← Общие книги

Общие книги · id 37650

فكرة الإفريقية الآسيوية

مالك بن نبي

Полный текст (261 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

للفكرة الأفرسيوية وجهتها الخاصة في العالم، والذي يعبر عن أحكام مصير مشترك بين الشعوب السائرة تحت لواء خطر الحرب. وإذا كان إلهام الثقافة الكلاسيكية في عصر النهضة الأوروبية خاصة قد اتجه نحو الذوق الجمالي أكثر من أي شيء آخر، فإن الثقافة الأفرسيوية ملزمة بسبب المأساة الخاصة بالقرن العشرين إلى أن تتجه أولاً نحو النهج الأخلاقي لتحديد مثلها الأعلى وهدفها المنشود، ونحو الصناعة بعد ذلك لخلق وسائلها إليه، فإنقاذ الإنسان من البؤس والفاقة على محور طنجة - جاكرتا وإنقاذه من حتمية الحرب على محور واشنطن - موسكو، هما بالنسبة إلى الإنسان الأفرسيوي الضرورتان المحددتان للمشكلة كلها: مشكلة بقائه، ومشكلة اتجاهه. وهذه الضرورة المزدوجة التي لا بد من أن يواجهها تسيطر بصورة طبيعية على جميع تحديدات ثقافته، وبالتالي على التحديد الأساسي لمنهجه الأخلاقي وسنقول فيما بعد، حين ننظر إلى مساهمته الخاصة، أي عنصر ميتافيزيقي جوهري سيجلبه الإسلام إلى هذا التحديد للروح الأخلاقي الخاص بالفكرة الأفرسيوية، وسنقول خاصة أي مفهوم إنساني سام سيضعه كمبدأ لانقاذ الإنسان بعد سقوطه تحت سيطرة الاستعمار والقابلية للاستعمار. وستجد الفكرة الأفرسيوية- بمقتضى ازدواجها الروحي- المبدأ الثاني في فكرة عدم العنف، ذلك المبدأ الذي نعرف دوره المنقذ في تحرير الهند، والذي ما زال يلهم حتى اليوم الحوار الدولي (١) كقانون لا يقبل الانفكاك- منذ ذلك الحين- عن المحاولات الإنسانية في الميدان السياسي. ولكنا لا يمكننا أن نضم هذه الملحمة إلى الفكرة الأفرسيوية دون أن ندخل فيها في الوقت نفسه بطلها الأسطوري: غاندي، صاحب الوجه المحاط بهالة من نور الشهداء، ذلك الوجه الذي يتجلى في أروع صفحة من تاريخ عصرنا.

стр. 142

ويزيد من روعتنا أن الفصل الأول من مجموعها مواقفه هو فصل رمزي، إذ ترى المهاتما يدخل إلى الميدان السياسي- لأول مرة- في صحبة رجل مسلم، هو حاجي حبيب الذي أيده مادياً وأدبياً منذ المؤتمر الأول الذي أعلن فيه المهاتما غاندي خطته طريق الحقيقة ( Satyagraha) في ١١ سبتمبر ١٩٠٦ بمسرح إمبريال بجوهانسبرغ بإفرياقية الجنوبية، وهذا الرمز لا يقتصر في تأتيره على الناحية السياسية، بل إنه يتعداها أيضاً إلى نطاق الروح، فنحن نعرف كم كان غاندي يميل إلى أن يغذي فكره من جميع منابع الغذاء الروحي، كالقرآن والإنجيل والبهاجافادجيتا ( Bhagavadegita)؛ كتاب الديانة الهندوسية. إن المستودعات في آسيا وإفريقية غنية بالوجوه الجليلة، وبالأسماء والمثل، لكي تقدم لنا عناصر أخلاقية تلزمنا في بنائنا لتراث أفرسيوي، وسيكون غاندي ولا شك في أحد الأبهاء الفخمة التي تحتوي صور الرجال العظماء. وكما تُحدَّد الثقافة بعناصرها المستمدة من الروح الأخلاقي، فإنها تتحدد أيضاً بالذوق الجمالي، وإذا كانت الثقافة قبل كل شيء (محيطاً) معيناً، فمن الواضح أن العنصر الجمالي يلعب فيها دوراً رئيسياً، إذ إن القدرة الخلاقة مرتبطة دائماً بالانفعال الجمالي، بل إن مقدرة الفرد على تأتير مرتبطة أيضاً ببعض المقاييس الجمالية، ونحن نعرف مثلاً في ميدان التجارة والصناعة أن ((الصنف الرديء لا يباع))، على أن القيمة الجمالية يجب أن ينظر إليها وخاصة من الوجهة التربوية، فهي تساهم في خلق نموذج إنشائي متميز يخلع على الحياة نسقاً معيناً، واتجاهاً ثابتاً في التاريخ بفضل ما وهب من أذواق وتناسب جمالي. ومن المؤكد أن تحويل (الدودة الصينية) الجرباء ذات الأطمار إلى (نملة زرقاء)، ذلك التغير البسيط الخارجي قد زوَّد الحياة في الصين بمثير فعال، وبدافع إنشائي، ووضع أساساً للتربية الشعبية، وأبدع ذوقاً رفيعاً، وحركة جديدة خلاقة للقيم الاجتماعية.

стр. 143

وعلى أية حال فإن الكنوز الفنية في إفريقية وآسيا لتشهد بوجود ثروة تستطيع الفكرة الأفرسيوية أن تجد فيها دائماً- في ميدانها الخاص- عناصر جوهرية لخلق هذا الجزء المهما من تراثها. وفي العصر الحاضر، حيث يخضع التطور الإنساني في اتجاهه وسرعته للعوامل الصناعية، ولاعتبارات القدرة الإنتاجية، لا يمكن للثقافة الأفرسيوية أن تحدد معالمها دون أن تأخذ في اعتبارها بعض العوامل الديناميكية الصالحة لتشجيع النمو المادي لشعوب آسيا وإفريقية، والإسراع بحركته. إن خطط المشروعات القومية التي رأت النور في السنين الأخيرة في البلاد الأفرسيوية لتشعرنا عملياً بالحاجات التي تطابق في صورة طبيعية الفصول التي تتركب منها الثقافة. والصناعة والمنطق العملي يكونان فصلين من هذه الفصول الهامة، ((حيث يتجاوب المنطق العملي مع القدرة الإنتاجية، في الناحية الاقتصادية وحيت يعد منطقاً معيناً للعمل والنشاط في الإطار الفردي)). وللصناعة والمنطق العملي علاقة مباشرة بالمشكلات العضوية التي بحثها مؤتمر باندونج، والتي يجب أن يحلها كل بلد أفرسيوي لحسابه الخاص ولهذين العنصرين تأثير مباشر عاجل على حظ الإنسان الأفرسيوي وعلى الإطار الذي يحوطه. ويأتي دور العنصر الصناعي حين يضع بلد ما تخطيطاً لمشروع قومي، وبذا يتم إدخاله في برنامج تربوي بصورة آلية نوعاً ما. إذ هو ضرورة تفرض نفسها على المشروعات الحكومية من جهة، وعلى المحاولات الخاصة من جهة أخرى، وهكذا يتلاقى احتياج دولة إلى الفنيين، ورغبة الأفراد في أن يؤدوا وظائف معينة في مجال الفن الصناعي، يتلاقيان تلاقياً كاملاً في الضرورة العضوية نفسها. ويتقرر المنطق العملي بالصورة نفسها كحاجة عاجلة لثقافة (نهضة) تريد أن تحدث تغييراً في (المحيط) حيث تتشكل عبقرية الحضارة، وحيث يتطور الإنسان.

стр. 144

فالمنطق العملي يكيف صورة النشاط وأسلوبه ونسقه وجميع أشكاله الديناميكية. وعلى محور واشنطن - موسكو توجد ديناميكية خاصة تختلف عن الديناميكية التي قد يلاحظها زائر السماء من طنجة إلى جاكرتا. هذا الزائر يمكنه أن يلاحظ فرقاً جوهرياً هو: أن الثرترة تكثر كلما قل النشاط والحركة، إذ حيثما يسود الكلام تبطئ الحركة. ولهذا وجدنا أن منظمي باندونج قد حددوا زمن الكلام بخمس عشرة دقيقة لكل متكلم، كان هذا ولا شك لكي يحولوا بينه وبين أن يغرق في الجعجعة وثرثرة اللسان. وبهذا أنقذت هذه الحكمة مقدرة المؤتمر على التأثير من طوفان الكلام الذي قد لا يدع مكاناً للعمل الإيجابي، ومما يجدر ذكره أن نعلم كيف أن ((شواين لاي)) قد برهن على اهتمامه بهذا المبدأ حين صاغ خطبته في أقل من ربع ساعة، وهو يتحدث باسم ست مئة مليون من البشر حقاً: ((إن الكلمة لمن روح القدس))، ولكن من الضروري أن يقر في أذهاننا التمييز بين الكلمة المقدسة الفعالة وبين الثرترة والهذر، فهناك أناس ليست الكلمة بالنسبة إليهم سوى أداة تؤدي العدم، فهي لديهم مجرد صبيانية بيانية خلابة، ترن في الهواء، أو مجرد كمية من المداد على صفحة من الورق. ولكن الواجب يفرض علينا أن نراعي واقعاً جلياً وجوهرياً هو أن ميزانية التاريخ ليست رصيداً من الكلام ومن أعداد الكلمات، بل هي كتل من النشاط المادي، ومن الأفكار التي لها كثافة الواقع ووزنه. وهذه الميزانيات المكونة من صنوف النشاط الإيجابي هي في الحقيقة ميزانيات من القيم الثقافية تقوم على فصول الثقافة الأربعة: منهجها الأخلاقي، وذوقها الجمالي، وفنها الصناعي، ومنطقها العملي. إننا حين عالجنا مشكلة الثقافة لم ندع أننا ندرسها في هذا الفصل دراسة شاملة، فلقد أردنا فقط أن نشير إلى أهميتها وتأثيرها على الإطار الشعبي، وعلى

стр. 145

الإطار الجامعي لكي نلفت الانتباه إلى ضرورة (التوجيه) في الحياة الفكرية تاركين جانباً المناقشة التي ستقرر إذا ما كان هذا الاتجاه يجب أن ينبع من ظروف الدولة طبقاً لاحتياجات البلاد، أي طبقاً لمنهج يفرض سيطرة التوجيه الجامعي، أو أن يصدر عن المنافع الشخصية والأذواق الفردية، أعني عن التعليم الحر المنطلق. فمهما كانت الصورة التي نضع فيها هذه المشكلة فلقد تبين لنا أن من الأهمية بمكان أن تحدد البلدان المتخلفة ثقافتها لتتدارك تأخرها، وتؤدي دورها في العالم بصورة فعالة مؤثرة. وكل بلد يمكنه طبعاً أن يحل هذه المشكلة بطرقه الخاصة، فكل الطرق تؤدي إلى الأهداف نفسها ولكن بتوقيت مختلف، فالواجب أن نتجنب الطرق الطويلة، طرق الاعتباط والاستهواء، الطرق التي سلكتها الحضارات التي كان أمامها ما يكفيها من القرون وآلاف السنين. وبلغة التربية يجب أن نطبق الطرق التي توجه الذكاء في اتجاه الحضارة، والتي تعجل تكوينها طبقاً للتطورات اللازمة في نطاق هذه الحضارة، فإذا صيغت المشكلة في تعبيرات هذه اللغة، وجدناها تتجاوز بذلك النطاق القومى على أساس وضع (سياسة للثقافة) تبعاً لتعبير الجمعية العامة الخامسة لمؤتمر الثقافة الأوروبية المنعقد في أكتوبر ١٩٥٥م في بروكسل. أي إن المشكلة تتطلب في هذا الاتجاه مؤتمراً للثقافة الأفرسيوية (١)، وربما عبر البيان النهائي لمؤتمر باندونج عن هذه الضرورة تحت عنوان (التعاون الثقافي). ...

стр. 146

مَبَادِئ اقتصاد أفرسيَويّ فَعَّال ((إن هدفنا الأول هو أن نوفر لشعبنا الغذاء والكساء)) ((كياونين: وزير الصناعة في بورما)) إن النظرية الماركسية التي ترد المشكلة الإنسانية كلها إلى العوامل الاقتصادية تغفل بعض الأشياء الجوهرية في الظاهرة الاجتماعية أو تغض من شأنها .. ولكن هذه النظرية صادقة في الحدود التي يمكن أن تفسر فيها الظاهرة الاجتماعية تفسيراً اقتصادياً. وفي هذه الحدود الواسعة يعدّ (الإطار الإنساني) الممتد من طنجة إلى جاكرتا شاشة من المباني والتكوينات الاقتصادية، ويعد (النموذج الاجتماعي) - الجائع العاري- الذي نراه في الصورتين المنشورتين في فصل سابق ثمرة لهذه المباني؛ وتلك التكوينات. وعليه فمن الممكن أن نتحدث في هذه الحدود عن حتمية اقتصادية تضغط بثقل قضائها على مصير الشعوب الأفرسيوية، ولكن هذا القضاء لا دخل فيه للميتافيزيقا، وهو ليس قضاء مطلقاً نهائياً، بل هو عارض طارئ من أعراض التاريخ أو هو بمثابة الزمن الميت في النمو المادي لتلك الشعوب، يتفق مع تلك الأوضاع الشخصية الموروثة التي تتنافى مع الأوضاع الاقتصادية التي حددتها وفرضتها الحضارة الغربية. ولقد ظهرت الآثار الاجتماعية لهذا التنافي منذ اللحظة التي وقع فيها الرجل الأفرسيوي في الأحبولة الاستعمارية، فأصبح العميل المُستعبد المُستغل للاقتصاد الحديث، دون أن يجد في نفسه، وفي تقاليده وفي عاداته الوسيلة الكافية كيما ينتزع نفسه من تورطه، وهكذا بدأ عصر الحتمية الاقتصادية بالنسبة إليه مع بدء

стр. 147

العصر الاستعماري. ولم يخلصه تحرره السياسي بصفة عامة من التورط الاقتصادي، فإن المشكلة أولاً ذات طابع نفسي حيث إن المعنى الاقتصادي لم يظفر في ضمير العالم الإفرسيوي بالنمو نفسه الذي ظفر به في الغرب، في ضمير الرجل المتحضر، وفي حياته. والحق أن الاقتصاد في الغرب قد صار منذ قرون خلت ركيزة أساسية للحياة الاجتماعية، وقانوناً جوهرياً لتنظيمها. أما في الشرق فقد ظل على العكس من ذلك في مرحلة الاقتصاد الطبيعي غير المنظم حتى إن النظرية الوحيدة التي تناولت تأثير العوامل الاقتصادية في التاريخ وهي نظرية ابن خلدون قد ظلت حروفاً ميتة في الثقافة الإسلامية، حتى نهاية القرن الأخير. فلم يقبل المجتمع الشرقي تحت تأثير احتياجاته الداخلية على وضع نظرية اقتصادية كما حدث في المجتمع الغربي، حين وضع الرأسمالية أو الشيوعية. إنه لم يقبل على هذا بسبب ما انطوى عليه من نفسية خاصة منعقدة على (الزهد) كمثل أعلى منذ قرون، وإن فقهاً اقتصاديا يستلهم خطته ومفاهيمه من مثل كهذا، ويصدر عنه لا يمكنه بداهة أن يعبر بالدقة العملية نفسها عن فكرة (المنفعة) الخاصة بالرأسمالية، أو عن فكرة (الحاجة) الخاصة بالنظرية الماركسية، فالزهد والمنفعة والحاجة ثلاث حقائق لا يمكن أن تدخل في اطراد اجتماعي واحد، وفي واقع اقتصادي واحد. فقد كان هناك إذن عنصر تنافر أساسي بين الأوضاع الشخصية الموروثة في البلاد الأفرسيوية وبين التكوينات الاقتصادية التي وضع أسسها العصر الاستعماري. وهناك عصر آخر بالطابع النفسي نفسه، ويجب أن نحسب له حسابه في هذا التنافي، ذلك العنصر هو فكرة الزمن التي تعد أساسية جداً في تنظيم العمل في العالم الحديث تبعاً لنظرية تايلور ( Taylor) حيث سيطرت هذه النظرية على مفاهيم المقدرة الانتاجية فساعة (الكرونومتر) التي تستخدم في حساب الثواني

стр. 148

تستخدم في الوقت نفسه في تسعير الانتاج. وليس قولهم: ((الوقت عملة Time is Money)) من قبيل اللعب بالكلمات بل هو تعبير دقيق عن الواقع المادي في نظر الانجليز. فجميع ألوالن النشاط في المجتمع الصناعي الحديث تنمو في حدود الزمن المادي، وتتقوَّم بساعات عمل، أما في البلدان المتخلفة فإنهم لم يجربوا هذه العملة الخاصة إذ تنمو ألوان النشاط والعمل بصورة تقليدية في حدود الزمن الميتافيزيقى أي في نطاق الأبدية، لأنه لا يهدف إلى تشييد صرح (القوة)، ولا يطبق مبادئها المتنافية مع الأوضاع النفسية، كما نرى ذلك في تاريخ الصين، حيث ظلت الثقافة الصينية الكلاسيكية مثلاً تعلن احتقارها البالغ زمناً طويلاً، لقواد الحرب، أولئك (الأدوات) التقليدية (للقوة). وإذن فلقد كان التنافي بين هذه المباني الموروثة، وبين ألوان العمل المنظم الموقت في المجتمع الحديث، كان هذا التنافي أمراً محتوماً. وبذا نفهم من أول وهلة كيف تتبدد الأوهام أثناء محاولة بعض البلدان الأفرسيوية تحقيق استقلالها الاقتصادي بعد أن حققت استقلالها السياسي، فأخذت تستشير لهذه الغاية بعض الخبراء الاقتصاديين. ولم تلبث التجربة أن برهنت لهم على أن (الحالة) في علم الأمراض الاقتصادية ليست كما يحدث في الطب من (اختصاص الدكتور). ولقد رأينا في الواقع الدكتور (شاخت) وهو يعطي مثل هذه الاستشارات، ولقد كان بكل تأكيد خير من يقوم بهذه المهمة حيث رشحه نجاحه في (حالة) سابقة. وهو نجاحه الهائل في تخطيط الاقتصاد الذي تحمل جهداً ضخماً لبلد دخل الحرب العالمية الثانية دون أن يكون لديه رصيد كبير من الذهب. لقد تمنوا عموماً أن يكرر الدكتور شاخت هذه المعجزة خارج بلاده، ولكنهم رأوا أنه لم يستطع تكرارها، وإنما رأينا في مقابل ذلك ما يعد أكثر إفادة في نظرنا، وهو أن المعجزة قد تكررت من تلقاء نفسها، أي من غير مساعدة الدكتور شاخت في ألمانيا الغربية كما في ألمانيا الشرقية ودون رصيد كاف من

стр. 149

الذهب في كلا البلدين، وأيضاً دون الاعتماد على الصانع التي استمد منها الرايخ الثالث قوته، ثم هدمها المنتصرون في الحرب أو فككوها. واليوم وبعد عشر سنوات من الانهيار التام ينهض الاقتصاد الألماني، ويستعيد مكانه في العالم على جانبي ما سمي (بالستار الحديدي)، وعليه فلو كان هناك درس نستفيده من هذا البعث الرائع فلن يكون سوى أن نقول: إن مبدأ اقتصادياً لا يمكن أن يكون له أثره، ومقدرته التامة على التأثير إلا في الظروف التي يتفق فيها معه تجربة اجتماعية معينة. والواقع أن هذه القدرة لا تصدر عن ظروف اقتصادية محضة، كما ترينا التجربة الألمانية، تلك التي بدأت سيرها من الصفر في الناحية الاقتصادية، منذ عشر سنوات. فإن هناك معادلة شخصية هي التي تهمنا إلى أقصى حد في مضمون هذه المقدرة، ولا شك في أن الدكتور شاخت قد أعطى في استشاراته الأفرسيوية خير آرائه التي يمكن أن تصدر عن معادلته الشخصية. تلك المعادلة التي شكلتها الظروف النفسية والزمنية للوسط الألماني، هذه الظروف التي تكوّن مقياساً ضمنياً لا تؤتي نصائح الخبير واستشاراته تأثيرها الكامل إذا خرجت عن حدوده، وأي فن اجتماعي أو مبدأ اقتصادي لا يمكن أن يكون صادقا إلا إذا وجد في وضع لا يتعارض فيه مع عناصر المعادلة الشخصية السائدة في الوسط الذي يراد تطبيقه فيه، ولكي تؤتي النظريات الاقتصادية تأثيرها الاجتماعي فيجب ألا يقتصر في دراستها على منصة الجامعة كعلم وقف على بعض المتخصصين، بل يجب أن يطبق هذا العلم على التجارب الجماعية التي يقف فيها وعي كل فرد وإدراكه أمام المشاكل المادية، مقدماً بذلك لعلم المتخصصين ظروف صلاحيته للتأثير. وعملياً يجب أن تسير النظرية الاقتصادية جنباً إلى جنب مع النظرية السياسية، كيما تحيل المبدأ النظري إلى قانون للعمل والنشاط، فتضمه بذلك إلى دوافعه وإلى نسقه وأسلوبه. والطريقة الوحيدة التي يصبح بها المبدأ أو الفكرة

стр. 150

جزءاً من التاريخ هي أن يتحول إلى (عمل) إلى دافع عمل، إلى طاقة عملية، إلى إمكانية عمل، ولقد تكوَّن (علم) الاقتصاد الاشتراكي على يد ماركس وإنجلز. ولكن تأتيره بدأ مع تكوين (الضمير) الاشتراكي منذ ثورة أكتوبر ١٩١٧ م، فلقد صب نشاط لينين ومدرسته مبدأ الاقتصاد الاشتراكي في نفسية الشعب الروسي، وفي عقليته، وفي حركته، أو ديناميكيته. فالاقتصاد الاشتراكي إذن هو ثمرة التوفيق بين (علم) هو العلم الماركسي وبين (ضمير) هو وعي الطبقات. من غير أن نصدر هنا حكماً مطلقاً، أي حكماً على هذا التوفيق كقيمة إنسانية وإنما كحقيقة اقتصادية، فإننا نقرر أنه هو الذي ولَّد ما يسمونه (الطفرة الإنتاجية Economie de choc). فطريقة الإسطخانوفية ( Stakhanovisme) التي كانت عنصراً جوهرياً في خلق الواقع الاقتصادي الراهن في الاتحاد السوفييتي هي قبل كل شيء نتيجة للظروف النفسية الجديدة، ونتيجة البناء العقلي الجديد. فأي (مشورة) تهدف إلى وضع نظام اقتصادي أو إصلاح نقائصه ينبغي إذن من حيث المبدأ- ويصعب عند التطبيق- أن تضع في حسابها العناصر غير الاقتصادية، وبهذا نلتقي مرة أخرى مع أسبقية (عالم الحياة الاجتماعي) على (المهندس الاجتماعي) عندما نبدأ من الأساس، وفي هذا المستوى، أي في بداية أي تجربة اجتماعية لا يكون الأمر فقط أن نحل معادلة اقتصادية، بل أن نكيفها طبقاً لمعادلة شخصية معينة. وأي تجربة تغفل في بدايتها هذه العلاقة الأساسية لا تكون سوى تجربة نظرية مقضي عليها بالفشل. ولو أردنا أن نستخلص من هذا الكلام نتيجة صادقة لبناء اقتصاد أفرسيوي، فمن اللازم أن نفكر في الشروط الفنية التي يتطلبها التوفيق بين معادلة إنسانية معينة خاصة بالبلدان المتخلفة، وبين المعادلة الاقتصادية للقرن العشرين. إن الاستعمار لم يحاول تحقيق هذا التوفيق في استثماره للبلدان المستعمَرة، حيث كان العمل استرقاقاً وعبودية يستهدف إثراء المستعمِر أكثر من أن يهدف إلى إعاشة المستعمَر، وبذلك انحطت فكرة ((العمل))

стр. 151

على يديه أخلاقياً واجتماعياً، فليس العمل وسيلة لكسب العيش، بل هو طريقة لارضاء مطالب السلطة التي توزع الخبز، علماً بأن (الخبز) الذي يحصلون عليه بهذه الكيفية ليس حقاً، وإنما هو منحة، وبذلك هدمت تصرفات الاستعمار الوضع المتعارف عليه، ولكنها حين أدخلت الرجل المستعمَر في خضم العصر الاقتصادي لم تترك له أي وسيلة لحل مشكلاته، وهكذا انحط الاستعمار برجل التأمل والنظر. وبدلاً من أن يدخله في جهاز نظامه الخاص فيجعل منه الرجل ذا الوعي الاقتصادي ( Home èconomious) ، إذا به يتخذ منه آلة في هذا الجهاز، أي في الاقتصاد الاستعماري، وبهذا ينتقل الرجل المستعمَر فقط من المرحلة التأملية (١) إلى المرحلة النباتية التي لم تكن له فيها (حاجة) فأصبحت له حاجات لا يملك أي وسيلة منظمة وعادية لإشباعها. فلقد نمّى الاستعمار في نفسيته خوف الجوع. الذي يظهر في جميع طبقات المجتمع المستعمَر، خلق منه الرجل الجائع دائماً، وخلق منه الرجل الذي يخاف دائماً من الجوع، وهاتان الصورتان من صور الخوف، قد حطمتا عند الكائن المستعمَر كل إمكانية للتكيف مع التكوينات والأوضاع الاقتصادية في القرن العشرين. ففي إفريقية الشمالية مثلاً تخشى الطبقة البورجوازية الجوع. ويتجلى خوفها في صورة (بطنة hypergastrisme) تدل عليها حالة تلك الأسرة الجزائرية التي تستهلك لاستعمالها الخاص مئة كيلو من الزبد في الشهر عام ١٩٣١م. ويتجلى خوف الجوع في الطبقة الكادحة في صورة (مسغبة hypogastrisme) ولا سيما عند هؤلاء الآلاف من العمال في إفريقية الشمالية، الذين يذهبون للعمل في فرنسا، ويموتون نتيجة نقص التغذية، الذي لا يتلاءم مع وسائلهم الجديدة أو مع المناخ والعمل في المصانع.

стр. 152

وهكذا لم يقدّم الاستعمار نظاماً للتلمذة الاقتصادية إلى البلاد المستعمَرة، حيث لم يعدل في الواقع التكوينات الشخصية طبقا للتكوينات الاقتصادية الجديدة. بل إنه فرض في هذه البلاد حكم العبودية الاقتصادية فحسب، ذلك الحكم الذي ترك طابعه البارز على نفسية الطبقات البورجوازية، كما تركه على نفسية الطبقات الكادحة. فاللجوء إلى (استشارات) المتخصصين في هذه الظروف لإنهاض حالة اقتصادية متعثرة أو منهارة، يجعلها استشارات لا أتر لها بحيث لا تكون سوى طريقة (سحرية) تستمد مبدأها من الثقة التي نخلعها على صاحبها (الدكتور). إن من الواجب أن ننظر إلى المشكلات الاقتصادية في طبيعتها البشرية وإلا انتهى بنا الأمر إلى نتائج نظرية. فهناك ظاهرة أثارت دهشة المراقبين وهي أن الدخل قد هبط في بعض البلاد التي تحررت من نير الاستعمار بحوالي ١٦% على أثر تحررها، ومن الممكن بلا شك أن نفسر هذا الهبوط بإرجاعه جزئياً إلى الأوضاع والتكوينات الاقتصادية العالمية، وبناء على العوامل السياسية التي تؤتر في مرحلة انتقال مضطربة، فإن للعوامل ذات الطابع الاستراتيجي تأثيراً على السوق العالمية، وبالتالي على الأسواق المحلية وهو تأثير لا يمكن إغفاله هنا، ولكنَّ في هذا الهبوط جزءاً متصلاً بالعوامل النفسية، أي بعناصر المعادلة الإنسانية الخاصة بتلك البلاد، حيث تتجلى فيها النزعات المحلية وتأتيرها المعطل الذي لا يظهر طالما وجدت قواها الانتاجية تحت سيطرة النظام الاستعماري عوامل منشطة أخرى. ولا سيما العمل الاجباري الذي ذاقته أندونيسيا، والذي لا زال يطبق في بعض مناطق إفريقية الغربية الفرنسية على الرغم من صدور (دستور العمل) الجديد. وتبرز الأهمية الاقتصادية لهذا التعطيل بصورة جلية إذا ما وضعناها بجانب رقم ((٢%)) وهو الذي يمثل النسبة التقريبية المستثمرة من الدخل في تلك البلاد.

стр. 153

فمن اللازم إذن أن نتناول المشكلة الاقتصادية في هذه البلاد من أساسها. أي أبتداءً من عناصرها النفسية. وفي هذا المستوى يكون حلها منحصراً في تكوين (وعي اقتصادي) بكل ما يستتبعه في التكوين الشخصي للفرد، وفي عاداته، وفي نسق نشاطه، وفي مواقفه أمام المشكلات الاجتماعية. وفي هذا الميدان أكثر من أي ميدان آخر يدخل الرجل الأفرسيوي مرغماً، في عالم حديث تسيطر عليه مقاييس معينة للقدرة على التأثير، وربما لزمنا أن نخفف من حدة هذه المقاييس التي خلقت في المجتمع الصناعي الإنسان الآلي. ولكن القدرة على التأثير كما لاحظ أحد الصحفيين السويسريين إن لم تكن الهدف الأحمى للإنسانية فإن قدراً معيناً منها لازم على أية حال، إذ من غيره لا يكون المجتمع منتجاً. حتى من الناحية العقلية ... (١) فالأمر بالنسبة إلى الفرد، كما هو بالنسبة إلى المجتمع، يتعلق بأن نحقق أقصى حد ممكن من القدرة التأثيرية، ولكن العكس يحدث غالباً في البلدان المتخلفة، حيث تقل الوسائل بسبب درجة النمو الاجتماعي، وهي فضلا عن ذلك معطلة عن الاستعمال بفعل بعض النقائص النفسية، ولقد قدمنا هذا المعنى في مكان آخر (٢) حيث بينا في ضوء بحث قمنا به إذ ذاك في مدينة جزائرية صغيرة، أن نسبة ميزانية الضروريات إلى ميزانية الكماليات والتوافه هي نسبة ٥%: ٩٥% وربما أدى البحث مع اختلاف الأرقام إلى النتائج النسبية نفسها سواء في المستوى القومي أم في المستوى الفردي. ففي كلتا الحالتين نكون قد جمعنا الآثار السلبية التي ينتجها المعامل نفسه ( Coefficent) لأنه على علاقة بالمعادلة الشخصية، التي تبرز فيها مع عناصر النمو الاقتصادي الحديث عوامل نفسية جثمانية موروثة مناقضة لهذا النمو في البلاد التي لم يتكوّن فيها بعد الوعي

стр. 154

الاقتصادي. فليست إذن الوسيلة المادية فحسب هي التي تفتقدها هذه البلاد لصناعة (جورب نقودها)، بل إنها تفتقد أيضاً الاستعداد العقلي الذي يبلغها هذه الغاية. فلكي يحدد الرجل الأفرسيوي وجهته الاقتصادية يجب أن يتخلص من العامل (المقلل) الذي يهبط بمقدرة وسائله التأثيرية. ولن يستطيع الدخول في أي أطراد للنمو الاقتصادي إلا إذا حققنا انتقاله غير المشروط من المرحلة النباتية إلى الوضع الايجابي الفعال، باعتباره مبدأ، بحيث نوفر له دون شرط كمية الوحدات الحرارية اللازمة لهذا الانتقال، والضمان الأولي لكرامته النفسية، أي إن من الواجب أن نضع المشكلة أولاً في مصطلحات ((البقاء)). ووضع مشكلة الغذاء في هذا الإطار ينتج لنا مشكلة أخرى، هي مشكلة التوظيف الكامل لموارد تلك البلاد المادية والبشرية، فالمسألتان تندمجان منذ البداية في مشكلة واحدة تعبر عن المشكلة الاقتصادية في المجال الإنساني والأخلاقي (١) فإن أي نظام اقتصادي إنما توجهه القوى الأخلاقية التي تخلع عليه تفسيراً إنسانياً وغاية تاريخية. فهو في بدايته يحمل طابع اختيار بين (المنفعة) و (الحاجة) وفكرة التوزيع فيه، أعني وظيفته الاجتماعية الجوهرية تكتسب تحديدها من هذا الاختيار الأولي. فالمذهب التجاري أو الاحتكاري القائم على أساس المنفعة أي الذي يقوم توازنه على قانون العرض والطلب يتنافس مع المذهب القائم على فكرة (الحاجة) أي الذي يتوازن على أساس مبدأ الإنتاج والاستهلاك. ولا شك أن وزير الصناعية في بورما (كياونين) قد صاغ رأيه في الفكرة التي صدرنا بها هذا الفصل، وهو يفكر في هذا الخيار بين المذهبين. فنظرية اقتصاد قائم على أساس (الحاجة) هي التي تقرر في صورة فرض (الحق) غير المشروط

стр. 155

لكل فرد في أن يحصل على خبزه اليومي، وبالتالي تعدّ العمل في النهاية ((واجباً)) يومياً عليه. وهذا التفضيل للاقتصاد الاشتراكي الذي يسود شيئاً فشيئاً جميع البلاد خاصة الأفرسيوية يؤيده التطور العالمي الذي يتخذ الاتجاه نفسه شيئاً فشيئاً. بل إن هذا الاتجاه قد بدأ يظهر بخاصة في بعض البلدان الغربية فإذا بالإنتاج والتوزيع اللذين كانا يخضعان حتى عهد قريب لمجرد الاعتبارات التجارية الدائرة حول محور المنفعة، إذا بهما ينحرفان نحو مذهب يدور حول فكرة (الحاجة). ويظهر هذا في فرنسا في صورة محاولات تحمل طابع المشاريع الخيرية، ولكن هذه الصورة أيضاً تترجم لنا عن تطور في المفهوم الاقتصادي. ولقد كانت الصناعة الفرنسية في عام ١٩٣٦م تطبق مناهج مالتوس ( Malthus) لكي تتخلص من فائض الإنتاج، واليوم نجدها تحاول أن توزعه عن طريق الدولة، تلك التي توزعه دون مقابل، كما حدث أن وزعوا في مطلع هذا الشتاء كيلو جرامين من السكر على الفقراء (١). وهم يوزعون ١/ ٥ لتر من اللبن يومياً على تلاميذ المدارس الابتدائية. وتلتزم مناجم الفحم أيضاً بضمان توزيع بالمجان للفحم طبقاً لشروط متفق عليها مع السلطات العامة. ولا شك في أن للبلدان الأفرسيوية مصلحة خاصة في أن تأخذ بعين الاعتبار هذا التطور كيما يمكنها أن تطابق بين الطفرة الاقتصادية والطفرة الانتاجية اللازمة لبعثها في الميدان الاقتصادي. فبصرف النظر عن التخلف الناشئ عن عوامل نفسية في هذا الميدان حيث يجب على هذه الشعوب أن تتداركه، فإن عليها أن تتدارك تخلفها الناشئ عن عوامل اقتصادية بحتة، وهو التخلف الناشئ عن اقتصاد ما زال في مرحلته

стр. 156

الابتدائية، فلكي يصل تجهيزها إلى المرحلة الثانوية، مرحلة التصنيع، فليس له ما يعتمد عليه سوى الزراعة، من ناحية والمواد الأولية (الخام) من ناحية أخرى وهذان هما ثديا الاقتصاد الأفرسيوي، ووسيلتا بعثه. ولقد قابلنا من الوجهة الفكرية بين الحالين: على محور واشنطن - موسكو من ناحية، وعلى محور طنجة - جاكرتا من ناحية أخرى، حين عرفنا المحور الأول بما أسميناه (نفسية القوة)، وحين عبرنا عن الآخر بلفظ (البقاء)، والآن يمكن أن نقابل بينهما أيضاً من حيث طبيعة وضعهما الاقتصادي. فمن الناحية الاقتصادية نجد أنفسنا أمام محور الصناعة من جهة، ومحور المواد الأولية من جهة أخرى. فكل برنامج للتصنيع في البلدان الأفرسيوية يواجه مشكلة الإنتاج الزراعي من جهة، ومشكلة تسويق المواد الأولية من جهة أخرى. ولقد ورد في أحد الأبحاث الحديثة التي وضعت تحت إشراف الأمم المتحدة أن مشكلة الجوع في العالم تنتج من نقص الانتاج الزراعي خاصة في البلاد الاستوائية وما وراء الاستوائية، أي على وجه التحديد البلاد الأفرسيوية. وبهذا ندرك أن هذا النقص يؤثر أولاً وبصفة مباشرة على (مشكلات الأساس أو القاعدة) في هذه البلاد نفسها، وعلى نهوض اقتصادها، وخاصة فيما يتصل بإقحام الرجل الأفرسيوي في النشاط الاقتصادي كمستهلك، وكمنتج. ومن البدهي أن عملية إقحامه تتطلب أن نعطيه أولاً لقمة الخبز قبل أن نسلمه الفأس والمعول. ومن هنا تظهر المصلحة التي تحققها المحاولات التي قامت بها حديثاً بعض الحكومات، مستهدفة علاج أوجه النقص في الإنتاج الزراعي، الناتج عن استعمال وسائل الزراعة العتيقة من ناحية، وعن طبيعة الملكية العقارية من ناحية أخرى، فالمشكلتان مرتبطتان ببعضهما إلى حد بعيد، واستعمال الوسائل العتيقة مثلاً في إفريقية الشمالية قد يفسره لنا إنشاء الاستعمار للإقطاعيات الضخمة،

стр. 157

التي لم تدع للفلاح الوطني أي إمكانية مادية لتعديل طريقته العتيقة. ولكننا نجد الفلاح في مصر ذلك الذي ارتبط بالأرض منذ القدم، نجده حتى ثورة يوليو ١٩٥٢م وليس لديه من الامكانيات المادية ما يكفيه لتعديل وسائله. ومن هنا يأتي تفسير مشروع الاصلاح الزراعي الذي قام به القادة الجدد في مصر، وقد كان من نتائجه المباشرة أنه غيّر حالة الفلاح، ذلك الذي كان يعيش في صورة منبوذ مرتبط بالأرض برباط الاسترقاق، فأصبح عاملاً يربطه بالأرض (وعي اقتصادي) لوضعه كمنتج وكمستهلك، وإن هذا الإقحام الاقتصادي ليس ٨٢% من مجموع الشعب المصري، وهو يعتبر بهذا الإجراء الأول في تحويل اقتصاد البلاد، والخطوة الأولى الضرورية في طريق التصنيع، وفضلاً عن ذلك فإن نتائجه الاقتصادية الخالصة ستؤكد أهميته من الناحية النفسية والأخلاقية. وإن انتزاع ملكية ٥٠٠،٠٠٠ فدان مشتراة من الملاك الكبار، ومصادرة ١٧٥،٠٠٠ فدان من أملاك العائلة المالكة السابقة، ليعدّ- إلى جانب كونه إجراء للإصلاح الزراعي، يحول الرقيق إلى فلاح- يعتبر عملية تكوين رأسمال تحول- بما تحتوي من قوة فعالة، رأس المال العقاري إلى ميدان الاستثمار الصناعي، مغيرة بذلك الأوضاع الاقتصادية في البلاد ومحتمة وجهتها الصناعية. وفي حدود التفاصيل الخاصة بكل بلد تعتبر البلدان الأفرسيوية في هذه المرحلة من مراحل التطور الاقتصادي التي اجتازتها نهائياً البلدان الغربية، حين دخلت العصر الصناعى منذ قرن من الزمان. ولكن ظروف هذا التطور قد تغيرت منذ قرن تحت تأثير بعض العوامل النفسية والصناعية. فلقد تحقق اقتصاد القرن التاسع عشر في الغرب في المستوى القومي، ولقد فات أوان هذا المستوى الآن، أو على الأقل هو في طريقه إلى الزوال. فالاقتصاد يتطور شيئاً فشيئاً نحو صورة (الاتحاد الاقتصادي) وما (البول Pool) وهو الاتحاد الذي يتشكل من أكثر من قومية،

стр. 158

و (الاتحاد الصناعي Combinat) إلا معالم جوهرية لهذا التطور نحو اقتصاد جماعي، يوحد الحاجات والوسائل في عدة بلاد. ولقد أعطتنا الصين والاتحاد السوفييتي مثالاً فذاً في هذا الميدان، حين بدأنا في دراسة مشروع مشترك وهو يتصل بإنشاء إمبراطورية زراعية ( Empire agricole) مشتركة في مقاطعة كازاستان السوفييتية ومقاطعة سنكيانج الصينية، يقوم الإنتاج فيها على القمح الروسي والقطن الصيني، ويستغلان أساساً لتدعيم اتحاد صناعي تشكل على أساسه وحدة اقتصادية مهمة في العالم الشيوعي. وبدهي أن مصلحة البلدان الأفرسيوية هي أن تضع نصب أعينها عند أي تخطيط لاقتصادها هذا التطور، سواء لخلق أوضاع اقتصادية متكاملة، كالاتحاد الصيني والروسي الذي تحدثنا عنه أم لتمويل مشروع ذي مصلحة عامة كخزان أسوان، إذا لم ننظر إليه من وجهة الاقتصاد المصري فحسب، فإن من الممكن أن يفيد هذا المشروع المملكة العربية السعودية من الناحية الزراعية، لأن هذا البلد لا يمكنه أن يقيم في أرضه الصحراوية وسائل الإنتاج الزراعي التي يحتاج إليها. ومن الممكن أن يتكفل اتفاق ثلاثي بين السعودية ومصر والسودان بري وإخصاب منخفض القطارة الممتد من غرب الإسكندرية إلى حدود ليبيا لمصلحة الدول الثلاث، وذلك خارج نطاق الري المصري. وعلى كل، فإن فكرة الاقتصاد الموحد تنمو وتزدهر شيئاً فشيئاً في العالم، وهي التي ألهمت في المجال الأفرسيوي واضعي مشروع كولومبو (١) فعلى الرغم من أنه وضع كملحق اقتصادي لنظرية الحد من التسرب الشيوعي ( Containment) ويهدف فضلاً عن ذلك إلى القيام بتحسينات زراعية، فإن هذا المشروع يعد من وجهة خاصة مثلاً مفيداً على التعاون الاقتصادي الإقليمي، والمعروف أن ميزانيته تشتمل على خمسة مليارات من الدولارات، تدفع ٦٠%

стр. 159

منها الدول الخمس عشرة الأعضاء، والباقي وقدره ٤٠% يدفعه البنك الدولي للإنشاء والتعمير. فنظرية الاقتصاد الموحد تقدم إذن أمثلة عملية في صورتين مختلفتين، صورة خاصة بالعالم الشيوعي مثل الاتحاد الصيني السوفييتي الذي ذكرناه آنفاً، وصورة أخرى خاصة بالعالم غير الشيوعي كمشروع كولومبو، وأكثر من ذلك فإن هذه النظرية التي تجد فيها ذكرنا تبريراً عملياً، يمكن أن تجد منذ الآن أسسها النظرية في بعض الأبحاث الأخيرة عن اقتصاد البلدان المتخلفة، خاصة تلك الأبحاث التي قام بها في فرنسا (معهد علم الاقتصاد التطبيقي I.S.E.A) وهي تعد في هذا الباب نوعاً من التحديد للموضوع حيث يحلل أصحابها- عن قصد وبصفة منهجية- عوامل نمو البلدان المتخلفة، ولقد استطاعوا أن يبينوا أن من بين الظواهر المعوقة لهذا النمو ((إبقاء الاقتصاد في نطاق قومي محدود)) فالقومية الاقتصادية كالقومية السياسية، فات أوانها بتأثير الحقائق الراهنة، لأن الاقتصاد يتطور نحو الاشتراكية القومية في الداخل والاشتراكية الدولية في الخارج، وفضلاً عن ذلك، فإن هاتين المشكلتين تحتفظان باستقلال كلي إزاء السياسة، وأياً ما كانت الحلول التي نرى صلاحيتها لهما، فإن هذه الحلول لا تستتبع بالضرورة أي اتجاه مذهبي، كما ذكر (نهرو) في مجلس التنمية القومية ( National Developpement) عند عرضه لميزانية مشروع السنوات الخمس الهندي، حيث أكد في هذا الغرض نظريته فيما يتصل باتجاه اقتصاد الهند نحو الاشتراكية. ولا شك في أنه كان يقدر تماماً في موقفه هذا، الفرصة التي واتته عقب سفره إلى بكين كيما يحدد معالم مذهبه في قوله: ((إن الاشتراكية لا يجب أن تفسر تفسيراً مذهبياً، بل هي في الحقيقة جعل وسائل الانتاج في حوزة الملكية الجماعية، بحيث تدار لصالح المجتمع كله)). ولسنا نستطيع أن نقوم بفصل قاطع خير من هذا بين الاقتصاد والسياسة، بحيث نحتفظ في الوقت نفسه بحرية الاختيار بين الاتجاهات العالمية، فإن الحجج المذهبية لا تدعم فناً اجتماعياً أو صناعياً، ولا تحط من قيمته، إذ الفن يعتمد على قيمته الذاتية، وعلى مقدرته على التأتير في ظروف معينة.

стр. 160

فاشتراكية وسائل الانتاج في رأي نهرو لا ترجع إلى أي مبدأ مذهي، بل إلى ضرورة تحددها ظروف خاصة بالوسط الهندي، وبإمكانياته الحالية. وفي هذه الظروف يستطيع الاقتصاد الهندي خاصة والاقتصاد الأفرسيوي عامة في ميدان التطبيق أن يستلهم سياسة مخططة من نظام المزارع الجماعية ( Système Kholkhozien) توفر له القدرة على التأثير. كذلك لا يمكننا في الميدان النظري أن نغض النظر عن أفكار المهندس الزراعي تيرانس مالتسيف ( Térence Maltsev) الذي تخصص في استغلال الأراضي القاحلة أو نصف القاحلة، تلك الصفة التي تنطبق على مساحات شاسعة من الرقعة الأفرسيوية، وتنطبق على كل حال على أراضي الشمال الافريقي. لأن عجز الإنتاج الزراعي في هذه المنطفة لا ينتج في الواقع عن استعمال الوسائل العتيقة أو عن التنظيم الزراعي فحسب، بل إنه ينتج أحياناً عن الظروف الطبيعية القاسية. وقد لا يكون العلم قد توصل حتى الآن إلى التحكم في هذه الظروف لكي يفرض بطريقة علمية توجيه الأراضي في الزراعة، ولكن البلاد القاحلة- وأغلب البلاد الإسلامية في هذه الحالة- تستفيد كثيراً من متابعة نمو الأفكار التي أبدعها تيرانس مالتسيف. وعلى كل، فإن ما تتصف به هذه المشكلات من التسلط على الاقتصاد الأفرسيوي لا يفتأ يزداد مع ضغط زيادة السكان من ناحية، ومع ضرورات الاستثمار من ناحية أخرى بما أن الانتقال إلى المرحلة الصناعية لا يمكن أن يتم دون فائض في الانتاج الزراعي، والمفروض أن هذا الانتقال سيحدث مع تطبيق الاشتراكية على وسائل الإنتاج، كما يدل عليه التوجيه الحالي في الهند. ولكنا نصادف هنا المشكلة الثانية في الاقتصاد الأفرسيوي، وهي مشكلة المواد الأولية، وكما حدث في الأولى، يحدث في هذه المشكلة، حيث تتراكب العناصر الاقتصادية المحضة فوق العناصر النفسية، التي لا يلزمنا أن نعود هنا إلى الحديث عنها. ويبقى علينا أن ننظر إلى زيادة الإنتاج الزراعي- الذي يشمل بقدر كبير جميع برامج التجهيز الصناعي- من الزاوية الاقتصادية المحضة.

стр. 161

ومن هذه الزاوية تواجهنا مشكلة تسويق المواد الأولية، فالبلاد الأفرسيوية مضطرة في الظروف التي توجد فيها الآن إلى أن تصدر المواد الخام، تلك التي لا تملك وسائل تغييرها وتصنيعها في بلادها، ومن هنا تكون مرحلة جديدة في مواجهة هذه البلاد لمحور واشنطن - موسكو، هنالك حيث تقوم صناعات التحويل والتغيير، وتلك هي المواجهة الاقتصادية التي تظهر نتائجها بصورة طبيعية في الميزان التجاري لتلك البلاد خاصة في الخسارة التي بلغت ١٦% في دخلها الكلي- كما ذكرنا آنفاً- خلال السنوات التي أعقبت تحررها. ونحن نصادف مرة أخرى هنا مشكلة (الوعي الاقتصادي) والتخصص الفني، أعني مشكلة توجيه الثقافة وتكوين الإطار الاجتماعي. ولكن بصرف النظر عن هذه العناصر الداخلية التي يجب أن نضيف إليها نتائج الأحداث الثورية التي أدت إلى التحرر، مع تفاوت في درجتها الثورية، فإن الخسارة تنتج أيضاً بقدر ما عن ظروف السوق الدولية. وبالنسبة إلى هذا الجزء من المشكلة تواجهنا مشكلة تسويق المواد الأولية؛ وهي تواجهنا أولاً بمنطق البورصات، بكل ما يحمل هذا المنطق من اصطناع ومكيافيلية وتزييف. وبدهي أن تسعير البورصة يبدأ من علاقة (المادة الأولية بالعملة) تلك العلاقة التي يحددها سعر البورصة. ولكن السعر لا تحدده العناصر الاقتصادية الخاضعة لقانون العرض والطلب فحسب، بل إنه يتحدد أيضاً بعناصر غير اقتصادية تفصح عن اعتبارات مالية، وسياسية، واستراتيجية، أعني: الإرادة الخاصة لأحد الأطراف وهو مَن في حوزته العملة، وهذا ينطبق انطباقا تاماً على البترول مثلاً، فإن هذه العناصر الأخيرة المذكورة هي التي تحدد وحدها أسعاره، دون أن يكون للبلاد المنتجة للمادة حق إبداء رأيها، فإذا انتقلنا عملياً إلى السوق الدولية، وجدنا الأمر قريباً من هذا. إذ تتحدد العلاقة بين المادة الأولية والعملة عملياً من طرف واحد: هو الترست ( Trust) الذي يحدد الأسعار بنسب تناسبه. وهكذا تخضع سوق المادة الأولية- دون مقابل- لسوق المال، ولإرادة رأس المال. وإنه من طبيعة هذا الوضع أن نرى في تلك الارادة، المقدرة بالدولارات والإسترليني، الفلسفة التي كانت تقود

стр. 162

منذ عهد قريب الاستغلال الاستعماري، فهي تحاول اليوم لأسباب مالية واستراتيجية إبقاء (منطقة رهو) في البلاد المنتجة للمادة الأولية، تتفق مع التيارات التجارية ومع التيارات السياسية العالمية أي مع مصالح البلاد ذات الطاقة الاقتصادية العالمية وتسعير القطن المصري، والكاوتشوك والتوابل في أندونيسيا، والأرز في بورما، إنما يتحدد طبقاً لمقتضيات هذه التيارات، وفي خضم هذه الظروف التي تموج بها السوق العالمية تواجهنا مشكلة تسويق المادة الأولية. والضرر الذي يصاب به الاقتصاد الراهن القائم على أساس النقد إنما يأتي من أن العلاقة بين المادة الأولية والعملة إنما تحددها العملة نفسها. فمثلاً ليس هناك أي سبب ظاهر لأن يكون سعر (الحلفا) الجزائرية- وهي مادة أولية- أقل ثلاثين أو أربعين مرة من سعر منتجاتها- عجينة السليلوز والورق- المصنوعة في إنجلترا، ليس هناك سوى سبب واحد يتصل بالعلاقة بين الحلفا والجنيه الاسترليني، وذلك هو فائدة الصناعة الإنجليزية والعامل الإنجليزي، وهكذا تكبد ساعة العمل التي يؤديها العامل الإنجليزي العامل الجزائري كثيراً، إذ إن الأول إنما يفضل الثاني بالعملة. على حين لا يمثل الثاني سوى المادة الأولية. وقد لفت هذا الشذوذ أنظار بعض المراقيبن لاقتصاد الشمال الإفريقي حين لاحظوا أن سعر الطن المصدر من المادة الأولية كان مثلاً في مراكش عام ١٩٣٨م (٦٠٠ فرنك)، بينما يصل سعر الطن المستورد من المنتجات المصنوعة إلى (٢٣٠٠ فرنك). وملاحظة هذه الأرقام باعتبارها متوسطاً كلياً، لها دلالتها، ولكنها لا تترجم تماماً عن الواقع الاقتصادي في مستوى العامل المراكشي، بل في مستوى رجل الأعمال الأوروبي الذي يصدر المادة الأولية المراكشية، أما في مستوى العامل المراكشي، أو مستوى مقتلع الحلفا الجزائرية، فإن أسعار الطن المعد للتصدير يجب أن تهبط إلى الثلث، وأيضاً إلى الربع من هذه القيمة لكي تطابق الحقيقة.

стр. 163

وأياً ما كان الأمر، فلكي نعالج تسلط العملة على المادة الأولية فإن من الواجب أن نحرر المادة من العلاقة التي تخضعها لظروف السوق الراهنة. ويبدو أن بعض البلاد الأفرسيوية قد عقدت فعلاً عملياتها التجارية الأخيرة على أساس علاقة لا تنفرد العملة فيها بتحديد قيمة المادة الأولية، فلقد تمت هذه العمليات على أساس مقايضة (مادة أولية بمادة أولية) أو (مادة أولية بتجهيز صناعي) فبادلت سيلان على هذا الأساس محصول الكاوتشوك مقابل الأرز الصيني، وبادلت مصر قطنها مقابل التجهيز الصناعي، وبصفة عامة تقوم عمليات تبادل البلاد الأفرسيوية مع الشرق على أساس ذي طبيعة أخرى، وهو ما يمكن أن يتضح بقدر كبير في هذه العلاقة: .......... مادة أولية - عمل .......... ومن الممكن أن تتم المبادلات مع الغرب على الأساس نفسه، وإنما هنا نصطدم بـ (كتلة نقدية)، تلك الكتلة التي كشفت في قضية البترول الإيراني عن إرادتها في أن تظل سيادة العملة على المادة الأولية، ولكن البلاد الأفرسيوية تستطيع أن تستلهم من هذه السياسة الاقتصادية سياسة أخرى معارضة لها. بأن تنشئ في مواجهة (الكتلة النقدية) (كتلة المادة الأولية). وبعبارة أخرى، إذا كان مبدأ الاقتصاد الموحد صادقاً في الميادين الزراعية والصناعية في الاقتصاد الأفرسيوي، فإنه أيضاً صادق في ميدان تسويق المواد الأولية لمواجهة الاستراتيجية المالية للترست بصورة فاعلة، وبصفة عامة لمواجهة إرادة القوة، خاصة إذا ما كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لعلاج بعض ألوان الشذوذ العرضي في سوق المواد الأولية. فعندما يتعرض الكاوتشوك، وهو عامل طفرة للنمو الاقتصادي في بلاد جنوبي شرقي آسيا، لنكسة في الوقت الذي تدل فيه الإحصاءات على زيادة مستمرة في منحنى استهلاكه، فتلك ولا شك حالة تدل على وجود أعراض مرضية.

стр. 164

وفي ظاهرة كهذه يمكن أن ندرك- بداهة- تأثير العوامل غير الاقتصادية التي تحرف القانون الطبيعي للعرض والطلب، وهذه العوامل ترتبط- كما هو ظاهر- بتحكيم السياسة في مشكلة التبادل بين بلاد (الكتلة النقدية) والبلاد المنتجة للمادة الأولية، فإن بلاد (الكتلة النقدية) تريد أن تطبع على هذه المبادلات الاتجاهات المناسبة لخطها السياسي الخاص، ولا يمكن تعديل هذه الاتجاهات إلا بتنظيم حكيم لسوق المادة الأولية ولتسويقها بوساطة البلاد الأفرسيوية، تبعاً لمبدأ الاقتصاد الموحد. ولكنا نلاحظ أن هذا المبدأ- في جميع مناطق الاقتصاد الأفرسيوي حيث بينا ملاءمته لها- يتفق فعلاً مع المبدأ الأخلاقي الأساسي للفكرة الأفرسيوية، أعني مع الفكرة (عدم العنف). إذ لا يتصور في الواقع أن نواجه مشكلة اقتصاد موحد في منطقة لم يزل عنها خطر الحرب نهائياً. فإن المرء لا ينشئ شركة مالية مع رفيق لن يسير معه إلا جزءأً من الطريق. وهذا الاعتبار يبرز شذوذ بعض الحكومات في الرقعة الأفرسيوية حين تنساق في سياسة الكبرياء، فتضع المشكلات في لغة القوة، في مجال ينبغي عليها فيه أن تصوغها بلغة (البقاء)، بحكم الضرورات الداخلية في تلك البلاد، وبحكم اتجاهها في الظروف الحاضرة المتسمة بإلحاح اعتبارات السلام. وبالنظر إلى هذه الاعتبارات الملحة يصبح الاقتصاد عنصراً جوهرياً يحدد وجهة الفكرة الأفرسيوية: فهو يصبح في هذا المستوى- إلى جانب كونه وسيلة الشعوب الأفرسيوية للحياة- وسيلة لها كيما تتحمل رسالتها الداعية إلى السلام، التي تقع على عاتقها في مواجهة الكتلتين. ويستطيع الاقتصاد الأفرسيوي- حين يجر هذه البلاد إلى منافسة تحمل طابع التعايش- أن يتحاشى تحول المنافسة الاقتصادية إلى وضع انفجاري، ولقد أوضح مشروع بناء خزان أسوان أن هذه المنافسة يمكن أن تكون مثمرة خصبة لو فهمها الكبار، وذلك عندما ينفون عنها ما يمكن أن يخلع عليها صبغة حادة

стр. 165

منفعلة، وذلك هو ما فعلته الحكومة المصرية، ومن بين الاقتصاديين المشهورين الذين يفكرون في تأثير هذه المنافسة الاقتصادية في علاقات الكتلتين إحداهما بالأخرى، نرى مثلاً مسيو ألفريد سوفي ( Alfred Sauvy) في فرنسا يقول: ((إن من الممكن وجود نقطة التقاء بينهما في الجنوب البائس)) (١). فمن الممكن أن تلتقي روسيا بالغرب في الرقعة الأفرسيوية، وبهذا تتلاحم حلقة الوحدة الإنسانية على محور طنجة - جاكرتا في الميدان الاقتصادي. وحبذا لو أدركت الشعوب الأفرسيوية في الوقت الذي تكوّن فيه وعيها الاقتصادي القيمة التاريخية لهذا الوعي، في العالم الحالي، كعنصر من عناصر التقدم والسلام. ...

стр. 166

الجزء الثالث رِسَالَةُ الفِكْرة الأفرسْيَوِية - فكرة الأفرسيوية والتعايش - فكرة الأفرسيوية والعالمية - العالم الإسلامي وفكرة الأفرسيوية - أوروبا وفكرة الأفرسيوية - نتيجة البحث

стр. 167

فكرة الأفرسيَوية وَالتَّعَايش لقد رفعت الحضارة الغربية طاقة الإنسان إلى مستوى غير مألوف، وعندما وصلت هذه الطاقة إلى درجتها تلك، قلبت كل حقائق التاريخ، وأدخلت فيه عنصر قوة يطبعه بطابع الشمول، وبذا وجدت الشعوب جميعاً نفسها وكأنما تقلها سفينة واحدة إلى مصير واحد فهي تشعر شيئاً فشيئاً بفضل التطورات الصناعية الحديثة، خاصة في الميدان الذري، بأن عليها أن تجتاز مجتمعة بعض المراحل الحاسمة، وأن تعالج مشتركة بعض المشكلات الجوهرية وهكذا نرى أن عهد تحلل المادة يتفق مع عهد التجمع الإنساني، إذ لم تعد هنالك جزيرة الفردوس التي يمكن للإنسان أن يعيش فيها منعزلاً عن تيارات الأحداث. لقد صنعت الحضارة الغربية عالماً يترابط الناس فيه ويتعارفون على الخير وعلى الشر، وقد يؤثر عامل القوة في كلا الاتجاهين دون تمييز كأنه قوة عمياء لم يتحدد توجيهها. بينما غذى أثرها خيال الأجيال في العالم منذ عهد جولس فيرن ( Jules Verne) إلى عهد ولس ( Welles) مقدماً لأسلوب القصص العلمي مادة لا تنفد من التصور والإلهام في الوقت الذي كان يسجل في الأنفس نتائجه المتناقضة. وهو بقلبه للأوضاع التي سبق أن خلقها، لم يكف عن أن ينمي في تاريخ القرن العشرين عجيبته الهائلة، حيث أوجد فيه جميع عناصر الأزمة النفسية والزمنية الراهنة في الوقت الذي يفرض فيه جميع ظروف حلها. وإنما ترجع هذه الغرابة إلى أن عنصر القوة- حين يحقق نتائجه على المحورين في وقت واحد، ينشئ بينهما أفعالاً وردود أفعال متبادلة تتسجل في تطور العالم الراهن كأثر مباشر وأثر مضاد ناتجين عن تلك الحضارة.

стр. 168

تلك هي (القوة) التي حددت- بلا جدال- خلال القرن الماضي علاقات الإنسان على محور طنجة - جاكرتا بالإنسان على محور واشنطن - موسكو، كعلاقات بين مستعمَر ومستعمِر. ولكن بينما كان من المتوقع بالنسبة إلى هؤلاء الخصمين بقاؤهما مسيرين كل منهما إلى ما قسم له، بحيث يسيران في وضع (تواز) مستمر يمثله خطا القابلية للاستعمار والاستعمار. إذا بهما ينتهيان إلى ميدان تتقاطع فيه قوى التطور، وسبب ذلك هو الانقلاب المفاجئ الذي طرأ على الحالة بفعل ما أسميناه بالتأثير المضاد الناتج عن القوة. ومن الطبيعي أن تظهر نقطة التقاطع لعيني الخبير الاقتصادي في الميدان الذي تتحكم فيه القوى الاقتصادية، ففي فرنسا مثلاً يرى ألفريد سوفي ( Alfred Sauvy) أن نقطة الالتقاء ... إنما هي في (الجنوب البائس) أي في الاتجاه الذي يحدد التيار الاقتصادي العالمي الراهن الذي يتجه من مناطق (الإنتاج) في الشمال إلى مناطق (الاستهلاك) في الجنوب. وهناك عوامل ثقافية واجتماعية يمكن أن تحتم أيضاً هذا الاتصال. كان يحدث هذا أحياناً في صورة طفرة ثورية، ومن الأمثلة على ذلك ثورة (القصر) التي أسقطت ملوك الشوجون ( Shoguns) عن العرش ونصبت عليه الميكادو ( Mikado) فتخلصت اليابان هكذا من حالة القرون الوسطى والقابلية للاستعمار، فدخلت في حلبة الاستعمار؛ لأن الاتصال في القرن الأخير لم يكن ليتم إلا هكذا، أي على محور (القوة) طبقاً للوضع الغربي، وإن الظاهرة لتستمر في تتابعها مع تحول هذا الوضع بصورة معجلة إلى وضع عالمي، وها هي الصين تجتاز اليوم المرحلة نفسها بثورتها الشعبية طبقاً لقانونه. فالظاهرة هي عالمية الحضارة الغربية التي تطرد بدافع من (قوتها) الخاصة، ومن تطور الشعوب التي تعيش على المحور الآخر ((ولكن الاتجاهين لا يتضايفان، بل إنهما في حالة معينة يتطارحان، فالأثر يحد أحياناً بالآثر المضاد، أي إن القوة

стр. 169

التي خلقت في القرن الماضي الامبراطورية الاستعمارية، هي في طريقها إلى أن تفقد اليوم سلطتها على المستعمرات في اللحظة نفسها التي تبلغ فيها القمة باكتشاف الطاقة الذرية. ولكن الخسارة في مجال السيطرة يعادلها تماماً كسب في مجال الاتصال الإنساني، فإن التطور غير المتقاطع (المتوازي) للاستعمار والقابلية للاستعمار، كان ينطبق على الانفراد (بالقوة) التي كانت في حوزة أوروبا تتيح لها تلك الفتوحات المخيبة للآمال؛ لأنها كانت عارية عن أية أهمية إنسانية، حيث كانت منذ عشر سنوات فحسب لا زالت توحي بموضوعات تترجم عن خيبة الظن، كذلك الموضوع الذي كتبه كاتب إفريقي مشهور تحت عنوان معبر هو ((اللقاء المستحيل)) (١) وهو أن تطوراً متقاطعاً بدأ يتحقق شيئاً فشيئاً خلف هذا التطور، حيث يقرب بين المحورين اتجاه مشترك، ولقد تجلى هذا الاتجاه المشترك في صورة إرادة بعث جديد على كلا المحورين، وكان ذلك عندما شعر أحدهما بالسقوط ألاجتماعي الذي يعانيه وشعر الآخر بالسقوط الروحي الذي كاد يرديه. وإن هذه الارادة التي لم تع تماماً حقيقة نفسها في مجموعها لتعتبر ضمان النجاح النفسي الأكيد للتعايش، وهو الهدف الجوهري الذي تتجه إليه سائر التطورات الأخلاقية والاجتماعية التي تجري في العالم الآن. ولقد تخفي هذه الظاهرة الأساسية للتعايش بعض الظواهر السطحية السياسية الناتجة عن المرحلة الثورية التي نمر بها ولا شك، فإنه من الصعب علينا أن نفسر الانقسامات السياسية التي تتوالى منذ عشر سنوات في نطاق (اللإمبراطورية الاستعمارية) على أنها أعراض للتقارب بين الشعوب المستعمِرة والمستعمَرة، فلو أننا اقتنعنا بالبرهان المؤقت، فقد يكون من الصعب أن نبرهن على أن تلك الانقسامات السياسية التي منحت الهند وأندونيسيا استقلالهما قد أنتجت حركة تقرب هذين البلدين من إنجلترا وهولندا على وجه الخصوص.

стр. 170

أما بصفة عاجلة فإننا نرى فيها ما يشبه حركة تدفع عن المركز، بحيث يدفع أثرها عناصر العالم. مما يشبه الانفجار الذي يبعد بعضها عن بعض. ولكن هذا المظهر السياسي المؤقت يندمج- في سياق التاريخ- مع شروط أولية لحركة إعادة تركيب العالم، على أسس منزهة عن الاستعمار والقابلية للاستعمار. وبذا يبدو التحلل الذي يعانيه العالم اليوم في هذا الاتجاه، وكأنه مرحلة أولى ضرورية لحركة مركبة يجب أن تنتهي إلى وحدة العالم، تلك التي يفرضها عامل (القوة) كقدر محتوم جار على تطوره. ولكن معنى هذه الوحدة إنما يتمثل في المضمون الذي يمكن أن تصوغه القوى الروحية والقوى المادية التي تصنع تاريخ القرن العشرين. (فالقوة) المسيطرة، و (الروح) المحررة المطلقة هما هنا طبعاً في صراع، والتركيب الحيوي النهائي إنما يكون نتيجة مساهمتهما في هذا الصراع. بحيث يؤدي هذا الصراع إلى عهد جديد من عهود السيطرة، بطلاه هما الرجل المستعمِر والمستعمَر، أو إلى عهد من عهود التحرير ونهوض الرجل الحر. أياً ما كان الأمر فإننا أمام عملية (تحلل وجمع) على كلا المحورين في وقت واحد مع احتفاظها بخصائصها في كليهما. إن التاريخ الذي فقد توازنه في الحقبة الراهنة بفعل الحربين العالميتين جاد في أن يجد مركز ثقله الجديد. ولكننا نجد على محور واشنطن - موسكو، حيث إن القوة كانت قد حددت مركز ثقله التقليدي في القرن التاسع عشر، نجد الآن عوامله الجوهرية المحركة التي تفسر لنا تقلبات الحالة الراهنة في العالم، مع أن هذه العوامل لا تكفي وحدها في تفسير هذه التقلبات، فالواقع أنه يجب أن نأخذ في اعتبارنا بعض العوامل الأخرى التي تؤثر منذ عشر سنوات على اتجاه العالم في صورة دوافع أخلافية، ترد إليه من المحور الآخر، وهي تترجم عموماً عن رد الفعل لديه إزاء عامل ((القوة)) وهذا التعارض بين (أثر القوة) و (أثرها المضاد) هو الذي عقد تطور هذه الحقبة، وعقد الحالة الراهنة بدرجة كبيرة.

стр. 171

فالأزمة من أساسها قد انعقدت على تناقضها، وهي تصل بهذا التناقض إلى قمتها أي بالأثر والأثر المضاد عندما يصلان إلى منتهى الشوط في النمو الطفري المفاجئ للحضارة، باكتشاف الصناعة الذرية. فأصبحت نتائج هذه الصناعة وآثارها في الإطار النفسي تكون من ناحيتها بوادر حل الأزمة. فالأسلحة الذرية بأثرها المباشر كانت الحجة البالغة لكل ما يتصل بالناحية الاستراتيجية، ولكنها بوساطة نوع من الأثر المضاد قد أصبحت أقوى حجة في موضوعات السلام، فقد برهنت في الواقع بطريق الإحالة على استحالة قيام حرب عالمية ثالثة. التي كانت تعد النهاية الطبيعية (للحرب الباردة). ولكن هذه الاستحالة- التي ندركها في الإطار المادي- ستكون قليلة الأهمية إذا لم تمس في الوقت نفسه النظام الأخلاقي أي إذا لم تكن سوى واقع مادي، تسجله النظريات الاستراتيجية والسياسية في ميدانها الخاص، والواقع أننا نرى هذه الاستحالة تتسجل أيضاً في نفسية العصر، مؤكدة في ضميره ضمناً وبصورة درامية، النقطة التي يلتقي فيها المحوران لقاءً فكرياً. وهكذا تجد وحدة العالم قاعدتها الفكرية في هذه الاستحالة التي لا تدع للإنسانية أدنى قسط من الاختيار، حيث تفرض عليها فكرة (التعايش) الجديدة. فالتعايش ضرورة؛ لأنه لا يوجد مخرج غيره من الأزمة. هذه الفكرة التي تعدّ من الناحية التاريخية إجابة الضمير الإنساني على تحدي (القوة) تشير إلى أن التطور النفسي على محور واشنطن - موسكو قد انتهى عملياً إلى مبدأ عدم العنف. ذلك المبدأ الذي ألهم دون شك اجتماع باندونج. وهو أيضاً المبدأ الذي تتضمنه فكرة (التعايش) إذ هي تعني في مفهوم السياسة أن الكبار تنازلوا عن اللجوء إلى العنف لحل منازعاتهم. هذا الالتقاء لم يحدث اعتباطاً، بل هو دفعة من دفعات اللاشعور، تدل دلالة عارضة في الواقع السياسي على التأثير الغامض الشائع الذي يتمتع به مبدأ غاندي في العالم الراهن.

стр. 172

إن لعدم العنف قصته وتاريخه، أما قصته فإنها تغوص في أعماق الجائينية ( Jainisme) التي صنعت مبادئها الجوهرية قبل التاريخ المسيحي بثمانية قرون على يد المشروع الثالث والعشرين لسلالة تيرتانكرا ( Tirthankaras) (١) المشهورة، الذي نمَّى الفكرة الجائينية حتى عهد المهافيرا ( Mahavira) الزعيم الأخير لتلك الديانة، وهو المعاصر لجوتاما بودا ( Gautama Bouda) صاحب البوذية. فالمبدأ الأولي في القانون الذي سنه هذا المشرع كان على وجه التحديد مبدأ (الحمسا Ahimsa) ، الذي نعرفه في اللغات الحديثة بمبدأ عدم العنف. وأما تاريخه فإنه يتصل بالعالم الحديث، وقد بدأ مهمته مع بدء هذا القرن في قرية صغيرة من قرى جنوب إفريقية. والحق أن كثيراً من التيارات الروحية يبدو أنها قد انتهت إلى ضمير غاندي في تلك القرية الصغيرة، فمؤرخو (عدم العنف) لا يفتؤون يذكرون هذه التيارات بأحمائها، حين يتحدثون عن أن غاندي يدين بأفكار هنري داود تورو ( Henry David Thoreau) (٢) المبسوطة في مؤلفه (العصيان المدني Civil Disobedience) ، من ناحية، ولأفكار تولستوي ( Tolstoi) من ناحية أخرى. وتبعاً لهذه النظرية يمكننا أن نضع تخطيطين تاريخيين لتباين التاريخ الحديث لفكرة عدم العنف، فإما أن نعدّ تخطيط تورو- غاندي- ساتياجراها (طريق الحقيقة)، وإما أن نعدّ تخطيط تولستوي- غاندي- ساتياجراها، وإما أن نضمهما معاً في تخطيط واحد، وهناك من المؤرخين لسيرة غاندي من أخذ بهذه الطريقة. ومع ذلك فيبدو لنا أن من الأولى هناك أن نطبق تخطيطاً نفسياً يحل محل التخطيط التاريخي مهما كانت قيمته. فتاريخ عدم العنف إنما يفسر في الواقع بطريقتين، فإما أن نفسره بتيار روحي على احتمال أنه مر بضمير تورو، ولكنه

стр. 173

تخلق من البهاجافاد- جيتا، حيث إن الشاعر الأمريكي قد قرأها، وتمثل روحيتها، كما تمتلها غاندي نفسه. وإما أن نفسر بتيار روحي آخر يمكن أن نسجل ميلاده في ضمير تولستوي في تلك المطامح التي عبر عنها في كتاب (الحرب والسلام)، ولكن يجب أن نذكر في هذه الحالة أن الفكرة لم تصبح واقعاً تاريخياً إلا في بيئة الحمسا ( Ahimsa) التي أحتضنتها، ومن خلال ضمير غاندي الذي تغذى بالبهاجافاد- جيتا. وإذن، فإن التخطيط النفسي يشرح لنا من كل وجه عناصر التخطيط التاريخي أو يكملها، وربما استطعنا أن نوفق بين التخطيطين بالتوفيق بين إجابات غاندي نفسها وبين ملاحظات أولئك الذين يريدون أن يروا في مبدأ الساتياجراها تأثير تورو أو تولستوي. ولقد بيَّن غاندي بنفسه، وأكد تاريخه بعد ذلك، هذا البيان، وهو أنه قد خط بنفسه طريقه في هذا الميدان تم اتبعه. فتاريخ عدم العنف على كل حال يتصل بالعالم الحديث. فلم يقم عبثاً غاندي خلال نصف قرن بصلواته وبصيامه المتكرر أمام العالم، فلقد كانت هذه الدراما أروع الشاهد تأثيراً وإنشاء في القرن العشرين، لأنها غذت بلا جدال نفسيته وروحيته وضميره بما أوحت لرواده مثل رومان رولاند ( R. Roland). والحق أن القصص المؤثرة في مجموعة مواقف المهاتما، حتى قصة موته المؤلمة لتعدّ تتابعاً لتاريخ (الضمير) المعاصر على شاشته الخاصة: أي تتابعاً لملحمة عدم العنف التي ترجم عليها كبار الكتاب. ولا شك أن هناك سبباً عميقاً لما حدث في شهر أغسطس ١٩٣٩م في صبيحة إعلان الحرب العالمية، فقد تحول دير غاندي ( Ashram de Sevagram) إلى مقر للقيادة العليا لمبدأ عدم العنف. حيث استقبل من كل فج في العالم إشارات تطلب النجدة المستيئسة لانقاذ آخر فرصة من فرص السلام، ولقد كانت دعوة سيدتين أمريكيتين معبرة تماماً بلهجتها الإنسانية السامية. لقد ذكرت هذه الرسالة المهاتما بأن (العالم) في حاجة إلى قيادة وحيث كان في نظر السيدتين من

стр. 174

اختصاص غاندي أن يتخذ قراراً في هذا الموضوع، فإنهما قد توسلتا إليه في ((أن يعبر لقادة العالم، ولشعوبه عن ثقته التي لا تتزعزع في حكم العقل- لا في استخدام القوة ... )). فقد امتد إذن إشعاع (عدم العنف) إلى أبعد من دير المهاتما، وعبر الحدود متمثلاً في تيار ثقافي عالمي، منحدراً في (لا شعور) الإنسانية، متدفقاً في أفعالها وأفكارها، في تلك الظروف الرهيبة التي أعلنت فيها الحرب العالمية الثانية. ولا شك في أن من الصعب أن نتتبع مسير هذا التيار النفسي دون تردد لكي نقول ببساطة أن فكرة (التعايش) ليست إلا تدفقاً لعدم العنف على محور القوة، في الظروف الحساسة التي تحيط (بالحرب الباردة) ولكن فكرة (عدم العنف) قد رحمت طريقها في العالم ببعض السمات والمعالم، فإذا بنا نجد هذه السمات في أماكن غير متوقعة، وذلك حينما تتدفق في صورة انبثاق سياسي من لا شعور الأفراد أو الشعوب. كما رأينا في اليابان، ذلك البلد الذي كان مثله الأعلى في الحرب متمثلاً في أقصى صوره في سمات ساموري ( Samourai)، ( البطل التقليدي في اليابان)، لقد كشفت استفتاء حديث عن مظهر سياسي جديد تماماً، إذ تمنى بعض اليابانيين حين أخذت آراؤهم في إعادة تسليح بلادهم لإقحامها في جهاز الدفاع عن منطقة الباسفيك وعن ما يتوقعونه لهذا العمل، تمنوا ألا تلجأ بلادهم في الدفاع عن نفسها إلى سلاح غير (عدم العنف). وكذلك فعل الألمان عندما نوقش (اتفاف باريس) على قبول ألمانيا في منظمة حلف الأطلنطي، لقد أبدوا التحفظات نفسها، والأماني نفسها، التي تدل على أن الطبقات الشعبية ليس لديها أي حماس لإعادة تسليح بلادهم. ففكرة (عدم العنف) تبرز إذن في محيط السياسة الدولية وفي محيط السياسة القومية. يظهرها ضغط عناصر القوة، كما يظهرها تحدي هذه القوة، حتى كأنها إجابة اللاشعور على مرارة ظرف خطير ذي ملابسات قاسية. وإن شبحها لهو الذي بدا على ذلك المنعطف الحاسم في الحرب الباردة لكي يجيب

стр. 175

على أخطر تحد وجهته القوة لضمير الإنسانية. ولقد كان (التعايش) صورتها السياسية على محور واشنطن - موسكو، حتى كأنها شبح جديد للحمسا خارج مسقط رأسها. فالرسالة العالمية لفكرة (الأفرسيوية) تبدأ إذن في ظل هذا التحول الذي يحمل إشعاع روحها الأخلاقي إلى محور القوة. وستبدأ عملياً طريقها مع تأكيد مبدأ (الحياد) الذي التزمته الهند، تلك التي أثرت تأتيراً حاسماً على مجرى الأحداث خلال السنوات العشر الماضية، فيما يتصل باتجاه السياسة الدولية، وبالتطور الذي قاد الشعوب الآفرسيوية إلى مؤتمر باندونج أي إلى قاعدة الفكرة الأفرسيوية، وقاد محور القوة إلى مؤتمر جنيف أي قاعدة فكرة (التعايش). ومن الوجهتين الأخلاقية والسياسية يعدّ حدوث هذين المؤتمرين امتداداً لمبدأ (عدم العنف) في صورته الأخلاقية على محور طنجة - جاكرتا، في باندونج، وتطبيقاً له على محور واشنطن - موسكو، في جنيف، في صورة سياسية. فقد سجل المبدأ إذن تطوراً مزدوجاً يهدف من ناحية إلى خلق أصول حضارة، ويهدف من ناحية أخرى إلى التقريب بين مقاييس العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي، وربما بقي لدينا بعض الريب فيما يتصل بهذا التقريب، إذا ما لاحظنا حالة التوتر العصبي التي تعانيها الأفكار على محور القوة بتأثير (الحرب الباردة) حيث نرى أن نظرية (التعايش) لا تمثل لدى المسؤولين الرسميين، أي لدى الرجال الذين يحكمون، تنازلاً حقيقياً عن فكرة العنف، بل هي تمثل مجرد عجز بيّن عن إيجاد المبررات لاستخدام القوة. فالأمر لا يعني لدى هؤلاء المسؤولين تحولاً عن مبدئهم وإنما مجرد تغيير في التكتيك. وربما لاحظنا في هذا المجال قدراً أقل من الشك والريبة عند الجانب الشيوعي. فهم يؤمنون- بسبب اتجاه الفكر الماركسي- بحدوث التغير دائماً، لأنهم يؤمنون- كما يقال- بالتاريخ. ولكن مقدار الشك لدى قادة الكتلتين كاف في تشويه فكرة التعايش إذ يرى البعض أنها نوع من الاتفاق على وضع استقرار يصون مصالح معينة أمام

стр. 176

الستار الحديدي وخلفه، اتفاقاً يتضمن في نظرهم علاقات الكبار وجهاً لوجه بالشعوب الأفرسيوية طبقاً لمصالح الأولين، في عالم مسير يقره هذا الاتفاق في وضع الثالوث الجغرافي السياسي، أي في صميم أزمته. وتحت هذا الشكل السطحي يفقد مفهوم التعايش تأثيره وقيمته التاريخية بفقدانه لمعناه الأخلاقي، وربما يخفي هكذا داخل غلافه المفهوم القديم لـ (مناطق النفوذ) تلك الفكرة القديمة للميثاق الاستعماري، ولكنها فريدة ومنقحة في صورة (الاستعمار المشترك) ولقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في قضية تسليم الأسلحة التشيكوسلوفاكية لمصر، حيث فسر هذا الحدث في بعض الأوساط على أنه خيانة لفكرة (جنيف) - كما سبق أن بينا- وربما خامرت أفكارهم نية إثارة مشكلة الشرق الأوسط من جديد، كما أوحت بذلك الصحافة بين الأسطر لولا أنهم لا يرغبون في إدخال شريك مخالف غير مرغوب فيه في قطاع هو (منطقة النفوذ الأنجلوسكسوني) في لغة الدبلوماسية في القرن التاسع عشر. إن مافهوم (التعايش) الجامد لا يمكن أن يكون ذا تأتير فعال في العالم الذي يجتاز أزمة لا تحل- مهما كان الأمر- دون تغييرات فعلية تنافي كل جمود، ودون تحولات واقعية وعميقة في التكوينات العالمية الموروثة عن القرن التاسع عشر. ولو لم يكن هناك سوى الخوف الذري. فمن المؤكد أن مفهوم فكرة جنيف لا تكون بهذا المضمون سوى صورة من صور الجبن الدولي، وهو أبعد شيء عن فكرة (عدم العنف) وعن وصية غاندي الروحية. والواقع أن التعايش يتجاوز التأويل الرحسي، والتفسيرات السياسية، فإن تأثيره على الحالة العالمية لا ينبثق من هذه التفسيرات، بل من طبيعة الأشياء نفسها، وفيما يتوقع لهذه الأزمة التي يجتازها العالم يعدّ التعايش في الواقع الإمكان الوحيد لحلها. وفي هذه الصورة من التعايش الديناميكي (الإيجابي) التعايش الذي يتبع

стр. 177

حركة التاريخ، تقترب فكرة جنيف من فكرة عدم العنف، حتى كأنها ظلها على محور القوة. ولقد سبق أن دخل هذا الظل في الحياة العقلية على هذا المحور، بحيت أنتج أدباً كاملاً يبدأ من القصة التي تحتوي تكهنات عن الحياة الأرضية وحيث نجد موضوع التعايش يحوطه القليل أو الكثير من التشاؤم، كما أنتج أيضاً دراسات قانونية مضنية يريد القائمون بها تعريف أسس (المعايشة) التشريعية. ففكرة جنيف تنمو إذن مع هذه الحركة العقلية التي تمتد تدريجاً من الميدان السياسي، إلى الميدان الفكري الخالص في الفلسفة، والقانون، والاجتماع، والأخلاق. وكلما امتدت هذه الحركة، يضيف موضوع التعايش إلى مضمونه ثروة، ويزداد مفهومه تحديداً وعمقاً بحيث يتجاوز المعنى السطحي الذي خلعه عليه التفسير الرسمي. وربما لا يكون من الغريب أن يمتد إلهامه إلى الميدان الفني، وأن يجد الفنان العبقري مثل (بيكاسو Picasso) ليترجمه في أسلوب الوجودية السياسية. إن سبل التاريخ تمر بفكر البشر، وسيمر (التعايش) ضرورة بهذه السبل، كيما يصير واقعاً تاريخياً. ومن اللازم ضرورة أن يمر بجميع المناطق، حيث الذكاء الإنساني على قدم الاستعداد ليصوغ الاجابة على تحدي القوة، وسيساعده على ذلك، ريح التاريخ المواتية، فلقد نزع موت ستالين من طريقه أخطر عقبة كانت تلقاه في مهمته السياسية، فلقد حال حكم الفرد زمنا طويلاً دون اتصال الشعوب على محور واشنطن - موسكو. وذلك بسبب حقيقته نفسها أو بسبب الأوهام المرعبة التي خلقها. فمع اختفاء ستالين تختفي النواة التي انعقد حولها (ذهان) الحرب الباردة، بحيث يبدأ من تصفية هذا الذهان عهد من التحرر النفسي، يسجل نقطة تحول في الظروف الدولية. لقد بدأ عهد التعايش- بصورة ما- رسمياً في عام ١٩٥٤م مع العيد السابع والثلاثين لتورة أكتوبر في موسكو. وسجلت هذه الملابسات في خطبة نائب رئيس وزراء السوفييت (سابوروف Sabourov) الذي

стр. 178

عرض الامكانيات التاريخية (للتعايش) والنتيجة العاجلة المتعلقة بإعادة إنشاء العلاقات العادية مع يوغوسلافيا قبل كل شيء. وكانت هذه هي قنبلة (التعايش) الحقة، ونفخته التي قلبت دبلوماسية الحرب الباردة كلها، فلقد حطمت الثلج بالنسبة إلى يوغوسلافيا أولاً، وأجاب تيتو ( Tito) على استهلال سابوروف، بأن أرسل برقية تهنئة إلى فورشيلوف. وبينما كانت مشاهد الأفراح تتتابع في ذكرى الثورة، كان الممثلون الدبلوماسيون للشرق والغرب يتعاطون الأنخاب في موسكو. وفي خلال مهرجان من تلك المهرجانات رجا المسؤولون السوفييت أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي في أن ينقل تمنياتهم إلى أمريكا، وبدأ حوار، كانت ألفاظه مخدرة بجو الحرب الباردة، مكبلة ولا شك بقيودها ولكن بدأ بالرغم من كل شيء ذلك الحوار على محور واشنطن - موسكو، وبدأت تهب رياح (عدم العنف) على هذا المحور، ونحن ندين لها بتلك البراعم النابتة في صورة التعايش التي رأوها فجأة تزدهر وتتفتح في مناخ ثلجي حتى في ضمير الرجل الذي كان داعية الحرب الباردة على الجانب الغربي، تشرشل نفسه صاحب خطبة فولتون ... لقد تراجع فجأة إلى الظرف الجديد، فأمده باقتناع الرجل الصلب العنيد، الذي يعلن فجأة: ((أنه لا يستطيع أن يؤمن بأن الجنس البشري لن يجد طريق النجاة)) فلو كان (التعايش) هو هذا الطريق لدى ذلك الفكر الموضوعي، فمن المقطوع به أن الوضع الدولي هو الذي فرض عليه هذا الاقتناع. فإن من الصعب فعلاً أن نرد دوافع هذا الرجل الكبير المسؤول إلى مجرد مبدأ أخلاقي. إذ لا شك في أن الأسباب السياسية العليا هي التي أوحت إليه بما قال، إن في تحوله إلى فكرة عدم العنف عوامل أخرى أكثر تعقيداً من مجرد المثل الأعلى الإنساني أو حب الإنسان لأخيه الإنسان، فلقد لعبت العوامل الزمنية في اقتناعه بلا جدال دوراً حاسماً. إذ إن النقصان في الخطر الستاليني، والزيادة في الخطر الذري بنمو الصناعة النووية قد مثلا فكرة التعايش في عقل تشرشل كنتيجة

стр. 179

لتوازن القوى الاستراتيجية بين الكتلتين، أي إنها كانت أولاً نتيجة سياسية ناشئة عن عنصر (القوة)، فبما أن فرص البقاء قد أصبحت ضئيلة حتى بعد إحراز نصر ذري، فلقد صار من المستحيل دون إعمال فكر الاستمرار في تطبيق نظريات كلوزوفيتز ( Clausewitz) لحل المشكالات المستعصية على الحل بالطرف السياسية، وتلك هي الاستحالة التي حولت الزعيم الإنجليزي وأقنعته بأن الجانب العسكري سقط حقه حين منحت الظروف السلطة المطلقة للسياسة، لكن هذا الاقتناع لم يتكون دون اعتبار جميع عناصر التطور السياسي الذي أدى إلى هذا السقوط ((فقد كان على تشرشل أن يأخذ في اعتباره عنصر (القوة) من ناحية، ومن ناحية أخرى: التيار الحيادي الذي سيطر بصورة سلبية- إن صح التعبير- على المشكلة الاستراتيجية، ولكنه تجلى أخيراً في صورة إيجابية في جميع نظريات السلام، التي صيغت تحت عنوان أو آخر منذ عام ١٩٤٥م)). ففكرة التعايش قد دخلت إذن ضمير رجل كتشرشل من طريق مزدوج أي على الأقل من طريق يمكن تعريفه (بعدم العنف) الذي ينطبق على التيار الحيادي وعلى مصدره الروحي. وإن فكرة التيار، الذي كان في بدايته قومياً كنهر الجانج ( Gange) قد امتد من طنجة إلى جاكرتا مندمجاً بالمحور الروحي للفكرة الأفرسيوية باعتبارها تعبيراً أساسياً عن روحها الأخلاقي، تم إنه قد تعاظم بفروع هامة فاضت به على محور القوة، وحياد يوغوسلافيا أحد هذه الأفرع، ويظهر أنه قد كسب أرضاً جديدة في اليونان أيضاً، ولقد نمت اتجاهات حيادية في بلاد أخرى كانت ولا تزال مرتبطة بسياسة الكتلتين (١).

стр. 180

وهكذا كلما تعاظم التيار الحيادي، تحولت عناصر القوة إلى عناصر عدم عنف، وتحولت وسائل الحرب التي تنفق وتخصص لها إلى اقتصاد للمسلام. وإذا اعتبرنا أن الحياد قد غير تغييراً سلبياً المشكلة الاستراتيجية على محور القوة نرى في الوقت نفسه أنه قد أتاح فرصاً إيجابية كثيرة للسلام. حين نقل عناصر القوة من الكتل البشرية والمواقع الجغرافية، والمواد من الميزانيات الاستراتيجية إلى ميزانيات التشييد الاجتماعي. وهو بإحداثه للفراغ النسبي من وسائل القوة في (منطقة الحرب) كوّن منها (منطقة رهو) وانخفاض في الضغط الجوي، قد تدع المجال إلى نسمة فكر جديد. وهكذا نرى التيار الحيادي- وهو أساساً (فكرة باندونج) - قد هيّأ بقدر ما الظروف السياسية والأخلاقية لجو دولي جديد، وهكذا تسجل طابع الروح الأخلاقي الأفرسيوي شيئاً فشيئاً، وبخاصة منذ مؤتمر باندونج في الظروف الدولية الجديدة، وإن التعايش ليدين له في الواقع بأكثر من كونه مجرد دافع روحي، وتوجيه أخلاقي غامض يشتمل على تنازل صوري عن اللجوء إلى القوة، بل إنه يدين له بعناصر أكثر تحديداً، ومن بين هذه العناصر نجد مضموناً نظرياً يجب أن يكون بصورة عملية المقياس الأساسي الذي تقوم عليه أعمال الدول في السياسة الخارجية. ولقد صيغت هذه النظرية في خطوطها العريضة على الأقل، في المبادئ الخمسة ( Panch Shila) وهي التي كانت موضوع البيان النهائي الصادر عن محادثات نهرو وشواين لاي (يونيه ١٩٥٤ م) في نيودلهي. والبيان الذي أكد عباراته في بكين في شهر أكتوبر التالي المتفاوضان ذاتهما هو في جملته نص أساسي لميثاق التعايش الدولي الموضح في خمس نقاط هي: الاحترام المتبادل لسيادة الدولة على أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، والمساواة في الحقوق، وفي المنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. ولقد صار هذا (المتن) نموذجاً وإطاراً للمناقشات الدولية خاصة في باندونج ... ثم إن الفكرة قد اكتسبت حيوية جديدة على محور واشنطن - موسكو، حين تكيفت لا تبعاً للجو السياسي في الوسط الجديد فحسب- ولكن تبعاً لحياته
следующие страницы →