماً من مصدِر البطاقة، وأما الرسوم المأخوذة من العميل، فهي أجور التكاليف والخدمات المقدّمة من البنك صاحب الآلة، والتي كُيِّفت بأنها أجرة على الوكالة، أما الرسوم المأخوذة من قِبل مصرف العميل والمنظمة الراعية، فهي أجرة على الصرف والتحويل.
استشكال
لقائل أن يقول أين تحقق الشروط المعتبرة في عملية الصرف، والتي اشترطها الفقهاء لتتم صحيحة؟
ولبيان ذلك يمكن القول إنها قد تحققت الشروط في مسألتنا على النحو التالي:
أما شرط أن يكون بسعر اليوم فمعلوم، إذ تقوم المصارف بتسجيل تاريخ العملية، ويتم الصرف بنفس اليوم وفوراً وبسعر ذلك الوقت، وإن كانت تأخذ حداً معيناً للأسعار في اليوم ذاته.
стр. 248
وأما اشتراط التقابض فيتحقق على النحو الأتي:
معلوم أن عملية المقاصة بين البنوك تتم في ثوان معدودة، فإذا تقدم حامل البطاقة بطلب سحب النقود من البنك خارج البلاد اتصل البنك المطلوب منه سحب النقود بالبنك المصدر للبطاقة عن طريق المنظمة الراعية للبطاقة، وذلك للحصول على التفويض، وبعد الموافقة من البنك المصدر، يتم إعطاء النقود لحامل البطاقة، فكأن البنك قام بالقبض الحكمي في عملية استبدال العملة والحصول عليها وحامل البطاقة موجود في مجلس العقد، وحضور المتعاقدين هو المطلوب شرعاً؛ لأن تكون المعاملة صحيحة في نظر الشريعة.
وقد اعتبر مجمع الفقه الإسلامي أن القبض بهذه الصورة يعد بمثابة القبض الحكمي، إذا اقتطع المصرف بأمر من العميل مبلغاً من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى للمصرف نفسه أو غيره لصالح العميل أو لمستفيد آخر، فهو جائز شرعاً (١).
وقد اعتمد المجلس أيضاً التعاقد بالآلات الحديثة، في مؤتمره السادس المنعقد بجدة في مارس (١٩٩٠ م) بما يلي:
قرار رقم (٥٤/ ٣/٦) بشأن حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة
стр. 249
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من (١٧) إلى (٢٣) شعبان (١٤١٠ هـ) الموافق (١٤ - ٢٠) آذار (مارس) (١٩٩٠ م).
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة) ونظراً إلى التطور الكبير الذي حصل في وسائل الاتصال وجريان العمل بها في إبرام العقود لسرعة إنجاز المعاملات المالية والتصرفات، وباستحضار ما تعرض له الفقهاء بشأن إبرام العقود بالخطاب وبالكتابة وبالإشارة وبالرسول، وما تقرر من أن التعاقد بين الحاضرين يشترط له اتحاد المجلس - عدا الوصية والإيصاء والوكالة - وتطابق الإيجاب والقبول، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف.
قرر ما يلي:
أولاً: إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السفارة (الرسول)، وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الحاسوب)، ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله.
стр. 250
ثانياً: إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد وهما في مكانين متباعدين، وينطبق هذا على الهاتف واللاسلكي، فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقداً بين حاضرين، وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء المشار إليها في الديباجة (١).
الترجيح
بعد إمعان النظر في التكييفات السابقة، وغيرها (٢)، نجد أن الأقرب إلى واقع مسألتنا، وأوضحها تنزيلاً هو التكييف الثالث القاضي بأنها وكالة وصرف للاعتبارات التالية:
أولاً: لا يمكن القول بالتكييف الأول، القاضي بأنها قرض وحوالة وصرف؛ لأن المسألة ليس فيها اقتراض من المصرف صاحب الآلة، بدليل التأثير في حساب العميل مباشرة، مع تطور آلات الاتصال الحديثة، مع ملاحظة اشتمال المسألة بهذا التكييف على عقود عدة في عقد واحد، وما فيه من إشكالات شرعية بيناها من قبل.
ثانياً: للقول الثاني القاضي بأنها سفتجة وصرف على ما في الذمة، وجاهته ولكن يُشكِلُ عليه العمولة التي يأخذها المصرف المصدر للبطاقة، إذ أنه مقترض بذلك الاعتبار، والمقترض يؤدي ما اقترضه من غير زيادة، إلا إن
стр. 251
اعتبرنا الزيادة ـ العمولة ـ تكاليف أداء القرض وهو محل انتقاد الكثير من الباحثين لا سيما مع استفادته من فارق العمولات أثناء الصرف.
ثالثاً: بذلك يكون التكييف الثالث هو الأسلم من الناحية الشرعية، والأكثر تماشياً مع الواقع في المصارف البنوك والله أعلم.
стр. 252
المبحث الثالث: التكييف الشرعي لاستخدام بطاقة الصراف الآلي للإيداع والتحويل في الحسابات
المطلب الأول: التكييف الشرعي للإيداع بنفس العملة في الرصيد
يستطيع العميل صاحب البطاقة إيداع النقود في الصراف الآلي، بعد أن يدخل العميل بطاقته فيه ليتعرف على هويته ورقم حسابه.
وقد سبق بيان المسألة بأنها إقراض للبنك على القول الراجح عند الفقهاء، خلافاً لمن قال بأنها وديعة (١) وليس ثَمَّة فرق مؤثر في طريقة الإيداع، إلا ما يتقاضاه المصرف من عمولة إن كان ممن يتقاضاها، وإلا فإن غالب المصارف لا تتقاضى على الإيداع عمولة.
أما حكم العمولة هذه فقد سبق بيانها بأنها أجور مقابل خدمات يقدمها المصرف.
стр. 253
المطلب الثاني: التكييف الشرعي للإيداع بعملة مغايرة لما في الرصيد في بطاقة الصراف الآلي
- تصور المسألة
يقوم العميل بإيداع نقد يختلف عن النقد الذي في رصيده، بعد أن يدخل البطاقة في الصراف الآلي للتعريف بهويته، وذلك بفتحة خاصة في جهاز الصراف الآلي.
- التمثيل
عميل لديه حساب بالدينار في مصرف بيت التمويل الكويتي، يودع في حسابه عن طريق الصراف الآلي مائة ريال، على أن يقوم مصرفه بعملية الصرف أولاً، ثم يضمها لحسابه بعد ذلك.
- محور البحث
يتمثل محور البحث في مسألتنا هذه، في مشروعية الإيداع في الحساب بعملة مغايرة، وكذا مشروعية العمولة التي يأخذها المصرف لهذه العملية.
التكييف الشرعي
تكييف هذه المسألة تكلمنا عنه بالتفصيل عند الكلام حول تكييف فتح الحساب لدى المصارف، وترجح لدينا أن الأقرب للصواب أن تكيف بعقد القرض، فالمودع (العميل) مقرض، والمصرف مقترض، وبيَّنا ذلك بالأدلة على وجه التفصيل (١)، وليس ثَمَّة فرق مؤثر في طريقة الإيداع.
стр. 254
ولكن ثمة اختلاف ليس باليسير في مسألتنا هذه، يتمثل باختلاف العملة المودعة أو المراد إيداعها، إذ أنها تختلف عن نوع العملة التي في رصيد العميل، ولهذا الاختلاف أثرٌ على هذا العقد من حيث الصحة عند بعض الباحثين، ولذا اختلف تكييفهم الشرعي كما يلي:
التكييف الأول: عقد قرض وصرف
يرى بعض الباحثين (١) أنه اجتمع في هذه المسألة عقدان، الأول: عقد السلف وهو بمعنى القرض، والثاني: عقد الصرف وهو نوع من أنواع البيوع.
بيان التكييف:
- جهات عقد القرض
المقرض: هو العميل المودع
المقترض: المصرف المودع فيه
القرض: المبلغ المودَع
- جهات عقد الصرف
طالب الصرف: العميل المودع
القائم بالصرف: المصرف المودَع فيه
الصيرفة: تحويل النقود من العملة المودعة إلى العملة في رصيد العميل.
الحكم الشرعي على هذا التكييف
стр. 255
يرى القائلون بهذا التكييف منع الإيداع بالنقد المغاير لما في الرصيد، ويستدلون لقولهم بأنه قد ورد النهي النبوي عن اجتماع السلف والبيع في عقد واحد؛ فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة وعن بيع وسلف وعن ربح ما لم يضمن وعن بيع ما ليس عندك" (١).
وفي مسألتنا هذه يتبين اجتماع العقدين في مسألة واحدة، إذ أن الصرف نوع من أنواع البيوع؛ وقد يتمكن المقرض من الوصول إلى ربا القرض، في المحاباة بسعر الصرف (٢).
стр. 256
التكييف الثاني: الاعتياض عن القرض بغير جنسه
يمكن أن تكيف المسألة بكونها صورة من صور صرف ما في الذمة أو على الذمة، حيث إن العميل الدائن يقرض المصرف بنقد ما، ثم يستوفي العميل قرضه منه بنقد آخر؛ فتكون من باب اقتضاء الدائن بأحد النقدين من المدين بالنقد الآخر، أو الاعتياض عن القرض بغير جنسه؛ بشرط أن يبقي المصرف العملة المودعة دون صرف في حساب العميل، حتى وقت الطلب فيقوم المصرف بعملية الصرف؛ كأن يودع العميل في مصرفه بعملة مغايرة ـ ريالات مثلاًـ، فيضيفها المصرف إلى حساب العميل الذي يكون بالدنانير، دون صرف، فإذا طلبها العميل قام المصرف بصرف الريالات إلى دنانير ومن ثَمَّ يسلمها للعميل.
حكم هذه الصورة
وحكم هذه الصورة كما سبق وأن بيَّناه جائزٌ على مذهب الحنفية (١)، والشافعية في الجديد (٢)، والحنابلة (٣)، وهو قول أكثر أهل العلم (٤)، بشرطين:
١ - أن يُقبض البدل في مجلس العقد
٢ - وأن تكون بسعر يومها
стр. 257
أما اشتراط التقابض، وأن يكون الصرف بسعر اليوم، فمعلوم من النص، وهو قول النبي ﷺ : فيما روى ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت النبي ﷺ في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير أخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فقال: رسول الله ﷺ ، لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء (١).
وأيضاً، فإذا قضاه بسعر يومها ولم يجعل للمقضي فضلاً لأجل تأجيل ما في الذمة، لأنه إذا لم ينقصه عن سعرها شيئا فقد رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض فأشبه ما لو قضاه من جنس الدين، ولم يستفصل النبي ﷺ ، ابن عمر حين سأله، ولو افترق الحال لسأل واستفصل (٢).
وعليه يمكن القول بجواز هذه المسألة بالشرطين السابقين:
١ - أن يُقبض البدل في مجلس العقد
٢ - وأن تكون المصارفة بسعر يومها
وهذان الشرطان يقتضيان بقاء العملة المغايرة في ذمة المصرف من غير صرف حتى وقت طلبها، وعند الطلب يتم الصرف وبسعر يوم الطلب لا يوم الإيداع، فيكون من باب الاعتياض عن القرض بغير جنسه كما ذكرنا،
стр. 258
ويجوز للبنك أن يتولى عقد الصرف لوحده إن أذن له الطرف الآخر (١)، ولكن مع وجوده ليتم القبض.
ولكن الملاحظ على المصارف غير هذا؛ فإنها تقوم بعملية الصرف ومن ثَمَّ الإيداع، بمعنى أنها لا تبقي العملة على حالتها، مما يجعل القول بهذا التكييف بعيداً عن واقع المصارف اليوم، ولكن يمكن اعتباره مخرجاً شرعياً لها، عند من يمنع الإيداع بعملة مغايرة.
الترجيح:
لا شك أن المسألة تحوي عقد قرض وعقد صرف ولكنهما عقدان منفصلان، لا ارتباط بينهما، وتفسير المانعين لاجتماع العقدين معاً لا ينطبق على مسألتنا هذه، وليس من بابها، إذ أن المقرض (العميل) لم يشترط على المقترض (المصرف) شيئاً وذلك يصحح العقد عند الجمهور (٢)، كما أنه لا سبيل للتوصل إلى ربا القرض، وليست تنطبق مسألتنا عما نهى عنه النبي ﷺ في اجتماع العقدين، ولا يوجد فيها معنى النهي في الحديث، ولقد فسَّر العلماء اجتماع العقدين معاً في النهي الوارد؛ ولم يوجد هنا، وقد نص
стр. 259
غير واحد من أهل العلم على أن النهي في اجتماع السلف والبيع هي سد ذريعة الربا.
قال ابن القيم: إن النبي ﷺ نهى أن يجمع الرجل بين سلف وبيع، وهو حديث صحيح، ومعلوم أنه لو انفرد أحدهما عن الآخر صح، وإنما ذاك؛ لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفاً ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفاً وسلعة بثمانمائة؛ ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا (١).
وهنا لم يتحقق هذا المعنى، فلا يصحب العقد شرط، ولم تتحقق العلة للمنع من العقد وهو خشية الربا، فالمصرف يقوم أولاً بعملية الصرف للعميل، ومن ثم الإيداع في حسابه، وإن كان ثم زيادة في الصرف فلصالح المصرف الذي يعد مقترضاً، والذي يقوم بإجراء الصرف بعد إذن العميل.
أما العميل والذي هو المقرِض فأين وجه منفعته في هذه المسألة حتى نستطيع القول بأنه من ربا القرض؟ وإن النهي عن اجتماع العقدين لأجل انتفاع المقرِض؟ أو من القرض الذي جر نفعاً؟
وأما معنى المحاباة بسعر الصرف فلا معنى لها هنا فليس المصرف بفقير ليحابي المقرِض، مع العلم أن الإيداع بهذا الطريق (عن طريق الصراف الآلي) لا يكون بمبالغ كبيرة لتكون مغرية للمصرف فيحابي، كما لم يشترط
стр. 260
المصرف على المقرِض إن هو أقرضه أنزل له سعر الصرف فالمسألة محض بيع.
ويزيد تقوية ما نذهب إليه تفسير العلماء للنهي عن اجتماع العقدين معاً، إذ هو لا ينطبق هنا؛ ولك بعض النقولات مختصرة تاركاً الكثير الغالب:
قال الإمام مالك، وبنحوه الإمام الشافعي، والإمام أحمد: وتفسير ذلك أن يقول الرجل للرجل آخذ سلعتك بكذا وكذا على أن تُسلفني كذا وكذا، فإن عقدا بيعهما على هذا الوجه فهو غير جائز (١).
قال في التمهيد لأن من سنته أن تكون الأثمان معلومة والبيع معلوماً وإذا انعقد البيع على السلف والمنفعة بالسلف مجهولة فصار الثمن غير معلوم (٢).
وهكذا نجد كثراً من الفقهاء يفسرون النهي عن البيع والسلف بالبيع بشرط القرض (٣).
стр. 261
قال ابن القيم: وحرم الجمع بين السلف والبيع لما فيه من الذريعة إلى الربح في السلف بأخذ أكثر مما أعطى والتوسل إلى ذلك (١).
وكل هذه المعاني مفقودة في مسألتنا، فلا المقرِض اشترط شيئاً على المقترض، ولا ثَمَّة ذريعة لتوصل المقرِض للربح في قرضه، وأما سعر الصرف فإنه معلوم للمقرِض، بل ومعلن عنه من قِبل المصرف فللمقرِض الاطلاع عليه، أو الاستعلام عنه، وهو من باب البيع كان زائداً عن السوق، أو ناقصاً عنه، كما لم يشترط المصرف شيء عند الصرف، فالمسألة لا تعدو تنافساً بين المصارف في سعر الصرف.
ومع كل هذا التقرير يبقى في النفس شيء، والأولى للمسلم أن يصرف أولاً، لدى مصرف آخر ثم يودع في مصرفه، أو يودع في مصرفه من غير صرف، وليكن الصرف عند السحب، صرف على ما في الذمة كما بينا في التكييف الثاني.
أما العمولة التي يأخذها المصرف فهي من باب أجور تقديم الخدمات، لا مانع منها.
стр. 262
المطلب الثالث: التكييف الشرعي للتحويل لحساب آخر بنفس العملة
من الخدمات التي تقدمها بطاقة الصراف الآلي، خدمة التحويل بين الحسابات، وحتى يتسنى الكلام عن هذه الخدمة يتعين الوقوف عند تعريف الحوالة في اللغة ومن ثَمَّ في الفقه الإسلامي، وبعد ذلك نتكلم عن الحوالة المصرفية المتعارف عليها في المصارف والبنوك، وإنما قصدنا كل ذلك لتتضح المسألة لدى القارئ تمام الوضوح من الناحية الشرعية والمصرفية، وليتسنى لنا التكييف الشرعي الدقيق ومن ثم الحكم عليها؛ فإن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره كما هو معلوم.
- تعريف الحوالة:
أولاً: الحوالة في اللغة
الحوالة في اللغة من التحول والانتقال، قال في معجم مقاييس اللغة: الحاء والواو واللام أصل واحد وهو تحرك في دور (١).
وقال صاحب تاج العروس: أحالَ الشيء: تَحوَّلَ مِن حالٍ إلى حالٍ. أو أحالَ الرجُلُ: تَحوَّلَ من شيء إلى شيءٍ كحالَ حَوْلاً وحُؤُولاً بالضمِّ مع الهمزِ وأحالَ الغَرِيمَ: زَجَّاه عنه إلى غَريمٍ آخَرَ، والاسمُ: الحَوالةُ، كسَحابةٍ (٢).
стр. 263
ثانياً: الحوالة في الاصطلاح الفقهي
المذهب الحنفي: نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (١).
المذهب المالكي: طَرْحُ الدَّيْنِ عن ذِمَّةٍ بمثله في أُخْرَى. (٢)
المذهب الشافعي: عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة. (٣)
المذهب الحنبلي: نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. (٤)
وخلاصة أقوال الفقهاء في تعريفهم الاصطلاحي: أن الحوالة تحريك وانتقال للدين من ذمة لأخرى.
الحوالة في الاصطلاح المصرفي
عرفت الحوالات المصرفية بعدة تعاريف، وجلها متقاربة نختار منها ما يلي:
стр. 264
"عملية يقيد المصرف بمقتضاها مبلغاً معيناً في الجانب المدين من حساب الآمر بالنقل، بناء على أمر كتابي منه، وفي الجانب الدائن من حساب آخر" (١).
وهذا التعريفُ تعريفٌ بالرسم التام، حيث عرفها بالمثال، والتعريف بالمثال من أنواع التعريف بالرسم التام، وهذا غير مرضي عند أهل الفن.
وعرفت الحوالة المصرفية أيضاً بأنها: "عملية نقل النقود، أو أرصدة الحسابات من حساب إلى حساب، أو من بنك إلى بنك، أو من بلد إلى بلد، وما يستتبع ذلك من تحويل العملة المحلية إلى عملة أجنبية، أو تحويل عملة أجنبية إلى عملة أجنبية أخرى" (٢).
وهذا تعريف بالحد التام، حيث إنه أبان الجنس والفصل القريبين، وهو التعريف الدقيق، إلا أنه أطال بذكر العرضيات والخواص للمعرَّف.
كما عرفها آخرون فقالوا: عملية منح الصلاحية لبنك ما للقيام بحركات التحويلات المالية الدائنة والمدينة إلكترونياً، من حساب بنكي إلى حساب بنكي آخر (٣).
ولا يخفى أن هذا التعريف أيضاً لم يعرف بالجنس القريب ولا الفصل القريب، بل خص المعرَّف ببعض أنواعه، وهي التحويلات الإلكترونية فقط.
стр. 265
التعريف المختار
يمكن تعريف الحوالات المصرفية بأنها: "تحريك وانتقال النقود بين أرصدة المشتركين أو غيرهم عبر المصارف والبنوك".
فقولنا: "تحريك وانتقال"، بيان لحقيقة الحوالة بمعناها اللغوي، وهو الجنس القريب للحوالة.
وقولنا: "النقود"، بيان للفصل القريب وهي المخصوصة بالتحريك، دون غيرها من الأموال.
وقولنا: "بين أرصدة المشتركين أو غيرهم عبر المصارف والبنوك"، عرضيات فيها بيان للمكان الذي تتحرك فيه، وهي أرصدة المشتركين في تلك المصارف سواء كانت داخلية أو خارجية.
أما ما يستتبع التحويل من صرف للعملات، فعرض ليس بلازم للحوالات المصرفية، إذ أنها تكون مع الصرف وبدونه.
التكييف الشرعي للتحويلات المصرفية بنفس العملة
التحويل المصرفي بجنس واحد أو بعملة واحدة، غالباً ما يكون داخل البلد، وقبل التكييف نتكلم عن التصوير والتمثيل اللذين نستطيع من خلالهما تكييف المسألة تكييفاً دقيقاً.
- تصوير المسألة:
стр. 266
طلب انتقال نقود من حساب لآخر، في نفس المصرف، أو إلى مصرف آخر بنفس العملة.
- التمثيل للمسألة:
طلب عميل في مصرف بيت التمويل الكويتي، بتحويل مائة دينار من رصيده إلى حساب شخص آخر له حساب في ذات المصرف، أو مصرف آخر، بنفس العملة.
- محور البحث:
ينحصر محور البحث حول شرعية هذا التحويل والعمولة التي يأخذها المصرف الذي يقوم بعملية التحويل.
بيان التكييف
اختلف الباحثون في تكييف الحوالة المصرفية على أقوال عدة أبرزها أربعة على النحو التالي:
التكييف الأول: سفتجة (١)
يرى بعض الباحثين (٢) أن الحوالة المصرفية تمثل السفتجة قديماً، وبه أخذت الهيئة الشرعية لمصرف الراجحي (٣).
стр. 267
- جهات عقد القرض
المقرِض: العميل طالب التحويل
المقترض: المصرف القائم بالتحويل
ورقة السفتجة: الإيصال الصادر من المصرف للعميل المقرِض عند طلبه التحويل.
- التنزيل الفقهي
أولاً: طلب العميل التحويل عبر الصراف الآلي من مصرفه يُعد إقراضاً منه للمصرف، ذلك المبلغ المراد تحويله، بعد خروجه من حسابه، أو يمكن اعتبار أن حسابه في المصرف قرض قديم منه للمصرف، وهو يريد تحويله أو جزء منه.
ثانياً: يُعد قبول المصرف القرض من عميله وتحويله للعميل أو نائبه في بلد ما، أو مصرف آخر، اقتراضاً، يمثل جميع أحكام القرض.
ثالثاً: يصدر المصرف سنداً أو إيصالاً لعميله طالب التحويل، ويعد ذلك الإيصال ورقة السفتجة.
رابعاً: تمثل الحوالات المصرفية ذات الفائدة التي تمثلها السفتجة، من ضمان للأموال.
стр. 268
أدلة هذ التكييف:
استدل أصحاب هذا التكييف بوجود الشبه بين عقدي السفتجة والحوالات المصرفية، من حيث المقصد والباعث، ومن حيث الشكل؛ وذلك يجعل الجزم بإلحاق الحوالات المصرفية بها أمراً متعيناً، وبيان ذلك من خلال النقاط التالية:
الأولى: في التحويلات المصرفية، تُخصم من حساب العميل إن كان له حساب لديه، بقصد تحويلها دون النقل المادي لها، تجنباً لأخطار حملها، وتوفيراً للوقت والجهد، فهو إذن لا يدفع قيمة المبلغ المراد تحويله، أو يطلب خصمه من حسابه على سبيل الأمانة، بل على سبيل الضمان، وذلك بإحالة خطر الطريق على المصرف.
والمعروف أن الأساس الذي بُنيت عليه السفتجة هو تجنب خطر الطريق المتوقع. وعلى ذلك فإن الغرض الذي تؤديه كل من عملية التحويل والسفتجة، هو تحويل الأموال دون النقل المادي لها، تجنباً لأخطار الطريق، وذلك عن طريق تضمين المأمور بالتحويل.
الثانية: إن المصرف أو البريد لا يسلم إلى المستفيد عين المبلغ الذي دفعه طالب التحويل، أو الذي خُصم من حسابه، بل إنه يدفع إلى المستفيد بدله؛ لأن العرف في المصارف جارٍ على أن المصرف يخلط أموال العملاء بأمواله، وكذلك الأمر في الدوائر البريدية، والمتتبع لأقوال الفقهاء يجد أنهم ينسبون الأحكام إلى القاعدة المقررة عندهم من أن (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، وليست للألفاظ والمباني)، فالمال إذا تُصرف فيه أو اختلط بغيره لا
стр. 269
يكون مجال للقول بأنه وديعة، بل ينقلب إلى قرض، على اعتبار أن الانتفاع بالمعقود عليه في القرض لا يكون إلا باستهلاكه، وبالتالي فهو مضمون على المقترض أو المدين.
وعلى ذلك فإن عملية التحويل إما أن تكون بقرض حادث، كما في حالة أن يأتي طالب التحويل ومعه المال المراد تحويله، فيدفعه إلى البنك، وإما أن يكون بدين قديم، كما لو كان لطالب التحويل حساب جارٍ لدى المصرف، وطلب منه الخصم من هذا الحساب وتحويله، وقد سبق في السفتجة أنها قد تكون بقرض حادث، وقد تكون بدين قديم.
الثالثة: في عملية التحويل قد يكون المستفيد هو الآمر نفسه، وذلك كما لو دفع شخص مبلغاً من المال إلى بنك في بلده، أو في مكان معين بغرض الحصول على قيمته في مكان آخر، وقد يكون المستفيد غير الآمر، كما لو كان الآمر عميلاً أو مديناً، وهو الغالب في عملية التحويل.
كذلك الأمر في السفتجة، فقد يكون المقرض أو الدائن هو الذي يقبض في البلد الآخر، وهو الغالب بعكس التحويل، وقد يكون الوفاء لصديق أو دائن هناك (١).
* وقد اعتُرض على هذا التكييف ونوقش بأمور أهمها:
الاعتراض الأول: إن الجموع التي تقف في المصارف لإرسال النقود إلى ذويهم، أو عملائهم، أو حساباتهم في مصارف أخرى، في الحقيقة ليست مقرضة، ولا يتبادر إليها القرض، بخلاف السفتجة (٢).
стр. 270
وأُجيب عن هذا الاعتراض: بأن الذي يتبادر إلى ذهن الناس شيء، وقد يكون التكييف الفقهي له شيء آخر، فعلى سبيل المثال: إن الودائع المصرفية هي في تصور الناس ودائع، ولكنها في الحقيقة ليست ودائع، لما سبق ذكره من أن المصرف يخلط أموال عملائه مع أمواله، أو يتصرف فيها، وبالتالي تكون مضمونة عليه، فكذلك الأمر في عملية التحويل المصرفي (١).
الاعتراض الثاني: المقترض في السفتجة لا يتقاضى أجراً، أما المصارف اليوم فإنها تأخذ أجراً على هذه العملية (٢).
وأُجيب عن هذا الاعتراض: بأن اشتراط جرِّ النفع للمقترض لا ظلم فيه، بل فيه مصلحة وزيادة إرفاق وليس هناك نصٌ أو إجماع على منع مثل ذلك (٣). كما قد أجاز بعض الفقهاء اشتراط رد المقترض دون ما أخذ (٤).
الحكم الشرعي على هذا التكييف:
ألحق القائلون بهذا التكييف مسألتنا بالسفتجة، وعليه فإن الحكم للفرع سيكون هو حكم الأصل.
стр. 271
وقد قال بجواز السفتجة لا سيما مع عدم الاشتراط، الحنفية ولكن مع الكراهة، ورواية في مذهب أحمد مطلقاً لأن النفع حاصل لهما، ولم يجزها الشافعية مع الشرط، وأجازوها بدونه، وهي كذلك عن مالك (١).
التكييف الثاني: وكالة بأجر
قرر أصحاب هذا التكييف أن المسألة لا تخلو عن كونها وكالة بأجر، وقد تكلمنا عن عقد الوكالة في الفقه الإسلامي فيما سبق فليرجع إليه (٢)، وبهذا التكييف قال بعض الباحثين (٣).
بيان التكييف:
- جهات عقد الوكالة
الموكِّل: هو العميل طالب التحويل
الوكيل: هو المصرف القائم بالتحويل
стр. 272
الموكَّل فيه: المبلغ المراد تحويله
- التنزيل الفقهي
أولاً: طلب العميل من مصرفه تحويل مبلغ ما يمثل انعقاد الوكالة، بعد قبول المصرف الطلب.
ثانياً: استجابة المصرف للطلب وتحويله المبلغ للمصرف الآخر أو للمستفيد، عمل يستحق عليه أجر، ولكن لابد أن يكون معلوماً.
أدلة أصحاب هذا التكييف:
استند أصحاب هذا التكييف بقوة الشبه بين الحوالة المصرفية، وبين الوكالة والتي تعني الإنابة، إذ أن العميل طالب التحويل إنما يطلب من المصرف النيابة عنه في تسليم النقود، فيقبل المصرف هذه الإنابة، وهذه هي عين الوكالة.
* استشكال
واعترض على هذا التكييف بوجود الفروق بين الحوالة المصرفية والوكالة من عدة أوجه أهمها ما يلي:
أولاً: إن الوكالة ليست عقداً لازماً، فالوكيل له أن يرجع عن هذه الوكالة، بينما في التحويل المصرفي لا يسوغ للمصرف الرجوع عن العمل بعد الدخول فيه (١).
ثانياً: يدُ الوكيل يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، بينما المصرف في الحوالة المصرفية يده يد ضمان على كل حال.
стр. 273
ثالثاً: لو كانت الحوالة المصرفية وكالة بأجر؛ لوجب تسليم عين النقود التي سلمها، والواقع خلاف ذلك (١).
ولقد أُجيب عن هذه الاعتراضات بما يلي:
الاعتراض الأول: أُجيب عنه بأن المصرف وكيل بأجر، وإذا استوفى الوكيل أجره على عمله فلا يجوز له الرجوع فيها؛ لأنه قد تعلق بها حق الغير (٢).
الاعتراض الثاني: أُجيب عن هذا الاعتراض بأن المصرف يُعد أجيراً مشتركاً (٣)، يضمن ما تلف بصُنعه عند الحنفية (٤)، وقول عند الشافعية (٥)، وهو مذهب الحنابلة (٦).
الاعتراض الثالث: أُجيب عن هذا الاعتراض بأن المسلَّم للمحال مماثلٌ لما استلمه المصرف، وذات النقد ليست مقصودة، ورد المثل يقوم مقام رد العين كما في القرض (٧).
стр. 274
الحكم الشرعي على هذا التكييف:
من المعلوم سلفاً أن الوكالة من العقود المباحة سواء كانت بأجر، أو من دون أجر، ولا حاجة للاستدلال على ذلك، وإذا اعتبرنا الحوالة المصرفية وكالة بأجر فإنها تأخذ حكمها.
التكييف الثالث: حوالة بالمعنى الفقهي للحوالة
كيف بعض الباحثين (١) مسألتنا بأنها حوالة بالمعنى الفقهي للحوالة، كونها تتفق معها في الاسم والمعنى.
بيان التكييف:
- جهات عقد الحوالة
المحيل: المصرف القائم بالحوالة
المحتال: العميل طالب التحويل
المحال عليه: فرع المصرف أو نائبه
الحوالة: المبلغ المالي المحوَّل
- التنزيل الفقهي
أولاً: يُعدُّ مصرف العميل مديناً للعميل من جهة كون العميل له فيه حساب جاري، أو أنه يسلمه المبلغ المراد تحويله وذلك بمثابة إقراضٌ للمصرف.
стр. 275
ثانياً: يصبح المصرف مدين للعميل طالب التحويل، فيحيل المصرف عميله على فرعه أو نائبه من المصارف الأخرى، والتي بدورها تكون مدينة للمصرف الأول، فالدين بهذا الاعتبار يكون قد انتقل من ذمة إلى ذمة أخرى، وهذا هو معنى الحوالة (١).
أدلة هذا التكييف:
استند أصحاب هذا التكييف أيضاً بقوة أوجه الشبه بين الحوالة في الفقه الإسلامي، والحوالة المصرفية، من حيث اللفظ والمعنى:
أما اللفظ فظاهر؛ وأما من جهة المعنى فلكل منهما طرف مدين، وطرف دائن فيحيل المدين دائنه على مليئ وهو المصرف أو نائبه، وعليه يكون الدين قد انتقل من ذمة إلى ذمة.
* استشكال
وقد اعترض على ذلك بوجود فروق جوهرية بين الحوالة بالمعنى الفقهي، والحوالة المصرفية أهمها ما يلي:
الاعتراض الأول: انتقاض معنى الحوالة إن كان العميل ليس له حساب جار في المصرف، أو أن العميل أدخل في رصيده مبلغاً ليحوله، إذ أن العميل بهذا الاعتبار ليس مقرِضاً للمصرف، والمصرف ليس مقترضاً؛ لكون الدين لم
стр. 276
يثبت إلا مقترناً مع الحوالة، والدين لابد أن يكون ثابتاً في الذمة قبل الحوالة، مع أن السلف بشرط الحوالة تشوبه شائبة الربا (١).
الاعتراض الثاني: قد يكون المصرف المحال عليه مدين للمصرف المحيل، وقد لا يكون، والحوالة تنقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المُحال عليه، وإذا لم يكن المصرف المُحال عليه مديناً للمصرف الأول فما الذي تنقله الحوالة؟
ولهذا صرح جمهور العلماء المالكية ((٢)، والحنابلة (٣)، وهو أحد الوجهين عند الشافعية (٤)، كلهم صرحوا باشتراط وجود دين للمحيل على المحال عليه في الحوالة.
стр. 277
ويمكن الإجابة عن هذه الاعتراضات بما يلي:
أما الاعتراض الأول: يمكن القول بأن العميل عند إقراضه المصرف لم يشترط مع القرض الحوالة، وإنما يُقرض أولاً، ثم يطلب قرضه ليحيله المصرف على نائبه؛ ثم وإن كان الأمر سلف بشرط الحوالة فإن المسألة ليست كما صورها المعترض، لكون الحوالة من عقود الإرفاق وليست من عقود البيع، عند الحنفية (١)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٢)، ويتسامح في عقود الإرفاق ما لا يتسامح في غيرها.
وأما الاعتراض الثاني: قد لا يكون المصرف الثاني مديناً للمصرف الأول، لكن يمكن أن يكون وكيلاً له وهذا جائز عند من لم يشترط ثبوت الدين قبل الحوالة كالحنفية (٣).
الحكم الشرعي:
ينبني على ما سلف من التكييف لهذه المسألة، أن الحوالة المصرفية لها حكم الحوالة بالمعنى الفقهي، من حيث الجواز، بل عدوها من عقود الإرفاق المشروعة كما سبق.
стр. 278
التكييف الرابع: حوالة، أو سفتجة إن كانت من دون أجر ووكالة إن كانت بأجر
وهذا التكييف هو قرار مجمع الفقه الإسلامي حيث نص على ذلك بقوله: قرار بشأن الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة ما يلي:
الحوالات التي تقدم مبالغها بعملة ما، ويرغب طالبها تحويلها بنفس العملة جائزة شرعا، سواء أكان بدون مقابل أم بمقابل في حدود الأجر الفعلي، فإذا كانت بدون مقابل فهي من قبيل الحوالة المطلقة عند من لم يشترط مديونية المحال إليه، وهم الحنفية، وهي عند غيرهم سفتجة، وهي إعطاء شخص مالاً لآخر لتوفيته للمعطي أو لوكيله في بلد آخر.
وإذا كانت بمقابل فهي وكالة بأجر، وإذا كان القائمون بتنفيذ الحوالات يعملون لعموم الناس فإنهم ضامنون للمبالغ؛ جرياً على تضمين الأجير المشترك (١).
بيان هذا التكييف وأدلته وحكمه:
أما بيان هذا التكييف وأدلته فهي عين بيان وأدلة التكييفين القاضيين بأن الحوالة المصرفية حوالة، أو سفتجة ووكالة بأجر ولكن ليس بإطلاق، فقد فرقوا من حيث الأجر على الحوالة بين أن تكون حوالة مطلقة عند من لم يشترط مديونية المحال إليه، وهم السادة الحنفية، أو سفتجة عند من اشترط
стр. 279
مديونية المحال إليه وهم الجمهور، هذا في حال إن كانت من دون مقابل، وأما إن كانت بمقابل فهي وكالة بأجر.
وبهذا نخلص إلى ما مفاده:
إن كانت من دون مقابل فهي: حوالة مطلقة عند الأحناف، وعند الجمهور سفتجة.
وإن كانت بمقابل فهي: وكالة بأجر.
وفي هذا التكييف جمع بين القولين الأقربين إلى حقيقة الحوالات المصرفية، بل حتى إلى الواقع المصرفي القائم.
الترجيح
لا شك أن التكييف للحوالة المصرفية بأنها سفتجة قريب من حيث المعنى، إن كانت من دون أجر يأخذه المصرف، وأما إن كانت بأجر فتنزيلها على الوكالة ألصق وهذا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي كما سبق بيانه؛ وهو ما ترجح لديَّ للاعتبارات التالية:
أولاً: قوة ما استند عليه أصحاب التكييف القائل بأنها سفتجة إن كانت من دون أجر، ووكالة إن كانت بأجر.
ثانياً: القول بأن الحوالات المصرفية سفتجة بإطلاق حتى مع تقاضي المصرف أجراً عليها، يجعلها بعيدة عن حقيقة السفتجة، بل ويدخلنا في مسألة جواز اشتراط الرد من المقترض أقل مما اقترض وهي محل خلاف بين العلماء.
стр. 280
فقد جوزها الشافعية في أحد الأوجه عندهم والحنابلة في الوجه المقابل للصحيح، ففي المهذب مانصه: فإن شرط أن يرد عليه دون ما أقرضه ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لان مقتضى القرض رد المثل فإذا شرط النقصان عما أقرضه فقد شرط ما ينافي مقتضاه فلم يجز كما لو شرط الزيادة.
والثاني يجوز لان القرض جعل رفقا بالمستقرض وشرط الزيادة يخرج به عن موضوعه فلم يجز وشرط النقصان لا يخرج به عن موضوعه فجاز (١).
وفي الكافي أيضاً ما نصه: وإن شرط رد دون ما أخذ لم يجز لأنه ينافي مقتضاه وهو رد المثل فأشبه شرط الزيادة، ويحتمل أن لا يبطل لأن نفع المقترض لا يمنع منه لأن القرض إنما شرع رفقا به فأشبه شرط الأجل بخلاف الزيادة (٢).
ثالثاً: كما أن القول بأن الحوالات المصرفية وكالة بأجر بهذا الإطلاق حتى لو لم يأخذ المصرف أجراً عليها، فيه من التجاوز ما لا يخفى مع كونها أقرب من ناحية المعنى إلى السفتجة.
رابعاً: القول القاضي بأن الحوالات المصرفية هي بمعنى الحوالة عند الفقهاء بعيد، وفيه تجوُّز ظاهر إذ أن شروط الفقهاء لعقد الحوالة يصعب تطبيقها إلا
стр. 281
بتكلف ظاهر كما رأينا في اعتراضات المعترضين والإجابات عنها؛ كما أنه يُؤخَذُ عليه أن السلف بشرط الحوالة تشوبه شائبة الربا (١).
خامساً: فيه جمع وتوفيق بين أكثر من قول وهو قريب من واقع الحوالات المصرفية الجارية.
لذلك كله يترجح القول بأن الحوالات المصرفية سفتجة إن لم يأخذ المصرف أجراً عليها، ووكالة بأجر إن أخذ.
حكم العمولات المصرفية على الحوالة
تقرر فيما سبق أن تكييف الحوالات المصرفية إن كانت من دون أجر بأنه سفتجة، أو حوالة مطلقة، وأما إن كانت بأجر فإنها وكالة بأجر، ومن المعلوم مشروعية أخذ الأجرة على الوكالة في الشريعة الإسلامية، ولكن يبقى تحديد مقدار الأجر الذي يستحقة الوكيل، وقد اختلف الباحثون فيه على ثلاثة أقوال كما يلي:
القول الأول: جواز أخذ عمولة على التحويل المصرفي، وأن لا تنحصر بمقدار التكلفة الفعلية للتحويل، سواء كانت مقطوعة أو نسبية.
وقد قال بهذا القول الهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي (٢)، وقرار الهيئة الشرعية لمصرف الراجحي (٣)، وهو ما يفهم من المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية (٤).
стр. 282
أدلة هذا القول:
يستدل أصحاب هذا القول بأن العمولات المصرفية عبارة عن أجر على التحويل، والأجرة يجوز أن تكون بقدر تكلفة العمل، أو أكثر من ذلك وليس في الشرع ما يحدد ذلك.
القول الثاني: جواز أخذ عمولة وإن كانت زائدة على التكلفة الفعلية، شريطة أن تكون مقتطعة وليست نسبية.
وقد قال بهذا القول بعض الهيئات الشرعية كالهيئة الشرعية ببنك فيصل المصري. (١)
أدلة هذا القول:
يقرر أصحاب هذا القول أن العمولة إن كانت نسبية ولم تكن الخدمة تختلف باختلاف المبلغ، فمعنى ذلك أن المصرف قد أخذ في تحويل المبلغ الكثير أجراً زائداً عن تحويل المبلغ القليل، والخدمة واحدة والجهد، ففي ذلك أكل لأموال الناس بالباطل (٢).
стр. 283
القول الثالث: جواز أخذ العمولات المصرفية شريطة أن تكون بقدر التكلفة الفعلية لعملية التحويل.
وهذا القول قرره المجمع الفقهي الإسلامي إذ قال مانصه: الحوالات التي تقدم مبالغها بعملة ما، ويرغب طالبها تحويلها بنفس العملة جائزة شرعاً، سواء أكان بدون مقابل أم بمقابل في حدود الأجر الفعلي (١).
أدلة هذا القول:
بنى أصحاب هذا القول استدلالهم على كون التحويلات المصرفية سفتجة، والسفتجة قرضٌ، ولا يجوز أخذ عمولة زائدة على التكلفة الفعلية، وإلا كانت بمثابة الزيادة مقابل القرض، وإنما جوَّزنا أخذ التكلفة الفعلية باعتبارها تكاليف الاقتراض، وما عدا ذلك يبقى على أصله من التحريم.
الترجيح
بعد النظر في الأقوال السابقة والتكييفات الفقهية للحوالات المصرفية تبين لي جواز تقاضي المصارف أجوراً على التحويلات المصرفية للاعتبارات التالية:
أولاً: لا ينحصر التكييف الفقهي للحوالات المصرفية بالسفتجة حتى نسحب الحكم ونعممه على كل عمليات التحويلات المصرفية بالمنع.
ثانياً: عدم التسليم بمنع تقاضي الأجر على عملية التحويل كونها سفتجة؛ وذلك أن التحويل تقوم به المصارف والبنوك ولها شخصية اعتبارية تجمع الموظفين والعمال لديها، وهم يتقاضون أجوراً شهرية غير مرتبطة بالعمل
стр. 284
قلة وكثرة، وتتخذ مقرات مجهزة بأثاثات وأدوات وآلات كثيرة، ذات كلفة مالية. فلو لم تأخذ عمولة لما استطاعت تغطية النفقات الطائلة التي تنفقها. فاشتراط العمولة محقق للعدالة ومتفق مع أصل التشريع الإسلامي، وليس هناك نصٌ أو إجماع على منع مثل ذلك (١).
ثالثاً: إذا تقرر جواز أخذ الأجر على التحويلات المصرفية، فإن تحديد الأجر فيه نوع من التحكم، فللمصرف أن يأخذ الأجر كنسبة مئوية، أو مبلغاً مقطوعاً، وسواء كان أكثر من تكلفة العمل أو أقل لعدم وجود نص يحدد مقدار أجرة الأجير وعدم صحة القول بأن الحوالات المصرفية سفتجة بإطلاق.
стр. 285
المطلب الرابع: التكييف الشرعي للتَّحويلات عند اختلاف جنس العملة
التحويل المصرفي عند اختلاف الجنس أو بعملة مغايرة، غالباً ما يكون خارج البلد، وقبل التكييف نتكلم عن التصوير والتمثيل اللذين نستطيع من خلالهما تكييف المسألة تكييفاً دقيقاً.
- تصوير المسألة:
طلب انتقال نقود من حساب لآخر، بعملة مغايرة.
- التمثيل للمسألة:
طلب عميل في مصرف بيت التمويل الكويتي بصرف مائة دينار من رصيده وتحويلها إلى حساب شخص آخر في بلده.
- محور البحث:
ينحصر محور البحث حول شرعية هذا العقد الذي جمع بين الصرف والحوالة، ومدى تحقق شروط الصرف عند التحويل، أما العمولة على هذا العمل فقد تكلمنا عليها في المطلب السابق.
التكييف الشرعي:
لا يختلف التكييف الشرعي في هذه المسألة عن سابقتها لمجرد اختلاف العملة عند التحويل، ولذا فإن الكلام عن التكييف هنا هو عين الكلام في المطلب قبله، ولكن ثمة أمرٌ آخر تكلم عنه الباحثون جدير بالتوقف عنده، وهو تحقق شروط الصرف عند التحويل المصرفي.
وقد تكلم الباحثون كلاماً طويلاً حول المسألة ونحن نذكر ملخص ما توصلوا إليه مع ذكر شيء من الاختلاف والترجيح.