آخذها عن شيخ، ودونها الطب، وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني ... وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثا بنعمة الله لا فخرا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر وقد أزف الرحيل وبدا الشيب وذهب أطيب العمر؟، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله لا بحولي ولا بقوتي فلا حول ولا قوة إلا بالله» «١».
وقد ألف السيوطي في جميع العلوم التي عددها مؤلفات تشهد بعلو قدره فيها، بيد أن هناك قلة من هذه العلوم المتنوعة استحوذت على الجانب الأكبر من اهتمامه، وكان لها أثر كبير في طبع عقليته بطابع معين، وفي توجيه منهجه، وسنتناول اشتغال السيوطي بهذه العلوم بعد قليل.
ويتصل بما نحن فيه من شمول عقليته واتساعها وتنوع مداركها ما قاله عن نفسه من بلوغ رتبة الاجتهاد، وقد سبق أن رأينا أن هذا القول قد جر عليه عداوات كثيرة وعرضه لكثير من النقد الذي وجه إليه من قبل خصومه، والحقيقة أن السيوطي لم يكن مدّعيا فيما نسبه إلى نفسه، فمصنفاته في الفقه تشهد بذلك، كما أنه لم يقصد الاجتهاد المستقل كالأئمة الأربعة وإنما قصد الاجتهاد المنتسب، وكان في فتواه يفتي بمذهب الشافعي ولا يذكر ما يمليه عليه اجتهاده خارج المذهب، وقد بين أنه ليس من شرط الاجتهاد في الفقه أن يكون صاحبه قد بلغ رتبة الاجتهاد في الحديث والاجتهاد في العربية «٢»، وإنما يكتفي فيها بمرتبة أقل من ذلك، على أن السيوطي قد نص على بلوغه درجة الاجتهاد في الفقه والحديث والعربية وأن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه قد وجدت عند كثير من العلماء، أما الجامعون للثلاثة فقليل، ومن قبله كان تقي الدين السبكي جامعا للثلاثة ولم يكن هناك بعد السبكي من اجتمعت له غيره «٣».
стр. 142
على أن إحساس السيوطي بتنوع معارفه وبلوغه درجة الاجتهاد في بعض العلوم، وإحساسه أن ذلك لم يحدث لأحد من أبناء زمانه فمنهم من بلغ درجة كبيرة في الفقه أو في العربية أو في علم من العلوم، ولكن اجتماع هذه العلوم على سبيل التبحر لدى أحدهم غير كائن، هذا الاحساس قد جعله يستشعر في قرارة نفسه أنه المبعوث على رأس المائة التاسعة ووجد الرجل نفسه وقد جاوز الخمسين من عمره وحصل من العلوم جملة كبيرة، وبلغ ما لم يبلغه أحد، ورأى أنه قد جاوز أقرانه وبذّهم جميعا، وهنا وقف يعلن أنه المبعوث على رأس المائة التاسعة.
فكرة المبعوثية:
ويبدو أن الرجل كان يعرف أن هذه الفكرة قد تقابل ببعض الأفكار، ولذلك أكدها في كثير من كتاباته فهو يبدأ كتابه «الدر النثير الذي لخص فيه نهاية ابن الأثير» قائلا: «الحمد لله الذي بعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها وأقام في كل عصر من يحوط هذه الملة بتشييد أركانها وتأييد سننها وتثبيتها» «١».
وكان عليه أن يثبت صحة هذه الفكرة عن طريق السنة وأن يقنع الناس بذلك، ثم عليه بعد ذلك أن يقنعهم بأنه المبعوث على رأس المائة التاسعة.
وبداية هذه الفكرة في كتاباته نلحظها في ترجمته لسراج الدين البلقيني (المتوفي ٨٠٥ هـ) والد علم الدين، إذ نقل أن السراج البلقيني مجدد المائة الثامنة، ثم ذكر أن كثيرا من المبعوثين على رءوس القرون مصريون: عمر بن عبد العزيز في الأولى، والشافعي في الثانية .. وابن دقيق العيد في السابعة، والبلقيني في الثامنة، ثم أتبع ذلك بقوله «وعسى أن يكون المبعوث على رأس المائة التاسعة من أهل مصر» «٢»، وهنا نلاحظ أنه كان يمهد لفكرته، ويرجو أن يكون هو المبعوث على رأس قرنه، ونلاحظ أنه وضع ترجمته بعد ترجمة البلقيني مباشرة
стр. 143
وكأنه بذلك يضع مجدد المائة التاسعة عقب مجدد المائة الثامنة، ولم يفصل بينه وبين البلقيني السابق بأحد من علماء قرنه، وذلك في الفصل الذي خصصه لتراجم الأئمة المجتهدين.
ثم ينادي بعد حين بصوت قوي بأنه المتفرد بالعلم والاجتهاد على رأس قرنه فيكتب في عام ٨٩٨ هـ معلنا ذلك في قوله: «فإن ثمّ من ينفخ أشداقه ويدعي مناظرتي، وينكر علي دعوى الاجتهاد، والتفرد بالعلم على رأس هذه المائة، ويزعم أنه يعارضني ويستجيش عليّ بمن لو اجتمع هو وهم في صعيد واحد ونفخت عليهم نفخة صاروا هباء منثورا» «١».
وحين ينقضي القرن وينظر السيوطي في نفسه وفيمن حوله ويرى ما بلغه من علم فإنه يصرح بعد ذلك بأنه المبعوث على رأس هذه المائة، ولكنه يمزج قوله بالرجاء والضراعة إلى الله، وقد كتب السيوطي رسالة فيمن «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة» ترجى فيها أن يكون المبعوث على رأس المائة التاسعة لانفراده عليها بالتبحر في العلوم، ثم نظم في هذا الموضوع منظومة تسمى «تحفة المجتهدين في أسماء المجددين» «٢»، وقدم لها بمقدمة نثرية صغيرة، ووضح الفكرة في قوله: «فقد ورد في الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ قال:
إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، ومعنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والعمل بمقتضاها على رأس كل مائة سنة أولها من الهجرة النبوية، وهي ما يؤرخ بها في مدة المائة، وأن يكون المبعوث على رأس المائة رجلا معروفا مشهورا مشارا إليه وأن تنقضي المائة وهو مشهور حتى يشار إليه ... ولا يكون المجدد إلا عالما بالعلوم الدينية ظاهرا وباطنا، ناصرا للسنة قامعا للبدعة» «٣»، ثم نظم منظومة في ثمانية وعشرين بيتا وضح فيها هذه الفكرة، وذكر أسماء المجددين السابقين وشروط من يكون مجددا، وبين أن بعض المئين قد اختلف في المجدد فيها أهو واحد أم
стр. 144
أكثر؟، ومن الذين لم يختلف فيهم عمر بن عبد العزيز في المائة الأولى والشافعي في الثانية، والغزالي في الخامسة، وابن دقيق العيد في السابعة، ثم ذكر أن البلقيني يعد مجدد المائة الثامنة وفي أخريات المنظومة يترجى السيوطي أن يكون مجدد المائة التاسعة فيقول:
وهذه تاسعة المئين قد ... أتت، ولا يخلف ما الباري وعد
وقد رجوت أنني المجدّد ... فيها، ففضل الله ليس يجحد» «١»
وأيا ما كان أمر الحديث عن فكرة التجديد والبعث على رءوس المئين، فإن لها دلالة تهمنا في الحديث عن منهجه في التفكير، وتشير إشارة صريحة إلى ما أحس به الرجل بين أبناء زمانه من تفرده بالعلم وتبحره في أكثر من علم على وجه لم يتيسر لمعاصريه الذين اشتهر كل منهم بإجادة فن واحد، وهذه الدعوى عن التبحر في بعض العلوم صحيحة إلى حد كبير يثبتها ما خلف السيوطي لنا من آثار في سائر فروع المعرفة في عصره، وهذه الآثار تشهد بعلو كعبه في الفنون المختلفة التي طرقها.
ولكي نصف منهج السيوطي وصفا دقيقا نتبين منه كيفية تناوله للأشياء، ونظرته في العلوم لا بد لنا أن نتعرف على مكونات عقليته ومنابع ثقافاته المختلفة.
وقد سبق لنا أن تحدثنا عن شيوخه الذين تلقى عنهم، ولاحظنا أنهم من كبار علماء عصره، كما رأينا رحلاته وتنقلاته إلى أكسيته زيادة في الثقافة والمعرفة فضلا عن قيامه بالحج والمجاورة بمكة لمدة عام، وها نحن أولاء قد رأيناه وقد أحاط بجملة كبيرة من العلوم تبحر في بعضها وأجاد بعضا، وشارك في بعض، فأيّ هذه العلوم كانت ذات أثر أكبر في تفكيره وطبع عقليته؟، وأي هذه العلوم نستطيع من خلالها التعرف على صفات هذه العقلية وتحديد منهج صاحبها في التفكير؟.
إن الإجابة على هذا السؤال ليست بالعسيرة، فقد ذكر الرجل عن نفسه أنه
стр. 145
تبحر في سبعة علوم هي: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع، ونقل عنه أنه بلغ درجة الاجتهاد المطلق في ثلاثة علوم هي الفقه والحديث والعربية «١»، ثم إننا نجد أن عنايته بالتفسير متصلة أشد الاتصال بعنايته بالحديث فأهم مؤلفاته في التفسير كتاب «الدّر المنثور في التفسير بالمأثور» الذي جمع فيه جميع الروايات المأثورة عن الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين في تفسير القرآن ولا شك أن هذه الروايات التي تفسر القرآن تدخل من جانب آخر في مباحث علماء الحديث، كما يشهد لما نقوله أيضا كتابه «لباب النقول في أسباب النزول» الذي تشيع فيه ثقافة الرجل الحديثية النقلية يخدم بها علوم القرآن.
ومن ناحية أخرى نجد عناية الرجل بالتصوف، والتصوف علم وعمل، والتصوف يطبع عقلية صاحبه بطابع معين ويترك أثرا في منهجه في تناول العلوم، ولذلك أرى أن عقلية السيوطي ومنهجه في التفكير لا بد أن ينظر إليه من خلال أمور ثلاثة هي: علم الحديث الذي اهتم به أبلغ اهتمام وود أن يصل فيه إلى مرتبة الحافظ ابن حجر، والثاني: التصوف الذي أقبل عليه، ودافع عن رجاله وسلك طريقه، والثالث الفقه الذي بلغ فيه درجة الاجتهاد وتصدى فيه للافتاء منذ وقت مبكر، ومن ثم فإننا نستطيع بعد ذلك أن ندرس بقية جوانبه، وأهم الجوانب عنده بعد الحديث دراساته اللغوية التي أجيز بالتدريس فيها منذ بلوغه السابعة عشرة، ثم بلغ فيها بعد درجة الاجتهاد المطلق،
ودراساته الفقهية التي بلغ فيها مرتبة الاجتهاد المطلق.
стр. 146
السيوطي وعلوم الحديث
اشتغل السيوطي منذ أيامه الأولى بتدريس الحديث بالخانقاه الشيخونية، وامتزج بعلوم الحديث امتزاجا كبيرا، فهو يشرب من زمزم تطلعا لأن يصل إلى مرتبة الحافظ ابن حجر، ثم يحمل على المنطق والفلسفة ويذكر أن الله قد عوضه عنهما بعلم الحديث الذي هو أشرف العلوم، كما يذكر بعد أن استحصدت قوته أن مجدد القرن لا بد أن يكون مقيما للسنة ناصرا لها ولن يتسنى لمن لا يكون عالما بالسنة إقامتها، ثم نراه يهتم بمسألة أبوي النبي ﷺ فيكتب فيها ستة رسائل دفاعا عنهما، وهكذا نلاحظ أن ميوله منذ وقت مبكر كانت تتجه نحو علوم الحديث، وكانت هذه العلوم تحظى من وقته بالنصيب الأوفر.
وتطلعنا مقدمة كتابه «اللئالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» على طول اشتغاله بعلوم الحديث فقد ابتدأ تأليف هذا الكتاب كما ذكر في عام ٨٧٠ هـ، أي حين كان في الحادية والعشرين من عمره، وأتمه بعد خمسة أعوام، ثم عاود تأليفه مرة ثانية مع بعض الاضافات عام ٩٠٥ هـ، أي قبل وفاته بستة أعوام فقط «١»، كما أخذ السيوطي يملي الحديث منذ عام ٨٧٣ هـ بالجامع الطولوني؛ وظل مداوما على هذا الدرس العام إلى أن اعتكف في بيته عام ٩٠٦ هـ، وكان يذكر عن نفسه أنه أحيا سنة الاملاء بعد دروسها إذ انقطع الاملاء بالديار المصرية بعد وفاة الحافظ ابن حجر (عام ٨٥٢ هـ) عشرين سنة.
وقد بلغ درجة الاجتهاد في الحديث، وقد قال المحدثون: إن أقل مراتب الحافظ أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم، وكان بعض المحدثين لا يعدّ من أصحاب الحديث من لم يكتب عشرين ألف حديث، وكان الحافظ ابن حجر يقول: الشروط التي
стр. 147
اجتمعت فيّ الآن اسم الحافظ وهي الشهرة بالطلب والأخذ من أقوال الرجال والمعرفة بالجرح والتعديل، والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم وتمييز الصحيح من السقيم حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره مع استحضار الكثير من المتون، فمن جمع هذه الشروط استحق اسم الحافظ، وقد ذكر السيوطي أن ابن حجر كان يحفظ مائتي ألف حديث أو ما يزيد، وأن الحافظ الديمي كان يحفظ عشرين ألف حديث وذكر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث، وأنه لو وجد أكثر من ذلك لحفظ وقال: لعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك «١».
وقائمة الآثار التي تركها وذكر الجانب الأكبر منها في ترجمته لنفسه تشهد للرجل بأن اهتمامه الأول كان بعلوم الحديث، ولست أحب أن أسرد ما ألفه في الحديث تجنبا للتكرار حيث سنعرض لذلك عند الحديث عن آثاره «٢».
على أن نظرتنا في الفتاوى الحديثية التي جمعت في كتابه «الحاوي» تطلعنا على قدراته الخارقة في علم الحديث وحفظه الجم، ومعرفته التي لا تقتصر على نقل آراء الحفاظ السابقين وإنما تتناول الإسناد ورواته بالنقد، وتبين رتب الأحاديث المختلفة وكونها صحيحة أو حسنة أو ضعيفة أو موضوعة، وله قدرة عجيبة على إيراد الطرق المختلفة من شتى الكتب للحديث الواحد مما يدل على الجهد الشاق الذي بذله، وطول المراس الذي أكسبه قدرة على السير في المسالك الوعرة لهذا العلم بمختلف فروعه.
وكان له عين فاحصة ناقدة في علم الحديث، وكثيرا ما حكم على كثير من الأحاديث التي شاعت على ألسنة الناس في عهده ببطلانها إذا لم يثبت لديه إسناد بصحتها كحديث «لا تسوّدوني في الصلاة» الذي قال إنه لم يرد «٣»، وحديث «التكبير جزم» الذي أفتى بأنه من قول إبراهيم النخعي وليس من قول
стр. 148
النبي ﷺ «١»، وقد أفتى غير ذلك ببطلان بعض الأحاديث التي سئل عنها، وأجاب بصحة غيرها «٢»، وكان يستفتي في تفسير بعض الأحاديث ويجيب عن التعارض بين الأحاديث ويبين، كيفية الاستنباط منها والعمل بها بأجوبة حسنة تدل على تمكنه في ناحيتي السند والمتن وسعة اطلاعه التي شملت كتب الحديث والرجال المختلفة.
على أن ما أبغي الوصول إليه من اهتمام السيوطي البالغ بعلم الحديث وإفناء جلّ وقته فيه هو أن عقليته قد تأثرت تأثرا كبيرا بعلم الحديث بحيث أستطيع القول بأنه أولا وقبل كل شيء محدّث من النوع الأول، والأثر الذي تركه التمرس بعلوم الحديث في عقله تجلى في عنايته بالنقول والنصوص، واتضح تشربه بعلم الحديث، وتأثير ذلك في عقليته في سائر فروع المعرفة التي تناولها، كما استعلن في كثير من كتاباته المتنوعة، ونجد في غالب آثاره شواهد لما نقول حيث تشيع فيها ظاهرة النقل والاهتمام
بذكر المنقول عنهم، وهكذا فلقد أثر منهج المحدثين الخاص بالرواية في التأليف عند السيوطي بحيث إنه كان حريصا في كل مؤلفاته على أن ينسب كل قول إلى قائله، والكتاب الذي نقل عنه وسنشير إلى هذه الفكرة عند الحديث عن دراساته اللغوية التي طبق عليها منهج المحدثين.
ويؤكد هذه الفكرة أيضا ما نلحظه في كتاباته الأدبية التي كان عليه أن يتحرر فيها من النقل، بيد أن روح المحدث وعقليته وطريقته تبدو ظاهرة في أقواله وأسلوبه بين حين وآخر، ففي المقامة المسكية في أنواع الطيب- مثلا- يتحدث عن الموازنة بين أنواع الطيب وهي المسك والعنبر والزعفران وغيرها، حيث يتحدث كل واحد منها عن نفسه مبينا فضيلته، ويتبع السيوطي فيها ما شاع في عصره من محسنات لفظية، ويهمنا هنا أنه ظهرت فيها ثقافته الحديثية بحيث يدرك قارئها أن صاحبها قد تشرب بهذه الثقافة أكثر من أي شيء آخر «٣»، وفي
стр. 149
مقامة أخرى نجد نفس الظاهرة التي تدل على ما نقول إذ يبدأ المقامة بقوله:
«حدثنا الريان عن أبي الريحان عن أبي الورد أبان عن بلبل الأغصان عن ناظر الانسان عن كوكب البستان عن وابل الهتان قال مررت يوما على حديقة ...
الخ» «١»، فليست هذه المقدمة للمقامة الوردية في الزهور إلا انعكاسا وتأثرا بما عاناه في دراساته الجادة لعلوم الحديث، فجاءت بما فيها من عنعنة معبرة عما بباطن عقله، كما أن المقامة لا تخلو من كثير من الأحاديث التي يحرص صاحبها على ذكر أسانيدها والكتب التي خرجتها برغم أن المقام ليس مقام استنباط شرعي أو استدلال علمي وإنما هو مقام نزوح أدبي، وسائر مقامات السيوطي تشهد لما قلناه، وتشيع فيها نفس الظاهرة وتؤكد نفس الفكرة، بل إن منظوماته الشعرية لم تخل- في بعض الأحيان- من هذه الروح كقوله:
لم لا نرجي العفو من ربنا ... وكيف لا نطمع في حلمه
وفي الصحيحين أتى أنه ... بعبده أرحم من أمه
وقوله:
حدثنا شيخنا الكناني ... عن أبه صاحب الخطابة
أسرع أخا العلم في ثلاث ... الأكل والمشي والكتابة «٢»
وفي غير ما ذكرنا من شعر له نجد في بعض الأحيان مصداق ما قلناه.
نستطيع أن نخلص مما تقدم إلى أن عقلية السيوطي عقلية الرجل المحدّث الذي يصب اهتمامه الأول على الأسانيد ويهتم بالرواة والنقلة، وأن نظرته إلى العلوم هي نظرة المحدّث وقد كان لذلك أثره في طريقة تأليفه وعنايته البالغة بالنقول وإيراد أسماء أصحابها وأسماء الكتب التي نقل عنها، وحرصه الشديد على عدم إغفال ذلك.
بيد أن ثمة أمرا لا ينبغي أن نغفله لصلته بالرواية ومدى التشدد والتسامح في قبولها، هذا الأمر هو أن السيوطي كان رجلا متصوفا انخرط في سلك
стр. 150
الصوفية، فهل كان لانخراطه أثر في منهجه في الرواية تشددا وتحرجا أو تسامحا وتساهلا؟، للإجابة على ذلك لا بد أن نتناول تصوف السيوطي بشيء من الحديث نستجلي به أبعاده ونستوضح به غوامضه.
السيوطي والتصوف:
سبق أن أشرنا إلى أن التصوف في عصر السيوطي كان يتخذ شكل ظاهرة اجتماعية واضحة في البيئة المصرية، وأن تياره كان من القوة بمكان، وقد ساعد على ذلك عوامل متنوعة أهمها وجود المنشآت الصوفية التي سميت بالخوانق أو الزوايا والربط.
نشأ في هذه البيئة، وكان للتصوف أثر كبير في توجيه حياته، فجده الأعلى همام الدين كان من مشايخ الطريق، وكان لوالده ميل إلى التصوف، والكمال بن الهمام أحد الأوصياء عليه كان من المتصوفة وقد ولى مشيخة الشيخونية.
كما أن والد السيوطي قد حمله بعد مولده كما سبق أن رأينا إلى أحد كبار الأولياء ليباركه ويدعو له، وإذا كانت بيئة السيوطي الخاصة التي تتمثل في أسرته والمحيطين به وبيئته العامة التي تتمثل في المجتمع، كلتاهما يجد التصوف فيها منبتا حسنا، فلا عجب أن نشأ السيوطي ميالا منذ صغره إلى سلوك طريق المتصوفة.
ومنذ وقت مبكر نصب السيوطي نفسه للدفاع عن الصوفية ورجالها، وقد رأينا اشتراكه في المعركة حول ابن الفارض وقيامه بنصرته، وإفراده لذلك مؤلفا سماه «قمع المعارض في نصرة ابن الفارض» وقد دافع كذلك عن ابن عربي وأفرد للدفاع عنه مؤلفا سماه «تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي».
وله مؤلفات أخرى في التصوف تشهد بحبه العميق لطريق المتصوفة ودفاعه عنهم، وقد ولي منذ وقت مبكر من حياته مشيخة التصوف بتربة برقوق، وقد سبق أن رأينا اتجاهه العلمي في التصوف أواخر حياته، إذ اعتزل الناس واعتكف في بيته وتجرد إلى الله، وأكب على العبادة والتأليف.
بيد أن الذي يهمنا الآن من هذا كله هو النظر في الآثار التي تركها في
стр. 151
التصوف، وهل لها دلالات معينة على عقله ومنهجه في التفكير؟.
لقد ترك السيوطي في التصوف عددا لا بأس به من الرسائل، وأفتى ببعض الفتاوى فيه ونرى في فتاواه تعمقه في فهم التصوف ومصطلحاته ومذاهب أهله، كما نرى دفاعه عن رجال التصوف المبرّزين وانتصاره لهم، كذلك نرى دفاعه عما يصدر عن المتصوفة من أفعال ينكرها عليهم أهل الظاهر، ويعد ذلك من الأحوال التي تعرض لهم، وعلى غيرهم أن يسلم بها «١».
والذي نلاحظه على كتاباته في التصوف حبه العميق للمتصوفة وحسن ظنه بهم، وتساهله في إيراد الأحاديث التي تدعم أقوالهم، ولو كانت هذه الأحاديث تروي غرائب أو أشياء قد ينكرها العقل، ولا يقر بقبولها.
فهو مثلا يكتب رسالة يسميها «المنجلي في تطور الولي» «٢»، يحاول أن يثبت فيها نقلا وعقلا إمكان وجود الولي في أكثر من مكان في الوقت الواحد، ويفيض في الأقوال المثبتة لما يقول وبالرغم من ذلك فإنه في كلامه عن حديث «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة»، والذي عقد له رسالة سماها «القول الجلي في أحاديث الولي» «٣»، لم يزد على إيراده بأمانة جميع الطرق التي ورد بها الحديث وكلام أصحاب الحديث عن رجال هذه الطرق وتضعيف بعضهم، والحكم على الحديث بالضعف أو بالغرابة، ولم يعلق على ما نقله بشيء، وهذا يدلنا في الحقيقة على أمانته وتحرجه، بيد أنه لميله إلى التصوف يرجح ما يسند أقوالهم، فهو يرجح- مثلا- كون الحسن البصري قد لقي علي بن أبي طالب ﵁ وروى عنه، مع نص ابن حجر وغيره من كبار المحدثين على أنه لم يلقه، وذلك لأن المتصوفة يروون أن عليا قد ألبس الحسن خرقة التصوف، فإثبات عدم اللقاء يهدم قولهم ولذلك كتب السيوطي رسالة سماها «إتحاف الفرقة برفو الخرقة» حاول فيها إثبات رواية الحسن عن علي وبالتالي إثبات الباسه إياه خرقة
стр. 152
التصوف «١». ورجح كون الخضر وإلياس ﵉ على قيد الحياة، وأجاب عن ذلك بأنه يرتضي القول الذي يذهب إلى أنهما من الأحياء فقال:
والمرتضى قول الحياة فكم له ... حجج تجل الدهر عن إحصاء
خضر وإلياس بأرض مثل ما ... عيسى وإدريس بقوا بسماء «٢»
بيد أنه يلاحظ عليه التساهل في إيراد الأحاديث التي تدعم ما يذهب إليه الصوفية، وبالرغم من أنه لا يصف طرق هذه الأحاديث بغير ما وصفها به المحدثون فإنه يحاول أن يتلمس أكبر عدد من الطرق التي وردت للحديث الواحد لتقوية ما يورده، ويتضح ذلك فيما أورده عن وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال، وهو ما اشتهر عند الصوفية، وقد قوبل بالانكار فألف في ذلك رسالة سماها «الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال» «٣»، ذكر فيها جميع الأسانيد التي روى بها الحديث وبالرغم من نصه على أن جميع ما ورد كان مرفوعا أو موقوفا فإنه يميل إلى اعتقاد ما ذكره لكثرة الطرق، وكثير من الأخبار التي أوردها عن التابعين وعن غيرهم في هذا المجال فيها تساهل يجعلنا لا نطمئن إليها.
على أن التساهل في قبول الروايات الذي رأيناه عنده بصدد التصوف في بعض الأحيان قد ظهر لديه في أماكن أخرى حيث أورد كثيرا من الأخبار غير الصحيحة أو الموضوعة ولم ينبه على وضعها، ففي حديثه عن نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان أورد بعض الاسرائيليات التي رواها كعب الأحبار ووهب ابن منبه وأضرابهما ولم ينبه عليها «٤»، وفي الحديث عن أخبار المهدي «٥»، أورد كثيرا من الروايات التي نقلها عن أبي نعيم وغيره، وكثير مما نقله تشهد متونه باستحالة صحته، ومع ذلك لم ينبه إلى حقيقة هذه الأخبار وإنما اكتفى بجمع ما
стр. 153
يتصل بالمهدي، وبعض هذه الأخبار يبدو عليه مسحة الوضع في العصر العباسي لا سيما الأخبار التي وردت فيها الاشارة إلى الرايات السود التي تخرج من قبل المشرق، وبعض هذه الأخبار يجعل خروج المهدي انتقاما من أهل الشام وظلمهم، وأن المهدي سينتقم منهم، ويعدل بين المسلمين ويتضح من روح هذه الأخبار أنها من الموضوعات زمن الأمويين، وجانب من الأخبار يذكر فيه السفياني الذي يهاجم الكوفة ويطلب أهل خراسان، والمعروف في التاريخ أن السفياني كان أحد الخارجين على الدولة العباسية، إلى كثير من الأخبار التي تمتزج بأحداث التاريخ المتعاقبة التي مرت بالأمة الاسلامية والتي يتضح فيها أنها لم تخل من حشو كثير وتزيد، كما أن بعضها تقطع ببطلانه ووضعه، كذلك فإن من الضعيف أو الموضوع الذي قبله السيوطي الأحاديث التي تتصل بعمر الدنيا، وأنه سبعة آلاف سنة «١»، على أن قبوله لبعض هذه الأحاديث كان نتيجة لما شاع في عصره من اعتماد الناس على حديث باطل هو أن النبي ﷺ لا يمكث في قبره ألف سنة، وقد بين السيوطي بطلان هذا الحديث، وبين أن مقدمات الساعة وأشراطها وما ورد في ذلك من آثار تقضي بمجاوزة الأمة الألف، وذكر أن الأمة لن تجاوز بعد الألف خمسمائة عام، وقد كان غير موفق في هذا التقدير لأن أشراط الساعة من خروج الدجال والمهدي وغيره تستلزم أكثر من مائتي عام- كما نص على ذلك- وهذا ما لم يحدث إلى الآن، والحق أنه كان عليه أن يتوقف في مثل هذا الموضوع وأن يبتعد عن التقدير في مثل هذه الغيبيات «٢».
ومن قبيل ما ذكرناه جملة كثيرة من الأحاديث التي ساقها في كتابه «الخصائص الكبرى» أو «كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب» فقد تساهل في إيراد وقبول كثير من الآثار في سيرة النبي ﷺ وأورد كثيرا مما نص أئمة الحديث على وضعه وبطلانه. نخلص من ذلك إلى أن السيوطي برغم معرفته التامة بالحديث وعلومه ونقده فإنه كان يميل إلى التساهل في قبول المرويات التي تتصل بالتصوف والمسائل الغيبية، والأمور المستقبلية وقد كان هذا التساهل ناتجا عن انخراطه في
стр. 154
سلك الصوفية، وقد عرف الصوفية بالتساهل في رواية الحديث، وفي رواية أخبار صلحائهم وكراماتهم، ولم يعتد الفقهاء بما يشتهر على ألسنة العامة من كرامات الأولياء أو بما يشتهر على ألسنة الصوفية فكثير منهم يجهل شروط صحة النقل، وكثير منهم يروي ما يسمعه ويحسن الظن بناقله، ولقد كان ذلك سببا في قول بعض علماء الحديث «إن من إخواننا من نرجو بركة دعائه، ولو شهد عندنا بشهادة ما قبلناها» «١».
وقد حذر رجال الحديث منذ القدم من الرواية عمن عرف بالصلاح إذا لم يكن من أهل الضبط والدراية وقال قائلهم: «ما رأيت الصالحين في شيء أشدّ فتنة منهم في الحديث» «٢». بيد أنه للانصاف فإننا ينبغي أن نأخذ أنفسنا بشيء من التحفظ في وصف السيوطي بالتساهل في قبول بعض المرويات، فهو ينقل ما ينقله بأمانة وينص على كونه ضعيفا أو مرفوعا أو موقوفا أو أن بعض النقلة غير موثق، ولا يخفي شيئا من هذه الأوصاف، فهو من ناحية البحث العلمي يقدم لنا الوصف الصحيح، ولكنه تأثرا بتصوفه يميل بقلبه إلى قبول ما يرويه والدفاع عنه في بعض الأحيان برغم أن كثيرا من هذه الأخبار في مرتبة الضعيف أو الغريب ولم ترتق إلى الحسن أو الصحة كما أن كثيرا منها موضوع. وهو يحاول- أحيانا- أن يجد لبعض الموضوعات مدّخلا في قسم الضعيف.
السيوطي الفقيه:
بلغ السيوطي درجة الاجتهاد في الفقه، وقد طبقت فتاواه الفقهية أرجاء العالم الاسلامي في حياته، وتشهد آثاره الفقهية بمقدرته، وقد كان شافعي المذهب، وبالرغم من بلوغه درجة الاجتهاد المطلق فإنه كان في فتاواه يفتي بمذهب الشافعي، وقد تولى تصدير الفقه بالجامع الشيخوني مكان أبيه منذ وقت مبكر في حياته.
ودراسة الفقه ومعاناته تربط صاحبه بالبيئة التي يعيش فيها، وتجعله على
стр. 155
اتصال دائم بحاجات الناس ومشكلاتهم وما يجد من مستحدثات يطلبون فيها حكم الله فيعمل الفقيه عقله واستنباطه فيما عنده من نقول ويجتهد لينقل حكما يناسب ما جدّ من حادثات، أو يستنبط هذا الحكم، وحياته بالرغم من كونه فقيها متأخرا كانت مثالا لما نقول، فطالما استفتى في كثير من المسائل التي فتش عن إجاباتها ونقلها، أو استنبطها مما لديه من نقول وأدلة.
وبالرغم مما وصل إليه من درجة عالية في الفقه أهلته للاجتهاد المطلق كالأئمة المجتهدين فإنه كان في اجتهاده- كما قال- مجتهدا مطلقا منتسبا أي أنه لم يخرج في غالب اجتهاده عن مذهب الامام الشافعي، وقد دافع عن فكرة الاجتهاد وبين أن كل عصر لا ينبغي أن يخلو من مجتهد، وهذا اتجاه نحمده له، فهو يدل على عقليته المتحررة التي ثارت على بعض ما بعصره من جمود.
ولا يعنينا هنا التعرض لفتاوى السيوطي فهي من الكثرة بمكان، ولا يعنينا التعرض لمصنفاته الفقهية وجهوده فيها، وإنما نكتفي مما ذكرناه بأن نستدل على أن عقليته قد صبغها الفقه بصبغته وأثر فيها تأثيرا كبيرا، والفقه يستلزم من صاحبه إعمال عقله فيما لديه من نقول، ونقد النقول وفهمها الفهم الجيد، ثم تطبيقها العملي على الحوادث.
وتأثر السيوطي بالفقه ودراساته، وإقباله على ما كتب فقهاء عصره، وما تركه السلف من كتب سنرى أثره عند الحديث عن الجانب اللغوي عنده حين يدرس مسائل العربية على غرار دراسة الفقهاء للفقه.
وجدير بالذكر أن نذكر اهتمامه بعلم أصول الفقه الذي سيطبق منهجه على اللغة حين يحاول إنشاء علم يسمى بعلم أصول النحو، وحسبنا هذا القدر في الحديث عنه فقيها لأنا لا نبغي سوى تبين ثقافاته المتنوعة وجوانب عقليته والمؤثرات فيها لكونها أصولا ترفد منهجه في التفكير وتعين على تحديده.
السيوطي والأدب:
جدير بنا في ختام الحديث عن عقله ومنهجه في التفكير أن نتناول لغته في التعبير، ويقتضي ذلك منا أن ننظر في إنتاجه الأدبي، إذ تعيننا كتاباته جميعها على
стр. 156
الحكم على طريقة التعبير عنده، كما ينبغي ألا نغفل تعبيره الشعري، فله من الإنتاج الشعري ما يجدر أن نقف عنده بعض الوقت.
ومن العجيب أنه قد جعل الترسل والانشاء في أواخر قائمة الفنون التي أجادها «١»، ولكن هذا في الحقيقة يعني أن إجادته لهما دون إجادته وعنايته بغيرهما، وإن كان ذلك لا يعني أنه لم يدل في هذين الفنين بدلوه.
وقد عني بالإنشاء والترسل الكتابة الأدبية لا العلمية أو كتابة الدواوين ورسائلها، وهو أقل إنتاجا فيها، بيد أن له عددا كبيرا من المقامات والرسائل الأدبية والافتتاحات الأدبية الجميلة التي تعطينا صورة عن حياته الأدبية وأسلوبه لا سيما أنه قد عاش غضوبا سيال القلم تكلفه الغضبة رسالة يكتبها انتصارا لنفسه ومن هذه الرسائل نستطيع التعرف عليه أديبا معبرا عن نفسه مصورا مشاعره.
وقد كانت الكتابة الأدبية في عصره- كما سبق أن بينا- يطغى عليها البديع، وأصبح ذلك التسابق في استخدام المحسنات اللفظية على اختلاف ضروبها شغل الكتاب الشاغل، وهو ما دعا السيوطي إلى الاعتراف بأنه لم ينبغ النبوغ الكافي في الانشاء والترسل، فهو حقا لم يبلغ ما بلغه كبار كتاب العصر السابقين له الذين برزوا في مدرسة البديع، وطول الاشتغال بالعلم وممارسة التأليف لا تترك لصاحبها فرصة لاتباع البديع والتزام المحسنات. على أن السيوطي قد جرى على نفس المنهج وسابق رجاله، فصدرت عنه رسائل ومقامات وكتب كثيرا من مقدمات كتبه ملتزما الأسلوب البديعي، ولكنه له بعض الرسائل التي تحرر فيها من بعض قيود اللفظ إلى حد ما، ولم تأسره الصناعة اللفظية.
وقد كان أسلوبه في هذه وتلك تبدو فيه السهولة والوضوح والتجافي عن الغموض والتعقيد وهو متصل بما قدمنا من مميزات شخصيته التي تأثرت بالبيئة المصرية التي تميل إلى الاستقامة والسهولة والوضوح.
وقد كتب السيوطي مقامات متنوعة اتبع في بعضها نهج الحريري وبديع
стр. 157
الزّمان في ابتداع شخصية طريفة تدور حولها القصة، وتحرر في أكثرها من هذا المنهج فضمن بعض مقاماته موازنات ومنافرات وضروبا من الجوار التمثيلي كما في مقامته المسكية في أنواع الطيب، ومقامته الوردية في أنواع الرياحين، والتفاحية في أنواع الفواكه، والفستقية في أنواع النقول وغيرها، وبعض مقاماته يعتبر مقالات أو رسائل تعرض لموضوع معين ونتناوله بالمعالجة وذلك كمقامته اللازوردية في التعزية عن فقد الأولاد، ومقامته في وصف الروضة والمقامة الطاعونية وغير ذلك.
فالمقامة المسكية يفترض فيها المؤلف اجتماع أمراء الطيب ومنافرتها وقيام أحد الحكام بإعطاء كل منهم أوصافه وحقوقه، وقد حكم بين المسك والعنبر والزعفران فقدم المسك وجعل العنبر ثانيا والزعفران في المرتبة الثالثة، وصرح لكل بفضله «١»، وقد التزم السيوطي المحسنات اللفظية في سائر المقامة، وفي المقامة الوردية «٢»، افترض أن الأزهار قد اجتمعت عساكرها واتفقت على عقد مجلس لاختيار من هو أحق بالملك فصعد كل منها المنبر ليبدي فضيلته وحجته، وهو يلتزم فيها أيضا الأسلوب البديعي فيقول فيها: « ... واتفقت على عقد مجلس حافل، لاختيار من هو بالملك أحق وكافل، وها أكابر الأزاهر، قد صعدت المنابر، ليبدي كل حجته للناظر، ويناظر بين أهل المناظر، في أنه أحق أن يلحظ بالنواظر، من بين سائر الرياحين النواضر، وأولى بأن يتأمر على البوادي منها والحواضر ... الخ» «٢».
أما المقامتان التفاحية والفستقية فهما وصف لأنواع الفواكه والنقول وفوائدها المتنوعة، وما ورد فيها من الآثار مع العناية بالتزام الأسلوب البديعي الذي يتسم بالتكلف في غالب الأحيان. وتمتلئ مقامات السيوطي بالآيات والأحاديث التي يضمنها عباراته كما تشيع فيها الحكم والأمثال والأشعار الكثيرة، واختياره للأشعار يدل على ذوق أدبي جميل، وفي مقامته التي خصصها للتعزية عن فقد
стр. 158
الأولاد «١»، بدأها بقوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ثم بين أن المصاب بفقد الأولاد من أعظم المصاب، وتحدث عن الصبر وما فيه من الأجر، وأورد الأحاديث التي تتحدث عن أجر الصبر على فقد الولد
وأخذ يسرد الآثار والأخبار بأسلوب مقنع واضح، وبين ما للأطفال عند ربهم، ثم ختمها بقوله: «فيا أيها الوالد الجريح، والواله القريح، ماذا البكاء والصريخ، بعد هذا الخبر الصريح، وماذا العويل والضجيج بعد ما ثبت في الحديث الصحيح، وماذا التلهف والتأسف بعد هذا القضاء المريح المريح».
فإن كنت تبكيه طلابا لنفعه ... فقد نال جنات النعيم مسارعا
وإن كنت تبكي أنه فات عوده ... عليك بنفع فهو قد صار شافعا
فطب نفسا بهذا الفضل العظيم، وقرّ عينا بنزول ولدك في جوار الرب البر الرحيم وأنشد عن نفسك قول شاعر حكيم:
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
وإن تلوت «يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم»، فاتل تلوها «إنما أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجر عظيم ... الخ» «٢».
على أنه قد تطرق في مقاماته إلى موضوعات فيها شيء من المجون والأدب المكشوف فمن مقاماته «رشف الزلال من السحر الحلال» «٣»، وتسمى مقامة النساء، وقد تحدث فيها بلسان عشرين عالما يصف كل منهم ما جرى بينه وبين عروسه ليلة دخوله بها موريا باصطلاحات علمه وفنه، وبالمقامة تعبير مكشوف وميل إلى المجون برغم أنه بدأها بمقدمة استحث فيها على الزواج والابتعاد عن المحرمات، وقد التزم فيها المحسنات اللفظية وأكثر من إيراد الأشعار، وإذا كان
стр. 159
قد انزلق إلى هذا الضرب من الأدب الماجن مع ما عرف عنه من زهد وتقوى وجد فلعل له عذره في ذلك، فهو أديب والأديب طروب، والنفس تمل من طول الجد وتميل إلى التروح، ولم يكن لدى الرجل من أسباب التروح غير ما يقرأه أو يكتبه. أما أسلوبه في مقدمات كتبه وفي رسائله الأدبية الأخرى فقد التزم فيه النهج البديعي واستعمل المحسنات اللفظية، أما في كتاباته العلمية فقد تحرر من البديع وأرسل قوله على عواهنه وتميز أسلوبه العلمي بالسهولة والوضوح والاستقامة وحسن العرض، ولولا تجنب الاطالة لمثلنا لجميع ذلك بأمثلة توضح ما نذهب إليه.
السيوطي الشاعر:
وليس غريبا أن يكون الرجل شاعرا فقد رأيناه أديبا يجيد فن القول النثري كما عرفه عصره، وقد كان بالاضافة إلى ذلك شاعرا، وقد ذكر أن له ديوان شعر، وقد رأينا له بعض الأشعار الجيدة، أما منظوماته العلمية فهي من الكثرة بحيث يعسر إحصاؤها وله كثير من الأجوبة الفقهية التي أجاب بها نظما، وله عديد من المنظومات التي تعرض فيها لموضوعات علمية دقيقة.
وهكذا فإن الغالب على شعر الرجل الطابع العلمي حتى في أشعاره التي أنشأها في غير الأغراض العلمية، ولكن هناك أمرا يدل على ذوقه الشعري يتضح في اختياراته الشعرية التي أوردها في بعض كتبه ورسائله، وهي تدل على حسن تذوقه وفطرته السليمة.
وقد نظم في الأغراض الشعرية المختلفة فله في المدح والرثاء والمديح النبوي، والاخوانيات والأحداث العامة، غير أنه كما قلنا ذو باع طويل في نظم العلوم والفنون، وله في المنظومات العلمية إنتاج كبير نذكر منه ما يلي:
١ - التبري من معرة المعري، وهي أرجوزة في أسماء الكلب «١».
٢ - الخلاصة نظم كتاب الروضة في الفقه.
стр. 160
٣ - الفريدة: ألفية في النحو والصرف والخط «١».
٤ - قطف الثمر في موافقات عمر «٢»، أرجوزة فيما وافق فيه سيدنا عمر التنزيل.
٥ - مختصر ملحة الاعراب للحريري في مائة وعشرين بيتا.
٦ - موشحة في النحو «٣»، أولها:
إلى إله الأنام من نحلا ... أفضاله كل آمل أملا أرغب
٧ - التثبيت عند التبييت «٤»، وهي أرجوزة في سؤال الميت في القبر نحو مائة وخمسين بيتا.
٨ - تحفة المجتهدين في أسماء المجددين «٥»، منظومة في الحديث عمن يبعثه الله على رأس كل مائة.
٩ - تعريف الفئة بأجوبة الأسئلة المائة «٦»، وهي إجابة على نحو مائة من الأسئلة والألغاز أجاب عنها نثرا، ثم نظم إجاباتها.
على أن له كثيرا من المنظومات غير ما قدمنا، وله مقطوعات نظمية كثيرة أجاب بها عن الأسئلة التي كانت ترد إليه نظما، وكتاب الحاوي ملىء بأمثال هذه الأسئلة
والفتاوى التي أفتى بها نظما، إلى جانب فتاواه النثرية في جميع فروع المعرفة التي أجادها.
ومن أمثلة شعره في الرثاء قوله في شيخه الشمنيّ المتوفي عام ٨٧٢ هـ «٧»:
رزء عظيم به تستنزل العبر ... وحادث جلّ فيه الخطب والخبر
رزء مصاب جميع المسلمين به ... وقلبهم منه مكلوم ومنكسر
стр. 161
ما فقد شيخ شيوخ المسلمين سوى انهدام ركن عظيم ليس ينعمر
رزيئة عظمت بالمسلمين وقد ... عمت وطمت فما للقلب مصطبر
تبكيه عين أولى الاسلام قاطبة ... ويضحك الفاجر المسرور والغمر
ومن أمثلة منظوماته قوله في موافقات عمر ﵁ «١».
الحمد لله وصلى الله ... على نبيه الذي اجتباه
يا سائلي والحادثات تكثر ... عن الذي وافق فيه عمر
وما يرى أنزل في الكتاب ... موافقا لرأيه الصواب
خذ ما سألت عنه في أبيات ... منظومة تأمن من شتات
ففي المقام وأسارى بدر ... وآيتي تظاهر وستر
وذكر جبريل لأهل القدر ... وآيتين أنزلا في الخمر
وآية الصيام في حل الرفث ... وقوله نساؤكم حرث يبث
وقوله لا يؤمنون حتى ... يحكموك إذ بقتل أفتى
... إلى آخر المنظومة.
ومن الأسئلة التي وردت إليه نظما وأجاب عنها نظما، وهي كثيرة مبثوثة في كتابه ما سئل عنه في ضبط كلمة «يطلع» فسئل «٢»:
يا عالما فاق أهل العصر والأثر ... وزان أهل النهي في الخبر والخبر
هل لام يطلع مضموم ويضبطها ... بذاك ذاكرها في البدو والحضر
أو ينصبوها وضم اللام ذا خطأ ... كما تفوه شخص من أولي الفكر
فأجاب بقوله:
الحمد لله مزجي السحب بالمطر ... ثم الصلاة على المختار من مضر
بالضمّ يطلع منقول وشاهده ... تطلع على قوم المقروء في الزبر
والواقع أن المنظومات العلمية للسيوطي من الكثرة بحيث يدهش المرء من
стр. 162
تنوعها وتناوله فيها مختلف المسائل من مختلف ألوان المعرفة. ولعلنا بذلك نكون قد مثلنا لما عنده من الشعر وأعطينا صورة واضحة له.
وإذ كنا قد بينا معالم ثقافته، وألقينا الضوء على عقله ومنهجه الفكري وحددنا أصول هذا المنهج واتجاهاته بما أثر فيها من مؤثرات علمية وبيئية، فليس أمامنا الآن سوى الحديث عن الآثار التي خلفها السيوطي والتي كانت تتناول جمع فروع المعرفة.
стр. 163
آثار السيوطي
عرف السيوطي بكثرة مؤلفاته، وقد أعانه على القيام بتأليف العدد الكبير من الكتب المنسوبة إليه ما طبع عليه من حب للتأليف وصبر عليه، وما عرف عنه من سرعة الكتابة، فقد روى عنه تلميذه شمس الدين الداوديّ أنه عاين أستاذه «وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا» «١».
على أن هذه الكثرة الكاثرة من الكتب المنسوبة له تجعل من العسير علينا أن نقوم بإحصائها على وجه الدقة، وأكثر عسرا أن نتتبعها لنعرف الموجود منها والمفقود، وما طبع وانتشر وما لا يزال مخطوطا، وقد عانيت في هذه المحاولات كثيرا من الجهد، وتكلفت كثيرا من المشقة.
واحصاء هذه الكتب متفاوت بين من حاولوا إحصاءها، فالسيوطي قد ذكر في ترجمته لنفسه نحو ثلاثمائة مصنف، بيد أن قائمة الكتب التي سردها ليست الفيصل في آثاره التي خلفها إذ يبدو أنه قد ألف بعد كتابتها كثيرا من الكتب التي لم يذكرها فيها، كما يبدو أن هذه القائمة قد سقط منها على أيدي النساخ أسماء بعض الكتب، أو نسي هو ذكره، كما تغافل عن ذكر بعض الكتب التي قال إنه رجع عنها، والذي يؤكد لي هذه الفكرة أنه لم يذكر بين قائمة كتبه كتابا يعد من أهمها وهو كتاب المزهر، وليس هناك أدنى شك في نسبة الكتاب إليه فقد صرح باسمه في بعض كتبه الأخرى وأشار إليه، فوردت إشارته إليه أكثر من مرة في كتابه «النكت على الألفية لابن مالك والكافية لابن الحاجب ... »،
وهذا الكتاب قد أتم السيوطي تأليفه عام ٨٩٥ هـ «٢»، مما يؤكد تأليف المزهر أو
стр. 164
الشروع فيه على يده قبل ذلك التاريخ، ونرجح أن إغفال ذكره جاء سهوا من المؤلف والأرجح أنه سهو من الناسخ.
والجدير بالملاحظة أن بعض كتب السيوطي قد مكث يعمل في تأليفها ردحا من الزمن، يكتب حين يفرغ لها بعض أجزائها، ثم يشغل بأخرى أو تجرفه أحداث الحياة، ثم يعاود بعد حين ما بدأه منذ وقت بعيد، وقد حكى عن نفسه ذلك في بعض كتبه، فالكتاب السابق «النكت» ذكر أنه شرع فيه عام ٨٦٧ هـ، وصنفه على ترتيب الألفية فكتب فيه إلى المعرب والمبني، ثم عاود الكتابة عام ٨٧٦ هـ، فكتب جزء آخر، ثم عاود الكتابة عام ٨٨٥ هـ، فانتهى إلى حروف الجر ثم أنهى تأليفه عام ٨٩٥ هـ «١».
وفي مقدمة «اللئالئ المصنوعة» يبين أنه شرع في تأليفه عام ٨٧٠ هـ وفرغ منه عام ٨٧٥ هـ وكتب منه عدة نسخ، بيد أنه بدا له في عام ٨٩٥ هـ أن يعيد كتابته مرة أخرى مع بعض التغييرات والزيادات التي رآها لازمة لمؤلفه، فأعاد تأليف الكتاب مرة أخرى «٢».
كما توضح مقدمته لكتابه «بغية الوعاة» أنه شرع في جمعه والاعتداد له منذ عام ٨٦٨ هـ، وأنه لم يخرجه على صورته الأخيرة إلا بعد عام ٨٩٩ هـ، بعد أن كان بمكة واطلع على ما جمعه صديقه الحافظ نجم الدين بن فهد «٣».
والملاحظة الثانية أن الجانب الأكبر من مؤلفاته يتمثل في رسائل صغيرة أو كتيبات ما بين صفحة واحدة وبضع عشرات من الصفحات، وما هو دون العشر كثير فله نحو ثلاثين مقامة لا يتجاوز أكثرها عشر صفحات، وقد طبع من رسائله في كتاب «الحاوي للفتاوي» ثمانون رسالة، كما أن هناك مخطوطا قد عثرت عليه بدار الكتب يحوي نحو ١١٤ رسالة له تكرر بعضها بكتاب الحاوي، وكثير من رسائله لا يزال مخطوطا، وبدار الكتب المصرية عدد كبير منها، بعضها في مخطوط مفرد، وبعضها ضمن مجاميع له أو مجاميع لأكثر من
стр. 165
مؤلف، وبالرغم من ذلك فإن كتبه المطولة تمثل عددا كبيرا، وقد طبع من آثاره إلى الآن عدد لا بأس به، إلا أن قدرا كبيرا من هذه الآثار لا يزال مخطوطا، كما أن جانبا من آثاره قد ضاع وفقد على ما أرجح.
والملاحظة الثالثة تتصل بوثاقة هذه المؤلفات وصحة نسبتها أو نسبة ما بها إلى السيوطي وهذه النقطة تستلزم دراسة لكل مؤلف منها منفردا، وهذا ما يستحيل القيام به تجاه أربعمائة أثر أو أقل أو أكثر، بيد أن كثرة المطالعة في كتبه جعلتني أستوضح شخصيته وأسلوبه وفكره الذي أستطيع تبينه ومعرفته في مؤلفاته، بالاضافة إلى ما يكتبه من إشارات متناثرة في داخلها عن بعض الأحداث التي تعرض لها في حياته أو إشاراته إلى كتبه الأخرى بما يجعلنا نطمئن إلى صحة نسبة أكثر هذه الكتب إلى السيوطي، ولكن ذلك لا يمنع أن بعضها قد دخله في بعض الأحيان حشو من قبل بعض تلاميذه أو من غيرهم، غير أن ذلك- على ما أرجح- قليل جدا، وقد استطعت أن أعثر في كتابيه «حسن المحاضرة»، و «الكنز المدفون»، على نصين قطعت بأنهما مما زيد على كتبه بعد موته فقد تحدث السيوطي في حسن المحاضرة عن سلاطين مصر من المماليك وسردهم سردا سريعا حتى انتهى إلى قانصوه الغوري، وإلى هنا يمكن أن نقول: إن ما كتب كان على يد السيوطي، إذ إن الغوري كان آخر السلاطين الذين
عاصرهم، وقد توفي السيوطي عام ٩١١ هـ واستمر حكم الغوري إلى عام ٩٢٢ هـ، ونجد في الكتاب بعد ذلك مباشرة أن الغوري: «أقام في الملك إلى أن خرج من مصر في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة في جيش كبير إلى البلاد الحلبية لملاقاة السلطان سليم بن عثمان فوقع المصاف بينهما بمرج دابغ في خامس عشري رجب من السنة المذكورة، فمات في ذلك حتف أنفه ولم توجد جثته، ثم في يوم الجمعة رابع عشر شهر رمضان من السنة المذكورة تولى طومان باي الدوادار ابن أخي الغوري ولقب بالأشرف، ثم ان السلطان سليم بن عثمان دخل مصر في يوم الخمس سلخ الحجة سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة وأقام بمصر إلى أن رحل عنها في رابع عشري شعبان من السنة المذكورة، وخلف عليها خاير بك المحمدي، ثم إن ابن عثمان مات ببلاد الروم في ليلة السبت تاسع شوال سنة ست وعشرين، وقام بعده في الملك ولده
стр. 166
سلطان العصر سليمان نصره الله تعالى، ثم مات خاير بك في ثالث عشري ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، ثم ولي بعد خاير بك مصطفى أحد وزراء السلطان سليمان، ثم في شهر رمضان قدم من الروم أمير لنيابة مصر يسمى قاسم، ثم جاء من بعده أحمد باشا، ثم من بعده سليمان باشا خسرو، ثم من بعد خسرو أعيد سليمان باشا ثم من بعده الزيني داود باشا متوليها الآن أدامه الله تعالى» «١».
وواضح أن النص السابق قد وضع بعد السيوطي فأحداثه جميعا قد وقعت بعد وفاته، والنص كما يبدو يستمر في الحديث عن أحداث وقعت بعده إلى أكثر من ثلاثين سنة، بل إنني أرجح أن الحديث عن بعض السلاطين قبل هذا النص قد أضيف أيضا إلى الكتاب ولم يكن السيوطي قد كتبها، فمن المرجح أنه انتهى في ذكر السلاطين إلى محمد بن قايتباي الذي انتهى حكمه عام ٩٠٤ هـ، والذي يرجح ذلك المنظومة التي ذكرت في نهاية هذا الفصل ونسبت للسيوطي فقد انتهت إليه، وعلى ذلك فمن المرجح أن ذكر السلاطين بعده إلى الغوري- وهم من معاصريه- مما أضيف إلى الكتاب أيضا.
وقد تكررت هذه الاضافة نفسها في كتاب «الكنز المدفون والفلك المشحون» فقد ذكر السيوطي أن السادس من الخلفاء يكون مصيره الخلع ثم ابتدأ بالنبي ﷺ وعدد الخلفاء بعده وذكر أن الحسن بن علي سادسهم قد خلع، واستمر في سرد أسماء الخلفاء الأمويين ثم العباسيين ثم الفاطميين بمصر ثم الأيوبيين بها ثم سلاطين المماليك حتى وصل إلى قايتباي فقال: «ثم الملك الأشرف قايتباي أيده الله ونصره وحكمه في رقاب الكفرة الفجرة ببركة محمد وحببه في الفقراء والمساكين»، ويبدو من هذا الدعاء أن الكتاب قد ألّف في عهد قايتباي (٩٠١ هـ) ولكن نجد بعد ذلك وهو ما نرجح كونه مدسوسا العبارة التالية: «فمات ثم ولده الملك الناصر فقتل، ثم الملك الظافر قانصوه فخلع ثم الملك الأشرف جانبلاط فخلع وقتل، ثم الملك الأشرف قانصوه الغوري» «٢».
стр. 167
وبالرغم من أن هؤلاء قد عاصرهم السيوطي أواخر حياته إلا أننا نرجح أن هذا النص مدسوس عليه، ثم إننا نقطع بأن بقية النص مزيدة على كتاب السيوطي بعد وفاته إذ نذكر أن الغوري: «سار بعسكره إلى مرج دابغ لملاقاة السلطان الملك المظفر سليم بن عثمان فلما التقيا خر ميتا وجهل أمره ولم يوجد، ثم مات الملك المظفر سليم بن عثمان بجمرة في ظهره وولي ولده السلطان الملك المظفر سليمان شاه أدام الله تعالى أيامه وأصلحها وأبعد عنه قرناء السوء» «١»، ويتضح أن كاتب هذا النص كان يعيش في عصر السلطان سليمان القانوني (٩٢٦ هـ- ٩٧٢ هـ)، ولعله أحد تلاميذ السيوطي، وقد رجحت أن يكون ابن إياس المؤرخ إذ إنه ينتهي في تاريخه إلى هذا الوقت، وهو من تلاميذ السيوطي، ويتحدث عنه دائما بقوله «شيخنا».
على أن ذلك لا يطعن في وثاقة مؤلفات السيوطي وصحة نسبتها إليه، ولكن ما أريد أن أصل إليه هو أن هذه المؤلفات لم تسلم من قليل من الزيادات، كما أنها لم تسلم من بعض النقص، وقد سبق عند الحديث عن شيوخ الخانقاه الشيخونية أن رجحت سقوط بعض الأسماء التي ذكرها السيوطي، كما رجحت من بعد سقوط بعض أسماء مؤلفاته التي ذكرها في ترجمته لنفسه.
وإذا حاولنا العودة إلى مصنفاته واحصاءها فإننا نذكر أنه قد سمّى نحو ثلاثمائة مصنف منها ولم يستوعب جميعها، وأغلب الظن أن بعض ما ذكره قد سقط من أيدي النساخ، وأرجح أن يكون من بين ما سقط مصنفات اللغة كالمزهر وأسماء الذئب والأسد والكلب وغيرها، وقد ذكر الشعراني أن مصنفاته بلغت أربعمائة وستين مصنفا «٢»، وقد أحصيت ما أورده له صاحب كشف الظنون فبلغ نحو أربعمائة وسبعة وستين مصنفا «٣»، ثم أحصيت ما أورده صاحب كتاب هدية العارفين فبلغ نحو خمسمائة وستة وثمانين مؤلفا «٤»، وقد
стр. 168
أحصى فلوجل أعماله العلمية فبلغت ٥٦١ عملا «١»، وقد ذكر بروكلمان قائمة مؤلفات السيوطي بيد أنه اقتصر على ما أورده السيوطي في ترجمته ولم يزد عليه «٢».
وقد كنت أود أن أورد هنا ثبتا أستوفي به الحديث عن جميع آثار السيوطي، بيد أني رأيت ذلك يستغرق صفحات كثيرة فضلا عن خروجه عما نقصد إليه من بحثنا إلى مجرد القيام بالفهرسة لهذه الكتب، ولذلك فإنني تجنبا للاطالة والاستطراد رأيت أن أجعل هذه الفهرسة في آخر الرسالة بمشيئة الله ضمن مسرد المصادر، فأتجنب بذلك تكرار ذكر هذه الآثار، وهناك سأبين ما قد رجعت إليه ووقفت عليه من هذه الآثار، وما لم أتمكن من الوقوف عليه.
стр. 169
الباب الثاني جهوده اللغوية
стр. 170
تقديم:
بعد أن عرضنا للحديث عن عصر السيوطي وحياته وثقافته وتعرفنا على شخصيته وعقليته ومنهجه، وعرفنا بآثاره، نريد أن ننتقل هنا إلى دراسة الجانب اللغوي لديه وأريد بالجانب اللغوي جميع ما يتصل بالدراسة اللغوية التي تصنف الآن إلى مستويات دراسية خمسة هي المستوى الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي والدلالي وأقصد من التعرض لها ودراستها استيضاح جهود السيوطي وبيان أثره في هذه الدراسات، وأسلوبه في تناولها، ومميزاته الشخصية التي تميزه في هذا الميدان من ميادين المعرفة الانسانية عن غيره من اللغويين، فهل كان للسيوطي أثر في هذه الدراسات؟ وهل كان له مميزات خاصة تفرد بها عن غيره، وما قيمته بالنسبة لتاريخ هذه الدراسات عند العرب؟، ذلك ما نحاول في هذا الباب أن نحدد معالمه وأن نقطع فيه برأي.
على أن السيوطي بالرغم من تنوع الميادين التي طرقها فإنه قد برّز في ثلاثة منها كما ذكرنا من قبل هي الحديث والفقه والعربية والمقصود بها النحو بما يشمل في معناه العام من الأبحاث الصرفية، وقد حكى عنه الشعراني بلوغه درجة الاجتهاد المطلق في هذه العلوم الثلاثة «١»، كما حكى عنه قوله عن نفسه فيما يخص الاجتهاد في العربية إنه «لم يكن بعد ابن هشام من يصلح أن يوصف به غيري» «٢»، وقد حدد آلات الاجتهاد ومؤهلاته بقوله: «وأما الاجتهاد في العربية فهو أن يحيط بنصوص أئمة الفن من سيبويه إلى زمانه هذا، ويحفظ غالب شعر العرب الذين يحتج بأشعارهم في العربية، ولا يضر خفاء بعض ذلك عليه، وليس المراد حفظه عن ظهر قلب، وإنما المراد أن يكون له اطلاع على دواوينهم
стр. 171
بحيث يعرف محل الاستدلال بذلك من الكتب، ويكون مع ذلك محيطا بقواعد النحاة التي بنوا تصرفاتهم عليها غير القواعد المذكورة في واضحات الكتب، فإن تلك كالأصول لهذه القواعد، وهذا لا يعرفه الآن إلا متبحر في الفن» «١».
والحق أن صلة السيوطي باللغة ودراستها جد مبكرة فقد كانت أول إجازة علمية حصل عليها في حياته بتدريس العربية، وقد تتلمذ كما رأينا على يد أشهر رجال عصره في النحو وهم الكافيجي والشمني وسيف الدين الحنفي، وقد أتاحت له ظروفه أن يقف على كثير من الكتب التي لم تكن في متناول غيره من خزانة محمود التي كانت تحت نظره، وقد وضح صلته بالدرس اللغوي قائلا:
«ولم أزل من زمن الطلب أعتني بكتبها قديما وحديثا، وأسعى في تحصيل ما درس منها سعيا حثيثا إلى أن وقفت منها على الجم الغفير، وأحطت بغالب الموجود مطالعة وتأملا، بحيث لم يفتنى سوى النزر اليسير، وألفت فيها الكتب المطولة والمختصرة وعلقت التعاليق ما بين أصول وتذكرة، واعتنيت بأخبار أهلها وتراجمهم وإحياء ما دثر من معالمهم، وما رووه وروّوه، وما تفرد به الواحد منهم من المذاهب والأقوال، ضعفه الناس أو قووه، وما وقع لهم مع نظرائهم وفي مجالس خلفائهم وأمرائهم من مناظرات ومحاورات ومجالسات ومذاكرات ومدارسات ومسامرات وفتاوى ومراسلات، ومعاياة ومحاجاة، وقواعد ومناظيم، وضوابط وتقاسيم، وفوائد وفرائد، وغرائب وشوارد، حتى اجتمع عندي من ذلك جمل ودونتها رزما لا أبالغ وأقول وقر جمل» «٢».
وقد حاول أن يسلك مسلك اللغويين القدماء في إملاء اللغة كما يملي الحديث في مجالس، ولكنه لم يجد من يحمل ذلك عنه «٣».
وتدل آثاره في الدراسات اللغوية على أنه لم يكن مبالغا في أقواله السابقة، فكثرة ما جاء بها من أفكار وأخبار وترتيبها وتنسيقها يستلزم مجهودا ضخما وإحاطة واسعة ودراية بالغة بهذه الفنون.
стр. 172
وإذا كان السيوطي قد تناول في أبحاثه المتنوعة كثيرا من المباحث التي تدرس في المستويات الصوتية والمعجمية والدلالية، كما أنه خلف عددا ضخما من المصنفات النحوية التي تضمّ أبحاث الصرف فليس أمامنا غير أن نعرض لكلتا الناحيتين من دراساته، ولذلك رأيت أن أجعل الفصل الأول لبحث جهوده في المستويات اللغوية التي تتصل بالأصوات والمعاجم والدلالة والقضايا اللغوية العامة، وأن أخصّص الفصل الثاني لتناول ما يتصل بجهوده النحوية بما تشمله بالطبع من أبحاث صرفية، أي ما يتصل بدراسة التراكيب والصيغ، وقد رأيت أن يكون عنوان الفصل الأول الخاص بالجانب غير النحوي «فقه اللغة» وأعني به جميع مستويات الدرس اللغوي يضاف إليها القضايا العامة، وجعلت عنوان الفصل الثاني: «النحو» وعنيت به مدلوله الواسع الذي يشمل الصرف.
стр. 173
الفصل الأول
فقه اللغة أو: «الدراسات اللغوية غير النحو والصرف»
تقديم:
لا بد لنا لكي نقوم الدور الذي أداه السيوطي في ميدان فقه اللغة من أن نعرض لجهود سابقيه التي نظر فيها واعتمد عليها لكي نقارن ما قام به بما قام به غيره، ومن ثم نستطيع الحكم له أو عليه ونستطيع أن نتبين مقدار الجهد الذي بذله في هذا الميدان وقيمته، كما أن هذه المقدمة ضرورية لبيان تطور الدراسة اللغوية عند اللغويين العرب الذين يعد السيوطي من متأخريهم، أي أنه لغوي شهد آخر مراحل هذا التطور في الدراسة وعلى يديه وصلت الدراسة اللغوية إلى مرحلة أرقى مما كانت عليه عند سابقيه كما سنتبين ذلك فيما بعد.
ونريد هنا بالدراسة اللغوية أو «فقه اللغة» ما يعنيه المحدثون بفقه اللغة وعلم اللغة فأبحاثهما متداخلة مشتركة بحيث إن كثيرا من المؤلفين المحدثين في علم اللغة يرون أبحاثهم داخلة في ميدان فقه اللغة، ولا نريد بالدراسة اللغوية في هذا الفصل ما يتصل منها بعلم النحو لأننا سنخصص- كما ذكرنا- للدراسة النحوية، فصلا مستقلا نبحث فيه جهود السيوطي فيها.
وقد بين بعض المحدثين أن خير ما توصف به أبحاث اللغويين القدماء هي أن تسمى بفقه اللغة، ذلك أن فقه الشيء هو كل ما يتصل بفلسفته وفهمه والوقوف على ما يسير عليه من نواميس «١».
стр. 174
فما المراحل التي مر بها الدرس اللغوي قبل السيوطي؟ وما الأدوار التي اضطلع بها رجال اللغة على مر الأحقاب المتوالية؟ ثم ما هي الآثار التي خلفها هؤلاء في ذلك الفرع من فروع المعرفة الانسانية؟.
الحقيقة أن الاجابة على ذلك تستلزم بحثا طويلا يخرج بنا عما نقصد إليه من بحثنا وهو تحديد دور السيوطي في الدرس اللغوي لا سيما أن الآثار التي خلفتها القرون الطويلة من الكثرة بحيث يصعب مجرد حصرها فضلا عن تناولها بالدراسة، وليس يعني ذلك التقاعس عن التعرض لهذا الموضوع، وإنما يعني أننا سنتناوله بالقدر الذي نراه موفيا لما نقصد إليه من بحثنا الأساسي ولذلك فلا لوم علينا إذا اقتصرنا على تناول المعالم الرئيسية لهذا الموضوع أو اقتصرنا على الاشارة إلى أهم رجال اللغة، مغضين النظر عن بعض التفصيلات التي لا تحدث تغييرا في الصورة العامة التي نرسمها ونحددها.
والبحث في اللغة ينشأ لدى أي أمة من الأمم نتيجة لقيام تضاد بين لغتين أو مرتبتين من لغة واحدة «١»، فحينئذ يمكن ملاحظة بعض الخصائص اللغوية، وقد كانت العربية منذ وقت مبكر حافلة بصور الخلاف بين لهجاتها المتعددة التي تمثل مستوى معينا في الاستعمال العادي بعضها مع بعض من ناحية، وبين جميع هذه اللهجات وبين اللغة المثالية التي هي لغة القرآن والأشعار والتي كان العرب جميعا يستطيعون فهمها من ناحية أخرى.
بيد أن الدافع القوي الذي دفع إلى البحث في الدرس اللغوي والعناية بالألفاظ اللغوية هو نفس ما حدث بالنسبة للنحو من انتشار اللحن نتيجة لاختلاط العرب بغيرهم من الأمم، فلم يعد اللحن يقتصر على عدم القدرة على ضبط أواخر الكلمات بل تعداه إلى استعمال الألفاظ وتحريفها في الاستعمال عن مواضعها التي تعارفت العرب عليها، أو عدم القدرة من قبل المستعربين على حفظ هذه الألفاظ وضبطها والنطق بها على هيئاتها الصحيحة الصوتية والصرفية مما هدد بضياع كثير من الفاظ اللغة، وحفز بالتالي العلماء على تدوينها
стр. 175
وضبطها والبحث عن معانيها الدقيقة، لتعين فيما بعد على تفهم معاني القرآن الكريم والحديث والشعر، وقد عبر عن هذه الحقيقة ابن خلدون بقوله: انه «لما فسدت ملكة اللسان العربي في الحركات المسماة عند أهل النحو بالاعراب واستنبطت القوانين لحفظها كما قلناه، ثم استمر ذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم حتى تأدى الفساد
إلى موضوعات الألفاظ فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم ميلا مع هجنة المستعمرين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتابة والتدوين خشية الدروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث فشمر كثير من أئمة اللسان لذلك وأملوا فيه الدواوين» «١». ومن هنا فإن العناية بدراسة ألفاظ اللغة وتحديد مدلولاتها وضبطها قديم، وربما كان هذا النوع من الدراسة أقدم في نشأته من العناية بالاعراب، لأن نشأته قد بدأت في الظهور منذ العناية بالنص القرآني وتفسير بعض ألفاظه. ولعلّ فيما ينسب إلى ابن عباس ﵁ من المسائل المعروفة بمسائل نافع بن الأزرق لعل فيها دلالة على هذه العناية منذ وقت مبكر سواء صحّت نسبة جميعها أو بعضها.
على أننا ندخل في دائرة الدراسة اللغوية الجادة التي بقي لأصحابها آثار تدل على نوعية دراساتهم، أو أثر عنهم قيامهم بأنواع من الدراسات اللغوية حين تصل إلى أبي عمرو بن العلاء «٢»، ونكون بذلك قد تخطينا من المشتغلين بالبحوث اللغوية طبقة أبي الأسود وتلاميذه الذين غلب عليهم الاشتغال بالنحو، وقد كان أبو عمرو معاصرا لعبد الله بن أبي إسحاق صاحب الشهرة الكبيرة في تاريخ النحو والقياس وكان «عبد الله يقدّم على أبي عمرو في النحو، وأبو عمرو يقدّم عليه في اللغة، وكان أبو عمرو سيد الناس وأعلمهم بالعربية والشعر ومذاهب العرب» «٣».
وقد ولد أبو عمرو بمكة عام ٧٠ هـ تقريبا وعاش بالبصرة، وتحدثنا تراجمه العديدة في كتب الطبقات بقيامه بجمع أشعار العرب القدماء والدءوب على
стр. 176
شرحها وإجراء الملاحظات اللغوية عليها، بيد أن شيئا من كتبه لم يصل إلينا «١»، وقد ذكر القدماء أنه أحرق هذه الكتب قبل وفاته، ولكن أثره قد ظهر واضحا في تلاميذه الذين برزوا في ميدان اللغة وقد توفي أبو عمرو عام ١٤٥ هـ.
وأهم اللغويين الذين نجدهم في هذه الفترة هم تلامذة أبي عمرو وطبقتهم «٢»، وقد قام هؤلاء بأجل الأعمال اللغوية فقد اضطلعوا بعملية شاقة تتمثل في جمع اللغة والرحلة إلى البادية تحقيقا لهذا الغرض، وقد ظلت الرحلة إلى البادية والسماع من الأعراب الذين لم تديف ألسنتهم بالعجمة سنة متبعة بين اللغويين حتى منتصف القرن الرابع الهجري، وفي ذلك الحين توقف اللغويون عن الأخذ عن أعراب البادية، وانتهى بذلك عهد السماع اللغوي، وانقطع المدد اللغوي المنطوق الذي كان يعتمد عليه اللغويون بالاضافة إلى ما لديهم من مصادر مقررة ومعروفة تتمثل في القرآن الكريم بقراءاته وأشعار الجاهليين والاسلاميين والأمويين الذين يختتمون بابن هرمة، وأقوال فصحاء الحواضر حتى منتصف القرن الثاني.
وبذلك فإن المرحلة الأولى في التأليف اللغوي قد تأثرت بما يهم اللغويين في ذلك الحين وهو عملية الجمع، ونلاحظ على آثارهم التي خلفوها عنايتها بجمع الألفاظ التي تدور حول موضوع معين دون أن يكون هناك اهتمام كبير بدراسة الفلسفة اللغوية لهذه الألفاظ أو تعمق في دراسة الخصائص اللغوية المتنوعة المتصلة بها.
وأقدم المؤلفات في اللغة هي ما خلفه هؤلاء فقد ترك الأصمعي (٢١٥ هـ) عددا كبيرا من الكتب ضاع عدد منها ووصل إلينا عدد لا بأس به، والنظرة في كتب الأصمعي تؤيد الملاحظة السابقة عن اتجاه المؤلفين إلى جمع الألفاظ التي تتصل بموضوع ما بعضها إلى جانب بعض، فله من الكتب خلق الانسان، الأجناس والأنواء، الهمز، المقصور والممدود، الصفات، الميسر والقداح، خلق الفرس، الابل، الشاء، الأخبية والبيوت، الأمثال، الأضداد، الألفاظ،
стр. 177
اللغات، الاشتقاق ... إلى آخره «١».
ويتضح من ذكر بعض مؤلفاته دراساته لبعض الظواهر العامة في اللغة كالاشتقاق والأضداد، وأن معظم كتبه معاجم متنوعة ترمي إلى بيان المفردات الموضوعة لمختلف المعاني. وكان معاصرا للأصمعي اللغوي الكبير أبو زيد الأنصاري (٢١٤ هـ) وكان من رواة اللغة الموثوق بهم، وقد ترك من الكتب:
الإبل والشاء، المطر، خلق الانسان النبات والشجر واللغات والنوادر والجمع والتثنية، وتحقيق الهمزة والوحوش ... إلى آخر ما صنف من كتب «٢»، وقد بقي من كتبه عدد لا بأس به، ونفس ما قلناه عن الأصمعي وآثاره يمكن أن نحكم به على أبي زيد من ناحية توزع مباحثه اللغوية بين الاهتمام بالمعاجم المتنوعة للمعاني المختلفة وبين بعض الظواهر اللغوية، وقد قيل عنه إنه كان شديد العناية بجمع اللغات أي اللهجات، وقد ترك أبو عبيدة معمر بن المثنى (٢١٠ أو ٢١١ هـ) عددا كبيرا من الكتب منها غريب القرآن ومعاني القرآن وكتاب الموالي وكتاب الضيفان ومرج راهط والمنافرات والقبائل والعقارب والحيات والنوائح والخيل والابل والمصادر والأضداد «٣».
وهذه كما يتضح تعنى بالمعاجم المتنوعة للمعاني المختلفة، أو بألفاظ القرآن بالاضافة إلى اهتمامه بالأخبار والتاريخ.
وكذلك كان النضر بن شميل (٢٠٤ هـ) وهو ممن أخذ عن الخليل وكان معاصرا لهذه الطبقة، يهتم بنفس ما اهتمت به طبقته من جمع الألفاظ، ويتناول بعض الظواهر اللغوية، وقد ذكر له من الكتب كتاب الصفات الذي احتوى مباحث تدل على ما قلناه «٤». بيد أن أهم الأعمال اللغوية التي صدرت عن هذه
стр. 178
الفترة تمثل في معجم «العين» الذي نسب إلى الخليل والذي يوضح الاتجاه إلى جمع مفردات اللغة جميعها وترتيبها ومحاولة استقصائها، وبيان المستعمل منها والمهمل.
ثم توالت جهود اللغويين بعد ذلك ووضعت بعض المعاجم على غرار كتاب العين، وأهم المعاجم العربية بعد كتاب العين «تهذيب اللغة» الذي وضعه الأزهري (٣٧٠ هـ)، وقد اتبع فيه ترتيب مواد اللغة على نفس الترتيب الذي وضعه الخليل وهو: ع ح هـ خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م ى وا.
والأزهري من رجال اللغة القدماء، وقد وقع في أيدي القرامطة، واختلط بقوم منهم من عرب هوازن وتميم وسمع عنهم كثيرا من اللغة، وقد كتب الأزهري مقدمة قيمة لكتابه أرخ فيها تطور الدرس اللغوي عند العرب إلى عصره فذكر ثلاث طبقات من اللغويين سمع هو من رجال الطبقة الثالثة وأخذ عنهم.
وقد وضعت كتب تهتم بجمع الألفاظ التي تتصل بمعنى من المعاني أو بجملة من المعاني المتقاربة، ووضعت بعض البحوث اللغوية المتناثرة حتى ظهر أبو الفتح عثمان بن جني (٣٩٢ هـ) فأنتج كتابه الخصائص واهتم فيه بأبحاث عديدة تتصل بالقضايا اللغوية العامة والخاصة فتناول أصل اللغة ونشأتها، وبحث ظواهر الاشتقاق والقياس، وتناول اختلاف اللهجات، وضمّن كتابه عديدا من البحوث القيمة بالإضافة إلى الدراسة الصوتية المتميزة التي وضعها في كتابه «سر صناعة الإعراب» وفي غيره.
كما ظهر ابن فارس (٣٩٥ هـ) وتناول في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها» أصل اللغة ونشأتها كما تناول نظم العرب في مخاطباتها، وما لها من الافتنان تحقيقا ومجازا، وقد ذكر أن مثل هذه الأبحاث من الأبحاث التي تهتم بالأصول «١»، وهو يقصد ما كان يعنيه ونعنيه بفلسفة اللغة أو فقهها، وقد
стр. 179
تضمن كتابه بعض المباحث الهامة في خصائص العربية، كالاشتقاق والقياس والترادف والمجاز والمشترك والنحت، واختلاف اللغات واللهجات.
كما وضع ابن فارس معجما هاما جمع فيه كثيرا من المواد اللغوية وحاول ردّ مفردات كل مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة، فلجميع مفردات المادة عنده أصل أو أصلان، ثم يتفرع الأصل أو الأصلان إلى فروع كثيرة، تربطها بالأصل صلة المعنى، وهذا هو الاشتقاق الدلالي الذي حاوله من قبل ابن دريد (٣٢١ هـ) في كتابه «الاشتقاق» الذي حاول فيه رد أسماء قبائل العرب وأفخاذها وبطونها وأسماء ساداتها وأعلامها إلى أصول لغوية اشتقت منها هذه الأسماء، وقد عبر ابن جني عن هذا الاشتقاق بالاشتقاق الأكبر بيد أنه لم يطبقه إلا على قلة من الكمات وأيا ما كان الأمر فمعجم ابن فارس فريد في نوعه لم يسبقه مثله، ولم يخلفه من نسج على منواله وقد سماه بمعجم مقاييس اللغة، وهو يعني بالمقاييس ما يسميه اللغويون بالاشتقاق الكبير الذي يرد مفردات كل مادة إلى معنى أو قلة من المعاني تشترك فيها هذه المفردات.
وقد وضع الجوهري (٣٩٨ هـ) معجما ضخما سماه «الصحاح» رتبه على أحرف الهجاء وراعى في ترتيبه أواخر الكلمات، وهي الطريقة التي اتبعها المتأخرون من المعجميين في العصر المملوكي كابن منظور والفيروزآبادي، وقد حصر الجوهري اللغة مقتديا بحصر الخليل وبين منهجه في مقدمته بقوله: «قد أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة التي شرف الله تعالى منزلتها، وجعل علم الدين والدنيا منوطا بمعرفتها على ترتيب لم أسبق إليه وتهذيب لم أغلب عليه، في ثمانية وعشرين بابا، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلا على عدد حروف المعجم وترتيبها إلا أن يهمل من الأبواب جنس من الفصول بعد تحصيلها بالعراق رواية وإتقانها دراية ومشافهتي بها العرب العاربة في ديارهم بالبادية، ولم آل في ذلك نصحا ولا ادخرت وسعا».
ثم ألف أبو منصور الثعالبي (٤٣٩ هـ) كتابا بعنوان «فقه اللغة»، بيد أنه لم يضمنه إلا بعض المباحث القليلة التي تتصل بهذا العلم، حيث تحدث في آخره عن بعض الألفاظ العربية التي نسبت إلى الرومية، وبعض الأسماء المشتركة في
стр. 180
الوضع بين العرب والفرس، وبعض ما تفرد به الفرس من الأسماء مما اضطر العرب إلى تعريبه أو تركه، أو الأسماء التي ماتت فارسيتها ولا تزال عربيتها مستعملة.
والكتاب يصب عنايته في الغالب على إصابة مواضع الاستعمال الصحيحة للألفاظ العربية، والتفرقة بين ما وضع منها على العموم وما وضع على الخصوص، وذلك لتجنب اللحن اللغوي الذي ينشأ من تحريف استعمال الألفاظ عن مواضعها التي وضعتها العرب لها، فالعرب مثلا تضع الأبيض لكل ما فيه بياض، ثم تخص ما فيه بياض من الخيل بالأشهب ومن الانسان بالأزهر ومن الغنم بالأملح، فلا يجوز تحريف هذه الألفاظ باستعمال الأزهر للخيل مثلا، والتحريف في الاستعمال كما يقولون «أشد من اللحن في الاعراب وأفحش» «١».
فالكتاب في جملته معجم للمعاني، يراعي اختلاف الدلالات والفروق الدقيقة بينها وينبه على مواضع الاستعمال الصحيحة للألفاظ.
أما ابن سيدة (المتوفي سنة ٤٥٨ هـ) فقد تناول في كتابه «المخصص» بعض البحوث المتعلقة بنشأة اللغة العربية والترادف والتضاد والاشتقاق والاشتراك والتعريب ويقع كتابه في سبعة عشر جزء، وهو حسن التنسيق، بيد أنه في غالبه يمثل معجما كبيرا للمعاني، ففيه- مثلا- الألفاظ الخاصة بخلق الانسان ثم أوائل الحمل والولادة، ثم
أسماء ما يخرج مع الولد، والرضاع والفطام ... وهكذا.
وفي القرن السادس الهجري وضع الزمخشري (٥٣١ هـ) معجمه المسمى «أساس البلاغة» مرتبا كالمعتاد على أحرف الهجاء، وقد عنى فيه بذكر المعنى الحقيقي للكلمة والمعنى المجازي لها.
وتوفر الجواليقي من علماء القرن السادس على دراسة «المعرب من الكلام الأعجمي» وقد رتب كتابه على حروف المعجم.
ثم كان عصر المماليك الذي قدمنا خصائصه التي من أهمها اهتمام رجاله