← Тараджим

Тараджим · id 37651

جلال الدين السيوطي عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي

طاهر سليمان حمودة

Полный текст (419 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقول القائل: دهر علا قدر الوضيع به ... وغدا الشريف يحطّه شرفه كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلا ويطفو فوقه جيفه وقول القائل: وعاش بدعوى العلم قوم وما لهم ... من العلم حظ لا بعقل ولا نقل فوا عجبا للعلم يحرم رزقه ... عليم وللأغمار ترزق بالجهل «١» ويبدو أن حالة السيوطي النفسية وما عاناه من آلام تسبب في إذكاء نيرانها خصومة، وما آل إليه أمره بعد ترك وظائفه السابقة التي كانت تأتيه بنصيب لا بأس به من أوقافها، هذه الحالة قد دفعته لأن ينفث في رسالته تعبيرا عما يحس به داخل نفسه، وتخفيفا لآلامه. فهي تصور حالة نفسية في وقت من أوقات الشدة التي مر بها ولجأ إلى قلمه عساه يجد فيه صديقا يشكو إليه ألمه بعد أن اعتزل جميع الأصدقاء. ولا تخلو هذه الرسالة من مبالغات في وصف الفساد واتهام الخصوم، ويبدو أن الخليفة عبد العزيز المتوكل على الله الذي كان صديقا للسيوطي ومخالطا له في أكثر الأحيان قد آلمه ما آل إليه أمر صديقه، وكان يعرف عنه اعتداده بنفسه، فسعى له في تولي مشيخة البيبرسية. والواقع أن مشيخة البيبرسية- في ذلك الحين- كانت أكبر الوظائف التي يتولاها القائمون بالتدريس لأنها كانت أعظم الخوانق المصرية وأوسعها أوقافا، وأكثرها صوفية، ولا نستطيع أن ننكر أن السيوطي قد قرت عينه بهذا المنصب الجديد، وربما يكون قد سعى في سبيل الوصول إليه، ولعله كان يرى نفسه أكفأ وأصلح من غيره لأن يوضع في هذا المكان، وأيا ما كان الأمر فإن ذلك لا ينفي عنه نزعة التصوف الحقيقي التي كانت تخالط وجدانه والتي تمثلت في ميله إلى العزلة.

стр. 107

وبالرغم من الوظائف الجليلة التي تولاها السيوطي فإنه- على ما يبدو- لم يقنع بها بل كان يرى نفسه أهلا لأن يلي من الأعمال ما هو أجل مما وصل إليه لا سيما بعد أن بلغ من العلم مبلغا، وكانت وظائف القضاء- كما أشرنا من قبل- لها شأنها في المجتمع، وكانت وظيفة قاضي قضاة الشافعية التي يمكن للسيوطي باعتباره فقيها شافعيا أن يطمح إليها في يد الشيخ زكريا الأنصاري (٨٢٤ هـ- ٩٢٦ هـ) وكان أسنّ من السيوطي وقد تولى هذا المنصب منذ وقت مبكر (٨٨٦ هـ)، وكان معروفا بالنزاهة والعدالة والميل إلى الزهد والتمسك بالحق «١»، وقد قبل منصب القضاء بعد تمنع وإباء وقد مكث به نحو عشرين عاما حتى ضعف واعتزل بنفسه عام ٩٠٦ هـ «٢»، ثم أعيد إليه مرة ثانية، لذلك لم يشأ السيوطي أن ينافسه لزهده وعفته وصافته الحميدة التي جعلت منه صديقا له ومؤيدا في بعض المواقف «٣» وكان سلوك الشيخ زكريا لا يدفع أحدا إلى منافسته لا سيما أنه كان عزوفا عن الدنيا غير راغب فيها، مألفا يحبه الناس ويجتمعون إليه. لم يحاول السيوطي أن ينافسه في الوصول إلى منصب القضاء برغم صلاته القوية بالخلفاء وبعض رجال الدولة لما قدمنا من أسباب، ولأن هذه المحاولة من شأنها أن تسيء إلى السيوطي وتبغضه إلى الناس وإلى أولي الأمر إذا أقدم عليها. ولكن طموح السيوطي وتطلعه إلى منصب القضاء جعله يتخذ وسيلة أخرى لذلك إذ اتصل بصديقه المتوكل على الله الخليفة العباسي في ذلك الوقت (صفر ٩٠٢ هـ)، واقترح عليه أن يجعله رئيسا لجميع القضاة بمذاهبهم الأربعة، ولم تكن هذه الوظيفة معروفة بمصر آنذاك إذ إن قضاة كل مذهب كانوا يتبعون قاضي قضاة المذهب، وبذلك فإن أعلى مراتب القضاء كانت وظائف قضاة القضاة الأربعة، ولكن السيوطي أفهم الخليفة بأن وظيفته التي يقترحها كانت بمصر زمن الأيوبيين، وقد تولاها القاضي ابن بنت الأعز، وأن من حق الخليفة

стр. 108

أن يكلها إلى من يراه أهلا لذلك، ومن ثم فإن صاحب هذه الوظيفة تكون له السلطة على قضاة القضاة الأربعة فمن دونهم. وقد مال الخليفة إلى اقتراح السيوطي، وكان السيوطي في ذلك الحين قد بلغ مكانة علمية ممتازة فضلا عن مكانته الاجتماعية ونشاطه السابق ومشاركته في الحياة العامة بمصر، وأعلن الخليفة أنه عهد للسيوطي بهذه الوظيفة في صفر عام ٩٠٢ هـ «١». ولم يكن هذا التصرف- بطبيعة الحال- مرضيا للقضاة بل كان سببا لثورتهم ومعارضتهم وهاجموا الخليفة وقالوا: ليس للخليفة مع وجود السلطان حلّ ولا عقد ولا ولاية ولا عزل ولكن الخليفة استخف بالسلطان لكونه صغيرا. وكان السلطان آنذاك الناصر محمد بن قايتباي، ولم يكن يبلغ أن العشرين من عمره، وكان على ما وصفه المؤرخون به طيش وظلم، ويبدو أن الخليفة تخوف من مساعي القضاة لدى السلطان وتأليبهم السلطان عليه بحجة أنه فعل أمرا ليس من حقه، وإنما هو من حق السلطان، وقد شرحنا من قبل ما كان عليه أمر الخلافة العباسية في مصر طيلة ذلك العهد، لذلك لم يستطع الخليفة الصمود في وجه تيار الثائرين عليه من القضاة فرجع عن ذلك وتعلل بأن الشيخ جلال الدين السيوطي هو الذي حسن له ما فعل، وأشهد على الخليفة بالرجوع عن العهد الذي عهد به إلى السيوطي ويبدو من سياق ما أورده ابن إياس عن هذه القصة أن السيوطي بعلمه وعقليته الكبيرة ولما بينه وبين الخليفة من صلات طيبة قد استطاع التأثير على الخليفة وإقناعه بأن يقدم على عمل لم يكن معهودا في عصره، ولم يقدر عاقبته، ولم يحتط لما سيترتب عليه من ثورة القضاة. ولنترك جانبا هذه القصة التي تدل على طموح السيوطي إلى تولي القضاء، ولعله كان يبغي شيئا من الاصلاح، ولنتجه مرة أخرى إلى السيوطي حيث لا يزال يشغل مشيخة البيبرسية كبرى الخوانق وأوسعها أوقافا في عهده، وكانت البيبرسية تضم أكبر عدد من المتصوفة الذين تجري عليهم الأرزاق من جنى

стр. 109

أوقافها، وقد رأى السيوطي ما آل إليه أمر التصوف في عهده من كثرة الأدعياء الذين استمرءوا العيش داخل الخوانق دون عمل، ولم يقوموا بواجباتهم في العبادة والتخلق بأخلاق التصوف الحقيقة، لذلك فقد وجه إليهم السيوطي نصحه بأن «الصوفي من تخلق بأخلاق الأولياء ... ومن يأكل المعلوم بغير تخلق بأخلاقهم حرام» «١». وقد عمد السيوطي إلى قطع جعلية هؤلاء الصوفية، ولكنهم ثاروا عليه، وكادوا يقتلونه ثم حملوه بأثوابه ورموه في الفسقية «٢»، وكانت هذه الحادثة في جمادى الآخرة عام ٩٠٣ هـ، ولم يكتف الصوفية بإهانتهم للشيخ بل إنهم شكوه إلى السلطان وسعوا لديه في سبيل قتله، وقد شجعهم وأعانهم على ذلك الأمير طومان باي الذي كان يلي «الدوادارية الكبرى» ويعد صاحب المنصب الثاني في الدولة بعد السلطان، وكان بين السيوطي وبين طومان باي عداوة، وقد مر السيوطي ببعض المحن خلال هذه الأزمة، وقد سعى طومان باي جاهدا في سبيل قتله كما لم يكف أعداؤه عن تأليب ذوي الشأن من العلماء والأمراء عليه، ويبدو أن السيوطي أبدى من الشجاعة ورباطة الجأش خلال أزمته ما جعل تلميذه الشعراني يذكر أنه «لم يتغير منه شعرة واحدة» «٣»، ويدافع الشعراني عن السيوطي ويهاجم الذين ثاروا عليه كثيرا حتى يقول: «إن جميع من قام على الشيخ حصل له مقت بين العباد ومات على أسوأ حال» «٤». ويستدل بعض الباحثين بهذه الحادثة على فساد التصوف، وانتشار الجهل بين الصوفية الذين ارتفع قدرهم بين العامة على قدر العلماء، كما يرى أن السيوطي كان على حق في سلوكه مع هؤلاء الصوفية «٥». ولم ينل أعداء السيوطي الذين انتهزوا هذه الأزمة للايقاع به ما يبتغون،

стр. 110

ومرت الفتنة وظل السيوطي في مشيخة البيبرسية، ولم تكن هذه الحادثة سببا في فقده لمشيخة البيبرسية كما توهم كاتب ترجمته في دائرة المعارف الاسلامية «١»، وقد وقع في هذا الوهم أيضا عبد الوهاب حمودة «٢»، وليس الأمر كما ذهبا إليه لأن هذه الحادثة كانت في جمادى الآخرة عام ٩٠٣ هـ، وقد نص عليها ابن إياس المؤرخ المعاصر لهذه الفترة، ثم إن تركه لمشيخة البيبرسية لم يكن إلا في رجب عام ٩٠٦ هـ أي بعد ثلاث سنوات من الحادثة السابقة، ولم يكن سبب تركه لها هو أصداء الحادثة المذكورة، بل كان سبب عزله من مشيخة الخانقاه كما سنرى هو تولي طومان باي السلطنة بعد أن كان يشغل منصب الدوادارية الكبرى، وحينئذ تخوف السيوطي على نفسه فاختفى في جهة غير معلومة وكان السلطان قد طلبه ليفتك به «فلما اختفى قرر السلطان الشيخ يس البلبيسي في مشيخة الخانقاه البيبرسية عوضا عن الجلال السيوطي بحكم صرفه عنها»، وقد نص على ذلك ابن اياس في حوادث جمادى الآخرة عام ٩٠٦ هـ «٣». وهكذا فلقد ظل الرجل بعد حادثة الصوفية في مشيخة البيبرسية بالرغم من كثرة الأذى الذي تعرض له، والثورة الجامحة التي شارك فيها أعداؤه المتربصون به والتي كادت تعصف به. ويبدو أنه قد تعرض لبعض الأذى من أعدائه بعد هذه الحادثة مما جعله ينفث ما يشعر به من ظلم في رسالته «تأخير الظلامة إلى يوم القيامة» «٤»، وبالرغم من اتباعه في رسالته منهجه في التأليف الذي يكثر فيه من النقول، وعلى الرغم من أن الرسالة في جملتها مجموعة من النقول والقصص التي تذكر ليكون للمؤتسي بأصحابها أسوة حسنة فإن روح الرسالة تشعرنا بمدى ما تعرض له وأحس به خلال هذه الفتنة وبعدها. وقد تطورت الأحداث بعد ذلك على غير ما يهوى السيوطي، فقد آلت

стр. 111

السلطنة إلى طومان باي ألدّ أعدائه، والذي تولى كبر الحملة عليه إبان أزمته السابقة، وكان طومان باي عسوفا سفاكا للدماء كثير التدبير للمؤامرات، وقد قتل كثيرا من خصومه من أمراء المماليك أثناء حكمه، وبالرغم من ذلك فقد كان يظهر العدل في بعض الأمور مما حببه إلى العامة من الناس وإن كان يخفي في نفسه غير ما يظهر «١»، وهذه الصفات بطبيعتها كفيلة بأن تجعل رجلا مثل السيوطي يخشى على نفسه منذ اليوم الذي ولي فيه طومان باي السلطنة. لذلك اختفى السيوطي بعد توليه في عام ٩٠٦ هـ «٢»، وكان حصيفا في تصرفه إذ إن السلطان قد طلبه ليفتك به، وقد كثر الواشون لديه، وقد أوغروا صدره عليه مما جعله يتهدد بتقطيعه إربا إربا «٣». ومكث السيوطي مختفيا منذ جمادى الآخرة عام ٩٠٦ هـ، لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر، وفي خلال هذه الفترة فقد وظيفته بالبيبرسية إذ صرف عنها وتولى مكانه الشيخ يس البلبيسي «٤». ويبدو أن السيوطي قد عانى مدة اختفائه كثيرا من الآلام لما كان يبلغه من وعيد السلطان وتهديده، بيد أنه قابل هذه المحن بالصبر والشجاعة التي أثرها عنه تلامذته الذين شاهدوه في محنته أو نقلوا عنه فيما بعد أخبار هذه المحنة. ويترجم الشعراني لشيخه السيوطي ترجمة تفيض بالحب والاعجاب، ويذكر له كثيرا من المواقف الحسنة، وما أظهره الله على يده من الكرامات، ومهما يكن من شيء في أمر الخوارق التي أوردها السيوطي، وسواء أكانت قد حدثت بالفعل أم كانت من قبيل المنقبيات فإننا نستطيع أن نستدل منها دلالات تعيننا على تعرف الأحداث التي مر بها المترجم له والمواقف التي وقفها. ومما رواه الشعراني من أخبار هذه المحنة أن أعداء السيوطي قد أججوا النار

стр. 112

عليه عند السلطان الذي كان يضمر له الكراهية من قبل فأقسم السلطان أن يقطعه قطعا فبلغ ذلك السيوطي فقال: إن رسول الله ﷺ أخبرني أن رأسه تقطع في يوم كذا وكذا، فكان الأمر كما قال «١». كما روى الشعراني عن الشيخ عبد القادر الشاذلي أن السيوطي امتحن «المحن الكثيرة وما سمعته يوما واحدا ينحو على من آذاه من الحسدة ولا يقابله بسوء وإنما يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وصنف في ذلك كتابا سماه تأخير الظلامة إلى يوم القيامة» «٢». على أن دياجير الظلمة التي اكتنفت السيوطي في محنته السابقة وفرضت عليه أن يعيش فيها لم تلبث أن تبددت، وانقشعت السحب القاتمة التي ظللت سماء حياته لثلاثة أشهر، فقد دالت دولة طومان باي بعد ثورة المماليك عليه، واضطر إلى الهرب، وآلت السلطنة إلى الغوري الذي بويع في مستهل شوال عام ٩٠٦ هـ وفي ذلك اليوم ظهر السيوطي بعد اختفائه وقد كفاه الله شر السلطان السابق «٣». وتقبل الدنيا مرة ثانية على السيوطي فيرى بعينيه ما يحل بخصمه طومان باي إذ هرب واختفى وكثر التفتيش عنه من قبل السلطان الجديد، وظل مختفيا نحو ثلاثة أشهر ثم انتهى أمره بأن حصره المماليك في أحد المنازل وألقى بنفسه يحاول الفرار ولكنهم اهتبروه بسيوفهم ومزقوه شر ممزق «٤». وقد تحول السيوطي بعد هذه المحنة تحولا كبيرا، ولا شك أن هذه الأحداث كان لها دور كبير في تحوله الأخير، ولكن الباعث على هذا التحول كان كامنا في نفسه من قبل، فلقد سبق له أن اعتزل الناس واعتكف في بيته فترة من الوقت بعد بلوغه الأربعين واعتزاله وظائفه، ثم إن اتجاه الزهد والانقطاع كان مؤثرا في حياته طيلة المدة التي تولى فيها مشيخة البيبرسية، بالرغم من مشاركته في الحياة العامة وإسهامه في النفع العام بالتدريس حيث ظل إلى ذلك الحين يملي الحديث

стр. 113

بالجامع الطولوني «١» وكان يتردد على المسجد كما سبقت الاشارة يوم الجمعة من كل أسبوع. العزلة الأخيرة: ولكنه بعد هذه المحنة اتجه إلى الاعتكاف واعتزال الناس، ونحن نقرر أن اعتزاله واعتكافه الذي ذكره المترجمون له إنما كان بعد هذه المحنة في عام ٩٠٦ هـ، ويصف المترجمون ذلك بأنه «لمّا بلغ أربعين سنة أخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به صرفا، والاعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته وترك الافتاء واعتذر عن ذلك في مؤلف سماه بالتنفيس، وأقام في روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات» «٢». فصاحب هذا النص وغيره من المترجمين «٣»، يوقتون انقطاع السيوطي واعتكافه وميله للعزلة ومقامه بالروضة ببلوغه الأربعين، وقد سبق أن رأينا أن ذلك يتنافى مع ما قدمنا من ترجمة حياته بعد الأربعين وتوليه مشيخة البيبرسية وقيامه بالقاء الدروس بالجامع الطولوني وغير ذلك من أنواع الأنشطة، وأظهر من ذلك سعيه لتولي منصب رئاسة القضاء. والحق أن ما يذكره أصحاب هذه التراجم من أمر هذا الاعتكاف إنما كان بعد المحنة الأخيرة التي واجهها السيوطي عام ٩٠٦ هـ وهو في السابعة والخمسين من عمره، ومنذ ذلك الحين اتجه إلى الاعتكاف تماما وابتعد عن المشاركة في الحياة العامّة، وانقطع للعبادة والتأليف بمنزله بالروضة حتى وافته المنية.

стр. 114

وقد زهد السيوطي في الحياة ورغب عن المناصب التي كان يشغلها من قبل أو التي حدثته نفسه بالطموح إليها في وقت من الأوقات، وصمم هذه المرة وقد بلغ السابعة والخمسين من عمره على أن يعتكف في بيته وأن يبتعد عن الحياة بما فيها من زينة بدت زائفة أمام عينيه، وما بها من مظاهر أصبحت نفسه لا تطيقها، لا سيما أنه رجل صوفي درس التصوف وانطبعت به نفسه فأحب أن يطبق الجانب العملي منه بعد أن أحاط بالجانب النظري، فالتصوف كما يعرفه أهله علم وعمل، ولا يجوز للمتصوف الحقيقي أن يسلك أحدهما دون الآخر وإلا كان عمله مبتورا. ونحن نقرر هنا أن الرجل الذي دافع عن التصوف طيلة حياته، وألف فيه عديدا من الكتب والرسائل وولى مشيخته في بعض الخوانق قد أراد أن يسلك طريق الصوفية عملا بالتجرد والزهد والاعتكاف، والانقطاع إلى الله والعبادة. ولم يكن هذا الاتجاه- في حقيقة الأمر- شاغلا للسيوطي عن العلم والمشاركة فيه بل إنه ألف في هذه الفترة من حياته كثيرا من المؤلفات، وقد أتاح له الاعتكاف والاعتزال والابتعاد عن الحياة بمشاغلها الفرصة للعلم والتأليف. وكان السيوطي يقيم في منزل يطل على النيل بجزيرة الروضة بجنوب القاهرة، وكانت جزيرة الروضة من الأماكن المفضلة في السكنى آنذاك، وقد أشاد السيوطي بالروضة وجمالها وفضلها في السكنى على غيرها من الأحياء الأخرى «١»، بيد أنه بعد اعتكافه الأخير وانقطاعه كلية في منزله بها لم يكن يفتح طاقات بيته المطلة على النيل «٢». وتجلت صور العزوف عن الدنيا وأهلها وزينتها وسلطانها في سلوك السيوطي في عزلته الأخيرة حين كان يأتي الأمراء والأغنياء ويعرضون عليه الأموال فيردها، وحين أرسل إليه الغوري خصيا وألف دينار فأخذ الخصي وأعتقه وجعله خادما في الحجرة النبوية، وردّ الألف دينار وقال لقاصد السلطان: لا تعد تأتينا قط

стр. 115

بهدية فإن الله أغناني عن مثل ذلك «١»، وقد كان السيوطي يرى منذ وقت مبكر في حياته وبعد اصطدامه بالسلطان قايتباي أن عدم التردد إلى السلاطين والأمراء أسلم للمسلم وكذلك رد أموالهم عليهم. وفي هذه الفترة الأخيرة من حياة السيوطي عرض عليه الغوري أن يلي مشيخة مدرسته التي ابتناها بالقبة الزرقاء فلم يقبل، ويبدو أن السلطان قد ألح عليه، ولكن الرجل قد ثبت على رأيه وآثر البقاء في عزلته «٢». ولقد كان السيوطي يحاول أن يعتزل منذ وقت مبكر، وكان ينفث في كتاباته ما يدل على ميله إلى الزهد وإحساسه بدنو الأجل، فهو حين يترجم لنفسه وقد كتب هذه الترجمة وهو في الحلقة الخامسة من عمره يقول بعد أن يعدد العلوم التي حصلها وأنه اكتملت لديه آلات الاجتهاد: «أقول ذلك تحدثا بنعمة الله تعالى لا فخرا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر، وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب وذهب أطيب العمر» «٣». وظل السيوطي في عزلته وانقطاعه إلى العبادة والتأليف، وابتعاده عن الحياة العامة بالرغم من ميل السلطان الغوري إلى إشراكه في الحياة العامة وتوليته بعض المناصب لما كان يكنه له من إكبار في نفسه، حتى إذا ما انقضت سنوات ثلاث على هذه العزلة وتوفي الشيخ يس البلبيسي شيخ البيبرسية (ذو الحجة عام ٩٠٩ هـ) «٤»، عرض على السيوطي أن يعود مرة ثانية إلى وظيفته السابقة ولكنه رفض «٥». وقد كان السيوطي في هذه المرحلة الأخيرة من حياته يسلك المسلك العملي للصوفية وقد أعرض عن الدنيا وأهلها وامتنع عن الذهاب إلى الأمراء والسلاطين، وقد روي أنه سئل أن يقضي حاجة لإنسان عند الغوري، وكان

стр. 116

الغوري يقدره ويعرف مكانته، ولكنه اعتذر عن ذلك بأنه يرى النبي ﷺ يقظة، ويخشى على نفسه أن يجتمع بالغوري فيحتجب النبي ﷺ عنه «١»، ونحن لا نستبعد صدور مثل هذا القول عن السيوطي، فليست القصة من قبيل المنقبيات التي رواها له الشعراني، فقد ألف السيوطي رسالة في «إمكان رؤية النبي والملك» سماها بتنوير الحلك «٢»، وقد حشد فيها كثيرا من الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين والأولياء التي يستدل بها على إمكان ذلك، كما أورد أسماء كثيرين ممن وقعت لهم هذه المكاشفات، وبالرغم من أنه لم يصرح في رسالته بحدوث الرؤية له، فإن ما ذكره ودافع عنه يشهد لصحة ما نذهب إليه من صدق نقل الرواية السابقة عنه. ولست هنا بصدد مناقشة صحة الموضوع فذلك لا يفيدنا في شيء، وإنما يهمنا ما يوحي به من دلالات وما يفسره لنا من الاتجاه الذي سار فيه الرجل في المرحلة الأخيرة من حياته وهو اتجاه التصوف العملي. وفاته: لبث السيوطي في المرحلة الأخيرة من حياته على حاله التي قدمنا تفصيلها حتى وافاه أجله سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى عام ٩١١ هـ الموافق (١٨ أكتوبر عام ١٥٠٥ م) وكان مرضه سبعة أيام بورم شديد في ذراعه اليسرى يقال إنه خلط أو انحدار، وقد استكمل من العمر إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما، وكان له مشهد عظيم، ودفن بحوش قوصون خارج باب القرافة من جهة الشرق، وقبره ظاهر وعليه قبة «٣». وقد ذكر ابن اياس هذا التاريخ نفسه بيد أنه جعل وفاته يوم الخميس، كما أخطأ في حساب عمره حيث جعله اثنين وستين عاما وأشهرا «٤». والصحيح ما

стр. 117

تقدم ذكره، وقد ذكر ابن اياس أن بعض الناس اشترى قميصه للتبرك به بعد موته «١»، وهذا يدل على حسن اعتقاد الناس فيه. قبر السيوطي: لأحمد تيمور رسالة بعنوان «تحقيق قبر السيوطي»، ويبدو أن الدافع الذي حمله على كتابه بحثه ما تذهب إليه العامة من وجود قبر السيوطي في أسيوط في ضريح بأحد المساجد المسماة باسمه، فكان بعض من يسمع أنه دفن في حوش قوصون يتوهم دفنه في أشهر المسجدين فقام ببحثه تصحيحا لهذه الأخطاء وتصحيحا لخطأ وقع في خطط علي مبارك «٢». وقد تتبع تيمور ما قيل في وفاة السيوطي وموضع دفنه «٣»، وتكلم عن تاريخ القرافة الكبرى والقرافة الصغرى بالقاهرة وعن قرافة الإمام وحوش قوصون «٤»، وينتهي المحقق بعد ذلك إلى أن «الذي دلت عليه هذه النصوص والآثار وطابقه أيضا المعروف عن موضع قبره الآن أنه مدفون في هذه البقعة الواقعة شرقي باب القرافة المعروف اليوم عند العامة ببوابة السيدة عائشة، وعند بعضهم ببوابة حجاج خطأ، فإذا خرج قاصد زيارته من هذا الباب متجها إلى الشرق وسار قليلا مجتازا السكة الحديد الذاهبة من قراميدان إلى طرا اعترضه في أول هذه الجبانة شارع ممتد من الشمال إلى الجنوب الشرقي كتب على ألواحه (شارع القرافة الكبرى)، ثم يواجهه شارع خارج منه إلى جهة الشرق كتب عليه (شارع سيدي جلال)، والمراد جلال الدين السيوطي لأنه مفض بسالكه إلى حوش قوصون الذي دفن فيه، وقبره مشهور عند أهل هذه الناحية، يعرفه الخلف عن السلف من زمن وفاته إلى اليوم لا يشك في ذلك شاكّ، ويرجع الفضل في حفظه من الدثور كل هذه المدة إلى حسن اعتقاد الناس فيه، وقصدهم إياه بالزيارة كل حين، وكانوا يقيمون له حضرة كل أسبوع ثم أبطلوها واقتصروا على المولد الذي اعتادوا عمله كل سنة

стр. 118

في نصف شعبان» «١». كان هذا زمن المرحوم أحمد تيمور، أما الآن فقد أبطلت الحضرة والمولد ونزع قضيب السكة الحديد، وقد ذكر تيمور زيارة النابلسي للقبر في أوائل القرن الثاني عشر حيث ذكر أنه مدفون وحوله قبور، وهو ما عليه الحال إلى وقتنا. صفة المقام: أما صفة المقام فهو زاوية متوسطة يقع القبر فيها بجوار حائط القبلة في مقصورة من خشب تحت قبة صغيرة وفوقه تابوت مغطى بستر أخضر مطرز بآيات كريمة وعلى باب الزاوية من الخارج لوح رخام نقش عليه: «هذا مسجد العارف بالله سيدي جلال الدين الأسيوطي ﵀»، وفوق هذا اللوح لوح آخر لا صلة له بهذا المقام مكتوب فيه: «العرب والعجم والعز والنعم سنة ١٢١١»، والظاهر من هيئته أنه بقية لوح كان على أحد القبور فنقله بعض العوام إلى هذا المكان وليس تاريخ عمارة كما ظن علي مبارك «٢». هذا ملخص ما ذكره تيمور، وقد قمت بزيارة القبر والضريح وقد وجدت هذا الوصف لا يزال باقيا كما ذكره المحقق السابق، والجدير بالذكر أن الزاوية بها قبور من الداخل، وقد منع الدفن فيها منذ أعوام قلائل، وخارج الزاوية توجد قبور كثيرة لا يزال الدفن بها قائما إلى الآن. وجدير أن نلفت إلى أن المسجد الموجود بمدينة أسيوط إلى الآن والمعروف باسم جلال الدين السيوطي، وبه ضريح تزعم العامة أنه له، ومن عاداتهم اقامة مولد له كل عام، ليس له صلة بالجلال السيوطي، وليس به قبره، والمسجد قد أنشئ قبل السيوطي في القرن الثامن الهجري، والنسبة حدثت خطأ «٣».

стр. 119

مكانه في المجتمع سبق أن أشرنا إلى ما كانت تتمتع به طبقة أهل العلم في المجتمع إذ كان لأبنائها مكانة رفيعة بالمجتمع جعلتهم المعبرين عن الشعب والمدافعين عن حقوقه لدى الحكام، كما اتخذهم الناس وسطاء لقضاء حوائجهم. وقد كان والد السيوطي من أبناء هذه الطبقة تمتع بما تمتعت به، بالاضافة إلى ما كان له من صلات طيبة بخلفاء بني العباس بمصر، وكانت صلته أكثر توثقا بالخليفة المستكفي بالله وقد بقيت هذه الصّلات الطيبة بعد وفاة والد السيوطي فنشأ منذ صغره مقربا إلى بيوت الخلفاء العباسيين. وقد كان كمال الدين بن الهمام وصيا عليه بعد وفاة والده، وكان كمال الدين من كبار فقهاء الحنفية وقد ولي مشيخة الشيخونية حتى عام ٨٥٨ هـ، وتوفي في عام ٨٦١ هـ «١»، وقد أعان السيوطي في بداية حياته وقرره في الخانقاه الشيخونية. وقد استطاع السيوطي بعد أن أتم دراسته، وأجيز بالتدريس أن يأخذ مكانا ذا قدر في المجتمع، وبعد تصديره في عام ٨٧٦ هـ، أصبح يعد من كبار علماء عصره. وقد ظلت مكانته- بطبيعة الحال- في تزايد وعلو، وكان له شأن وتأثير في المجتمع طيلة حياته، ونستطيع هنا أن نورد بعض الأمثلة التي تدل على أهميته في الحياة العامة واعتباره رجلا له قدره وكلمته المسموعة في المجتمع. وأول الأحداث العامة التي كان له فيها دور مشهود ما حدث في بداية عام ٨٧٥ هـ من جدل بين العلماء حول أقوال ابن الفارض، إذ تعصب عليه جماعة من العلماء ورموه بالكفر والفسق ونسبوه إلى من يقول بالحلول والاتحاد، وكان

стр. 120

«رأس من تعصب على الشيخ عمر بن الفارض برهان الدين البقاعي، وقاضي القضاة محب الدين بن الشحنة وولده عبد البر، ونور الدين المحلي، وقاضي القضاة عز الدين المحلي، وتبعهم جماعة كثيرة من العلماء يقولون بفسقه، وأما من تعصب من العلماء للشيخ فهم الشيخ محيي الدين الكافيجي الحنفي، والشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، والشيخ بدر الدين بن الغرس، ونجم الدين يحيى بن حجي وشيخنا الجلال بن الكمال الأسيوطي والشيخ زكريا الأنصاري وتاج الدين بن شرف» «١». وهكذا وقف السيوطي بين مجموعة من كبار علماء عصره يدافع عن ابن الفارض، فوقف إلى جانب شيخيه الكافيجي والسيف الحنفي، وقد ألف الكافيجي في الدفاع عن ابن الفارض، وألف السيوطي رسالة سماها «قمع المعارض في نصرة ابن الفارض» ويذكر أن العلماء قد وقع بينهم صدامات عنيفة حول هذا الموضوع، وتعرض البقاعي وابن الشحنة لهجوم عنيف من أنصار ابن الفارض، وقد هجا الشهاب المنصوري شاعر عصره البقاعي بقوله: إن البقاعيّ بما ... قد قاله مطالب لا تحسبوه سالما ... فقلبه يعاقب «٢»، وهجاه بقصيدة أخرى، وقد تعصب السلطان وبعض الأمراء لابن الفارض، وقد استفتى السلطان الشيخ زكريا الأنصاري في هذه المسألة فأفتاه بتبرئة ابن الفارض مما نسب إليه، وأن للصوفية تعبيراتهم ومصطلحاتهم الخاصة بهم، والتي لا ينبغي أن تؤخذ ألفاظهم فيها على ظاهرها، وقد انتهت هذه الفتنة بانتصار العلماء الذين دافعوا عن ابن الفارض ومن بينهم السيوطي انتصارا كبيرا.

стр. 121

ولقد ساعد على هذا الانتصار اعتقاد العوام البالغ في الشيخ عمر بن الفارض حتى ذكر أنهم حاولوا قتل البقاعي ورجموه بالحجارة، كما أن السلطان انتصر له وعزل ابن الشحنة من القضاء «١» وتدلنا هذه الحادثة على منزلة السيوطي منذ بداية حياته العلمية بين العلماء، ومشاركته في الأحداث العامة، والحقيقة أن السيوطي كانت له مبادئ وآراء تمسك بها طيلة حياته ودافع عنها، وقد نصب من نفسه مدافعا عن رجال التصوف المعروفين فصار ينفي عنهم كل شبهة أثيرت حولهم ويحاول أن يبين التزامهم بالكتاب والسنة وموافقتهم في مسالكهم لهما. فهو لا يفتأ يذكر بعد ذلك في موضع آخر أنه «ما زالت العلماء ومحققو الصوفية يبينون بطلان القول بالحلول والاتحاد، وينبهون على فساده، ويحذرون من ضلاله» «٢». وغدا السيوطي عالما يشار إليه بالبنان في القاهرة منذ ذلك الوقت، وقد وردت عليه كثير من الأسئلة التي أجاب عليها أحسن إجابة، واستفتى في كثير من المعضلات فأفتى فيها، ومن الأسئلة المبكرة التي تدل على تمكنه وشهرته وذكائه وعقله ما ورد إليه عام ٨٧٦ هـ، وهي مجموعة من الألغاز العلمية المنظومة طلب إليه أن يجيب عنها نثرا ونظما فأجاب أصوب جواب «٣». وقد طبقت فتاوى السيوطي بلاد مصر والشام وسائر بلاد الاسلام «٤»، وانتشرت كتبه في حياته وانتفع بها الناس، ونلاحظ في فتاواه وكتاباته الكثيرة انتقادا لكثير من نواحي الحياة في المجتمع وحثا على الاصلاح، ومن أوضح الأمثلة على ذلك فتواه بهدم أحد البيوت التي أقيمت إلى جوار أحد المساجد

стр. 122

واتخذها صاحبها لايواء المفسدين من الزناة وغيرهم، وصارت مقصدا لأهل اللهو والعبث، فأفتى السيوطي بهدمها وكتب في ذلك رسالته «هدم الجاني على الباني» «١». وكانت كتابات السيوطي في حياته موضع اهتمام عامة الناس وخاصتهم، وكانت فتاواه تحظى بهذا التقدير، وكان السلاطين يقدرونه تقديرا بالغا ويعرفون له منزلته، ويتّبعون ما يفتى به أو يشير إليه، ففي عام ٨٩٦ هـ، ذاع بين الناس فتوى السيوطي بعدم جواز البناء على ساحل الروضة لأن الاجماع منعقد على منع البناء في شطوط الأنهار الجارية «٢» وقد كتب في ذلك رسالة سماها «الجهر بمنع البروز على شاطئ النهر» «٣»، وقد أذعن لهذه الفتوى القضاة في عصره بعد أن أرسلها إليهم، وقد نظم السيوطي هذه الرسالة في منظومه سماها «النهر لمن برز على شاطئ النهر» «٤»، وقد أرسل السيوطي بفتواه إلى السلطان «فأحاط بذلك علما وتوعد أهل البروزات منعا وهدما» «٥». وكانت صلة السيوطي طيبة بالسلطان قايتباي الذي عاصره أطول فترة في حياته، وكانت العادة في التهاني أن يصعد إلى السلطان قضاة القضاة وأعيان الدولة لتهنئته بالأعياد أو بأول كل شهر هجري وكان السيوطي ممن يصعد مع القضاة، وكان يفتقد من قبل السلطان إذا تخلف عن الصعود، وفي إحدى المرات وجه السلطان مسألة للسيوطي عن سنة سنها النبي ﷺ ولم يفعلها، وسكت الجلال السيوطي ولم يجب وأجاب بعد ذلك في رسالة وكان السلطان عنده كتاب يسمى «حيرة الفقهاء» وكان الجواب عن ذلك هو: الأذان، ويبدو أن سكوت السيوطي مرجعه أن الأصح أن الرسول لم يؤذن إلا عند من يقول بصحة الخبر بأنه أذن في وقت ما، وقد أضاف السيوطي إلى ذلك ذكر بعض

стр. 123

السنن التي سنها الرسول ولم يفعلها «١». بيد أن علاقته لم تلبث أن تغيرت بعد صعوده في إحدى المرات وهو يلبس الطيلسان، وقد تقدم ذكرها، وقد أذكى نيران الوقيعة بينهما ابن الكركي الذي كان خصما للسيوطي وقد انتهى الأمر بأن امتنع السيوطي عن تهنئة السلطان أو الذهاب إليه وظل على تمسكه بهذا المبدأ بقية حياته فأصبح لا يقصد السلاطين والأمراء ولا يسعى إليهم، لأنه كان يرى أن السنة عدم سعي العلماء إلى السلاطين، ومن ثم فقد أصبح السلاطين والأمراء هم الذين يقصدونه ويسعون إلى زيارته أو يرسلون إليه الرّسل. وهكذا تمتع بمنزلة سامية بين أبناء عصره: حكامهم ومحكوميهم، وكان في القاهرة علما بارزا من أعلامها، ومؤثرا كبيرا في حياة أبنائها، كما كان معروفا في سائر بلاد الاسلام. السيوطي بين أنصاره وخصومه: ومن الطبيعي أن تجر عليه هذه الصلات، وتلك المكانة بعض العداوات التي تفرضها طبيعة الصراع والتنافس بين الناس في هذه الحياة، لذلك كانت حياته مليئة بالصراع بينه وبين بعض علماء عصره وأمرائه، وقد كانت بداية خصوماته منذ ذلك الوقت الذي وقف يدافع فيه عن ابن الفارض ويهاجم أعداءه، بيد أن الخصوم الذين صمدوا في وجهه طويلا يناضلونه كانوا غير أولئك الذين هاجمهم وانتصر عليهم من قبل. وهناك حادثة أخرى يذكر أنها من أوائل الوقائع «٢» التي تعرض فيها لهجوم عنيف من قبل علماء عصره وتلك هي فتواه بتحريم الاشتغال بعلم المنطق وكتبه، ويبدو أن كتابه «صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام»، الذي اعتمد فيه على كتاب ابن تيمية في الرد على المنطق كان من أول مؤلفاته التي

стр. 124

هاجم فيها المنطق الأرسطي، ومن أوائل مؤلفاته بصفة عامة، وقد تعرض بسببه لحملة من بعض العلماء كما أشار السخاوي «١»، وعلى أية حال فقد تمسك السيوطي بأقواله وأبداها في كل موضع، وجهر برأيه، ولم يأبه بخصومه «٢». ثم إن الرجل بعد أن استحصدت قوته وارتفعت درجته، وكثرت وظائفه تألب عليه بعض منافسيه وأقرانه من العلماء وطعنوا في مواهبه وعلمه ومؤلفاته، وتحاملوا عليه، ورموه بما ليس فيه، وبالغوا في تصوير عيوبه، وعين السخط تبدي من المساوي ما لا تبديه عين الرضا، والمعاصرة كما يقول أهل الجرح والتعديل حجاب، فينبغي أن تؤخذ أقوال المتعاصرين بعضهم في بعض بحذر شديد. وقد انقسم عصر السيوطي إلى معسكرين: أحدهما يقوده السخاوي (٩٠٣ هـ)، ومن أنصاره برهان الدين بن الكركي (٩٢٢ هـ)، الذي كان إماما للسلطان، والشمس الجوجري والقسطلاني، وشمس الدين الباني وتلاميذ هؤلاء الكثيرون وأتباعهم. والمعسكر الآخر يقوده السيوطي ومن أنصاره الفخر الديمي، والشيخ أمين الدين الأقصرائي، وزين الدين قاسم الحنفي، وسراج الدين العبادي، وغيرهم وتلاميذهم الكثيرون. ولبثت الخصومة بين الفريقين زمنا طويلا، بل إن هذه الخصومة قد استنفدت أعمار هؤلاء جميعا، والذي نلاحظه في كتابات الفريقين المتنوعة والمختلفة تأثرها بهذه الخصومة، فلا نلبث أن نجد بين حين وآخر عبارة أو عبارات يقصد بها الخصوم ردا عليهم أو قدحا فيهم. وقد ألف السيوطي في الانتصار لنفسه ومهاجمة خصومه مجموعة من الرسائل فضلا عن هجومه في كثير من كتاباته الأخرى، وأهم ما ألفه «الكاوي في الرد على السخاوي»، و «الجواب الذكي عن قمامة ابن الكركي» و «الصارم الهندكي في عنق ابن الكركي»، وله في الرد على الجوجري «الحبل الوثيق في نصرة الصديق»، وقد هاجمهم أيضا في رسالته «التنفيس في الاعتذار عن الفتيا

стр. 125

والتدريس»، وفي «مسالك الحنفا في والدي المصطفى»، وفي كثير من المواضع الأخرى. وقد تعرض السيوطي لهجوم عنيف من قبل خصومه كما تعرض لكيدهم له لدى أولي الأمر وقد ترجم له السخاوي ترجمة مظلمة في كتابه «الضوء اللامع»، ووجه إليه مجموعة من الاتهامات والانتقادات كما غمزه في مواضع كثيرة، وأهم هذه الانتقادات ما يتصل بسرقة المؤلفات فلقد ادعى السخاوي أن السيوطي قد اختلس منه حين كان يتردد إليه كثيرا مما عمله «كالخصال الموجبة للضلال، والأسماء النبوية، والصلاة على النبي ﷺ ، وموت الأبناء، وما لا أحصره، بل أخذ من كتب المكتبة المحمودية وغيرها كثيرا من التصانيف التقدمة التي لا عهد لكثير من العصريين بها في فنون فغير فيها يسيرا وقدم وأخر ونسبها لنفسه، وهوّل في مقدماتها بما يتوهم منه الجاهل شيئا مما لا يوفي ببعضه» «١». كما ذكر السخاوي أن هناك مؤلفات للسيوطي اختلسها من مصنفات ابن حجر وهي «لباب النقول في أسباب النزول، وعين الاصابة في معرفة الصحابة، والنكت البديعات على الموضوعات، والمدرج إلى المدرج، وتذكرة المؤتسى بمن حدث ونسى، وتحفة النابه بتلخيص المتشابه، وما رواه الواعون في أخبار الطاعون، والأساس في مناقب بني العباس، وجزء في أسماء المدلسين، وكشف النقاب عن الألقاب، ونشر العبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير» «٢»، ويعقب على ذلك قائلا: «فكل هذه تصانيف شيخنا، وليته إذ اختلس لم يمسخها، ولو نسخها على وجهها لكان أنفع وفيها مما هو لغيره الكثير» «٣». تلك أهم الاتهامات التي وجهت إلى السيوطي من قبل أكبر خصومه، ولم يكتف السخاوي بهذه التهمة بل وجه إليه عديدا من الانتقادات القاسية منها أنه كثير المجازفة، وأنه كان يكذب في بعض الأحيان، ومنها أنه كثير الادعاء، يقع

стр. 126

في كثير من التصحيف والتحريف لكونه لم يزاحم الفضلاء في دروسهم بل استبد بأخذه من بطون الدفاتر والكتب «١»، كما أنه سريع الكتابة معروف لدى السخاوي بالهوس ومزيد الترفع حتى على أمه، كذلك ترفعه على شيوخه ومن أسدى إليه المعروف «٢»، كما هوجم أقسى الهجوم في دعواه بلوغ درجة الاجتهاد المطلق. وإذا كان السخاوي قد وجه إليه هذه التهم القاسية وأشباهها فإن أنصار السخاوي لم يفتئوا أيضا يهاجمونه ويكيدون له، فقد كاد له ابن الكركي عند السلطان إبان حادثة الطيلسان التي أشرنا آنفا إليها «٣». وإن يكن السيوطي قد عانى في حياته من كيد خصومه الكثيرين له وهجومهم عليه، وانتقادهم له فإنه- في حقيقة الأمر- كان أقوى منهم عريكة، وأشد بأسا، ولقد كانت قسوة الهجوم عليه كما يتضح في بعض مواضع ترجمة السخاوي له محاولة للرد على انتقاداته القاسية لخصومه وهجومه عليهم وانتقاصه لهم. ولئن كان قلم السيوطي سيالا كثير الانتاج فلقد وجهه إلى التعبير عن كل شيء يريده ومن هنا فلقد خصص جملة من رسائله لمهاجمة خصومه، كما أن رسائله الأخرى التي لم يخصصها لهذه المعارك لم تخل من تنقصهم ومهاجمتهم في أحيان كثيرة، وكما ترجم السخاوي للسيوطي فإن الأخير لم ينس أن يترجم له، بيد أن هذه الترجمة كانت موجزة، ويبدو أن السيوطي لم يفصل الهجوم في ترجمته اعتمادا على كتاباته الكثيرة التي فوّق سهامها إلى أعدائه. وقد ذكر السيوطي عن السخاوي أنه لا يحسن من غير الفن الحديثي شيئا أصلا، وأنه قد أكب على التاريخ- وهو يقصد بالتاريخ تراجم الرجال- «فأفنى فيه عمره، وأغرق فيه عمله، وسلق فيه أعراض الناس، وملأه بمساوئ الخلق وكل ما رموا به ان صدقا وإن كذبا، وزعم أنه قام في ذلك بواجب، وهو الجرح والتعديل، وهذا

стр. 127

جهل مبين وضلال وافتراء على الله، بل قام بمحرم كبير، وباء بوزر كثير ... وأنا نبهت على ذلك لئلا يغتر به أو يعتمد على ما في تاريخه من الإزراء بالناس خصوصا العلماء ولا يلتفت إليه» «١»، وسنرى بعد قليل أن السيوطي كان على جانب كبير من الصواب فيما اتهم به تراجم السخاوي التي كان صاحبها شديد القسوة في أحكامه على من يترجم لهم، ولم تخل من اتباع الهوى في بعض الأحيان. ويكتب السيوطي ستة رسائل حول موضوع أبوي الرسول ﷺ يتعرض في جميعها لمسألة أحب التنبيه إليها وتأكيدها، وهي القول بنجاتهما من النار وأنهما من أهل الجنة، ويبدو أن السخاوي قد عارض السيوطي فيما ذهب إليه، أو أنه توقف في هذه المسألة ولم يجب فيها باثبات النجاة أو نفيها كما صرح في آخر ترجمته للسيوطي وقد هاجمه السيوطي هجوما شديدا في بعض رسائله، وأكثر الهجوم في مقامته السندسية حيث يقول: «ليث شعري ما الذي أنكره علي وفوق بسببه سهامه إليّ، أترجيح جانب النجاة، أما لي فيه من سلف صالح؟ أما تقدمني إليه من أئمة كل منهم لو وزن بالجبال فهو عليها راجح؟ فإن اعتذر بعدم الوقوف كان عذره جليا ... إلى أن يقول من نظمه: شحّ السخاوي بالانجاء يذكره ... عن والدي سيد الأنباء والأمم إن عزّ أن يبلغ البحر الخضم روى ... يا ليته يستقي من وابل الديم» «٢» وقد استمر السيوطي في هجومه بأسلوب سيال وحجج قوية كما تعرض في هذه المقامة لمجموعة من المسائل التي كانت مثارا للخلاف بينه وبين خصمه موجها إليه أقسى الانتقادات معتمدا فيها يورده ويحتج به على الأدلة النقلية والعقلية وقد أشار فيها إلى إنكار السخاوي إمكان رؤية الأنبياء يقظة من قبل الأحياء وقد كان السيوطي أفتى بامكانها وقد شدد السيوطي عليه النكير وذهب إلى أن قول السخاوي يجره إلى التكفير، وعندئذ أحجم السخاوي عن إنكاره

стр. 128

وتأول ما قاله «١»، وكان السخاوي قد ألف في إنكاره على السيوطي مؤلفا سماه «الإرشاد والموعظة لزاعم رؤية النبي ﷺ بعد موته في اليقظة» «٢»، وكان ذلك سببا في أن يؤلف السيوطي رسالة كبيرة في إمكان رؤية النبي والملك يسميها بتنوير الحلك وذلك لأن «طائفة من أهل العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في إنكار ذلك والتعجب منه، وادعوا أنه مستحيل» «٣». كما دافع السيوطي عن فتاواه التي أفتى بها وتعرض بسببها لانتقاد بعض خصومه أو مخالفتهم فقد أفتى في رسالته «تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء» «٤»، التي تدور كما يتضح من اسمها حول عدم التعريض بالأنبياء وأحوالهم وتشبيه ما يحدث من الأحياء من نقص ببعض أحوال الأنبياء، أو ذكرهم في مواضع تنقص أقدارهم، وقد أفتى بأن فاعل ذلك يعزر، وقد أورد نقولا عديدة وأدلة متنوعة تؤيد فتواه، ثم نجده يهاجم خصومه قائلا: «المماراة في مثل هذا الموضع والتدليس وقصد الانتقام بالضغائن الباطنة لا يضر إلا فاعله، ولا يصيب المشنع عليه من ضرره شيء» إلى أن يقول: «لأن يكون كل أهل العصر في هذه المسألة خصمائي أحب إلي من أن يخاصمني نبي واحد فضلا عن جميع الأنبياء» «٥». ويتضح من أقوال السيوطي أن فتاواه كانت تتعرض لنقد من قبل خصومه، ولذلك فهو لا يكل من الدفاع بجميع الأدلة عنها «٦»، وقد رأينا هجومه العنيف من قبل على خصومه حين اعتزم في وقت من الأوقات أن يعتزل الافتاء والتدريس. وقد هاجم السيوطي جميع أعدائه وخصص رسائل لمهاجمتهم، بيد أن جانبا كبيرا من انتقاده لخصومه كان موضوعيا بمعنى أنه كان نتيجة للاختلاف في

стр. 129

الفتاوى أو الاستنباط، فقد هاجم خصمه الجوجري وأنكر عليه ما أفتى به في تفسير قوله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى بأن الآية وإن نزلت في أبي بكر فإنها عامة المعنى إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد أفتى الجوجري بذلك نتيجة لما حدث من خلاف بين بعض أمراء المماليك في تفضيل أبي بكر على سائر الصحابة، وقد ردّ السيوطي على فتوى الجوجري بقوله: «هذا شأن من يلقي نفسه في كل واد، والرجل فقيه فماله يتكلم في غير فنه؟ وهذه المسألة تفسيرية حديثية أصولية كلامية نحوية، فمن لم يكن متبحرا في هذه العلوم الخمسة لم يحسن التكلم في هذه المسألة» «١»، ثم يفند السيوطي بالأدلة العلمية النقلية والعقلية قول الجوجري، ويؤيد ما ذهب إليه من نزول الآية في حق أبي بكر واعتباره أفضل الصحابة، ويحمل على الجوجري حملة قوية يذكر فيها أنه ليس أهلا للفتيا في هذا الفن لأنه لا يتقنه، ولو جاز له أن يفتي فيه لكان ذلك جائزا لآحاد الطلبة، وللعوام والسوقة إذ «لا يعدم أحد منهم أن يكون عارفا بعدة من المسائل تعلمها من عالم، أو رآها في كتاب، ولا ريب في أنه لا يجوز لأحد منهم أن يفتي» «٢»، ويذكر أن مدار الفتوى على التبحر في العلم «فمن تبحر في فن أفتى به، وليس له أن يتعدى إلى فن لم يتبحر فيه» «٣»، ويستمر السيوطي في بيان التأهل للفتوى في الفنون المختلفة ويسيل قلمه دافقا ويصرح من حين إلى آخر باسم خصمه الذي كان ينبغي أن يلاحظ هذه الأقوال ويعرفها قبل أن يقدم على الفتوى «٤». وقد جر التصدي للإفتاء على السيوطي بعض العداوات بيد أنه- في حقيقة الأمر- لم يكن يأبه بمن يخالفه إذا أثبت له البحث أنه على الحق، وقد خالف في بعض فتاواه أكثر مفتي عصره، وفي هذه الأحوال كان يعرض للمسائل عرضا موضوعيا علميا يثبت فيه ما يراه حقا ويدفع ما يراه باطلا معبرا عن ذلك

стр. 130

بقوله: «لا أرى السكوت يسعني في ذلك فإن هذا عهد النبي ﷺ عند وفاته، فوجب على كل من علمه أن يبينه ولا يراعي فيه صديقا ولا حبيبا ولا بعيدا ولا قريبا» «١»، وهذا تقدير منه لمسئوليته التي يوجبها عليه كونه مجتهدا. كما أن السيوطي كان يتعقب فتاوى خصومه أو تفسيراتهم ويبين ما قد يقعون فيه من خطأ فقد ذكر أن السخاوي صحف في حديث «شفر الحوراء» بمعنى هدب عينها، فجعله «شقر» بالقاف وبين أن ذلك تصحيف للحديث وتبديل لمعناه وأنه في غاية الركاكة «٢». كما هاجمه حين صوب قراءة من قرأ في كتاب الشفا عبارة «ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته» في قراءة «خصيصي» بتسكين الياء مع أن صحة القراءة أنها كما ذكر السيوطي بألف القصر، وقد اقتنع جماعة من العلماء بصحة قول السيوطي ورجعوا عن تصويبهم للقارئ ومنهم الشيخ أمين الدين الاقصرائي، وزين الدين قاسم الحنفي، والشيخ سراج الدين العبادي والفخر الديمي، ولم يكن بين هؤلاء وبين السيوطي إلا الصداقة، أما خصمه السخاوي فإنه لم يقنع بذلك، ورد بأنه مستنده في ذلك أن عنده نسخة من الكتاب صحيحة قرئت على شيوخ عدة وفيها صورة السكون مرقومة بالقلم على الياء، وكان من اليسير على السيوطي أن يوجه إليه عبارته القاسية: «كفى بهذا الكلام جهلا، ومن هذا مبلغ علمه فهو غني عن الرد عليه»، ثم يورد بعد ذلك من الأدلة ما يؤيد صحة فتواه اللغوية «٣». دعوى الاجتهاد: وإكمالا لما نحن فيه مما تعرض له السيوطي من خصومه لا مناص من الحديث عما قاله عن نفسه من استكماله أدوات الاجتهاد إذ جعله قوله هدفا لكثير من الهجمات التي وجهها إليه خصومه منكرين عليه دعواه، وقد عدّ السيوطي نفسه ممن بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق ولذلك وضع ترجمته لنفسه آخر

стр. 131

الفصل الذي عقده عن الأئمة المجتهدين بمصر في كتابه حسن المحاضرة، وقد صرح ببلوغه رتبة الاجتهاد في قوله بعد أن عدد أنواع العلوم التي تبحر فيها «وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثا بنعمة الله تعالى لا فخرا» «١»، وقد تعرض بسبب ذلك لهجوم أعدائه عليه فيذكر السخاوي أنه «قد قام عليه الناس كافة لما ادعى الاجتهاد» «٢»، وقد عبر السيوطي عما تعرض له من الهجوم في مقدمة إحدى رسائله بقوله بعد أن ذكر اشتغاله بالعلم وحبه للبحث عن الدقائق والأصول: «وقد أوذيت على ذلك أذى كثيرا من الجاهلين والقاصرين وتلك سنة الله في العلماء السالفين فلم يزالوا مبتلين بأسقاط الخلق وأرذالهم وبمن هو من طائفتهم ممن لم يرتق إلى محلهم» «٣»، ثم يذكر بعض من تعرض للأذى من علماء السلف كابن عباس وما تعرض له من نافع بن الأزرق وسعد بن أبي وقاص ﵁ وما تعرض له من أهل الكوفة، وما قاساه الشافعي من أهل مصر وما قاساه الغزالي وغيرهم، وينبه السيوطي بعد ذلك إلى حقيقة هامة في أمثال هذه الخصومات ومن يكون فيها على الحق بقوله: «وقد اجتمعوا كلهم عند الله، وظهر لهم المحق من المبطل، والأرفع رتبة عند الله من غيره، وظهر لنا مصداق ذلك في هذه الدار ببقاء كلام هؤلاء الائمة وانتشاره وظهوره واضمحلال من ردّ عليهم وطمس ذلك ودثوره» «٤». وبهذا الرد البليغ يرد على أعدائه معلنا لهم أن الحق هو الذي سيبقى وأن قائله هو الذي ستذكره الأجيال والناس فيما بعد، وأن له أسوة بعلماء السلف الصالح الذين لم تتضح عظمتهم وأقدارهم في أزمانهم بقدر ما اتضحت لمن بعدهم، وهذه العبارة التي أطلقها السيوطي تأخذ الانسان بالدهشة والتأمل لما فيها من صدق الرجل مع نفسه وإحساسه بعظمته وإن لم يقدره أهل عصره. وقد كتب السيوطي في بلوغه الاجتهاد مؤلفا سماه «الرد على من أخلد إلى

стр. 132

الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض»، افتتحه بما يريد قوله من أن الأمة لا تخلو في عصر من عصورها من مجتهد أو طائفة من المجتهدين ولا تخلو من طائفة تنصر الحق وهي ظاهرة عليه، ثم يهاجم الذين أنكروا قوله بالاجتهاد قائلا: «فإن الناس قد غلب عليهم الجهل وعمهم، وأعماهم حب العناد وأصمهم، فاستعظموا دعوى الاجتهاد، وعدوه منكرا بين العباد، ولم يشعر هؤلاء الجهلة أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر وواجب على أهل كل زمان أن يقوم به طائفة في كل قطر» «١». وقد قسم كتابه إلى أربعة أبواب جعل أولها لا يراد نصوص العلماء على أن الاجتهاد في كل عصر فرض من فروض الكفايات وأنه لا يجوز شرعا خلو العصر منه «٢»، وفي الباب الثاني يحاول بالنقول المختلفة تأكيد الفكرة القائلة بأن أي عصر لا يمكن أن يخلو من مجتهد وهنا يرى أن عصرا من العصور قد يجتمع فيه طائفة كبيرة ممن بلغ رتبة الاجتهاد، ويجوز ألا يبقى في الأمة إلا مجتهد واحد «٣»، ويفرق السيوطي بين المجتهد المطلق وبين المجتهد المستقل والمجتهد المقيد، فالمستقل «هو الذي استقل بقواعده لنفسه يبني عليها الفقه خارجا عن قواعد المذهب المقررة، وهذا شيء فقد من دهر بل لو أراده الانسان اليوم لامتنع عليه ولم يجز له» «٤»، وأما المجتهد المطلق غير المستقل، «فهو الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد التي اتصف بها المجتهد المستقل ثم لم يبتكر لنفسه قواعد بل سلك طريقة إمام من أئمة المذهب في الاجتهاد، فهذا مطلق منتسب لا مستقل ولا مقيد» «٥». وقد وضح الشعراني هذه التفرقة في الحديث عن السيوطي فذكر أن الناس قد هاجموه لأنه ادعى الاجتهاد المطلق كأحد الأئمة الأربعة وأن السيوطي كان

стр. 133

قول إنه لم يدع الاجتهاد المطلق وإنما ادعى الاجتهاد المنتسب وأن كثيرا من أتباع المذاهب بلغوا درجة الاجتهاد المطلق ومع ذلك لم يخرجوا عن مذاهبهم، وذكر السيوطي أن في أصحاب الشافعي على مر الزمن منهم المزني وابن سريج والقفال وابن خزيمة وابن الصباغ وإمام الحرمين وابن عبد السلام وتلميذه ابن دقيق العيد والتقي السبكي وولده عبد الوهاب كذلك في أصحاب مالك ابن وهب وأضرابه، وفي أصحاب أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد، وقد بلغ هؤلاء مرتبة الاجتهاد المطلق ومع ذلك فلم يخرجوا عن تبعيتهم لأئمتهم «١». وقد ختم السيوطي كتابه بما يؤكد فكرته السابقة ومجمل ما يريد قوله أنه قد بلغ درجة الاجتهاد المطلق ومع ذلك فهو لم يخرج عن مذهب الشافعي وأنه بذلك يسمى مجتهدا مطلقا منتسبا، وقد كرر السيوطي في مواضع متفرقة من فتاواه وكتاباته هذه الفكرة نظرا لما تعرض له من هجوم ولما اتهم به في زحمة الصراع بينه وبين خصومه، فكأنه أراد أن يؤكد تبرئة نفسه مما ادعوه عليه ولكن مع التمسك بالحديث عما أنعم الله به عليه من عقل وعلم وما بلغه من درجة. ويفتي السيوطي عام ٨٩٨ هـ إحدى الفتاوى ويرى أن أحدا من أهل عصره لا يمكنه أن يتصدى لما يضطلع به، فيرفع عقيرته قائلا: «جولوا في الناس جولة فإنه ثمّ من ينفخ أشداقه ويدعي مناظرتي وينكر علي دعواي الاجتهاد والتفرد بالعلم على رأس هذه المائة، ويزعم أنه يعارضني، ويستجيش عليّ من لو اجتمع هو وهم في صعيد واحد ونفخت عليهم نفخة صاروا هباء منثورا» «٢». ومهما يكن من أمر الخصومة بين السيوطي وأنصاره وبين السخاوي وأنصاره فإن المعاصرة كما سبق القول حجاب بين المتعاصرين، كما أن الاتهامات التي تبادلها الفريقان لم تخل من مبالغات كثيرة يمكن بسهولة أن نتعرف عليها، هذا فضلا عن أن كثيرا مما وجه إلى السيوطي أثبتت الأيام بطلانه ولعله قد استلهم ذلك حين ذكر أن له بعلماء السلف الصالح الذين تعرضوا للأذى في أزمانهم

стр. 134

وظهرت حجتهم من بعد أسوة حسنة «١». وانتصر للسيوطي من بعده الشوكاني في ترجمته له وفند جميع ما وجهه إليه السخاوي ورد عليه ردا بليغا، وتعقب اتهاماته بالدفاع القوي، ومن بين ما ذكره دفاعا عن الاتهام باختلاس الكتب أن ذلك «ما زال دأب المصنفين، يأتي الآخر فيأخذ من كتب من قبله فيختصر أو يوضح أو يعترض أو نحو ذلك من الأغراض- التي هي الباعثة على التصنيف، ومن ذاك الذي يعمد إلى فن قد صنف فيه من قبله فلا يأخذ من كلامه؟» «٢»، فليس السيوطي بدعا من المؤلفين، وإذا كان ذلك شأن عصره ومنهجه فلا يصح أن نوجه التهمة إليه وحده، وقد بين الشوكاني أن السخاوي «وإن كان إماما غير مدفوع لكنه كثير التحامل على أكابر أقرانه كما يعرف ذلك من طالع كتابه الضوء اللامع فانه لا يقيم لهم وزنا بل لا يسلم غالبهم من الحط منه عليه، وإنما يعظم شيوخه وتلامذته ومن لم يعرفه ممن مات في أول القرن التاسع قبل مولده، أو من كان من غير مصره أو من يرجو خيره أو يخاف شره» «٣»، وهذه الأوصاف التي تقدح في الكتاب كفيلة أن تجعلنا على حذر مما يورده السخاوي من تراجم، ومهما أحسنا ظننا به بعد ذلك فسنأخذ تراجم أقرانه بالحذر، وقد انتهى الشوكاني إلى أن ما بلغه السيوطي من المكانة العلمية وما ادعاه من الاجتهاد كان سببا في هذه الخصومات، وبين أنه بذلك قد تعرض لما تعرض له أئمة العلماء ممن بلغوا المرتبة العالية، فما زال «ذا دأب الناس مع من بلغ إلى تلك الرتبة، ولكن قد عرفناك في ترجمة ابن تيمية أنها جرت عادة الله سبحانه كما يدل عليه الاستقراء برفع شأن من عودي بسبب علمه وتصريحه بالحق، وانتشار محاسنه بعد موته، وارتفاع ذكره، وانتفاع الناس بعلمه، وهكذا كان أمر صاحب الترجمة فإن مؤلفاته انتشرت في الأقطار، وسارت بها الركبان إلى الأنجاد والأغوار، ورفع الله له من الذكر الحسن والثناء الجميل ما لم يكن لأحد من معاصريه، والعاقبة

стр. 135

للمتقين» «١». خلقه وشخصيته: نريد بالخلق ما هو أعم من المعنى الذي نستعمل فيه هذه اللفظة اليوم، فنتناول فيه سلوكه مع أهله ومع الناس من حوله وصلته بمن يشتركون معه في فنون المعرفة التي يجيدها ونستطيع من ثم أن نستوضح معالم شخصيته الاجتماعية والعلمية. ولا شك أن خلق الفرد تشكله عوامل كثيرة من وراثة عن أسرته التي عاش بينها واكتسب منها بعض الصفات أو الاتجاهات التي تحدد مسلكه في الحياة ثم من المجتمع بمعناه العام الذي ترتبط حياته به، وبه تتحقق مصالحه، ثم من تدينه وطريقته في ممارسة الدين تسمحا أو تشددا وتحرجا، وهذه الأشياء تكشف لنا عن أهم جوانب شخصيته «٢». ونرى أن فيما قدمنا من الحديث عن جوانب حياته المختلفة ما يمكننا من استيضاح معالم شخصيته ويعرفنا بخلقه فضلا عن عديد من الروايات والنقول التي لم نوردها من قبل اكتفاء بغيرها عنها أو ادخارا لها لمواضع أخر، أو تخففا من الاطالة. وأول هذه الصفات التي نستشفها مما خلف السيوطي من آثار هي الصراحة في الحديث عن نفسه، تلك الصفة التي تدل على صفاء نفسي وروحي، ومن هنا فقد كان يتحدث في رسائله عن نفسه بقلب مفتوح ووضوح بالغ، ومن لا يعرف هذه الصفة عنه يخيل إليه أن الرجل صاحب دعاوى عريضة أو يصف نفسه بما ليس فيها من صفات حسنة، والحقيقة أن السيوطي حين الحديث عن نفسه كان يعلله دائما بأنه تحدث بما أنعم الله به عليه لا فخرا وهنا يتضح لمنصفه صفة التواضع عنده بينما ينظر أعداؤه إلى ذلك على أنه ادعاء وتعال وزهو ممقوت، فبعد أن يعدد ما أتقنه من العوم وما استكمله من آلات الاجتهاد

стр. 136

يقول: «أقول ذلك تحدثا بنعمة الله تعالى لا فخرا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر، وقد أزف الرحيل وبدا الشيب وذهب أطيب العمر» «١». وبالرغم مما يشيع في عبارته من تواضع فإن الرجل كان يتصف بالشجاعة والاعتداد بالنفس والثقة فيها، وقد كانت هذه الصفات لديه وليدة شعوره العميق بأنه عالم مسلم استكمل أدوات الاجتهاد وحباه الله عقلا حصيفا فاستشعر المسئولية الجسيمة الملقاة على عاتقه بما هو عليه تجاه الله وتجاه المجتمع وتجاه ضميره، ومن هذا الشعور العميق بهذه المسئولية يمكننا أن نفسر كثيرا من تصرفات السيوطي وكتاباته، فقد كانت الأمانة الملقاة على عاتقه أكبر مما يتحمله غيره، وكان ينظر فيمن قبله من كبار علماء السلف الذين تألقت نجومهم في سماء التاريخ الاسلامي، ويجعل منهم قدوة صالحة في السراء، وأسوة حسنة في الضراء، وهناك كثير من الحوادث والأدلة التي نستطيع أن ندلل بها على ما قلناه عن خلقه وشخصيته ولكنا نستدرك قبل ذلك بأن نذكر أن الرجل كانت به حدة وسرعة غضب لما يصيبه، ولكن هذا الغضب كان يستفرغ منه في رسالة تكتب، أو انقطاع عن الناس، وهجرهم ريثما تهدأ نفسه ويعاود الحياة بنشاطه المألوف، وكثيرا ما كلفته غضباته رسائل يدفع فيها عن نفسه ويهاجم خصومه. على أن الأسلوب العنيف الذي لاحظناه في رسائله الأولى التي هاجم بها خصومه أخذ يميل إلى الهدوء والاتزان في السنوات الأخيرة من عمره، بل لعله أصبح يعرض عن كثير من أذى الخصوم ويصبر على ما يقابله من أعدائه فقد نقل عنه بعض من اتصل به أنه امتحن المحن الكثيرة، وما سمع يوما يدعو على من آذاه من الحسدة، ولا يقابله بسوء، وإنما يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وصنف في ذلك كتابا سماه «تأخير الظلامة إلى يوم القيامة» «٢». والحقيقة أن هذه الرسالة تعبر عن الاتجاه المتزن الصابر الذي طبعت به حياة السيوطي أواخر أيامه، وبالرغم من أن الرسالة في جملتها مجموعة من النقول عن

стр. 137

الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين تدور حول تأخير ظلاماتهم إلى يوم القيامة لايمانهم بأن عذاب الله أشد وأبقى، وإيثار المظلومين منهم ألا يقتصوا لأنفسهم في الدنيا مع تمكنهم من ذلك تأخيرا لظلاماتهم لتعرض أمام الله تعالى، بالرغم من ذلك فإن قراءتها تشيع في نفس القارئ أن صاحبها كان يتعرض وقتها لمظالم يصبر عليها، ويعزي نفسه بالتأسي بالسلف الصالح، وهي تبين لنا جانبا هاما من خلق السيوطي في سنواته الأخيرة، وتلقي الضوء على معالم شخصيته «١». ومن الحوادث التي تدل على ما قدمنا حادثة الطيلسان التي امتنع بعدها عن الذهاب إلى السلطان مع العلماء، وقد تمسك بموقفه برغم محاولة بعض الوسطاء الملاينة بينه وبين السلطان فكان رده: «إني متمسك بقوله ﷺ : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله لا يضرهم من خذلهم» «٢». وإحساسه بالمسئولية الملقاة عليه تجاه الناس يتمثل في قوله: «ما أجبت قط عن مسألة جوابا، إلا وأعددت جوابها بين يدي الله تعالى إن سئلت عنها» «٣». وقد سبق أن أشرنا إلى موقفه الشجاع الذي وقفه تجاه خصمه العنيد طومان باي الذي حاول الكيد له، ثم حاول قتله، كما قدمنا ما قاله من أن له أسوة حسنة بمن تعرض للأذى من كبار علماء السلف الصالح. وإتماما للحديث عن خلقه وشخصيته فإننا نعرض لما يتصل بهذا الموضوع بأوشج الصلات بل لما هو جزء منه وهو الحديث عن تدينه. وقد قلت ان شخصية السيوطي شخصية العالم المسلم الذي يستشعر المسئولية نحو المجتمع والذي يراعي في خلقه وسلوكه السير على هدى من السنة التي أفنى حياته في جمعها ودرسها وتعليمها. أما عن ورعه وتقواه فهناك روايات كثيرة تصل بالرجل إلى مصاف كبار

стр. 138

الأولياء وأصحاب المناقب العالية، ولست هنا بصدد مناقشة هذه النقول، ولكن مهما كان أمر صحتها أو كذبها أو المبالغة فيها فإنها تدل على ما عرف به الرجل في عصره من ورع وتقوى. وهناك نقول وروايات لا تصل إلى حد الخوارق شأن الروايات الأولى، تؤيد ما قلناه من تقواه وزهده، ونحن نرى هذه الأوصاف منطبقة تماما على السيوطي لا سيما في السنوات العشر الأخيرة من عمره بعد أن اتجه إلى الزهد والتجرد ثمّ انقطع بعد ذلك تماما في بيته واعتكف وكان لا يقبل هدايا الأمراء والسلاطين ويتعفف عنها قانعا بما قسم له من رزق قليل، ثم عزوفه عن الوظائف ومظاهر الدنيا واغلاقه نوافذ بيته واتجاهه إلى الله. وقد أجمل الشعراني صفات شيخه بقوله: أنه كان «مجبولا على الخصال الحميدة من صفاء الباطن وسلامة السريرة، وحسن الاعتقاد، زاهدا ورعا مجتهدا في العلم والعمل، لا يتردد إلى أحد من الأمراء والملوك ولا إلى غيرهم مدة حياته ﵁ وكان يظهر كل ما أنعم الله به عليه من العلوم والأخلاق» «١». كان هذا السلوك سلوك التصوف العملي الحقيقي الذي لا نستطيع إنكاره، ولا نقول إنه كان يقصد به دنيا يصيبها، بل كان عملا مخلصا يبتغي به وجه خالقه، ومن كان هذا مسلكه فأحر به أن يكون خليقا بالاضطلاع بالمسئولية الجسيمة التي تحملها بوصفه عالما مجتهدا يعرف للكلمة حقها ويؤديها على وجهها لا يخاف لومة لائم لأنه لا ينتظر ثوابا ولا يخشى عقابا إلا من قبل الله تعالى. وقد كان السيوطي يحاول جاهدا أن يؤدي ما عليه من واجب علمي تجاه مجتمعه، فهو ينقطع للتأليف في خلوته ولا يكل من كتابة الأجوبة على المسائل العديدة التي ترد إليه ثم هو يعرف قيمة الفتوى بحيث لو جيء إليه على حد تعبيره بفتوى وهو مشرف على الغرق لأخذها ليكتب عليها، وقد قال ذلك بعد أن عاود الافتاء بعد ترك عزلته القصيرة التي سبقت الاشارة إليها.

стр. 139

وإذا كانت البيئة المصرية قد تميزت عن غيرها من البيئات بالسهولة والاستقامة والانبساط والوضوح، وتلك مميزات الشخصية المصرية من جميع نواحيها، فقد انطبعت هذه الصفات وظهرت في شخصية السيوطي وهي تبدو واضحة إذا ما قورن بغيره من أقرانه الذين أنجبتهم بيئات أخرى.

стр. 140

منهجه في التفكير وأصول هذا المنهج تعد ثقافة السيوطي أفضل مثال للثقافة في عصره، كذلك تمثل عقليته العقلية الاسلامية بما تمثلته من معارف متنوعة في القرن التاسع الهجري: الخامس عشر الميلادي ويمكن اعتبار كتاباته الموسوعية في موضوعاتها ودائرة اتساعها مجسّم العلوم الاسلامية في القرن الخامس عشر. وتتميز حياة الرجل العلمية بنشاط غير عادي فقلمه السيال لم يعرف الملل، ولم يترك قط موضوعا في حقل المعرفة إلا تناوله، فمن علوم قرآنية وحديثية وفقهية إلى علوم لغوية ونحوية إلى علوم في التصوف والتاريخ والفلسفة إلى غير ذلك من مختلف العلوم التي عرفت في عصره، وتشهد آثاره التي يصعب إحصاؤها لكثرتها وتنوعها بتنوع معارفه وشمول عقليته واتساع أفقه ومشاركته في كل علم فضلا عن تبحره في جانب كبير من العلوم، وصدق ما وصف به من وجهة نظر أجنبية بأنه من أعظم كتاب الشرق قاطبة «١»، وبأن نشاطه العلمي الذي ابتدأه في سن السابعة عشرة كان يتميز بحركة غير عادية «٢»، وقد عبر السيوطي عن مبلغ ثقافته بقوله: «و رزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيها لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي فضلا عمن هو دونهم، وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه بل شيخي فيه أوسع نظرا وأطول باعا، ودون هذه السبعة في المعرفة: أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الانشاء والترسل والفرائض ودونها القراءات ولم

стр. 141

آخذها عن شيخ، ودونها الطب، وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني ... وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثا بنعمة الله لا فخرا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر وقد أزف الرحيل وبدا الشيب وذهب أطيب العمر؟، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله لا بحولي ولا بقوتي فلا حول ولا قوة إلا بالله» «١». وقد ألف السيوطي في جميع العلوم التي عددها مؤلفات تشهد بعلو قدره فيها، بيد أن هناك قلة من هذه العلوم المتنوعة استحوذت على الجانب الأكبر من اهتمامه، وكان لها أثر كبير في طبع عقليته بطابع معين، وفي توجيه منهجه، وسنتناول اشتغال السيوطي بهذه العلوم بعد قليل. ويتصل بما نحن فيه من شمول عقليته واتساعها وتنوع مداركها ما قاله عن نفسه من بلوغ رتبة الاجتهاد، وقد سبق أن رأينا أن هذا القول قد جر عليه عداوات كثيرة وعرضه لكثير من النقد الذي وجه إليه من قبل خصومه، والحقيقة أن السيوطي لم يكن مدّعيا فيما نسبه إلى نفسه، فمصنفاته في الفقه تشهد بذلك، كما أنه لم يقصد الاجتهاد المستقل كالأئمة الأربعة وإنما قصد الاجتهاد المنتسب، وكان في فتواه يفتي بمذهب الشافعي ولا يذكر ما يمليه عليه اجتهاده خارج المذهب، وقد بين أنه ليس من شرط الاجتهاد في الفقه أن يكون صاحبه قد بلغ رتبة الاجتهاد في الحديث والاجتهاد في العربية «٢»، وإنما يكتفي فيها بمرتبة أقل من ذلك، على أن السيوطي قد نص على بلوغه درجة الاجتهاد في الفقه والحديث والعربية وأن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه قد وجدت عند كثير من العلماء، أما الجامعون للثلاثة فقليل، ومن قبله كان تقي الدين السبكي جامعا للثلاثة ولم يكن هناك بعد السبكي من اجتمعت له غيره «٣».

стр. 142

على أن إحساس السيوطي بتنوع معارفه وبلوغه درجة الاجتهاد في بعض العلوم، وإحساسه أن ذلك لم يحدث لأحد من أبناء زمانه فمنهم من بلغ درجة كبيرة في الفقه أو في العربية أو في علم من العلوم، ولكن اجتماع هذه العلوم على سبيل التبحر لدى أحدهم غير كائن، هذا الاحساس قد جعله يستشعر في قرارة نفسه أنه المبعوث على رأس المائة التاسعة ووجد الرجل نفسه وقد جاوز الخمسين من عمره وحصل من العلوم جملة كبيرة، وبلغ ما لم يبلغه أحد، ورأى أنه قد جاوز أقرانه وبذّهم جميعا، وهنا وقف يعلن أنه المبعوث على رأس المائة التاسعة. فكرة المبعوثية: ويبدو أن الرجل كان يعرف أن هذه الفكرة قد تقابل ببعض الأفكار، ولذلك أكدها في كثير من كتاباته فهو يبدأ كتابه «الدر النثير الذي لخص فيه نهاية ابن الأثير» قائلا: «الحمد لله الذي بعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها وأقام في كل عصر من يحوط هذه الملة بتشييد أركانها وتأييد سننها وتثبيتها» «١». وكان عليه أن يثبت صحة هذه الفكرة عن طريق السنة وأن يقنع الناس بذلك، ثم عليه بعد ذلك أن يقنعهم بأنه المبعوث على رأس المائة التاسعة. وبداية هذه الفكرة في كتاباته نلحظها في ترجمته لسراج الدين البلقيني (المتوفي ٨٠٥ هـ) والد علم الدين، إذ نقل أن السراج البلقيني مجدد المائة الثامنة، ثم ذكر أن كثيرا من المبعوثين على رءوس القرون مصريون: عمر بن عبد العزيز في الأولى، والشافعي في الثانية .. وابن دقيق العيد في السابعة، والبلقيني في الثامنة، ثم أتبع ذلك بقوله «وعسى أن يكون المبعوث على رأس المائة التاسعة من أهل مصر» «٢»، وهنا نلاحظ أنه كان يمهد لفكرته، ويرجو أن يكون هو المبعوث على رأس قرنه، ونلاحظ أنه وضع ترجمته بعد ترجمة البلقيني مباشرة

стр. 143

وكأنه بذلك يضع مجدد المائة التاسعة عقب مجدد المائة الثامنة، ولم يفصل بينه وبين البلقيني السابق بأحد من علماء قرنه، وذلك في الفصل الذي خصصه لتراجم الأئمة المجتهدين. ثم ينادي بعد حين بصوت قوي بأنه المتفرد بالعلم والاجتهاد على رأس قرنه فيكتب في عام ٨٩٨ هـ معلنا ذلك في قوله: «فإن ثمّ من ينفخ أشداقه ويدعي مناظرتي، وينكر علي دعوى الاجتهاد، والتفرد بالعلم على رأس هذه المائة، ويزعم أنه يعارضني ويستجيش عليّ بمن لو اجتمع هو وهم في صعيد واحد ونفخت عليهم نفخة صاروا هباء منثورا» «١». وحين ينقضي القرن وينظر السيوطي في نفسه وفيمن حوله ويرى ما بلغه من علم فإنه يصرح بعد ذلك بأنه المبعوث على رأس هذه المائة، ولكنه يمزج قوله بالرجاء والضراعة إلى الله، وقد كتب السيوطي رسالة فيمن «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة» ترجى فيها أن يكون المبعوث على رأس المائة التاسعة لانفراده عليها بالتبحر في العلوم، ثم نظم في هذا الموضوع منظومة تسمى «تحفة المجتهدين في أسماء المجددين» «٢»، وقدم لها بمقدمة نثرية صغيرة، ووضح الفكرة في قوله: «فقد ورد في الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ قال: إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، ومعنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والعمل بمقتضاها على رأس كل مائة سنة أولها من الهجرة النبوية، وهي ما يؤرخ بها في مدة المائة، وأن يكون المبعوث على رأس المائة رجلا معروفا مشهورا مشارا إليه وأن تنقضي المائة وهو مشهور حتى يشار إليه ... ولا يكون المجدد إلا عالما بالعلوم الدينية ظاهرا وباطنا، ناصرا للسنة قامعا للبدعة» «٣»، ثم نظم منظومة في ثمانية وعشرين بيتا وضح فيها هذه الفكرة، وذكر أسماء المجددين السابقين وشروط من يكون مجددا، وبين أن بعض المئين قد اختلف في المجدد فيها أهو واحد أم

стр. 144

أكثر؟، ومن الذين لم يختلف فيهم عمر بن عبد العزيز في المائة الأولى والشافعي في الثانية، والغزالي في الخامسة، وابن دقيق العيد في السابعة، ثم ذكر أن البلقيني يعد مجدد المائة الثامنة وفي أخريات المنظومة يترجى السيوطي أن يكون مجدد المائة التاسعة فيقول: وهذه تاسعة المئين قد ... أتت، ولا يخلف ما الباري وعد وقد رجوت أنني المجدّد ... فيها، ففضل الله ليس يجحد» «١» وأيا ما كان أمر الحديث عن فكرة التجديد والبعث على رءوس المئين، فإن لها دلالة تهمنا في الحديث عن منهجه في التفكير، وتشير إشارة صريحة إلى ما أحس به الرجل بين أبناء زمانه من تفرده بالعلم وتبحره في أكثر من علم على وجه لم يتيسر لمعاصريه الذين اشتهر كل منهم بإجادة فن واحد، وهذه الدعوى عن التبحر في بعض العلوم صحيحة إلى حد كبير يثبتها ما خلف السيوطي لنا من آثار في سائر فروع المعرفة في عصره، وهذه الآثار تشهد بعلو كعبه في الفنون المختلفة التي طرقها. ولكي نصف منهج السيوطي وصفا دقيقا نتبين منه كيفية تناوله للأشياء، ونظرته في العلوم لا بد لنا أن نتعرف على مكونات عقليته ومنابع ثقافاته المختلفة. وقد سبق لنا أن تحدثنا عن شيوخه الذين تلقى عنهم، ولاحظنا أنهم من كبار علماء عصره، كما رأينا رحلاته وتنقلاته إلى أكسيته زيادة في الثقافة والمعرفة فضلا عن قيامه بالحج والمجاورة بمكة لمدة عام، وها نحن أولاء قد رأيناه وقد أحاط بجملة كبيرة من العلوم تبحر في بعضها وأجاد بعضا، وشارك في بعض، فأيّ هذه العلوم كانت ذات أثر أكبر في تفكيره وطبع عقليته؟، وأي هذه العلوم نستطيع من خلالها التعرف على صفات هذه العقلية وتحديد منهج صاحبها في التفكير؟. إن الإجابة على هذا السؤال ليست بالعسيرة، فقد ذكر الرجل عن نفسه أنه

стр. 145

تبحر في سبعة علوم هي: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع، ونقل عنه أنه بلغ درجة الاجتهاد المطلق في ثلاثة علوم هي الفقه والحديث والعربية «١»، ثم إننا نجد أن عنايته بالتفسير متصلة أشد الاتصال بعنايته بالحديث فأهم مؤلفاته في التفسير كتاب «الدّر المنثور في التفسير بالمأثور» الذي جمع فيه جميع الروايات المأثورة عن الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين في تفسير القرآن ولا شك أن هذه الروايات التي تفسر القرآن تدخل من جانب آخر في مباحث علماء الحديث، كما يشهد لما نقوله أيضا كتابه «لباب النقول في أسباب النزول» الذي تشيع فيه ثقافة الرجل الحديثية النقلية يخدم بها علوم القرآن. ومن ناحية أخرى نجد عناية الرجل بالتصوف، والتصوف علم وعمل، والتصوف يطبع عقلية صاحبه بطابع معين ويترك أثرا في منهجه في تناول العلوم، ولذلك أرى أن عقلية السيوطي ومنهجه في التفكير لا بد أن ينظر إليه من خلال أمور ثلاثة هي: علم الحديث الذي اهتم به أبلغ اهتمام وود أن يصل فيه إلى مرتبة الحافظ ابن حجر، والثاني: التصوف الذي أقبل عليه، ودافع عن رجاله وسلك طريقه، والثالث الفقه الذي بلغ فيه درجة الاجتهاد وتصدى فيه للافتاء منذ وقت مبكر، ومن ثم فإننا نستطيع بعد ذلك أن ندرس بقية جوانبه، وأهم الجوانب عنده بعد الحديث دراساته اللغوية التي أجيز بالتدريس فيها منذ بلوغه السابعة عشرة، ثم بلغ فيها بعد درجة الاجتهاد المطلق، ودراساته الفقهية التي بلغ فيها مرتبة الاجتهاد المطلق.
следующие страницы →