الأسانيد عديدة، منها ما يعنى باتصال السند ويتفرع عن ذلك المرسل والمجهول والمنقطع، أو ما يعنى بالترجيح بين الروايات وبيان عددها ويتفرع عن ذلك المتواتر والآحاد والأفراد، أو ما يعنى بكيفية الرواية وهو ما يعرف بطرق الأخذ والتحمل ويتفرع عن هذه بعض البحوث الأخرى.
والواقع أن البحث في الأسانيد قد حظي لدى المحدّثين بعناية بالغة، وعرفت مصطلحات متنوعة لكل قسم من الأقسام منذ وقت مبكر بحيث قسموا الحديث باعتبار الاسناد إلى صحيح وحسن وضعيف، وقسموا الأسانيد باعتبار اتصالها إلى متصل ومرفوع وموقوف ومقطوع ومنقطع ومرسل ومعضل، وباعتبار مقارنة الأحاديث بعضها ببعض نجد الشاذ والمنكر إلى غير ذلك، ثم هناك البحث في طرق الأخذ والتحمل وصيغها، وبيان من تقبل روايته ومن ترد وغير ذلك من المصطلحات.
أما في اللغة فإن الأمر لم يكن يتجاوز عرفا بين اللغويين غير مكتوب، وليس ذلك بغريب فقد وضعت أصول الفقه بعد ظهور أئمة الفقهاء وكان منهجهم عرفا يحرصون عليه وهو عرف غير مكتوب، وكذلك وضعت أصول رواية الحديث بعد فترة غير قليلة ظهر فيها كثير من أئمة الرواة الذين حرصوا على آداب خاصة في الرواية والتزموا منهجا محددا وإن لم يكن مكتوبا، واستطاع واضعو الأصول بعد ذلك أن يستخلصوا من أقوالهم وأفعالهم منهجا محددا انتهى به الأمر إلى أن أصبح مصطلحات دقيقة محددة المعالم، وطريقا بينا واضحا، وكذلك الأمر في الرواية اللغوية، كانت أصولها عرفا لدى أئمة اللغة لم يعمد أحدهم إلى بحثها ووضعها في قواعد محددة، وإنما هي أصول راعوها في التطبيق إلى حد كبير بحيث يمكن أن تستخرج الأطر النظرية من واقع مسلكهم العملي، ذلك أن القدماء بصفة عامّة تقلّ عنايتهم بالتنظير، ولذا كانت البحوث النظرية عن الرواية اللغوية ونقدها لديهم قليلة، وقد بينت من قبل ما كان لديهم فيما يتصل بالرواة قبل السيوطي، وفيما يخص الأسانيد وبحثها لا نجد إلا بعض ملاحظات متناثرة لدى ابن فارس وأخرى لدى ابن جني ولا نجد من عني بها عناية فعلية غير ابن الأنباري الذي بحث اتصال الاسناد فعقد فصلا تحدث فيه
стр. 247
عن المرسل والمجهول «١»، والمرسل «هو الذي انقطع سنده كأن يروي ابن دريد عن أبي زيد، والمجهول هو الذي لم يعرف ناقله نحو أن يقول أبو بكر بن الأنباري حدثني رجل عن ابن الأعرابي» «١»، وقد اشترط ابن الأنباري اتصال السند، ولذلك فهو يرفض قبول المرسل والمجهول، وبالرغم من ذلك فإن حديثه يوضح ميل غيره إلى قبوله، كما تناول المتواتر والآحاد «٣»، وتحدث عن شروط المتواتر «٤»، وشروط الآحاد «٥»، وتناول الاجازة وجواز قبولها «٦».
ونجد من الأصوليين من تناول التواتر والآحاد في اللغة، وعلى ذلك فإن البحث في الأسانيد في ميدان اللغة لم يحظ باهتمام كبير قبل السيوطي، وقد حاول من خلال الأنواع الثمانية التي تناولها في أول كتابه ووضع لها نفس مصطلحات أهل الحديث أن يستدرك ما فات البيئة اللغوية من هذه الأبحاث التي عني بها أصحاب أصول الحديث، والتي تلزم لبناء منهج متكامل لنقد الرواية اللغوية.
وأول هذه الأنواع: «الصحيح أو الثابت والمحفوظ» «٧»، وقد وضع المؤلف هذه التسمية محاكيا ما يريده المحدثون عند تناولهم الصحيح حيث يذكرون الكتب التي عنيت بصحيح الحديث وغير ذلك، ولما كان الصحيح من اللغة يمثل غالبها فإن السيوطي قد فرع هذا النوع إلى عديد من الأبحاث اللغوية التي تتناول اللغة ونشأتها والطريق إلى معرفتها، مما يبدو بعيد الصلة عن العنوان الذي وضعه لهذا الفصل إلا إذا كان اعتباره بحث ما صحّ من اللغة من وجوه متنوعة، ونأخذ عليه أيضا أنه لم يبدأ بتعريف الصحيح في اللغة كما يفعل المحدثون في تعريف الصحيح عندهم إذ إن الصحيح من اللغة في رأينا أعم من أن يشمله تعريف أهل الحديث المقيد بالشروط وقد أحس السيوطي بأنه لم يضع حدا للصحيح في اللغة عند بداية الموضوع ولذلك فقد وضع هذا الحد في ثنايا حديثه عن مأخذ اللغة فعرف الصحيح بأنه «ما اتصل سنده بنقل العدل
стр. 248
الضابط عن مثله إلى منتهاه على حد الصحيح من الحديث» «١».
وتناول في النوع الثاني «ما روي من اللغة ولم يصح ولم يثبت»، وذكر أنه «يقابل النوع الأول الذي هو الصحيح الثابت، والسبب في عدم ثبوت هذا النوع عدم اتصال سنده لسقوط راو منه أو جهالته أو عدم الوثوق بروايته لفقد شرط القبول فيه» «٢»، وقد مثل له بعدد من الأمثلة التي نقلها عن جمهرة ابن دريد والغريب لأبي عبيد والصحاح والتهذيب وغيرها، مما يتبين منه ما قلناه من أن المنهج النقدي للرواية كان عرفا متبعا لدى اللغويين وإن لم يحظ بتنظير كاف، وقد حاول السيوطي في هذا المبحث وغيره أن يضع الأصول النظرية إلى جوار التطبيق العملي.
وحين بحث المتواتر والآحاد مسبوقا كما ذكرنا بابن الأنباري اعتمد في الجانب النظري على سابقه، ثم نقل الاشكالات على التواتر عن الرازي، والأجوبة عليها للرازي وشراحه كالأصبهاني والقرافي، وقد سبق أن أشرنا إلى بعض ما ناقشه هؤلاء حين تحدثنا عن إهمال اللغويين البحث في رواتهم جرحا وتعديلا، ودفاع السيوطي عنهم، وتجنبا للإطالة فإنني أكتفي بالاحالة إلى ما نقله السيوطي من إشكالات على التواتر والآحاد فيما يخص اللغة وروايتها والاجابة عن هذه الاشكالات «٣»، وتعد هذه المناقشات التي نقلها السيوطي عن الأصوليين من أهم ما كتب في نقد الرواية اللغوية، وقد ختم السيوطي مبحثه بذكر عدد كبير من الأمثلة «مما تواتر على ألسنة الناس من زمن العرب إلى اليوم وليس هو في القرآن» «٤». وبهذا المجهود يعد الفصل الذي عقده السيوطي أكمل البحوث اللغوية في الموضوع حيث استوفى فيه أقوال السابقين وطبقها على اللغة بالأمثلة وزاد عليها بإدلاء رأيه في بعض الأحيان.
وكان على اللغويين نتيجة اشتراط اتصال السند أن يبحثوا الأسانيد التي سقط
стр. 249
من رواتها راو أو أكثر، وقد تناول المحدثون من قبل هذا المبحث فذكروا أن الارسال «هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه» «١»، ولم يفرق الخطيب البغدادي بين المرسل والمنقطع بيد أن بعض المحدثين قد فرقوا بينهما حيث جعلوا المرسل خاصا بالتابعي أي ما سقط الصحابي من إسناده «٢»، والمنقطع «الذي فيه قبل الوصول إلى التابعي راو لم يسمع من الذي فوقه» «٣»، وهو نوعان: ما لم يذكر الساقط فيه معينا ولا مبهما، وما ذكر فيه بعض الرواة بلفظ مبهم كرجل وشيخ أما ما سقط من رواته اثنان فصاعدا وهو من أنواع المنقطع فيسمونه المعضل «٤».
وقد تناول أهل المصطلح هذه الأنواع بالبحث وحدث بينهم الخلاف في قبول الأخبار التي ترد وفي إسنادها نوع من أنواع الانقطاع السابقة، وذهب أكثرهم ومنهم الخطيب إلى عدم قبول المرسل، أي كل ما به انقطاع في إسناده، ولو كان الذي أرسله ثقات التابعين أو من الصحابة أنفسهم «٥».
ومن قبل السيوطي تناول ابن الأنباري اتصال السند في بحثه للمرسل والمجهول «٦»، والجدير بالذكر أن السيوطي تحدث عن المرسل منفصلا عن حديثه عن المجهول على نحو ما يفعل أهل الحديث الذي يذكرون المجهول بصدد بحثهم فيمن تقبل روايته ومن ترد «٧»، ويبدو من بحث ابن الأنباري أن اللغويين يقفون موقفا يبدو فيه الاضطراب والتردد بالنسبة للمرسل وإن جزم ابن الأنباري بعدم قبوله، وقد تناول السيوطي هذا المبحث تحت عنوان «المرسل والمنقطع» «٨»، ونلاحظ أنه لا يفرق بين المرسل والمنقطع كما حدث عند بعض
стр. 250
المحدثين، وإنما هما عنده اسمان لمسمى واحد حيث لم ينقل غير تعريف المرسل عن ابن الأنباري ولم يعرف المنقطع، وكأنه بذلك يتبع الخطيب البغدادي وبعض
المحدّثين الذين لم يفرقوا بينهما، وقد أورد السيوطي أقوال ابن الأنباري في المرسل ثم أتبعها بكثير من الأمثلة لمراسيل الروايات عن كتب اللغة، ولم يطل في هذه الأمثلة، ولم يبد تعليقات على أقوال ابن الأنباري وكأنه بذلك يكتفي بأن يقف مثل موقف سابقه.
ثم أفرد بعد ذلك مبحثا للأفراد «١»، كما يفرد المحدثون له في كتبهم «٢»، وقد حدّه وبين حكمه بقوله: «وهو ما انفرد به واحد من أهل اللغة، ولم ينقله أحد غيره، وحكمه القبول إن كان المتفرد به من أهل الضبط والاتقان كأبي زيد والخليل والأصمعي وأبي حاتم وأبي عبيدة وأضرابهم، وشرطه ألا يخالفه فيه من هو أكثر عددا منه» «٣».
ولا نكاد نظفر لدى اللغويين قبل السيوطي بمثل هذا التحديد للأفراد، وبيان حكمها وشرط قبولها وإنما الذي نجده هو ما ينصون عليه في كتبهم من تفرد أحد الرواة بلفظة معينة أو بعبارة من العبارات. فللسيوطي في هذا المبحث فضل السبق في تحديده وبيانه، ثم له فضل جمع ما تفرق في كتب اللغة من أمثلة ما تفرد به الرواة وذكرها مجموعة منسقة، فهو يمثل لأفراد أبي زيد ثم لأفراد الخليل ثم يونس، وهكذا. وينبغي أن نشير إلى ملاحظة هامة هي أن اعتبار الأفراد إنما يكون بالنسبة إلى رواة اللغة كأبي زيد والأصمعي والخليل وأضرابهم، وهذا يخالف ما يتفرد به بعض القائلين الذين هم حجة في اللغة، فهذا النوع الأخير هو ما تناوله ابن جني ممثلا له بما انفرد به ابن أحمر الباهلي من ألفاظ لم تسمع من غيره من العرب «٤»، وعلى هذا فإن بحث الأفراد باعتبار الاسناد لم يتناوله ابن جني.
стр. 251
وفي الفصل التالي تناول السيوطي- على طريقة أهل الحديث- بحث من تقبل روايته ومن ترد «١»، ونلاحظ أنه تناول نفس العناصر التي يبحثها أهل الحديث في هذا الموضوع «٢».
ولما كان مسبوقا هنا ببعض الملاحظات والدراسات التي قام بها اللغويون السابقون كابن فارس وابن الأنباري وغيرهما فإنه قد جمع في هذا الفصل ما سبقه من هذه الأقوال، وضم إليها ما رآه مناسبا من الأمثلة التي استخرجها من كتب اللغة. ويعد هذا الفصل من أقيم الفصول التي كتبها السيوطي فيما يتصل بنقد الرواية اللغوية بصفة عامة فقد بين أن العدالة شرط في نقد اللغة، وأن نقل العدل الواحد يقبل ولا يشترط أن يوافقه في النقل غيره، ونجد بعد ذلك ملاحظة هامة لاحظها بعض اللغويين وأكدها وبينها السيوطي وهي التفرقة في اللغة بين ناقلها وبين قائلها، فالعدالة تشترط في الناقل ولا تشترط في القائل ولذلك اعتمد على أشعار العرب الجاهليين وهم كفار، كما أخذت اللغة عن الصبيان بل وعن المجانين ممن خلصت عربيتهم.
وقد وقف اللغويون من المجهول موقفا يماثل موقف المحدثين في عدم قبوله، والمجهول هو الذي لا يعرف ناقله، أما الذي لا يعرف قائله فيختلف عن ذلك حيث يصح قبوله إذا نقله العدل، ومن أمثلته خمسون بيتا أوردها سيبويه لا يعرف قائلوها وليست من قبيل المجهول باعتبار الناقل، وقد وقع بعض اللغويين في هذا الخلط بين المجهول ناقله وبين المجهول قائله «١».
كما عرض السيوطي لمسألة التعديل على الابهام التي لم يقبلها كثير من أهل الحديث «٢»، حيث اشترطوا ضرورة تسمية الرواة حتى يمكن معرفتهم جرحا وتعديلا ولا يكتفي بتعديل من يروي عنهم، بيد أن التعديل على الابهام قد وقع كثيرا في كتب أئمة اللغويين كسيبويه الذي كثيرا ما يذكر: «أخبرني الثقة، أو حدثني من أثق بعربيته دون أن يسمي المنقول عنه، وكتاب سيبويه مقبول موثق عند الجمهور، وهذا يدل على ما سبق أن لاحظناه من وجود بعض
стр. 252
التساهل في الرواية اللغوية. ويذكر السيوطي أن الشك في المنقول عنه يسقط الاحتجاج بالمنقول، وكذلك جهل عدالة أحد الراويين إذا قال: أخبرني فلان وفلان.
وهكذا فقد استطاع السيوطي ترسما لخطى المحدثين واستقصاء لأقوال اللغويين السابقين أن يعرض هذا البحث عرضا واضحا وأن يمثل بالأمثلة المناسبة من اللغة، وأن ينبه على بعض الملاحظات الدقيقة التي تراعى في اللغة ولا نجدها لدى أهل الحديث.
ويتصل ببحث الأسانيد عند أهل الحديث بيان كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه «١» ويتفرع عنه بيان طرق نقل الحديث وتحمله، وقد بحث الخطيب هذه الطرق والصيغ فذكر أن «سمعت» هي أرفع هذه العبارات، وبين كيفية استعمال النقلة لهذه الصيغ ودلالاتها عندهم، وعرضه يبين إلى حد كبير تطور هذه العبارات إلى أن كادت تستقر مصطلحات لها حدودها المعلومة في بيئة المحدثين «٢»، وقد حصرها ابن الصلاح في ثمانية أقسام أولها السماع من لفظ الشيخ بما ينقسم إليه من إملاء أو تحديث بغير إملاء وتناول هنا صيغ التحمل مرتبة حسب التمكن في السماع، فأعلاها «سمعت» ثم «حدثنا» و «حدثني» ثم يتلو ذلك «أخبرنا» ثم يتلوه «أنبأنا» و «نبأنا» وأقل العبارات «قال فلان أو ذكر فلان».
وفي ترتيب هذه الصيغ والاحتجاج بها بعض الخلاف بين أهل الحديث بيد أن العرف الذي يكاد يستقر عليه غالب المحدثين هو ما ذكرنا «٣».
والقسم الثاني القراءة على الشيخ أو ما يسمى بالعرض «٤»، وما يتصل به من صيغ تقال فيه «٤»، والثالث الاجازة بأنواعها «٦»، خاصة كانت أو عامة والخلاف
стр. 253
حول قبولها والعمل بها، فالخطيب ممن يرون قبولها بجميع أنواعها، وقد حكى بعض الخلاف في قبولها، بينما أورد ابن الصلاح كثيرا من الأقوال في عدم قبولها من قبل كثير من علماء الحديث.
والقسم الرابع المناولة «١»، وما يقال فيها من عبارات، والخامس المكاتبة «٢»، والسادس الاعلام من الشيخ للطلب بأن هذا الحديث أو الكتاب سمعه من فلان «٣»، والسابع الوصية «٤»، من الشيخ برواية كتاب عند موته أو سفره لشخص معين، والثامن الوجادة «٥».
وقد أفاض المحدثون منذ القدم في بحث هذه الطرق من جميع وجوهها وأحكامها في القبول أو الرد، وكل ذلك يحدد أهلية الراوي الذي يحق له أن ينقل الحديث عن غيره إلى سامعيه.
وقد حاول السيوطي أن يطبق هذا المبحث برمته على اللغة، ولم يكن قد سبق به من قبل اللغويين، فكل ما تحدثوا فيه مما يتصل بالموضوع هو مأخذ اللغة الذي تناوله ابن فارس «٦»، بيد أنه أجمل القول فيه، ثم نجد حديثا موجزا عن الاجازة عند ابن الأنباري يهدف به إلى القول بصحة قبولها والرواية بمقتضاها «٧»، ولا نكاد نظفر ببحوث نظرية لدى اللغويين عن أصول الأخذ والتحمل وصيغه ومراتب عباراته في اللغة غير ما قدمنا، بيد أن كتب اللغويين تحرص على إيراد هذه الصيغ بما يبين أنهم عرفوا منهجا في التحمل مفرقين بين أقسامه حيث تدل على ذلك عباراتهم في الرواية، أي أنهم في مجال التطبيق قد اتبعوا هذا المنهج إلى حد كبير، ولكنهم أهملوا البحث النظري في هذا الموضوع
стр. 254
بينما عني به أهل الحديث عناية بالغة والسبب في ذلك يرجع أيضا إلى الفارق الطبيعي بين المنقول في اللغة وبين المنقول في الحديث، وتوفر الدواعي إلى الكذب في الحديث وعدم توفرها في اللغة إلا بقلة، واستمرار الرواية عن الفصحاء إلى زمن متأخر، واستمرار الأخذ عن الأعراب إلى زمن أكثر تأخرا وهو ما جعل أسانيد اللغة- في كثير من الأحيان- أقصر من أسانيد الأحاديث، بالاضافة إلى الأسباب التي سبق بيانها عند الحديث عن العناية ببحث الرواة جرحا وتعديلا.
وعلى أية حال فلقد أغفل اللغويون بحث طرق الأخذ والتحمل في رواية اللغة، وقد حاول السيوطي أن يستدرك هذا النقص لديهم في المبحث الذي خصصه لهذا الموضوع «١»، وترسم فيه خطى المحدثين فقد ذكر أن هذه الطرق ستة أولها السماع من لفظ الشيخ أو العربي وقد أورد ما قاله ابن فارس عن مأخذ اللغة في هذا الموضع، ثم بين صيغ الأداء والرواية، فأعلاها «أملى»، وقد مثل لها ببعض الأمثلة التي وردت بكتاب اللغة ككتاب القالي، ويليها «سمعت»، ويليها «حدثني فلان وحدثنا فلان»، ويليها «أخبرني وأخبرنا» ثم «قال لي» ثم «قال» ثم «زعم» و «عن» وقد مثل لكل صيغة ببعض ما ورد في كتب اللغة من استعمالاتها، وذكر أن الشعر يقال فيه: «أنشدنا وأنشدني» وقد يستعمل فيه «حدثنا وسمعت». والطريق الثانية هي القراءة على الشيخ ويقول عندها: «قرأت على فلان». وثالثها السماع على الشيخ بقراءة غيره، ويقول عندها: «قرئ على فلان وأنا أسمع»، والرابع الاجازة وذلك في رواية الكتب والأشعار المدونة وقد نقل السيوطي قول ابن الأنباري فيها وتجويزها، وخامسها المكاتبة، وسادسها الوجادة.
وقد مثل لكل من هذه الطرق ببعض ما وقع لها في كتب اللغة من أمثلة حيث استعملت عبارات من قبل اللغويين تنم عن مراعاة لطرق الأخذ والتحمل ودراية بها، ونرى أن هذه الطرق التي أوردها السيوطي هي نفس
стр. 255
الطرق التي يذكرها المحدثون، وإن يكن ابن الصلاح قد حصرها في ثمانية فإنها ترتد في الواقع إلى ست طرق لأن المناولة فرع من الاجازة والاعلام يندرج ضمن الوصية أو الوجادة.
ونظرا لطرافة هذا البحث النظري في ميدان اللغة فإن السيوطي لم يطل- لطبيعته النقلية- في الجانب النظري لقلة ما كتب فيه من قبل، واكتفى في غالب الأحيان بذكر كل عنصر ممثلا له بعديد من الأمثلة اللغوية، وبعبارة أكثر بيانا فلقد انتزع السيوطي الهيكل العام لطرق الأخذ والتحمل من بيئة المحدثين ووضعه في اللغة قالبا أجوف ثم صب فيه الأمثلة العديدة صبا، وكان الجدير به أن يعنى بالجانب النظري أكثر من ذلك، ولكن حسبه أنه السابق إلى تناول هذا الموضوع في اللغة.
والهدف من بحث الرجال وبحث الأسانيد تمييز الصحيح من المفتعل والمصنوع، وقد عني المحدثون بالموضوع من الأحاديث ونبهوا عليها، وألفوا فيها المؤلفات، وقد ألف فيها السيوطي كتابه «اللئالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» وألف فيها قبله عدد من أهل الحديث، ونبه عليه ابن الصلاح في مقدمته وبين كيفية الوضع والأسباب الداعية إليه، ومثل لذلك بما وضع على لسان ابن عباس وعلى لسان أبي بن كعب عن أحاديث فضائل القرآن سورة سورة «١».
وإذا كان الوضع قد عرف في الحديث للأسباب الداعية إليه، فإن هنالك أسبابا قد توفرت وحملت على الوضع والكذب في اللغة، ولا سيما في الشعر والأخبار، وقد حظي نقد الشعر والأخبار وتمييز صحيحها من زائفها بعناية أئمة اللغويين والعلماء منذ وقت مبكر وقد كتب ابن سلام الجمحي مقدمة قيمة في نقد الشعر وتمييز صحيحه من زائفه والتنبيه على المصنوع من الأشعار «٢»، كما أشار كثير من العلماء في كتبهم إلى ما وضع من الأشعار والأخبار، ونبهوا في
стр. 256
روايتهم للشعر على المصنوع منه، حتى روى عن يحيى بن سعيد القطان المحدث أنه قال: «رواة الشعر أعقل من رواة الحديث، لأن رواة الحديث يروون مصنوعا كثيرا، ورواة الشعر ساعة ينشدون المصنوع ينتقدونه ويقولون هذا مصنوع» «١».
ونظرا لما قدمنا فقد جعل السيوطي خاتمة المباحث المتصلة بالاسناد عنده في معرفة المصنوع «٢»، وقد نقل فيه عن ابن فارس ما روى عن الخليل من أن:
«النحارير ربما أدخلوا على الناس ما ليس في كلام العرب إرادة اللبس والتعنيت»، ثم نقل نقولا مستفيضة في هذا الموضوع عن ابن سلام وعن أمالي القالي وطبقات الزبيدي، ثم أتبع ذلك على عادته بكثير من الأمثلة للمصنوع من الأشعار، وله فضل جمع هذه المتفرقات ووضعها في مبحث يحمل اسمها، والواقع أن بحث المصنوع والتنبيه عليه أمر هام يخص اللغويين والنحويين الذين يحتجون بالروايات اللغوية في اللغة أو في النحو، فإذا ثبت لديهم كون بعض ما يحتجون به مصنوعا سقط الاحتجاج به.
ولم يفت السيوطي أن يجمع كذلك عددا من الألفاظ التي نبه اللغويون على أنها مصنوعة فمنها «عفشج» بمعنى ثقيل وقد ذكر الخليل أنها مصنوعة وغيرها من الأمثلة «٣».
وبختام هذا الفصل نكون قد عرضنا للمنهج العام الذي رسمه السيوطي لنقد الرواية اللغوية، وإذا كان ما عرضه يتناول الرواة والأسانيد فانه بذلك يتصل بالمرحلة الأولى والأهم من النقد وهي نقد السند أو ما سميناها بالنقد الخارجي، فماذا كان موقفه من نقد المتن؟
المرحلة الثانية: النقد الداخلي أو نقد المتن:
حظي نقد السند كما بينا بعناية بالغة من المحدثين ثم من اللغويين، وهذه
стр. 257
العناية كفيلة بأن توفر الثقة في المنقول إلينا بعد اجتيازه لمرحلة النقد السابقة، بيد أن كلتا البيئتين لم تقتصر- في الواقع- على هذه المرحلة، بل أتبعتها بمرحلة أخرى من النقد تتناول المنقول نفسه، وهي ما نسميه بنقد المتن.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن المسلمين قد اقتصروا في نقدهم على الأسانيد ولم يتناولوا المتون، وقد جازت هذه الفكرة إلى الشرق وتبعها أحمد أمين في كتابه ضحى الاسلام، وقد رد أمين الخولي على هؤلاء مبينا أن المسلمين اهتموا بنقد المتن كما اهتموا بنقد السند، ومن الأدلة على ذلك اعطاؤهم الحديث ألقابا اصطلاحية من صفات خاصة بالمتن دون السند كتسميتهم «الشاذ» و «المقلوب» و «المضطرب» و «مدرج المتن» و «المحرف» و «المصحف».
وكذلك وصفهم قواعد لنقد المتن تصل من الحرية العقلية إلى حد بعيد، وقد مثل لقيامهم بنقد متون بعض الأحاديث، ثم بين أن علم الحديث قسمان: علم الحديث دراية وهو
أصول الحديث، وعلم الحديث رواية وهو دراسة الحديث عند الفقهاء والمتكلمين والمفسرين، ولدى هذه البيئات نجد قيامهم بنقد المتن «١».
إذا كان هذا أمر نقد المتن في بيئة المحدثين فماذا كان من أمره في بيئة اللغويين وقد تبين لنا في المرحلة الأولى ترسم اللغويين- لا سيما السيوطي- لخطى أهل الحديث في قواعد النقد وأصوله؟ ثم ما الدور الذي قام به السيوطي في دراسة نقد المتن؟.
وقد حظي النظر في النصوص اللغوية ونقدها بعناية اللغويين والنقاد منذ وقت مبكر، وقرر ابن سلام أنه «ليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم فيشكل ذلك بعض الأشكال» «٢».
стр. 258
وهو بهذا يعني نظر النقاد في المتون اللغوية ونقدها نقدا داخليا بعد فحص الأسلوب وخصائصه فحصا يتبين لهم منه صحيحها من زائفها، وابن سلام يقرر أن ذلك إنما يدركه أهل البصر بالشعر «وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات منها ما تثقفه العين ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان» «١».
وقد تناول النحاة المادة اللغوية بالنقد، ونقدهم لها شبيه بصنيع علماء الحديث رواية من الفقهاء وغيرهم فيما يتصل بالحديث.
ويتمثل نقد النحاة في الترجيح بين الروايات، فإذا وردت روايتان مختلفتان لنص واحد فإن النقد يتناول حينئذ النص المروي وذلك بعرضه على الظواهر اللغوية المطردة والأصول المعروفة، فتقبل الرواية التي توافق المطرد، وترفض الأخرى، وذلك مثل أن يستدل الكوفي على إعمال «أن» مع الحذف من غير عوض بقول الشاعر:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فيقول له البصري: الرواية أحضر بالرفع وهو القياس «٢».
ويتناول اللغويون بالنقد الداخلي ما ينفرد به عربي ممن يحتج بقولهم، وفي هذه الحال ينظر فيما تفرد به القائل بعد التأكد من فصاحته وصحة الاحتجاج بقوله:
١ - «فإذا كان ما تفرد به مما يقبله القياس إلا أنه لم يرد به استعمال فان الأولى أن يحسن الظن به وأن يقبل» «٣».
٢ - «إن لم يكن القياس مسوغا له كرفع المفعول وجر الفاعل ورفع المضاف إليه فينبغي أن يرد، وذلك لأنه جاء مخالفا للقياس والسماع جميعا، فلم يبق له عصمة تضيفه، ولا مسكة تجمع شعاعه» «٤».
стр. 259
ونستطيع أن نجد أمثلة لهذا النقد الداخلي في حديث ابن جني عن أغلاط العرب ونجد إشارات كثيرة لدى غيره كلها يصف بعض المروي من الشعر وغيره من النصوص المعتمدة بالخطإ في اللفظ أو في التركيب أو في المعنى، وقد جمع السيوطي معظم هذه النصوص عند حديثه عن أغلاط العرب «١».
يتضح مما تقدم أن اللغويين قد عرفوا نقد المتن الذي يتناول المادة اللغوية نفسها بالنقد ويستطيع بوسائله المختلفة والمتنوعة أن يثبت صحة نسبتها إلى قائليها أو زيف هذه النسبة ويحدد بالتالي إمكان قبولها أو رفضها.
ولا نجد من اللغويين من خصص لهذه المرحلة من النقد بحثا نظريا منفصلا نستطيع منه وحده معرفة أصوله وقواعده، ولكن صدرت عنهم نصوص كالتي قدمناها يمكن منها التعرف على معالم هذا النقد وأصوله.
أما السيوطي فلم يفرد لهذا الموضوع بحثا منفصلا في كتابه، وإنما تضمنت مباحثه في بعض الأنواع التي قدمناها ما يتصل به، فقد نقل في حديثه عن المصنوع من اللغة بعض ما يتصل بالنقد الداخلي، وحين تناول المفاريد «٢» نقل عن ابن جني ما قدمناه من قبل فيما يتصل بهذه المرحلة من مراحل النقد.
ويبدو أن السيوطي قد اكتفى بالتعرض ضمنا لهذه المرحلة فلم يفرد لها قسما مستقلا لأنها متصلة بعدد من المباحث التي تناولها، والحقيقة أن تناول السيوطي لألفاظ اللغة في بعض المباحث التي سنتناولها فيما بعد كالفصيح والضعيف والمنكر والمتروك ونحوها، والغرائب والشواذ والنوادر، كل أولئك له صلة بالنقد الداخلي للرواية حيث أورد ما يتصل بفحص المنقول وبيان درجته من الفصاحة والاستعمال ومرتبته في اللغة، وتجنبا للاطالة فإننا سنشير إلى ذلك فيما بعد أثناء حديثنا عن ألفاظ اللغة عنده.
стр. 260
مفهوم اللغة عند السيوطي
نقل السيوطي حد اللغة في كتابه عن ابن جني الذي حدها بأنها «أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم» «١»، ونقل عن ابن الحاجب في تحديدها أنها «كل لفظ وضع لمعنى» «٢»، وعن الاسنوي أنها «الألفاظ الموضوعة للمعاني» «٢»، ولم يعقب بشيء على هذه الحدود ونحن نعتبر ذلك إقرارا منه لجميعها.
وليس هناك اختلاف بين هذه الحدود الثلاثة فليس اللفظ إلا مجموعة من الأصوات المتآلف بعضها إلى جانب بعض، ويبدو أن هذا التحديد للغة الذي عبر عنه ابن جني هو الذي يعكس لنا التصور الشائع للغة عند العرب فهو «أشد التصورات تأثيرا في نفوس الدارسين وفيما كتبوه عن طبيعة اللغة، بل كان الموجه فيما بعد لتطور التأليف اللغوي وتنوعه، وما عسى أن يكون فيه من شمول يربط بين اللغة وبين الاتجاهات المختلفة في دراستها» «٤».
وقد فهم السيوطي اللغة على أنها الألفاظ أو الأصوات الدالة على المعاني، وهو يشرح اللفظ بأنه «صوت معتمد على مقطع الفم» «٥»، وقد حاول أن يدرس العنصرين اللذين تتكون منهما اللغة وهما اللفظ والمعنى أو الأصوات والدلالات فتناول الألفاظ في ثلاثة عشر نوعا من كتابه ذكر أنها تبحث اللغة من حيث الألفاظ وتناول المعنى في ثلاثة عشر نوعا كذلك ونبه على أنها راجعة إلى اللغة من حيث المعنى.
стр. 261
واللغويون المحدثون يرون وظيفة اللغة في «أنها حلقة في سلسلة النشاط الانساني المنتظم، هي أنها جزء من السلوك الانساني، أنها ضرب من العمل وليس أداة عاكسة للفكر» «١»، وهم بذلك ينتقدون ما كان يراه اللغويون القدماء وبعض المحدثين أمثال سابير من أن اللغة وسيلة للاتصال أو التوصيل أو النقل أو التعبير عن طريق الأصوات الكلامية، وأن ما توصله اللغة أو تنقله أو تعبر عنه هو الفكر بما يحتويه من انفعالات ورغبات وغير ذلك «٢».
على أن انتقاد الرأي الشائع الذي يذهب إلى أن اللغة وسيلة لتوصيل الفكر لا يعتمد إلا على بعض المظاهر التي يرى فيها أصحابه أن الغرض الأساسي من استعمال اللغة ليس توصيل الفكر، أو بعبارة أكثر دقة لا يكون توصيل الفكر هو هدف اللغة، ويمثلون لذلك بالكلام الانفرادي وبلغة الصلاة والعبادة ولغة التحية واللعب بالأصوات وغير ذلك «٣»، بيد أن هذه المظاهر لاستعمال اللغة لا تخرج في حقيقة الأمر باللغة عن كونها ألفاظا متعارفا عليها تعبر عن معان متعارف عليها، فالذي يتحدث إلى نفسه يتحدث بلغة يفهمها وكأنه بذلك يعبر عن نفسه ويوصل أفكاره إليها، فالمتكلم والسامع هنا شخص واحد، وليست اللغة التي نستعملها في الصلاة أو العبادة أو التحية إلا ألفاظا معبرة عن معان معينة ومعروفة في جملتها، كما أنه ليس في تحديد اللغة بأنها أصوات أو ألفاظ معبرة عن المعاني ما يفهم منه اغفال وظيفتها الاجتماعية وهي ما حاول المحدثون التنبيه عليه والظهور بمظهر المستدركين له، فماذا كان مفهوم وظيفة اللغة عند اللغويين العرب ومنهم السيوطي؟.
لقد قدر اللغويون القدماء وظيفة اللغة في المجتمع وصلتها به حتى اعتبر المعتزلة وغيرهم أصل اللغات اصطلاحا بمعنى أن المجتمع هو الذي اصطلح وتعارف على اللغة، وحتى هؤلاء الذين قالوا بالتوقيف لا يطردون في كثير من المسائل مع مذهبهم الذي نادوا به ويرون أن التوقيف ليس معناه الحجر عليهم
стр. 262
حتى لا ينطق بسواه «١»، وهم بذلك يرون جواز الاصطلاح، وبعض من قال بالتوقيف يراه في بداية نشأة اللغة، أما في مراحل نموها فهي اصطلاح، والمحققون من القدماء يتوقفون في هذه المسألة فلا يقولون بالتوقيف ولا بالمواضعة.
وقد نقل السيوطي في بيان الحكمة الداعية إلى وضع اللغة ما يفيد تقدير المسلمين للوظيفة الاجتماعية للغة وإقراره لذلك فهو ينقل عن الكيا الهراسي أن اللغة إنما تنشأ في المجتمع وأن الانسان مدني بطبعه، والتوحش دأب السباع، وهو ينتهي إلى ما تنتهي إليه البحوث الحديثة من أن اللغة وظيفة انسانية وظاهرة اجتماعية «٢»، وهذا ما أكده بوضوح الفخر الرازي فيما نقله عنه السيوطي إذ يقول «السبب في وضع الألفاظ أن الانسان الواحد وحده لا يستقل بجميع حاجاته، بل لا بد من التعاون، ولا تعاون إلا بالتعارف، ولا تعارف إلا بأسباب كحركات أو إشارات أو نقوش أو ألفاظ توضع بإزاء المقاصد، وأيسرها وأعمها وأفيدها الألفاظ ... فلما كانت الألفاظ أيسر وأفيد وأعم صارت موضوعة بازاء المعاني «٣». والرازي بهذا يصل بين تحديد اللغة بالألفاظ الموضوعة للمعاني وبين وظيفة اللغة في المجتمع وصلتها به.
أما عن طبيعة اللغة فقد فهم اللغويون العرب لغتهم على أنها كائن حي متطور ولذلك فقد قدروا حاجتها إلى الاختراع والتوليد والاشتقاق بتجدد الحياة وتجدد المعاني،
كما تحدثوا عن الممات من الألفاظ والمولد منها وما ذلك إلا تقديرا لهذه الحياة الدافقة في اللغة، ودراستهم للمجاز تمثل إدراكا واعيا للتغير الدلالي، وهكذا فإنهم قد تناولوا مظاهر التغير اللغوي المتنوعة بما يعني إدراكهم لطبيعة اللغة.
وقد كان للمسلمين عناية تامّة بالدرس الصوتي باعتباره عاملا من أهم عوامل المحافظة على الأداء القرآني، ولقد تطورت هذه الدراسة على أيدي
стр. 263
القراء الذين كانوا نحاة في نفس الوقت، وكان للخليل أثر في تقدّم هذه الدراسة، ونتيجة لعنايته بالأصوات ومخارجها رتب معجمه «العين» ترتيبا صوتيا بحسب مخارج الحروف وتبعه في هذا الترتيب الصوتي صاحب التهذيب.
ولعلّ من آثار العناية بالدرس الصوتي ما ظهر عند السيوطي في محاولته الفصل في الدراسة بين الألفاظ والمعاني وإن كان هذا الفصل غير موفق في بعض الأحيان وسنبين ذلك في دراستنا للألفاظ والمعاني كما وضعها السيوطي.
стр. 264
الألفاظ
تناول السيوطي اللغة من حيث ألفاظها في ثلاثة عشر قسما أولها عن الفصيح وقد تناول الفصيح في قسمين أولهما باعتبار الألفاظ والثاني باعتبار المتكلم. وأهم ما يستلفت النظر في بحث الفصيح هو الآراء الصوتية القيمة التي عرفها اللغويون القدماء وتناولوا بها لغتهم، فقد حدّ البلاغيون الفصاحة في اللفظ بأنها «خلوصة من تنافر الحروف ومن الغرابة ومن مخالفة القياس اللغوي» «١»، ويبدو في عرض السيوطي لهذا المبحث أنه يميل إلى اختيار هذا الحد للفصاحة الذي ينظر إلى اللغة باعتبار صوتيتها، ولذلك نقل معنى التنافر وبينه كما نقل أن من شروط الفصاحة خلوص اللفظ من الكراهة في السمع «فإن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما تستلذ النفس بسماعه، ومنها ما تكره سماعه» «٢».
وهناك بالاضافة إلى ذلك شروط أخرى للفصاحة، وقد حاولت نقول السيوطي استيفاء هذا المبحث فعرض للضرائر وصلتها بالفصاحة، وللابتذال والغرابة، بيد أنه اعتنى بالآراء الصوتية عناية توضح ما سبق ذكره عن مفهومه للجانب الصوتي من اللغة، فهو ينقل عن ابن دريد آراء في ثقل الحروف وخفتها وصلة ذلك بمخارجها «٣»، فالحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت، وفي هذه النقول ما يمكن اعتباره قوانين صوتية في العربية فمنها أنه لا يكاد يجيء في الكلام ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، وأن أصعب ذلك حروف الحلق، ولا يمكن ائتلاف العين والحاء ...
إلى آخره، ويبدو أن السيوطي قد أحس بأنه يريد الاستدراك على ما سبق في
стр. 265
التآلف والتنافر فنقل عن صاحب عروس الأفراح أن التنافر إما أن يكون لتباعد الحروف جدا أو لتقاربها، وقد بنى قائل ذلك على الملاحظة الوصفية للغة حيث إن هناك ألفاظا حروفها متقاربة ولا تنافر فيها كلفظ الشجر والجيش والفم، وقد يوجد البعد ولا تنافر كلفظ العلم والبعد.
ثم ينقل عن ابن جني تقسيمه لتآلف الحروف ودرجات التآلف، وهو تقسيم دقيق إلى حد كبير، ثم ينقل عن ابن الأنباري ما يتصل بتآلف الحروف حسب مخارجها والمفاضلة بين الألفاظ في ذلك، ثم يتناول الحروف ويذكر أن أكثرها استعمالا الواو والياء والهمزة ثم يبين أن أخف الحروف ما استعملته العرب في أصول أبنيتهم من الزوائد لاختلاف المعنى، ثم ينقل السيوطي نقلا مستفيضا عن صاحب عروس الأفراح يبين فيه رتب فصاحة اللفظ باعتبار صوتي يتمثل في تآلف حروفه، فإن الكلمة تخف وتثقل بحسب الانتقال من حرف إلى حرف، ثم يعدد اثني عشر قسما للكلمة الثلاثية أولها الانحدار من المخرج الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو «ع د ب»، ويعدد بقية أنواع التآلف ثم يصل من ذلك إلى ما يشبه القوانين الصوتية فيذكر أن أحسن التراكيب وأكثرها استعمالا ما انحدر فيه من الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى، ثم ما انتقل فيه من الأوسط إلى الأدنى إلى الأعلى ثم من الأعلى إلى الأدنى إلى الأوسط، ثم يبين صلة بعض هذه التآليف بكثرة الاستعمال وقلته «١».
وهناك غير ما قدمنا من النقول التي استطلنا أن نتناولها بالعرض والدراسة، فما أقصد إليه هو بيان أن العرب قد فهموا اللغة كما قدمنا على أساس أنها أصوات تعبر عن المعاني وأن النظام الصوتي للغة له أحكام وقوانين تنتظمه، وأن لكل لغة خصائص صوتية مميزة، وعرض السيوطي لهذا البحث يدل على عنايته الكبيرة بالناحية الصوتية في دراسة الألفاظ، ويؤيد ما ذكرنا عن مفهومه الصوتي للغة.
ويتضح الاهتمام بالناحية الصوتية في الحديث عن فصاحة الناطقين باللغة،
стр. 266
فقد فضلت قريش على غيرها من القبائل بخلو لغتها مما اعتبره اللغويون عيوبا صوتية فليس في كلامهم «عنعنة تميم ولا عجرفية قيس ولا كشكشة أسد ولا كسكسة ربيعة ولا كسر أسد وقيس» «١».
وإذا كانت هناك درجات للفصاحة في الألفاظ فلا بد أن يكون من الألفاظ ما لم يبلغ درجة الفصاحة، وقد تناول السيوطي هذه الألفاظ في المبحث التالي تحت اسم «الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات»، فالضعيف ما انحط عن درجة الفصيح، والمنكر أضعف منه وأقل استعمالا بحيث أنكره بعض أئمة اللغة، ولم يعرفه والمتروك ما كان قديما من اللغات ثم ترك واستعمل غيره» «٢».
وقد أورد لكل منها أمثلة عديدة، ويعنينا هذا المبحث في تأكيد ما سبق أن قلناه عن النقد الداخلي للنصوص وهو النظر في المنقول نفسه وقبوله أو رده أو تضعيفه حسب بعض الاعتبارات اللغوية، وتناول المتروك يدل على فهم اللغة على أنها كائن حي متطور تتعرض ألفاظها لعوامل الحياة والفناء التي تعتري الكائن الحي. وقد نبه في آخر الفصل على الفرق بين الضعيف من حيث اللفظ وبين الضعيف من حيث الاسناد وهو الذي تناوله من قبل بما يدل على تمييزه بين نقد السند وبين نقد المتن واحتفاله أيضا بنقد المتن حيث يقول: «الفرق بين هذا النوع وبين النوع الثاني أن ذاك فيما هو ضعيف من جهة النقل وعدم الثبوت، وهذا فيما هو ضعيف من جهة عدم الفصاحة مع ثبوته في النقل، فذاك راجع إلى الاسناد وهذا راجع إلى اللفظ» «٣».
ثم يظهر الاعتبار الصوتي مرة أخرى حين يتحدث عن الرديء المذموم من اللغات، فالعيوب الصوتية التي تظهر لدى بعض القبائل العربية في الأداء اللغوي والتي خلت منها لغة قريش جعلت اللغويين يستكرهون ما يظهر منها في الأداء ويعدونه مذموما، وقد عقد ابن فارس من قبل فصلا عن اللغات المذمومة «٤»، قاصدا بها العيوب الصوتية التي تظهر في الأداء كالعنعنة عند تميم
стр. 267
وهي قلب الهمزة عينا، والكشكشة عند أسد وهي إبدال الكاف شينا كإنشادهم:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... ولونش إلا أنها غير عاطل
وغير ذلك من العيوب الصوتية المعروفة التي نبه عليها ابن فارس ودرج اللغويون منذ وقت مبكر على التنبيه عليها.
عد السيوطي ما يظهر من هذه العيوب في الأداء من اللغات الرديئة وقد أورد حديثا مفصلا عن هذه العيوب عن اللغويين السابقين يتضمن أمثلة توضح هذه العيوب، وقد تضمن الفصل الذي عقده إشارة إلى حديث ابن فارس الذي بيناه.
بيد أن جانبا آخر من الرديء يقوم اعتباره وضعه في هذا القسم على ما سبق أن أشرنا إليه صدد النقد الداخلي للنصوص أو للألفاظ، فيوصف اللفظ بأنه رديء إذا كان في لغة قليلة وقد شاع لفظ من قبيله ونطق به عدد كبير من المتكلمين، وقد ذكر السيوطي عددا كبيرا من الأمثلة لهذا القسم جمعها من شتى مصنفات اللغة السابقة فمنها يقال: هو أخير منه في لغة رديئة، والشائع هو خير منه بلا همز، وقال الخليل: أغلطني لغة تميمية قبيحة في أفلتني، وتقول رابني الرجل، وأما أرابني فإنها لغة رديئة «١».
وعلى ذلك وضع السيوطي رتبا للألفاظ وتناولها تحتها وهي بالتدريج الأفصح فالفصيح ثم الضعيف فالمنكر ثم الرديء، وهذا التصنيف يقوم على اعتبارات تتصل بالأصوات أو بالنقد الداخلي للألفاظ، ويأتي في رتبة الضعيف ما تناوله السيوطي في قسم آخر تحت عنوان «الحوشي والغرائب والشواذ والنوادر» «٢»، فقد ذكر أن «هذه الألفاظ متقاربة وكلها خلاف الفصيح» «٢»، والواقع أن اللفظ يمكن أن يوصف بأكثر من واحد من هذه الأوصاف فيمكن أن يوصف الحوشي بأنه غريب وبأنه نادر أيضا، فهذه الأقسام متداخلة والتفرقة بينها لا تكاد تتميز، وقد
стр. 268
مثل السيوطي لكل من هذه الأقسام بعدد من الأمثلة ويبدو أن محاولته محاكاة أهل الحديث في مصطلحاتهم هي التي دفعته إلى التمييز بين هذه الأقسام على نحو ما يفعل المحدثون، على حين أن اللغويين في تعبيراتهم لم يراعوا على ما يظهر الفرق بين بعضها وبين بعض، ونلاحظ خلطهم بين هذه الأوصاف أو المصطلحات إلى حد كبير، فمنهم من يسمى الشاذ نادرا ومنهم من يسميه قليلا ومنهم من يسميه منكرا والحوشي والغريب بمعنى واحد كما نص على ذلك السيوطي وقد بين أن الحوشي هو ما نفر
عن السمع فحده يرجع إلى اعتبارات صوتية، والشوارد بنفس المعنى.
ويبدو الاعتبار الصوتي واضحا في دراسة «المستعمل والمهمل» «١»، فقد نقل السيوطي في أوائل كتابه عن ابن دريد والخليل والزبيدي عدة أبنية الكلام التي أحصاها اللغويون بطريقة رياضية في تآلف الحروف ثم أحصوا بعد ذلك المستعمل منها والمهمل «٢»، وقد أشار في حديثه عن المستعمل والمهمل إلى ما أورده من قبل، ثم أخذ يورد النقول التي تدرس الاستعمال والإهمال فنقل عن ابن فارس وابن جني ما يعلل الاهمال في جملته بالاستثقال، وقد تناولت نقوله بعض الظواهر الصوتية التي تسود العربية فهناك حروف لا يجوز ائتلافها كالجيم مع الكاف، والعين مع الغين والحاء مع هاء أو غين .. إلى غير ذلك من التفصيلات التي أوردوها وعللوا بها ما أهمل من الألفاظ والأبنية.
وقد تناول السيوطي «المعرب» «٣» وهو الألفاظ الأعجمية التي استعملها العرب الفصحاء في لغتهم في مبحث مستفيض نقل فيه خلاصة أقوال السابقين من اللغويين التي تتحدث عن وقوع المعرب في القرآن الكريم، ثم تناول الألفاظ المعربة بالتقسيم فمنها ما غيرته العرب وألحقته بكلامها كدرهم، ومنها ما غيرته ولم تلحقه مثل آجر وسفسير، وهناك ملاحظات يمكن بها الحكم على اللفظ بأنه غير عربي تتصل بتآلف الحروف، أي أنها من الخصائص الصوتية التي تنفرد بها
стр. 269
العربية وتميزها عن غيرها من اللغات، فاجتماع الجيم والقاف في لفظ يفيد أنه غير عربي كالمنجنيق، وخلو الخماسي والرباعي من أحرف الذلاقة وهي الباء والراء والفاء واللام والميم والنون يفيد أنه غير عربي، وأمثال هذه الملاحظات، ثم تناول طريقة العرب في تعريبها وكيفية نقلها للأعلام الأعجمية والألفاظ إلى لغتها، والحروف التي يطرد إبدالها والتي لا يطرد ابدالها، ثم مثل بعديد من الأمثلة للمعرب الذي ليس في لغة العرب ألفاظ مماثلة له، ثم للمعرب الذي له اسم في لغة العرب، ثم للألفاظ التي شك في أنها معربة أو عربية الأصل كما نقل أن المعرب غير مشتق، بينما يصح الاشتقاق منه كما وقع في كلمة «لجام» واشتقاقاتها العديدة، هذا في غير الأعلام، أما الأعلام فلها أحكام تختص بها في الجمع والتصغير.
وقد حاول المجمعيون أن يفيدوا من مسلك القدماء في التعريب فيما يبغونه من التوسع اللغوي ونقل بعض الألفاظ الأعجمية التي نستعملها إلى العربية بعد تغييرها على طريقة التعريب عند القدماء، وانتهوا من ذلك إلى قرار باجازة استعمال «بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب في تعريبهم» «١».
ولاتصال هذا الموضوع بحياة اللغة وزيادة ثروتها، ونظرا للحاجة الماسة إليه فيما يتصل بالمصطلحات العلمية، فقد دارت في الحديث حوله بحوث عديدة ومن أهم ما وضع فيه كتاب المصطلحات العلمية، فقد دارت في الحديث حوله بحوث عديدة ومن أهم ما وضع فيه كتاب المصطلحات العلمية لمصطفى الشهابي، وقد قدم له بمقدمة ذكر فيها طريقة القدماء في تعريب المصطلحات ودعا إلى اتباعها في وضعه المصطلحات الحديثة «٢».
وإذا كانت الألفاظ الدخيلة التي حظيت باستعمال العرب الفصحاء في لغتهم قد عرفت بالألفاظ المعربة فإن جانبا من هذا الدخيل قد استحدث بعد عصر
стр. 270
الاحتجاج على ألسنة المولدين فنعته اللغويون باسم «المولد» تمييزا له عن النوع السابق الذي لم يدفعوا صحة استعمال ما ورد منه في اللغة، وهذه التفرقة تبين لنا أن جمهور اللغويين يذهبون إلى أن المعرب سماعي، أي يصح استعمال ما استعمله منه الفصحاء، ولا يجوز القياس عليه وقد تبين أن هذا الموقف المتشدد قد خرج عليه كثير من الكتاب والمترجمين في العصر العباسي، وأجاز المجمع أخيرا القياس فيه على طريقة العرب في التعريب.
وقد تناول السيوطي «المولد» في مبحث مستفيض وحده بأنه «ما أحدثه المولدون الذين لا يحتج بألفاظهم» «١»، وعلى ذلك فهو يعم الألفاظ الدخيلة ويعم غيرها مما استحدث على ألسنة المولدين ولم تستعمله العرب، أي ما أصابه تحريف صوتي أو دلالي، كما يدخل فيه ما نقله المولدون بطريق التجوز أو الاشتقاق عن معناه الوضعي اللغوي الذي عرف به عند العرب الخلص إلى معنى آخر تعورف عليه إما بين عامة الناس وإما بين خاصة منهم كطوائف أرباب العلوم وغيرهم.
وبحث الألفاظ المولدة من أهم البحوث التي شغلت اللغويين العرب على مر العصور ذلك أن اللغة بطبيعتها كائن حي متطور، وهذا التطور يحدث في الألفاظ من ناحيتي الصوت والدلالة، وقد حاول اللغويون العرب أن يقفوا في وجه هذا التطور الذي كان يحدث آثاره في لغة الأمصار الاسلامية بعد اختلاط العرب بالأعاجم، حيث أخذت الألفاظ المحرفة عن الفصحى في الظهور، وبدا أثر التطور الدلالي في جانب آخر من الألفاظ، حتى غدت الأمصار الاسلامية في منتصف القرن الثاني تنطق بلغة بعيدة ومتميزة عن لغة أهل البادية، وعن اللغة التي نطق بها العرب الأولون.
حاول اللغويون جاهدين أن يقفوا في وجه هذا التطور حفاظا على لغتهم التي نزل بها القرآن الكريم فكان التحديد المكاني والزماني للاحتجاج الذي كان مبعثه الأول تطرق الخلل إلى التصرف الاعرابي المتكامل الذي احتفظت به
стр. 271
العربية، ثم كان تطرق الخلل إلى الألفاظ والأساليب عاملا آخر، ويكفي أن نحيل هنا إلى دراسة فكرة تنقية اللغة العربية لدى اللغويين التي بسطها يوهان فك، وعرض فيها لتطور هذه الفكرة مبينا مواقف اللغويين من هذه الألفاظ التي أخذت في الظهور «١».
ونعود إلى السيوطي فنراه قد نقل عديدا من الأمثلة عن كتب اللغة تشمل أنواع الألفاظ المولدة فمنها ألفاظ أعجمية، ومنها ألفاظ عربية محرفة في أدائها الصوتي أي في ألفاظها ومنها ألفاظ عربية محرفة في معناها، ومنها بعض اشتقاقات وتصرفات في ألفاظ لم يسمع من العرب نطقهم بها، ويبدو من هذا أن السيوطي يتوسع في إطلاق صفة «المولد» على كثير من الألفاظ، وقد دلل على رأيه بما نقله عن ثعلب في أماليه من أن التغيير هو كل شيء مولد، وعلى ذلك فقد استنتج ضابطا هاما هو أن «كل لفظ كان عربي الأصل ثم غيرته العامة بهمز أو تركه أو تسكين أو تحريك أو نحو ذلك مولد» «١»، ثم قال: «وهذا يجتمع منه شيء كثير» «٣».
وعلى هذا فقد ألحق بالمولد ما يهمز من الأفعال والعامة تدع همزه نحو:
طأطأت رأسي وأبطأت .. إلى آخره، وما يهمز والعامة تبدل الهمز فيه أو تسقطه نحو آكلت فلانا ولا يقال واكلته، وما لا يهمز والعامة تهمزه نحو رجل عزب، وخير وشر، وما يشدد والعامة تخففه مثل الأترجّ والإجّاص، وما يخفف والعامة تشدده كالرباعية للسن والكراهية، وما ورد ساكنا والعامة تخففه، أو ما يبدلون فيه حرفا بحرف إلى غير ذلك من الأمثلة التي نقلها عن السابقين.
ويتضح مما تقدم أن الأخطاء الشائعة في الألفاظ سواء في دوائر المثقفين أم غيرهم مما يدخل في هذا المبحث، ونظرا لأهميته في اللغة وصلته بتطورها وحياتها فقد تناوله المجمعيون بالبحث وانتهوا فيه إلى أنه قسمان: قسم جرى فيه
стр. 272
المولدون على أقيسة كلام العرب من مجاز أو اشتقاق أو نحوهما كاصطلاحات العلوم والصناعات وغير ذلك، وحكمه أنه عربي سائغ، وقسم خرجوا فيه عن أقيسة كلام العرب إما باستعمال لفظ أعجمي لم تعربه العرب،- وقد صدر عن المجمع في شأن هذا القسم قرار خاص-، وإما بتحريف في اللفظ أو في الدلالة لا يمكن معه التخريج على وجهه صحيح، وإما بوضع اللفظ ارتجالا، والمجمع لا يجيز النوعين الأخيرين في فصيح الكلام «١».
ومما يدخل في مباحث التطور الدلالي ما تناوله السيوطي في اللغة من حيث ألفاظها وهو الألفاظ الاسلامية «٢»، ذلك أن الاسلام قد شاع فيه استعمال بعض الألفاظ في معان خاصة تتعلق بالعبادة أو المعاملات أو غير ذلك من شئون الدين كالصلاة والزكاة والصوم والحج، والمؤمن والكافر والمنافق والفاسق، والركوع والسجود وأمثالها من الألفاظ التي كانت تحمل دلالات عامة ثم خصص الاسلام دلالاتها. فالصلاة في الأصل الدعاء، ثم شاع استعمالها في الاسلام للعبادة المعروفة لاشتمالها على الدعاء حتى أصبح اللفظ عند إطلاقه لا يدل على غير هذا المعنى الخاص والحج معناه القصد ثم خصص بقصد البيت الحرام لتأدية الفريضة المعروفة في الاسلام.
وقد قدر اللغويون منذ القدم هذا النوع من أنواع التطور الدلالي الذي يخصص مدلولات الألفاظ، فتحدث عنه ابن فارس حين تناول الأسماء الاسلامية، ومثل للألفاظ التي خصصت مدلولاتها، وذكر أن هذه الألفاظ مثلها مثل مصطلحات المعلوم كالنحو والعروض والشعر، وقد نقل السيوطي عن ابن فارس ما يتصل بهذا الموضوع كما نقل عنه حديثه عن الألفاظ التي هجر استعمالها بمجيء الاسلام، ذلك أن الاسلام قد أبطل كثيرا من نظم الجاهلية وأفكارها وتقاليدها فأمات بذلك كثيرا من الألفاظ التي كانت مستعملة في الدلالة عليها، كما كره استعمال ألفاظ أخرى أو حرم استعمالها لتنافيها مع روح الاسلام ومبادئه وقد قدر اللغويون القدماء ذلك وهو من قبيل ما يتناوله
стр. 273
المحدثون حين يدرسون التغييرات الدلالية التي تصاحب الثورات «١»، وبالرغم من صلة البحث هنا بالمعنى أكثر من اللفظ فقد وضعه السيوطي في قسم الألفاظ ونظرته إلى هذه الألفاظ وهي نتاج التغيير الدلالي بعوامله المعروفة نظرة تكتفي بجانب واحد دون البحث فيما يتصل به من جوانب أخرى.
وقد نقل ما يتصل ببحث هذه الألفاظ عن الأصوليين، ثم اجتهد في نقل أمثلة كثيرة لها مخصصا جانبا من هذه النقول للألفاظ التي استحدثها الرسول ﷺ ولم يتكلم بها أحد من قبله كقوله: «مات حتف أنفه» و «لا ينتطح فيها عنزان» و «حمى الوطيس» وأمثال هذه العبارات التي لم تسمع من أحد قبله، كما نقل بعض العبارات التي سمعت عن بعض الصحابة أو التابعين ولم تسمع قبل ذلك، وهذا يدل على ما قلناه من تقديرهم للتطور اللغوي.
وقد تناول السيوطي في مبحثين منفصلين ما يتصل باللهجات العربية، فضلا عما يتصل ببحثها من نقول متناثرة في غيرهما، وأولهما عن مختلف اللغة حيث عرض أنواع
الائتلاف بين اللهجات التي سبق لابن فارس أن حصرها في سبعة عشر وجها «٢»، وقد نقلها عنه السيوطي «٣»، ثم نقل ما يتصل بحجية اللهجات في الاحتجاج اللغوي عن ابن جني وابن فارس وغيرهما، ثم ما يتصل بمن تنتقل لغته حيث يكون الاحتجاج بعد النظر فيما انتقل إليه لسانه من اللغة، فإن كان فصيحا مثل لغته أخذ بها وإن كان فاسدا لم يؤخذ وأخذ بالأولى.
كما نقل عن ابن فارس ما يتصل بالصور التي يمكن أن ترد بها الألفاظ تبعا لاختلاف اللهجات، فمن الألفاظ ما فيه لغتان كالحصاد والحصاد بالكسر والفتح في الحرف الأول، وفيها ما فيه ثلاث كالزجاج بالفتح والضم والكسر في الحرف الأول، ومنها ما فيه أربع كالصّداق بكسر الصاد وفتحها والصّدقة بفتح الأول والثاني في لغة وضمهما في أخرى، ومنها ما فيه خمس أو ست نحو
стр. 274
قسطاس، ولا تكون الزيادة عن ست لغات في اللفظ الواحد، ثم نقل السيوطي عن ابن فارس تقسيمه للألفاظ بحسب ما ورد فيها من اختلاف أو عدمه إلى أقسام أربعة: أولها المجمع عليه الذي لم يرد فيه اختلاف كالحمد والشكر وهو الأكثر، والثاني ما فيه لغتان وأكثر إلا أن إحدى اللغات أفصح، والثالث ما فيه لغتان أو ثلاث أو أكثر وهي متساوية، والرابع ما فيه لغة واحدة إلا أن المولدين غيروه وشاع فيه استعمال المحرف.
والمبحث الآخر تناول فيه تداخل اللغات «١» وهو يبحث ما يرد على ألسنة من يحتج بهم من اختلاف في اللفظ الواحد، ومرد ذلك إلى التوسع في القول أحيانا، والغالب أن يرجع إلى اختلاف لهجات العرب التي اعتبر اللغويون أن جميعها حجة في الأخذ عنها، والتي ذكروا أن الناطقين قد تعاوروها بعد انتشارها، وهذا المبحث هام في تفسير ما يرد على غير القياس في بعض التصريفات والاشتقاقات التي يستعملها الناطقون، ومرجع ذلك إلى تداخل اللغات فنحو قلى يقلى بفتح اللام في الماضي والمضارع ماضيه من لغة ومضارعه من لغة أخرى تخالف الأولى في النطق بالماضي فمن يقول قلي بالكسر في الماضي يقول يقلي بالكسر في المضارع والذي يقول يقلى بفتح اللام يقول قلى في الماضي، وكذلك الأمر في سلا فحدث تداخل بين اللغات نشأ عنه لغة ثالثة «٢».
وقد اعتمد السيوطي على ابن جني في عرض الفكرة السابقة ثم أورد أمثلة للتداخل في اللغة الناتج عن اختلاف اللهجات نقلا عن بعض كتب اللغة الأخرى.
стр. 275
المعنى أو الدلالة اللغوية
بعد أن عرضت لمفهوم السيوطي للغة وتطبيقه هذا المفهوم في دراسة الألفاظ نحاول هنا بيان تطبيقه لهذا المفهوم فيما يتصل بالمعنى، وقد تناول السيوطي اللغة من حيث المعنى في ثلاثة عشر نوعا سبق لنا تناول بعضها وبقي جانب آخر نحاول تناوله في هذا المبحث.
وقضية المعنى وتحديده قد شغلت المفكرين من اللغويين وغيرهم منذ عصور بعيدة في كثير من اللغات، ولعل من أوفى ما يتعلق بالمعنى اللغوي من حيث تحديده ودراسته ما أنتجته بيئة الأصوليين.
وفي العصر الحديث عرفت دراسة المعنى باسم علم الدلالة Semantics , وهو فرع من فروع علم اللغة يعد كما يقولون: «غاية الدراسات الصوتية والفونولوجية والنحوية والقاموسية» «١»، ودرس هؤلاء التطور الدلالي وعوامله، وظهرت مناهج لدراسة المعنى اتجهت أخيرا إلى محاولة إدراك الظروف الخارجية التي تعين على تغير المعنى، بيد أنه من الانصاف أن نؤكد القول بأن كثيرا مما توصل إليه علم الدلالة «لم يصل بعد في دقته وضبطه وعمومه إلى المستوى الذي يستحق فيه اسم القوانين» «٢».
ولما كان اللغويون المحدثون يفصلون في بحث اللغة بين الظواهر المتعلقة بالأصوات وبين الظواهر المتعلقة بالمعنى، بالإضافة إلى الظواهر البنيوية والتركيبية على نحو ما هو معروف في مستويات الدرس اللغوي الحديث، ولما كان القدماء لا يحددون البحث في اللغة هذا التحديد القاطع فقد حدث عندهم
стр. 276
خلط في بعض الأحيان بين موضوعات هذه المستويات بالرغم من إدراكهم للفروق بين هذه الأفرع الدراسية، وقد اقترب السيوطي من هذا التقسيم حين تناول الأبحاث المتصلة باللفظ في أقسام محددة، والمتصلة بالمعنى في أقسام أخرى ونبه على هذا التقسيم، بيد أننا وجدناه في بعض الأحيان يتناول ما يتصل بالدلالة في مباحث الألفاظ، ونراه هنا يورد بعض الأقسام التي كان من واجبه أن يضمها إلى مباحث الألفاظ، لا سيما تلك الأقسام التي تتعلق بالأصوات، فقد عد من الأنواع التي تبحث اللغة من حيث
المعنى الابدال والقلب في حين أنهما مبحثان يتصلان بصوتية اللغة أي بألفاظها، كذلك تناول تحت اسم المعنى البحث في خصائص اللغة وفيه ما يدخل في المعنى، وما هو خارج عنه وقد أشرنا إلى تناوله لبعض المباحث التي كانت ألصق بالمعنى في قسم الألفاظ فيما سبق.
تحدث السيوطي عن «خصائص اللغة» «١»، وهو حديث عام يشمل كثيرا من ظواهر العربية ويصفها وصفا دقيقا، ويعرض خصائصها التي تميزت بها، وهي خصائص صوتية ودلالية وإعرابية وصرفية وأسلوبية وتركيبية، وقد نقل هذه الخصائص عن الصاحبي لابن فارس فأورد عدة أبواب منها ما سماه ابن فارس بسنن العرب في كلامها، ونقل عن غيره بعض الأمثلة للمحاذاة في الألفاظ أو ما يسمى بالازدواج كقولهم الغدايا والعشايا فإذا أفردوا لم يقولوا الغدايا، وكذلك هنأني ومرأني إذا أفردوا قالوا: أمرأني، فالمزاوجة في الكلام هي سب بعض التغيير الذي يطرأ في بعض الألفاظ.
كما نقل بعض الخصائص عن ديوان الأدب للفارابي وأضاف إليها حديث الزمخشري عن الكنى باعتبارها مما اختص به العرب.
وفي «الابدال» «٢»، وقد بينا أن صلته باللفظ أكثر من صلته بالمعنى إذ لا يعدو أن يكون ظاهرة صوتية تعتري الألفاظ فيرد اللفظ منطوقا بحرفين متقاربين
стр. 277
كقولهم مدحه ومدهه، وجذوت وجثوت، وفرس رفّل ورفّن للذي طال ذنبه ..
إلى غير ذلك، وقد ألف فيه أبو الطيب اللغوي وابن السكيت، وقد ذهب أبو الطيب إلى أن الابدال لغات مختلفة لمعان متفقة تتقارب اللفظتان في لغتين لمعنى واحد، واستدل على ذلك بأن القبيلة الواحدة لا تتكلم بكلمة طورا مهموزة وطورا غير مهموزة ولا بالصاد مرة وبالسين أخرى وهلم جرا على حين أن غيره من اللغويين لا يرى منشأ الابدال في اختلاف القبائل، وإنما قد يقع في القبيلة الواحدة، وهناك من الحروف ما يتعاقب في بعض الألفاظ مثل الراء واللام، وسواء أكان الأمر هذا أم ذاك فإن هذه الألفاظ من اللغة الصحيحة التي يتعاورها الجميع ولا يخطأ أحد في استعمالها لأنهم قرروا اختلاف اللغات مع كونها حجة، ومن ثم فقد أورد السيوطي عددا كبيرا من أمثلة الابدال بين الحروف، وقد نقل جلها عن كتاب الابدال لابن السكيت، ثم نقل ما يشير إلى أن بعض اللغويين قد حاول أن يصل إلى بعض القوانين التي تحكم ظاهرة الابدال، ثم أشار إلى الخلاف بين اللغويين والنحويين إزاء هذه الظاهرة حيث يعمم اللغويون الابدال في معظم الحروف بينما يقصر النحويون الابدال على حروف «طال يوم أنجدته».
ويتصل ببحث الابدال ما تناوله السيوطي باسم «ما ورد بوجهين بحيث يؤمن فيه التصحيف» «١»، كالذي ورد بالباء والتاء أو بالباء والثاء أو بالتاء والثاء إلى آخره، وقد مثل له بأمثلة تحيط بصنوف هذا الابدال فمما ورد بالباء والتاء قولهم: رجل صلب وصلت بمعنى واحد، وبالباء والثاء البرى والثرى: التراب إلى غير ذلك من أمثلة.
ويتصل به كذلك «ما ورد بوجهين بحيث إذا قرأه الألثغ لا يعاب» «٢»، كالذي ورد بالراء والغين أو بالراء واللام، أو بالزاي والذال، أو بالسين والثاء ... إلى آخره، ومعظم أمثلته يتردد ناقلوها في كونها لغة أو لثغة، فهي قد
стр. 278
صح نقلها عن العرب وسمعت منهم، ولكن التردد ناتج عن عدم التمكن من بحث حال القائل، فمن أمثلته اللهث لغة في اللحت أو لثغة، وفلان من جنتك ومن جنسك أي من أصلك لغة أو لثغة وهكذا، وقد اجتهد السيوطي في كلا النوعين في ذكر عدد كبير من الأمثلة وكأن مراده استقصاؤها.
ويتناول موضوع «القلب» «١»، الذي نراه ألصق بمباحث الصوت واللفظ منه بمباحث المعنى، فينقل عن ابن فارس أنه من سنن العرب كقولهم جذب وجبذ ثم نقل كثيرا من الأمثلة عن الجمهرة لابن دريد مثل ربض ورضب، وصاعقة وصاقعة وسحاب مكفهر ومكرهف، وطريق طامس وطاسم وهلم جرا، كما نقل عن غير الجمهرة أمثلة يستزيد بها على ما سبق نقله، ويختتم حديثه عن القلب بما يشبه القانون الذي حاول النحاة وضعه لمعرفة المقلوب من غيره، فينقل عن السخاوي في شرح المفصل أنهم: «إذا قلبوا لم يجعلوا للفرع مصدرا لئلا يلتبس بالأصل، بل يقتصر على مصدر الأصل ليكون شاهدا للأصالة نحو يئس يأسا، وأيس مقلوب منه ولا مصدر له، فإذا وجد المصدران حكم النحاة بأن كل واحد من الفعلين أصل وليس بمقلوب عن الآخر نحو جبذ وجذب، وأهل اللغة يقولون إن كل ذلك مقلوب» «٢». وما يذهب إليه اللغويون من القول بأن جميع ذلك مقلوب هو ما تسنده الملاحظات الصوتية الحديثة في علم الأصوات اللغوية فيما يعرف بتفاعل أصوات الكلمة «٣».
ومما يتصل باللفظ أكثر من اتصاله بالمعنى وتناوله السيوطي في مباحث المعنى «النحت»، وقد تناوله مقدرا على ما يبدو ما قدره بعض المحدثين- فيما بعد- الذين جعلوه قسما من أقسام الاشتقاق فتلك صلته بالمعنى.
وقد عرض هذا المبحث ناقلا عن الصاحبي باب النحت ثم أشار إلى ما ألفه الظهير العماني الفارسي في النحت وأورد نقولا أخرى بها أمثلة وحديث عن النحت، ويتضح من هذه النقول أن أكثر المتوسعين في القول بالنحت ابن
стр. 279
فارس الذي يعد أكثر الزائد عن الثلاثي من المنحوت كقولهم للرجل الشديد ضبطر من ضبط وضبر.
بيد أن ابن فارس بالرغم من ذلك لم يؤثر عنه القول بقياسية النحت موافقا في ذلك مذهب جمهور اللغويين والنحاة الذين يقفون عند الوارد عن العرب ولا يجيزون القياس في غيره.
وقد أورد ابن فارس كثيرا من الأمثلة لما زاد على ثلاثة أصول وقال فيه بالنحت في كتابه معجم المقاييس، وبالرغم من ذلك فقد اكتفى السيوطي بما نقله عنه من كتاب الصاحبي مؤثرا ذكر ما شاع في بيئة اللغويين من عدم التوسع في القول بالنحت والتمثيل له بأمثلة إن كثرت فهي لا تزيد على ستين مثالا، بينما أورد ابن فارس في مقاييس اللغة نحو ثلاثمائة مثال «١».
ويتناول السيوطي ظواهر اللغة المتصلة بالمعنى ويتحدث عن كل منها في مبحث مستقل فيتحدث عن «الاشتقاق» «٢»، ويتضح من نقوله التي أوردها عن ابن فارس أحد معاني الاشتقاق المتمثلة في كونه ظاهرة لغوية مؤداها أن هناك صلة في المعنى بين الألفاظ المشتركة في الحروف وهيئة التركيب فالجن مشتق من الاجتنان، وهذه الفكرة هي التي بنى عليها ابن فارس معجم المقاييس حيث يورد أصلا أو أصلين للمادة اللغوية ثم يرد إلى هذين الأصلين جميع المشتقات من هذه المادة ويبين المناسبة في المعنى بين المشتق والأصل وهو ما يسميه بالفرع والأصل، ويعد ابن فارس هذا الاشتقاق غير قياسي.
والمعنى الثاني للاشتقاق هو ما تناوله ابن جني في مقدمة الخصائص أيضا حيث حاول أن يرد الكلمات المشتركة في مادة واحدة دون مراعاة لهيئتها إلى أصل واحد، ولم يطبقه ابن جني إلا في أمثلة محدودة لا يمكن طردها في سائر مواد اللغة ولذلك فهو غير معتمد عند اللغويين.
стр. 280
والمعنى الثالث للاشتقاق هو «أخذ صيغة من أخرى مع اتفاقهما معنى ومادة أصلية وهيئة تركيب لها ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة لأجلها اختلفا حروفا أو هيئة، كضارب من ضرب وحذر» بكسر الذال «من حذر» «١».
وقد نقل السيوطي ما حاوله صاحب شرح التسهيل من الوصول إلى بعض القوانين التي تحكم الاشتقاق بمعناه الأخير، فالتغييرات بين الأصل المشتق منه والفرع المشتق خمسة عشر، وهناك وجوه يرجح بها رد الكلمة إلى أصل دون أصل إذا ترددت بينهما، ثم هناك ملاحظات أخرى تتصل باشتقاق الأعلام والأصل في الاشتقاق وغير ذلك فضلا عن الخلاف حول تقسيم الكلام إلى مشتق وغير مشتق وذهاب الجمهور إلى صحة هذا التقسيم.
والواقع أن البحث في الاشتقاق بأنواعه المختلفة إنما هو بحث في الدلالة اللغوية المعبر عنها بالأصوات، وتقدير لمناسبة الأصوات للمعاني، فالزيادة في الصوت أي اللفظ يقابلها زيادة في المعنى، وقد فهم اللغويون القدماء ذلك وقدروه وراعوه في مباحثهم.
ويتصل بالتطور الدلالي الذي يلحق معنى الكلم ما بحثه السيوطي في ثلاثة أنواع هي الحقيقة والمجاز، والخاص والعام، والمطلق والمقيد.
وبحث الحقيقة والمجاز من الموضوعات التي عني بها الأصوليون واللغويون والبلاغيون بيد أن السيوطي قد اعتمد فيه على أقوال اللغويين والأصوليين فحسب، وكان اعتماده أكثر على الأصوليين.
والواقع أن النظر في أقوالهم عن الحقيقة والمجاز يمكن أن يوضح لنا تقديرهم للتغير الدلالي وعوامله ومظاهره، وتقديرهم كذلك لحياة اللغة ونموها واتساعها حتى يمكن التعبير بألفاظها عن دلالات لم تكن معروفة من قبل فالرازي يذكر فيما ينقله عنه السيوطي أن سبب العدول عن الحقيقة إلى المجاز يكون لأجل اللفظ أو المعنى أو لأجلها «فالذي لأجل اللفظ أما لأجل جوهره بأن تكون الحقيقة ثقيلة على اللسان إما بثقل الوزن، أو تنافر التركيب، أو ثقل الحروف،
стр. 281
أو عوارضه بأن يكون المجاز صالحا لأصناف البديع دون الحقيقة، والذي لأجل المعنى إما لعظمة في المجاز أو حقارة في الحقيقة، أو لبيان في المجاز، أو للطف فيه، أما العظمة فكالمجلس، وأما الحقارة فكقضاء الحاجة بدلا عن التغوط، وأما زيادة البيان فإما لتقوية حال المذكور كالأسد للشجاع، أو للذكر وهو المجاز في التأكيد» «١».
ثم يبين التلطف بقوله إن «التعبير بلوازم الشيء الذي هو المجاز لا يفيد العلم بالتمام فيحصل دغدغة نفسانية فكان المجاز آكد وألطف» «٢»، وقد بين أن التعبير بالحقيقة يفيد العلم بالتمام وأن التعبير بالمجاز مثير للتشوق إلى معرفة الحقيقة، ثم نقل السيوطي حديث اللغويين والأصوليين عن الحقيقة والمجاز وبين مواقفهم منها واتضح أن ابن جني من الذين يتوسعون في إطلاق المجاز على كثير من تعبيرات اللغة وعنده أن المجاز يعدل إليه عن الحقيقة «لمعان ثلاثة وهي الاتساع والتوكيد
والتشبيه فإن عدمت الثلاثة تعينت الحقيقة»، بيد أنه يعد أكثر اللغة مجازا لا حقيقة.
وينقل السيوطي عن الرازي محاولة حصر معظم وجوه المجاز في اثني عشر وجها، ثم ينقل كيفية التفرقة بين الحقيقة والمجاز.
ومن الآراء الغريبة ما نسب إلى الأسفراييني من إنكاره وقوع المجاز في اللغة، وقد تعقبه ابن برهان في الأصول فيما نقله عنه السيوطي، كما رجح إمام الحرمين والغزالي نفى هذا الرأي عن الأسفراييني، وقد نسب إلى أبي علي الفارسي إنكار المجاز وهنا علق السيوطي بأن هذا «لا يصح أيضا، فان ابن جني تلميذ الفارسي وهو أعلم الناس بمذهبه، ولم يحك عنه ذلك، بل حكى عنه ما يدل على إثباته» «٣».
ويتضح من هذا موقف السيوطي فهو من القائلين بوقوع المجاز في اللغة شأن
стр. 282
جمهور الأصوليين واللغويين، وهو الرأي الصائب، وقد اتضح من نقوله تهافت حجج المنكرين للمجاز الذين يرون أن جميع اللغة حقائق، ويتضح موقف السيوطي من الحقيقة والمجاز بصراحة فيما أجاب به على سؤال ورد إليه في «العام المراد به الخصوص» هل هو حقيقة أو مجاز؟ فأجاب بأنه مجاز قطعا «١».
ولما كان مبني المجاز على النقل والمناسبة، ونظرا لأهميته في حياة اللغة واتساعها فلقد لجأ إليه المجمعيون في محاولة إمداد اللغة ببعض ما تحتاج إليه في عصرها الحديث من ألفاظ عن طريق النقل مع مراعاة المناسبة كما حدث في إطلاق اسم «القطار» و «البرق» وغيرهما مما كان له دلالة قديمة خاصة على بعض المخترعات الحديثة «٢».
وفي مبحث «العام والخاص» «٣» حاول السيوطي تصنيف ألفاظ اللغة بحسب عموم الدلالة أو خصوصها مقدرا تغير المعنى الذي يعتري الدلالات فينتقل بها من العموم إلى الخصوص أو من الخصوص إلى العموم، وقد قسم هذا المبحث إلى فصول خمسة وهو تقسيم لم يسبق إليه أولها ما وضع عاما واستعمل عاما كالسماء لكل ما علا والصعيد لكل أرض مستوية، وذكر أن ما يسميه اللغويون بالكليات من الألفاظ فهو من هذا القبيل.
وفي الفصل الثاني تناول ما وضع عاما ثم خصص في الاستعمال ببعض أفراده وقد مثل له بلفظ «السبت» الذي يعني في اللغة الدهر ثم خص بأحد أيام الأسبوع، وأورد عديدا من الأمثلة غير ذلك، ثم تناول من الألفاظ ما اعتراه تغيير نحو التعميم أي ما وضع في الأصل خاصا ثم استعمل عاما، فالنجعة- مثلا- أصلها طلب الغيث ثم كثر فصار كل طلب انتجاعا، والقرب طلب الماء ثم صار يقال لكل طلب، والوغى اختلاط الأصوات في الحرب، ثم كثر فصارت الحرب وغى، وهناك كثير من الأمثلة التي جمعها السيوطي من كتب
стр. 283
اللغة بما يبين فهمه وإدراكه لهذا النوع من التغير الدلالي.
وتناول في الفصل الرابع ما وضع عاما واستعمل خاصا، ثم أفرد لبعض أفراده اسم يخصه ومثل له بما أورده الثعالبي تحت عنوان العموم والخصوص، فالبغض عام، والفرك فيما بين الزوجين خاص، والتشهّي عام والوحم للحبلى خاص وغير ذلك.
وفي الفصل الخامس أورد ما وضع خاصا واستعمل خاصا فالتتايع التهافت ولم تسمع إلا في الشر، وأولى له: تهديد ووعيد وهلم جرا.
ويدل المبحث السابق على حسن تقسيم السيوطي، وتقديره لتغير الدلالة، وجهده الصائب في وضع الأمثلة في مواضعها الصحيحة.
وهناك جانب من الأسماء في اللغة نص اللغويون على أن مسمياتها لا بد أن تتوفر فيها شروط معينة حتى تستحق اطلاق هذه الأسماء عليها، وقد تناولها السيوطي باسم «المطلق والمقيد» «١»، فنقل عن ابن فارس الفصل الذي عقده للأسماء التي لا تكون إلا باجتماع صفات، فالمائدة لا يقال لها مائدة حتى يكون عليها طعام وإلا فاسمها خوان والظعينة لا تكون ظعينة حتى تكون امرأة في هودج على راحلة ... ونحو ذلك من الأمثلة، ونقل عن الثعالبي ما سماه بأشياء تختلف أسماؤها وأوصافها بحسب أحوالها فلا يقال كأس إلا إذا كان فيها شراب وإلا فهي زجاجة ونحو ذلك، كما نقل أمثلة أخرى من هذا القبيل.
وعلى الرغم من أن كثيرا من هذه الأمثلة يسندها الاستعمال اللغوي الفصيح الذي عول عليه هؤلاء اللغويون فإن جانبا غير قليل منها لم يستعمل مشروطا بهذه الشروط التي وضعوها، ولم يراع المتكلمون هذه القيود فيه، فالكأس تستعمل سواء أكان فيها ماء أم كانت فارغة، والظعينة تطلق على المرأة ولو فارقت هودجها، وهناك دلائل في الاستعمال الفصيح تسند ما نذهب إليه، وكان ينبغي على هؤلاء مراعاة التغير الدلالي الذي يعتري الألفاظ فينتقل بها من الخصوص إلى العموم أو العكس وألا يهملوا عامل التطور وأثره في اللغة.
стр. 284
وقد أشار السيوطي إلى مبحث يعد من طرائف اللغويين يتصل بدلالات الألفاظ ويعتمد على المشترك اللفظي هو «المشجر» «١»، الذي أفرد له أبو الطيب اللغوي كتابا سماه «شجر الدر» «٢»، وقد اعتمد السيوطي في مبحثه على كتاب أبي الطيب، وقد نقل عنه ممثلا ما سماه الأول بشجرة العين بفروعها، واختتم السيوطي نقوله بقوله «ان هذا النوع يناظر من علم الحديث نوع المسلسل» «٣».
وقد تناول السيوطي عددا من المباحث المتصلة بالدلالة أشرت من بينها إلى المشترك اللفظي حين الحديث عن كتاب «حسن السير فيما في الفرس من أسماء الطير» الذي مر ذكره، كما أشرت إلى الاتباع صدد دراسة كتابه «الإلماع» وإلى الترادف صدد الحديث عن منظومة «التبري من معرة المعري» فلا حاجة بنا إلى أن نكرر ما سبق ولنعد إلى تناول بقية مباحث الدلالة التي لم يسبق الاشارة إليها.
الأضداد:
والتضاد من الملاحظات الصادقة على أكثر اللغات إن لم يكن على جميعها، وقد تناول السيوطي هذه الظاهرة في أحد فصول كتابه، ومرد التضاد في اللغة إلى أننا نفكر في كل صفة مع ما يقابلها فعند ما أقول «أبيض»، فأنا أفكر غير واع في غير الأبيض وفي ضده أي في الأسود، وقد عبر عن هذه الحقيقة جوسست تراير الألماني بقوله: كل كلمة تلفظ تثير معناها المضاد «٤».
وأكثر اللغويين على أن الكلمة التي تستعمل بمعنيين متضادين سبق لها أن استعملت في أحدهما فقط ثم استعملت للدلالة على المعنى الآخر في عصر تال، فعرف لها الاستعمالان، فكأن الكلمة بذلك قد اعتراها تغير دلالي فيما آلت إليه.
стр. 285
والبحث في التضاد وحصر الألفاظ الدالة عليه من أقدم البحوث اللغوية عند العرب وقد ألف في الأضداد غير واحد من اللغويين القدماء، كما أدلى فيه أهل الأصول بدلوهم، وقد عقد له السيوطي كما قلناه مبحثا مستقلا «١».
والأضداد نوع من المشترك اللفظي ولذلك أشار إليه بعض الأصوليين ضمن مبحث المشترك، وقد نقل السيوطي عنهم وعن اللغويين ما يتصل بالأضداد، وقد عد ابن فارس الأضداد من سنن العرب التي تحدث عنها فالجون للأسود والجون للأبيض، وقد نقل بعض محاولات القدماء في تصنيف الألفاظ باعتبار دلالتها على المعاني واتفاقها أو اختلافها وتقاربها أو تباعدها وهو ما تحدث عنه في كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه وسماه ابن فارس أجناس الكلام في الاتفاق والافتراق، حيث صنف الألفاظ إلى ثمانية أقسام بهذا الاعتبار، وقد أورد السيوطي عددا كبيرا من الأمثلة للتضاد نقلا عن كتب اللغة، وقد نبه السيوطي على أن ابن درستويه ممن أنكر الأضداد، ثم نقل كثيرا من الأقوال في مبحثه عن كتاب الأضداد لأبي بكر بن الأنباري.
أما وقد انتهينا من عرض مباحث الدلالة التي تناولها السيوطي فإننا نختتم بملاحظة نلاحظها على دراسة المعنى وهي أن الأصوليين قد اهتموا بهذا النوع من الدراسة وكانت عنايتهم به بالغة، وقد أفاد السيوطي من دراساتهم ومن دراسات اللغويين، وأخرى أن هؤلاء وهؤلاء كان منهجهم في دراسة اللغة أصواتا أو دلالات منهجا وصفيا يعتمد على النظر في اللغة ونصوصها وألفاظها ويدرس دلالاتها، ثم يستخرج بعد ذلك ملاحظاته أو قوانينه، ويصنف الظواهر المدروسة، وهذا هو المنهج الذي ينادي به اللغويون المحدثون، وهو المنهج الذي حاول السيوطي عن طريق نقوله وعرضها أن يبرزه.