Полный текст (149 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقت صيام المرأة للست من شوال
تبقى مسألة متعلقة بهذا الباب، ألا وهي: المرأة الحائض إذا أفطرت في رمضان بسبب الحيض، واستمر معها حيضها حتى لم يبق من شهر شوال إلا ستة أيام، وهي تريد أن تنال الحظ الأوفر والأكبر في صيام شوال وصيام رمضان؛ لقول النبي ﷺ : (من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر).
فهي تقول: لو قضيت ما علي فلن أستطيع صوم الأيام الستة، فسأقضي ما افطرت من رمضان في أي وقت، فهل نقول بقول الجمهور: بأنه لا نافلة مع الفرض حتى تأتي بالفرض، أم نقول بقول الأحناف بأنه لها أن تتنفل ما دام الواجب موسعاً؟ أقول: لن نقول بأي القولين، والصحيح الراجح: أن المرأة ليس لها إلا أن تقضي أولاً ثم تصوم الست من شوال، أو تريد أن تتنفل تنفلاً مطلقاً لها، ثم تقضي ما عليها، لمَ؟ لست أقول بأنه محجور عليها النافلة حتى تقضي؛ لأن هذا واجب موسع، لكني أحجر عليها الفضيلة، فصيام المرأة ستة أيام قبل أن تقضي هل تندرج به في قول النبي ﷺ : (من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال) لأن قوله: (صام رمضان) يعني: كل رمضان، هذا ظاهر اللفظ، وهي الآن لم تتم الشهر، إذاً: لا تندرج تحت الحديث لأن النبي ﷺ يقول: (من صام رمضان) رمضان هنا نكرة في سياق الإثبات، وهذا يفيد الإطلاق، يعني: من صام كل رمضان من أول يوم إلى آخر يوم، ثم أتبع رمضان بست من شوال، فكأنما صام الدهر كله، فنحن نقول: هي لم تصم رمضان، فعليها أولاً: أن تقضي الأيام التي أفطرتها من رمضان بسبب الحيض، فإذا قضت هذه الأيام نقول لها: أنت الآن قد صمت رمضان فلك أن تصومي الست من شوال.
قالت: إذاً لو قضيت ما علي فلن يتسع لي الوقت أن أصوم الست من شوال، نقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ولك ما نويت، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وكم من مريد للخير لم يبلغه، وهذه قواعد شرعية أصولية عامة لا بد أن نعمل بها.
ولو قلنا بأنها تصوم الست ثم تقضي ما عليها لم تكن قد دخلت تحت عموم الحديث: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال).
فاعترض علينا المعترضون، وقالوا: كيف تقولون ذلك وهي قد صامت ما فرض عليها، لكن ليس بفرض عليها في أيام الحيض؟ قلنا: ليس بفرض عليها حين الحيض، لكن هل القضاء فرض عليها أو ليس بفرض عليها؟ سيقولون: فرض عليها.
قلنا: إذاً لم تتم الشهر، فتتم الشهر بالقضاء.
قالوا: ماذا تفعلون في حديث عائشة، ألا تظنون خيراً في عائشة ﵂ وأرضاها؟ هل عائشة ﵂ وأرضاها تترك صيام الست من شوال، وتترك هذا الخير العميم العظيم وهو أن تصوم الست من شوال مع رمضان فتفوز بصيام الدهر كله، فهي لم تقض القضاء إلا في شعبان، ويبعد كل البعد أن تترك أيام الست من شوال، ولدينا أيضاً قاعدة: كلما ضاق الأمر اتسع، فكيف نجيب عن هذه الأسئلة؟ أقول: الراجح والصحيح أنه ليس لها أن تصوم الأيام الستة حتى تقضي، وهذا ليس تضييقاً عليها، وإذا دارت مع الشرع فليس هذا من التضييق بشيء، بل الدوران مع الشرع كله خير.
أما عن حديث عائشة، فهي لم تصم الست، وأين الدليل على أنها صامت؟ أنا عندي الدليل أنها لم تصم، مع أني لست ملزماً أن آتي بالدليل، فالمخالف هو الذي يأتي بالدليل؛ لأن الأصل عدم القيام بهذه الطاعة، فإذا قامت بالطاعة فائتوني بالدليل، ولا دليل لديكم إلا حسن الظن، ونحن نحسن الظن، وفوق هذا الإحسان أقول: إنها لم تصم لمكان رسول الله ﷺ منها؛ لأنها بينت العلة -كما في البخاري - أنها ما كانت تقضي رمضان إلا في شعبان لمكان رسول الله منها، إذا كان يريدها النبي ﷺ فكانت تجعل لنفسها وقتاً لرسول الله ﷺ ، فأنا أحسن بها الظن ألا تقدم النفل على الفرض وهي الفقيهة ﵂ وأرضاها؛ لأن استجابتها لرسول الله إذا أراد وطأها واجب والصيام نفل.
لذلك أنا أقول: المرأة لو صامت يوم الإثنين ودخل زوجها فاشتهاها فلا بد أن تفطر وجوباً، ولولم تفطر أثمت بذلك؛ لأنها تقدم النفل على الفرض.
فقدمت عائشة الفقيهة فرضية الطاعة لرسول الله ﷺ على النفل وهو صوم ستة أيام، وهي تعلم أنها لو نوت خيراً ما ضاع هذا الخير (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فهذه دلالة واضحة جداً على أن عائشة لم تصم الأيام الستة.
وأما القول بأن الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق، فنقول: أين محل هذه القاعدة مما نقول؟ نحن نقول لها: صومي النافلة كيفما شئت، لكن لن تحوزي فضيلة الأيام الستة بعد صيام رمضان وتكوني قد صمت الدهر كله إلا بعد أن تطبقي الحديث؛ لأنها مقدمة ونتيجة، المقدمة (من صام رمضان)، أي: كل رمضان، (ثم أتبعه بست من شوال) النتيجة: (فكأنما صام الدهر كله) فالحائض إنما جاءت ببعض رمضان وبست من شوال، فلا تأخذ النتيجة؛ فإذا صامت رمضان، وقضت ما أفطرته في شعبان، وكانت قد صامت ستة أيام من شوال، نقول: هل صامت رمضان حقيقة وأتبعته بالست، أم قدمت الست ثم أتبعت الصيام؟ نؤصل تأصيلاً آخر لكي نوضح أكثر.
النبي ﷺ إذا قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) الصحيح الراجح المتوافق مع ظاهر كلام النبي هو وجوب التسمية، فلو صلى بوضوء لم يذكر اسم الله عليه، فصلاته باطلة، لمَ؟ اجعلوها معادلة، مقدمة ونتيجة، المقدمة: وضوء بتسمية مع صلاة فالصلاة صحيحة، وضوء بدون تسمية فالصلاة غير صحيحة، كذلك هنا: صيام رمضان كاملاً مع ست من شوال، فالنتيجة: صام الدهر كله، وإذا لم يصم كل رمضان لم يدخل تحت الحديث.
إذاً: محور الكلام كله على لفظ النبي ﷺ .
امرأة صامت نصف رمضان، وصامت الست من شوال، فلا يقال إنها صامت رمضان وأتبعته ستاً من شوال؟ إلا أن يوجد دليل يوضح أن النبي ﷺ يقصد المسارعة ولا يقصد هذه المقدمة، ولا يوجد دليل إلا حسن الظن بـ عائشة، ونحن نحسن الظن، لكنها إنما تركت الصيام من أجل مكان النبي ﷺ .
وهل تترك صيام الدهر؟! نعم؛ لأن الله جل وعلا سيعطيها فوق ذلك أضعافاً مضاعفة؛ لأنها قدمت الفرض على النفل، وقدمت رضا رسول الله ﷺ على أمر في ذاتية نفسها.
بل القاعدة عند العلماء: لو تعارضت العبادات المتعدية مع العبادات الذاتية فالمتعدي يقدم على الذاتي، كصلاة ركعتين والتصدق بدرهم، فالتصدق بدرهم أفضل من صلاة الركعتين، لأن الركعتين تنفع صاحبها فقط، أما الصدقة فتنفع المتصدق والمتصدق عليه.
وقد قالت عائشة للرواي: أما أنا وأنت فمن الذين ظلموا أنفسهم؟ هي تصرح بنفسها، كأنها لا تفعل إلا الفرائض فقط.
ابن مسعود كان يقول: إن الصيام يضعفني فلا أصوم حتى أستطيع القيام، كما أن النبي ﷺ كان في العصر يطوف على نسائه ويقبل كل امرأة، ولو افترضنا أنه قبل امرأة فاشتهاها فهل تمتنع؟ لا.
ثم بعد وفاة النبي ﷺ كانت تقضي أولاً ثم تصوم الست، ولا يوجد مخالف لهذا، ولا يوجد دليل أنها لم تصم وأخرت وصامت بعد ذلك.
هناك قاعدة علمية تقول: إذا تعلق الحكم على شرطيه لا يتواجد إلا بوجودهما، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهنا الشرط الأول: أن تصوم كل رمضان، والشرط الثاني: أن تصوم الست، فاختل الشرط وهو صيام رمضان كله.
إذاً: الصحيح الراجح في هذه المسألة: أنها لا تصوم.
стр. 107
الحج على الفور
هل الحج على الفور أم على التراخي؟ فلو أن رجلاً سهل الله له الاستطاعة بالمال والزاد والراحلة، وأراد السفر للحج ثم تقاعس وقال: أذهب إلى الحج العام القادم، فما محله من العقاب والثواب؟ يرى الحنابلة أنه آثم وعاصٍ لله جل في علاه؛ لأنه لم يمتثل لأمر الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، هذه أيضاً دلالة على الأمر، والأمر يقتضي الوجوب والفورية، فإذا استطاع المكلف الحج وجب عليه في حينه أن يسافر إلى الحج، ولو كان قبله بيوم أو بأسبوع إلا أن يمنع من قبل السلطات، فقد اتقى الله ما استطاع.
هذا قول الحنابلة.
أما الجمهور من الشافعية والأحناف فقد قالوا بأنه ليس على الفور، بل لو تراخى في الحج بعدما وفر الله له الزاد والراحلة لم يأثم بذلك، لكنه في ذمته ولا بد أن يأتي بهذه الفريضة.
دليل الحنابلة: أن مقتضى الأمر الفورية.
وأما دليل الأحناف والشافعية فليس على هذا التأصيل.
والدليل من اللغة على أن الأمر يقتضي الفورية: أن السيد لو قال لعبده: ائتني بكوب من الماء، فتركه إلى الليل فضربه لم يكن ملوماً؛ لأن العبد لم يأتمر بأمره، فهذا دليل من لغة العرب على أن الأمر على الفورية؛ لأنه لو كان على التراخي لم يكن له أن يعاقبه.
فالقول بالفورية هو قول الحنابلة، أما الشافعي فله قولان، أحدهما بالفورية؛ والآخر بأن الحج ليس على الفور، لا لمقتضى الأمر -يعني: لا على التأصيل- ولكن للقرائن المحتفة التي صرفت الأمر من الفورية إلى التراخي، وهذا القول هو الراجح الصحيح.
قالوا: أولاً: أن الحج فرض في السنة السادسة، على خلاف بين العلماء هل فرض في السنة السادسة أو السنة التاسعة، والذي أميل إليه أن الحج فرض في السنة السادسة، وحج النبي ﷺ في السنة العاشرة.
لكن الحنابلة قالوا بأنه فرض في السنة التاسعة، والوفود التي قدمت على النبي ﷺ هي التي أخرته من أجل مصالح المسلمين إلى السنة العاشرة.
فالشافعية قالوا: أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه كانوا على يسر، وكانوا يملكون الزاد والراحلة فلم يحجوا إلا مع حج النبي ﷺ ، فماذا تقولون في هؤلاء الذين أخروا الحج؟ هذه شبهة قوية جداً، وإذا قلنا بأن الحج فرض في السنة السادسة والنبي ﷺ أخره إلى السنة العاشرة كان ذلك ليس على الفور.
والشبهة الثانية: أن الصحابة كانوا مياسير وكان معهم المال ولم يحجوا، فكانت هذه دلالة قوية جداً صارفة من الفورية في مسألة الحج إلى التراخي، لكن الأحوط وخروجاً من الخلاف نقول بالفورية، ويأثم من وفر الله له الزاد والراحلة فلم يذهب إلى الحج.
ينبثق عن هذه المسألة مسألة مهمة جداً.
إذا قلنا بالتراخي، وقلنا: ليس الوجوب على الفورية في مسألة الحج بالذات لوجود الصارف إلى التراخي، فإذا وجد المكلف الزاد والراحلة ثم مات وهو يقول بأن الأمر ليس على الفورية، فهل يجب أن يقضى عنه الحج أم لا؟ نقول: يجب الحج عنه، ومال الحج لا يدخل في الميراث -كالزكاة- ثم يحج عنه بالنيابة، فهذه المسألة هي التي انبثقت من هذه المسألة.
وقال المالكية والأحناف: لا يجب إلا إذا أوصى، للتأصيل العلمي الذي يقول: الوصية واجبة التنفيذ، فإذا وصى بذلك حج عنه، وإن لم يوص فلا يحج عنه.
قالوا: وأيضاً للتأصيل العام الشرعي أن الأصل في العبادات عدم النيابة.
فلو حج رجل عن رجل كان هذا نيابة، والأصل في العبادات أنه لا نيابة فيها، فقالوا: هذا التأصيل العام وأنتم توافقون عليه، فإنه لا يجوز النيابة في الحج إلا إذا أوصى، فتكون المسألة بواجب آخر غير النيابة وهو وجوب تنفيذ الوصية.
وأما الشافعية والحنابلة فقالوا بوجوب الحج عنه إذا مات وإلا فآثم، وسيسأل عند ربه عن هذا الحج.
وهذا هو الراجح الصحيح.
والدليل على ذلك: المرأة الخثعمية التي سألت النبي ﷺ : إن أمي افتلت نفسها، وفي رواية ذكرت الصوم، فقال لها النبي ﷺ : (أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ فقالت: نعم، فقال: دين الله أحق أن يقضى).
وأيضاً المرأة التي قالت للنبي ﷺ : إن أبي شيخ كبير أدركته فريضة الحج ولا يستطيع أن يستوي على الراحلة إلى آخر الحديث.
المقصود: أن هذا الحديث فيه فصل الخطاب؛ لأن النبي ﷺ قال: (دين الله أحق أن يقضى).
إذاً: دين الله في الحج لا بد أن يخرج من التركة قبل أن يقسم الميراث.
إذاً: الراجح الصحيح: أن من مات وعليه حَج حُج عنه وجوباً، هذا إن مات وهو مستطيع، لكن إن مات وهو غير مستطيع فهذا لا يطالب بالحج، ولا يحج عنه وجوباً، لكن هل يحج عنه استحباباً؟ هذا خلاف فقهي عريض بين العلماء ليس هذا مجال التفصيل فيه.
стр. 108
الاختلاف في القواعد الأصولية - النهي ومسائله
الأصل في النواهي الشرعية أن تدل على التحريم ولا تحمل على الكراهة إلا بدليل، وقد اختلف العلماء في ذلك، واختلفوا أيضاً في هل النهي يقتضي الفساد أم لا؟
стр. 109
تعريف النهي وذكر صيغه
стр. 110
تعريف النهي
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع أثر الاختلاف في القواعد الأصولية، واليوم نتكلم عن النهي وأثر الخلاف في النهي على المسائل الفقهية، فنقول: النهي في اللغة: ضد الأمر.
وفي الاصطلاح: طلب الكف على وجه اللزوم والاستعلاء.
طلب الكف، أي: أن الله جل وعلا يأمر أن تكف عن فعل شيء معين.
على وجه اللزوم، يعني، لست مخيراً في ذلك.
على وجه الاستعلاء، يعني: من الأعلى للأدنى، وتقدم الكلام عليه في مسألة الأمر.
وحكمه: يثاب تاركه ويعاقب فاعله.
مثال ذلك: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨].
(ولا تأكلوا): نهي، فهذا طلب الكف عن هذا الأكل.
على وجه اللزوم، يعني لا تأكل مال أخيك بالباطل.
وهو على وجه الاستعلاء: يعني من الأعلى إلى الأدنى.
فيعاقب فاعله: يعني من أكل مال أخيه بالباطل يستحق العقاب يوم القيامة، وهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، لكن هو يستحق العقاب بتجرئه على هذه المحرمات.
ويثاب تاركه: يعني من لم يأكل مال أخيه بالباطل فله الثواب عند الله جل في علاه.
стр. 111
صيغ النهي
صيغ النهي كثيرة منها: الفعل المضارع المقرون بلا الناهية، كقول الله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]، وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، ففيهما فعل مضارع مقرون بلا الناهية.
وقد يقرن بلا النافية ويكون المطلوب من النفي النهي، فيصبح خبراً يراد به الإنشاء، مثل قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، فهذا خبر بمعنى الإنشاء، يعني لا تبدلوا فطرة الله.
ومن صيغ النهي التصريح بعدم الحل، نحو قول الله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء:١٩]، وقول الله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠].
ومن صيغ النهي التصريح بالتحريم، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
ومن صيغ النهي التصريح بالكراهة، والكراهة الأصل فيها التحريم إلا بقرينة، كقوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] يعني: وحرم عليكم الكفر والفسوق والعصيان.
стр. 112
حكم النهي
стр. 113
الأصل في النهي التحريم
الأصل في النهي التحريم، وهذا فيه خلاف بين العلماء، لكن هذا هو الراجح ما لم تأت قرينة تصرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة، والدلائل على ذلك كثيرة: منها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠]، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، قال أنس -كما في الصحيح-: جئت إلى سعد بن معاذ ومعه جمع من الأنصار، والكئوس تدور على الرءوس، فصاح الصائح: إن الله حرم الخمر ثم قرأ الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة:٩٠]، إلى أن قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، فألقوا بالكئوس في الأرض فقالوا: انتهينا ربنا انتهينا.
فالأصل في النهي التحريم، يعني إذا قيل لك: قال رسول الله: لا تفعل، فيجب عليك ألا تفعل، ويحرم عليك أن تفعل؛ لأن الأصل في النهي التحريم.
فالصحابة سارعوا في الانتهاء، ولو كان النهي يقتضي الكراهة فممكن أن يشذ واحد منهم فيشرب، ويقول: هذا ليس بمحرم، ولا سيما وهم كانوا يشربون الخمر كالماء، بل أتلفوا المال، وإتلاف المال لا يجوز، فهذا الإتلاف للمال دلالة على أن التحريم كان على القطع والحسم، فسكبوا الخمر في الأرض، ولم يسألوا هل هو محرم أو مكروه، وعدم الاستفصال يدل على أن النهي عندهم على التحريم.
وأصرح من ذلك حديث غزوة خيبر، فعندما عز عليهم الطعام نحروا الحمر الأهلية، وكانت حلالاً، وغلت القدور باللحوم، فقال رسول الله ﷺ : (إن الله ورسوله ينهيانكم عن أكل لحوم الحمر الأهلية)، فلما سمعوا النهي ألقوا باللحوم في الأرض وأتلفوا المال، وهذا فيه دلالة أيضاً على التحريم.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ مر على رجل قد لبس خاتم ذهب، والنبي ﷺ قد نهى عن الذهب للرجال، فنزع الخاتم منه وألقاه، وقال: (أيعمد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في أصبعه!)، فقالوا له: خذه وانتفع به، فقال: والله لا آخذ شيئاً ألقاه النبي ﷺ .
ولو لم يكن النهي على التحريم لما زجر النبي ﷺ الرجل هذا الزجر الشديد، ولما أخذ الخاتم وألقاه على الأرض، فهذه دلالة قوية جداً على أن الأصل في النهي التحريم.
إذاً: الأصل في النهي التحريم ما لم تأت قرينة تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
стр. 114
صرف النهي من التحريم إلى الكراهة
اختلف العلماء في مسألة الصارف للنهي إلى الكراهة في مسائل كثيرة منها: النهي عن الاختصار في الصلاة، ومعنى الاختصار في الصلاة على الصحيح الراجح أن يضع اليمنى على اليسرى عند الخاصرة.
وبعض الأحناف يفعلون هذا، وهي مخالفة للسنة مخالفة صريحة، فوضع اليمنى على اليسرى عند الخاصرة لا يجوز، وفي البخاري ومسلم أن النبي ﷺ نهى عن التخصر في الصلاة، وقد فسر علي وغيره الاختصار بهذا التفسير.
فالعلماء اختلفوا: هل هذا النهي على التحريم أم على الكراهة؟ جمهور أهل العلم يحملون النهي على الكراهة ولا على التحريم؛ لأن وضع اليمنى على اليسرى على الصدر ليس واجباً، لكنه يستحب، ولو أرسلت يديك فلا عتب عليك؛ لكن تكون قد خالفت السنة، قالوا: فإذا وضع اليمنى على اليسرى على الخاصرة في الصلاة فقد خالف السنة، ولا نقول إنه فعل محرماً، هذا قول الجمهور وهذه حجتهم.
وأهل الظاهر يرون أن التخصر في الصلاة حرام، وأن من وضع اليمنى على اليسرى على الخاصرة فقد وقع في الإثم؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه، والأصل في النهي التحريم.
والصحيح الراجح قول أهل الظاهر خلافاً لجمهور أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ نهى عن التخصر، والأصل في النهي التحريم ما لم تأت قرينة تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، ولم تأت هنا قرينة.
أما التعليل بأن الضم سنة، فهذا تعليل غير مؤثر في النهي.
стр. 115
حكم الشرب قائماً
أيضاً: الشرب قائماً فقد نهى النبي ﷺ المرء أن يشرب قائماً، وقال: (من شرب قائماً فليستقئ)، والجمهور على أن النهي للكراهة؛ لأنه قد ورد الصارف، وهو شرب النبي ﷺ من ماء زمزم قائماً.
فإن قال المعترض: كان ذلك من أجل الازدحام، فنقول: فقد شرب من قربة معلقة قائماً، ولا ضرورة لأن يشرب منها قائماً؛ لأنه يستطيع أن يأخذ القربة ويشرب منها جالساً، فلما شرب منها قائماً علمنا أن فعله صرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
أيضاً: البول قائماً، على القول بصحة حديث عمر -وهو ضعيف- (أن النبي ﷺ نهى عن البول قائماً)، وقول عائشة: (ما بال قائماً قطا)، فقد صرف النهي بفعل النبي ﷺ عندما أتى إلى سباطة قوم فبال قائماً.
стр. 116
الصلاة في الأماكن المنهي عنها
أيضاً: الصلاة في الأماكن المنهي عنها، كالصلاة في المقبرة، وكالصلاة في المسجد وفيه قبر، وكالصلاة في مبارك الإبل، فالنبي ﷺ نهى عن الصلاة في مبارك الإبل، ونهى عن الصلاة في الحمام، فهل هذا النهي يحمل على التحريم أم على الكراهة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: مذهب الحنابلة أنه على التحريم، والشافعي وجمهور أهل العلم أنه على الكراهة، قالوا: والصارف قول النبي ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، وجه الدلالة من هذا الحديث أن كل أرض أدرك المسلم فيها الصلاة فعليه أن يصلي في هذه الأرض، فهذا العموم صارف للنهي.
والحنابلة خالفوا الجمهور وقالوا: دليل تحريم الصلاة في هذه الأماكن خاص، وهذا هو الحق الصحيح الراجح؛ لأن الدليل الذي جعله الجمهور صارفاً دليل عام، ودليل النهي دليل خاص، والقاعدة عند العلماء أنه يقدم الخاص على العام.
стр. 117
اقتضاء النهي الفساد
стр. 118
أقسام النهي من حيث تعلقه بذات المنهي عنه
هل مطلق النهي يقتضي الفساد أم لا؟ الراجح أن هناك تفصيلاً: فيوجد نهي عن ذات المنهي عنه، ونهي عن وصف ملازم لذات المنهي عنه، ونهي عن أمر خارجي غير ملازم له.
وبالمثال يتضح المقال.
الأول: النهي عن ذات الشيء كالزنا والخمر والخنزير، فنقول: عقد الزنا عقد باطل، فإذا تعاقد رجل سافل مع امرأة عاهرة سافلة مثله على الزنا والعياذ بالله فهذا العقد باطل، ومعنى باطل أنه لا يترتب عليه آثاره، فالزانية لا تملك الثمن بعدما زنى بها وأعطاها المال، فإن تابت فلا بد أن تخرج هذا المال.
وهل ترده عليه؟ الصحيح أنها لا ترده عليه.
وهكذا العقد على بيع الخمر أو حملها أو الإجارة عليها، كل هذه العقود باطلة، ولا يترتب عليها أثرها؛ لأن النهي هنا عائد على ذات الشيء.
الثاني: النهي عن الوصف الملازم للذات، أي فالذات ليست محرمة، كالذهب فهو ليس محرماً في ذاته، لكن الحرام هو بيع الذهب لرجل يريد أن يلبسه، فهذا البيع حرام، ولا يترتب عليه آثاره.
وأيضاً كبيع الذهب بالذهب مع الزيادة، فالذهب بالذهب ليس بحرام، والحرام هو في وصف ملازم للذات وهو الزيادة، فهذا الوصف الملازم للذات يحرم من أجله بيع الذهب بالذهب، فهذا البيع لا يترتب عليه آثاره، ويبطل العقد.
الثالث: النهي عن أمر خارجي ليس وصفاً ملازماً للذات، ولا هو نهي عن ذات الشيء، كالصلاة في ثوب الحرير، فإذا صلى المرء في ثوب حرير، فهل تبطل الصلاة أم لا؟ فالثوب الحرير ليس شرطاً ولا ركناً في الصلاة، فهو وصف خارجي، فقد نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير سواء في الصلاة أو خارج الصلاة، فهو غير مؤثر في الصلاة، فلو لبس الحرير في غير أوقات الصلاة ولم يصل به فهو آثم، ولو لبسه وصلى به فهو آثم.
إذاً الإثم على اللبس ولا علاقة للصلاة بذلك، فالصلاة تصح ويأثم بلبس الحرير.
فالقاعدة إذاً: مطلق النهي يقتضي البطلان والفساد إن كان النهي عن ذات المنهي عليه، كشرب الخمر أو التعاقد على بيع الخمر أو الإجارة على الزنا.
وإن كان النهي عن وصف ملازم لذات الشيء المنهي عنه، كأن يكون شرطاً فيه أو يكون ركناً من أركانه، فهذا أيضاً تبطل به العبادة وإن كان عقداً لا يترتب عليه آثاره.
وإن كان النهي عن وصف خارج، فهذا الوصف الخارج لا يقتضي البطلان؛ لكن نقول: يأثم صاحبه ولا تبطل به العبادة، وأيضاً لا يبطل العقد؛ والأمثلة على ذلك كثيرة منها الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، فالراجح خلاف مذهب الحنابلة، فأكثر الحنابلة يرون البطلان، وابن حزم يوافقهم على ذلك.
فالصلاة في المسجد الذي فيه قبر عند الجمهور صحيحة، ويأثم صاحبها عند البعض، وعند البعض لا يأثم؛ لأنه يجعل الصلاة مكروهة في المسجد الذي فيه قبر، والصحيح الراجح الذي لا محيد عنه أنه يأثم المصلي بذلك والصلاة تكون صحيحة؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد).
وقلنا بذلك لأن وجود القبر ليس شرطاً من شروط الصلاة وليس ركناً من أركان الصلاة، فيكون هذا النهي عن أمر خارجي، فنقول: لا تبطل الصلاة بهذا، ويأثم المصلي في ذلك المكان.
стр. 119
الصلاة في المغصوب
أيضاً: الصلاة في الثوب المغصوب أو الدار المغصوبة أو الوضوء بالماء المغصوب، هذا فيه خلاف بين جمهور أهل العلم وبين الحنابلة، فعند الحنابلة تبطل الصلاة ولا تصح، واستدلوا بحديث: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، ومذهب الجمهور أن الصلاة صحيحة والغصب حرام؛ لأن الغصب ليس شرطاً من شروط الصلاة، وليس ركناً من أركان الصلاة.
وكيف نرد على استدلالهم بحديث: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)؟ نقول: هو صلى صلاة عليها أمرنا، وقد توافرت فيها الأركان والشروط، وغصب غصباً ليس عليه أمرنا، فأثم بالغصب وصلاته صحيحة.
أيضاً: البيع وقت نداء الجمعة، اختلف العلماء هل يصح العقد عند النداء أم لا يصح؟ الحنابلة يرون أن البيع باطل، قالوا: مطلق النهي يقتضي الفساد، يعني لا يترتب عليه آثاره، فلا المشتري يمتلك السلعة، ولا البائع يمتلك الثمن.
وقال الجمهور: البيع صحيح، ويأثمان بمخالفة النهي.
قال الحنابلة: من باع بيعاً ليس عليه أمرنا فهو رد، أخذاً من قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فهو عقد باطل، والباطل لا يترتب عليه آثاره.
قال الجمهور: الجهة منفكة، والنهي لا يعود على الذات ولا على وصف ملازم للذات، بل النهي يعود على أمر خارجي، فالله قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، والسعي إلى الجمعة ليس من أركان البيع، وليس شرطاً من شروط البيع، وركنا البيع متوافران، وهما: الإيجاب والقبول، والشروط متوافرة، فالبيع يصح، والسعي أمر خارج عن البيع، فتتم الصفقة فيملك هذا السلعة، ويملك الآخر الثمن؛ لكنهما آثمان لأنهما خالفا أمر الله الذي قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، لكن البيع والشراء صحيح.
стр. 120
نذر صوم يوم العيد
أيضاً: من المسائل التي تتعلق بالبطلان والفساد: نذر الصوم يوم العيد: فقد ورد عن النبي ﷺ النهي عن صيام يوم العيدين، فلو قال رجل: نذرت لربي إن شفى أمي أن أصوم يوم عيد الفطر، والنذر ثقيل كما قالت عائشة فلا بد من الوفاء به.
فلما جاء العيد صام، فما حكم هذا الصوم عند العلماء؟ اختلف العلماء على قولين، فالجمهور قالوا: صومه باطل لا يصح، ونذره باطل لا يجوز؛ فقد نهى النبي ﷺ عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى، ومطلق النهي يقتضي الفساد؛ لأن النهي انصب على ذات الفعل وهو الصوم.
وقال الأحناف: أصل الصوم مشروع وحلال، والنهي غير منصب على الصوم؛ لأن أصل الصوم مشروع، فيصح النذر ويصح الصوم، لكن يأثم المرء؛ لأنه صام في وقت غير مباح له الصوم فيه.
وقول الجمهور هو الصحيح؛ لأن النهي منصب على ذات الصوم فالنبي ﷺ نهى عن الصوم يوم العيد ويوم الفطر.
والنذر باطل لحديث النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وهذا النذر معصية.
أما الرد على الشبهة التي أوردوها بأن الأصل أن الصوم مشروع فنقول: نعم، الأصل في الصوم مشروع على العموم ما عدا يوم الفطر ويوم الأضحى وما عدا الأيام التي نهى النبي ﷺ عن صيامها.
فنحن نقول بكل الأدلة، فأصل الصوم مشروع لكن هناك استثناءات استثناها الشرع، ونحن ندور مع الشرع حيث دار، والقاعدة أن مطلق النهي يقتضي الفساد، والنبي ﷺ نهى عن نذر المعصية، فيكون هذا نذر معصية لا يمكن أن يوفى به.
وقد اختلف العلماء فيمن نذر نذر معصية، هل عليه كفارة أم لا؟ وقد سبق التفصيل في هذه المسألة.
стр. 121
حكم الخطبة على الخطبة
مسألة أخرى اختلف فيها العلماء: مسألة الخطبة على خطبة الرجل: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول جماهير أهل العلم من الشافعية والحنابلة والأحناف: أن العقد صحيح والزواج صحيح، والعاقد المتزوج آثم؛ لأنه خالف النهي.
القول الثاني: مذهب المالكية، ولهم أقوال ثلاثة: البطلان مطلقاً، وعدم البطلان مطلقاً كقول الجمهور، والقول الثالث وهو التفصيل، وهو الراجح في مذهبهم، قالوا: إذا بنى بها لم يبطل العقد، وإذا لم يبن بها بطل العقد.
الظاهرية قالوا: نهى النبي ﷺ أن يخطب المرء على خطبة أخيه، ونص الحديث: (لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه)، والأصل في النهي التحريم، ولم تأت قرينة تصرف التحريم إلى الكراهة، وعندنا قاعدة: مطلق النهي يقتضي الفساد، فالنبي ﷺ نهى عن الخطبة على الخطبة، وهذا خالف هذا النهي، وخطب على الخطبة، فيقتضي ذلك البطلان والفساد، فلو تزوجها وفض غشاء البكارة، فعليه مهر المثل بما تمتع منها، ويفسخ العقد ويفرق بينهما.
وقال الجمهور: العقد صحيح والزواج صحيح، إلا أن هذا الزوج آثم، وعليه أن يتوب إلى الله ويستسمح صاحبه؛ لأنه قد جاء في بعض الروايات (إلا أن يأذن له)، قالوا: فإذا علق النبي ﷺ صحة الخطبة برضا هذا الخاطب، فهذا يدل على أن النهي منصب على أمر خارجي، وهو رضا الخاطب، لا على عقد النكاح بحال من الأحوال؛ لأن الخطبة ليست ركناً من أركان عقد الزواج، وليست شرطاً من شروط عقد الزواج بالاتفاق، فإذا توافرت الشروط والأركان فيكون النهي منصباً على أمر خارجي وهو رضا الخاطب الأول، فإذا كان النهي منصباً على أمر خارجي فنقول: يصح العقد ويصح الزواج، ويترتب عليه آثاره ويأثم هذا المتزوج.
والرد على احتجاج الظاهرية بقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وأنه من عقد عقداً ليس عليه أمرنا فهو رد باطل، فنقول: هو قد عقد عقداً عليه أمرنا، فقد توافرت فيه الشروط والأركان؛ لكنه تعدى على غيره فعمل عملاً ليس عليه أمرنا، فاستحق الإثم ولم يستحق العقد البطلان؛ لأنه قد توافرت فيه الشروط والأركان.
ومن باب الفائدة: متى تحرم الخطبة على خطبة أخيه؟ اخلتف العلماء في ذلك، فالحنابلة يرون التحريم مطلقاً سواء ردوا عليه أو لم يردوا عليه، لعموم حديث النبي ﷺ .
والصحيح الراجح أن وقت النهي هو وقت الركون، فإذا ركنت المرأة إلى الخاطب الأول، فلا يجوز أن يعكر عليه ويخطبها خاطب ثاني، وهذا مذهب الجمهور.
стр. 122
حكم المسح على الخف المغصوب
مسألة أخرى: ما حكم المسح على الخف المغصوب؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، والقولان يرتكزان على تأصيل أصولي، وهو: هل النهي يقتضي الفساد أم لا؟ فقد نهى عن التعدي على مال الغير، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨]، فالغصب محرم منهي عنه، فمن مسح على الخف المغصوب وصلى هل صلاته صحيحة أم لا؟ قال الحنابلة: الصلاة باطلة؛ لأن المسح أصلاً باطل، فهو لم تكتمل طهارته؛ لأن هذا الخف المغصوب وقع تحت النهي، والقاعدة: أن مطلق النهي يقتضي الفساد، والنبي ﷺ يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي باطل.
أما جمهور العلماء فنظروا في النهي فوجدوه ليس منصباً على ذات الصلاة بل على أمر خارجي، فالمسح على الخف ليس شرطاً في الصلاة، وليس ركناً من أركان الصلاة ولبس الخف ليس شرطاً في الوضوء، وليس ركناً في الوضوء، والركن هو المسح، وقد مسح فتوافرت الشروط والأركان، وصحت الصلاة خلافاً للحنابلة.
стр. 123
الاختلاف في القواعد الأصولية - المطلق والمقيد
من مسائل الأصول المهمة: مسألة المطلق والمقيد، فالمطلق والمقيد قد يتحدان في السبب والحكم أو يختلفان فيهما أو في أحدهما، وقد اختلف العلماء في حمل المطلق على المقيد في بعض الحالات المذكورة، ونشأ عن ذلك خلاف كثير في المسائل الفقهية.
стр. 124
المطلق والمقيد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فالمطلق: هو ما دل على شائع في جنسه، وشائع يعني: أنه غير مقيد بوصف معين؛ كقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣] لم يقيدها بوصف، ولم يقل: مؤمنة ولا كافرة، بل جعلها مطلقة، سواء كانت سوداء أو بيضاء أو بالغة أو غير بالغة، أو مسلمة أو كافرة.
أما المقيد: فهو ما لا يدل على شائع في جنسه، أي: ليس بشائع بل هو مقيد بوصف، مضبوط بضابط، فلا يجزئ إلا هو، فقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] فهذا قيد الرقبة بالمؤمنة، فلا تجوز الكافرة، ولا الكتابية من أهل الكتاب، فهذا لا يدل على شائع في جنسه، بل هو مقيد بقيود لا يجزئ غيرها.
стр. 125
أحوال المطلق والمقيد والأدلة على كل حال
للمطلق والمقيد أربعة أحوال: اتفقا في الحكم والسبب.
اختلفا في الحكم والسبب.
اتفقا في الحكم دون السبب.
اتفقا في السبب دون الحكم.
стр. 126
الاتفاق في الحكم والسبب
أولاً: أن يتفقا في الحكم والسبب: مثل قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة:٣]، وفي الآية الأخرى قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام:١٤٥].
فالدم في الآية الأولى مطلق (الدم) وفي الآية الثانية مقيد (دماً مسفوحاً).
والدم المسفوح: هو المهراق عن موضعه، يعني: لو خرج الدم من العرق وانتقل إلى الأرض، فهذا يسمى دماً مسفوحاً، فنحمل المطلق على المقيد ونقول: الدم المحرم هو الدم المسفوح فقط، وهذا باتفاق الفقهاء، فقد اتفقوا على حمل المطلق على المقيد إذا اتفقا في السبب واتفقا في الحكم.
والحكم هو التحريم، والسبب: الميتة حرام للضرر الناجم منها؛ لأن فيها النجاسة.
ومن الأدلة التي توضح ذلك: عن ابن عمر ﵁ قال: (أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال).
стр. 127
الاختلاف في الحكم والسبب
ثانياً: أن يختلفا في السبب وفي الحكم: كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].
وقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨].
فقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] مقيد.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] مطلق.
فاليد تشمل العضد والرسغ والمرفق، إذاً: السارق والسارقة تقطع اليد إلى العضد مثلاً أو تقطع إلى المرفق أو تقطع إلى الرسغ، فالعلماء قالوا: إن الآية التي ذكرت قطع اليد جاءت مطلقة.
أما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] فقد قيد اليد إلى المرفق؛ فهل نقول بحمل المطلق على المقيد، فتقطع يد السارق من المرفق حملاً للمطلق على المقيد أم لا؟ فلابد أن ننظر في سبب الحكم.
فالحكم في الآية التي ذكرت قطع اليد هو القطع، والسبب هو السرقة.
والحكم في الآية التي ذكرت الوضوء هو الغسل، والسبب هو إرادة الصلاة.
فاختلفا في السبب والحكم، فلا يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق، ولا نقول بأن اليد تقطع إلى المرافق، وقد جاءتنا أدلة أخرى تثبت القطع من الكف، بأن النبي ﷺ قطع من الكف، ونصاب القطع ربع دينار.
стр. 128
الاتفاق في السبب والاختلاف في الحكم
ثالثاً: أن يتفقا في السبب ويختلفا في الحكم: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].
وقال الله جل في علاه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة:٦].
ففي الآية الأولى: السبب: إرادة الصلاة، والحكم: الغسل.
وفي الآية الثانية: السبب: إرادة الصلاة، والحكم: التيمم.
فهل نحمل المطلق على المقيد، ونقول: إذا أراد أن يتيمم يمسح اليد إلى المرفق؟ حدث الخلاف بين العلماء في حمل المطلق على المقيد في ذلك، والصحيح الراجح: أننا لا نحمل المطلق على المقيد، لكن بعض العلماء حمله عليه، وأثبتوا ذلك برواية عن ابن عمر أنه قال في التيمم: (يكفي الضرب هكذا، وضرب بيده فمسح بوجهه ومسح بيده إلى المرفق).
وهذا مرجوح ليس بالراجح؛ لكن الغرض المقصود أنه حمل المطلق على المقيد.
стр. 129
الاتفاق في الحكم والاختلاف في السبب
رابعاً: أن يتفقا في الحكم ويختلفا في السبب: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] فالرقبة مطلقة.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] وهذا مقيد بالإيمان، أي: تحرير رقبة مؤمنة.
فالحكم في الآية الأولى تحرير رقبة، والسبب: الظهار.
والحكم في الآية الثانية: تحرير رقبة، والسبب: القتل الخطأ، فهل يحمل المطلق على المقيد أم لا؟ الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة يرون حمل المطلق على المقيد.
والأحناف يرون عدم الحمل، وحجتهم في ذلك أن هذا توسيع من الشرع لا بد أن نأخذ به ولا نضيق الحكم، أي: يكون المطلق بمجاله والمقيد بمجاله.
أما الجمهور فيرون أن القرآن كله ككلمة واحدة، وطالما اتفقا في الحكم، فلا بد أن يحمل الأول على الثاني؛ لأن الثاني قد بين لنا مراد الآية الأولى، فلا بد من حمله عليه؛ لأن ظاهر الآية يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣] أنه سكت عن التقييد.
وفي الآية الأخرى قيد لنا الرقبة بوصف الإيمان، بل ومقاصد الشريعة تعضد كلام الفقهاء في ذلك، بل تؤكده؛ لأن الله عظم حرمة المسلم، أما الكفر فهو رق، وكان ذلك للكافر جزاء وفاقاً؛ لأنه هرب من رق الرحمن، ونزل في رق الشيطان فيذل ويهان؛ لأنه لا يحب لنفسه الإيمان بالله جل في علاه.
فالصحيح الراجح أن المطلق هنا يحمل على المقيد، ويكون تحرير الرقبة المؤمنة شرطاً في الإجزاء، فمن ظاهر فقال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فلا بد أن يعتق رقبة مؤمنة وإلا فلن ينجو.
وأيضاً: قتل النفس خطأ فيه تحرير رقبة مؤمنة.
стр. 130
تطبيقات فقهية على مسائل المقيد والمطلق
стр. 131
عدد الرضعات المحرمات
من هذه المسائل التي فيها النزاع على حمل المطلق على المقيد مسألة تقييد الرضاع المحرم، فقد اختلف العلماء في مسألة الرضاع المحرم على أقوال ثلاثة: القول الأول: وهو قول الأحناف الذين لا يقولون بحمل المطلق على المقيد إذا اتفق الحكم واختلف السبب، قالوا: نصف رضعة أو رضعة واحدة تحرم؛ للإطلاق.
ودليلهم: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] فأطلق الرضاعة، فأقل شيء يطلق عليه اسم الرضاع يحرم، وأقل شيء هو رضعة واحدة حتى وإن لم تكن مشبعة.
فهنا الأحناف الذين لا يقولون بحمل المطلق على المقيد قالوا بأن الرضاع المحرم رضعة واحدة؛ لإطلاق قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
أيضاً: ولحديث عائشة ﵂ وأرضاها في الصحيح: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فالرضاع هنا مطلق، ويحرم من الرضاعة أقل شيء يسمى رضاعاً، ونحن نجعل المطلق على إطلاقه، فلو امرأة أرضعت طفلاً رضعةً واحدة أصبح ابناً لها من الرضاعة، وكل بناتها أخوات له، فلا يجوز أن يتزوج منهن.
القول الثاني: قول الذين يحملون المطلق على المقيد، فقد قال ابن المنذر، وأبو ثور، وداود الظاهري: الذي يحرم من الرضاع ثلاث رضعات، فقول النبي ﷺ : (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) مطلق، ويكون تقييده بقول رسول الله ﷺ : (لا تحرم المصة ولا المصتان)، وفي رواية قال: (لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان).
وأيضاً: جاء رجل إلى النبي ﷺ كما في صحيح مسلم فقال: (أرضعت هذه امرأتي رضعة) فلم يحرمها عليهم.
ووجه الدلالة من حديث: (لا تحرم المصة ولا المصتان) أن مفهوم المخالفة أن ما فوق الثانية تحرم، وهذا قول الظاهرية، وقول أبي ثور من الشافعية.
القوال الثالث: قال جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة: نحن نقول بحمل المطلق على المقيد، ولا نقول بأن أقل الرضاع يحرم، بل لا بد من خمس رضعات مشبعات.
والمقيد الذي قيد إطلاق القرآن هو حديث عائشة ﵂ وأرضاها مرفوعاً إلى النبي ﷺ قالت: (كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات مشبعات يحرمن، ثم نسخن إلى خمس رضعات مشبعات، فتوفى النبي ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن) يعني: بقيت على خمس رضعات حتى مات النبي ﷺ فهذه الآية منسوخة تلاوة لا حكماً.
والآية: (عشر رضعات مشبعات) نسخت حكماً وتلاوة.
والغرض المقصود هنا: أن قول عائشة: (وكان فيما يقرأ من القرآن بعد ممات النبي ﷺ خمس رضعات مشبعات) يعني: أن الحكم باقٍ في كتاب الله، فقد أمرنا الله باتباع رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وابن مسعود ﵁ لعن النامصة والمتنمصة وقال: ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله، وهو في كتاب الله؟ فقالت له امرأة: لم أجده في كتاب الله، فقال لها: إن كنت قرأته فقد وجدته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقد قال رسول الله ﷺ : (لعن الله النامصة والمتنمصة).
ونفس الأمر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] وقد قال النبي ﷺ : (خمس رضعات مشبعات يحرمن).
فهذه دلالة واضحة جداً على أن الخمس الرضعات تحرم وغير الخمس الرضعات لا تحرم، كما هو في حديث عائشة.
الحديث الثاني: قول النبي ﷺ لامرأة أبي حذيفة حين جاءته لتسأله في حال سالم ودخوله عليها، فقال لها النبي ﷺ : (أرضعيه خمس رضعات) وهذا تحديد من النبي ﷺ .
والراجح والصحيح في ذلك: أن خمس رضعات مشبعات هي التي تحرم فقط، وأقل من ذلك لا تحرم.
أما بالنسبة للأحناف فنقول لهم: هذا مطلق وهذا مقيد، وقد اتفقا في الحكم والسبب، فالحكم هو التحريم، والسبب هو الرضاع.
وأما هم فقالوا: إن الأولى بينت الإطلاق، وأما الآية الثانية المنسوخة فبينت التقييد، ولنعمل بالاثنين: بالمطلق وبالمقيد، فكما قلتم: إن تحرير رقبة مؤمنة فيه مشقة على الناس، فأنتم كذلك قد ضيقتم على الناس، فلو أن طفلاً رضع رضعة واحدة حرمتم عليه كل بنات هذه المرأة فوقعتم فيما احتججتم به، فلا بد من ضابط وميزان عادل نأخذ به، وهو اتفاق الحكم والسبب، ولا بد أن نحمل المطلق على المقيد، وهنا الحكم التحريم، والسبب الرضاع، والرضاع مقيد بالخمس رضعات، فلا بد من حمل مطلق الرضاع على التقييد بالعدد.
أما الذين يقولون: إنه يحرم من الرضاع ثلاث رضعات فالرد عليهم كالتالي: أنهم احتجوا بمفهوم المخالفة، واحتج الجمهور بالمنطوق، وعند التعارض يقدم المنطوق على المفهوم؛ لأن المنطوق أقوى في الدلالة، والمفهوم يحتمل احتمالات.
فالمفهوم أصلاً أن الإملاجة والإملاجتان لا تحرم، إذاً: فالثلاث أو الأربع أو الخمس تحتمل نفس هذا الاحتمال، فموافقة لحديث عائشة، ولا بد ألا يحرم إلا الخمس، والدليل على ذلك: قول النبي ﷺ لـ سهلة: (أرضعيه خمس رضعات) ولو كان أقل لبين؛ لأمرين اثنين: الأمر الأول: أن هذا وقت تبيين، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والأمر الثاني: إن هذا أيسر على المرأة، لا سيما وهي كبيرة في السن، يعني: أن ثديها ممكن ألا يأتي بالرضعة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة.
وأما كيفية الرضاعة فيمكن يكون من قارورة، وإن قلنا بأنه كشفت الثدي ورضع منه فهذا للضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، والصحيح الراجح أنها فرغت الرضعات في قارورة، ثم شربها، فلو كانت ثلاث رضعات ليسر النبي ﷺ عليها حتى لا تتعب فتأتي بخمس رضعات مشبعات.
فنقول: قول النبي ﷺ : (أرضعيه خمس رضعات)، ويؤكد أن التحريم لا يكون إلا في الخمس رضعات.
стр. 132
تقييد الرقبة المعتقة بالإيمان
المسألة الثانية: اشتراط الإيمان في الرقبة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣].
قال الأحناف: نأخذ بهذا الوصف المطلق، فالذي يظاهر من زوجته يعتق رقبة كافرة أو رقبة مؤمنة، فكلاهما يصح.
والجمهور يقولون: لابد من تحرير رقبة موصوفة بالإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].
فالآيتان تتفقان في الحكم وإن كان السبب مختلفاً، فالأول الظهار والثاني القتل، فنحمل المطلق على المقيد، فالذي يظاهر من زوجته لا يجوز له أن يجامعها حتى يعتق رقبة مؤمنة، فإن أعتق رقبة كافرة فلا يجزئه؛ لأنه لابد من حمل المطلق على المقيد.
وهذا الخلاف بين الجمهور والأحناف أصله خلاف في مسألة حمل المطلق على المقيد.
وحديث النبي ﷺ الذي يعضد قول الجمهور أن النبي ﷺ لما جاءه معاوية بن الحكم السلمي وقد صفع جارية له، فقال: أعتقها يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ : (ائتني بها، فجاءت فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء.
فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ : أعتقها فإنها مؤمنة) فهذا الحديث يعضد قول الجمهور.
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن القاعدة عند العلماء: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فيحتمل أن معاوية أعتقها من أجل الظهار، ويحتمل أنه أعتقها لخطأ وقع منه، ويحتمل أنه أعتقها لأنه جامعه في نهار رمضان، فلما لم يسأله النبي ﷺ وربط العتق بالإيمان فيفهم من ذلك أن الإيمان شرط للعتق، وذلك بقوله: (أعتقها فإنها مؤمنة) يعني: أن مناط الحكم أن تكون مؤمنة، فتجزئك في عتقك، وإن كانت غير مؤمنة فلا تجزئك.
стр. 133
حكم رضاع الكبير
هذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول الجمهور ومنهم المالكية والشافعية والحنابلة والأحناف: على أنه لا يجزئ رضاع الكبير؛ لقول النبي ﷺ : (يحرم من الرضاع ما أنشز العظم وأنبت اللحم).
وقال: (إنما الرضاع من المجاعة).
ومن الأدلة أيضاً: أنه لا يكون إلا بالحولين، قال ﷺ : (الرضاع بالحولين).
فهذه أدلة صريحة على أن الرضاع لا يحرم إلا إذا كان طفلاً رضيعاً لم يبلغ الحولين.
القول الثاني: قول الظاهرية: أن رضاع الكبير يحرم على الإطلاق.
واستدلوا بحديث واضح جداً في الدلالة وهو حديث سالم وهذا الحديث احتج به غير الظاهرية، وكانت عائشة ﵂ تقول بهذا الحديث على الإطلاق، ولذلك كانت إذا أرادت أحداً أن يدخل عليها ليسألها تجعل أختاً من أخواتها ترضع الرجل فيرضع فيدخل عليها، فكانت عائشة تأخذ هذا القول بالإطلاق، وتقول: الكبير إذا رضع خمس رضعات يحرم؛ لقول النبي ﷺ : (خمس رضعات يحرمن) وأيضاً قول النبي ﷺ لامرأة أبي حذيفة: (أرضعيه يحرم عليك).
والقول الثالث: التفصيل في ذلك، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يرى أن واقعة سالم واقعة عين، والأصل العام أنه لا يمكن الرضاع أن يحرم إلا أن يكون من المجاعة حولين.
فنقول: وقائع الأعيان لا تعمم، لكن يقاس على ذلك مثلها في حالتها، فإذا كان الرجل يدخل على امرأة كثيراً وكان ذلك يوقع الحرج على المرأة، وهذه المرأة تريد أن تقطع الحرج على نفسها فنقول: أرضعيه ليحرم عليك ويكون ابنك من الرضاعة، فيدخل عليك متى شاء، بل ويجوز أن يقبل رأسك.
فالقول الراجح: رضاع الكبير واقعة عين لا تعمم، لكن يقاس عليها مثلها.
وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 134
الاختلاف في القواعد الأصولية - الإجماع والقياس والمصالح المرسلة
من الأدلة المختلف فيها بين أهل العلم إجماع أهل المدينة، فقد أخذ به الإمام مالك من الأئمة الأربعة، وقد انبنى على ذلك خلاف في المسائل الفقهية، ومن الأدلة أيضاً القياس وله شروطه، وممن رفع راية رفضه كدليل ابن حزم الظاهري، ومن الأدلة أيضاً المصلحة المرسلة، وقد اختلف أصحاب المذاهب ظاهراً في الأخذ بها، ولكنهم أخذوا بها مندرجة تحت أصل آخر.
стр. 135
حجية الإجماع ودلالته
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: نسأل جل في علاه أن يلهمنا وإياكم الإخلاص وأن يتقبل منا صالح الأعمال.
نختم الكلام على الاختلاف في القواعد الأصولية وأثر ذلك في الخلاف الفقهي، وسنتكلم على الأصل الثالث من أصول الأدلة، وهو الإجماع.
الإجماع لغة: هو الاتفاق.
واصطلاحاً: هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة في مسألة من المسائل بعد وفاة النبي ﷺ في عصر من العصور.
ولم التقييد بـ: بعد وفاة النبي ﷺ ؟
و
الجواب
لأنه لا يوجد في المسألة نص؛ لذا فهم يجتهدون فيها، لا.
والقاعدة عند العلماء: لا اجتهاد مع النص، فإذا قلت: (بعد وفاة النبي) أثبت أنه لا يصح الاجتهاد في وجود النبي ﷺ ، للنص النبوي.
وهل الإجماع ممكن أو غير ممكن؟ الصحيح أنه ممكن لكنه عزيز جداً، أي: أن المسائل التي فيها إجماع نادرة، ولذلك كان الإمام أحمد بن حنبل يقول عندما يعترض عليه في بعض المسائل بالإجماع: وما يدريك لعل الناس قد اختلفوا؛ أي لأن الإجماع عزيز.
وقد تفرق العلماء في الأمصار، وصعب جداً أن تذهب من المشرق للمغرب حتى تأخذ قول المجتهد الذي في المغرب، وترى أنهما قد اتفقا معاً في المسألة، لكن في هذه العصور الإجماع سهل وهين، فمجتهدو هذه الأمة في هذا العصر ممكن الاتصال بهم بالتلفون أو بالإنترنت أو بغير ذلك من الوسائل التي مَنَّ الله بها على هذه الأمة.
стр. 136
إجماع أهل المدينة
стр. 137
حكم إجماع أهل المدينة
هذه مسألة أخرى يفترض ألا تدخل في حديثنا عن الإجماع، لكن سندخلها حتى نرى المسائل التي اختلف فيها العلماء، وهي: إجماع أهل المدينة.
أولاً: ما معنى إجماع أهل المدينة؟ وأي مدينة هذه التي نرى أن إجماعها حجة على المسلمين؟ المقصود بها المدينة المنورة، وهذا مذهب الإمام مالك، فهو يرى أن إجماع أهل المدينة حجة، ويقدمه على الآحاد من الأحاديث، ولذلك ترى كثيراً من المسائل وردت فيها الأحاديث وثبتت، ومع ذلك لا يقول بها مالك، مع أن مالكاً إذا ذكر الحديث فهو النجم، لكنه يرى أن إجماع أهل المدينة يقدم، وهو أقوى في الدلالة، وأنه قطعي، وحديث الآحاد دلالته دلالة ظنية، والقاعدة عند العلماء: القطعي يقدم على الظني؛ ولذلك ترى أنه يرى جواز أكل القرد والأسد، وله مسائل معينة انفرد بها الإمام مالك بسبب هذه القاعدة.
وقد فرق العلماء بين إجماع المدينة أيام النبي ﷺ ، وأيام الخليفة أبي بكر والخليفة عمر، وبين ما بعدهم فالأول حجة بالاتفاق ولا بد أن يعمل بمسائله؛ لأن فيه إجماع الصحابة، والخلاف إنما وقع في عهد عثمان؛ فهل إجماع المدينة يؤخذ به بعد هذا الخلاف؟ جماهير أهل العلم يرون أن إجماع أهل المدينة ليس بحجة، وهذا الراجح الصحيح.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه والإجماع المعتبر هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة، فإن حصرنا الإجماع باتفاق أهل المدينة فقط، فهذا الحصر لا يصح ولا يليق بالعلماء؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يخص ذلك بالمدينة.
من أجل هذا الخلاف بين مالك وبين جمهور أهل العلم طرأت مسائل اختلفوا فيها، منها:
стр. 138
حكم الحامل ترى الدم
أن ترى المرأة الحامل الدم، هل هذا الدم للحامل يكون حيضاً أو ليس بحيض؟ أقول تفريعاً عن هذا التأصيل: اختلف العلماء في هذه المسألة نظراً لاختلافهم في حجية إجماع أهل المدينة، أما مالك فيراه حيضاً، والشافعي يوافقه لكن بالنظر.
فالإمام مالك يرى أن الدم الذي ينزل من المرأة الحامل دم حيض، وأنه لا يجوز لها أن تصلي أو تصوم، وتأخذ كل أحكام المرأة الحائض، وعمدة دليله في ذلك إجماع أهل المدينة على أن المرأة الحامل إذا رأت الدم لا تصلي ولا تصوم.
أما الشافعي فيرى رأي مالك لأن الأصل في الدم الذي يدفعه الرحم هو دم حيض، وهو الدم الجبلي، وليس دم فساد ولا علة، إلا إن تأتي قرينة ودليل يدل على أنه دم فساد أو علة.
وهذا هو الراجح الصحيح، لكن معتمد الإمام مالك أن أهل المدينة أجمعوا على أن المرأة الحامل إذا نزل منها الدم فإن هذا الدم يعتبر دم حيض.
أما الأحناف والحنابلة فاحتجوا بأدلة على أن هذا الدم ليس بدم حيض، منها: قول النبي ﷺ : (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض)، فبين أن الحمل لا يحاض فيه، ولذلك فرق بين الحامل والحائض.
ومن الأدلة: براءة الرحم إما بالوضع وإما بالحيض، إذاً: الحامل لا تحيض، وإن كانت حائلاً فبراءتها بالحيض.
لكن الصحيح الراجح في ذلك هو قول المالكية والشافعية بأن الحامل تحيض، وإذا نزل على المرأة الحامل الدم فهذا الدم دم حيض؛ فلا تصلي ولا تصوم، وذلك للنظر والأثر.
أما الأثر فإجماع الصحابة لا إجماع أهل المدينة؛ لأن عائشة ﵂ وأرضاها بعثوا لها سؤالاً فيه: امرأة حامل وقد نزل عليها الدم؟ قالت: لا تصلي ولا تصوم.
وسمع الصحابة فتوى عائشة ﵂ وأرضاها فلم ينكروا عليها، فصار إجماعاً سكوتياً.
وأيضاً الأصل يدل على ذلك إلا أن يدل الدليل الناقض على خلافه، فالأصل أن الدم الذي يدفعه الرحم هو دم حيض إلا أن يكون دم فساد أو دم علة بدليل، ولم يرد دليل.
وأما تفريق النبي ﷺ بين الحامل والحائل فنقول: الغالب أن الحامل لا تحيض، وإذا نزل عليها الدم فهو من الحيض.
стр. 139
قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية
ومن المسائل التي اختلف فيها العلماء بسبب الخلاف في إجماع أهل المدينة مسألة قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية: فاختلف العلماء في المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول المالكية.
قالوا: بعدم جواز قراءة المأموم الفاتحة وإن كانوا يقولون بركنية قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام في الصلاة السرية وأنه إن لم يقرأ تبطل صلاته، وأما إن كانت جهرية فلا يقرأ، فلو أن الإمام يأخذ بالسنة فإنه يقرأ الفاتحة ثم يفتتح السورة ولا ينتظر المأموم لقراءة الفاتحة.
وعمدة الإمام مالك إجماع أهل المدينة على أنه لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة الجهرية.
أولاً: نذكر الدليل على أن قراءة الفاتحة ركن من الأركان، فهي ركن لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)، كذلك حديث المسيء؛ لأنه بين له الأركان لكن من بعيد.
وكذلك حديث: (من لم يصل بأم الكتاب فصلاته خداج خداج خداج) أي: ناقصة.
وأصرح ما في الباب للدلالة على ركنية قراءة الفاتحة هو حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) وممكن لمعترض أن يقول: الصلاة هي ناقصة فقط لكنها صحيحة.
ونحن نقول: (لا صلاة) يعني: لا صلاة صحيحة (إلا بأم الكتاب).
المهم في هذه المسألة أن الإمام مالك استدل على عدم وجوب قراءة أم الكتاب في الجهرية بهذا الدليل، وجاء شيخ الإسلام ابن تيمية فرجح قوله، واستدل بدليل آخر، وهو حديث النبي ﷺ -وهو مختلف في إسناده-: (من صلى خلف إمام قراءة الإمام قراءة للمأموم).
القول الثاني: قول الأحناف.
قالوا: لا يجب عليه قراءة أم الكتاب لا سرية ولا جهرية مطلقاً.
القول الثالث: قول الشافعية.
قالوا: يجب عليه قراءة أم الكتاب في الجهرية وفي السرية.
إذاً: هي أقوال ثلاثة: لا يجب مطلقاً، يجب مطلقاً، قول وسط، والقول الوسط هو قول الإمام مالك قال: يجب عليه قراءة الفاتحة في السرية دون الجهرية، واعتمدوا على إجماع أهل المدينة، واستدل له شيخ الإسلام ابن تيمية بالحديث الذي ذكرناه.
ولما اعترض عليهم: لم تفرقون بين السرية والجهرية؟ قالوا: التفريق عندنا لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، فإذا قرئ القرآن من الإمام وجب عليك ألا تقرأ؛ لأن القارئ مع قراءة الإمام ليس بمنصت، فهو مخالف لظاهر الآية، قالوا: وقراءة الإمام لا تسمع إلا في الجهرية، ففرقنا بين السرية والجهرية.
والقول الراجح الذي لا محيد عنه في هذه المسألة هو: أنه يجب قراءة الفاتحة سواء في السرية أو الجهرية، أما في السرية فظاهر جداً لقول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)، وبين أن السبع المثاني هي أم الكتاب، و ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] آية من آياتها، (فلا صلاة) يعني: لا صلاة صحيحة إلا بأم الكتاب.
وأما حديث: (قراءة الإمام قراءة للمأموم) فهو عام مخصوص بهذا الحديث، بمعنى: أن قراءة الإمام قراءة للمأموم في الفاتحة وفي السورة بعد الفاتحة، لكن جاء دليل من النبي ﷺ قال فيه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)، فخصص الفاتحة، فيلزم بقراءة أم الكتاب، وتبقى لنا: (قراءة الإمام قراءة للمأموم) في السورة التي بعد الفاتحة.
إذاً أقول للمأموم: إذا صليت خلف الإمام والإمام يقرأ فاقرأ خلفه الفاتحة، ثم لا تقرأ السورة بعد الفاتحة؛ لأن قراءة الإمام قراءة لك إلا في الفاتحة؛ لقول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب).
والذي يعضد ذلك ويبينه: أن النبي ﷺ كان يجهر بالقراءة في صلاة الفجر، فقام رجل خلفه وهو يقول: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:١ - ٢] ويقرأ، فارتجت القراءة وحدث تشويش على النبي ﷺ وهو يصلي، فلما انتهى ﷺ من صلاته قال: (أيكم ينازعني في الصلاة؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله قرأت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، فقال له النبي ﷺ : لا تقرأ إلا بأم الكتاب).
هنا نهاه عن القراءة؛ لأن قراءة الإمام قراءة للمأموم، ثم استثنى أم الكتاب، وهذا تصريح، يعني: لا تنازعني في القراءة إلا إذا كنت تقرأ بالفاتحة.
يعني: لو وجدتني أقرأ فاقرأ الفاتحة حتى لو شوشت علي؛ لأن صلاتك لا تصح إلا بقراءة الفاتحة، ولو وجدتني أقرأ وأنت قد انتهيت من الفاتحة فلا تقرأ ولا تشوش علي، واعمل بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤].
إذاً: أعدل الأقوال التي تلتئم معه الأدلة: أنه يجب قراءة الفاتحة في السرية والجهرية سواء قرأ الإمام أو سكت الإمام.
أما لو كان الإمام يسرع بقراءته ولا يترك وقتاً بين الفاتحة وبين السورة، فأقول: اقرأ الفاتحة في سكتات الإمام أو في نفسك؛ لأن أبا هريرة سئل في هذه المسألة: قال: (أرأيت إن قرأ الإمام -يعني: لم يسكت الإمام- فقال له أبو هريرة: يا بني! اقرأها في نفسك).
وأيضاً كثير من العلماء أفتى بقراءتها في سكتات الإمام، مثلاً يقرأ الإمام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ويأخذ نفساً، فتقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، هو يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] وأنت تقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣].
إذاً: في سكتات الإمام تقرأ ذلك حتى تفوز بالمصلحتين.
стр. 140
القياس
القياس في اللغة: التقدير والمساواة، وفي الاصطلاح: إلحاق فرع بأصل في الحكم للمساواة في العلة أو الاشتراك في العلة، مثل: النبيذ، أما البيرة فهل حرمت لأنها سائل أصفر؟ حرمت لإذهاب العقل بنشوة؛ لأن الخمر ما خامر العقل بنشوة، ترى الرجل يمشي عرياناً وهو يظن نفسه أحسن الناس وهو أصغر الناس، ويرى أنه في السماء يطير، فنقول: هو مخامرة العقل بنشوة، فالعلة في التحريم الإسكار، والبيرة تفعل ما يفعله الخمر من إسكار.
إذاً: إلحاق فرع البيرة بأصل الخمر كالتالي: للمساواة في العلة وهي الإسكار، وحكم الخمر الحرمة، إذاً: البيرة حرام.
هذا معنى إلحاق فرع بأصل مع المساواة للاشتراك في العلة.
اختلف العلماء في حجية القياس على أقوال: منهم من وقف، ومنهم من قال يؤخذ به، وأصحاب القول الأول هم جماهير أهل العلم على أن القياس حجة شرعية يعتبر بها، ويتعبد بها لله جل في علاه، فإذا قلنا: هذا حرام بالقياس يحرم، وإذا قلنا: هذا حلال بالقياس فالقياس حجة شرعية، سواء كان في المؤخرة أو المقدمة.
وأما ابن حزم فهو ممن رفع راية إنكار القياس، وقال: القياس ليس بحجة شرعية، فما الدليل على حجية القياس؟ من الأدلة قول الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
أيضاً: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، وجه الدلالة في الآية هو إلحاق النظير بالنظير؛ لأن القاعدة في الشرع: لا يفرق بين المتماثلين، لكن يفرق بين المختلفين.
كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩].
ومن السنة: إقرار النبي على القياس، وإن كانت سنة تقريرية وفي المرتبة الثالثة لكنها صحيحة؛ لأن عماراً قاس وكان القياس قياس فاسد الاعتبار وأين وجه الدلالة على أن النبي ﷺ أقره؟ أن النبي ﷺ لم ينكر على عمار، وقال له: لم تقيس، أنت لا بد تأتي بدليل فقط، فلم ينكر عليه القياس نفسه.
كذلك قوله: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال)، وهذا قياس من النبي اسمه قياس العكس.
كذلك قوله: (إنما ذلك عرق)، وقوله: (إنما مثلي ومثلكم كالنذير العريان).
أيضاً قول النبي ﷺ : (أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، فقال: فدين الله أحق أن يقضي)، كل هذه أدلة على القياس.
стр. 141
تعريف القياس
القياس في اللغة: التقدير والمساواة.
وفي الاصطلاح: إلحاق فرع بأصل في الحكم للمساواة أو الاشتراك في العلة، مثل: النبيذ، وقد حرمت لإذهاب العقل بنشوة؛ لأن الخمر ما خامر العقل بنشوة، ترى الرجل يمشي عرياناً وهو يظن نفسه أحسن الناس وهو أصغر الناس، ويرى أنه في السماء يطير، فنقول: هو مخامرة العقل بنشوة، فالعلة في التحريم الإسكار، والبيرة تفعل ما يفعله الخمر من إسكار.
إذاً: إلحاق فرع البيرة بأصل الخمر كالتالي: للمساواة في العلة وهي الإسكار، وحكم الخمر الحرمة، إذاً: البيرة حرام.
هذا معنى إلحاق فرع بأصل للاشتراك في العلة.
стр. 142
حجية القياس
اختلف العلماء في حجية القياس على أقوال: منهم من وقف، ومنهم من قال يؤخذ به.
فجماهير أهل العلم على أن القياس حجة شرعية، ويتعبد بها لله جل في علاه، فإذا قلنا: هذا حرام بالقياس فهو حرام، وإذا قلنا: هذا حلال بالقياس، فالقياس حجة شرعية، سواء كان في المؤخرة أو المقدمة.
وأما ابن حزم فهو ممن رفع راية إنكار القياس، وقال: القياس ليس بحجة شرعية.
فما الدليل على حجية القياس؟ من الأدلة قول الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
أيضاً: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، وجه الدلالة في الآية هو إلحاق النظير بالنظير؛ لأن القاعدة في الشرع: لا يفرق بين المتماثلين، لكن يفرق بين المختلفين.
كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩].
ومن السنة: إقرار النبي على القياس، وهي إن كانت سنة تقريرية وفي المرتبة الثالثة لكنها صحيحة، فـ عماراً قاس التيمم على الماء وكان القياس فاسد الاعتبار، ولكن وجه الدلالة أن النبي ﷺ أقره ولم ينكر عليه القياس، فلم يقل له: لم تقيس، لا بد تأتي بدليل.
كذلك قوله: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال)، وهذا قياس من النبي اسمه قياس العكس.
كذلك قوله: (إنما ذلك عرق)، وقوله: (إنما مثلي ومثلكم كالنذير العريان).
أيضاً قول النبي ﷺ : (أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، فقال: فدين الله أحق أن يقضي)، كل هذه أدلة على القياس.
стр. 143
أثر الاختلاف في حجية القياس على الفروع الفقهية
стр. 144
الأصناف الربوية
هناك مسائل اختلف فيها نظراً للاختلاف في حجية القياس، منها: أن الأصناف الربوية التي ذكرت في الحديث أصناف، قال النبي ﷺ : (الذهب بالذهب ربا إذا لم يكن يداً بيد سواء بسواء، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح)، فهل يقاس عليها شيء آخر كالحديد أو النحاس أو تقاس النقود على الذهب والفضة أم لا؟ الذين يقولون بأن الذهب والفضة فقط ربوية سيقولون في عصرنا: النقود ليست ربوية، إذا قلنا ليست بربوية فمعنى ذلك أن فوائد البنوك حلال، ولك أن تبيع الجنيه باثنين؛ لأنه ليس صنفاً ربوياً.
فالذي يقول بعدم القياس يقول بأن الأصناف الربوية محصورة في الأصناف الستة، والصحيح الراجح خلاف ذلك، والقياس هنا قياس ظاهر جداً، وابن حزم يقول: هذا من دلالة اللفظ وليس من القياس، من دلالة اللفظ أن تدخل الأصناف مع الأصناف الربوية، فالذهب والفضة العلة فيهما الثمنية؛ تدخل ولذلك النقود مع الذهب والفضة على خلاف بين العلماء؛ لأن الحنابلة يقولون: الذهب والفضة العلة فيها الوزن.
وثمرة هذا الكلام: أن يقال: الحديد بالحديد ربا إلا أن يكون مثلاً بمثل، وهذا الكلام ليس بصحيح، والصحيح أن العلة هي الثمنية.
التمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، كل هذه أصناف ربوية يدخل معها غيرها.
فالملح يدخل معه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - كل ما يصلح به الطعام من توابل مثل الشطة وغيرها.
أيضاً: (التمر بالتمر) يدخل معه الفواكه؛ لأن التمر فاكهة.
والبر يدخل معه الأرز والقمح والحبوب على تفصيل فقهي.
المقصود: أن الاختلاف في حجية القياس سبب اختلافاً في مسألة الأصناف الربوية، فمنهم من قصر الربا على الأصناف الستة فقط وما دون ذلك فليست بربويات، وهذا خلاف الراجح الصحيح.
والصحيح الراجح: أن كل ما وافق هذه الأصناف في العلة يدخل معها؛ لأن القاعدة: أن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، بل يسوي بينهما، ويفرق بين المختلفين.
стр. 145
الكفارة على من أكل وشرب في نهار رمضان
رجل أفطر عامداً في نهار رمضان بالأكل والشرب، هل عليه الكفارة أم لا؟ وها هي على الترتيب أم على التخيير؟ أما المالكية فيرون أنها على التخيير، وأما الجمهور فيرون أنها على الترتيب.
ودليل التخيير أنه قال في بعض الروايات: (أطعم أو صم أو أعتق) فـ (أو) هنا للتخيير.
والصحيح الراجح أنها على الترتيب.
إذاً: المسألة فيها خلاف، لكن الراجح الصحيح أنها على الترتيب.
هذا الذي أكل أو شرب هل عليه كفارة مع القضاء أم لا؟ اختلف العلماء في المسألة على قولين، وسبب الخلاف ناشئ عن القياس، فترى مجموعة من الذين يقيسون ينتصرون لمذهب ابن حزم الذي لا يقيس، فيقول: الذي أكل أو شرب ليس عليه إلا القضاء، لكن هو لا يقول بالقضاء أيضاً، وإنما يقول: ليس عليه شيء، ويتوب إلى الله جل في علاه، وإلا فالعقوبة زائدة عند الله جل في علاه، قلنا: لم؟ قالوا: لأنه لم يرد نص يثبت القضاء على الذي أكل أو شرب، وليس هناك نص على الكفارة لكي يكفر.
ووافق ابن حزم الحنابلة والشافعية مع أنهم من أهل القياس، وقالت المالكية والأحناف: من أفطر عامداً بالأكل أو الشرب في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة بعتق رقبة، فإن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
قالوا: ودليلنا في ذلك القياس على الجماع في نهار رمضان، ففي الصحيحين والسنن: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ينتف لحيته ويقول: (يا رسول الله احترقت! قال: أين المحترق؟ - وفي رواية قال: هلكت- قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان- يعني: وطأت أهلي في نهار رمضان- فقال له النبي ﷺ : أعتق رقبة، فقال: ليس عندي، فقال: صم شهرين متتابعين، قال: ما فعل بي ذلك إلا الصيام، قال: أطعم ستين مسكيناً، قال: لا أجد) فأمره النبي ﷺ بالكفارة؛ لأنه واقع أهله في نهار رمضان، قالوا: والعلة هنا مشتركة، وهي انتهاك حرمة يوم من رمضان بالإفطار عمداً، فبجامع انتهاك حرمة اليوم نقول: إن الذي أكل أو شرب عامداً في نهار رمضان يلحق بالذي جامع عامداً في نهار رمضان، فيكون عليه الكفارة.
قلنا: هذا قياس بديع، فهل نقول به أو لا نقول به؟ الذي أتبناه وأدين الله به: أنه لا يلحق بالجماع غيره.
المقصود أن القول الراجح هو قول ابن حزم والشافعي وأحمد مع أن الشافعي وأحمد يقولان بالقياس.
فردوا عليهم قالوا: أنتم تقيسون، فلم رفضتم هذا القياس؟ قالوا: لأن قياسكم هنا اختل فيه شرط من الشروط، فإنه يشترط في القياس الصحيح: أولاً: أن يثبت الأصل بالكتاب أو السنة.
ثانياً: علة الوصف المناسب، أي: لا تكون العلة قاصرة، لا تتعدى لغيرها.
ثالثاً: ألا يكون الأصل تعبدياً غير معلل، فلابد من توجد علة غير قاصرة، والعلة الغير قاصرة يدور معها الحكم وجوداً وعدماً، أي: يوجد الحكم بوجودها، وينعدم الحكم بعدمها.
رابعاً: ألا يصادم نصاً أقوى منه، فيكون فاسد الاعتبار.
خامساً: أن تكون العلة في الفرع مساوية للعلة في الأصل.
فإذا نظرنا إلى الشروط وجدناها غير متوفرة في هذه المسألة؛ لأننا وجدنا أن العلة هي الجماع، والعلة هنا هي الأكل والشرب، والأكل والشراب لا يلحق بالجماع، إذ إن هناك فارقاً بينهما، فالمتعة هنا غير المتعة هنا، وهناك فوارق كبيرة.
نقول: إن القياس إذا كان مع الفارق لا يصح الاستدلال به، فنقول لهم: إن قياسكم الطعام والشراب على الجماع قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق يعتبر قادحاً من قوادح القياس، فلا نأخذ بالقياس في هذه الحالة، فيصح قول ابن حزم والشافعية والحنابلة بأن الذي أكل أو شرب ليس عليه القضاء.
وحتى القضاء فيه خلاف بين العلماء، لكن الراجح الصحيح أنه ليس عليه إلا القضاء، وليس هذا مجال التفصيل.
следующие страницы →