أشعارا وأقوالا تناسب المعنى الذي يتناوله، ونلاحظ أنه نقل عنده في هذا الشرح النقول التي تعود في مؤلفاته الاكثار منها، فهو يتكلم بأسلوبه شارحا ومفصلا، ثم يستشهد أو ينقل عن غيره بحيث تندمج النقول في حديثه على عكس ما تعودنا في مؤلفاته من اختفاء رأيه وراء النقول التي تمثل معظم كتابته، وهو كثير الاستطراد والاطناب في الشرح بحيث يتناول الكلمة من نواح متعددة قد يبدو أنه لا صلة لها بما نحن فيه.
ويدل الشرح- في الواقع- على مدى تمكن السيوطي ومعرفته بالأدب، وله فيه لمحات بديعة وابتكارات لطيفة، واشارات قد لا يتنبه لها كثير من دارسي الأدب، فضلا عن دقته ومعرفته الواسعة بطرائق الشعراء وأسرار البلاغة.
وفي بعض الأحيان يورد السيوطي في المناسبة أشعارا له فيذكر بصدد شرحه للبيت:
لكنها خلّة قد سيط من دمها ... نجع وولع واخلاف وتبديل
يورد بصدد الحديث عن الوشاة والرقباء قوله:
احرص على طرد الرقيب وبعده ... ان تغتنم وصل الحبيب تلاعبه
كم ليلة بات الحبيب بجانبي ... لكنني خوف الرقيب أجانبه
ويكثر من الاستشهاد في شرحه بالقرآن الكريم والحديث الشريف وأشعار السابقين، ولا تفوته طبيعته الحديثية في بعض الأحيان حيث تظهر في حرصه على إيراد الأسانيد، وبيان أوجه ضعف الأحاديث أو صحتها، وقد لاحظنا ذلك في أحاديث القدر التي ساقها بصدد شرحه للبيت:
فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدّر الرحمن مفعول
وبعض الأحاديث التي أوردها بصدد شرح البيت:
أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
وهي الأحاديث الخاصة بعفو النبي ﷺ .
стр. 212
وإذا قارنا هذا الشرح بشرحين أحدهما سابق له وقد نشأ صاحبه في نفس بيئة السيوطي وهو شرح ابن هشام، والآخر لاحق له وهو شرح الشيخ إبراهيم الباجوري لتبينا اهتمام ابن هشام بالملاحظات النحوية واللغوية وذكر الأوجه المختلفة في إعراب الألفاظ والجمل، والتعرض للألفاظ ببيان نوعها أو اشتقاقها أو غير ذلك من هذا القبيل، وهو بذلك يغفل ذكر المعنى الاجمالي، والشرح اللاحق للسيوطي أكثر إيجازا من شرح ابن هشام من الناحية اللغوية والنحوية بيد أنه لا يغفل ذكر المعنى العام للبيت.
ونستطيع أن نصف شرح السيوطي بعد هذه الموازنة بأنه شرح لغوي أدبي، فهو شرح لغوي لأنه يعني بتفسير معاني الألفاظ وذكر المعنى العام لكل بيت، وهو شرح أدبي لتناوله الأفكار والأساليب الأدبية بالتعليق والتمثيل وإبداء الملاحظات القيمة فحين يتناول السيوطي بيت كعب:
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
يقول: «أي وما سعاد غداة البين إذ رحلوا وهي معهم إلا ظبي أغن الصوت غضيض الطرف مكحول العين، وسعاد هي محبوبته التي أشار إليها في البيت الأول، والغداة: اسم لمقابل العشي، قال تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، وقد يراد بها مطلق الزمان ... إلى آخره» «١»، ويستمر في شرح الألفاظ وبيان معانيها واستعمالاتها المتنوعة وما يترتب على ذلك من وجوه متنوعة في فهم النص، ثم لا يلبث أن يعود إلى تفصيل المعنى الذي أوجزه في أول الشرح فيقول: «وحاصله أنه لما ذكر حال نفسه، وما أعقبه الفراق من الضنك شرع في ذكر وصف محبوبته التي يهواها وما اشتملت عليه من المحاسن التي لا يقدر معها على الأسف على فراقها ... فشبهها بظبي موصوف بأحسن الصفات» «٢»، ثم يتعرض بعد ذلك إلى الجوانب الأدبية فيتحدث عن عادة الشعراء في التشبيه ويذكر أمثلة لذلك «٣». ونحن إذا قارنا شرح هذا البيت بما
стр. 213
أورده من قبله ابن هشام لرأينا اختلافا بينا في المنهج، فابن هشام يذكر بصدد البيت: «قوله: وما سعاد: الواو عاطفة على الفعلية لا على الاسمية وإن كانت أقرب وأنسب لكون المعطوفة اسمية لأن هذه الجملة لا تشارك تلك في التسبب عن البينونة، وسعاد: مبتدأ لا اسم لما، لانتقاض النفي بالا، والأصل: وما هي، فأناب الظاهر عن المضمر»
«١»
، ويستمر في دراسة النص دراسة نحوية لغوية خالصة ويتناول النص كلمة كلمة أو جملة جملة دون أن يعبأ بالمعنى العام للبيت.
أما الشرح اللاحق للسيوطي «٢»، فقد حاول الافادة من سابقيه فهو يبدأ بشرح البيت ثم يعقب ببعض الملاحظات اللغوية والنحوية عليه، ويبدو أثر شرح السيوطي في هذا الشرح، وقد أشار إليه صاحبه في بعض الأحيان، والتشابه بين المقدمة التي قدم بها السيوطي لشرحه وبين مقدمة الباجوري يشهد بذلك.
١٤ - الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة:
وقفت فيه على مخطوط بدار الكتب برقم ٢٣٣١٦ ب، وهو مخطوط متوسط الحجم يقع في ٥٢ ورقة، أي أن صفحاته تبلغ ١٠٤ صفحة بيد أنه بخط غير جيد. وقد قصد السيوطي في هذا المؤلف أن يجمع أسماء النبي ﷺ مستوفيا ما جمعه السابقون في مختلف المظان كتهذيب الأسماء للنووي.
وقد ابتدأ بمقدمة طويلة تحدث فيها عن كثرة أسمائه ﷺ ، وعددها ونوعيتها، وما انتهى إلى الوقوف عليه منها سابقوه، ثم ما زاده واستدركه عليهم وأخذ بعد ذلك يسرد هذه الأسماء والحديث عنها، فبدأ «بمحمد» ثم رتب بقية الأسماء فيما بعد على حروف المعجم إلا في بعض الحالات التي يستدعي المعنى أن يأتي فيها باسم في غير موضعه لمناسبة تستلزم ذلك حيث قرن «الناهي» «بالآمر»، والمنير بالسراج، والمستقيم بالصراط، فاستدعى هذا وضع بعض الأسماء في غير مواضعها الأبجدية.
стр. 214
وبالرغم من أن المؤلف يغلب عليه الطابع الحديثي الذي يهتم بالآثار فإن به دراسة لغوية لا بأس بها لكثير من هذه الأسماء، فهو يتعرض لشرحها وبيان اشتقاقاتها وضبطها وتصريفها، وفي بعض الأحيان يتعرض لبعض الدراسات النحوية «١» ويتناول في أحيان أخرى أصل المعنى في اللغة على نحو ما رأينا في رسالته عن أصول الأسماء كبيانه لأصل الصدق في اللغة وأنه الثبوت والقوة بصدد حديثه عن اسم «الأصدق» «٢»، وهكذا يمكننا اعتبار هذا المؤلف من آثاره اللغوية التي توضح مقدرته اللغوية وتحدد قدرته على تناول النصوص، بيد أنه ليس له فيه من الآراء ما يستحق الوقوف عنده وإنما له بعض الاستدراكات أو الزيادات أو التعليقات.
واستيفاء لآثار السيوطي اللغوية قبل شروعنا في دراسة كتابه الهام في اللغة وهو المزهر، يجدر أن نشير إلى أن كثيرا من مؤلفات السيوطي في شتى الموضوعات لم تخل من دراسات لغوية قيمة أو ملاحظات تشهد بطول باعه في هذا المجال، وسأمثل بأحد هذه المؤلفات على سبيل التمثيل لا الحصر، وهو مؤلف قد ذكره بين كتب التاريخ وهو كتاب:
١٥ - الشماريخ في علم التاريخ:
(طبع في مدينة ليدن سنة ١٣١٢ هـ- ١٨٩٤ م):
كتاب صغير الحجم طبع مع مقدمة له باللغة الألمانية، وقد تحدث السيوطي في الباب الأول منه عن مبدأ التاريخ، وفي الثاني من فوائد التأريخ من معرفة الآجال وحلولها وانقضاء العدد، ووفيات الشيوخ ومواليدهم، والرواة عنهم فيعين ذلك على تبين صدق الرواة من كذبهم، ويعين في ضبط الأسانيد «٣».
وفي الباب الثالث تعرض لموضوعات شتى تتصل بالتأريخ، بيد أن الذي يهمنا في الكتاب عنايته ببعض المسائل اللغوية المتصلة بالتأريخ.
стр. 215
فقد ذكر السيوطي أنه: «يقال أول ليلة في الشهر كتب لأول ليلة منه، أو لغرته أو لمهلة، أو لمستهلة. وأول يوم لليلة خلت ثم لليلتين خلتا ثم لثلاث خلون إلى العشر، فخلت إلى النصف، فللنصف من كذا وهو أجود من لخمس عشرة خلت أو بقيت، ثم لأربع عشرة بقيت إلى العشرين، ثم لعشر بقين إلى آخره، ولآخر ليلة أو لسلخه أو لانسلاخه، وفي اليوم بعدها لآخر يوم أو لسلخه أو لانسلاخه وقيل: إنما يؤرخ بما مضى مطلقا ... » «١»، ثمّ يبين أن قولنا في بعضها: خلون، لأن تمييزه جمع، وما يقال فيه، «خلت» فهو ما تميزه مفرد إلى آخر ما ذكره، كما بين أنه يقال في العشر الأواخر والأول ولا يقال الأواخر والأوائل لأن الأولى أن يجمع على فعل قياسا مطردا. ولا يجمع على الأوائل إلا أول الذكور، والأواخر جمع آخرة وهو المراد هنا، أما الأخر فجمع أخرى، وقد نقل ذلك عن ابن الحاجب.
كما تحدث عن حذف التاء من لفظ العدد فذكر أنه يقال: «إحدى واثنتان إن أرخت بالليلة أو السنة وتؤنث، ويقال أحد واثنان إن أرخت باليوم أو العام فان حذفت المعدود جاز حذف التاء ومنه الحديث» وأتبعه ستا من شوال «إلى العشر فيذكر مع المذكر ويؤنث مع المؤنث» «٢».
وتناول أسماء الأيام وجموعها، واشتقاقها ومعناها وما كان لهذه الأيام من أسماء عربية قديمة أميتت واستعملت محلها هذه الأسماء «٣». ثم ذكر أسماء الشهور وجموعها ومعانيها واشتقاقاتها وأسماءها العربية السابقة التي هجرت باستعمال هذه الأسماء «٤»، متعرضا لبيان تسمية الشهور وأسباب هذه التسمية وذلك بعد بيان المعنى.
وما نريد أن نخلص إليه هو أن هذا الكتاب على صغره واهتمامه بالتأريخ لم يخل من نظرات وملاحظات لغوية، ونظرات أسلوبية ونحوية ضمنها صاحبه فيه
стр. 216
مما يدل على مقدرته اللغوية وتشربه بروح اللغوي، ونلاحظ أن هذه النظرات اللغوية لم يسقها السيوطي بمنهجه النقلي المعتاد وإنما بسط القول بعض البسط وتحلل من الأسانيد واضطلع بالقول والعرض وبيان ما يريده.
١٦ - المزهر في علوم اللغة وأنواعها:
«طبع الكتاب عدة طبعات أدقها الطبعة التي حققها محمد أحمد جاد المولى وزميلاه وهي في جزءين وقد اعتمدنا عليها».
يعد أجلّ مؤلفات السيوطي في فقه اللغة ويعد أجمع المؤلفات العربية وأوفاها وأشملها في تحديد معالم الدرس اللغوي. وقد عرضت آنفا لتدرج أبحاث فقه اللغة عند العرب، وذكرت أهم آثارهم، وقد رأينا اهتمام كبير منها بناحية من النواحي واقتصارها عليها، كما أن الكتب التي وضعت في خصائص العربية أو في فقه اللغة لم تتعرض في الحقيقة إلا لبعض جوانب فقه اللغة، ولم يكن من هدفها شمول جميع الجوانب، فالكتب السابقة عليه كما بينا إما معجمات عامة تهدف إلى جميع مواد اللغة، أو معاجم خاصة تقتصر على ألفاظ موضوعات معينة كالشجر والابل والمطر ... إلى آخره، أو معاجم خاصة مطولة للمعاني كالمخصص لابن سيدة، أو دراسات تهتم ببعض مسائل فقه اللغة كالخصائص لابن جني والصاحبي لابن فارس، أو دراسات تهتم باللغة وألفاظها ومعانيها وبكثير من القضايا اللغوية العامة خارج البيئة اللغوية كدراسات الأصوليين وأبحاثهم.
ولم يكن هناك قبل السيوطي من جمع هذه الألوان المتنوعة في مؤلف واحد، ولم يكن قبل المزهر كتاب للسيوطي أو لغيره يمكن أن يمثل بحق دراسة العرب لفقه اللغة، أو بعبارة أخرى «يمكن أن يكون ألصق المؤلفات بفقه اللغة كعلم قائم بنفسه» «١».
والسيوطي على حق في قوله: «وقد كان كثير ممن تقدم يلمّ بأشياء من ذلك، ويغنني في بيانها بتمهيد المسالك، غير أن هذا المجموع لم يسبقني إليه سابق، ولا
стр. 217
طرق سبيله قبل طارق» «١».
وبالرغم من أن جميع الأبحاث التي تناولها السيوطي درست عند العرب من قبله وتناولها اللغويون أو الأصوليون، فإن أحدهم لم يتصدّ لدراسة هذا الفن كله، ولم يستوعب أحدهم نظريات العلم ويتناولها بحديث جامع منظم الأبواب، بل تكلم هذا في ناحية أو بعض النواحي وذاك في أخرى، فلم يجتمع شتات هذا الفن ولم يلتئم شمله.
وقد حاول السيوطي في كتابه أن يجمع هذا الشتات، وقد امتاز عن سابقيه من اللغويين باهتمامه الكبير بأبحاث الأصوليين السابقين في دراسة اللغة، وهذا يدل على بعد نظره ودقة منهجه فبحث الأصوليين للغة أدق وأوفى من بحث اللغويين أنفسهم، وكانت كتب اللغويين تغفل في أحيان كثيرة جهود الأصوليين، فجاء كتاب السيوطي جامعا لأبحاث الفريقين يلائم بين أجزاء الشمل، ويقيم مما تفرق أبوابا ومباحث لها كيانها المستقل ثم ينتهي به الأمر إلى أن يجعل من هذه المباحث علما له كيانه المستقل، وهذا بغير شك جهد عظيم وابتكار لا ينكر، وجرأة على ما أحجم عنه السابقون، وقد نجح في عمله نجاحا يغبط عليه وسيتضح لنا بعد مصداق ما قدمنا.
منهج السيوطي في المزهر:
أريد هنا أن أتناول باجمال كتاب المزهر، وأهم الجوانب التي تحدد منهج صاحبه هي مصادر الكتاب، ثم طريقته في النقل والعرض وكيفية تقسيم الكتاب، وذلك يحدد لنا معالم منهج المؤلف وينتهي بنا إلى الحديث عن منهج المحدثين ومحاولة السيوطي تطبيقه على اللغة ودراستها من خلاله وسنبين ذلك فيما بعد.
وقد عرضت من قبل لتدرج الدراسات اللغوية قبل السيوطي وبينت أنواع المصنفات التي سبقته، وأستطيع القول بأن معظم كتب اللغة السابقة سواء نتجت عن البيئة اللغوية أو عن بيئة الأصوليين فقهائهم ومتكلميهم كل أولئك
стр. 218
قد وقف عليه السيوطي واتضح أثره في كتابه الذي بين أيدينا، ويبلغ ما ذكره السيوطي من الكتب التي نقل عنها مائة وثلاثة وسبعين كتابا وهي جميع ما نقل عنه تقريبا لأنه- في الواقع- يمتاز بمميزة هامة وهي الأمانة الشديدة التي تجعله لا يذكر نصا إلا معزوا إلى قائله ومذكورا معه اسم الكتاب الذي نقل عنه وذلك ما جعل سبيل إحصاء الكتب واضحا، وقد كان من أهم خصائص منهجه في التأليف، وهو ما جعله يحرص في ذكر النقول على ذكر أصحابها وأسماء الكتب التي نقل عنها لأنه يعد ذلك من شكر
العلم وبركته التي ينبغي أن تكون من آداب المحدّث واللغوي وقد قال: «ولهذا لا تراني أذكر في شيء من تصانيفي حرفا إلا معزوا إلى قائله من العلماء مبينا كتابه الذي ذكر فيه» «١».
والنقول التي شغلت حيزا كبيرا في كتابه هي النقول عن المعاجم سواء أكانت معاجم عامة أم معاجم خاصة، فقد أكثر من النقل عن الصحاح للجوهري في مواضع متفرقة وعن الجمهرة لابن دريد، والمجمل لابن فارس والمحكم لابن سيدة والغريب المصنف لأبي عبيد، وفقه اللغة للثعالبي، وديوان الأدب للفارابي وأدب الكاتب لابن قتيبة، وإصلاح المنطق لابن السكيت وتهذيبه للتبريزي، وكتاب ليس لابن خالويه، والفصيح لثعلب والتهذيب للأزهري.
ويلي هذه المصادر في حجم النقول الكتب التي عنيت كالمعاجم بالألفاظ، وضمت إليها أبحاثا لغوية أخرى كالأمالي لثعلب، وأمالي القالي والزجاجي وابن دريد، وشروح الفصيح لابن درستويه، ولابن خالويه وللبطليوسي.
أما أهم الكتب التي تناولت بعض أبحاث فقه اللغة وشغلت حيزا كبيرا بين نقول السيوطي فهي الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس والخصائص لابن جني، يليهما الكامل للمبرد ولمع الأدلة في أصول النحو لابن الأنباري.
وسائر الكتب بعد ذلك تشغل النقول عنها حيزا أقل، ولا يفوتنا أن نذكر أن بينها كتبا هامة ككتاب سيبويه والقاموس للفيروزآبادي، ومجموعة من كتب النوادر لأبي زيد ولابن الأعرابي ولأبي عمرو الشيباني وللنجيرمي واليزيدي
стр. 219
ويونس وبعضها قد وصل إلينا وبعضها لم يصل.
وقد اعتمد السيوطي على مجموعة لا بأس بها من كتب الأصوليين ونقل عنها وأهمها البحر المحيط للزركشي والبرهان لإمام الحرمين، والتلخيص له أيضا، وشرح منهاج البيضاوي للتاج السبكي، وجمع الجوامع للسبكي، وشرح المحصول للقرافي، وشرح منهاج الأصول للاسنوي، والمختصر لابن الحاجب، والملخص في أصول الفقه للقاضي عبد الوهاب المالكي، والوصول إلى الأصول لابن برهان.
ولم يقتصر اعتماد السيوطي على هذه الكتب بصدد بحث نشأة اللغة الذي يهتم به المتكلمون والأصوليون وحسب وإنما اعتمد عليها في كثير من الأبحاث الأخرى لا سيما التي تتصل بالمعنى كالخاص والعام والمشترك والمترادف والاشتقاق والحقيقة والمجاز وغير ذلك بحيث يبدو النقل عنها متناثرا في سائر كتابه.
ونلاحظ قلة الكتب النحوية بين مصادر السيوطي فما ذكره بعضه في أصول النحو كلمع الأدلة في أصول النحو لابن الأنباري، وبعضه في الفروع وهو قليل ككتاب سيبويه وأصول ابن السراج والتسهيل ونظم الفرائد لابن مالك، وشرح التسهيل لأبي حيان، وهذا يدل في الحقيقة على تفرقته بين دراسة اللغة وبين دراسة النحو، وأن اعتماده على الكتب النحوية في المجال اللغوي غير النحوي لا يكون إلا بمقدار ما يخدم الموضوعات التي يتناولها، والحق أن التفرقة واضحة منذ القدم في أذهان اللغويين والنحاة، ومن الطبيعي ألا تكثر المصادر النحوية لكتاب في فقه اللغة أما كتب الطبقات فقد رجع السيوطي إلى عدد من الكتب التي وضعت في طبقات اللغويين والنحويين وهذه الكتب لا تفرق بين الفريقين لما أن كثيرا ممن اشتغل بأحد العلمين كان له اشتغال بالآخر، ومن هذه المصادر مراتب اللغويين لأبي الطيب اللغوي وطبقات النحويين للزبيدي، وطبقات النحويين للسيرافي، وتبعا لاهتمام الكتاب بالرواية بصفة عامة فقد اعتمد صاحبه أيضا على طبقات الشعراء لابن سلام وأكثر نسبيا من النقول عنه.
وعامة ما تبقى من المصادر بعضه كتب في التاريخ كتاريخ ابن عساكر وغيره، وبعضه في التفسير، وبعضه في فروع الفقه، وبعضه أراجيز أو أشعار أو أخبار
стр. 220
كالترقيص للأزدي والأغاني لأبي الفرج، وغالبه كتب في اللغة اختصت بموضوع واحد أو عدة موضوعات ككتب الأضداد لأبي داود ولأبي عبيد ولابن الأنباري، وشجر الدر لأبي الطيب اللغوي، وكتاب العسل للفيروزآبادي، والمقصور والممدود للأندلسي ولابن ولاد ولابن سيدة ولابن السكيت وللقالي، وقد أكثر نسبيا من النقل عن هذه الكتب الثلاثة الأخيرة، والمؤتلف والمختلف للآمدي، والفروق لأبي الطيب، وغيرها من الكتب. ولا حاجة بنا بعد ما قدمناه إلى استقصاء جميع مصادره وذكرها فقد ذكرت جانبا كبيرا منها كما حددت المعالم العامة لهذه المصادر وأنواعها.
وقد شاع لدى عامة الدارسين أن السيوطي ناقل لا غير، وملخص لأقوال الأقدمين بحيث إن المقدمين لكتابه كادوا يشوهونه بقولهم: «إن هذا الكتاب على ضخامته ليس للسيوطي فيه إلا الجمع والترتيب عدا بدوات قليلة نجدها مبعثرة في ثنايا الكتاب، وفقرات يقدم بها بين يدي الباب أو يختتمه» «١».
وبالرغم من صدق هذه العبارة إلى حد كبير فإن ذلك لا يغض من شأن الكتاب ولا من شأن مؤلفه فحسبه أنه المؤلف الذي تنبه إلى وجوب جمع هذه الأبحاث وضمها جميعا في مؤلف واحد، كما أن نقوله واختياراته تدل على مقدرة كبيرة على الجمع والترتيب واختيار أنسب النصوص وأخصرها وأوفاها بالغرض، ويبدو أن جنوح السيوطي إلى الاختفاء بشخصيته وراء النقول قد أتاه كما بينا من تأثير منهج المحدّثين، وطبع عقليته بالطابع النقلي الحديثي بحيث إنه حينما يريد الحديث عن فكرة معينة يبحث لها عن نقول تعبر عما يريد قوله، وكأنه بذلك لا يرى ثبوت الفكرة إلا بقوة إسنادها واتصالها بعالم من علماء السلف المشهورين، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نعتمد على كثير من النقول التي يوردها ويختفي وراءها في تبين آرائه اللغوية وسنذكر ذلك بعد.
وإذا كان اهتمام السيوطي بالنقول إلى هذا الحد فيحسن بنا أن نتناول أسلوبه في عرض أفكاره وترتيب هذه النقول وكيفية اعتماده على المصادر.
стр. 221
والسيوطي حريص على أن يبدأ بذكر اسم المؤلف ثم اسم الكتاب عند بداية كل نص يورده، كما ينبه عند نهاية كل نص على تمامه بحيث نستطيع في يسر أن نتبين في كل مبحث من المباحث التي تعرض لها عدد النقول التي أوردها ومقاديرها.
وحينما يتناول موضوعا من موضوعات كتابه بالبحث يبدأ بتعريفه فينقل هذا التعريف عن غيره إن كان ثمة نقول تفيد ذلك، وإلا فإنه يبدأ بتحديده بألفاظ من عنده، ففي النوع الرابع مثلا عن المرسل نقل عن ابن الأنباري تحديده بأنه الذي انقطع سنده «١»، بينما حدد بألفاظه النوع الخامس: الأفراد بقوله «وهو ما انفرد بروايته واحد من أهل اللغة ولم ينقله أحد غيره» «٢».
وبعد تحديد الموضوع يتناول السيوطي بعض أجزائه أو الملاحظات عليه من قبل اللغويين فيورد النقول للتي تشير إلى ذلك، وإن كان ثمة خلافات بين اللغويين أو الأصوليين في المبحث فهو يهتم بذكرها، وإذا لم يكن ثمة شيء من ذلك وكان المبحث في ألفاظ تحتاج إلى الأمثلة فإنه يكثر من النقول التي يمثل بها لما ذكر.
أما ترتيب هذه النقول فيتبع فيه ما تفرضه عليه طبيعة الموضوع، فهو يرتب كل موضوع وفق ما يراه ثم يورد النقول متراصة في الاطار الذي حدده لموضوعه، ولا يلتزم بالتدرج التاريخي للكتب المنقول عنها وإن بدا ذلك في بعض الأحيان، فالاعتبار الأول لطبيعة الموضوع وتخطيطه العام فإذا كانت جملة من النقول دائرة في غرض واحد من أغراض البحث فإنه غالبا ما يراعى التدرج بأن يذكر السابق فاللاحق، وإن كان هذا غير ملتزم في سائر الكتاب وإنما هو غالب عليه.
على أن الناظر لأول وهلة في الكتاب قد لا يلاحظ ما نذكره بل يرى كل باب من الأبواب مجموعة من النقول رصّ بعضها إلى جانب بعض.
стр. 222
والواقع أن هذا الترتيب يراعى فيه طبيعة ترتيب الموضوع، ثم إلى حد ما التدرج التاريخي للنقول، فإذا نظرنا إلى أول مبحث في كتابه وهو «الصحيح» وجدناه قد بدأ بتعريف اللغة، وتحت هذا الغرض أورد نقولا ثلاثة راعى فيها التدرج التاريخي فأولها نص لابن جني والثاني لامام الحرمين والثالث لابن الحاجب «١».
ثم انتقل إلى غرض آخر من أغراض الموضوع وهو كون اللغة توقيفا أو اصطلاحا، فبدأ بنقل نص عن ابن فارس أتبعه بنقل عن ابن جني ثم تعرض بعد ذلك لآراء الأصوليين فلخصها عن المحصول لفخر الدين الرازي (٦٠٦ هـ) ثم أورد نقولا بعد ذلك عن كتب في الأصول لابن برهان (٥٢٠ هـ)، ثم عن إمام الحرمين فالغزالي فابن الحاجب فتاج الدين السبكي، وهكذا نرى عدم التزامه الدقيق بالتدرج التاريخي في ترتيب هذه النقول، وإن كان هذا التدرج قد التزمه في إيراد أقوال إمام الحرمين فمن بعده، وهناك بعض نقول له يراعى في ترتيبها التدرج التاريخي، فحين يتحدث عن الحكمة في وضع اللغة ينقل عن الكيا الهرّاسي (٥٠٤ هـ)، ثم يتبعه بالنقل عن الفخر الرازي (٦٠٦ هـ)، ويكاد لا يلتزم بهذا التدرج حين حديثه عن ثبوت اللغة بالقياس التي أفاض في بحثها الأصوليون فبدأ بالنقل عن الكيا الهراسي (٥٠٤ هـ)، فابن برهان (٥٢٠ هـ)، فامام الحرمين (٤٧٨ هـ)، فالغزالي (٥٠٥ هـ).
بيد أن السيوطي لا يلتزم بدقة في أحيان غير قليلة بالتدرج التاريخي للكتب التي نقل عنها فهو ينقل مثلا في فعّيل فعّيلى أمثلة من الجمهرة لابن دريد (٣١٠ هـ)، ثم ينقل عن ديوان الأدب للفارابي وهو متأخر عنه، ولكنه يعود فيورد أمثلة عن الصحاح للجوهري (٤٠٠ هـ)، وهو سابق على الفارابي، ثم ينقل مرة أخرى عن جمهرة ابن دريد، ثم عن ابن فارس (٣٩٥ هـ)، ثم عن الصحاح للجوهري، ثم عن أمالي القالي (٣٥٦ هـ)، وطبيعة هذه النقول لا تحتاج إلى التزام التدرج التاريخي التزاما دقيقا فليس ذلك مما يؤخذ عليه.
والحق أن ما يجب مراعاة التدرج التاريخي فيه هو النقول التي تعرض لفكرة
стр. 223
من الأفكار أو نظرية من النظريات، أما ألفاظ اللغة فعامة كتب اللغة تروى عن رواتها الأولين، ويزيد بعضها على بعض، فلا يلزم حين النقل عنها مراعاة التدرج التاريخي مراعاة دقيقة، لأن هذه المصادر لم تحرص على هذا التدرج.
أما عن كيفية النقل فهو حريص على أن يورد القول بنصه، فإن لخصه نبه على ذلك، وأحيانا يلخص جملة أقوال فلا يذكر حينئذ اسم كتاب نقل عنه وهنا ينبه على أن ما يورده هو ملخص أقوال الأصوليين أو البلاغيين أو غيرهم بصدد موضوع من الموضوعات.
أما عن نقل ألفاظ اللغة فهو حريص على أن ينقل عن كل كتاب ما لم يرد في غيره من الأمثلة حتى تجتمع من ذلك حصيلة من الأمثلة لم يحصلها قبله غيره منفردا.
وأهم الكتب التي نقل عنها السيوطي ونستطيع أن نتبين منها منهجه في النقل الخصائص لابن جني والصاحبي لابن فارس ولمع الأدلة لابن الأنباري.
وطريقته في النقل عنها تمثل لنا طريقته في النقل عن سائر الكتب التي اهتمت ببعض أبحاث فقه اللغة، أما المعاجم وكتب اللغة التي من قبيلها فلا تحتاج نقوله عنها إلى تمثيل لأن نقله في ذلك الحين جمع لما تفرق وتنسيق لما تشعث.
وحين ينقل السيوطي عن الصاحبي لابن فارس يورد ما ينقله نصا دون أن يغير فيه وكثير من نقوله تشهد بذلك «١»، فإذا أراد تلخيص ما يذكره ابن فارس صرح في عبارته بما يشعر بأنه يلخص ولا ينقل نصا «٢».
стр. 224
وقليلا ما يختصر السيوطي دون أن تشعر عبارته بأنه قد حذف شيئا من النص، والواقع أنه في اختصاره إنما يحذف ما لا حاجة إليه أو ما يغني التمثيل له عن الكلام فيه «١».
وقد أكثر من النقل عن الخصائص لابن جني، ونهج في نقله نهجا يدل على فهمه العميق لأقوال السابقين وحسن تلخيصها، والمعروف عن ابن جني إسهابه في أقواله وتوليده للمعاني واستطراده الكثير أثناء حديثه عن الفكرة الواحدة، ولذلك يعمد السيوطي كثيرا حين النقل عنه إلى اختصار أقواله وتلخيصها بما يشهد له بدقة الفهم واستقامته وميله إلى الوضوح والايجاز والبعد عن الاطناب حيث يغني الايجاز حتى إن بعض نقول السيوطي عن ابن جني تبدو في كتاب المزهر أكثر وضوحا منها لدى صاحبها. وفي بعض الأحيان ينقل السيوطي نصوص ابن جني بألفاظها دون أن يتصرف فيها كنقله عنه حدّ اللغة وتصريفها «٢»، والقول على أصلها: إلهام أم اصطلاح حيث نقل بابا بأكمله «٣»، وهناك أمثلة أخرى لخص فيها السيوطي أقوال ابن جني منها حديثه عن وضع اللغة: في وقت واحد أم في أوقات متلاحقة «٤»، وقد نقل عنه بابا بأكمله في المطرد والشاذ وقد تحدث ابن جني عنه تحت نفس العنوان «٥»، بيد أن السيوطي قد زاد على ابن جني ما أورده من أمثلة متنوعة نقلا عن كتب اللغة الأخرى «٦»، وقد حرص السيوطي على اداء نص ابن جني بألفاظه إلا أنه في آخر النص
стр. 225
أغفل بعض فقرات لابن جني «١»، وما أغفله تخريج لبعض الأمثلة الشاذة لا يمثل إغفالها نقصا في عرض الموضوع أو بيانه.
على أن السيوطي في تلخيصه لأقوال ابن جني لا يغير فيها وإنما ينتقي منها ما يراه مفيدا للغرض ويغفل بعضها دون الاخلال بفكرتها العامة، وخير مثال لذلك ما نقله عنه بصدد «المستعمل والمهمل» «٢»، حيث أورد نصوص ابن جني وأغفل كثيرا من الفقرات التي مثل بها المنقول عنه أو التي أوردها على سبيل الاستشكال، ولذلك فاغفال السيوطي لها لم يخل بما نقله، وقليل من عبارات السيوطي تختلف في اللفظ عن عبارات الخصائص ولكنه اختلاف لا يخلّ بالمعنى، ولعل مرده إلى اختلاف النسخة التي بين أيدينا من الخصائص عن النسخة التي نقل عنها السيوطي.
ويمكن أن نلاحظ اختلاف بعض العبارات فيما نقله عنه بصدد اختلاف اللغات «٣»، كما نلاحظ ما قلناه عن اختصاره لعبارات ابن جني، وهناك نقول أخرى تشهد لما أردنا بيانه.
أما كتاب لمع الأدلة لابن الأنباري فهو كتاب في أصول النحو نقل السيوطي عنه ثلاثة نقول، وسنرى اعتماده عليه كثيرا في كتابه «الاقتراح»، وقد نقل عنه هنا في الحديث عن المتواتر والآحاد «٤»، ما تحدث عنه ابن الأنباري في الفصلين الرابع والخامس من كتابه وهما انقسام النقل «٥» وشروط نقل المتواتر «٦»، ونلاحظ
стр. 226
أنه قد حرص على إيراد ألفاظه بدقة كاملة ولم يغفل إلا عبارة يسيرة هي مثال من الأمثلة التي أوردها ابن الأنباري، كما أن نص السيوطي في كتابه يشعر بأنه قد أغفل شيئا أراد التنبيه عليه إذ أورد عبارة «ثم قال» بعد الفقرة التي أغفل من نهايتها ذلك الجزء اليسير.
وحين تحدث السيوطي عن المرسل والمنقطع في كتابه بدأ بالحديث عن المرسل نقلا عن ابن الأنباري، ولما كان الأخير قد تناول المرسل والمجهول معا فإن السيوطي قد نقل ما يخص المرسل وأغفل العبارات التي تحدث فيها ابن الأنباري عن المجهول دون أن يبتر ألفاظه أو يغير منها «١».
وحين نقل عنه في النوع السادس «من تقبل روايته ومن ترد» أورد ما كتبه ابن الأنباري في شرط نقل الآحاد، وقد التزم السيوطي بألفاظ ابن الأنباري وعباراته بيد أنه في آخر النص أغفل بضع عبارات لم يوردها وهي في الحقيقة لا تنقص المعنى ولا تخل به، وإنما أوردها ابن الأنباري زيادة في توضيح فكرته فاستطاع السيوطي الاستغناء عنها دون أن يختل المعنى مع حرصه على عدم تغيير عبارات المنقول عنه «٢».
يتضح مما قدمناه، ومن غيره مما تتبعناه أن السيوطي كان يمتاز بالأمانة البالغة في نقوله، ويبدو حرصه الشديد على إيراد هذه النقول بألفاظها في طريقة اختصاره حيث يغفل العبارات التي لا تخل بالمعنى أو التي يرى فيها استطرادا وتشتيتا للفكرة، ويقتصر على عبارات المنقول عنه التي يرى فيها إيضاحا للفكرة التي ينقلها دون أن يغير من اللفظ ويبدّله، على أن جانبا كبيرا من هذه النقول لم يقسم باختصارها بل أورد النصوص كاملة كما هي لدى أصحابها، ومن ثم فإنه يمكن الاعتماد على نقول السيوطي في استنباط آراء السابقين ومذاهبهم، والاطمئنان إلى وثاقتها.
стр. 227
وضع أصول لنقد الرواية اللغوية
بينت بالباب الأول من البحث أن السيوطي أولا وقبل كل شيء محدّث من النوع الأول يهتم بالبحث في الأسانيد ويحرص على الأمانة، ويهتم بالبحث فيما يتصل بالأحاديث من صحة وضعف وعلل وبالرواة من توثيق وتعديل، أو تجريح وتضعيف، كما قلت إن عنايته بالحديث قد طبعت منهجه وعقله بحيث ظهر تأثره به في شتى نواحي دراسته.
وفي كتاب «المزهر» نجد محاولة من السيوطي لدراسة اللغة بتطبيق منهج المحدّثين عليها، وقد صرح بذلك في مقدمته حيث قال: «هذا علم شريف ابتكرت ترتيبه، واخترعت تنويعه وتبويبه، وذلك في علوم اللغة وأنواعها، وشروط أدائها وسماعها، حاكيت به علوم الحديث في التقاسيم والأنواع، وأتيت فيه بعجائب وغرائب حسنة الابداع» «١».
والواقع أن رواية الحديث قد حظيت منذ وقت مبكر بعناية المسلمين، ونالت من الاهتمام لاتصالها بالأحكام الشرعية التي تمس عبادات الناس ومعاملاتهم ما لم يتح مثله للرواية اللغوية.
وقد اشتغلت طائفة كبيرة من المسلمين بنقل الحديث وروايته، كما ابتدأ تدوين الحديث منذ وقت مبكر ووضعت فيه المصنفات التي اعتمدت- في الغالب- على ما دون في عهد عمر بن عبد العزيز، وقد صنف في الحديث من رجال القرن الثاني الهجري الربيع بن صبيح (١٦٠ هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (١٥٦ هـ)، وتبعهم الامام مالك الذي صنف الموطأ وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، وصنف ابن جريج بمكة والأوزاعي بالشام وسفيان الثوري
стр. 228
بالكوفة وحماد بن سلمة بالبصرة وهشيم بواسط وغيرهم، ثم تلاهم كثيرون ممن نسج على منوالهم، ثم صنف بعض الأئمة المسانيد كمسند أسد بن موسى الأموي (٢١٢ هـ)، ومسند نعيم بن حماد الخزاعي (٢٢٨ هـ)، ثم بعد فترة ظهر مسند الامام أحمد بن حنبل (٣٤١ هـ)، وتلا هذه الطبقة طبقة أصحاب الكتب الستة «١».
وإذا كانت العناية قد اتجهت إلى جمع الأحاديث وتدوينها فإن طريق ذلك كان الرواية الشفوية التي اعتمد عليها الحديث فترة من الزمن، ثم كان أصحاب الكتب يعتمدون أيضا على الرواية الشفوية ويهتمون بالنقل عن حفاظ الحديث ونقلته بعد التدوين وقد استدعى ذلك البحث عن الوسائل التي تضمن سلامة وصول الأحاديث إليهم.
وقد عرف عن الصحابة تشددهم وتحرجهم في رواية الحديث، كما عرف عن بعضهم نقدهم لبعض الروايات، فلما حدثت الفتنة وظهر أهل الأهواء الذين لم يؤمن كذبهم
في الحديث، ثم ظهر القصاص وأصحاب الأخبار بعد ذلك يحدثون الناس بأحاديث عن الكتب السابقة تفيض بالكذب والأساطير، كما ظهر التزيد عند بعض الرواة، أصبحت الحاجة ماسة إلى الاهتمام بنقد رواية الحديث، وقد اتجه هذا النقد في غالبه إلى الأسانيد ويتمثل في بحث الرواة جرحا وتعديلا وما يستتبعه من بحث أحوالهم، والبحث في الأسانيد لمعرفة عللها واتصالها أو انقطاعها، ومن هنا كانت بداية ظهور علم أصول الحديث الذي عرف عند المتأخرين بعلم مصطلح الحديث.
ولكي نعطي صورة مجملة عن تدرج مصطلح الحديث حتى وصل إلى ما وصل إليه عند المتأخرين نذكر أن الاهتمام بهذا العلم كما بينا كانت له جذوره الموغلة في القدم، وقد تكلم في الجرح والتعديل كثير من العلماء منذ وقت مبكر، وكان منهج الرواية في ذلك الحين عرفا بين المحدثين.
ويبدو أن ابن شهاب الزهري، وشعبة بن الحجاج (١٦٠ هـ) قد صنفا في
стр. 229
نقد الرواية، وقد ظهر بعد حين مسلم (٢٦١ هـ)، الذي صنف في علل الحديث، ثم صنف أبو محمد الرامهرمزي (٢٦٠ هـ) كتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي وتبعه الحاكم النيسابوري (٤٠٥ هـ) فتصدى للتأليف في ذلك، لكنه لم يهذب ولم يرتب، وتبعه أبو نعيم الأصبهاني، ثم جاء من بعدهم الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) فصنف في قوانين الرواية كتاب «الكفاية»، كما صنف في آدابها، وفي جميع فنون الحديث بحيث قيل: إن المحدثين بعده عيال على كتبه.
ويمكن أن نجد في كتاب الكفاية مصداق ما نقول من قدم الكلام في أصول الحديث والاهتمام به حيث يورد الخطيب البغدادي نقولا بأقوال كثير من المتقدمين تتصل بأصول الحديث ونقد الرواية فهو يذكر مثلا في «الخبر المتصل» نقلا يصل إلى قتادة وهو من التابعين وفيه يقول: «لا يحمل هذا الحديث عن صالح عن طالح، ولا عن طالح عن صالح، حتى يكون صالح عن صالح» «١»، ومعظم الكتاب نقول كهذا نثبت لنا كثيرا من أسماء الذين اعتنوا بنقد الحديث منذ القدم وإن لم يصنفوا فيه.
وأشهر الذين صنفوا في المصطلح من المتأخرين ابن الصلاح (٦٤٢ هـ)، ومقدمته أشهر ما كتب في المصطلح بحيث حظيت بعدد من الشروح والمختصرات، وقد لخص ابن حجر هذه المقدمة في كتابه نخبة الفكر، ويمكن أن نعتبر هذه المقدمة نهاية التدرج الذي وصل إليه مصطلح الحديث بعد استقرار مصطلحات هذا العلم ولذلك سنحاول المقارنة بينها وبين كتاب السيوطي باعتباره نهاية التدرج في الرواية اللغوية ونقدها.
اتضح لنا ما حظيت به رواية الحديث من اهتمام بالغ، وما حظي به نقد روايته من توفر كثير من الباحثين في الحديث منذ فترة مبكرة على التعرض لها وتناولها، ثم توفر كثرة منهم على التصنيف فيها، والدافع إلى ذلك- كما هو معروف- هو اتصال الأحاديث بالدين واعتماد التشريع عليها، وظهور أهل
стр. 230
الأهواء، ووجود الدواعي إلى الكذب التي حاول المحدثون الابتعاد عنها وتنقية أحاديث الرسول ﷺ من شوائب الوضاعين والكذابين.
ذلك كان شأن رواية الحديث وشأن أصوله ونقد روايته حتى وصلت إلى مصطلح معروف لدى القوم حاول السيوطي أن يدرس اللغة وروايتها وأن يقسمها على نمطه فماذا كان من أمر رواية اللغة ونقدها قبل السيوطي؟ ثم ما هو الجهد الذي قام به السيوطي؟ وإلى أي مدى من النجاح بلغت محاولته؟
وقد حظيت رواية الأدب واللغة بعناية الرواة منذ القدم، ورواية الأشعار في الجاهلية والاسلام، وكثرة الرواة وقوة حفظهم أمور معروفة ومشهورة، أما نقد هذه الرواية فقد حدث بشكل ملحوظ في عصور التدوين فقد لاحظ الخليل أن «النحارير ربما أدخلوا على الناس ما ليس في كلام العرب إرادة اللبس والتعنيت» «١»، كما لاحظ القدماء افتعال الشعر من قبل بعض الرواة ونسبته إلى غير قائليه، ويعطي ابن سلام في مقدمته صورة للانتحال في الشعر وما قام به محمد بن إسحاق من تحمله لكثير من المصنوع المفتعل «٢»، وقد بين ابن سلام في مقدمته دوافع انتحال الشعر وذكر أن أهل البصيرة بالشعر يستطيعون أن يميزوا صحيحه من المصنوع الذي افتعله الرواة، ويعد ابن سلام بذلك من أقدم من تكلم في نقد الرواية اللغوية.
والواقع أن الذي يهم اللغويين بعد حديث الافتعال والانتحال في الشعر وكذب بعض الرواة هو أن يثبتوا أن ما يحتجون به منسوب إلى الفترة التي يحتج بأشعار شعرائها وبأقوال متكلميها، وليس من الضروري عند اللغويين بعد ذلك تعيين القائلين بأعيانهم، وإنما ذلك بغية دارسي الأدب، وهذه الفترة قد استقر العرف بين اللغويين على أن تمتد إلى منتصف القرن الثاني في الرواية عن فصحاء الحواضر، وإلى منتصف القرن الرابع في الرواية عن أهل البادية.
والواقع أنه إلى ذلك الحين لم يحظ نقد الرواية اللغوية وما يتصل بها من
стр. 231
بحث الرواة وأحوالهم لمعرفة حقيقتهم جرحا وتعديلا، ولم تحظ أسانيد اللغة بدراسة اللغويين، ولم يكن نقد الرواية إلا عرفا متبعا غير مدوّن لا يبين عنه إلا نصوص متناثرة وملاحظات قليلة في كتب الأقدمين، فابن فارس يشير إلى اشتراط عدالة الرواة بقوله: «فليتحر آخذ اللغة وغيرها من العلوم أهل الأمانة والثقة والصدق والعدالة،
فقد بلغنا من أمر بعض مشيخة بغداد ما بلغنا» «١».
وابن جني يتناول بعض ما يتصل بنقد الرواية في كتابه الخصائص فيتحدث عما انفرد به واحد من أهل اللغة وحكمه «٢»، وسقطات العلماء يعني أغلاط رواة اللغة «٣»، وما يتصل به من تصحيف وتحريف، وصدق النقلة وثقة الرواة والحملة «٤»، وهو بمثابة تعديل لبعض ناقلي اللغة كالأصمعي وأبي زيد وأبي عبيدة وأبي حاتم وأبي الحسن الأخفش والكسائي، وما عدا ذلك فهو ملاحظات قليلة جدا تتصل بالرواية ونقدها.
وقد حاول ابن الأنباري (٥٧٧ هـ) أن يضع أصولا لنقد الرواية اللغوية فاعتمد في محاولته على مصطلح أهل الحديث مقسما اللغة كتقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد «٥»، ثم تحدث عن شرط المتواتر فاشترط فيه نفس شروط المحدّثين، وتحدث بنفس عباراتهم «٦» وتناول الآحاد فاشترط عدالة ناقل اللغة كما يشترط في الحديث «٧»، وتناول بالبحث قبول نقل أهل الأهواء «٨»، وتناول الأسانيد فتحدث عن المرسل والمجهول «٩»، كما تناول الاجازة، ثم تحدث عن معارضة النقل بالنقل أي الترجيح بين الروايات «١٠» ونلاحظ أن ابن الأنباري قد اعتمد على ما وضعه المحدّثون من مصطلح بيد أنه لم يحاول أن يطبق ذلك على اللغة تطبيقا دقيقا حيث لم يكثر من الأمثلة لما وضع من أصول.
стр. 232
ولا نكاد نجد بعد ابن الأنباري من تناول نقد الرواية اللغوية علما له أصوله وأقسامه المحددة غير السيوطي، وكل ما قيل فيها قبل السيوطي عدا ما بيناه إنما هو أبحاث قليلة لبعض الأصوليين تناولوا فيها بعض الموضوعات، أو إشارات متناثرة للغويين مبثوثة في ثنايا كتبهم، لذلك يعد ما قام به السيوطي عملا مبتكرا فقد استطاع أن يجمع شتات ما سبق به وأن يضم متفرقات شتى ويقيم منها أقساما لها كيانها، ويضع للغة منهجا متكاملا في نقد الرواية لا يكتفي فيه بالجانب النظري وحده بل يقوم بتطبيقه على ألفاظ اللغة وما نقل منها بحيث يمكن أن نعد كتابه أهم كتاب وضع في نقد الرواية اللغوية علما له أصوله ومصطلحاته، وتصنيف اللغة على أساس هذا العلم، فهي محاولة جمع فيها بين النظر والتطبيق. حاول السيوطي أن يضع مصطلحا للغة يضاهي مصطلح الحديث، وقد طبق أقسامه على اللغة، وسنبين إلى أي حد كان هذا المنهج مطابقا لواقع الدرس اللغوي.
ويتضح لنا مقدار الجهد الذي بذله من نظرتنا في المباحث التي تناولها محاولا دراسة اللغة في إطار منهج لنقد روايتها يضاهي منهج المحدثين بحيث إن الناظر في مسرد عناوين الأقسام التي قسمها السيوطي ومسرد موضوعات كتاب في مصطلح الحديث كمقدمة ابن الصلاح ليدرك مدى التشابه بينهما في كثير من الأقسام.
وقد قسم السيوطي كتابه إلى خمسين قسما، كل مجموعة منها تتناول اللغة من جانب معين، فثمانية أنواع تناول فيها اللغة من حيث الإسناد وهي: الصحيح الثابت، وما روي ولم يصح ولم يثبت، والمتواتر والآحاد، والمرسل والمنقطع، والأفراد، ومن تقبل روايته ومن ترد، وطرق الأخذ والتحمل، والمصنوع وهو الموضوع.
ثم تناول اللغة من ناحية ألفاظها في ثلاثة عشر نوعا بيد أنه لم يحاول أن يدرج أبحاثها تحت مصطلحات المحدثين، ولذلك فبعض الأنواع يضاهي مباحث للمحدثين، وبعضها ليس لهم مباحث من قبيله، ثم تناول اللغة وألفاظها من حيث المعنى في ثلاثة عشر نوعا ونلاحظ في دراسته لبعض هذه
стр. 233
الأنواع اعتماده الكبير على الأصوليين نظرا لاهتمامهم ببحث المعنى.
وقد تناول لطائف اللغة وملحها في خمسة أنواع، وقد استغرقت الأبحاث السابقة الجزء الأول من الطبعة التي نعتمد عليها، وقد درس السيوطي ألفاظ اللغة وحاول ضبطها وحصر أبنيتها فيما سماه بالأشباه والنظائر، ثم عاد بعد ذلك لاكمال المنهج الذي وضعه لنقد اللغة على نمط منهج أهل الحديث، فتحدث عن آداب اللغوي في مقابلة آداب المحدث عند أهل المصطلح «١»، ثم كتابة اللغة وقد تحدث فيه عن تاريخ الكتابة عند العرب وفضل تعلمها ... إلى آخره، ثم تناول التصحيف والتحريف في اللغة كما يفعل أهل الحديث «٢»، ثم الطبقات والحفاظ والثقات والضعفاء وقد ألف المحدثون في ذلك المطولات والمختصرات وبحثوه في مصطلحهم «٣»، ثم الأسماء والكنى والألقاب والأنساب التي تتصل أيضا بنقلة اللغة كما يفعل أهل الحديث «٤»، والمؤتلف والمختلف المتصل بنقلة اللغة كما يدرسه أهل الحديث متصلا بنقلتهم «٥»، والمتفق والمفترق «٦» والمواليد والوفيات «٧»، وهذه المباحث تتصل برجال اللغة ورواتها.
وقد خصص السيوطي بعد ذلك قسما للحديث عن الشعر والشعراء باعتبار الشعر يمثل جزء من مادة اللغة التي تنقل، وباعتبار الشعراء من قائلي اللغة الذين ينقل عنهم، ولم ينس أن يتناول أغلاط العرب في آخر مباحثه.
وجدير بنا أن ننبه على أن كتاب السيوطي لم يقتصر على تقسيمات اللغة حسب منهج نقد الرواية الذي يحاكي مصطلح الحديث، بل إن كثيرا من الأقسام تتناول موضوعات لا تتصل بهذا المنهج لا سيما الموضوعات الثلاثة عشر التي تدرس اللغة من حيث المعنى وغيرها، كما أن بعض الموضوعات التي تناول فيها اللغة تحت أقسام أهل المصطلح احتوت كثيرا من الأبحاث اللغوية الهامة لا ينبئ عنوان البحث عنها كما في القسم الأول: الصحيح من اللغة. وعدم
стр. 234
التقيد بالتزام جميع عناصر منهج المحدّثين في دراسة اللغة من الأمور التي نحمدها للسيوطي، إذ إنه يحاول أنه يعبر بذلك عن واقع الدّرس اللغوي الذي يختلف في كثير من المواضع بلا شك عن دراسة الحديث الشريف.
وليس التشابه بين منهج المحدثين وبين عمل السيوطي بحاجة إلى التدليل عليه أكثر مما ذكرنا، فقد صرح به في مقدمته، بالإضافة إلى ما رأيناه من تشابه بين تقسيماته وبين تقسيمات أهل المصطلح.
بعد هذا التعريف بالمنهج الذي وضعه السيوطي ليكون مصطلحا لعلوم اللغة يجدر بنا أن نقوم الجهد الذي قام به في تكوين منهجه وإقامة دعائمه وتطبيقه على اللغة، فإلى أي مدى وفق في ذلك؟ وما مدى مناسبة منهجه للواقع اللغوي؟. ونقد الرواية في الحديث أو في غيره من العلوم النقلية يتعرض لمرحلتين من النقد أولاهما: النقد الخارجي أو نقد السند، وهذه أهم المرحلتين، وقد حظيت ببحث مستفيض لدى المسلمين، وهي بالتالي يمكن أن يندرج البحث فيها تحت قسمين رئيسيين ترتد إليهما فروع البحث في النقد ومصطلحاته، وأولهما: البحث في الرواة جرحا وتعديلا وما يتبع ذلك من معرفة تواريخهم وأحوالهم، والآخر: البحث في الأسانيد واتصالها وعللها وما يدخل في ذلك من فروع.
أما المرحلة الثانية فهي النقد الداخلي أو نقد المتن، وهي تعنى بالترجيح بين الروايات المختلفة، وتتناول متون النصوص بالنقد، ولم يغفل تناولها أصحاب أصول الحديث، بيد أن العناية بها من عمل البيئات الاسلامية المختلفة التي تناولت النصوص لا سيما بيئات الفقهاء.
ولكني نحدد دور السيوطي في وضع منهج لنقد الرواية اللغوية سنبحث الموضوع حسب التقسيم السابق.
المرحلة الأولى: النقد الخارجي:
أ- رواة اللغة:
اشترط اللغويون منذ وقت مبكر العدالة في راوي اللغة، وقد نقل عن
стр. 235
الخليل ما يشير إلى ذلك «١»، كما كان لابن سلام ملاحظات نقدية هامة في رواية الشعر اهتم فيها بوجوب تحري من ينقل عنه واشترط فيه العدالة والضبط حيث أنكر على محمد بن إسحاق تحمله لكثير من الشعر، وعدم بصره به «٢»، وله ملاحظات هامة فيها يخص رواة الشعر، وقد حكى ابن سلام التزيد الذي أصاب رواية الشعر ودوافعه وبين أن أهل البصر بالشعر يستطيعون أن يميزوا صحيحه من منحوله، وإنما يشكل عليهم تميز ما زاده الرواة من أهل البادية.
وإذا كان هناك ما يحمل المولدين على الكذب لسبب أو لآخر فلقد صار من اللازم على اللغويين- وهم يبحثون عن الصحيح من اللغة- أن يشترطوا عدالة ناقل اللغة فابن فارس ينصح بذلك قائلا: «فليتحر آخذ اللغة وغيرها من العلوم أهل الأمانة والثقة، والصدق والعدالة، فقد بلغنا من أمر بعض مشيخة بغداد ما بلغنا» «٣».
ويوضح ابن الأنباري ذلك بقوله: «اعلم أنه يشترط أن يكون ناقل اللغة عدلا رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا، كما يشترط في نقل الحديث، لأن بها معرفة تفسيره وتأويله فاشترط في نقلها ما اشترط في نقله، وان لم تكن في الفضيلة من شكله، فان كان ناقل اللغة فاسقا لم يقبل نقله، ويقبل نقل العدل الواحد، ولا يشترط أن يوافقه في النقل غيره» «٤».
وبالرغم من أن ابن الأنباري قد اشترط عدالة ناقل اللغة ونص على أن ذلك مماثل لما يشترط الحديث فان موقف اللغويين بالنسبة لما يرويه أهل الأهواء أكثر تساهلا من موقف المحدّثين إذ يقرر ابن الأنباري نفسه أن «نقل أهل الأهواء مقبول في اللغة وغيرها إلا أن يكونوا ممن يتدين بالكذب كالخطابية من الرافضة، وذلك لأن المبتدع إذا لم تكن بدعته حاملة له على الكذب فالظاهر
стр. 236
صدقه، ولهذا قال بعض أكابر العلماء: إذا قبلنا رواية أهل العدل وهم يرون أن من كذب فسق فكيف لا يقبل رواية الخوارج وهم يرون أن من كذب كفر، والذي يدل على قبول نقلهم أن الأمة أجمعت على قبول صحيح مسلم والبخاري، وقد رويا عن قتادة وكان قدريا، وعن عمران بن حطان وكان خارجيا وعن عبد الرزاق وكان رافضيا» «١».
ويتضح من هذا أن اللغويين يحاولون أن تكون شروطهم مماثلة لشروط المحدثين حيث يحتج ابن الأنباري لقبول نقل أهل الأهواء في اللغة بما فعله البخاري ومسلم، بيد أن هذا في الحقيقة لا يطابق الواقع، إذ المحدثون أكثر تشددا في الرواية وتحري الرواة من اللغويين نظرا لطبيعة نقولهم التي تتصل مباشرة بالدين، ولتوفر الدوافع إلى الكذب في الحديث أكثر من توفرها في اللغة، وهناك أمر ثالث وهو طول الاسناد في الحديث وكثرة الرجال الذين يحتاج نقاد الحديث إلى ضبطهم ومعرفة أحوالهم، والأمر في اللغة يختلف عن ذلك فقد تساهل اللغويون في البحث عن أحوال نقلة اللغة جرحا وتعديلا كما فعل المحدثون، ولا نكاد نجد محاولة جادة في ذلك إلا عند أبي الطيب اللغوي في كتابه «مراتب النحويين»، وإن كان هذا الكتاب في ظاهره يبدو تعريفا بأئمة اللغة ورواتها. وقد أنكر الرازي على اللغويين هذا الاهمال، وبرغم تعقب الأصبهاني له فإنه وافقه في أنه كان من الواجب على اللغويين أن يبحثوا عن أحوال الرواة «٢»، ويحاول القرافي أن يجد عذرا لمسلك اللغويين بقوله: «إنما أهملوا ذلك لأن الدواعي متوفرة على الكذب في الحديث بأسبابه المعروفة الحاملة للواضعين على الوضع، وأما اللغة فالدواعي إلى الكذب فيها في غاية الضعف ... ولما كان الكذب والخطأ في اللغة وغيرها في غاية الندرة، اكتفى العلماء فيها بالاعتماد على الكتب المشهورة المتداولة فإن شهرتها وتداولها يمنع من ذلك مع ضعف الداعية له، فهذا هو الفرق» «٣».
стр. 237
والواقع أن طبيعة اللغة تخالف طبيعة الحديث كما تبين، ولقد كان من الطبيعي أن يكون المحدثون أكثر تشددا في الرواية، وقد كانوا أكثر بحثا في أحوال الرواة من اللغويين برغم ما يزعمه بعض اللغويين من أن شروطهم في نقلة اللغة مماثلة لشروط أهل الحديث، فلكل بيئة ميزانها النقدي الخاص بها، فحيث لا يقبل المحدثون أهل الأهواء الذين لا يؤمن كذبهم ينقل اللغويون عنهم لعدم توفر دواعي الكذب في اللغة. كما أن نقد الرجال أنفسهم يختلف في بيئة عنه في الأخرى، ووضع نقلة اللغة في ميزان أهل الحديث قد يجرّح أكثرهم، ولم يكن عجيبا ما قاله إبراهيم الحربي المحدث:
«كان أهل العربية كلهم أصحاب أهواء إلا أربعة فإنهم كانوا أصحاب سنة:
أبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد ويونس بن حبيب البصري والأصمعي» «١»، ذلك أنه قد وزن ناقلي اللغة بميزان ناقلي الحديث.
تلك خلاصة الأبحاث التي سبقت السيوطي وتناولت رواة اللغة، وقد اتضح منها محاولة الباحثين فيها وضع شروط مماثلة لشروط المحدثين بيد أن الرواية اللغوية- في واقع الأمر- كانت تجد تساهلا في قبولها أكثر من رواية الحديث، والأمر الثاني أن اللغويين لم يبحثوا في أحوال نقلتهم جرحا وتعديلا كما فعل أهل الحديث باستثناء ما قام به ابن جني، ومع ذلك فلم يتناول غير طائفة قليلة منهم بالتوثيق وأغفل الحديث عن سائر الرواة. وقد أنكر عليهم الرازي ذلك كما سبق، واعترف بهذا التقصير القرافي بالرغم من تعقبه للرازي واعتذاره عن اللغويين.
ومن ثم فقد نصب السيوطي نفسه مدافعا عن اللغويين محاولا أن يجد لديهم ما هوجموا بالتقصير فيه من بحث أحوال رواة اللغة فأجاب عن ذلك بأن «أهل اللغة والأخبار لم يهملوا البحث عن أحوال اللغات ورواتها جرحا وتعديلا، بل فحصوا عن ذلك وبينوه كما بينوا ذلك في رواة الأخبار، ومن طالع الكتب المؤلفة في طبقات اللغويين والنحاة وأخبارهم وجد ذلك، وقد ألف أبو الطيب اللغوي
стр. 238
كتاب «مراتب النحويين» بين فيه ذلك، وميز أهل الصدق من أهل الكذب والوضع، وسيمر بك في هذا الكتاب كثير من ذلك في نوع الموضوع ونوع معرفة الطبقات والثقات والضعفاء وغيرها من الأنواع» «١».
والواقع أن المعتذرين عن تقصير اللغويين في بحث أحوال الرواة بالنسبة لما فعله أهل الحديث قد أغفلوا أمرا هاما هو الفرق بين أسانيد الحديث وبين أسانيد اللغة، فأسانيد الحديث لا بد أن تصل إلى الرسول ﷺ ، ويلزم البحث عن رواتها ابتداء من التابعين فمن دونهم حتى يصل الخبر إلى طبقة جامعي الأحاديث ومدوّنيه، وهذه الأسانيد كثيرة ومختلفة ونقلتها متعددون وطبقاتهم كثيرة مما يجعل رجال الحديث من الكثرة بحيث يلزم النقدة ضبطهم ومعرفة أحوالهم، بينما الأمر في اللغة يختلف، إذ إن أسانيد روايتها أقصر، بل ربما تقتصر على راو واحد نقل عن الأعراب أو عن غيرهم من الفصحاء الذين يوثق بعربيتهم كالأصمعي وأبي زيد وغيره أو رواية راو عن الأصمعي، وبالجملة فإن سلسلة الاسناد قصيرة في الروايات اللغوية تجعل الرواة الذين ينبغي البحث عن أحوالهم عددا قليلا، وذلك لأن المادة اللغوية الموثوق بها كانت إلى عهد التدوين لا تزال قائمة حية بالبادية كما أن الاحتجاج بفصحاء الحاضرة قد استمر إلى وقت متأخر نسبيا وهو منتصف القرن الثاني حيث ظهر التدوين، وقد وضع الخليل- في ذلك الحين- أو شرع في وضع كتاب العين ليجمع فيه المادة اللغوية.
وعلى أية حال فقد اتجه السيوطي- دفاعا عن اللغويين- إلى استدراك ما فاتهم من البحث عن أحوال الرواة محاولا ضمّ ما تناثر من ملاحظات لهم في ذلك وجمع أخبارهم من كتب الطبقات وغيرها ووضع ذلك في أقسام تحمل نفس الأسماء التي بحث تحتها أهل الحديث رجالهم.
وأول هذه الأقسام التي تتناول الرواة الحديث عن آداب اللغوي وهو بحث لم يسبق السيوطي إليه في بيئة اللغويين، وقد ترسم فيه خطى المحدثين فهم
стр. 239
يذكرون أن على المحدّث تصحيح النية وإخلاصها «١»، وكذلك يبدأ السيوطي حديثه بأن يذكر أن أول ما يلزم اللغوي الاخلاص وتصحيح النية ثم التحري في الأخذ عن الثقات، ويمكن تلخيص ما ذكره السيوطي من هذه المبادئ التي يراها واجبة على اللغوي فيما يلي «٢»:
١ - الاخلاص وتصحيح النية.
٢ - الدءوب والملازمة.
٣ - كتابة كل ما يراه ويسمعه فذاك أضبط له.
٤ - الرحلة في طلب الفوائد والغرائب كما رحل الأئمة.
٥ - العناية بحفظ أشعار العرب.
٦ - التثبت في الرواية.
٧ - الرفق بمن يأخذ عنهم.
٨ - عدم الافتاء بما لا يعلم وليقل «لا أدري».
٩ - سؤال من هو أعلم إذا تعرض للسؤال الذي لا يعرفه.
١٠ - عزو العلم إلى قائله.
١١ - الرجوع إلى الصواب.
١٢ - الرد على العلماء إذا أخطئوا.
١٣ - التثبت في تفسير غريب القرآن والحديث.
١٤ - التنبيه على الروايات المختلفة.
١٥ - الامساك عن الرواية عند الطعن في السن.
١٦ - امتحان القادم لمعرفة درجته في العلم.
وقد تحدث في هذا الفصل أيضا عن الحافظ في اللغة ووظائفه التي ينبغي عليه القيام بها وهي الاملاء وهي أعلاها، وقد أملى اللغويون القدماء أمثال ثعلب وابن دريد وابن الأنباري والقالي وغيرهم وطريقتهم في الاملاء كطريقة المحدثين.
стр. 240
وهذا الفصل- في الواقع- يعد من مبتكرات السيوطي في ميدان اللغة فقد استطاع أن يستنبط مما جرى عليه عرف اللغويين وما أفادته ملاحظاتهم المتناثرة وما حكى عن أئمتهم من أخبار، مترسما خطى أهل الحديث، استطاع أن يستنبط مجموعة من المبادئ تكون بمثابة القوانين التي ينبغي أن يأخذ اللغوي بها نفسه، وهي جزء من المنهج الكبير الذي وضعه، ولذلك نلاحظ عليه في هذا الفصل صوغ هذه الأحكام بقلمه ثم ذكر ما يعضدها أو يسندها من آثار أو أخبار.
ثم تحدث عن كتابة اللغة «١»، لصلتها بما يجب على الرواة، بيد أنه بحثها من حيث تاريخها والأخبار التي وردت فيها، وتناول بعد ذلك مباشرة «التصحيف والتحريف»
«٢»
وبحثه بحثا متقنا، وقد وضعه بين ما يخص رجال اللغة لأن سبب التصحيف والتحريف أساسا هو أخذ اللغة عن الصحف والمنهج الصحيح في تلقي اللغة أن تؤخذ سماعا ويحفظها الناقل عن شيخه، ويستعين بالكتابة في ضبط ما حفظ، ولا يجب أن يستغني بالكتابة عن الحفظ.
وقد عني بهذا المبحث المحدّثون لكثرة ما عرض لهم من التصحيف حتى أفرده بعضهم بالتأليف منذ القدم، ونبه عليه ابن الصلاح في مقدمته «٣»، ومن ثم فقد بحثه السيوطي مطبقا إياه على نصوص اللغة معتمدا على ما ورد بالكتب السابقة من أقوال تخص الموضوع، وقد أورد عددا كبيرا من الأمثلة لما صحفه رواة اللغة شعرا ونثرا، والواقع أن هذا المبحث من أهم المباحث التي تتصل بنقد الرواية اللغوية، وقد وفاه السيوطي حقه لما له من خطورة في إمكان دخول ألفاظ غير صحيحة إلى اللغة لا سيما إذا كان التصحيف في الألفاظ الغريبة التي ينفرد بروايتها بعض اللغويين.
ثم تناول بعد ذلك: الطبقات والحفاظ والثقات والضعفاء «٤»، أما الطبقات
стр. 241
فقد سبق لكثير من اللغويين أن صنفوا فيها، وقد نص السيوطي على ذلك، بيد أن البحوث السابقة لم تتناول الطبقات من زاوية النقد للرواية اللغوية فلم تهتم بالحديث عن رجال اللغة جرحا وتعديلا بقدر ما كانت تهدف إلى التعريف المجمل بهم، كما أن بحث السيوطي للرواة مقسمين إلى حفاظ وثقات وضعفاء لم يسبق إليه في ميدان اللغة ببحوث مستقلة، وإنما كان ما سبقه عرفا جاريا بين اللغويين غير مكتوب، أو شذرات متناثرة وأقوالا متفرقة باستثناء ما قام به أبو الطيب اللغوي في كتابه الذي وثق فيه كبار رجال اللغة كأبي عمر بن العلاء وأبي زيد وأبي عبيدة وغيرهم، ولذلك اعتمد السيوطي في بحثه اعتمادا كبيرا على كتاب المراتب فنقل كثيرا من صفحاته الخاصة بتوثيق كبار الرواة وهي التي تناول فيها أبو الطيب التعريف بأئمة اللغة ونقلتها ابتداء من أبي الأسود وتلامذته وأبي عمرو إلى ابن قسطنطين، وقد وثق أبو الطيب جماعة كثيرة من رجال اللغة وضعف آخرين، وقد لخص عنه السيوطي بطريقته التي سبق بيانها أخبار عدد منهم ينيف على الستين من رجال اللغة على ترتيبهم الزمني الذي راعاه أبو الطيب.
وقد أتبع ما نقله عن كتاب المراتب بنقل آخر عن الخصائص لابن جني الذي تحدث فيه تحت عنوان «صدق النقلة وثقة الرواة والحملة» «١»، حيث وثق رواة اللغة الأولين وأثنى عليهم، فبين صدق أبي عمرو بن العلاء وتحرجه في الرواية، وصدق الأصمعي وما عرف عنه من شدة تحرج في الرواية، وكذلك حال أبي زيد وأبي عبيدة وأبي الحسن والكسائي وأضرابهم، وقد أفاض ابن جني في الحديث عنهم نافيا كل ظنة ومبينا ما اتصفوا به من خلق قويم، وما كانوا عليه من الثقة والأمانة والصدق.
وقد نقل السيوطي هذا المبحث بفصه ونصه هنا وقرنه بما نقله عن أبي الطيب، فهذا الفصل اعتمد فيه على هذين النقلين، وليس له فيه غير ما علق به على عبارة لأبي الطيب في نقد أبي عبيد صاحب الغريب المصنف حيث ذكر
стр. 242
الأول أنه لم يسمع من أبي زيد، فذكر السيوطي أن صاحب الغريب المصنف قد صرح بسماعه من أبي زيد في كتابه «١».
ويبدو أنه باقتصاره على ما نقل عن سابقيه كان يريد أن يبين كما بين من قبل في دفاعه عن اللغويين أنهم قد اهتموا ببحث رجال اللغة جرحا وتعديلا كما فعل المحدّثون، وبالرغم من أن السيوطي لم يضف إلى سابقيه شيئا يذكر فإن وضعه لهذين النقلين تحت عنوانه السابق الذي يضاهي مباحث المحدثين فيه شيء من الجدة والابتكار.
وكان على السيوطي إكمالا للمنهج الذي يحاول إقامته وترسما لخطى أهل الحديث في بحث رجالهم أن يخصص للأسماء والكنى والألقاب والأنساب جانبا من كتابه، وكذلك فعل في النوع الخامس والأربعين «٢»، ولم يقتصر على رواة اللغة ونقلتها بل جعل قسما لهم وآخر لشعراء العرب الذين يحتج بهم في العربية، ولم يسبق السيوطي بمثل هذا المبحث في ميدان اللغة فهو من مبتكراته فيها، إذ إن البحث في الأسماء والألقاب والكنى قد عنى به المحدثون فيما يتصل برواة الحديث، ولهم في ذلك مصنفات وقد بينوا أهميته في نقد الرواية وتمحيصها، كما تناولوه في كتب أصول الحديث «٣» أما في اللغة فلا نعرف من سبق السيوطي بافراد هذا الموضوع بالبحث، وقد قسم السيوطي هذا المبحث إلى أربعة فصول تحدث في أولها عمن اشتهر بكنيته أو لقبه أو نسبه، وقسم الأول إلى قسمين أولهما يتصل بأئمة اللغة والنحو فأخذ يسردهم ابتداء من أبي الأسود حتى انتهى إلى رضى الدين الصغاني وعدتهم تنيف على سبعين علما من أشهر رجال اللغة، ثم تناول في القسم الثاني شعراء العرب الذين يحتج بهم في العربية فبدأ بامرئ القيس وانتهى بالعجاج فذكر أربعة عشر ممن غلبت عليه كنيته أو لقبه أو نسبه، وخصص الفصل الثاني لبيان كنية من اشتهر باسمه أو لقبه أو نسبه، وتناول فيه رجال اللغة ثم شعراء العرب، وفي الثالث بحث
стр. 243
الألقاب وأسبابها فتناوله أيضا في قسمين أولهما لرجال اللغة والنحو والآخر لشعراء العرب، وفي الفصل الرابع تحدث عن الأنساب وأنواعها فالمنسوب إلى القبيلة صريحا كأبي الأسود أو ولاء كسيبويه، أو إلى بلد أو وطن أو إلى جد له، أو إلى لباسه، أو إلى اسمه أو اسم أبيه، ونحو ذلك.
والحق أن السيوطي قد أحسن في ترتيب هذا البحث وتصنيفه، وقد كان البحث اللغوي بعامة والبحث في نقد الرواية بخاصة مفتقرا إلى ما قام به.
ثم تناول «المؤتلف والمختلف» «١»، من الأسماء، وهو ما يعنى به أهل الحديث زيادة في التعريف بأسماء الرواة، واحتياطا من اللبس، وقد حظي في بيئة المحدثين بعناية بالغة، وصنفت فيه مصنفات مفردة منذ وقت مبكر، وقد عقد له ابن الصلاح فصلا في كتابه حدده فيه بأنه «ما يأتلف في الخط صورته ويختلف في اللفظ صيغته» «٢»، ونبه على أهميته قائلا إن «من لم يعرفه من المحدّثين كثر عثاره، ولم يعدم مخجلا» «٢».
وقد تناول السيوطي هذا المبحث في أقسام ثلاثة أولها في أسماء رجال اللغة حيث سرد ثمانية أمثلة تتضمن ستة عشر رجلا يتشابه كل اثنين في صورة الاسم ويختلفان في صيغته ونطقه مثل الأبذى والأندى، والأنباري والأبياري، والزجّاجي والزّجاجي ... إلى آخره وقد ضبط هذه الأسماء وذكر أسماء أصحابها، ولا نكاد نظفر بمن اهتم قبل السيوطي ببحث أسماء اللغويين من هذه الزاوية، وإنما حدث ذلك فيما يخص رجال الحديث والشعراء والقبائل، ولهذا فإنه لم ينقل في ذكره لهؤلاء الرجال عن كتب سبقته، وقد كان حريصا كعادته على ذلك إذا وجد من سبقه إلى طرق هذا الميدان، وحين تناول شعراء العرب في هذا المبحث نقل عن كتاب «المؤتلف والمختلف» للآمدي مثالا واحدا، وفيما يتعلق بالقبائل نقل كثيرا من الأمثلة عن كتب السابقين كأمالي القالي وصحاح الجوهري، وأكثر من النقل عن كتاب «متشابه القبائل» لمحمد بن حبيب الذي
стр. 244
استوفى صاحبه بحث الموضوع من قبل، والبحث في الأسماء وتشابهها واختلافها ومحاولة ضبط ذلك قد جعل المحدثين يعنون إلى جانب ما سبق مما يتصل بضبط الأسماء وصورتها بشيء قريب من ذلك وهو الاشتراك في الأسماء والألقاب والكنى والأنساب، في جميعها أو في بعضها، وهنا تبحث الأعلام التي تتفق في الاسم وتختلف في الأشخاص، أو الذين تتفق كناهم أو ألقابهم أو مجموع ذلك مع افتراق أشخاصهم، وهو يختلف عن سابقه لأن الاتفاق هناك في صورة الخط والافتراق في اللفظ فهو يأتلف شكلا ويختلف لفظا أو نطقا، أما هذا فيتفق خطا ولفظا ويفترق من ناحية المسمّى أو المكنّى أو الملقب وقد اصطلح على تسمية هذا البحث «بالمتفق والمفترق» «١».
ولم يسبق السيوطي في ميدان اللغة بالعناية بهذا المبحث إلا فيما يتعلق بأسماء القبائل التي أفرد لها ابن حبيب من قبل كتابا، وقد تناول السيوطي ما يتعلق بأئمة اللغة والنحو ثم شعراء العرب ثم القبائل فذكر- مثلا- أن الأخفش اسم يطلق على أحد عشر نحويا، عدّد أسماءهم، وأن سيبويه أربعة عددهم، ...
إلى آخر ذلك «٢». وقد اختتم هذا الفصل ببعض الملاحظات منها أن النحاة إذا أطلقوا أبا عمرو فمرادهم ابن العلاء، وأن البصريين إذا أطلقوا أبا العباس فالمراد به المبرد، وإذا أطلقه الكوفيون فمرادهم ثعلب، وحيث أطلق النحويون الأخفش فالمراد الأوسط فإن أرادوا الأكبر أو الأصغر قيدوه «٣». ثم تحدث عما يتعلق بشعراء العرب فذكر جماعة كثيرة من الشعراء يسمون بامرئ القيس، وذكر النوابغ الأربعة، ومن يشترك في لقب الأعشى، ومن اسمه الطرماح ونصيب، وقد اعتمد فيما أورد عما يتعلق بالقبائل على كتاب متفق القبائل لمحمد ابن حبيب.
والتعرف على الرجال يقتضي معرفة تواريخهم في الميلاد والوفاة لما لذلك من أهمية كبيرة في معرفة طبقاتهم ورواية بعضهم عن بعض، وتمييز ما قد يحدث في
стр. 245
بعض الأسانيد من سقط أو إرسال، وإظهار كذب بعض الرواة، وقد قال نقاد الرواية من المحدثين: «إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين» «١»، أي سنه وسن من كتب عنه، وقد تبين لبعض نقاد الحديث زيف بعض الرواة بحساب التواريخ، ولذلك نبهوا على ضرورة العناية بمعرفة مواليد ووفيات رجالهم «٢».
وكما بحث رجال الحديث تواريخ رواتهم فإن السيوطي الذي يطبق منهجهم على اللغة قد تناول هذا الموضوع إتماما منه لعمله السابق الخاص برجال اللغة حتى يكون بذلك قد تناول هؤلاء الرجال من جميع الجوانب التي يتناولها أهل الحديث في بحث أحوال رواتهم، وعلى ذلك الأساس أفرد فصلا لبحث «المواليد والوفيات» «٣»، من رجال اللغة سرد فيه أسماء خمسة وسبعين من أئمة اللغة والنحو، واقتصر على بيان ميلاد كل منهم ووفاته، أو وفاته فقط إن لم يكن ميلاده معروفا أو متفقا عليه، وقد ابتدأ بأبي
الأسود الدؤلي (٦٩ هـ)، وانتهى بالفيروزآبادي صاحب القاموس (٨١٦ هـ).
وبالرغم من أن كتب الطبقات قد بينت ذلك من قبل السيوطي فإن تناول الرجال من هذه الزاوية التي تهدف إلى ضبط تواريخهم يعد أمرا جديدا فيما يخص الدرس اللغوي حاول به السيوطي أن يستكمل ما فات اللغويين من قبل حتى يتكون من مجموع هذه الأبحاث منهج متناسق متكامل في نقد الرواية اللغوية يضاهي منهج أصحاب الحديث. وإذا كنا قد بحثنا ما قام به السيوطي من دراسات تتصل برجال اللغة ورواتها فإن علينا أن نتناول القسم الثاني وهو الخاص بالأسانيد لنرى ما قام به.
ب- الأسانيد:
والبحث في الأسانيد يشكل الشق الآخر لمنهج نقد الرواية سواء أكان في الحديث أم في اللغة أم في غيرهما من العلوم النقلية، وجوانب البحث في
стр. 246
الأسانيد عديدة، منها ما يعنى باتصال السند ويتفرع عن ذلك المرسل والمجهول والمنقطع، أو ما يعنى بالترجيح بين الروايات وبيان عددها ويتفرع عن ذلك المتواتر والآحاد والأفراد، أو ما يعنى بكيفية الرواية وهو ما يعرف بطرق الأخذ والتحمل ويتفرع عن هذه بعض البحوث الأخرى.
والواقع أن البحث في الأسانيد قد حظي لدى المحدّثين بعناية بالغة، وعرفت مصطلحات متنوعة لكل قسم من الأقسام منذ وقت مبكر بحيث قسموا الحديث باعتبار الاسناد إلى صحيح وحسن وضعيف، وقسموا الأسانيد باعتبار اتصالها إلى متصل ومرفوع وموقوف ومقطوع ومنقطع ومرسل ومعضل، وباعتبار مقارنة الأحاديث بعضها ببعض نجد الشاذ والمنكر إلى غير ذلك، ثم هناك البحث في طرق الأخذ والتحمل وصيغها، وبيان من تقبل روايته ومن ترد وغير ذلك من المصطلحات.
أما في اللغة فإن الأمر لم يكن يتجاوز عرفا بين اللغويين غير مكتوب، وليس ذلك بغريب فقد وضعت أصول الفقه بعد ظهور أئمة الفقهاء وكان منهجهم عرفا يحرصون عليه وهو عرف غير مكتوب، وكذلك وضعت أصول رواية الحديث بعد فترة غير قليلة ظهر فيها كثير من أئمة الرواة الذين حرصوا على آداب خاصة في الرواية والتزموا منهجا محددا وإن لم يكن مكتوبا، واستطاع واضعو الأصول بعد ذلك أن يستخلصوا من أقوالهم وأفعالهم منهجا محددا انتهى به الأمر إلى أن أصبح مصطلحات دقيقة محددة المعالم، وطريقا بينا واضحا، وكذلك الأمر في الرواية اللغوية، كانت أصولها عرفا لدى أئمة اللغة لم يعمد أحدهم إلى بحثها ووضعها في قواعد محددة، وإنما هي أصول راعوها في التطبيق إلى حد كبير بحيث يمكن أن تستخرج الأطر النظرية من واقع مسلكهم العملي، ذلك أن القدماء بصفة عامّة تقلّ عنايتهم بالتنظير، ولذا كانت البحوث النظرية عن الرواية اللغوية ونقدها لديهم قليلة، وقد بينت من قبل ما كان لديهم فيما يتصل بالرواة قبل السيوطي، وفيما يخص الأسانيد وبحثها لا نجد إلا بعض ملاحظات متناثرة لدى ابن فارس وأخرى لدى ابن جني ولا نجد من عني بها عناية فعلية غير ابن الأنباري الذي بحث اتصال الاسناد فعقد فصلا تحدث فيه
стр. 247
عن المرسل والمجهول «١»، والمرسل «هو الذي انقطع سنده كأن يروي ابن دريد عن أبي زيد، والمجهول هو الذي لم يعرف ناقله نحو أن يقول أبو بكر بن الأنباري حدثني رجل عن ابن الأعرابي» «١»، وقد اشترط ابن الأنباري اتصال السند، ولذلك فهو يرفض قبول المرسل والمجهول، وبالرغم من ذلك فإن حديثه يوضح ميل غيره إلى قبوله، كما تناول المتواتر والآحاد «٣»، وتحدث عن شروط المتواتر «٤»، وشروط الآحاد «٥»، وتناول الاجازة وجواز قبولها «٦».
ونجد من الأصوليين من تناول التواتر والآحاد في اللغة، وعلى ذلك فإن البحث في الأسانيد في ميدان اللغة لم يحظ باهتمام كبير قبل السيوطي، وقد حاول من خلال الأنواع الثمانية التي تناولها في أول كتابه ووضع لها نفس مصطلحات أهل الحديث أن يستدرك ما فات البيئة اللغوية من هذه الأبحاث التي عني بها أصحاب أصول الحديث، والتي تلزم لبناء منهج متكامل لنقد الرواية اللغوية.
وأول هذه الأنواع: «الصحيح أو الثابت والمحفوظ» «٧»، وقد وضع المؤلف هذه التسمية محاكيا ما يريده المحدثون عند تناولهم الصحيح حيث يذكرون الكتب التي عنيت بصحيح الحديث وغير ذلك، ولما كان الصحيح من اللغة يمثل غالبها فإن السيوطي قد فرع هذا النوع إلى عديد من الأبحاث اللغوية التي تتناول اللغة ونشأتها والطريق إلى معرفتها، مما يبدو بعيد الصلة عن العنوان الذي وضعه لهذا الفصل إلا إذا كان اعتباره بحث ما صحّ من اللغة من وجوه متنوعة، ونأخذ عليه أيضا أنه لم يبدأ بتعريف الصحيح في اللغة كما يفعل المحدثون في تعريف الصحيح عندهم إذ إن الصحيح من اللغة في رأينا أعم من أن يشمله تعريف أهل الحديث المقيد بالشروط وقد أحس السيوطي بأنه لم يضع حدا للصحيح في اللغة عند بداية الموضوع ولذلك فقد وضع هذا الحد في ثنايا حديثه عن مأخذ اللغة فعرف الصحيح بأنه «ما اتصل سنده بنقل العدل
стр. 248
الضابط عن مثله إلى منتهاه على حد الصحيح من الحديث» «١».
وتناول في النوع الثاني «ما روي من اللغة ولم يصح ولم يثبت»، وذكر أنه «يقابل النوع الأول الذي هو الصحيح الثابت، والسبب في عدم ثبوت هذا النوع عدم اتصال سنده لسقوط راو منه أو جهالته أو عدم الوثوق بروايته لفقد شرط القبول فيه» «٢»، وقد مثل له بعدد من الأمثلة التي نقلها عن جمهرة ابن دريد والغريب لأبي عبيد والصحاح والتهذيب وغيرها، مما يتبين منه ما قلناه من أن المنهج النقدي للرواية كان عرفا متبعا لدى اللغويين وإن لم يحظ بتنظير كاف، وقد حاول السيوطي في هذا المبحث وغيره أن يضع الأصول النظرية إلى جوار التطبيق العملي.
وحين بحث المتواتر والآحاد مسبوقا كما ذكرنا بابن الأنباري اعتمد في الجانب النظري على سابقه، ثم نقل الاشكالات على التواتر عن الرازي، والأجوبة عليها للرازي وشراحه كالأصبهاني والقرافي، وقد سبق أن أشرنا إلى بعض ما ناقشه هؤلاء حين تحدثنا عن إهمال اللغويين البحث في رواتهم جرحا وتعديلا، ودفاع السيوطي عنهم، وتجنبا للإطالة فإنني أكتفي بالاحالة إلى ما نقله السيوطي من إشكالات على التواتر والآحاد فيما يخص اللغة وروايتها والاجابة عن هذه الاشكالات «٣»، وتعد هذه المناقشات التي نقلها السيوطي عن الأصوليين من أهم ما كتب في نقد الرواية اللغوية، وقد ختم السيوطي مبحثه بذكر عدد كبير من الأمثلة «مما تواتر على ألسنة الناس من زمن العرب إلى اليوم وليس هو في القرآن» «٤». وبهذا المجهود يعد الفصل الذي عقده السيوطي أكمل البحوث اللغوية في الموضوع حيث استوفى فيه أقوال السابقين وطبقها على اللغة بالأمثلة وزاد عليها بإدلاء رأيه في بعض الأحيان.
وكان على اللغويين نتيجة اشتراط اتصال السند أن يبحثوا الأسانيد التي سقط
стр. 249
من رواتها راو أو أكثر، وقد تناول المحدثون من قبل هذا المبحث فذكروا أن الارسال «هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه» «١»، ولم يفرق الخطيب البغدادي بين المرسل والمنقطع بيد أن بعض المحدثين قد فرقوا بينهما حيث جعلوا المرسل خاصا بالتابعي أي ما سقط الصحابي من إسناده «٢»، والمنقطع «الذي فيه قبل الوصول إلى التابعي راو لم يسمع من الذي فوقه» «٣»، وهو نوعان: ما لم يذكر الساقط فيه معينا ولا مبهما، وما ذكر فيه بعض الرواة بلفظ مبهم كرجل وشيخ أما ما سقط من رواته اثنان فصاعدا وهو من أنواع المنقطع فيسمونه المعضل «٤».
وقد تناول أهل المصطلح هذه الأنواع بالبحث وحدث بينهم الخلاف في قبول الأخبار التي ترد وفي إسنادها نوع من أنواع الانقطاع السابقة، وذهب أكثرهم ومنهم الخطيب إلى عدم قبول المرسل، أي كل ما به انقطاع في إسناده، ولو كان الذي أرسله ثقات التابعين أو من الصحابة أنفسهم «٥».
ومن قبل السيوطي تناول ابن الأنباري اتصال السند في بحثه للمرسل والمجهول «٦»، والجدير بالذكر أن السيوطي تحدث عن المرسل منفصلا عن حديثه عن المجهول على نحو ما يفعل أهل الحديث الذي يذكرون المجهول بصدد بحثهم فيمن تقبل روايته ومن ترد «٧»، ويبدو من بحث ابن الأنباري أن اللغويين يقفون موقفا يبدو فيه الاضطراب والتردد بالنسبة للمرسل وإن جزم ابن الأنباري بعدم قبوله، وقد تناول السيوطي هذا المبحث تحت عنوان «المرسل والمنقطع» «٨»، ونلاحظ أنه لا يفرق بين المرسل والمنقطع كما حدث عند بعض
стр. 250
المحدثين، وإنما هما عنده اسمان لمسمى واحد حيث لم ينقل غير تعريف المرسل عن ابن الأنباري ولم يعرف المنقطع، وكأنه بذلك يتبع الخطيب البغدادي وبعض
المحدّثين الذين لم يفرقوا بينهما، وقد أورد السيوطي أقوال ابن الأنباري في المرسل ثم أتبعها بكثير من الأمثلة لمراسيل الروايات عن كتب اللغة، ولم يطل في هذه الأمثلة، ولم يبد تعليقات على أقوال ابن الأنباري وكأنه بذلك يكتفي بأن يقف مثل موقف سابقه.
ثم أفرد بعد ذلك مبحثا للأفراد «١»، كما يفرد المحدثون له في كتبهم «٢»، وقد حدّه وبين حكمه بقوله: «وهو ما انفرد به واحد من أهل اللغة، ولم ينقله أحد غيره، وحكمه القبول إن كان المتفرد به من أهل الضبط والاتقان كأبي زيد والخليل والأصمعي وأبي حاتم وأبي عبيدة وأضرابهم، وشرطه ألا يخالفه فيه من هو أكثر عددا منه» «٣».
ولا نكاد نظفر لدى اللغويين قبل السيوطي بمثل هذا التحديد للأفراد، وبيان حكمها وشرط قبولها وإنما الذي نجده هو ما ينصون عليه في كتبهم من تفرد أحد الرواة بلفظة معينة أو بعبارة من العبارات. فللسيوطي في هذا المبحث فضل السبق في تحديده وبيانه، ثم له فضل جمع ما تفرق في كتب اللغة من أمثلة ما تفرد به الرواة وذكرها مجموعة منسقة، فهو يمثل لأفراد أبي زيد ثم لأفراد الخليل ثم يونس، وهكذا. وينبغي أن نشير إلى ملاحظة هامة هي أن اعتبار الأفراد إنما يكون بالنسبة إلى رواة اللغة كأبي زيد والأصمعي والخليل وأضرابهم، وهذا يخالف ما يتفرد به بعض القائلين الذين هم حجة في اللغة، فهذا النوع الأخير هو ما تناوله ابن جني ممثلا له بما انفرد به ابن أحمر الباهلي من ألفاظ لم تسمع من غيره من العرب «٤»، وعلى هذا فإن بحث الأفراد باعتبار الاسناد لم يتناوله ابن جني.