بتكلف ظاهر كما رأينا في اعتراضات المعترضين والإجابات عنها؛ كما أنه يُؤخَذُ عليه أن السلف بشرط الحوالة تشوبه شائبة الربا (١).
خامساً: فيه جمع وتوفيق بين أكثر من قول وهو قريب من واقع الحوالات المصرفية الجارية.
لذلك كله يترجح القول بأن الحوالات المصرفية سفتجة إن لم يأخذ المصرف أجراً عليها، ووكالة بأجر إن أخذ.
حكم العمولات المصرفية على الحوالة
تقرر فيما سبق أن تكييف الحوالات المصرفية إن كانت من دون أجر بأنه سفتجة، أو حوالة مطلقة، وأما إن كانت بأجر فإنها وكالة بأجر، ومن المعلوم مشروعية أخذ الأجرة على الوكالة في الشريعة الإسلامية، ولكن يبقى تحديد مقدار الأجر الذي يستحقة الوكيل، وقد اختلف الباحثون فيه على ثلاثة أقوال كما يلي:
القول الأول: جواز أخذ عمولة على التحويل المصرفي، وأن لا تنحصر بمقدار التكلفة الفعلية للتحويل، سواء كانت مقطوعة أو نسبية.
وقد قال بهذا القول الهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي (٢)، وقرار الهيئة الشرعية لمصرف الراجحي (٣)، وهو ما يفهم من المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية (٤).
стр. 282
أدلة هذا القول:
يستدل أصحاب هذا القول بأن العمولات المصرفية عبارة عن أجر على التحويل، والأجرة يجوز أن تكون بقدر تكلفة العمل، أو أكثر من ذلك وليس في الشرع ما يحدد ذلك.
القول الثاني: جواز أخذ عمولة وإن كانت زائدة على التكلفة الفعلية، شريطة أن تكون مقتطعة وليست نسبية.
وقد قال بهذا القول بعض الهيئات الشرعية كالهيئة الشرعية ببنك فيصل المصري. (١)
أدلة هذا القول:
يقرر أصحاب هذا القول أن العمولة إن كانت نسبية ولم تكن الخدمة تختلف باختلاف المبلغ، فمعنى ذلك أن المصرف قد أخذ في تحويل المبلغ الكثير أجراً زائداً عن تحويل المبلغ القليل، والخدمة واحدة والجهد، ففي ذلك أكل لأموال الناس بالباطل (٢).
стр. 283
القول الثالث: جواز أخذ العمولات المصرفية شريطة أن تكون بقدر التكلفة الفعلية لعملية التحويل.
وهذا القول قرره المجمع الفقهي الإسلامي إذ قال مانصه: الحوالات التي تقدم مبالغها بعملة ما، ويرغب طالبها تحويلها بنفس العملة جائزة شرعاً، سواء أكان بدون مقابل أم بمقابل في حدود الأجر الفعلي (١).
أدلة هذا القول:
بنى أصحاب هذا القول استدلالهم على كون التحويلات المصرفية سفتجة، والسفتجة قرضٌ، ولا يجوز أخذ عمولة زائدة على التكلفة الفعلية، وإلا كانت بمثابة الزيادة مقابل القرض، وإنما جوَّزنا أخذ التكلفة الفعلية باعتبارها تكاليف الاقتراض، وما عدا ذلك يبقى على أصله من التحريم.
الترجيح
بعد النظر في الأقوال السابقة والتكييفات الفقهية للحوالات المصرفية تبين لي جواز تقاضي المصارف أجوراً على التحويلات المصرفية للاعتبارات التالية:
أولاً: لا ينحصر التكييف الفقهي للحوالات المصرفية بالسفتجة حتى نسحب الحكم ونعممه على كل عمليات التحويلات المصرفية بالمنع.
ثانياً: عدم التسليم بمنع تقاضي الأجر على عملية التحويل كونها سفتجة؛ وذلك أن التحويل تقوم به المصارف والبنوك ولها شخصية اعتبارية تجمع الموظفين والعمال لديها، وهم يتقاضون أجوراً شهرية غير مرتبطة بالعمل
стр. 284
قلة وكثرة، وتتخذ مقرات مجهزة بأثاثات وأدوات وآلات كثيرة، ذات كلفة مالية. فلو لم تأخذ عمولة لما استطاعت تغطية النفقات الطائلة التي تنفقها. فاشتراط العمولة محقق للعدالة ومتفق مع أصل التشريع الإسلامي، وليس هناك نصٌ أو إجماع على منع مثل ذلك (١).
ثالثاً: إذا تقرر جواز أخذ الأجر على التحويلات المصرفية، فإن تحديد الأجر فيه نوع من التحكم، فللمصرف أن يأخذ الأجر كنسبة مئوية، أو مبلغاً مقطوعاً، وسواء كان أكثر من تكلفة العمل أو أقل لعدم وجود نص يحدد مقدار أجرة الأجير وعدم صحة القول بأن الحوالات المصرفية سفتجة بإطلاق.
стр. 285
المطلب الرابع: التكييف الشرعي للتَّحويلات عند اختلاف جنس العملة
التحويل المصرفي عند اختلاف الجنس أو بعملة مغايرة، غالباً ما يكون خارج البلد، وقبل التكييف نتكلم عن التصوير والتمثيل اللذين نستطيع من خلالهما تكييف المسألة تكييفاً دقيقاً.
- تصوير المسألة:
طلب انتقال نقود من حساب لآخر، بعملة مغايرة.
- التمثيل للمسألة:
طلب عميل في مصرف بيت التمويل الكويتي بصرف مائة دينار من رصيده وتحويلها إلى حساب شخص آخر في بلده.
- محور البحث:
ينحصر محور البحث حول شرعية هذا العقد الذي جمع بين الصرف والحوالة، ومدى تحقق شروط الصرف عند التحويل، أما العمولة على هذا العمل فقد تكلمنا عليها في المطلب السابق.
التكييف الشرعي:
لا يختلف التكييف الشرعي في هذه المسألة عن سابقتها لمجرد اختلاف العملة عند التحويل، ولذا فإن الكلام عن التكييف هنا هو عين الكلام في المطلب قبله، ولكن ثمة أمرٌ آخر تكلم عنه الباحثون جدير بالتوقف عنده، وهو تحقق شروط الصرف عند التحويل المصرفي.
وقد تكلم الباحثون كلاماً طويلاً حول المسألة ونحن نذكر ملخص ما توصلوا إليه مع ذكر شيء من الاختلاف والترجيح.
стр. 286
القول الأول: منع هذا العقد لاختلال شروط الصرف
يرى أصحاب هذا القول منع اجتماع الحوالة والصرف وعدم صحة هذا العقد؛ لعدم حصول التقابض في الصرف إذا اجتمع مع الحوالة، والتقابض في الصرف شرط لصحته، وإلا وقعت النسيئة والتأخير في الصرف، ولا خلاف في أن وجود التأخير يوجد الربا الموجب للتحريم.
أدلة هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول بالأحاديث القاضية بمنع ربا النسيئة والتي منها ما يلي:
حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ". (١)
وجه الدلالة: أن التقابض شرط لصحة الصرف، وبين النبي ﷺ حقيقته بقوله: "يداً بيدٍ"، ولا يحدث هنا- إذا اجتمعت حوالة وصرف- القبض يداً بيدٍ.
وحديث مالك بن أوس بن الحدثان قال: أقبلت أقول من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيدالله ﵁ وهو عند عمر بن الخطاب ﵁: أرنا ذهبك ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطك ورقك، فقال عمر بن الخطاب ﵁: كلا والله لتعطيه ورقه أو لتردن إليه ذهبه؛ فإن
стр. 287
رسول الله ﷺ قال: "الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء" (١)
وجه الدلالة: أن عمر ﵁ أنكر على طلحة فعله، وبين له حقيقة القبض، وقد قال العلماء في قوله: "هاء وهاء": خذ وهات أو خذ واعطِ، كناية عن التقابض في المجلس، فهذا هو القبض الشرعي في الصرف خذ وهات حتى لا يكون فيه تأخير، فلو كان هناك قبض آخر لذكره أو أشار إليه وهذه المعاملة تفتقر لهذا القبض.
والمخرج عند أصحاب هذا القول هو فصل الصرف عن التحويل؛ بأن يتم صرف العملة الموجودة إلى الثانية المطلوبة ويتم التقابض وتسليم المال، ثم يعيد طالب تحويل المال العملة التي استلمها إلى البنك أو الصراف ثانية بعد أن استلمها منه ليقوم بتحويلها، أو أن يحول المبلغ ويتسلمه المحال إليه، ثم يصرفه المحال إليه بعد تسلمه له بالتقابض مع الصراف.
القول الثاني: جواز هذا العقد
يرى أصحاب هذا القول جواز هذا النوع من المعاملات -الجمع بين الصرف والتحويل-وصحته، على اعتبار أن قيد المبلغ بالعملة المراد التحويل بها في حساب العميل، هو قبض حكمي يأخذ حكم القبض الحقيقي، بشرط أن يحمل تاريخ اليوم الذي تم فيه الصرف.
стр. 288
أدلة هذا القول:
استدل أصحاب هذه القول بعدة أدلة
أولاً: القياس على ما كان يحصل من ابن الزبير وابن عباس ﵃، فعن عطاء ﵀ أن ابن الزبير ﵄ كان يأخذ بمكة الورق من التجار فيكتب لهم إلى البصرة وإلى الكوفة فيأخذون أجود من ورقهم، قال عطاء: فسألت ابن عباس ﵁ عن أخذهم أجود من ورقهم؟ فقال: «لا بأس بذلك ما لم يكن شرطا وبه نأخذ) " (١)، وعن ابن عباس ﵄ أنه كان يأخذ الورق بمكة على أن يكتب لهم إلى الكوفة بها (٢).
وما يحصل اليوم من عملية صرف وتحويل هو بمثابة ما كان الزبير يقوم به بشرط أن يكون الإيصال المتحصل بتاريخ اليوم وسعر صرف اليوم، فإن قبض الإيصال يقوم مقام قبض محتواه، فهو كالنقود، فإذا كانت السفتجة تقوم مقام القبض، فالإيصال أيضاً يقوم مقامه.
ثانياً: حاجة الناس إلى هذه المعاملة اليوم، والحاجة هنا تنزل منزلة الضرورة، وفي إلزام الناس بالقول الأول حرج ومشقة، والمشقة تجلب التيسير، ورفع الحرج عن الأمة مقصد من مقاصد ديننا الحنيف، كيف وقد قال ربنا : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ سورة الحج: آية (٧٨).
стр. 289
وقد جاء في قرارات المجمع الفقهي ما نصه: إن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً:
ا - القيد المصرفي بمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:
أإذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة، أو بحوالة مصرفية
ب- إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل (١).
وجاء في قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة ما نصه: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى، سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف، أو بعملة مودعة فيه (٢).
الترجيح
بعد النظر في الأقوال والتمعن فيها يظهر والله أعلم جواز هذا العقد، وذلك للاعتبارات التالية:
أولاً: جُلُّ ما استدل به المانعون هو عدم حصول القبض بين الطرفين في عملية الصرف، وهو في مسألتنا متحصل بالقبض الحكمي وإن تأخر بعض الوقت للضرورة فلا وجه بعد ذلك للمنع.
стр. 290
ثانياً: يغتفر التأخير اليسير الخارج عن إرادة المصرف، نظراً لاختلاف التوقيت بين دول العالم المختلفة، وكذلك اختلاف الإجازات الأسبوعية والأعياد، وعلى هذا الأساس فالتقابض لا يتم في الحال إلا إن هذا التأخير مغتفر هنا؛ إذ تعد المدة المستغرقة لتنفيذ الحوالة امتداداً لمجلس العقد للحاجة؛ لأنه من المتعذر ضبط وقوع القيدين في وقت واحد. (١)
وبهذا جاء قرار المجمع الفقهي: يغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسليم الفعلي للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسليم الفعلي (٢).
ثالثاً: المصلحة الراجحة والحاجة الخاصة التي تنزل منزلة الضرورة: فمن المتفق عليه أن كثيرًا من فئات المجتمع تحتاج إلى العملات الدولية للوفاء بالتزاماتها تجاه الآخرين، يصدق ذلك على الدول وعلى التجار والصناعيين وغيرهم حيث إن ثمن البضائع المستوردة يتم تسديده بواسطة العملات الدولية كالدولار والإسترليني وغيرهما. والحصول عليها ليس ممكنًا إلا من الأسواق الدولية وفقًا للطرق المتبعة حاليًا.
стр. 291
وعلى هذا يمكن القول: إن عمليات الصرف العاجل تفي بمصالح راجحة في الميزان الشرعي، كما أن في منع التعامل فيها مشقة وحرج وضياع مصالح معتبرة (١).
وخلاصة القول إن الأجل الذي يتخلل عمليات الصرف العاجل يمكن اعتباره يسيرًا، وغير مقصود لذاته، ولا يمكن الاحتراز عنه، مع حاجة الناس الماسة لهذا العقد، فيترجح القول بجواز التعامل بهذا العقد. والله أعلم
стр. 292
المبحث الرابع: التكييف الشرعي لاستخدام بطاقة الصراف الآلي كنظام دفع في نقاط البيع الطرفية (P.O.S)
المطلب الأول: التكييف الشرعي للدفع بالبطاقة بنفس عملة التاجر والعميل
- تصوير المسألة
نظام تحويل إلكتروني عبر جهاز معين لدى التاجر يتيح لصاحب البطاقة أن يسدد أثمان مشترياته من المتجر عبر ذلك الجهاز بتحويل الأموال من رصيده إلى رصيد التاجر سواء اتحد مصرف حامل البطاقة أو اختلف مع مصرف التاجر، بعمولة تؤخذ من التاجر للمصرف.
- تمثيل المسألة
عميل لمصرف بيت التمويل الكويتي له بطاقة مصرفية اشترى سلعاً من تاجر ما، وأثناء الدفع قدم بطاقته المصرفية للتاجر ليقوم بالاستيفاء عن طريق الجهاز في وحدة (P.O.S) الذي يمتلكه التاجر، فيقوم الجهاز بعد إمرار البطاقة فيه وإدخال التعرفة السرية ـ إن كانت بطاقة صراف آلي ـ أو بدون التعرفة إن كانت البطاقة غير ذلك، بالاتصالات على مصرف التاجر أو شبكة النقد للتأكد من صلاحية البطاقة ورقم التعرفة ومعلومات رصيد العميل، وعند إرسال التفويض تتم الموافقة والإذن بالسداد، فيتم الخصم من رصيد حامل البطاقة لصالح رصيد التاجر، ويُعطى حامل البطاقة إشعار بالمبلغ المخصوم وتاريخه والساعة التي تم فيها الخصم ورقم البطاقة.
стр. 293
- محور البحث
محور بحثنا في هذه المسألة يتمثل بصور القبض في هذه العقود، ومشروعية العمولة التي يتقاضاها المصرف من التاجر.
التكييف الشرعي
تكيف مسألتنا بأنها عقد حوالة إذ أن أركان الحوالة متوفرة فيها وهو أقرب العقود من حيث المعنى لهذه المسألة
بيان التكييف
- جهات عقد الحوالة
المحيل: هو حامل البطاقة (المشتري)
المحال: هو التاجر (البائع)
المحال عليه: هو المصرف مصدر بطاقة المشتري
الدَين الذي على المحيل: هو ثمن السلع التي اشتراها
الدَين الذي للمحيل على المحال عليه: هو الرصيد المودع في حسابه في المصرف
- التنزيل الفقهي
يتجلى لنا هذا التكييف من خلال النقاط التالية:
أولاً: عند ابتياع حامل البطاقة سلعاً من التاجر فإن التكييف لهذا كما هو معلوم عقد بيع، وإن كانت السلعة منفعة فإن التكييف سيكون إجارة.
ثانياً: عند طلب التاجر من المشتري ـ حامل البطاقة ـ ثمن السلع فإن المشتري يسلمه بطاقته ليمررها بجهاز الكي نت الموجود عنده، ليكون
стр. 294
المشتري بمثابة مَن يعتذر عن دفع النقود العينية، فيكون بهذا الاعتبار مقترض من التاجر، فيقوم التاجر بقبول البطاقة بموجب الاتفاقات بينه وبين المصارف.
ثالثاً: هذا الإجراء هو بمثابة تحويل المشتري ـ صاحب البطاقة ـ التاجر بما له عليه من أثمان مشترياته على مصرفه الذي يعتبر مدين لعميله (حامل البطاقة).
رابعاً: يتصل الجهاز مباشرة بمصرف التاجر أو المنظمة الراعية، ومن ثم يتصل مصرف التاجر أو المنظمة الرعية بمصرف المشتري ـ حامل البطاقة ـ بعد التحقق من صلاحية البطاقة، وشخصية حاملها.
رابعاً: يقوم المصرف المصدر للبطاقة بالتأكد من البيانات الواردة إليه من مصرف التاجر أو المنظمة الراعية، وبعد سلامة البيانات والتحقق منها، يصدر تفويضاً بالموافقة على حسم المبلغ المطلوب لصالح التاجر في مصرفه.
خامساً: تعتبر هذه الخطوة من المصرف المصدر للبطاقة قبولاً منه للحوالة وموافقة على ذلك المبلغ المحال عليه.
سادساً: يتسلم كلاً من التاجر والمشتري ـ حامل البطاقة ـ تقريراً مفصلاً عن العملية مكتوب فيه تاريخ العملية وساعتها ورقم حساب حامل البطاقة ورقم المبلغ المسحوب لصالح التاجر.
стр. 295
سابعاً: تبرأ ذمة المحيل ـ حامل البطاقة ـ فوراً بعد انتهاء العملية وتسلُّمه تقريرها، إذ أن مصرف التاجر يكون قد تسلم المبلغ المطلوب من مصرف حامل البطاقة، وأضافه إلى حساب التاجر لديه.
ثامناً: يتقاضى مصرف التاجر عمولة من التاجر قدرها (٢%) من قيمة الفاتورة ثم يقوم بدفع (١.٤%) إلى البنك مصدر البطاقة، ويكون نصيب المنظمة الدولية من كل عملية (٠.٣٣%) إذا تمت العملية عن طريقها (١).
تاسعاً: تتم كل تلك الاتصالات في جزء من الدقيقة.
أدلة هذا التكييف
إن المتأمل لأركان الحوالة في الفقه الإسلامي ليراها متوفرة في هذا العقد تماماً، بل وحتى الخطوات التي تجري في واقع هذه المسألة تنحو نحو عقد الحوالة في الفقه الإسلامي، أما الخطوات فقد عرفناها في بيان التكييف، وأما الأركان فلك ملاحظة ذلك فيما يلي:
أركان الحوالة ستة: محيل ومحتال ومحال عليه ودَينان دين للمحتال على المحيل ودين للمحيل على المحال عليه وصيغة (٢)، وذهب الحنفية إلى أن
стр. 296
أركان الحوالة عِبَارَةٌ عَنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ. (١) وكل هذه الأركان متوفرة في مسألتنا كما عرفناه في التنزيل الفقهي لمسألتنا هذه.
الحكم الشرعي
يتعين القول بجواز إجراء هذا النوع من العقود، لكونه حوالة بالمعنى الفقهي، كما أن القبض متحصل فيه؛ لأن القيد المصرفي معتبر شرعاً وعرفاً إن كان بأمر العميل وقد قرر مجلس مجمع الفقه الإِسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من (١٧) إلى (٢٣) شعبان (١٤١٠ هـ) الموافق (١٤ - ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠ م) ما يلي:
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "القبض وصوره، وبخاصة المستجدة منها وأحكامها" واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
قرر:
أولاً: قبض الأموال كما يكون حسيًا في حالة الأخذ باليد، أو الكيل أو الوزن في الطعام، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض، يتحقق اعتبارًا وحكمًا بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حسًا. وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضًا لها.
ثانيًا: إن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعًا وعرفًا.
١ - القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:
стр. 297
(أ) إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.
(ب) إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حالة شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.
(ج) إذا اقتطع المصرف - بأمر العميل - مبلغًا من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإِسلامية.
ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي، للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل. على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلاَّ بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي (١)؛ وعليه فإن هذا العقد من العقود المشروعة.
حكم العمولة
تبرم الاتفاقية بين البنك والتاجر على أساس قبول البطاقة من قِبل الأخير كوسيلة دفع لشراء السلع والخدمات، والبنك الذي هو الطرف القوي في هذا التعامل يضع شروطاً لحامل البطاقة والتاجر أيضاً، ومن شروط اتفاقية التاجر: أن البنك يقتطع من فاتورة الشراء نسبة محدودة كعمولة على تقديم الخدمات؛ لأن حامل البطاقة لم يكن ملزماً بالشراء من محلات معينة لو لم تكن البطاقة؛ فبذلك يبدو كأن البنك هو الذي أرسل عميله للشراء من محلات خاصة تمت الاتفاقية بينها وبين البنك، ويتم تحصيل هذه العمولة عن طرق
стр. 298
بنك التاجر (The Acquirer) بنسبة (٢%) من قيمة الفاتورة وبدوره يدفع بنك التاجر (١.٤%) منها لمصدر البطاقة، وهي النسبة المحددة من قِبل المنظمات الراعية للبطاقة (الفيزا والماستر كارد) وتقوم شركة الأمريكان إيكسبرس ومؤسسة ديسكفر (Discover) بتحصيل كامل العمولة من التاجر بحيث تتعاملان مباشرة مع العملاء والتجار بدون وسيط (١).
وأما الحكم الشرعي لهذه العمولة
فقد اختلف العلماء في تكييفها الشرعي على عدة أقوال وأطالوا فيها الكلام وأكثروا فيها النقاش، ونحن نذكر خلاصة ما قالوه مع ترجيح ما نراه الأقرب إلى واقع المسألة.
стр. 299
التكييف الأول: عقد سمسرة بين التاجر والمصدر للبطاقة
خرَّج بعض الباحثين (١) العمولة في هذا العقد على أنها من باب أجرة السمسار، ونريد قبل الكلام على التنزيل الفقهي على هذا التكييف الوقوف عند عقد السمسرة في الفقه الإسلامي كما هي عادتنا.
تعريف السمسرة
السمسرة مصدر سمسر وهي كلمة فارسية معربة والسمسار الوسيط بين البائع والمشتري، ويسمى في عرف الناس اليوم الدَّلاّل.
قال صاحب اللسان: السمسار الذي يبيع البر للناس قال الليث السمسار فارسية معربة (٢). وقال صاحب تاج العروس: السِّمْسَارُ بالكَسْرِ المُتَوَسِّطُ بينَ البائِعِ والمُشْتَرِي لإِمضاءِ البيعَ، قال الأَعْشَى:
فأَصْبَحْتُ لا أَسْتَطِيعُ الكَلامَ ... ** ... سِوَى أَنْ أُراجِعَ سِمْسارَهَا
وهو الذي يُسَمِّيه الناسُ الدَّلاّلَ فإِنه يَدُلّ المُشْتَرِيَ على السِّلَعِ ويدُلّ البائِعَ على الأَثْمَانِ (٣). وهو كذلك في المعنى الاصطلاحي (٤).
وقد ورد في كلام النبي ﷺ معنى السمسار، ففي حديث ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول اللَّهِ ﷺ ، أَنْ تُتَلَقَّى
стр. 300
الرُّكْبَانُ وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ قال فقلت لابن عَبَّاسٍ ما قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ قال لَا يَكُنْ له سِمْسَارًا (١).
بيان التكييف
- جهات عقد السمسرة
السمسار: المصرف المصدر للبطاقة
المُسَمسَر له: التاجر
السمسرة: هي الترويج من المصرف لصالح التاجر بأن لديه نظام دفع
أجرة السمسرة: العمولة المقتطعة
- التنزيل الفقهي
يرى أصحاب هذا التكييف أن النسبة المئوية التي تسددها المؤسسات التجارية للجهة المصدرة من قيمة الفواتير يمكن اعتبارها أجور سمسرة، فعلى هذا التخريج، تكون العلاقة بين المصدر والتاجر على أساس عقد السمسرة، فيكون البنك سمساراً للتاجر يتقاضى أجوراً على خدمة السمسرة؛ لأنه من الجائز أن أُرسل إليك زبائن على أن أتقاضى منك أجراً مقطوعاً عن كل زبون يصل إليك أو عن كل زبون يشتري منك حسب الشرط (٢).
وبناء على ذلك يكون المال المأخوذ من التاجر (العمولة) عبارة عن أجرة سمسرة البنك لصالح التاجر والترويج لصالحه، خصوصاً بأن الترويج أصبح
стр. 301
اليوم جزءًا أساسياً من متطلبات التجار والمؤسسات التجارية، وله أساليب عدة عبر وسائل الإعلام المختلفة وتخصص له نفقات باهظة.
وخلاصة كل ذلك أن المصرف يقوم بخدمة للتجار وجلب الزبائن إليهم من خلال إصدار هذه البطاقات، فمن أجل هذه الخدمة تطالب بأجرة وهي الخصم الذي تحصل عليه من قِبل التجار، وهذا هو ما يسمى في الفقه بأجرة السمسار.
أدلة هذا التكييف:
يُستدل لأصحاب هذا التكييف بأن العمولة التي يتقاضونها تمثل أجرة عملٍ وجهد يقوم به المصرف، كالدعاية للتجار، وتحصيل ديونهم، وجلب الزبائن، وغير ذلك والأجرة على العمل من الأمور المقررة شرعاً.
وقد نوقش هذا الاستدلال بما يلي:
الاعتراض الأول: يقضي بأن الدعاية التي يقوم بها مصدروا البطاقات تنصب على البطاقات، وليس على قابليها، فهم يركزون على التسويق للبطاقة نفسها، وكانوا في السابق يصدرون كتيبات تضم أسماء المحلات التي تقبل السداد بالبطاقة، ولكنهم توقفوا عن إصدار هذه الكتيبات؛ لما انتشر التعامل بها، فاختلفت الدعاية والخصم باق، فدل على أنها ليست سبباً له (١).
стр. 302
وأُجيب على هذا الاعتراض بأن الدعاية للبطاقة هي دعاية لقابليها، كما أن الدعاية للتاجر ليست بالإعلان عن اسمه في كتيب، وإنما في توافر هذه الخدمة عنده، التي تعد ميزة في المحل التجاري (١).
الاعتراض الثاني: أن الأجرة المأخوذة من التاجر ليست مقابل السمسرة إذ لو كان الأمر كذلك لكان للتجار اللجوء لسماسرة أقل أجراً منهم.
وأُجيب على هذا الاعتراض بأن الأجرة ليست متمحضة للسمسرة، بل إن المصرف يقوم إضافة إلى ذلك بتحصيل الدين وتوصيله، كما يقوم بخدمات غير مباشرة، كالأمن من السرقة، والاختلاس، ونحو ذلك، فالسبب إذن ليس مقتصراً على السمسرة والدعاية (٢)، كما أنه ليس من المسلم أن بقدرة التاجر الحصول على ذات الخدمات بأجرة أقل إذ أن البطاقات تقوم بجلب الزبائن مع توفير خدمات معنوية.
الحكم الشرعي
بناءً على هذا التكييف يلزم تصحيح العقد ومشروعية العمولة المقتطعة بأي نسبة كانت؛ لأنه أجرة على عمل والأجرة بحسب الاتفاق بين الطرفين.
стр. 303
التكييف الثاني: حوالة بأجر
يرى بعض الباحثين أن مسألتنا لا تخلو عن حوالة بأجرة عليها، فالعميل حامل البطاقة يحيل التاجر على مصرفه المصدر، فيقبل التاجر الحوالة ويحتال على مصرف المحيل، فيقبل المحال عليه (مصرف صاحب البطاقة) الحوالة ولكن بأجرة يأخذها جراء قبوله لها.
أما عن عقد الحوالة في الفقه الإسلامي فقد تكلمنا عنه فيما سبق بما يغنينا عن تكراره هنا (١).
بيان التكييف
- جهات عقد الحوالة
المحيل: المشتري صاحب البطاقة
المحال: التاجر
المحال عليه: المصرف المصدر للبطاقة
الدَين الذي على المحيل: هو ثمن السلع التي اشتراها
الدَين الذي للمحيل على المحال عليه: هو الرصيد المودع في حسابه في المصرف.
- التنزيل الفقهي
يتجلى لنا هذا التكييف من خلال النقاط التالية:
أولاً: عند ابتياع حامل البطاقة سلعاً من التاجر فإن التكييف لهذا كما هو معلوم عقد بيع، وإن كانت السلعة منفعة فإن التكييف سيكون إجارة.
стр. 304
ثانياً: عند طلب التاجر من المشتري ـ حامل البطاقة ـ ثمن السلع فإن المشتري يسلمه بطاقته ليمررها بجهاز الكي نت الموجود عنده، ليكون المشتري بمثابة مَن يعتذر عن دفع النقود العينية، فيكون بهذا الاعتبار مقترض من التاجر، فيقوم التاجر بقبول البطاقة بموجب الاتفاقات بينه وبين المصارف.
ثالثاً: هذا الإجراء هو بمثابة تحويل المشتري ـ صاحب البطاقة ـ التاجر بما له عليه من أثمان مشترياته على مصرفه الذي يعتبر مدين لعميله (حامل البطاقة).
رابعاً: يتصل الجهاز مباشرة بمصرف التاجر أو المنظمة الراعية، ومن ثم يتصل مصرف التاجر أو المنظمة الراعية بمصرف المشتري ـ حامل البطاقة ـ بعد التحقق من صلاحية البطاقة، وشخصية حاملها.
رابعاً: يقوم المصرف المصدر للبطاقة بالتأكد من البيانات الواردة إليه من مصرف التاجر أو المنظمة الراعية، وبعد سلامة البيانات والتحقق منها، يصدر تفويضاً بالموافقة على حسم المبلغ المطلوب لصالح التاجر في مصرفه.
خامساً: تعتبر هذه الخطوة من المصرف المصدر للبطاقة قبولاً منه للحوالة وموافقة على ذلك المبلغ المحال عليه.
سادساً: يتسلم كلاً من التاجر والمشتري ـ حامل البطاقة ـ تقريراً عن العملية مكتوب فيه تاريخ العملية وساعتها ورقم حساب حامل البطاقة ورقم المبلغ المسحوب لصالح التاجر.
стр. 305
سابعاً: تبرأ ذمة المحيل ـ حامل البطاقة ـ فوراً بعد انتهاء العملية وتسلُّمه تقريرها، إذ أن مصرف التاجر يكون قد تسلم المبلغ المطلوب من مصرف حامل البطاقة، وأضافه إلى حساب التاجر لديه.
ثامناً: يتقاضى مصرف التاجر عمولة من التاجر قدرها (٢%) من قيمة الفاتورة ثم يقوم بدفع (١.٤%) إلى البنك مصدر البطاقة، ويكون نصيب المنظمة الدولية من كل عملية (٠.٣٣%) إذا تمت العملية عن طريقها (١). وتعتبر هذه العمولة أجرة على قبول الحوالة.
أدلة هذا التكييف
يستدل أصحاب هذا التكييف، بأن العميل عندما يشتري من التاجر ويوقع قسيمة البيع، يكون قد أحال التاجر على البنك المصدر للبطاقة، ومن حق البنك المصدر للبطاقة أن يقبل الحوالة عليه بشرط أن يأخذ نسبة من الثمن، أي للبنك أن لا يقبل الحوالة إلا إذا التزم التاجر بأداء مبلغ إلى البنك عمولة على قبوله الحوالة، وبما أن التاجر له نفع في قبول البنك للحوالة عليه، فمن حق البنك أن يأخذ أجرة مقابل هذا النفع الذي قدمه للتاجر (٢).
* استشكال
وقد اعتُرض على هذا الاستدلال بما يلي:
стр. 306
الاعتراض الأول: ينقض ما ذكر أصحاب هذا التكييف أن الحوالة من عقود الإرفاق (١) التي لا يجوز أخذ الأجرة عليها، وفي هذا التكييف نجد أن المحال عليه لم يقبل الحوالة إلا مشروطة بالأجر، وهذا ينقض تكييف المسألة بأنها حوالة.
وأُجيب على هذا الاعتراض بأن للمصرف أن يشترط على العميل فيقول: إنما أقبل منك أيها العميل الاقتراض بشرط أن لا تُحِل عليَّ، وبهذا لا يجب على البنك قبول الحوالة بحسب الشرط، فإذا أحال العميل على البنك، فللبنك أن يقول للمحال: أنا أقبل الحوالة علي بشرط أن تلتزم بدفع نسبة من الثمن. فعلى هذا الوجه من التخريج يجوز للبنك أن يأخذ أجرًا من المحال على قبوله الحوالة التي حولت عليه من قِبل العميل (٢). ولقائل أن يقول إن العمولة في الواقع إنما تؤخذ من المحال (التاجر) وليس من المحيل (العميل المشتري)، ولكن يمكن الجواب عليه بأن المحال (التاجر) قَبِل تحمل العمولة عن المحيل (العميل المشتري) لما له من مصلحة في هذا العقد.
الحكم الشرعي
من التكييف السابق نخلص إلى أن مسألتنا عقد حوالة، وعقد الحوالة من العقود المشروعة، وعليه يتعين القول بجواز إجراء هذا العقد، وأن الأجرة (العمولة) جائزة على عقد الحوالة.
стр. 307
التكييف الثالث: عقد صلح على الحطيطة
يرى بعض الباحثين أنه يمكن تكييف العلاقة بين مصدر البطاقة والتاجر على أساس أن الكفيل إذا كفل شخصاً بالمال بمبلغ معين ثم سدده عنه، فيجوز للكفيل أن يتصالح مع الدائن الملتزم له بالدين من قِبل الكفيل بأقل من المبلغ الذي التزم به المكفول والتزم به الكفيل أيضاً وضم ذمته إلى ذمته، وقد قال فقهاء الحنفية (١) بحواز صلح الحطيطة بين الكفيل وبين الدائن، ويمكن تصوير ذلك أن المصرف المصدر للبطاقة قد تصالح بعد ثبوت الدين في ذمة المشتري وضم ذمته إلى ذمة المشتري، تصالح مع الدائن (التاجر) على أقل من المبلغ المدين (قيمة المشتريات) وهو جائز (٢).
وكما هي عادتنا نبدأ بالكلام حول العقد في الفقه الإسلامي، ومن ثم نشفعه بالتنزيل الفقهي كي تتضح الصورة تمام الاتضاح.
تعريف الصلح:
التعريف في اللغة: قال في المعجم: الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد (٣). والاصْطِلاحُ اتّفاقُ طائفةِ مَخصوصةٍ على أَمْرٍ مخصوص (٤).
أما في الاصطلاح: فقد تعددت التعاريف وهي بمعنى واحد، ومن أحسن ما عرف به هُوَ عَقْدٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ بِالتَّرَاضِي (٥).
стр. 308
مشروعية الصلح:
من الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ سورة النساء آية (١٣٤).
ومن السنة قول النبي ﷺ : الصُّلْحُ جَائِزٌ بين الْمُسْلِمِينَ إلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أو أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِمْ إلا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أو أَحَلَّ حَرَامًا. (١)
أركان الصلح وشرائطه:
ركنا الصلح: هما الإيجاب والقبول، وهو أن يقول المدعى عليه صالحتك من كذا على كذا أو من دعواك كذا على كذا، ويقول الآخر قبلت أو رضيت، أو ما يدل على قبوله ورضاه، فإذا وجد الإيجاب والقبول فقد تم عقد الصلح (٢).
وأما شرائطه: فيشترطون أن يكون من جائز التصرف لكونه من التبرعات (٣)، وأن يكون مع الإقرار عند الشافعية (٤)، وهل يشترط سبق
стр. 309
الخصومة؟ قولان عند الشافعية الأصح نعم (١)، وأن لا يكون على محرم أو يحله (٢).
التكييف الفقهي:
بعد الكلام عن عقد الصلح في الشرع الإسلامي، يمكننا الآن الشروع في تنزيله على مسألتنا فنقول وبالله التوفيق:
بيان التكييف
- جهات عقد الكفالة والصلح
الكفيل: هو مصرف العميل المصدر للبطاقة
المكفول له: التاجر
المكفول به: ثمن المشتريات من قِبل صاحب البطاقة
أطراف الصلح: قيام الكفيل (المصرف المصدر) بمصالحة المكفول له (التاجر) على بعض الكفالة (بعض الثمن المُستَحق)، يعدُّ صلح حطيطة أي يحط عنه بعض ما استحق من المال المكفول.
- التنزيل الفقهي
يتبين هذا التكييف بما يلي:
أولاً: شراء العميل صاحب البطاقة من التاجر يعتبر بمثابة اقتراض منه لتلك المشتريات.
стр. 310
ثانياً: يقوم العميل بتقديم بطاقته للتاجر ليبين أن كفيله هو المصرف المصدر للبطاقة، فيكون قد ضم ذمة المصرف إلى ذمته بمطالبة السداد للتاجر.
ثالثاً: يقبل التاجر الكفالة على المصرف، ويذهب للكفيل للمطالبة بالمبلغ المكفول به.
رابعاً: يشترط الكفيل لسداد مستحقات عميله صلحاً على المبلغ المكفول، فيتصالحا على الحطيطة من الثمن بقدر معين.
أدلة أصحاب هذا التكييف:
استدل أصحاب هذا التكييف بجواز الصلح على الحطيطة على ما في الذمة، كما استدلوا بحديث عَبْد اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ قَالَ كَعْبٌ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُمْ فَاقْضِهِ (١).
وجه الاستدلال هو جواز وضع شطر الدين على سبيل المصالحة فضلاً عن بعضه.
стр. 311
الحكم الشرعي:
من التكييف السابق للمسألة، وأدلة أصحابه يتبين جواز ومشروعية هذا العقد، والعمولة المأخوذة على السبيل المذكور.
الترجيح
بعد النظر في التكييفات السابقة يمكن القول: إن التكييف الأقرب لمسألتنا هو تكييفها بالحوالة، ويكمن القول بأن الأجر ليس لمجرد الحوالة، بل للخدمات التي يقدمها المصرف المصدر أو مصرف التاجر، والتي تتمثل بتوصيل الدين، وحفظ الأموال، وتأمين المتجر، وتكاليف السحب والإيداع في المصارف بالطرق التقليدية وغير ذلك من الخدمات.
كما أن تكييفها على صلح الحطيطة فيه تكلُّف ظاهر إذ إن صلح الحطيطة يتم على دين كان مؤجلاً وحل أجله، بينما في حالة البطاقات البنكية يشترط المصدر الحطيطة قبل أن تتم المعاملة ولمَّا يثبت الدَّين بعد وذلك في اتفاقية التاجر.
كما أن استدلالهم بالحديث السابق لا يسعفهم بما أرادوا؛ فإنما أمر النبي ﷺ بوضع شطر الدَّين حين عجز المدين عن الوفاء، وهنا البنك مليء وليس بعاجز عن الوفاء ليحط عنه بعض الدين، بل هو الذي يشترط للتاجر حط بعض الدين ويعتبره معاملة تجارية يكسب منها الأرباح الطائلة، فشتان ما بين هذه المعاملة وصلح الحطيطة.
стр. 312
المطلب الثاني: التكييف الشرعي للدفع ببطاقة الصراف الآلي مع اختلاف عملة المشتري مع عملة التاجر
- تصوير المسألة
نظام تحويل إلكتروني عبر جهاز معين لدى التاجر يتيح لصاحب البطاقة أن يسدد أثمان مشترياته من المتجر عبر ذلك الجهاز بتحويل الأموال من رصيده إلى رصيد التاجر سواء اتحد مصرف حامل البطاقة أو اختلف مع مصرف التاجر، بعمولة تؤخذ من التاجر للمصرف.
ويستطيع حامل البطاقة استخدامها في معظم دول العالم لشراء السلع والخدمات المرغوبة، بحيث يسدد مصدر البطاقة المبلغ المستحق على حاملها فورا بعملة البلد المستخدمة فيه، ثم يعود على حاملها بالعملة المحلية باستخدام سعر صرف ذلك اليوم أو حسبما هو مبين في الاتفاقية.
- تمثيل المسألة
عميل لمصرف بيت التمويل في دولة الكويت له بطاقة مصرفية اشترى سلعاً من تاجر في اليمن، وأثناء الدفع قدم بطاقته المصرفية للتاجر ليقوم بالاستيفاء عن طريق الجهاز (P.O.S) الذي يمتلكه التاجر، فيقوم الجهاز بعد إمرار البطاقة فيه وإدخال التعرفة السرية ـ إن كانت بطاقة صراف آلي ـ أو بدون التعرفة إن كانت البطاقة غير ذلك، بالاتصالات على مصرف التاجر أو شبكة النقد للتأكد من صلاحية البطاقة ورقم التعرفة ومعلومات رصيد العميل، وعند إرسال التفويض تتم الموافقة وصرف المبلغ المطلوب والإذن بالسداد، فيتم الخصم من رصيد حامل البطاقة لصالح رصيد التاجر بقدر ذلك المبلغ
стр. 313
بعملة التاجر، ويُعطى حامل البطاقة إشعاراً بالمبلغ المخصوم وتاريخه والساعة التي تم فيها الخصم ورقم البطاقة.
- محور البحث
محور بحثنا في هذه المسألة يتمثل بصور القبض في هذه العقود لصحة الصرف، ومشروعية العمولة التي يتقاضاها المصرف من التاجر.
التكييف الشرعي
لا يختلف التكييف الشرعي في مسألتنا هذه عن سابقتها، وكذا حكم العمولة فيها القاضي بكونها حوالة مع الأجر، إلا أن البنوك تأخذ عمولة بنسبة أكبر إذا أضفنا لها فارق صرف العملة التي تجريها عند التحويل، وقد تكلمنا عن ذلك أيضاً في مسألة السحب بغير العملة المودعة فليرجع إليه (١).
إلا أن هناك إشكالاً يرد على قبول التكييف بحوالة بين الحامل والتاجر إذا تمت عملية البطاقة خارج بلاد المصدر؛ لأن الحوالة يشترط فيها تماثل الحقين في جنس الدين؛ فيحيل من عليه ذهب بذهب، ومن عليه فضة بفضة ولو تغير الجنس لم تصح الحوالة كما جاء عند الفقهاء، فالحامل إذا اشترى خارج البلاد يوقع على فاتورة الشراء وهي عملة ذلك البلد من الدولار أو غير ذلك، ورصيد الحامل بالبنك المصدر الذي يسدد له الفاتورة أو يقبل له الحوالة هو بعملة بلد حامل البطاقة، فهنا اختل الجنس المحال من جنس الدين على المحال عليه وهو يمثل إشكالاً في صحة عقد الحوالة.
стр. 314
وأُجيب عن هذا الإشكال بأن حامل البطاقة يوكل البنك المصدر بصرف تلك العملة بقيمة يومها ويسدد الدين المحال بجنس الدين الذي عليه (١).
وبالنظر إلى الواقع المصرفي فإن في حالات عديدة يقوم العميل حامل البطاقة باستخدام بطاقته لسداد قيمة مشتريات أو خدمات تختلف عن عملة حساب البطاقة التي يتعامل بها مع البنك المصدر، وحيث إن هذا الأخير يدفع تلك المبالغ لمستحقيها بالدولار عادة، فإن تسوية المعاملة تحتاج إلى عملية صرف أو تحويل المستحقات من الدولار إلى العملة المحلية.
فبعض البنوك المصدرة تقوم بعملية الصرف على أساس السعر المعلن لديها في يوم قيد قيمة تلك المشتريات أو الخدمات على حساب العميل حامل البطاقة أو بزيادة نسبة معلومة.
وبعض البنوك يعتمد سعر الصرف السائد في التاريخ الذي تم فيه سداد القيمة من جانب البنك نيابة عن العميل حامل البطاقة.
وبعضها يعتمد سعر الصرف السائد في تاريخ استلام بيان المبالغ المستحقة من المنظمة العالمية (٢).
وقد صدرت في شأن هذه المسألة فتوى في ندوة البركة الثانية عشرة، وهي:
يجوز اتفاق البنك المصدر مع حامل البطاقة على تحويل قيمة المبالغ المستحقة، باستخدام السعر المعلن لدى البنك يوم إجراء قيد العملية لصالح
стр. 315
التاجر وذلك بالحسم من حساب حامل البطاقة إن كان فيه رصيد، أو بإقراض البنك له بدون فوائد بإضافة المبلغ إلى حسابه المكشوف ثم الحسم منه، إن كان البنك قد وافق على إقراضه في هذه الحالة.
ويعتبر شرط التقابض متوافراً وهو من قبيل القبض الحكمي لأن هذا صرف ما في الذمة وهو جائز عند جمهور العلماء (١).
وأرى أن هذا هو الواجب من حيث تطبيق شروط القبض في عملية الصرف، إذ أن الصرف لابد أن يكون بسعر اليوم ذاته، أي يوم قيد القيمة؛ ليتحقق القبض الحكمي باستلام العميل الإيصال الذي به يكون قد تم التقابض حكماً.
* شراء الذهب والفضة وصرف العملات بالبطاقة:
يجوز استخدام بطاقة الائتمان في شراء الذهب والفضة وصرف العملات بشرط عدم التأجيل أو التأخير بالاشتراط أو العرف، مع مراعاة أنه لا يحصل اختلال التقابض بالتأخير غير المقصود (٧٢) ساعة على ما هو المتبع في القيود المصرفية، طبقا لقرار مجمع الفقه الإسلامي.
وذلك لأن قسيمة الدفع الموقعة من حامل البطاقة تقوم مقام القبض، كالشيك، بل هي أقوى منه كما أفاد الفنيون، لأنها ملزمة للتاجر وتبرأ بها ذمة حامل البطاقة من الدين حالا، وليس له الاعتراض على الوفاء بقيمتها (٢).
стр. 316
هذا في بطاقات الائتمان التي فيها اقتراض بَيِّنٌ أما في بطاقة الصراف الآلي فلا حرج البتة فيها لآن الحسم يكون فورياً فيحصل التقابض بمجرد الشراء من دون تأخير يذكر يؤثر على صحة القبض.
стр. 317
الفصل الثاني:
بطاقات الدفع المسبق
(Prepaid Cards)
وهي
البطاقات ذات المجال المفتوح
(Open-Loop Cards)
وتحته ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ماهية البطاقات مسبقة الدفع
المبحث الثاني: أنواع بطاقة الدفع المسبق
المبحث الثالث: التكييف الفقهي لبطاقة الدفع المسبق
стр. 318
المبحث الأول: ماهية البطاقات مسبقة الدفع
المطلب الأول: تعريف بطاقة الدفع المسبق
تعددت تعريفات هذه البطاقة، وقد اعتبرها البعض بمثابة النقد الإلكتروني مقابل النقد التقليدي، وعُرِّفت بما عُرِّف به النقد الإلكتروني.
فعرفتها المفوضية الأروبية بأنها:
"قيمة نقدية مخزونة بطريقة إلكترونية على وسيلة إلكترونية كبطاقة أو ذاكرة كمبيوتر، ومقبولة كوسيلة للدفع بواسطة متعهدين غير المؤسسة التي أصدرتها، ويتم وضعها في متناول المستخدمين لاستعمالها كبديل عن العملات النقدية والورقية، وذلك بهدف إحداث تحويلات إلكترونية لمدفوعات ذات قيمة محددة". (١)
وعرفها البنك المركزي الأوربي بقوله:
"مخزون إلكتروني لقيمة نقدية على وسيلة تقنية يستخدم بصورة شائعة للقيام بمدفوعات لمتعهدين غير من أصدرها، دون الحاجة إلى وجود حساب بنكي عند إجراء الصفقة وتستخدم كأداة محمولة مدفوعة مقدماً". (٢)
стр. 319
وهذان التعريفان سبق الكلام عليهما وما فيهما عند كلامنا حول النقود الإلكترونية، والدقة تقتضي أن نُعرِّف البطاقة ـ كما اعتدنا ـ بالجنس والفصل القريبين لتتضح الماهية، وتُعرف المادة فنقول: سبق وأن تكلمنا عن تعريف البطاقة في اللغة، وكذا التعريف الشكلي، وللوقوف على التعريف لهذا النوع نشرع أولاً بتعريف المفردات، (دفع ـ مسبق).
* تعرف "دفع":
تكلمنا فيما سبق عن تعريف الدفع في اللغة وعرفنا أن لها أكثر من معنى ومن خلال تلك المعاني، نستطيع أن نخلص إلى أن مادة (دفع) تدور حول الرد وتعدية شيء من إنسان لآخر، وبين تنحية أمر واقع، أو إزالته بقوة؛ وبما أن قواميس اللغة لم تصرح بأن الدفع يكون بمعنى الإعطاء إلا أنها قد أومأت إليه (١).
* تعريف "مسبق":
المسبق اسم مفعول من سبق يسبق سبقاً، واسم الفاعل سابق، قال ابن فارس: سبق السين والباء والقاف أصل واحد صحيح يدل على التقديم، يقال سبق يسبق سبقاً (٢). وهو بمعنى القُدمَة (٣) أي التقدم.
وقال صاحب اللسان: سبق السبق القدمة في الجري وفي كل شيء تقول له في كل أمر سبقة سابقة سبق (٤).
стр. 320
* تعريف بطاقة الدفع المسبق كعَلَمٍ مُرَكَّبٍ:
من خلال النظر للماهية واعتبار معاني مفردات البطاقة يمكن القول بأنها:
"بطاقة مصرفية إلكترونية مرتبطة بشركة، أو بمصرف، أو بمنظمة عالمية، ذات خدمات مختلفة، تُودَع فيها النقود مقدماً، للوفاء من خلالها".
شرح التعريف
فقولنا: بطاقة، جنس قريب يبين جنس الماهية.
وقولنا: مصرفية إلكترونية، فصل قريب يخرج أنواعاً عدة من البطاقات غير المصرفية وغير الإلكترونية.
وقولنا: مرتبطة بشركة، أو بمصرف، أو بمنظمة عالمية، ذات خدمات مختلفة، تودع فيها النقود مقدماً، للوفاء من خلالها. أعراض نخرج بها بطاقة المحلات التجارية غير مسبوقة الدفع وغيرها.
ومن خلال التعريف يمكن أن نسمي هذا النوع من البطاقات بأنها بطاقات ذات المجال المفتوح (Open-Loop Cards) إذ أنها متعددة الأهداف، فهي للشراء لدى محلات تجارية أو استلام وديعة أو سحب نقدي من ماكينة الصراف الآلي (ATM)، كما أنها تصرف من الشركات المالية كفيزا أو ماستر كارد والتي يمكن استخدامها في أي مكان، ويمكن صرف هذه البطاقات لتكون بطاقة راتب تشحن في نهاية الشهر من قبل الشركات والحكومات (١).