شرحها وإجراء الملاحظات اللغوية عليها، بيد أن شيئا من كتبه لم يصل إلينا «١»، وقد ذكر القدماء أنه أحرق هذه الكتب قبل وفاته، ولكن أثره قد ظهر واضحا في تلاميذه الذين برزوا في ميدان اللغة وقد توفي أبو عمرو عام ١٤٥ هـ.
وأهم اللغويين الذين نجدهم في هذه الفترة هم تلامذة أبي عمرو وطبقتهم «٢»، وقد قام هؤلاء بأجل الأعمال اللغوية فقد اضطلعوا بعملية شاقة تتمثل في جمع اللغة والرحلة إلى البادية تحقيقا لهذا الغرض، وقد ظلت الرحلة إلى البادية والسماع من الأعراب الذين لم تديف ألسنتهم بالعجمة سنة متبعة بين اللغويين حتى منتصف القرن الرابع الهجري، وفي ذلك الحين توقف اللغويون عن الأخذ عن أعراب البادية، وانتهى بذلك عهد السماع اللغوي، وانقطع المدد اللغوي المنطوق الذي كان يعتمد عليه اللغويون بالاضافة إلى ما لديهم من مصادر مقررة ومعروفة تتمثل في القرآن الكريم بقراءاته وأشعار الجاهليين والاسلاميين والأمويين الذين يختتمون بابن هرمة، وأقوال فصحاء الحواضر حتى منتصف القرن الثاني.
وبذلك فإن المرحلة الأولى في التأليف اللغوي قد تأثرت بما يهم اللغويين في ذلك الحين وهو عملية الجمع، ونلاحظ على آثارهم التي خلفوها عنايتها بجمع الألفاظ التي تدور حول موضوع معين دون أن يكون هناك اهتمام كبير بدراسة الفلسفة اللغوية لهذه الألفاظ أو تعمق في دراسة الخصائص اللغوية المتنوعة المتصلة بها.
وأقدم المؤلفات في اللغة هي ما خلفه هؤلاء فقد ترك الأصمعي (٢١٥ هـ) عددا كبيرا من الكتب ضاع عدد منها ووصل إلينا عدد لا بأس به، والنظرة في كتب الأصمعي تؤيد الملاحظة السابقة عن اتجاه المؤلفين إلى جمع الألفاظ التي تتصل بموضوع ما بعضها إلى جانب بعض، فله من الكتب خلق الانسان، الأجناس والأنواء، الهمز، المقصور والممدود، الصفات، الميسر والقداح، خلق الفرس، الابل، الشاء، الأخبية والبيوت، الأمثال، الأضداد، الألفاظ،
стр. 177
اللغات، الاشتقاق ... إلى آخره «١».
ويتضح من ذكر بعض مؤلفاته دراساته لبعض الظواهر العامة في اللغة كالاشتقاق والأضداد، وأن معظم كتبه معاجم متنوعة ترمي إلى بيان المفردات الموضوعة لمختلف المعاني. وكان معاصرا للأصمعي اللغوي الكبير أبو زيد الأنصاري (٢١٤ هـ) وكان من رواة اللغة الموثوق بهم، وقد ترك من الكتب:
الإبل والشاء، المطر، خلق الانسان النبات والشجر واللغات والنوادر والجمع والتثنية، وتحقيق الهمزة والوحوش ... إلى آخر ما صنف من كتب «٢»، وقد بقي من كتبه عدد لا بأس به، ونفس ما قلناه عن الأصمعي وآثاره يمكن أن نحكم به على أبي زيد من ناحية توزع مباحثه اللغوية بين الاهتمام بالمعاجم المتنوعة للمعاني المختلفة وبين بعض الظواهر اللغوية، وقد قيل عنه إنه كان شديد العناية بجمع اللغات أي اللهجات، وقد ترك أبو عبيدة معمر بن المثنى (٢١٠ أو ٢١١ هـ) عددا كبيرا من الكتب منها غريب القرآن ومعاني القرآن وكتاب الموالي وكتاب الضيفان ومرج راهط والمنافرات والقبائل والعقارب والحيات والنوائح والخيل والابل والمصادر والأضداد «٣».
وهذه كما يتضح تعنى بالمعاجم المتنوعة للمعاني المختلفة، أو بألفاظ القرآن بالاضافة إلى اهتمامه بالأخبار والتاريخ.
وكذلك كان النضر بن شميل (٢٠٤ هـ) وهو ممن أخذ عن الخليل وكان معاصرا لهذه الطبقة، يهتم بنفس ما اهتمت به طبقته من جمع الألفاظ، ويتناول بعض الظواهر اللغوية، وقد ذكر له من الكتب كتاب الصفات الذي احتوى مباحث تدل على ما قلناه «٤». بيد أن أهم الأعمال اللغوية التي صدرت عن هذه
стр. 178
الفترة تمثل في معجم «العين» الذي نسب إلى الخليل والذي يوضح الاتجاه إلى جمع مفردات اللغة جميعها وترتيبها ومحاولة استقصائها، وبيان المستعمل منها والمهمل.
ثم توالت جهود اللغويين بعد ذلك ووضعت بعض المعاجم على غرار كتاب العين، وأهم المعاجم العربية بعد كتاب العين «تهذيب اللغة» الذي وضعه الأزهري (٣٧٠ هـ)، وقد اتبع فيه ترتيب مواد اللغة على نفس الترتيب الذي وضعه الخليل وهو: ع ح هـ خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م ى وا.
والأزهري من رجال اللغة القدماء، وقد وقع في أيدي القرامطة، واختلط بقوم منهم من عرب هوازن وتميم وسمع عنهم كثيرا من اللغة، وقد كتب الأزهري مقدمة قيمة لكتابه أرخ فيها تطور الدرس اللغوي عند العرب إلى عصره فذكر ثلاث طبقات من اللغويين سمع هو من رجال الطبقة الثالثة وأخذ عنهم.
وقد وضعت كتب تهتم بجمع الألفاظ التي تتصل بمعنى من المعاني أو بجملة من المعاني المتقاربة، ووضعت بعض البحوث اللغوية المتناثرة حتى ظهر أبو الفتح عثمان بن جني (٣٩٢ هـ) فأنتج كتابه الخصائص واهتم فيه بأبحاث عديدة تتصل بالقضايا اللغوية العامة والخاصة فتناول أصل اللغة ونشأتها، وبحث ظواهر الاشتقاق والقياس، وتناول اختلاف اللهجات، وضمّن كتابه عديدا من البحوث القيمة بالإضافة إلى الدراسة الصوتية المتميزة التي وضعها في كتابه «سر صناعة الإعراب» وفي غيره.
كما ظهر ابن فارس (٣٩٥ هـ) وتناول في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها» أصل اللغة ونشأتها كما تناول نظم العرب في مخاطباتها، وما لها من الافتنان تحقيقا ومجازا، وقد ذكر أن مثل هذه الأبحاث من الأبحاث التي تهتم بالأصول «١»، وهو يقصد ما كان يعنيه ونعنيه بفلسفة اللغة أو فقهها، وقد
стр. 179
تضمن كتابه بعض المباحث الهامة في خصائص العربية، كالاشتقاق والقياس والترادف والمجاز والمشترك والنحت، واختلاف اللغات واللهجات.
كما وضع ابن فارس معجما هاما جمع فيه كثيرا من المواد اللغوية وحاول ردّ مفردات كل مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة، فلجميع مفردات المادة عنده أصل أو أصلان، ثم يتفرع الأصل أو الأصلان إلى فروع كثيرة، تربطها بالأصل صلة المعنى، وهذا هو الاشتقاق الدلالي الذي حاوله من قبل ابن دريد (٣٢١ هـ) في كتابه «الاشتقاق» الذي حاول فيه رد أسماء قبائل العرب وأفخاذها وبطونها وأسماء ساداتها وأعلامها إلى أصول لغوية اشتقت منها هذه الأسماء، وقد عبر ابن جني عن هذا الاشتقاق بالاشتقاق الأكبر بيد أنه لم يطبقه إلا على قلة من الكمات وأيا ما كان الأمر فمعجم ابن فارس فريد في نوعه لم يسبقه مثله، ولم يخلفه من نسج على منواله وقد سماه بمعجم مقاييس اللغة، وهو يعني بالمقاييس ما يسميه اللغويون بالاشتقاق الكبير الذي يرد مفردات كل مادة إلى معنى أو قلة من المعاني تشترك فيها هذه المفردات.
وقد وضع الجوهري (٣٩٨ هـ) معجما ضخما سماه «الصحاح» رتبه على أحرف الهجاء وراعى في ترتيبه أواخر الكلمات، وهي الطريقة التي اتبعها المتأخرون من المعجميين في العصر المملوكي كابن منظور والفيروزآبادي، وقد حصر الجوهري اللغة مقتديا بحصر الخليل وبين منهجه في مقدمته بقوله: «قد أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة التي شرف الله تعالى منزلتها، وجعل علم الدين والدنيا منوطا بمعرفتها على ترتيب لم أسبق إليه وتهذيب لم أغلب عليه، في ثمانية وعشرين بابا، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلا على عدد حروف المعجم وترتيبها إلا أن يهمل من الأبواب جنس من الفصول بعد تحصيلها بالعراق رواية وإتقانها دراية ومشافهتي بها العرب العاربة في ديارهم بالبادية، ولم آل في ذلك نصحا ولا ادخرت وسعا».
ثم ألف أبو منصور الثعالبي (٤٣٩ هـ) كتابا بعنوان «فقه اللغة»، بيد أنه لم يضمنه إلا بعض المباحث القليلة التي تتصل بهذا العلم، حيث تحدث في آخره عن بعض الألفاظ العربية التي نسبت إلى الرومية، وبعض الأسماء المشتركة في
стр. 180
الوضع بين العرب والفرس، وبعض ما تفرد به الفرس من الأسماء مما اضطر العرب إلى تعريبه أو تركه، أو الأسماء التي ماتت فارسيتها ولا تزال عربيتها مستعملة.
والكتاب يصب عنايته في الغالب على إصابة مواضع الاستعمال الصحيحة للألفاظ العربية، والتفرقة بين ما وضع منها على العموم وما وضع على الخصوص، وذلك لتجنب اللحن اللغوي الذي ينشأ من تحريف استعمال الألفاظ عن مواضعها التي وضعتها العرب لها، فالعرب مثلا تضع الأبيض لكل ما فيه بياض، ثم تخص ما فيه بياض من الخيل بالأشهب ومن الانسان بالأزهر ومن الغنم بالأملح، فلا يجوز تحريف هذه الألفاظ باستعمال الأزهر للخيل مثلا، والتحريف في الاستعمال كما يقولون «أشد من اللحن في الاعراب وأفحش» «١».
فالكتاب في جملته معجم للمعاني، يراعي اختلاف الدلالات والفروق الدقيقة بينها وينبه على مواضع الاستعمال الصحيحة للألفاظ.
أما ابن سيدة (المتوفي سنة ٤٥٨ هـ) فقد تناول في كتابه «المخصص» بعض البحوث المتعلقة بنشأة اللغة العربية والترادف والتضاد والاشتقاق والاشتراك والتعريب ويقع كتابه في سبعة عشر جزء، وهو حسن التنسيق، بيد أنه في غالبه يمثل معجما كبيرا للمعاني، ففيه- مثلا- الألفاظ الخاصة بخلق الانسان ثم أوائل الحمل والولادة، ثم
أسماء ما يخرج مع الولد، والرضاع والفطام ... وهكذا.
وفي القرن السادس الهجري وضع الزمخشري (٥٣١ هـ) معجمه المسمى «أساس البلاغة» مرتبا كالمعتاد على أحرف الهجاء، وقد عنى فيه بذكر المعنى الحقيقي للكلمة والمعنى المجازي لها.
وتوفر الجواليقي من علماء القرن السادس على دراسة «المعرب من الكلام الأعجمي» وقد رتب كتابه على حروف المعجم.
ثم كان عصر المماليك الذي قدمنا خصائصه التي من أهمها اهتمام رجاله
стр. 181
بالجمع والتنسيق والنظر فيما تقدم من الكتب، وكثرة المؤلفات التي أرادوا بها إحياء الحركة العلمية التي قوضت دعائمها ببغداد، وأشهر من ظهر بهذا العصر من اللغويين ابن منظور الافريقي (٧١١ هـ)، والفيروزآبادي (٨١٦ هـ).
أما ابن منظور فقد عاش بمصر وتوفي بها، وله أعمال علمية كثيرة، بيد أن أهمها وأبقاها معجمه «لسان العرب» وهو معجم واسع المادة جمع فيه ستة كتب سبقته هي تهذيب الأزهري وصحاح الجوهري وحواشي ابن بري عليه، والمحكم والمخصص لابن سيدة، ونهاية ابن الأثير، وقد بلغت مواد المعجم ثمانين ألفا، ويمتاز بالبسط في تناول كل مادة، وقد ظهر بالمعجم أثر الموسوعية التي كانت من خصائص العصر كما سبق أن أشرنا، فهو كثير الاستطراد في شرح المواد اللغوية، وإذا كان لهذه الطريقة بعض العيوب فإن لها بعض المزايا، فقد احتوى المعجم على كثير من الفنون في الحديث والنحو والصرف والتفسير والأشعار والأراجيز وغيرها، وترتيب اللسان- كما هو معروف- بحسب أواخر المواد بعد تجريدها وهو ترتيب لم يعرف من قبل إلا عند الجوهري في كتابه «الصحاح».
والفيروزآبادي عالم من علماء اللغة ولد بفيروزآباد إحدى قرى شيراز، وقد طوف بالشام ومصر وغيرها، وأخذ عن مشاهير علماء عصره، وقد صنف عديدا من المصنفات أربت على أربعين مصنفا، بيد أن أهم كتبه أيضا معجمه الشهير «القاموس المحيط»، وهو مختصر كتاب كان قد ألفه من قبل وسماه «اللامع المعلم العجائب الجامع بين المحكم والعباب»، وترتيبه كترتيب اللسان، ويمتاز بالاختصار مع كثرة مواده فقد احتوى نحو ستين ألف مادة، وقد استعمل مؤلفه الرموز التي تدل على الجمع والموضع واللفظ المعروف ليستعين بذلك على الاختصار، بيد أن هذا الاختصار قد جعل المعجم محل انتقاد بعض المتأخرين والحق أن بالمعجم بعض العيوب التي ترجع إلى الاختصار وبعض العيوب التي ترد إلى غير ذلك، فصاحبه لا يذكر أسماء الذين ينقل عنهم ولا ينبه- كما هو شأن اللغويين- على الفصيح والغريب والحوشي والمهمل والمذموم ... إلى آخره، بالاضافة إلى خلطه بين الأفعال الثلاثية والرباعية والخماسية، كما أنه لا
стр. 182
ينبه في أحيان كثيرة على الفروق الدلالية أو النحوية بين الألفاظ التي يفسر بها وبين الألفاظ المفسرة.
بعد هذا العرض لتطور الدراسة اللغوية قبل السيوطي- في بيئة اللغويين- وبيان أبرز معالمها نستطيع أن نخلص إلى أن جميع ما سبقه من دراسات لغوية تتصل بالمستويات اللغوية غير النحو والصرف، أو بعبارة أخرى تتصل بفقه اللغة كما سبق أن حددنا مقصودنا بهذا المصطلح، وهي التي تأثر بها واعتمد عليها في دراساته، يمكن أن تندرج تحت أنواع أربعة من الدراسات:
١ - دراسات تهتم ببعض مسائل فقه اللغة، كدراسة الأصمعي للاشتقاق، وكتاب «الصاحبي» لابن فارس الذي تحدث فيه عن نشأة اللغة وتناول بعض مسائل فقه اللغة، وكتاب «الخصائص» لابن جني الذي بحث فيه أصل اللغة وتناول عددا من الموضوعات التي تهم فقه اللغة، وبعض الموضوعات التي ضمنها ابن سيدة في المخصص وبعض موضوعات كتاب «فقه اللغة» للثعالبي، وبعض موضوعات كتاب «المعرب» للجواليقي، وهناك عديد من الكتب التي تضمنت بعض البحوث اللغوية الهامة في طياتها كأمالي القالي وأمالي ثعلب وأمالي الزجاجي، وهناك طائفة أخرى اقتصرت على جانب من جوانب دراسات فقه اللغة ككتاب «الأضداد» لأبي عبيد، والأضداد لابن الأنباري، والمقصور والممدود لابن السكيت، والمقصور والممدود لابن سيدة، وكذلك للقالي، والإلماع في الاتباع لابن فارس، وأمثال هذه الكتب.
٢ - معجمات تهتم بجمع الألفاظ وحصرها رامية إلى شرحها وترتيب موادها ترتيبا خاصا يتسنى معه إمكان الرجوع إليها لمن يبغي ذلك في سهولة ويسر، وأول من عمل على تدوين معجم شامل هو الخليل الذي وضع «العين» أو وضع فكرته ومنهجه وأساسه وأكمله بعض تلامذته، وقد ظهر بعده «معجم الجمهرة» لابن دريد، وقد خالف في ترتيبه سابقه، وهناك من أمثال هذه المعاجم الشاملة التهذيب للأزهري، والمجمل لابن فارس، والصحاح للجوهري، وأساس البلاغة للزمخشري، والعباب للصغاني، واللسان لابن منظور، والقاموس للفيروزآبادي.
стр. 183
٣ - معجمات ترمي إلى بيان الألفاظ الموضوعة لمختلف المعاني والموضوعات فترتب المعاني والموضوعات بطريقة خاصة، وتذكر الألفاظ التي تستعمل في كل منها، وأهم هذه المعجمات «الألفاظ» لابن السكيت (٢٤٣ هـ)، و «الألفاظ الكتابية» للهمذاني (٢٢٧ هـ)، و «فقه اللغة» للثعالبي، وأكثرها جمعا وأضخمها كتاب المخصص لابن سيدة.
٤ - معاجم خاصة تقتصر على ذكر ألفاظ موضوع من الموضوعات أو تهتم بطوائف معينة من الألفاظ، وهذه أقدم مؤلفات اللغة ظهورا، ويمثلها كتاب الأنواء والنبات لأبي حنيفة، وكتب الأصمعي التي أشرنا إليها وكذلك كتب أبي زيد في الابل والمطر وغيرها، وكتب أبي حاتم وأمثال هذه المصنفات.
هذه جوانب الدراسة اللغوية التي سبقت السيوطي وأهم ما وضع فيها من الكتب، بيد أننا ينبغي ألا نغفل ما كان يحدث خارج البيئة اللغوية من تناول للغة، ونقصد بذلك
دراسة الأصوليين (علماء أصول الفقه) للغة، فالحق أن السيوطي لم يقتصر على النظر في أبحاث اللغويين بل تجاوز ذلك إلى النظر في أبحاث الأصوليين التي تهتم باللغة، والحق أن «المقدمة اللغوية عند الأصوليين من أدق وأوفى ما كتب ويكتب عن الحياة اللغوية منذ نشأة اللغة إلى أن أصبحت كائنا معقد البناء والتركيب» «١».
وقد ألم الأصوليون في هذه المقدمة بمباحث لم يستوفها الدارسون اللغويون، ولا نكون مبالغين إذ قلنا: إن تتبع ما عند الأصوليين من البحث اللغوي كثيرا ما يكون أجدى من تتبع بحوث أصحاب اللغة أنفسهم «٢».
كما كان للمتكلمين نصيب كبير في التوفر على دراسة نشأة اللغة والقول بمواضعتها واصطلاحها أو توقيفها، وقد اختلفوا فيما بينهم حول ذلك، وتعدّ هذه المسألة من أهم أبحاث علم الكلام.
стр. 184
آثاره اللغوية ومكانها من حياة الدرس اللغوي
توفر السيوطي على جميع هذه الدراسات التي سبقته، وقبل أن نحدد قيمة عمله بالمقارنة بأعمال السابقين وخصائص هذا العمل ومميزاته يحسن أن نعرف أولا بآثاره اللغوية لنتمكن من تحديد أبعاد جهوده في الدرس اللغوي.
وأهم هذه الآثار التي تركها السيوطي في اللغة كتابه الشهير «المزهر»، الذي سنتناوله بالدراسة ونعتمد عليه في بيان منهج مؤلفه في الدرس اللغوي، وموقفه من الدراسات اللغوية السابقة، ومكانه بين هذه الدراسات، وقبل أن نفيض في ذلك نشير إلى أن للسيوطي بعض الرسائل الصغيرة في اللغة، والعجيب أن قائمة كتبه التي أوردها بحسن المحاضرة لم تذكر «المزهر» بينها كما لم تذكر رسائله اللغوية الأخرى، مما رجح عندي أن قائمة المؤلفات التي تخص اللغة قد سقطت من الترجمة ربما منه وربما من ناسخي الكتاب بعد ذلك وقد سبق أن ذكرت إشارته إلى المزهر في كتابه «النكت على الألفية ... » الذي لا يزال مخطوطا «١»، وقد ذكر كتاب «النكت» بين ما ذكره بحسن المحاضرة مما يرجح تأليف المزهر قبل كتابة الترجمة.
والرسائل التي تركها في اللغة غير المزهر هي:
١ - المتوكلي فيما ورد في القرآن باللغة
الحبشية والفارسية والهندية والنبطية والقبطية والسريانية والعبرانية والرومية والبربرية، وهو كتيب صغير، وقد طبع بدمشق في عام ١٣٤٨ هـ، وقد ألفه للخليفة العباسي المتوكل على الله صديقه، وكان قد طلب إليه ذلك «٢»، وقد بين السيوطي أنه سماه بالمتوكلي اقتداء بأبي بكر الشاشي الذي ألف كتابا في الفقه بأمر الخليفة المستظهر وسماه المستظهري،
стр. 185
وبإمام الحرمين الذي ألف في الفقه كتابا لغياث الدين نظام الملك وسماه الغياثي، وسمى رسالة أخرى الرسالة النظامية، وغيرهم ممن فعل ذلك «١».
وقد تتبع السيوطي في كتابه ألفاظ القرآن التي نقل عن المفسرين من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم أنها مما دخل العربية من اللغات الأخرى، والسيوطي بذلك يوافق القائلين بوجود ألفاظ معربة في القرآن الكريم، وهو الرأي الذي هاجمه الشافعي من قبل في رسالته «٢»، حيث نفى تأثر العربية بغيرها من اللغات وأفرد صفحات طوالا لذلك، واتجه إلى القول بالاتفاق في الوضع اللغوي إذا وجدت مشابهة بين ألفاظ عربية وأخرى غير عربية، وموقف السيوطي من هذه القضية يبدو أكثر جلاء في كتابه الاتقان «٣» حيث يتناول القضية فيذكر أن أكثر الأئمة يذهبون إلى عدم وقوع ألفاظ غير عربية في القرآن ومنهم الشافعي وابن جرير وأبو عبيدة، والقاضي أبو بكر بن الطيب وابن فارس، وذلك لقوله تعالى: «قُرْآناً عَرَبِيًّا»، وقوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ، وحكى السيوطي إنكارهم وقوع ألفاظ أعجمية في القرآن وميلهم إلى القول بالاتفاق في الوضع بين العربية وغيرها من اللغات، وقد بالغ بعض هؤلاء فذهب إلى أن اتساع العربية وكثرة ألفاظها جعلت أمثال هذه الألفاظ تخفى على أمثال ابن عباس وغيره ممن عزوها إلى ألسنة غير العرب، ويبدو من عرض السيوطي كثرة أنصار الرأي القائل بعربية هذه الألفاظ وتعليل ذلك باتساع لسان العرب حتى خفي على بعض الناس حقيقة هذه الألفاظ، بيد أن ثمة رأيا حاول صاحبه التوسط بين المنكرين والمثبتين وهو في الحقيقة أصوب هذه الآراء وأكثرها إدراكا للواقع اللغوي وما ينتج عن اختلاط اللغات بعضها ببعض من وقوع التأثير والتأثر في الألفاظ، واستعمال كل لغة بعض ألفاظ الأخرى بعد تهذيبها وصقلها وصوغها بصيغها المألوفة وهو ما يعرف في العربية بالتعريب، وقد وقع هذا التعريب في العربية،
стр. 186
ووجدت ألفاظ أجنبية استعملها العرب قبل الاسلام في لغتهم نتيجة الاختلاط بينهم وبين غيرهم من الأمم، وقد كان بمكة جاليات أجنبية من الحبشة والروم والفرس ممن اشتغلوا بالتجارة وأقاموا بها، وقد دخلت إلى العربية بعض ألفاظهم بعد شيء من التحوير في أصواتها وصيغها لتناسب الأصوات والصيغ العربية، كما أن اختلاط العرب بالأمم المحيطة بهم وهم طريق التجارة وأداتها بين الشرق والغرب معروف، ونلاحظ مصداق ذلك في أشعار الجاهليين لا سيما من أكثر منهم دخول بلاد الفرس والروم أو البلاد المجاورة لها. فنلاحظ لديهم استعمال الألفاظ الأجنبية بعد تعريبها، والقول الذي يشير إلى هذه الحقيقة ويرى استعمال الألفاظ المعربة في القرآن الكريم بعد أن عربتها العرب هو ما نسب إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، وقد نقل عنه السيوطي قوله: «والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال عجمية فصادق» «١».
وقد حكى السيوطي رأيا مشابها لهذا، ولكنه لم يحدد قائله، وهو أكثر وضوحا ودقة، إذ يرى أصحابه أنه «كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم فعلقت من لغاتهم ألفاظا، غيرت بعضها بالنقص من حروفها، واستعملتها في أشعارها ومحاورتها، حتى جرت مجرى العربي الفصيح، ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن» «٢».
والقرطبي ينسب هذا القول إلى ابن عطية في عبارة أكثر تفصيلا- لخص عنها السيوطي عبارته السابقة- توضح تماما هذه الفكرة إذ يقول: «فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها، فهي عربية بهذا الوجه، وقد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات، وبرحلتي قريش، وكسفر مسافر بن أبي عمرو
стр. 187
إلى الشام، وكسفر عمر بن الخطاب، وكسفر عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة ومحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها، ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الصحيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن، فان جهلها عربي، فكجهله الصريح بما في لغة غيره» «١».
بيد أن المنكرين لوجود ألفاظ أعجمية في القرآن لا يقبلون الأقوال التي حاولت التوسط بينهم وبين خصومهم الذين يذهبون إلى وجودها، فابن فارس يرى خلوّ القرآن من الألفاظ الأعجمية، وينكر على أبي عبيد رأيه فيقول: «فإن قال قائل: فما تأويل قول أبي عبيد فقد أعظم وأكبر؟ قيل له: تأويله أنه أتى بأمر عظيم، وذلك أن القرآن لو كان فيه من غير لغة العرب شيء لتوهم منه متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها، وفي ذلك ما فيه» «٢».
ويتضح أن حجة ابن فارس لا يسندها الواقع اللغوي الصحيح، لأن العرب القدماء قد وقع في أشعارهم ألفاظ معربة كالسجنجل في شعر امرئ القيس وشهنشاه في شعر الأعشى، وغير ذلك كثير، ولم يخرجهم ذلك عن النمط العربي السليم، والأساليب العربية الصحيحة، فوقوع ألفاظ معربة في القرآن لا يعني أنه نزل بجملة من اللغات، وإنما نزل بالعربية بما احتوته من ألفاظ ذات أصول أجنبية تمثلتها العربية وصقلتها وفقا لخصائصها الصوتية والصرفية وأصبحت تستعمل بها، وهذا أمر معروف في جميع اللغات.
والسيوطي يذهب مع القائلين بوجود ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم، وقد دلّ على رأيه وضعه الكتاب الذي نتحدث فيه، وسنرى له بعد قليل كتابا آخر يؤكد هذه الفكرة بيد أننا- في الحقيقة- لا نجد له- في هذا الكتاب المسمّى
стр. 188
بالمتوكلي- رأيا فيما ذهب إليه أبو عبيد وابن عطية وغيرهما من الذين قالوا بتعريب هذه الألفاظ واستعمال العرب لها ثم استعمال القرآن لهذه الألفاظ بعد ذلك، وإن كان ما ذهبوا إليه لا يتنافى مع اختيار السيوطي لوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن، وقد حاول نتيجة لطبيعة عقليته الحديثية النقلية أن يدعم رأيه ببعض الآثار والأحاديث فقال: «وأقوى ما رأيته للوقوع، وهو اختياري ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل قال: في القرآن من كل لسان» «١».
وقد أورد بعض النقول غير هذا ثم أكد احتواء القرآن على ألفاظ من مختلف اللغات بقوله «فالنبي ﷺ مرسل إلى كل أمة، وقد قال الله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه، فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم وإن كان أصله بلغة قومه هو» «٢».
وعلى هذا الأساس وضع السيوطي كتابين أو رسالتين في هذا الموضوع غير تناوله له في كتابه الإتقان، وإذا عدنا إلى «المتوكلي» فإننا نستطيع أن نخرج بعد قراءته بالملاحظات التالية على منهجه:
أولا: من ناحية تنظيم الكتاب، رتب السيوطي الألفاظ المنسوبة إلى كل لغة من اللغات على انفراد، فبدأ بذكر الألفاظ التي جاءت بلغة الحبشة، ثم ما جاء بالفارسية فالرومية، فالهندية، فالسريانية، فالعبرانية، فالنبطية، فالقبطية، فالتركية، فالزنجية، فالبربرية، فكأن بالقرآن ألفاظا من إحدى عشرة لغة، وهي اللغات التي كانت معروفة وقت نزوله.
ثانيا: جميع ما أورده من الألفاظ حوالي ٩١ لفظا موزعة بين اللغات التي
стр. 189
ذكرها، بيد أن بعض هذه الألفاظ قد تكرر أكثر من مرة فيما أورده، لكونه منسوبا إلى أكثر من لغة، وبالرغم من ذلك لم يلفت السيوطي إلى شيء بصدد هذه الملاحظة وهي اختلاف النقول في نسبة بعض الألفاظ إلى اللغات، فهو بصدد الحديث عن السريانية يورد لفظة «الفردوس»، وذلك بإسناد عن ابن عباس عن كعب الأحبار «١»، ثم لا يلبث أن يوردها بين ما ورد بالنبطية ويعزو ذلك إلى السدّي «٢»، وقد أوردها من قبل بين الكلمات التي جاءت بالرومية ونقل ذلك عن مجاهد «٣»، وكثير من الألفاظ أورد السيوطي فيها نقولا مختلفة من هذا القبيل، ولم يعلق بشيء على ذلك، بل اكتفى بتنظيم رسالته على النحو الذي شرحناه، وسرد هذه الألفاظ موردا النقول التي تعزوها إلى لغة من اللغات، وهكذا يتضح في كتابه غلبة الطابع النقلي والعقلية الحديثية التي فصلنا من قبل خصائصها، وقد حدد في مقدمته ما يبين أنه سيذكر الألفاظ التي «ذكر الصحابة والتابعون أنها بلغة الحبش أو الفرس أو غيرهم مما سوى العرب» «٤» فكأنه بذلك يصرح بحرصه على اتباع المنهج النقلي.
وقد نسب السيوطي للحبشية ٢٨ لفظا، وللفارسية عددا قريبا من هذا، وللرومية تسعة ألفاظ، وللهندية ثلاثة ألفاظ، وللسريانية تسعة عشر لفظا، وللعبرانية ثلاثة عشر وللنبطية ثلاثة وعشرين، وللقبطية سبعة ألفاظ، وللتركية لفظا واحدا، وللزنجية ثلاثة ألفاظ وللبربرية سبعة ألفاظ.
ثالثا: نلاحظ أنه اجتهد في إيراد كل ما نقل القول عن نسبته إلى غير العربية ويبدو أنه نتيجة لوجهة نظره السابقة قد حاول أن يصل بهذه الألفاظ إلى عدد كبير، فتسامح في النقل إلى حد كبير، برغم أن بعض هذه الألفاظ يمكن القطع بعربيته، وأن بعضا آخر لا يقوم دليل على وجوده في بعض اللغات- لا سيما السامية منها- قبل العربية، ولذلك فلا حجة في نسبته إليها دون العربية، وكثير
стр. 190
من ألفاظ هذه اللغات لا تزال واحدة، أو متشابهة لكونها من عائلة لغوية واحدة، فلا داعي لنسبة بعض ألفاظ القرآن إليها دون العربية.
وليس من الانصاف أن نؤاخذ السيوطي بإغفال بعض الحقائق التي لم نصل إليها إلا في عصرنا الحديث ففكرة العائلات اللغوية وليدة أبحاث علماء اللغة المحدثين، وقد ظهرت أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر «١»، وعلى أساس من هذه الفكرة التي ترد اللغات الحبشية والعبرية والعربية والسريانية بالاضافة إلى ما قيل من انتماء اللغة القبطية إلى نفس العائلة، على أساس من هذه الفكرة التي ترد هذه جميعا إلى أصل واحد، وفصيلة لغوية واحدة هي فصيلة اللغات السامية «٢»، نستطيع أن نرد كثيرا من الألفاظ التي نقل السيوطي عن القدماء نسبتها إلى هذه اللغات لأن وجودها بها إنما هو من قبيل التشابه بين هذه اللغات التي تنتمي إلى أصل واحد وليس فيه دليل على حدوث التأثير، والمعروف أن كلمة مثل «نهر» لا تزال موجودة ومستعملة في جميع اللغات السامية، فليس لنا أن ننسبها إلى إحداها وندعي أنها دخيلة في غيرها من أخواتها الساميات، ومن هذه الألفاظ التي نستطيع القول بعربيتها مع نقل السيوطي نسبتها إلى غيرها كلمة «شطر» التي نقل أنها حبشية ومعناها تلقاء، وقد أكد الشافعي في رسالته عربيتها وأورد شواهد لذلك منها قول خفاف بن ندبة:
ألا من مبلغ عمرا رسولا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو
وقول ساعدة بن جؤية:
أقول لأم زنباع أقيمي ... صدور العيش شطر بني تميم
وغير ذلك من الشواهد، فكثرة دوران الكلمة على ألسنة الشعراء القدماء يرجح أصالة عربيتها، وأنها ليست من المعرب الذي دخل إلى اللغة، فنسبة
стр. 191
مثلها إلى الحبشية أمر غير مقبول «١».
وكلمة «ابلعي» التي قال إن معناها: ازدردي بالحبشية، ثم ذكر نسبتها مرة أخرى إلى الهندية، مع أن الكلمة باشتقاقاتها مستعملة ومعروفة في العربية فنسبتها إلى الحبشية تحكم بغير دليل مقبول، فقد ذكر صاحب اللسان «بلع الشيء بلعا وابتلعه وتبلّعه ... جرعه، وبلع الطعام وابتلعه لم يمضغه، وأبلعه غيره»، وذكر غير ذلك من المشتقات التي تفيد استعمال المادة بمشتقاتها في العربية مذ عصور قديمة، ولا دليل على نسبة الكلمة إلى لغة سامية أخرى.
وكلمة «منسأة»، التي معناها «العصا» نسبها إلى الحبشية مرة وأخرى إلى الزنجية، وليست الحبشية بأولى من العربية في نسبة الكلمة إليها، فمادة «نسأ» مستعملة في العربية منذ القدم، وقد ذكر صاحب اللسان أن معناها الأول التأخير، وقال إن «المنسأة» العصا يهمز ولا يهمز، ينسأ بها، وأبدلوا إبدالا كليا فقالوا «منسأة» وأصلها الهمز ولكنها بدل لازم حكاه سيبويه وقد قرئ بهما جميعا، قال القراء في قوله : تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ: هي العصا العظيمة التي تكون مع الراعي يقال لها المنسأة، أخذت من نسأت البعير أي زجرته ليزداد مسيره، وقد أورد صاحب اللسان جملة من الشواهد الشعرية المنسوبة إلى الجاهليين في استعمال هذه اللفظة. بل إن السيوطي قد نقل أن كلمة «كفّر» من «كفّر عنا سيئاتنا»، بمعنى «امح» عبرانية أو نبطية «١»، مع أن استعمالاتها العديدة بالعربية والتي ترجع معناها إلى الستر والتغطية كما هو مذكور بكتب اللغة بالإضافة إلى وفرة اشتقاقات مادتها يدحض القول بنسبتها إلى غير العربية، وإنما كل الاستعمالات التي تتفرع عن الأصل الأول يمكن أن يلحقها بعض التغيير عن الأصل تبعا لقوانين التطور الدلالي بأنواعه العديدة «٣».
وكذلك كلمة «يحور» من قوله تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ نقل السيوطي نسبتها إلى الحبشية لأنها بلغة الحبشة معناها يرجع، ونحن لا ننكر هذا المعنى أو وقوعه في الحبشية، ولكنا ننكر نسبة اللفظة إلى الحبشية فهي مستعملة منذ القدم
стр. 192
في العربية، قال في اللسان: «الحور: الرجوع عن الشيء أو إلى الشيء، حار إلى الشيء وعنه حورا، ومحارا، ومحارة وحؤورا رجع عنه وإليه، قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع»
فالكلمة مستعملة بهذا المعنى في العربية، ووجودها في الحبشية بنفس المعنى أمر طبعي لكونها لغة سامية كالعربية، ولكن ذلك لا يعنى أن إحدى اللغتين قد نقلت الكلمة عن الأخرى، وإنما كلتاهما قد أخذتها من اللغة الأم.
وكلمة «اليم» المستعملة في القرآن والتي نقل أنها معربة عن السريانية أو عن العبرانية ليس هناك ما يؤكد أن العربية قد أخذتها عن إحدى هاتين اللغتين، وإنما وقعت المشابهة نتيجة لاتحاد الأصل الذي تنتمي إليه اللغات الثلاث، والذي يجعلنا نرجح أن أكثر هذه الألفاظ أو جانبا منها لم تنقلها العربية عن هذه اللغات أن اللغات السامية لم يكن لها ما يدفع إلى تأثر العربية من غلبة المتكلمين بها أو كثرتهم أو تحضرهم باستثناء الحبشية التي كان لها شيء من التأثير بالمجاورة للعرب في وقت من الأوقات قبل الإسلام.
وأمام هذه الكلمات المنسوبة إلى اللغات السامية نستطيع القول بأن وجهة نظر الذين نفوا دخول ألفاظ أعجمية في القرآن وذهبوا إلى القول بالاتفاق في الوضع اللغوي أقرب إلى الصواب من وجهة نظر الذين قالوا بوجود هذه الألفاظ، وإن كانت كلتا النظرتين غير دقيقة في جملة ما ذهبت إليه.
ولا يقف الأمر عند الحدود السابقة، بل إن كثيرا من الألفاظ التي نسبها إلى لغات أخرى غير سامية نستطيع أن نحكم بعربيتها لوجود الأدلة التي تدلنا على ذلك، فقد نقل أن كلمة «مقاليد» كلمة فارسية ومعناها المفاتيح، مع أن مادة «قلد» ومشتقاتها مستعملة في العربية بكثرة ومنذ القدم وقد ذكر صاحب اللسان «قلد الماء في الحوض واللبن في السقاء والسمن في النّحي يقلده قلدا، جمعه فيه، والقلد جمع الماء في الشيء، ورجل مقلد: مجمع، والمقلد: عصا في رأسها اعوجاج يقلد بها الكلأ ... والجمع المقاليد، والمقلد: المنجل يقطع به القت قال الأعشى:
стр. 193
لدى ابن زياد أو لدى ابن معرّف ... يقت لها طورا وطورا بمقلد
والمقلد: مفتاح كالمنجل .. وقوله تعالى: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يجوز أن تكون المفاتيح، ومعناه له مفاتيح السموات والأرض، ويجوز أن تكون الخزائن، قال الزجاج: معناه أن كل شيء من السموات والأرض فالله خالقه، وفاتح بابه».
كما نقل نسبة بعض ألفاظ إلى القبطية لا يمكننا أن نقره عليها لوجودها في العربية واستعمالها منذ وقت بعيد، من ذلك كلمة «تحتها» في قوله تعالى:
فَناداها مِنْ تَحْتِها إذ نقل أن معناها «بطنها» بالقبطية، وكلمة «بطائن» في قوله تعالى: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ حيث نقل أنها بالقبطية معناها «ظواهر» كذلك كلمة «الأولى» وهي
اللفظة العربية الصريحة نقل أنها بالقبطية معناها «الآخرة» وذلك في قوله تعالى: الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى، وكذلك كلمة «الآخرة» العربية الصريحة نقل أنها بالقبطية بمعنى «الأولى» وذلك في قوله تعالى: فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ.
ونخلص مما تقدم إلى القول بأن مذهب المانعين لوجود ألفاظ أعجمية بالقرآن والذين يقولون بالاتفاق في الوضع اللغوي يجافي الصواب في أكثر نواحيه، وأن الذين يذهبون إلى وقوع هذه الألفاظ بالقرآن قبل أن تعربها العرب أو تستعملها لا يطابق الحقيقة وأن الذين توسطوا بين الفريقين وقالوا بوقوع هذه الألفاظ بعد أن عربتها العرب واستعملتها يبدو رأيهم أكثر صوابا، وإن لم يكن قد أصاب كبد الحقيقة، فليس من المقطوع به أن جميع هذه الألفاظ المنسوبة إلى اللغات الأخرى قد استعملتها العرب من قبل، أو عربتها، بل إن بعضها قد استعمله القرآن على الصيغ العربية لأول مرة.
أما ما نأخذه على السيوطي فهو أنه قد انساق وراء مذهبه وحاول نسبة أكبر عدد من الألفاظ التي وردت بالقرآن إلى لغات غير العربية، وجانب كبير منها تصح نسبته إلى هذه اللغات مع القول بأنه معرب، وجانب ليس بالقليل لا يمكن القطع بأنه من هذا المعرب والقول بنسبته إلى هذه اللغات نظرا لوجوده بها- كما بينا- تحكم من غير دليل إذ ليس مجرد التشابه في الصيغ والأصوات في
стр. 194
اللغات التي ترجع إلى أصل واحد دليلا على نقل إحداها عن الأخرى.
٢ - المهذّب فيما ورد في القرآن من المعرّب:
وهو مؤلف آخر للسيوطي في نفس الموضوع الذي كنا بصدده آنفا، بيد أن هذا المؤلف يتميز عن سابقه بعدة مميزات سنوضحها فيما يأتي، وقبل بيان مميزات هذا المؤلف نذكر أنه لم يطبع إلى الآن، وقد اعتمدت على نسختين مخطوطتين بدار الكتب المصرية بالخزانة التيمورية أولاهما برقم ٢٨٥ لغة، وهي في ١٥ ورقة أي أن صفحاتها ٢٩ صفحة، وصفحاتها من القطع الكبير وليس بهذه النسخة اسم كاتبها ولا تاريخ كتابتها، والنسخة الأخرى برقم ٢٨٦ لغة، وعدد أوراقها ١٨ ورقة أي أنها تقع في ٣٦ صفحة، وخطها أكثر وضوحا من الأولى، كتبها علي بن سالم ابن أحمد الشافعي في شوال سنة ١٢٩٩ هـ.
وقد أشار السيوطي إلى مؤلفه هذا في كتابه الاتقان بصدد الحديث عما وقع في القرآن بغير لغة العرب حيث قال: «قد أفردت في هذا النوع كتابا سميته المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب» «١»، وما ذكره بالاتقان في هذا الموضوع ليس غير تلخيص لما بالمهذب.
ويمتاز هذا المؤلف عن سابقه بالبسط والايضاح وكثرة النقول، وقد ذكر فيه ١١٧ لفظة نقل نسبتها إلى غير العربية من اللغات المختلفة فهو بذلك قد زاد على ما بالكتاب السابق نحو ثمانية عشر لفظا، كما أنه- في هذا الكتاب- قد بسط القول عما نقل عن نسبة كل لفظ، بينما أجمل القول واختصر في كتابه السابق.
ويختلف ترتيب ألفاظ «المهذب» عن ترتيب الكتاب السابق، فقد رتب هذه الألفاظ حسب الحروف الأبجدية فبدأ بكلمة «أباريق»، ثم «أبّ» ثم «ابلعي» ثم «أخلد» وهكذا حتى نهاية ما أورده من الألفاظ التي انتهت بلفظتي «اليم» ثم «اليهود».
стр. 195
وقد قدم لمؤلفه بمقدمة مستفيضة تحدث فيها بوضوح عن اختلاف العلماء حول وقوع المعرب في القرآن، وعرض هذه الآراء جميعها، وبيّن أن اختياره هو وقوع ألفاظ من جميع اللغات بالقرآن الكريم، وقد أورد عددا من النقول التي تؤيد رأيه وأكثر منها فروى عن إسحاق بن أبي ميسرة قوله: «في القرآن من كل لسان»، ونقل بإسناد عن الضحاك نفس القول، وعن غيره أنه قال: «ليس لغة في الدنيا إلا وهي في القرآن ... » إلى آخر ما أورده، وقد تحدث محاولا التعليل لاحتواء القرآن على ألفاظ من اللغات الأخرى ونقل عددا من وجهات النظر التي ترى أن ذلك إحدى مناقب القرآن وفضائله، وقد عرضنا لهذا الموضوع فلا حاجة بنا إلى إعادته.
وقد ختم السيوطي مؤلفه بقوله: «فهذا ما وقفت عليه من الألفاظ المعربة في القرآن بعد الفحص الشديد سنين، وسعة النظر والمطالعة، ولم تجتمع في كتاب قبل هذا، وقد نظم القاضي تاج الدين السبكي منها سبعة وعشرين لفظا في أبيات، وذيّل عليه الحافظ أبو الفضل بن حجر بأبيات فيها أربعة وعشرون، وعدة ما استدركته عليهما اثنان وسبعون لفظا، ستة كالمكررة ... فتمت بدونها مائة لفظ وسبع عشرة لفظة، وقد ذيلت عليهما بالست والستين» «١».
وهكذا يتضح مدى الجهد الذي بذله في الاحاطة بجوانب الموضوع، وقد غلبت عليه الطبيعة التي امتاز بها عصره وهي الجمع والترتيب والتنسيق- والمنهج النقلي الذي وضحنا خصائصه- في هذه المرحلة.
وقد ختم السيوطي مؤلفه بمنظومة للتاج السبكي يذكر فيها الألفاظ المعربة التي وقعت في القرآن والتي يقول فيها:
السلسبيل وطه كورت بيع ... روم وطوبى وسجيل وكافور
إلى آخر ما أورده، ثم أتبعها بما استدركه الحافظ ابن حجر الذي نظم فيه قوله:
وزدت حرّم ومهل والسجل كذا ... السّرى والأب ثم الجبت مذكور
стр. 196
ثم أورد بعد ذلك نظما له في الألفاظ التي زادها في أحد عشر بيتا أولها:
وزدت يس والرحمن مع ملكو ... ت ثم سينين شطر البيت مشهور
والجدير بالذكر أن هذه المنظومات التي أوردها بآخر كتابه قد أوردها آخر النوع الذي تحدث فيه عما وقع في القرآن بغير لغة العرب في كتابه الاتقان «١».
وبالرغم من أن السيوطي قد اختار كما بينا مذهب القائلين بوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن فإنه يعقد في كتابه المزهر مبحثا عن «توافق اللغات» «٢»، يذكر فيه أن الجمهور قد ذهبوا إلى أنه ليس في كتاب الله سبحانه شيء بغير لغة العرب، وينقل في ذلك أقوال أبي عبيدة وابن فارس والفخر الرازي التي تذهب إلى القول بالموافقة في الوضع اللغوي بين العربية وبين اللغات الأخرى، ثم ينقل بعض الأمثلة لألفاظ أخرى منها ما وقع في القرآن، ومنها ما لم يقع، ذهب اللغويون إلى القول بأنها مما وافقت فيه العربية غيرها من اللغات، ولم يعقب بشيء على هذه النقول التي تخالف وجهة نظره.
٣ - بعض الأبحاث اللغوية المتصلة بالقرآن الكريم:
تناول السيوطي في كتابه الاتقان بعض المباحث اللغوية سنقتصر منها على الأبواب التي تناول فيها غريب القرآن وما وقع فيه بغير لغة الحجاز، وحديثه عن الخاص والعام والمطلق والمقيد.
وقد تناول غريب القرآن «٣» فبدأ ببيان ما صنف في الموضوع من قبل ونص على ضرورة معرفته بالنسبة للمفسر، وأن علم ذلك يحتاج إلى كتب اللغة ومعاجمها، ثم بين أن أولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه، ثم ساق بعد ذلك جميع ما ثبت عنده عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة لأنها من أصح الطرق عنه وهي التي اعتمد عليها
стр. 197
البخاري، وبعد سرد جميع هذه الألفاظ التي ثبتت رواية تفسيرها عن ابن عباس تحدث السيوطي عن الاحتجاج لغريب القرآن بالشعر ونبه إلى أن ذلك كثير غير منكر، وأن ابن عباس قد أمر به، ثم نقل عن ابن عباس مسائل نافع بن الأزرق.
ويتمثل جهد السيوطي في جمع هذه المسائل من مختلف المظان وتمحيصها وإيرادها في كتابه بتمامها، وهذه المسائل تتناول أسئلة عن ألفاظ غريبة في القرآن وبيان تفسيرها والاستدلال عليها بما روى عن العرب من الشعر، وقد استغرقت صفحات طوالا، والحق أنها ذات قيمة جليلة في بيان كثير من ألفاظ القرآن الكريم.
ويتضح من عرض السيوطي لهذا الموضوع تأكيد ما قلناه عن منهجه النقلي في التأليف الذي يتمثل في الاشارة إلى المؤلفات السابقة وجمع الأقوال المتنوعة، واستقصاء الموضوع استقصاء تاما، ثم إن منهجه الحديثي النقلي يتضح في تمحيصه للروايات وايراده ما ثبت عن ابن عباس من تفسير هذه الألفاظ الغريبة، وتتضح لديه القدرة على الجمع والتنسيق.
وحين تناول ما وقع في القرآن بغير لغة الحجاز «١»، نقل كثيرا من الألفاظ التي وردت في القرآن ونسبت إلى لهجات القبائل المختلفة متبعا نفس منهجه النقلي، وقد أورد عددا كبيرا من هذه الكلمات، بيد أن هذا المنهج وإن ظهرت مزاياه في جمع أطراف الموضوع فإنه كان له بعض العيوب المتمثلة في قلة التمحيص أو قلة العناية بالمتون نفسها فقد نقل نسبة بعض الألفاظ إلى لهجات بعض قبائل العرب، وكان قد نقل من قبل نسبتها إلى لغات غير العربية، كالسريانية والعبرية وغيرها، وبرغم ذلك لم يبد أية ملاحظة، اكتفاء منه بأن يقف موقف الناقل الأمين دون أن يذكر شيئا وكأن مهمته تنحصر في النقل والاحاطة والجمع وحسب، فهو ينقل أن كلمة «ربيون» معناها رجال بلغة حضرموت «٢»، بينما ذكر
стр. 198
عند الحديث عن الألفاظ المعربة التي دخلت القرآن أنها سريانية «١»، و «منسأة» معناها «عصا» في لغة حضرموت «٢»، في حين ينقل أنها «العصا» بالزنجية أو بالحبشية في مكان آخر «٣»، وألفاظ أخرى من هذا القبيل لا نرى موجبا لسردها نقل نسبتها إلى بعض لهجات العرب بصدد حديثه عما وقع في القرآن بغير لغة الحجاز ثم لا يلبث أن ينقل نسبتها إلى بعض اللغات غير العربية حين يتحدث عما وقع في القرآن بغير لغة العرب.
وقد تناول «الخاص والعام» «٤»، في القرآن بالبحث فبدأ بذكر صيغ العموم، ثم ذكر أن أقسام العام ثلاثة: أولها الباقي على عمومه ونص على أن مثاله قليل، ولم يمثل له دارسو هذا المبحث من قبل بحكم من الأحكام الفرعية أي بنص من النصوص لم يدخله التخصيص بينما مثل له السيوطي بقوله تعالى:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ، والقسم الثاني: العام المراد به الخصوص والثالث العام المخصوص، وقد تناول الشافعي من قبل هذه المباحث في رسالته وبين أن من سنن العرب في كلامها أن تطلق العام وتريد به الخاص إلى آخر ما ذكره، وقد تناولها الأصوليون في مقدماتهم اللغوية، ومبحث السيوطي هنا من نوع مباحث الأصوليين وقد أفاد
منهم، فتعريفه للعام هو نفس التعريف الذي تواضعوا عليه «٥»، والجدير بالذكر أنه قد اختصر ما أطال فيه الأصوليون، كما أنه جمع وهذب أقوالهم بالاضافة إلى بعض الملاحظات والأمثلة التي ابتكرها، وسنرى بعد قليل أن بحث العام والخاص قد تعرض له في كتابه المزهر، بيد أنه هناك مختلف في بعض الوجوه عنه هنا وسنبين ذلك في موضعه.
وهناك أبحاث أخرى لغوية تناولها السيوطي في كتابه ترسّم فيها خطى الأصوليين من قبل كالبحث في المطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم والمجمل،
стр. 199
ونظرا لأن هذه الموضوعات قد استفاضت دراستها عند الأصوليين فإننا لا نكاد نجزم بآراء مبتكرة فيها للسيوطي، بيد أن أبحاثه تتسم بما تميز به من السهولة والوضوح وعرض الموضوع عرضا يتناول جميع أطرافه مع استيعاب لأكثر الأقوال السابقة، وإعراض عن نواحي الاسهاب التي يمكن الاستغناء عنها.
٤ - رسالة في أصول الكلمات:
رسالة صغيرة للسيوطي تستغرق بضع صفحات، وقد طبعت ضمن مجموعة مع كتابه السابق «المتوكلي»، وهذه الرسالة تهم البحث في التطور الدلالي للغة فهي تهتم بالتغير الذي يلحق معنى الكلمة نفسه «كأن يخصص معناها العام فلا تطلق إلا على بعض ما كانت تطلق عليه من قبل، أو يعمم مدلولها الخاص فتطلق على معنى يشمل معناها الأصلي، ومعاني أخرى تشترك معه في بعض الصفات، أو تخرج عن معناها القديم فتطلق على معنى آخر تربطه علاقة ما، وتصبح حقيقة في هذا المعنى الجديد بعد أن كانت مجازا فيه أو تستعمل في معنى غريب كل الغرابة عن معناها الأول» «١».
وبالرغم من أن هذا البحث لا يتتبع التطور الدلالي تتبعا مفصلا إذ إنه يقتصر على تحديد الدلالة الأولى للكلمة فإنه يعين الباحث في التطور الدلالي، وقد تناول هذا الموضوع من قبل الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن، وتعرض ابن فارس لتحديد الدلالات الأولى لبعض الكلمات في الفصل الذي عقده عن أصول أسماء قيس عليها وألحق بها غيرها حيث قال: «كان الأصمعيّ يقول: أصل «الورد» إتيان الماء، ثم صار إتيان كل شيء وردا، و «القرب» طلب الماء ثم صار يقال لكل طلب فيقال هو يقرب كذا أي يطلبه، ولا تقرب كذا، ويقولون: «رفع عقيرته» أي صوته، وأصل ذلك أن رجلا عقرت رجله فرفعها وجعل يصيح بأعلى صوته فقيل بعد ذلك لكل من رفع صوته رفع عقيرته» «٢».
стр. 200
بيد أن ابن فارس لم يفصل القول في هذا المبحث، ويتضح مما ذكره أن التطور الدلالي قد أدركه اللغويون القدماء مثل الأصمعي، ولكننا لا نكاد نجد من أفرد لهذا الموضوع بحثا مستقلا، وقد استطاع السيوطي أن يجمع في رسالته عددا كبيرا من الكلمات وأن يحدد دلالاتها الأولى.
ويتضح من سرده لهذه الكلمات وتقصي دلالاتها الأولى أنها لا تخرج عما ذكرنا من تخصيص معنى عام، أو تعميم مدلول خاص، أو خروج عن الدلالة السابقة إلى دلالة أخرى لعلاقة رابطة بين الدلالتين أو الخروج عن ذلك كله إلى معنى جديد في قليل من الأحيان.
والحق أن رد الكلمة إلى استعمالها الأول، أو ما يمكن أن نسميه بالتاريخية في دلالات الألفاظ يتصل بمادية اللغة أو الدلالات الحسية الأولى للألفاظ باعتبارها أسبق من الدلالات المجردة، وقد كانت هذه المادية موضع مشاحة بين اللغويين وقد تتبعها من القدماء الراغب الأصبهاني في مفرداته، ومن المحدثين الذين أخذوا بها الأستاذ أمين الخولي إذ يصر على هذه البدايات المحسوسة في تحديده لمعاني الألفاظ وتدرجها عبر العصور التاريخية، كما يطبق هذه الفكرة على الألفاظ التي صارت فيما بعد مصطلحات في العلوم والفنون المختلفة، والقول بهذه البداية المادية يلائم- في الحقيقة- بين حياة اللغة وبين حياة الانسان منذ كان طفلا لا تتسع مداركه لغير المعاني المحسوسة، ثم تدرجت حياته وارتقت لغته وأصبحت مداركه تتسع شيئا فشيئا للمعاني المجردة وللمعقولات.
ويبدو مما أورده السيوطي برسالته أنه قد فطن لهذه المادية أو لبعض جوانبها ولذلك حدد كثيرا من الدلالات الأولى للكلمات على هدى من هذه الفكرة فمن ذلك «أصل العبادة الخضوع والتذلل، أصل الطغيان الانقباض، أصل الفسق الخروج عن الشيء أصل التلاوة الاتباع ... أصل الظلم وضع الشيء في غير محله، أصل الجهر الظهور ومنه المجاهرة بالمعاصي أي إظهارها، أصل البعث إثارة الشيء من محله، أصل المصر الحد، ... أصل الصوم في اللغة الامساك، أصل اللحن في كلام العرب الطرد والابعاد، أصل القنوت القيام، أصل الصبر الحبس، أصل الصفا الحجر الأملس، أصل الحج القصد، أصل السبب الحبل
стр. 201
يشد بالشيء فيجذب ثم جعل كل ما جر شيئا سببا، أصل الاعتكاف:
الملازمة ... إلى آخره» «١».
ونلاحظ على رسالة السيوطي السابقة أنه لم يذكر فيها المصادر التي نقل عنها على عكس منهجه الذي نعرفه عنه، ولعله أراد بذلك الاشارة إلى ما بذله من جهد في تحديد الدلالات الأولى للكلمات وهو ما لم يحظ باهتمام كبير من اللغويين من قبله حيث إن المعاجم قليلا ما تشير إلى هذا التطور الدلالي، وإنما تذكر جميع المدلولات دون مراعاة تدرجها.
٥ - التبري من معرّة المعري:
وهي منظومة للسيوطي في أسماء الكلب، لها نسختان خطيتان بدار الكتب المصرية إحداهما في مجموعة برقم ١٦٥٧ أدب، والأخرى في مجموعة برقم ٣٢ معارف عامة، وقد طبعت في كتاب تعريف القدماء بأبي العلاء «٢»، وقد رجعت إليها مطبوعة. وترجع تسمية هذه المنظومة بهذا الاسم إلى ما رواه السيوطي في مقدمتها من أن أبا العلاء المعري «دخل يوما على الشريف المرتضى فعثر برجل فقال الرجل: من هذا الكلب؟ فقال أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما، قلت وقد تتبعت كتب اللغة فحصلتها ونظمتها في أرجوزة وسميتها «التبري من معرة المعري» «٣».
وقد ابتدأ السيوطي نظمه بحمد الله والصلاة على نبيه وحكى نفس القصة ثم أخذ في نظم أسماء الكلب، وجميع أبيات المنظومة سبعة وثلاثون بيتا، استغرق نظم المقدمة ثمانية أبيات ونظم الخاتمة بيتين وبقية النظم في الأسماء التي أحصاها.
وهذه المنظومة تدل على اهتمام السيوطي بألفاظ اللغة وقدرته على الجمع والاستيعاب، وهي تدخل في مبحث هام من مباحث العربية هو الترادف،
стр. 202
ويبدو أن السيوطي من اللغويين الذين يؤيدون وقوع الترادف في اللغة، وإن لم يعبر صراحة عن رأيه في منظومته فإن تسميته لما أورده «بأسماء الكلب» تدل على ما نذهب إليه لأنه لو كان من مانعي الترادف لأطلق عليه اسما واحدا واعتبر الباقي صفات، والجدير بالذكر أنه قد عرض للترادف بالتفصيل في كتابه المزهر، بيد أني لا أكاد أقف له على رأي صريح ينسبه إلى نفسه نستطيع أن نحدد به موقفه من الترادف في صراحة ووضوح.
وقد بدأ مبحث الترادف بتعريفه نقلا عن الرازي بأنه «الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد» «١»، ثم تحدث عن إنكار الترادف ومن ذهب إلى أن كل ما يظن من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات كما في الانسان والبشر فالأول موضوع له باعتبار النسيان أو باعتبار المؤانسة، والآخر باعتبار أنه بادي البشرة «٢»، وممن أنكر الترادف في اللغة ابن فارس وقد أشار إليه السيوطي ونقل عنه ذلك، كما أنكره الفارسي، وقد لخص السيوطي أقوال الأصوليين في الترادف، ثم اختتم مبحثه بالاشارة إلى المؤلفات التي وضعت فيه ومن تناوله بالتأليف وأهمهم الفيروزآبادي الذي ألف كتابا سماه «الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف»، وابن خالويه من قبل الذي ألف في أسماء الأسد وأسماء الحية، ثم أورد أمثلة للمترادف فأورد أسماء العسل نقلا عن الفيروزآبادي وغيره «٣»، ثم مثل لأسماء السيف وغير ذلك من الأمثلة.
ومن ثم فإن السيوطي من الذين يقولون بوقوع الترادف في اللغة برغم أنه لم يوضح مذهبه بقول صريح وإنما تناول الموضوع بمنهجه المعتاد، فبعض اللغويين يقول بالترادف مطلقا ويجعل ما قيل في أسماء السيف من المهنّد والحسام والقضيب والمشرفي وغيرها من المترادفات، وآخرون ينكرون الترادف ويرون أن للسيف اسما واحدا وجميع ما عدا ذلك صفات، ويتوسط قوم بين الفريقين فيقولون بالترادف مع وجود الصفات، وذلك لاختلاف الوضع اللغوي بين
стр. 203
القبائل المختلفة فيمكن أن يوجد مترادفان أو أكثر ثم يعد ما عدا ذلك من الصفات، وقد نقل السيوطي عن الراغب الأصفهاني ما يشير إلى ذلك في قوله:
«وينبغي أن يحمل كلام من منع على منعه في لغة واحدة، فأما في لغتين فلا ينكره عاقل» «١».
والسيوطي بما أورده في منظومته من الذين يقبلون الترادف ويتوسعون فيه، ويرون جميع الألفاظ التي تتحد دلالاتها على ذات معينة من قبيل المترادف، دون اعتبار لما يختص به بعض الألفاظ من زيادة في المعنى عن بعضها الآخر أو من اختلاف نوعية الدلالات أو جهاتها، ولذلك أورد في منظومته كثيرا من الأسماء التي هي من قبيل الصفات وإطلاقها على الذات لا يقع إلا تجوزا من قبيل حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه، وليس لهذه الصفات شهرة في إطلاقها على المسمّيات بل هي مفتقرة إلى القرائن، ولذلك لا تعد من الأسماء، من ذلك تسميته بداعي الضمير وهانئ الضمير، وداعي الكرم، ومشيّد الذكر، ومتمم النعم «٢»، كذلك أوصاف الكلب باعتبار نسبته
جعلها من بين الأسماء التي يحفظها وهي «القلطيّ» وهو لفظ يقال للقصير من الناس والسنانير والكلاب، و «السلوقيّ» نسبة إلى سلوق قرية باليمن، والصيني نسبة إلى الصين.
وبديهي أن إطلاق إحدى هذه الصفات دون ذكر الموصوف أو وضوحه بالقرائن لا يستقيم في اللغة ولذلك فاعتبارها من الأسماء أمر غير مقبول من الذين يتوسعون في الترادف فلا يفرقون بين الاسم وصفته رغبة في استكثار ما يحفظونه.
وأصح الأقوال وأقربها هنا أوسطها وهو الرأي القائل بوجود الترادف نتيجة اختلاف اللهجات أو حين تبلغ بعض الصفات المختصة ببعض الأسماء شهرة بين الناطقين تجعلهم يدركون المسمّى دون حاجة إلى قرائن تحدد الموصوف.
وحين تعرض الأستاذ الرافعي لمبحث الترادف ذكر أن من ألفاظ المترادف
стр. 204
الأسماء التي ترجع إلى وضع القبائل المتعددة، أو الصفات التي تصرف في وضعها أفراد كل قبيلة ثم نزّلت منزلة الحقائق العرفية بعد أن فشت في الاستعمال «١»، وإلى هنا فإن كلامه مقبول، بيد أنه مثل لذلك بما ورد من أسماء العسل وأنها ثمانون وأسماء الأسد التي بلغت ثلاثمائة وخمسين وأسماء الكلب التي بلغت سبعين ... إلى آخر هذه الأمثلة وهذا ما لا نقبله لأن كثيرا من هذه المترادفات من قبيل الصفات التي لم تنزل في اللغة منزلة الحقائق العرفية، وإنما الدافع إلى اعتبارها من المترادفات عند اللغويين هو الرغبة في بيان اتساع الحفظ اللغوي والدراية بأكبر عدد من الألفاظ، دون التنبيه على ما يمكن أن يسمى بالمترادف وما هو من قبيل الصفات التي لا يمكن بحال أن تطلق وحدها ويفهم منها مسماها، ولقد كان المنهج النقلي المفتون أحيانا بالحفظ والاستكثار هو الدافع لهؤلاء بما فيهم السيوطي إلى أن يقوموا بمباحثهم التي يحاولون فيها إظهار حفظهم لأكبر عدد من الألفاظ.
والذين توسطوا بين إنكار الترادف مطلقا وإثباته مطلقا يراعون ما راعاه منكر والترادف من الفروق الدقيقة بين الألفاظ المختلفة الموضوعة لشيء واحد، وهو ما تبلغ فيه العربية حد الإعجاز، وقد تتبع الثعالبي هذه الفروق وبينها في كتابه فذكر- مثلا- أن الكأس لا يقال لها كأس إلا إذا كان فيها شراب، وإلا فهي قدح، ولا يقال مائدة إلا إذا كان عليها طعام وإلا فهي خوان، ولا كوز إلا إذا كانت له عروة وإلا فهو كوب «٢». وللانصاف فإن القائلين بوجود الترادف لا ينكرون هذه الفروق الدقيقة بين الألفاظ الموضوعة لشيء واحد وقد عقد لها السيوطي مبحثا سماه بالمطلق والمقيد «٣»، ولكنا نأخذ عليهم أنهم لم يضعوها في اعتبارهم عند بحث الترادف.
ونجد من الباحثين المحدثين من يؤيد المذهب المعتدل في الترادف «٤»، وهو
стр. 205
الذي ذهب إليه من قبل كثير من الأصوليين وبعض اللغويين.
وقد ترك السيوطي عددا من الرسائل الأخرى التي تشبه رسالته السابقة حول نفس موضوع الترادف وهذه الرسائل هي:
٦ - التهذيب في أسماء الذيب:
لم أقف عليه، وقد ذكره صاحب كشف الظنون وغيره وهو كما يتضح من اسمه رسالة جمع فيها أسماء الذئب، ونستطيع أن نتكهن بأنه قد اعتمد على ما جمعه اللغويون السابقون، ثم زاد عليه من كتب اللغة بعض الأسماء التي فاتتهم وتلك هي طريقته في كثير من رسائله وكتبه، ولعله قد اعتمد على كتاب الروض المسلوف، وإن كنا لا نستطيع أن نجزم بذلك لأن الكتاب الأخير لم يصل إلينا والحديث عن هذه الرسالة لن يخرج عما قدمنا في حديثنا المسوق آنفا.
٧ - فطام اللسد في أسماء الأسد:
لم أقف عليه وقد ذكره صاحب كشف الظنون، والقول فيه كالقول في سابقه كما أن أسماء الأسد قد جمعها من قبل السيوطي ابن خالويه حيث جمع له خمسمائة اسم «١». وإلى هنا نكون قد فرغنا من بحث الترادف والآثار المتصلة به عند السيوطي.
٨ - الافصاح في أسماء النكاح:
لم أقف عليه وقد ذكر صاحب كشف الظنون أنه في مجلد بشواهده ونقوله ويبدو أن المؤلف من قبيل ما أشرنا إليه من المعجمات اللغوية التي تهدف إلى جمع الألفاظ الموضوعة لمختلف المعاني والموضوعات مثل كتاب «الألفاظ» لابن السكيت وفقه اللغة للثعالبي، والمخصص لابن سيدة، وقد أشار الرافعي إلى هذا الموضوع وبين أن العربية تعد أحكم اللغات نظاما في أوضاع المعاني وسياستها بالألفاظ، وأكثرها رقيا وتمدنا حيث لم يدع ناطقوها معنى من المعاني إلا رتبوا أجزاءه وأبانوا عن صفاته
بألفاظ متباينة تعين تلك الأجزاء والصفات على
стр. 206
مقاديرها «١».
ونحن لا نستطيع هنا أن نقوم ما قام به السيوطي في مؤلفه السابق لعدم وقوفنا عليه ولكنه يطلعنا على مشاركته في مبحث هام من المباحث المتعلقة بدلالة الألفاظ.
٩ - الافصاح في زوائد القاموس على الصحاح:
ذكره صاحب كشف الظنون وغيره ولم أقف عليه، ويتضح من اسمه أن تأليفه يقتضي من السيوطي استقراء جميع مواد الصحاح للجوهري ومواد القاموس لكي يستخرج الزيادات التي يذكرها، بيد أننا لا نستطيع أن نحدد مقصوده بهذه الزيادات هل يريد بها جميع المواد التي وردت بالقاموس ولم ترد بالصحاح؟ أم أن مراده بعض الزيادات التي تخص جانبا من الجوانب؟.
١٠ - الالماع في الاتباع كحسن بسن في اللغة:
ذكره صاحب كشف الظنون وغيره، كما أشار إليه السيوطي في حديثه عن الإتباع في كتابه المزهر حيث ذكر أن ابن فارس قد ألف فيه تأليفا مستقلا ثم قال: «وقد رأيته مرتبا على حروف المعجم، وفاته أكثر مما ذكره، وقد اختصرت تأليفه وزدت عليه ما فاته في تأليف لطيف سميته «الالماع في الاتباع» «٢».
ويمكن أن نعتمد على هذه العبارة في حكمنا بصفة مجملة على الكتاب، فالسيوطي قد اعتمد فيه على ابن فارس، كما زاد عليه وأضاف بعض الاضافات، واتبع فيه على ما يبدو نفس ترتيب ابن فارس، والكتاب كما تبين عبارة السيوطي صغير الحجم. ونستطيع تبين موقف السيوطي من موضوع الإتباع من الفصل الذي عقده لدراسته في كتابه المزهر، فهو كما تبين من بعض ما عرضنا من قبل يكتب في الموضوع الواحد أكثر من مرة وفي أكثر من موضع كما رأينا عند حديثنا عن الألفاظ المعربة في القرآن ولا يختلف عرضه للموضوع
стр. 207
الواحد في الأماكن المتفرقة إلا إيجازا أو بسطا، ومن ثم فإنني أستطيع أن أذهب إلى أن ما ذكره بالمزهر عن الإتباع هو إيجاز لما بسطه في كتابه الذي لم أقف عليه.
بدأ السيوطي بتعريف الإتباع- على نفس منهجه النقلي- فنقل عن ابن فارس أنه «أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها أو رويها إشباعا وتأكيدا» «١».
وفي هذا الفصل نقل عن أحد عشر كتابا من كتب اللغة وأورد عنها بعض النقول والأمثلة، وهذه الكتب هي فقه اللغة والماع الإتباع لابن فارس، وغريب الحديث لأبي عبيد، وشرح منهاج البيضاوي للسبكي، وأمالي القالي وأمالي ثعلب، والجمهرة لابن دريد وتذكرة ابن مكتوم، وديوان الأدب للفارابي، والصحاح للجوهري، والغرة لابن الدهان.
وبعض هذه الكتب لم يصل إلينا، والجدير بالذكر أن السيوطي راعى فيما جمعه من أمثلة للإتباع من هذه المصادر المختلفة أن يذكر من كل منها ما لم يذكره الآخرون وكأنه بذلك يحاول استقصاء هذه الأمثلة التي وردت للاتباع ويحاول أن يصل بها على عادته في الجمع إلى أكبر عدد، وفي هذا دلالته على مبلغ الجهد الذي عاناه في ذلك، وبراعته في التنسيق والجمع.
ومن أمثلة الإتباع قولهم: عطشان نطشان، وجائع نائع، وحسن بسن، وأمثال ذلك ما كانت فيه الكلمة الثانية على رويّ الأولى، وتابعه لها على وجه التوكيد، ولا يمكن أن يؤتى بالكلمة التالية (التابعة) وحدها «٢».
وليس الاتباع من قبيل الترادف، بل هو مختلف عنه لإفادة المترادفين فائدة واحدة والتابع لا يفيد وحده شيئا، والفرق بينه وبين التوكيد أن شروط التابع أن يكون على زنة المتبوع ورويه، وليس كذلك التوكيد.
وبعض الكلمات التي ورد استعمالها في الاتباع لم يعرف لها بعض أهل اللغة
стр. 208
معنى واعتبروها لمجرد الإتباع، على حين وجد لها آخرون دلالات معينة، ومع ذلك قرروا أن كثيرا منها لا يصح إفراده وإنما يلزم الاتباع، وأن بعضها يصح أن يفرد.
تلك خلاصة المبحث الذي أورده السيوطي، وقد ساق كثيرا من الأمثلة لكثير من الألفاظ التي جمعها من كتب اللغة السابقة، بيد أنني لم أجد للسيوطي قولا صريحا ينسبه إلى نفسه نستطيع أن نتبين به مذهبه في صراحة، وإذا كان الأمر كذلك فإن ما قدمناه يعد ما أقر به، وتعبر اختياراته للنقول عن رأيه ومذهبه في هذا الموضوع.
١١ - حسن السير فيما في الفرس من أسماء الطير:
ذكره صاحب كشف الظنون وغيره منسوبا إلى السيوطي، ولم أقف عليه، بيد أني وجدت السيوطي قد تناول هذا الموضوع عند ما تحدث عن المشترك اللفظي «١»، وهو دلالة اللفظ الواحد على معنيين فأكثر، وقد لخص السيوطي في دقة أقوال الأصوليين في المشترك اللفظي، وقد ذهب أكثرهم إلى وقوعه في اللغة نتيجة لتعدد الوضع، وذلك مبني على القول بأن اللغة غير توقيفية أو ليست من وضع واحد عند القائلين بالتوقيف، وحجتهم في وقوعه نقل أهل اللغة ذلك في كثير من الألفاظ «٢».
ويبدو أن جميع اللغويين قد ذهبوا إلى وقوع المشترك اللفظي، ويبدو بديهيا لمن ينظر في كثير من ألفاظ اللغة ويرى اختلاف معانيها وتنوعها أن يرجع ذلك إلى الاشتراك اللفظي. وقد أورد السيوطي نقلا عن أهل اللغة وأصحاب المعاجم عددا كبيرا من الأمثلة لوقوع اللفظ الواحد لمعان كثيرة، ثم أخذ يسرد الألفاظ المشتركة بين الفرس والطير فنقل عن أمالي القالي جملة منها «الهامة:
العظم الذي في أعلى رأسه، والفرخ: وهو الدماغ، والنعامة: الجلدة التي تغطي الدماغ، والعصفور: العظم الذي تنبت عليه الناصية .. إلى آخره» «٣».
стр. 209
ثم نقل عن شرح الكامل للبطليوسي بعد ذلك شعرا لجرير ذكر الأصمعي أن فيه عشرين اسما من أسماء أعضاء الفرس وهي من أسماء الطير ومنه «١»:
وأقبّ كالسّرحان تم له ... ما بين هامته إلى النسر
رجعت نعامته ووفّر لحمه ... وتمكن الصّردان في النحر
فالهامة: اسم طائر خرافي زعم العرب أنه يخرج بعد قتل القتيل ويصيح فوقه حتى يؤخذ ثأره، وفي الفرس: الهامة: أعلى الرأس، والنسر: طائر معروف، وفي الفرس: ما ارتقى من بطن الحافر، والنعامة: طائر معروف وفي الفرس:
الجلدة التي تغطي الدماغ، والصّرد: طائر ضخم يصطاد العصافير والصّردان في الفرس: عرقان يكتنفان اللسان.
وقد أتبع السيوطي هذا الشعر بنص آخر في هذا الموضوع عن كراسة لم يذكر اسمها، ثم نقل عن الصحاح وأمالي الزجاج بعض الأمثلة الأخرى.
وطبيعة الموضوع جعلته يقتصر على حصر الألفاظ المشتركة بين الطير وأعضاء الفرس دون إبداء ملاحظات أو تعليقات على نقوله، ونستطيع القول بأن مؤلفه جاء محصيا لهذه النقول وغيرها في نفس الموضوع.
أما عن بحث المشترك فلقد لخص فيه السيوطي بعبارة موجزة آراء الأصوليين وهم خير من درس المبحث، كما أفاض في ذكر الأمثلة بحيث إن المحدثين في بحوثهم عيال على نقول السيوطي، وإن تضمنت أبحاثهم بعض الزيادات في النقول أو الأفكار على ما أورده «٢».
١٢ - غاية الاحسان في خلق الانسان:
ذكره صاحب كشف الظنون ورجح نسبته للجلال السيوطي، وذكر أنه جمع فيه كتب خلق الانسان للنحاس ولأبي محمد ثابت وللزجاج ولأبي القاسم عمر
стр. 210
بن محمد العصامي ومحمد بن حبيب، وقد ذكره صاحب هدية العارفين، ولم أقف عليه مخطوطا أو مطبوعا.
والحديث عن «خلق الانسان» أي محاولة تسمية جميع أعضائه، وجمع ما يتصل بذلك من الأشعار أو المأثورات الواردة عن العرب من أقدم الموضوعات التي تناولها اللغويون، فللأصمعي كتاب في خلق الانسان، ولأبي زيد مثله، وألف النضر بن شميل كتابا سماه «الصفات» احتوى على ذكر هذا الموضوع.
وقد حظي هذا الموضوع بكثير من مؤلفات علماء اللغة، ففضلا عن الكتب التي ذكرناها توجد كتب أخرى تناولت الموضوع، فقد تناوله ابن سيدة في المخصص وقد سبق القول بأن هذه المؤلفات تعد من قبيل المعاجم الخاصة، أي التي تقتصر على ذكر ألفاظ موضوع من الموضوعات، ونرجح أن السيوطي قد جمع في مؤلفه هذه الألفاظ نقلا عن الكتب السابقة واستطاع أن يستدرك ما فات غيره وأن يصل فيما أحصاه إلى ما لم يصل إليه أي مصنف من المصنفات التي سبقته.
١٣ - شرح قصيدة بانت سعاد:
يسمى: «كنه المراد في شرح بانت سعاد»، وقد وقفت فيه على مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ١٦٦٥٦ ز، وهو مخطوط متوسط الحجم يقع في سبعين ورقة أي ١٤٠ صفحة.
وقد قدّم السيوطي لشرحه بمقدمة طويلة بين فيها أن الشروح السابقة عليه، والتي وقف عليها تقتصر على شرح غريبها وإعراب ألفاظها المؤدية إلى حل تركيبها دون التعرض لمعانيها، وأن قصده من شرحه بيان المعاني فضلا عن حل الألفاظ «١».
والحق أن شرح السيوطي يمتاز عن سواه من الشروح بأنه تعرض لبيان المعنى في أسلوب واضح سلس، كما أنه يهتم بشرح الغريب من الألفاظ، ثم يورد
стр. 211
أشعارا وأقوالا تناسب المعنى الذي يتناوله، ونلاحظ أنه نقل عنده في هذا الشرح النقول التي تعود في مؤلفاته الاكثار منها، فهو يتكلم بأسلوبه شارحا ومفصلا، ثم يستشهد أو ينقل عن غيره بحيث تندمج النقول في حديثه على عكس ما تعودنا في مؤلفاته من اختفاء رأيه وراء النقول التي تمثل معظم كتابته، وهو كثير الاستطراد والاطناب في الشرح بحيث يتناول الكلمة من نواح متعددة قد يبدو أنه لا صلة لها بما نحن فيه.
ويدل الشرح- في الواقع- على مدى تمكن السيوطي ومعرفته بالأدب، وله فيه لمحات بديعة وابتكارات لطيفة، واشارات قد لا يتنبه لها كثير من دارسي الأدب، فضلا عن دقته ومعرفته الواسعة بطرائق الشعراء وأسرار البلاغة.
وفي بعض الأحيان يورد السيوطي في المناسبة أشعارا له فيذكر بصدد شرحه للبيت:
لكنها خلّة قد سيط من دمها ... نجع وولع واخلاف وتبديل
يورد بصدد الحديث عن الوشاة والرقباء قوله:
احرص على طرد الرقيب وبعده ... ان تغتنم وصل الحبيب تلاعبه
كم ليلة بات الحبيب بجانبي ... لكنني خوف الرقيب أجانبه
ويكثر من الاستشهاد في شرحه بالقرآن الكريم والحديث الشريف وأشعار السابقين، ولا تفوته طبيعته الحديثية في بعض الأحيان حيث تظهر في حرصه على إيراد الأسانيد، وبيان أوجه ضعف الأحاديث أو صحتها، وقد لاحظنا ذلك في أحاديث القدر التي ساقها بصدد شرحه للبيت:
فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدّر الرحمن مفعول
وبعض الأحاديث التي أوردها بصدد شرح البيت:
أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
وهي الأحاديث الخاصة بعفو النبي ﷺ .
стр. 212
وإذا قارنا هذا الشرح بشرحين أحدهما سابق له وقد نشأ صاحبه في نفس بيئة السيوطي وهو شرح ابن هشام، والآخر لاحق له وهو شرح الشيخ إبراهيم الباجوري لتبينا اهتمام ابن هشام بالملاحظات النحوية واللغوية وذكر الأوجه المختلفة في إعراب الألفاظ والجمل، والتعرض للألفاظ ببيان نوعها أو اشتقاقها أو غير ذلك من هذا القبيل، وهو بذلك يغفل ذكر المعنى الاجمالي، والشرح اللاحق للسيوطي أكثر إيجازا من شرح ابن هشام من الناحية اللغوية والنحوية بيد أنه لا يغفل ذكر المعنى العام للبيت.
ونستطيع أن نصف شرح السيوطي بعد هذه الموازنة بأنه شرح لغوي أدبي، فهو شرح لغوي لأنه يعني بتفسير معاني الألفاظ وذكر المعنى العام لكل بيت، وهو شرح أدبي لتناوله الأفكار والأساليب الأدبية بالتعليق والتمثيل وإبداء الملاحظات القيمة فحين يتناول السيوطي بيت كعب:
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
يقول: «أي وما سعاد غداة البين إذ رحلوا وهي معهم إلا ظبي أغن الصوت غضيض الطرف مكحول العين، وسعاد هي محبوبته التي أشار إليها في البيت الأول، والغداة: اسم لمقابل العشي، قال تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، وقد يراد بها مطلق الزمان ... إلى آخره» «١»، ويستمر في شرح الألفاظ وبيان معانيها واستعمالاتها المتنوعة وما يترتب على ذلك من وجوه متنوعة في فهم النص، ثم لا يلبث أن يعود إلى تفصيل المعنى الذي أوجزه في أول الشرح فيقول: «وحاصله أنه لما ذكر حال نفسه، وما أعقبه الفراق من الضنك شرع في ذكر وصف محبوبته التي يهواها وما اشتملت عليه من المحاسن التي لا يقدر معها على الأسف على فراقها ... فشبهها بظبي موصوف بأحسن الصفات» «٢»، ثم يتعرض بعد ذلك إلى الجوانب الأدبية فيتحدث عن عادة الشعراء في التشبيه ويذكر أمثلة لذلك «٣». ونحن إذا قارنا شرح هذا البيت بما
стр. 213
أورده من قبله ابن هشام لرأينا اختلافا بينا في المنهج، فابن هشام يذكر بصدد البيت: «قوله: وما سعاد: الواو عاطفة على الفعلية لا على الاسمية وإن كانت أقرب وأنسب لكون المعطوفة اسمية لأن هذه الجملة لا تشارك تلك في التسبب عن البينونة، وسعاد: مبتدأ لا اسم لما، لانتقاض النفي بالا، والأصل: وما هي، فأناب الظاهر عن المضمر»
«١»
، ويستمر في دراسة النص دراسة نحوية لغوية خالصة ويتناول النص كلمة كلمة أو جملة جملة دون أن يعبأ بالمعنى العام للبيت.
أما الشرح اللاحق للسيوطي «٢»، فقد حاول الافادة من سابقيه فهو يبدأ بشرح البيت ثم يعقب ببعض الملاحظات اللغوية والنحوية عليه، ويبدو أثر شرح السيوطي في هذا الشرح، وقد أشار إليه صاحبه في بعض الأحيان، والتشابه بين المقدمة التي قدم بها السيوطي لشرحه وبين مقدمة الباجوري يشهد بذلك.
١٤ - الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة:
وقفت فيه على مخطوط بدار الكتب برقم ٢٣٣١٦ ب، وهو مخطوط متوسط الحجم يقع في ٥٢ ورقة، أي أن صفحاته تبلغ ١٠٤ صفحة بيد أنه بخط غير جيد. وقد قصد السيوطي في هذا المؤلف أن يجمع أسماء النبي ﷺ مستوفيا ما جمعه السابقون في مختلف المظان كتهذيب الأسماء للنووي.
وقد ابتدأ بمقدمة طويلة تحدث فيها عن كثرة أسمائه ﷺ ، وعددها ونوعيتها، وما انتهى إلى الوقوف عليه منها سابقوه، ثم ما زاده واستدركه عليهم وأخذ بعد ذلك يسرد هذه الأسماء والحديث عنها، فبدأ «بمحمد» ثم رتب بقية الأسماء فيما بعد على حروف المعجم إلا في بعض الحالات التي يستدعي المعنى أن يأتي فيها باسم في غير موضعه لمناسبة تستلزم ذلك حيث قرن «الناهي» «بالآمر»، والمنير بالسراج، والمستقيم بالصراط، فاستدعى هذا وضع بعض الأسماء في غير مواضعها الأبجدية.
стр. 214
وبالرغم من أن المؤلف يغلب عليه الطابع الحديثي الذي يهتم بالآثار فإن به دراسة لغوية لا بأس بها لكثير من هذه الأسماء، فهو يتعرض لشرحها وبيان اشتقاقاتها وضبطها وتصريفها، وفي بعض الأحيان يتعرض لبعض الدراسات النحوية «١» ويتناول في أحيان أخرى أصل المعنى في اللغة على نحو ما رأينا في رسالته عن أصول الأسماء كبيانه لأصل الصدق في اللغة وأنه الثبوت والقوة بصدد حديثه عن اسم «الأصدق» «٢»، وهكذا يمكننا اعتبار هذا المؤلف من آثاره اللغوية التي توضح مقدرته اللغوية وتحدد قدرته على تناول النصوص، بيد أنه ليس له فيه من الآراء ما يستحق الوقوف عنده وإنما له بعض الاستدراكات أو الزيادات أو التعليقات.
واستيفاء لآثار السيوطي اللغوية قبل شروعنا في دراسة كتابه الهام في اللغة وهو المزهر، يجدر أن نشير إلى أن كثيرا من مؤلفات السيوطي في شتى الموضوعات لم تخل من دراسات لغوية قيمة أو ملاحظات تشهد بطول باعه في هذا المجال، وسأمثل بأحد هذه المؤلفات على سبيل التمثيل لا الحصر، وهو مؤلف قد ذكره بين كتب التاريخ وهو كتاب:
١٥ - الشماريخ في علم التاريخ:
(طبع في مدينة ليدن سنة ١٣١٢ هـ- ١٨٩٤ م):
كتاب صغير الحجم طبع مع مقدمة له باللغة الألمانية، وقد تحدث السيوطي في الباب الأول منه عن مبدأ التاريخ، وفي الثاني من فوائد التأريخ من معرفة الآجال وحلولها وانقضاء العدد، ووفيات الشيوخ ومواليدهم، والرواة عنهم فيعين ذلك على تبين صدق الرواة من كذبهم، ويعين في ضبط الأسانيد «٣».
وفي الباب الثالث تعرض لموضوعات شتى تتصل بالتأريخ، بيد أن الذي يهمنا في الكتاب عنايته ببعض المسائل اللغوية المتصلة بالتأريخ.
стр. 215
فقد ذكر السيوطي أنه: «يقال أول ليلة في الشهر كتب لأول ليلة منه، أو لغرته أو لمهلة، أو لمستهلة. وأول يوم لليلة خلت ثم لليلتين خلتا ثم لثلاث خلون إلى العشر، فخلت إلى النصف، فللنصف من كذا وهو أجود من لخمس عشرة خلت أو بقيت، ثم لأربع عشرة بقيت إلى العشرين، ثم لعشر بقين إلى آخره، ولآخر ليلة أو لسلخه أو لانسلاخه، وفي اليوم بعدها لآخر يوم أو لسلخه أو لانسلاخه وقيل: إنما يؤرخ بما مضى مطلقا ... » «١»، ثمّ يبين أن قولنا في بعضها: خلون، لأن تمييزه جمع، وما يقال فيه، «خلت» فهو ما تميزه مفرد إلى آخر ما ذكره، كما بين أنه يقال في العشر الأواخر والأول ولا يقال الأواخر والأوائل لأن الأولى أن يجمع على فعل قياسا مطردا. ولا يجمع على الأوائل إلا أول الذكور، والأواخر جمع آخرة وهو المراد هنا، أما الأخر فجمع أخرى، وقد نقل ذلك عن ابن الحاجب.
كما تحدث عن حذف التاء من لفظ العدد فذكر أنه يقال: «إحدى واثنتان إن أرخت بالليلة أو السنة وتؤنث، ويقال أحد واثنان إن أرخت باليوم أو العام فان حذفت المعدود جاز حذف التاء ومنه الحديث» وأتبعه ستا من شوال «إلى العشر فيذكر مع المذكر ويؤنث مع المؤنث» «٢».
وتناول أسماء الأيام وجموعها، واشتقاقها ومعناها وما كان لهذه الأيام من أسماء عربية قديمة أميتت واستعملت محلها هذه الأسماء «٣». ثم ذكر أسماء الشهور وجموعها ومعانيها واشتقاقاتها وأسماءها العربية السابقة التي هجرت باستعمال هذه الأسماء «٤»، متعرضا لبيان تسمية الشهور وأسباب هذه التسمية وذلك بعد بيان المعنى.
وما نريد أن نخلص إليه هو أن هذا الكتاب على صغره واهتمامه بالتأريخ لم يخل من نظرات وملاحظات لغوية، ونظرات أسلوبية ونحوية ضمنها صاحبه فيه