أو عوارضه بأن يكون المجاز صالحا لأصناف البديع دون الحقيقة، والذي لأجل المعنى إما لعظمة في المجاز أو حقارة في الحقيقة، أو لبيان في المجاز، أو للطف فيه، أما العظمة فكالمجلس، وأما الحقارة فكقضاء الحاجة بدلا عن التغوط، وأما زيادة البيان فإما لتقوية حال المذكور كالأسد للشجاع، أو للذكر وهو المجاز في التأكيد» «١».
ثم يبين التلطف بقوله إن «التعبير بلوازم الشيء الذي هو المجاز لا يفيد العلم بالتمام فيحصل دغدغة نفسانية فكان المجاز آكد وألطف» «٢»، وقد بين أن التعبير بالحقيقة يفيد العلم بالتمام وأن التعبير بالمجاز مثير للتشوق إلى معرفة الحقيقة، ثم نقل السيوطي حديث اللغويين والأصوليين عن الحقيقة والمجاز وبين مواقفهم منها واتضح أن ابن جني من الذين يتوسعون في إطلاق المجاز على كثير من تعبيرات اللغة وعنده أن المجاز يعدل إليه عن الحقيقة «لمعان ثلاثة وهي الاتساع والتوكيد
والتشبيه فإن عدمت الثلاثة تعينت الحقيقة»، بيد أنه يعد أكثر اللغة مجازا لا حقيقة.
وينقل السيوطي عن الرازي محاولة حصر معظم وجوه المجاز في اثني عشر وجها، ثم ينقل كيفية التفرقة بين الحقيقة والمجاز.
ومن الآراء الغريبة ما نسب إلى الأسفراييني من إنكاره وقوع المجاز في اللغة، وقد تعقبه ابن برهان في الأصول فيما نقله عنه السيوطي، كما رجح إمام الحرمين والغزالي نفى هذا الرأي عن الأسفراييني، وقد نسب إلى أبي علي الفارسي إنكار المجاز وهنا علق السيوطي بأن هذا «لا يصح أيضا، فان ابن جني تلميذ الفارسي وهو أعلم الناس بمذهبه، ولم يحك عنه ذلك، بل حكى عنه ما يدل على إثباته» «٣».
ويتضح من هذا موقف السيوطي فهو من القائلين بوقوع المجاز في اللغة شأن
стр. 282
جمهور الأصوليين واللغويين، وهو الرأي الصائب، وقد اتضح من نقوله تهافت حجج المنكرين للمجاز الذين يرون أن جميع اللغة حقائق، ويتضح موقف السيوطي من الحقيقة والمجاز بصراحة فيما أجاب به على سؤال ورد إليه في «العام المراد به الخصوص» هل هو حقيقة أو مجاز؟ فأجاب بأنه مجاز قطعا «١».
ولما كان مبني المجاز على النقل والمناسبة، ونظرا لأهميته في حياة اللغة واتساعها فلقد لجأ إليه المجمعيون في محاولة إمداد اللغة ببعض ما تحتاج إليه في عصرها الحديث من ألفاظ عن طريق النقل مع مراعاة المناسبة كما حدث في إطلاق اسم «القطار» و «البرق» وغيرهما مما كان له دلالة قديمة خاصة على بعض المخترعات الحديثة «٢».
وفي مبحث «العام والخاص» «٣» حاول السيوطي تصنيف ألفاظ اللغة بحسب عموم الدلالة أو خصوصها مقدرا تغير المعنى الذي يعتري الدلالات فينتقل بها من العموم إلى الخصوص أو من الخصوص إلى العموم، وقد قسم هذا المبحث إلى فصول خمسة وهو تقسيم لم يسبق إليه أولها ما وضع عاما واستعمل عاما كالسماء لكل ما علا والصعيد لكل أرض مستوية، وذكر أن ما يسميه اللغويون بالكليات من الألفاظ فهو من هذا القبيل.
وفي الفصل الثاني تناول ما وضع عاما ثم خصص في الاستعمال ببعض أفراده وقد مثل له بلفظ «السبت» الذي يعني في اللغة الدهر ثم خص بأحد أيام الأسبوع، وأورد عديدا من الأمثلة غير ذلك، ثم تناول من الألفاظ ما اعتراه تغيير نحو التعميم أي ما وضع في الأصل خاصا ثم استعمل عاما، فالنجعة- مثلا- أصلها طلب الغيث ثم كثر فصار كل طلب انتجاعا، والقرب طلب الماء ثم صار يقال لكل طلب، والوغى اختلاط الأصوات في الحرب، ثم كثر فصارت الحرب وغى، وهناك كثير من الأمثلة التي جمعها السيوطي من كتب
стр. 283
اللغة بما يبين فهمه وإدراكه لهذا النوع من التغير الدلالي.
وتناول في الفصل الرابع ما وضع عاما واستعمل خاصا، ثم أفرد لبعض أفراده اسم يخصه ومثل له بما أورده الثعالبي تحت عنوان العموم والخصوص، فالبغض عام، والفرك فيما بين الزوجين خاص، والتشهّي عام والوحم للحبلى خاص وغير ذلك.
وفي الفصل الخامس أورد ما وضع خاصا واستعمل خاصا فالتتايع التهافت ولم تسمع إلا في الشر، وأولى له: تهديد ووعيد وهلم جرا.
ويدل المبحث السابق على حسن تقسيم السيوطي، وتقديره لتغير الدلالة، وجهده الصائب في وضع الأمثلة في مواضعها الصحيحة.
وهناك جانب من الأسماء في اللغة نص اللغويون على أن مسمياتها لا بد أن تتوفر فيها شروط معينة حتى تستحق اطلاق هذه الأسماء عليها، وقد تناولها السيوطي باسم «المطلق والمقيد» «١»، فنقل عن ابن فارس الفصل الذي عقده للأسماء التي لا تكون إلا باجتماع صفات، فالمائدة لا يقال لها مائدة حتى يكون عليها طعام وإلا فاسمها خوان والظعينة لا تكون ظعينة حتى تكون امرأة في هودج على راحلة ... ونحو ذلك من الأمثلة، ونقل عن الثعالبي ما سماه بأشياء تختلف أسماؤها وأوصافها بحسب أحوالها فلا يقال كأس إلا إذا كان فيها شراب وإلا فهي زجاجة ونحو ذلك، كما نقل أمثلة أخرى من هذا القبيل.
وعلى الرغم من أن كثيرا من هذه الأمثلة يسندها الاستعمال اللغوي الفصيح الذي عول عليه هؤلاء اللغويون فإن جانبا غير قليل منها لم يستعمل مشروطا بهذه الشروط التي وضعوها، ولم يراع المتكلمون هذه القيود فيه، فالكأس تستعمل سواء أكان فيها ماء أم كانت فارغة، والظعينة تطلق على المرأة ولو فارقت هودجها، وهناك دلائل في الاستعمال الفصيح تسند ما نذهب إليه، وكان ينبغي على هؤلاء مراعاة التغير الدلالي الذي يعتري الألفاظ فينتقل بها من الخصوص إلى العموم أو العكس وألا يهملوا عامل التطور وأثره في اللغة.
стр. 284
وقد أشار السيوطي إلى مبحث يعد من طرائف اللغويين يتصل بدلالات الألفاظ ويعتمد على المشترك اللفظي هو «المشجر» «١»، الذي أفرد له أبو الطيب اللغوي كتابا سماه «شجر الدر» «٢»، وقد اعتمد السيوطي في مبحثه على كتاب أبي الطيب، وقد نقل عنه ممثلا ما سماه الأول بشجرة العين بفروعها، واختتم السيوطي نقوله بقوله «ان هذا النوع يناظر من علم الحديث نوع المسلسل» «٣».
وقد تناول السيوطي عددا من المباحث المتصلة بالدلالة أشرت من بينها إلى المشترك اللفظي حين الحديث عن كتاب «حسن السير فيما في الفرس من أسماء الطير» الذي مر ذكره، كما أشرت إلى الاتباع صدد دراسة كتابه «الإلماع» وإلى الترادف صدد الحديث عن منظومة «التبري من معرة المعري» فلا حاجة بنا إلى أن نكرر ما سبق ولنعد إلى تناول بقية مباحث الدلالة التي لم يسبق الاشارة إليها.
الأضداد:
والتضاد من الملاحظات الصادقة على أكثر اللغات إن لم يكن على جميعها، وقد تناول السيوطي هذه الظاهرة في أحد فصول كتابه، ومرد التضاد في اللغة إلى أننا نفكر في كل صفة مع ما يقابلها فعند ما أقول «أبيض»، فأنا أفكر غير واع في غير الأبيض وفي ضده أي في الأسود، وقد عبر عن هذه الحقيقة جوسست تراير الألماني بقوله: كل كلمة تلفظ تثير معناها المضاد «٤».
وأكثر اللغويين على أن الكلمة التي تستعمل بمعنيين متضادين سبق لها أن استعملت في أحدهما فقط ثم استعملت للدلالة على المعنى الآخر في عصر تال، فعرف لها الاستعمالان، فكأن الكلمة بذلك قد اعتراها تغير دلالي فيما آلت إليه.
стр. 285
والبحث في التضاد وحصر الألفاظ الدالة عليه من أقدم البحوث اللغوية عند العرب وقد ألف في الأضداد غير واحد من اللغويين القدماء، كما أدلى فيه أهل الأصول بدلوهم، وقد عقد له السيوطي كما قلناه مبحثا مستقلا «١».
والأضداد نوع من المشترك اللفظي ولذلك أشار إليه بعض الأصوليين ضمن مبحث المشترك، وقد نقل السيوطي عنهم وعن اللغويين ما يتصل بالأضداد، وقد عد ابن فارس الأضداد من سنن العرب التي تحدث عنها فالجون للأسود والجون للأبيض، وقد نقل بعض محاولات القدماء في تصنيف الألفاظ باعتبار دلالتها على المعاني واتفاقها أو اختلافها وتقاربها أو تباعدها وهو ما تحدث عنه في كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه وسماه ابن فارس أجناس الكلام في الاتفاق والافتراق، حيث صنف الألفاظ إلى ثمانية أقسام بهذا الاعتبار، وقد أورد السيوطي عددا كبيرا من الأمثلة للتضاد نقلا عن كتب اللغة، وقد نبه السيوطي على أن ابن درستويه ممن أنكر الأضداد، ثم نقل كثيرا من الأقوال في مبحثه عن كتاب الأضداد لأبي بكر بن الأنباري.
أما وقد انتهينا من عرض مباحث الدلالة التي تناولها السيوطي فإننا نختتم بملاحظة نلاحظها على دراسة المعنى وهي أن الأصوليين قد اهتموا بهذا النوع من الدراسة وكانت عنايتهم به بالغة، وقد أفاد السيوطي من دراساتهم ومن دراسات اللغويين، وأخرى أن هؤلاء وهؤلاء كان منهجهم في دراسة اللغة أصواتا أو دلالات منهجا وصفيا يعتمد على النظر في اللغة ونصوصها وألفاظها ويدرس دلالاتها، ثم يستخرج بعد ذلك ملاحظاته أو قوانينه، ويصنف الظواهر المدروسة، وهذا هو المنهج الذي ينادي به اللغويون المحدثون، وهو المنهج الذي حاول السيوطي عن طريق نقوله وعرضها أن يبرزه.
стр. 286
ضبط اللغة
وهو مبحث صرفيّ معجميّ دلاليّ يهدف إلى حصر أبنية اللغة وتصنيفها، والخروج ببعض الضوابط والتفسيرات والملاحظات الخاصة بهذا الشأن تناوله السيوطي بعنوان «الأشباه والنظائر» «١»، وقد قسمه السيوطي تقسيما مبتكرا صب فيه مواد اللغة التي جمعها من شتى المظان فبدأ بحصر أبنية الأسماء مقسما إياها إلى ثلاثي ورباعي وخماسي، والثلاثي ينقسم بدوره إلى مضعف وغير مضعف، ثم هناك مزيد من الثلاثي المضعف ومزيد من الثلاثي غير المضعف، ثم تحدث عن الرباعي المجرد والمزيد، والخماسي مجرده ومزيده ذاكرا في كل من هذه الأنواع الأبنية التي وردت في اللغة، ثم تناول الأسماء التي ألحق بها في الوزن غيرها، وعمد بعد ذلك إلى الأفعال وأبنيتها، وبعد أن فرغ منها تناول بعض الظواهر العامة في أبنية اللغة باسم «ضوابط واستثناءات في الأبنية» ونقل هنا الملاحظات التي لاحظها اللغويون من قبل على هذه الأبنية،
فمن ذلك- مثلا- قول سيبويه: «ليس في الأسماء ولا في الصفات فعل» بضم الفاء وكسر العين «ولا تكون هذه البنية إلا للفعل» «٢».
وقد ذكر غير سيبويه أنه لم يأت على هذه البنية إلا: الدّئل اسم دويبة صغيرة وزاد غيره لفظين، وقد عرض السيوطي تحت هذا العنوان لعدد كبير من الأبنية التي وردت بقلة في اللغة أو التي كان ورودها على وتيرة ما قليلا، وهنا يتضح تفتيش اللغويين القدماء في اللغة واستدراك بعضهم ما فات على بعض.
كما تناول عددا من الضوابط والملاحظات اللغوية التي تتصل بالأبنية والجموع والمصادر والصفات، وما يستعمل من الألفاظ معرفة لا يدخله الألف
стр. 287
واللام، وما لا يستعمل إلا في النفي، وما ورد في اللغة بالتثنية، وغير ذلك من الملاحظات والضوابط التي جمعها واستخرجها من متفرقات شتى، والتي أراد بها اللغويون أن يخرجوا بجملة من الأحكام يحتذيها الاستعمال اللغوي ولا يحيد عنها.
والواقع أن جملة كبيرة من هذه الملاحظات تعد وصفا لما هو كائن في اللغة لا ضبطا لما ينبغي أن يكون بعد، واللغويون بذلك ينهجون في لغتهم منهجا وصفيا يعتمد على النظر في أبنيتها واستعمالاتها، ولذلك فليس ما يلاحظه أحدهم بملزم لغيره إذا لاحظ الآخر ما يعدل الملاحظات السابقة أو ينفيها، والمتتبع لحصرهم لبعض الأبنية والاستعمالات يرى خير دليل على ما نقول.
وتشهد هذه الدراسة التي قام بها السيوطي بتبحره في النظر في اللغة التي حاول بعقليته الجامعة المستقصية المنسقة أن يحصر أبنيتها ويصنف شواردها ويضبط متفرقاتها، ونستأنس على هذا القول بما ذكره عن نفسه بعد عرضه للمعاجم العربية وحديثه عن القاموس بقوله: «ومع كثرة ما في القاموس من الجمع للنوادر والشوارد فقد فاته أشياء ظفرت بها في أثناء مطالعتي لكتب اللغة حتى هممت أن أجمعها في جزء مذيلا عليه» «١».
стр. 288
نشأة اللغة
لعل أول ما ينصرف إليه ذهن الباحث اللغوي قديما وحديثا هو أن يتساءل كيف تكون للانسان لغة؟ أتوصل الانسان إلى هذا النظام العجيب عن طريق الوحي؟ أم توصل إليه بنفسه؟.
هذه الأسئلة وأمثالها عرفها الناس في القديم والحديث، وانتهى علم اللغة أخيرا إلى أن اللغة ظاهرة اجتماعية كسائر الظواهر الاجتماعية ومعنى ذلك أنها من صنع المجتمع.
ولكن علم اللغة على الرغم من كثرة ما كتبه علماؤه حول هذا الموضوع لم يستطع أن يصل إلى رأي قاطع في كيفية نشأة اللغة، وما هي أول لغة كانت؟
وهل ترجع اللغات كلها إلى أصل واحد أم إلى أصول متعددة، ومن ثم تنادى كثير من اللغويين المحدثين بنتيجة البحث في نشأة اللغة عن أبحاث علم اللغة لأنه أقرب إلى الميتافيزيقا منه إلى العلوم، وعلى الرغم من ذلك فكثير من كتب اللغويين المحدثين لا تنفك تحفل بهذا الموضوع وبحثه وإن كانت توقن سلفا بنتائجه السلبية، بل وتحرص على تأكيدها «١».
كان طبيعيا أن يتناول السيوطي بحث هذا الموضوع وأن يجعله أول موضوعات كتابه فيعرضه بطريقته النقلية الغالبة عليه.
والنظر فيما أورده من نقول مختلفة عن اللغويين والأصوليين تدلنا على حيرة
стр. 289
القوم جميعا في تحديد نشأة اللغة، وباستثناء ابن فارس من اللغويين نستطيع أن نقول إن جميعهم لم يجزموا بكون اللغة وحيا وتوقيفا، وبالرغم من أن القول بالتوقيف قد نسب إلى الأشعري فإن رأيه لم يحظ بتأييد أتباعه فإمام الحرمين ينقل عنه «أن العقل يجوز ذلك كله» «١»، أي كون اللغة توقيفا أو اصطلاحا، والغزالي يرى جواز القول بالتوقيف والاصطلاح، ولا يرى حجة قاطعة للقائلين بالتوقيف في قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها «٢»، ومن ثم فالرازي يذكر أن المحققين لا يقولون بالتوقيف ولا بالاصطلاح وإنما هم «متوقفون في الكل» «٣».
وابن جني الذي رجح كون اللغات اصطلاحية، وذكر بعض النظريات في تفسير نشأة اللغة من كونها من أصوات المسموعات كدوي الريح وحفيف الأشجار ونحوها لا
يستطيع أن يدلي برأي قاطع، بل ينتهي إلى التوقف وعدم ترجيح أي قول من هذه الأقوال.
ويتضح أن المعتزلة يقولون بالمواضعة والاصطلاح ويحاجون عن مذهبهم، وأن القول بالتوقيف لم يصرح بنسبته إلى أهل السنة «٤»، بل أنكر بعضهم نسبته إلى الأشعري «٥».
استطاع السيوطي أن ينقل خلاصة ما يتصل بهذا الموضوع عن اللغويين والأصوليين وأن يعرضه عرضا يتضح منه جميع المذاهب، وإذا كان المحدثون كما رأينا قد مالوا بعد طول البحث والدرس إلى تنحية هذا الموضوع عن أبحاثهم، فقد توصل بعض القدماء من قبل إلى نفس النتيجة، وقد نقل السيوطي عن صاحب رفع الحاجب «أنه لا فائدة لهذه المسألة، وهو ما صححه ابن الأنباري وغيره، ولذلك قيل ذكرها في الأصول فضول» «٦».
بيد أن السيوطي- لطبيعته النقلية- لم يصرح بموقفه من هذا المعترك، ولم
стр. 290
ينتصر لفريق على غيره، ولم يعقب على هذه النقول بما يبوح بموقفه، وقد أورد عقب هذه النقول بعض المرويات التي نذهب إلى أن الله تعالى علم آدم اللغات ومعظمها ينتهي إلى ابن عباس بصدد تفسير قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، ولم يعقب السيوطي بشيء على هذه النقول تصحيحا أو تضعيفا أو توجيها، فإذا قلنا: إن اختيارات الرجل في نقوله جزء من عقله، والسمة الغالبة التي يدركها الناظر في هذه النقول هي روح التردد أو التوقف عن القول بالتوقيف أو الاصطلاح، وهو كما عبرت عنه كثير من نصوصهم مذهب المحققين، فلعل السيوطي كان يختار التوقف، مع ميل إلى القول بالتوقيف، ونراه في موضع آخر يلخص هذه الأقوال الثلاثة في نشأة اللغة وينسب إلى ابن جني استحسان بعضها والميل إلى بعض، ولا يصرح عن موقفه بشيء «١»، والذي يجعلنا نذكر ميله إلى القول بالتوقيف بعض الميل ما أورده من نقول بصدد تفسير الآية السابقة، وهذه النقول ترجح كون اللغة توقيفية.
стр. 291
الصلة بين اللفظ والمعنى
قدر اللغويون العرب أن هناك مناسبة طبيعية بين اللفظ ومدلوله، أي بين الأداء الصوتي للكلمة وكيفية هذا الأداء وبين معنى الكلمة، وقد بينا عند حديثهم في الاشتقاق ربطهم الزيادة في حروف اللفظ أو حركاته أو النقص فيها بالزيادة أو النقص في المعنى، وهنا تبدو هذه الفكرة التي تهتم بصوتية اللغة أكثر جلاء حيث يتناولها ابن جني موضحا الصلة بين أصوات الكلمة وبين معناها وذاكرا سبق الخليل وسيبويه إلى التنبيه إلى هذه الفكرة «١»، وقد أشار سيبويه من قبل إلى أن المصادر التي اشتركت في معنى واحد، وهو الحركة والاضطراب قد اشتركت في مقال واحد هو الفعلان، ويتضح من حديث سيبويه أن التقارب في المعنى يؤدي إلى الاشتراك في المثال الذي يأتي عليه المصدر «٢».
وقد نقل ابن جني عن سيبويه بعض ما ذكره، وتوسع في إيراد الأمثلة التي تعضد هذا التصور فذكر أن الأفعال الرباعية المضعفة تأتي للتكرير كالزعزعة والقلقلة وغيرها، فالمثال المكرر للمعنى المكرر، وبين المناسبة بين استعمال صيغة «استفعل» للطلب وبين معنى الطلب، والمناسبة بين تضعيف العين في مثل فرّح وبشّر وبين تقوية المعنى فكأنهم جعلوا قوة اللفظ لقوة المعنى، بالاضافة إلى الأمثلة العديدة التي استعملت فيها الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فالخضم لأكل الرطب، والقضم لليابس ... إلى آخر ما أورده.
وقد نقل السيوطي خلاصة هذا الباب عن ابن جني، ويبدو لديه الميل إلى هذه الفكرة التي تذهب إلى وجود المناسبة بين اللفظ ومدلوله، ولذلك فقد أتبع ما نقله عن ابن جني بذكر مجموعة كبيرة من الأمثلة التي تؤيد ما ذهب إليه
стр. 292
سابقه وقد ذكر نسبة هذا القول إلى عباد بن سليمان من المعتزلة، وبين أن جمهور اللغويين يكادون يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ وبين المعاني، والفرق بين
مذهبهم وبين مذهب عباد أنه يراها ذاتية موجبة بخلافهم «١».
والقائلون بهذه النظرية وزعيمهم ابن جني يذهبون إلى وجود هذه الصلة في جميع ألفاظ اللغة فهو يقول: «فإن أنت رأيت شيئا من هذا النحو لا ينقاد لك فيما رسمناه، ولا يتابعك على ما أوردناه فأحد أمرين: إما أن تكون لم تنعم النظر فيه فيقعد بك فكرك عنه، أو لأن لهذه اللغة أصولا وأوائل فقد تخفى عنا، وتقصر أسبابها دوننا كما قال سيبويه» «٢».
وهذا القول يعني وجود مناسبة بين اللفظ والمعنى قد تقرب فيمكن إدراكها لكونها ظاهرة، وقد تبعد فيمكن إدراكها بالتأمل، أو لا يمكن إدراكها لإمكان تطور هذه الألفاظ عن أصول كانت تتضح فيها هذه المناسبة بين اللفظ ومدلوله وأحدث التطور فيها بعض التغيير الذي جعل إدراك هذه المناسبة بعيدا.
وهذه النظرية تتصل في الواقع بالقول بنشأة اللغة عن الأصوات الطبيعية، ولكن ذلك لا يعني أن القائلين بوجود المناسبة بين اللفظ ومدلوله يقولون بنشأة اللغة عن هذه الأصوات، فجمهور اللغويين يرون هذه الصلة بين اللفظ ومدلوله بينما يذهبون في نشأة اللغة مذهبا آخر، وابن جني نفسه الذي حكى نظرية نشأة اللغة على هذا النحو لم يقطع بقبوله لها وإنما ذكر أنه «وجه صالح ومذهب متقبل» وأتبع ذلك مستدركا بما يبين توقفه وعدم ترجيحه أحد القولين «٣».
ويتضح مذهب السيوطي فيما عقب به على الأمثلة التي نقلها إذ يقول:
«فانظر إلى بديع مناسبة الألفاظ لمعانيها، وكيف فاوتت العرب في هذه الألفاظ المقترنة المتقاربة في المعاني، فجعلت الحرف الأضعف فيها والألين والأخفى والأسهل والأهمس لما هو أدنى وأقل وأخف عملا أو صوتا، وجعلت الحرف
стр. 293
الأقوى والأشد والأظهر والأجهر لما هو أقوى عملا وأعظم حسا، ومن ذلك المدّ والمطّ، فان فعل المط أقوى، لأنه مدّ وزيادة جذب، فناسب الطاء التي هي أعلى من الدال» «١»، ثم اختتم الأمثلة الكثيرة التي نقلها للتدليل على المناسبة بين اللفظ والمعنى بقوله: «فانظر إلى هذه الفروق وأشباهها باختلاف الحرف بحسب القوة والضعف وذلك في اللغة كثير جدا، وفيما أوردناه كفاية» «٢».
نستخلص من هذا أن السيوطي قد استوعب نظرات السابقين في هذا المبحث أيضا، وقد ذهب إلى إثبات المناسبة بين اللفظ والمعنى، على النحو الذي بينه ابن جني، أي أنّ ثمة صلة بين الألفاظ والمعاني لكنها ليست ذاتية أو طبيعية، وأقوال الأصوليين (علماء أصول الفقه) والتي نقل السيوطي جانبا منها تتخذ موقفا واضحا من هذه القضية، إذ يرون أن هذه الصلة عرفية اعتباطية بحيث لو أطلق لفظ الكفر على الإيمان ولفظ الإيمان على الكفر لكان ذلك ممكنا.
والواقع أن فكرة الصلة بين اللفظ والمعنى قد شغلت الباحثين في اللغة- ذلك النظام الصوتي العجيب- في القديم والحديث، فقد تصور بعض اليونانيين القدماء وجود صلة طبيعية ذاتية بين اللفظة ومعناها، وذهب آخرون إلى أنها لا تحدو أن تكون صلة اصطلاحية عرفية «٣».
وقد رأينا من انتصر- في العربية- لفكرة الصلة الذاتية وهو عباد بن سليمان الصيمري.
ويكاد جميع اللغويين العرب يطبقون على ثبوت نوع من المناسبة بين اللفظ والمعنى على النحو الذي بيّن مظاهره ابن جني بيد أنهم يخالفون عبادا في كون هذه الصلة موجبة وهو مرتبط بقول المعتزلة بمراعاة الأصلح في أفعال الله تعالى وجوبا، وأهل السنة يقولون بمراعاة الأصلح في أفعال الله تعالى منا منه وفضلا وليس وجوبا «٤»، كما ينكرون كون هذه المناسبة ذاتية لأن اللفظ لو دل بذاته
стр. 294
لفهم كل واحد كل اللغات لعدم اختلاف الدلالات الذاتية، واللازم باطل فالملزوم كذلك «١».
وكثير من أبحاث القدماء تسير على هدى من هذه الفكرة التي يتلمس أصحابها المناسبة والصلة بين اللفظ ومدلوله، فأبحاثهم في الاشتقاق بنوعيه وبحث الاشتقاق الكبير الذي تناوله ابن جني، والذي توسع فيه ابن فارس في معجم المقاييس وحاول إرجاع المواد المشتركة في الحروف على الرغم من هيئاتها المختلفة وفروعها المتنوعة إلى أصل واحد أو إلى أصلين لاشتراكها أصلا في مجموعة من الأصوات المعينة، وقد بدا في كثير من هذه المواد كثير من التعسف في محاولة ردها إلى أصول مشتركة، كذلك ما قام به ابن دريد الذي حاول في كتابه الاشتقاق تعليل الأسماء العربية كأسماء القبائل والأمكنة وإيجاد المعاني التي ترجع إليها هذه الألفاظ، وكثير من الأبحاث غير ما قدمنا تراعي هذه المناسبة وتحاول إثباتها أو تلمس بعض جوانبها أو مظاهرها.
وفي الحديث نجد يسبرسن يتناول هذه الفكرة «٢»، فيعرض رأي همبلت الذي يذهب إلى أن اللغات بوجه عام تؤثر التعبير عن الأشياء عن طريق ألفاظ أثرها في الآذان يشبه أثر تلك الأشياء في الأذهان، ويتضح من عرض يسبرسن وحديثه ميله لفكرة المناسبة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله، إلا أنه حذر من المغالاة في هذا إذ إن هذه الظاهرة لا تكاد تطرد في لغة من اللغات، كما أن بعض الكلمات تفقد هذه الصلة على مر الأيام. وقد تناولها إبراهيم أنيس فعرض أفكار السابقين من اليونان والعرب وعلماء اللغة من الأوربيين المحدثين، وذكر ممن عارضها بشدة دي سوسير إذ رأى هذه الصلة اعتباطية لا تخضع لمنطق أو نظام مطرد، وقد بين الباحث الأسباب التي تدفع إلى التفكير في وجود الصلة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله، ومال إلى القول ببطلان هذه النظرية، وأورد بعض
стр. 295
الأدلة التي تدعم وجهة نظره وبين أن ما تثيره الألفاظ في أذهان السامعين من دلالات إنما يرجع إلى اعتبارات كثيرة متنوعة، وليست هناك صلة طبيعية كما يقولون «١».
стр. 296
الوضع اللغوي
يرتبط بحث القدماء في الوضع اللغوي بأفكارهم عن نشأة اللغة، ولذلك بحث السيوطي نشأة اللغة والقول بكونها توقيفا أو اصطلاحا تحت اسم «بيان واضع اللغة». وسواء أكانت اللغة إلهاما أم اصطلاحا أم مزيجا منهما معا بطريقة أو بأخرى،- عندهم- فلا بد من وضع يجعل لفظ كذا بإزاء معنى كذا، وقد تناول بعض المسائل المتصلة بالوضع اللغوي في كتابه وهي بحوث نظرية أفاض فيها الأصوليون بيد أنها تقوم- في غالبها- على الاحتمالات الفرضية، والصور الذهنية الامكانية، ولكن بعض هذه المسائل يمس جوانب هامة في البحث اللغوي.
فقد تحدث عن الحكمة الداعية إلى الوضع فنقل عن الكيا الهراسي وعن الفخر الرازي ما يبين فهمهما للغة وصلتها بالمجتمع، وأن حاجة الانسان إلى غيره من بني جنسه هي التي دفعت إلى وضع اللغة «١».
ثم تحدث عن حدّ الوضع فنقل عن السبكي أنه «تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا أطلق الأول فهم منه الثاني» «٢»، وتناول بعد ذلك الخلاف الذي نشأ ومؤداه: هل وضع الواضع المفردات والمركبات الاسنادية أو المفردات خاصة دون المركبات الاسنادية؟ وقد نقل السيوطي عن الأصوليين والنحويين واللغويين أقوالهم واختلافهم في ذلك، فذكر أن الرازي وابن الحاجب وابن مالك وغيرهم يذهبون إلى أن الواضع قد وضع المفردات دون المركبات الاسنادية وحجتهم في ذلك أنه لو كان الواضع قد وضع المركبات الاسنادية لتوقف استعمال الجمل على النقل عن العرب كالمفردات.
стр. 297
ورجح القرافي والتاج السبكي أن المركبات موضوعة كالمفردات.
ولم يوضح السيوطي موقفه من هذا الخلاف، والواقع أن بحوث النحويين في الجملة وترتيبها وجواز التقديم والتأخير وما يتصل بنظام الجملة وتركيبها استنادا إلى ما نقل عن العرب يدل على أن القول بأن المركبات موضوعة كالمفردات أقرب إلى الصواب، وهو ما ترسمه النحاة في بحث نظام الجمل وتركيبها. وقد نقل السيوطي عن أبي حيان في شرح التسهيل ما يؤكد هذه الفكرة حيث يقول:
«العجيب ممن يجيز تركيبا ما في لغة من اللغات من غير أن يسمع من ذلك التركيب نظائر، وهل التراكيب العربية إلا كالمفردات اللغوية، فكما لا يجوز إحداث لفظ مفرد، كذلك لا يجوز في التراكيب، لأن جميع ذلك أمور وضعية والأمور الوضعية تحتاج إلى سماع من أهل ذلك اللسان، والفرق بين علم النحو وبين علم اللغة أن علم النحو موضوعه أمور كلية وموضوع علم اللغة أشياء جزئية، وقد اشتراكا معا في الوضع» «١».
ويشتد الجدل حول كون المركبات موضوعة أم لا، وسبب الخلاف- كما يبدو- عدم تحديد المعنى المراد بالوضع وما يترتب عليه، فبعض من لا يرى أن المركبات موضوعة إنما ينفي ذلك لأن القول بكونها موضوعة يعني أن استعمالها وفهم معناها متوقف على النقل عن العرب كالمفردات، وقد نقل السيوطي عن صاحب البحر المحيط هذه الخلافات، وقد حاول الزركشي أن يتوصل إلى قول يحسم به الخلاف حيث ذهب إلى أن العرب إنما وضعت أنواع المركبات، أما جزئيات الأنواع فلا «٢».
ويكاد ابن جني يقف على الجادة حين يتصور تطور اللغة وأثر كثرة الاستعمال في تطور الصيغ، ولكن رغبته في نسبة الحكمة إلى العرب واضعي اللغة ترجعه عن ترجيح هذه النظرية الصادقة ليقول بأن «ما غير لكثرة استعماله، إنما تصورته العرب قبل وضعه، وعلمت أنه لا بد من كثرة استعمالها إياه فابتدءوا بتغييره علما
стр. 298
بأن لا بد من كثرة الداعية إلى تغييره وهذا في المعنى كقوله:
رأى الأمر يفضى إلى آخر ... فصير آخره أولا
وقد كان أيضا أجاز- أي أبو الحسن- أن يكون «قد كانت قديما معربة، فلما كثرت غيرت فيما بعد، والقول عندي هو الأول لأنه أدل على حكمتها وأشهد لها بعلمها بمصاير أمرها» «١». هذا عن بحث الوضع اللغوي وتطور هذا الوضع.
وتأسيسا على هذا فهم يفسرون ظاهرة اختلاف اللهجات العربية باختلاف الوضع الأول فما وضع في الأصل وضع مختلفا ثم أحدثوا من بعد أشياء كثيرة للحاجة إليها غير أنها على قياس ما وضع في الأصل مختلفا «٢»، ونجد السيوطي حين يتحدث عن هذه الفكرة ينقل بعض حديث ابن جني ولا يعقب بشيء فكأنه يتابعه في فكرته «٣».
وقد أنكر أمين الخولي على القدماء بحثهم في الوضع بهذا المنهج، وأنكر فكرة ابن جني وغيره التي دفعت اللغويين إلى أن يردوا كل شيء في «اللغة» إلى الوضع الذي وضعه الواضع الأول بحكمة استقبلت من أمر الحياة ما استدبر، وتعرفت المستقبل فصيرت الآخر أولا» «٤».
وقد انتهى من حديثه في الوضع اللغوي وما عرف عند القوم بعلم الوضع إلى نتائج مضمونها عدم التسليم بأن العربية قد تكونت بالوضع على النحو الذي بينوه، وأن علم الوضع يقوم على أساس مناقض لطبيعة اللغة الاجتماعية، فهو عمل عقلي صناعي لا لغوي، وأن التطور أصل أصيل في حياة اللغة «٥».
وقد رأينا إدراك القدماء لهذا التطور في حياة اللغة، بيد أنه قد شابه عندهم وألقى عليه كثيرا من الظلال ما أرادوه من نسبة الحكمة إلى العرب، بالإضافة إلى بعض الأفكار غير الصحيحة التي حالت دون ظهور التصورات الواقعية وسيادتها.
стр. 299
المعاجم اللغوية
عنى السيوطي بالحديث عن جمع اللغة، وعرض في هذا الحديث بدراسة لأهم المعاجم اللغوية، بحيث تعد دراسته أقدم دراسة للمعاجم العربية، وقد اعتمد عليها بعض من تناول الموضوع من بعده «١».
وقد بدأ السيوطي بالحديث عن كتاب العين فهو أول معجم لغوي، وقد أورد انتقادات اللغويين له، وإنكار نسبته إلى الخليل لما تخلله من خلل أو تصحيف، وقد قام السيوطي كما حكى عن نفسه بمطالعة كتاب العين فرأى «وجه التخطئة فيما خطئ فيه غالبه من جهة التصريف والاشتقاق كذكر حرف مزيد في مادة أصلية أو مادة ثلاثية في مادة رباعية ونحو ذلك، وبعضه ادّعى فيه التصحيف، وأما أنه يخطأ في لفظة من حيث اللغة بأن يقال: هذه اللفظة كذب أو لا تعرف فمعاذ الله، لم يقع ذلك» «٢».
ونحن هنا نلحظ اهتمام السيوطي نظرا لطبيعته النقلية الحديثية بناحية الثبوت الصحيح للغة، ومن هنا فهو يوثق كتاب العين من هذه الناحية، وهذه النظرة هي التي تحكم دراسته لجمع اللغة، وقد تحدث عن كتاب العين وترتيبه، واهتم بالحديث عن رواته ومن تحمله عن الخليل، ثم خلص بعد ذلك إلى تناول معجم الجمهرة لابن دريد وقد نسج صاحبه على منوال العين، وقد نقل السيوطي بعض مقدمة الكتاب التي يبين فيها صاحبه هدفه من مؤلفه، ثم أورد انتقاد ابن جني لكتاب الجمهرة لاضطرابه من حيث أبنية التصريف، ونبه السيوطي على أن مقصود ابن جني أن الاضطراب «من حيث أبنية التصريف وذكر الموادّ في غير محالّها كما تقدم في العين» «٣»، وهو بذلك يريد أن يدفع توهم
стр. 300
الاضطراب من حيث وثاقة المادة اللغوية، ولذلك نجده يدافع عن ابن دريد ويرد على هجوم الأزهري الذي رماه بافتعال اللغة قائلا: «معاذ الله هو بريء مما رمى به، ومن طالع الجمهرة رأى تحرّيه في روايته ... ولا يقبل فيه طعن نفطويه لأنه كان بينهما منافرة عظيمة .... وقد تقرر في علم الحديث أن كلام الأقران في بعضهم لا يقدح» «١».
والسيوطي بذلك يصب عنايته على وثاقة المادة اللغوية وصحتها، وقد جره ذلك إلى الحديث عن نسخ الجمهرة، وذكر أنه ظفر بنسخة منها قرئت على ابن خالويه بروايته لها عن ابن دريد، والسيوطي بذلك قد وقف على نسخة صحيحة من الجمهرة «٢». ثم أشار السيوطي إلى كتب اللغة: ما كان عاما في أنواع اللغة وما كان خاصا في نوع منها كالأجناس للأصمعي والنوادر واللغات لأبي زيد، والنوادر للكسائي والتهذيب للأزهري والمجمل لابن فارس، وقد ذكر عددا كبيرا من هذه الكتب، ثم ذكر أن أول من التزم الصحيح من اللغة مقتصرا عليه هو الجوهري في كتابه الصحاح وقد ذكر السيوطي أنه في اللغة يقابل الصحيح في الحديث للبخاري «٣»، وقد تحدث السيوطي عن هذا الكتاب وما قيل فيه، وما وضع عليه من الحواشي، ثم ذكر أن ابن فارس معاصر الجوهري قد اقتصر أيضا على الصحيح في المجمل «٤»، ثم ذكر أن أعظم ما ألف في اللغة بعد عصر الصحاح كتاب المحكم لابن سيدة يتلوه كتاب العباب للصغاني، يليهما القاموس «٥» للفيروزآبادي وقد نقل السيوطي بعض مقدمة القاموس.
وقد عرض السيوطي بذلك- على طريقته- للمعاجم اللغوية وتدرجها التاريخي حتى عصره، وقد حاول أن يجمع في حديثه بين الترتيب الموضوعي
стр. 301
والترتيب الزمني كما أنه كان يعني العناية الكبرى بوثاقة المادة اللغوية وصحتها نظرا لطبيعة منهجه النقلي الحديثي الذي يصب عنايته على النقول وصحة الأسانيد، وهذه النظرة إلى اللغة إنما أتتها من كونها لغة يعتمد عليها في تفسير القرآن والحديث واستنباط الأحكام الشرعية، ونظرا لصلتها الوثيقة بالدين بصفة عامة، مما جعل القوم يهتمون بالحديث عن صحتها وثبوتها ووثاقاتها.
стр. 302
اثبات الأسماء بالقياس
تناولت في بحثي عن ظاهرة القياس هذا الموضوع بشيء من التفصيل وقد بينت أنه من مباحث الأصوليين الهامة، كما وجدت له إشارات هامة لدى اللغويين، وهو يقوم على أمرين: أولهما النظر في بعض الأسماء لمعرفة المعنى الذي اشتق منه الاسم أو وضع له، وثانيهما إذا ما تحقق هذا المعنى في اسم غير الاسم السابق أمكن إطلاق الاسم الأول على الاسم الثاني على اعتبار أن هذه التسمية حقيقية وليست من قبيل المجاز.
وهم يمثلون لهذا القياس باثبات اسم الخمر للنبيذ على أساس أنها تسمية حقيقية لغوية، وليست تسمية مجازية، ذلك أن الخمر إنما سميت خمرا لأنها تخمر العقل، وقد تحقق هذا المعنى في النبيذ فأمكن إطلاق اسم الخمر عليه «١».
وقد تبين لي أن جمهور الأصوليين واللغويين ينكرون ثبوت اللغة بالقياس على النحو السابق حتى ابن فارس- الذي حاول أن يطرد الاشتقاق في اللغة وأن يرد ألفاظها إلى معان مشتركة، فقرر أن «للغة العرب قياسا وأن العرب تستق بعض الكلام من بعض .. إلى آخره» «٢»، وطبق هذه الفكرة في معجمه مقاييس اللغة-، لم يجز هذا النوع من القياس بل قرر أنه «ليس لنا اليوم أن نخترع في اللغة ولا أن نقول غير ما قالوه ولا أن نقيس قياسا لم يقيسوه لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها، ونكتة الباب أن اللغة لا تؤخذ قياسا نقيسه الآن نحن» «٣».
وقد أورد السيوطي في الحديث عن هذا الموضوع نقولا عن بعض الأصوليين توضح إنكارهم لثبوت اللغة بالقياس وهجومهم على من يقول بهذا الرأي،
стр. 303
فنقل عن الكيا الهراسي وابن برهان وإمام الحرمين والغزالي نقولا ينكر فيها أصحابها ثبوت اللغة على هذا النحو.
والواقع أن موقف هؤلاء صحيح تماما، وهو ما كانت له السيادة في البيئتين الأصولية واللغوية، ذلك أنهم لاحظوا أن اللغة لا يطرد فيها تسمية الأشياء بحسب المعاني، فالبنج لا يسمى خمرا وإن كان يخامر العقل، والدار لا تسمى قارورة وإن كانت الأشياء تستقر فيها، كما أن الواقع اللغوي الذي يرى اللغة ظاهرة اجتماعية قائمة على الاصطلاح والمواضعة بين أبناء المجتمع يثبت أن معاني الألفاظ إنما حددها ما تعارف عليه المجتمع، وأن تطور الدلالات أو تغيرها تعميما أو تخصيصا أو تضادا يخضع لقوانين معينة ليس من بينها هذا القياس العقلي النظري المجرد، ولذلك فلقد أصاب القدماء في إنكارهم ثبوت اللغة على النحو السابق لأنه تعميم للدلالة أو تغيير لها دون وضع اعتبار لما تعارف عليه المجتمع الناطق لها من تعيين كل لفظ بازاء دلالة معينة، ودون أن يكون هذا التغيير حادثا عن طريقه الطبيعي، ولذلك فقد نص هؤلاء المنكرون على أن اللغة إنما تثبت نقلا عن العرب.
وليس هذا المبحث كما يبدو مبحثا نظريا عقليا تماما، بل هو مبحث عملي يهتم به الأصوليون لصلته بالحكم الشرعي واحتمال تغيره تبعا لتغير مدلول اللفظ أو تعميم هذا المدلول أو تخصيصه، فمن يسمي النبيذ خمرا لتحقق معنى المخامرة فيه يدخله في عموم قوله ﷺ : «حرمت الخمر لعينها»، ولذلك فانكارهم ضروري لتفسير نصوص القرآن والسنة المتصلة بالأحكام الشرعية بحسب الدلالات التي كانت لألفاظها أوان البعثة وقبل أن يطرأ تغير أو تطور لهذه الدلالات، ذلك أن هذا القياس مبناه على تعميم دلالات خاصة فكأنه يعطي بعض الألفاظ ما لم يكن لها وما لم يعرفه المجتمع الناطق لها، وفي ذلك خطورة على النص الشرعي.
ويتصل بحث هذا الموضوع بنشأة اللغة فقد يتصور أن من يقول بكونها مواضعة واصطلاحا يمكن أن يجيز هذا النوع من القياس، ومن يقول بالتوقيف لا يجيزه، ولكنّ الحقيقة أننا لا نرى من بين القائلين بالمواضعة أو المتوقفين في
стр. 304
نشأة اللغة من ينتصر لهذا القياس ويرى ثبوت الألفاظ به، وهو ما عبر عنه السيوطي بانكار جواز قلب اللغة «١»، وفي هذا دلالة على النظرة الواقعية إلى حد كبير في اللغة، ذلك أن حقيقة إنكار هذا النوع من القياس فضلا عن صلته بالأحكام الشرعية تكمن في أن هذه الألفاظ لم يتح لها من تعارف مجتمع الناطقين بها ما يسوغ استعمالها، فاللغة مواضعة بين جميع الناطقين وهي من صنع المجتمع، وليست من صنع فرد أو مجموعة من الأفراد.
إنّ بحث القدماء لا سيما الأصوليين لهذا الموضوع يؤكّد إدراكهم الصحيح لعرفية اللغة، وأنّ دلالات ألفاظها عرفية لا يجوز للعقل أن يتدخل في تغييرها أو تبديلها ولذلك يكثر عند الأصوليين أن يقولوا «لا مجال للعقل في اللغات» أو «لا قياس في اللغات» وهم يعنون ما بيناه من تأكيد هذه العرفية، ويدحض ما يتوهمه بعض الدارسين المحدثين الذين يتصورون أن المعنى عند الأصوليين عقلي.
стр. 305
الفصل الثاني
النحو
أريد بهذا الفصل أن يكون إكمالا لحديثنا السابق عن لغوية السيوطي، فالصلة بين اللغة والنحو جد وثيقة، وقد فهم النحاة العرب هذه الصلة التي يتضح منها أن النحوي يبدأ عمله من حيث ينتهى اللغوي، ولكنهما يلتقيان في مرحلة من المراحل، ويكاد يكون بحثهما واحدا، وقد حدد عبد اللطيف البغدادي الفرق بينهما بقوله: «اعلم أن اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه، وأما النحوي فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه، ومثالهما المحدّث والفقيه، فشأن المحدث نقل الحديث برمته، ثم ان الفقيه يتلقاه ويتصرف فيه، ويبسط فيه علله، ويقيس عليه الأمثال والأشباه» «١».
وقد أغفل هذا التحديد جانبا هاما من عمل اللغوي، وهو وصف الظواهر اللغوية المتعلقة بالأصوات والدلالات والأبنية وغيرها مما سبق لنا بيانه والحديث عنه، كما أن مهمة النحوي تبدأ بالتثبت من صحة المنقول من اللغة، وكأنه بذلك يشارك اللغوي نفس مهمته، وقد عرف عن كثير من النحاة مشاركتهم في رواية اللغة وبصرهم بها فضلا عما قاموا به من جهود نحوية كبيرة.
وإذا كان ثمة تداخل بين ما يقوم به اللغوي وبين ما يقوم به النحوي، وإذا كان مفهوم الدراسة اللغوية في عصرنا قد أصبح أعم وأوسع من مفهوم هذه الدراسة عند القدماء، حيث أصبح اللغويون المحدثون يتناولون نحو معظم اللغات تحت موضوعين أساسيين هما المورفولوجيا Morphology والنظم، Syntax وهما فرعان أو مستويان من مستويات الدراسة اللغوية التي تضم
стр. 306
إليهما الدراسات الصوتية والمعجمية والدلالية، بالإضافة إلى القضايا اللغوية العامة، إذا كان هذا هو مفهوم الدراسة اللغوية الحديثة فإننا نريد بهذا الفصل دراسة المستوى النحوي الذي يشمل أيضا الدراسة الصرفية. وسنبدأ بالتعريف بآثاره النحوية بصفة عامة لنصل بعد ذلك إلى دراسة جهوده في النحو وأهمها دراسته لأصول النحو التي كان له فيها جهد كبير وفضل لا ينكر، ثم نحاول تبين مذهبه النحوي من خلال آرائه المتناثرة في كتبه فضلا عما نسترشد به من أفكار تتصل ببيئته وشيوخه وتكوين منهجه مما عرضنا له من قبل.
стр. 307
آثاره النحوية
عدد السيوطي لنفسه ثلاثين مصنفا في فن العربية وتعلقاته «١»، بيد أنه لم يستوف بذلك جميع ما نسب إليه، وقد وقفت على جملة صالحة من هذه الآثار ما بين مطبوع ومخطوط، ولا أرى بأسا في أن أتناول هذه الآثار بالتعريف، ويبدو أن ما لم يذكره مما نسب إليه قد أتمه بعد كتابة ترجمته التي سرد فيها أسماء كثير من مصنفاته.
ويضرب السيوطي بمؤلفاته النحوية أمثلة لجميع أنواع التصنيف التي عرفت في عصره، فقد نظم النحو في ألفية أراد بها أن يفوق ألفية ابن مالك، وله موشحة في النحو، وجملة من الحواشي والشروح بعضها على متون أو منظومات له، وبعضها على منظومات أو متون لغيره، بالاضافة إلى جملة من المصنفات والرسائل في بعض المسائل
الجزئية.
وقد حاول بمؤلفاته أن يطرق جميع الجوانب النحوية، وأن يسد الفراغ الذي رآه في بعض هذه النواحي، فقد صنف في الأصول، وفي نشأة النحو، وحاول أن يجاري سابقيه في بعض المصنفات كشرح الألفية، وأن يستقل عنهم في بعضها كجمع الجوامع وشرحه همع الهوامع، كما وضع مصنفا نحويا على نمط مصنفات الفقه وهو الأشباه والنظائر وسنعرض فيما يلي لهذه الآثار:
١ - الأخبار المروية في سبب وضع علم العربية:
(طبعت مع مجموعة التحفة البهية والطرفة الشهية من ص ٤٩ - ٥٣).
رسالة صغيرة له أورد فيها الروايات التي تتحدث عن بداية اللحن في زمن الصحابة، وبداية التفكير في وضع أصول لضبط القراءة والكلام، وهذه النقول
стр. 308
بعضها ينسب إلى علي بن أبي طالب ﵁ بداية التفكير في وضع النحو، وبعضها ينسب هذه النشأة إلى أبي الأسود أو إلى غيره من طبقة تلاميذه، وقد اختتما بالحديث عن وضع الصرف ونسبة أوليته إلى معاذ بن مسلم الهراء.
وتبدو في هذه الرسالة عناية السيوطي بمحاولة تحديد نشأة النحو، بيد أنه يطبق منهجه النقلي في هذه الرسالة فهو لا يبدي تعليقا على أحد هذه النقول، ولم ينتقد سوى الوهم الذي وقع فيه شيخه الكافيجي من نسبة الصرف إلى معاذ بن جبل ﵁، حيث ذكر السيوطي أن صحة هذه النسبة أن تكون إلى معاذ بن مسلم الهراء.
٢ - الأشباه والنظائر في النحو:
(مطبوع: حيدرآباد ١٣١٨ هـ).
بين السيوطي في مقدمة كتابه أن السبب الحامل له على وضع هذا الكتاب هو أن يسلك بالعربية سبيل الفقه على مثال ما صنفه المتأخرون من الفقهاء من كتب الأشباه والنظائر، وقد تحدث السيوطي عن أنواع الموضوعات الفقهية التي تناولتها المصنفات الفقهية، وبين أن هذه الأنواع قد اجتمعت في كتاب «الأشباه والنظائر» لتاج الدين السبكي، وقارنه بغيره من مصنفات الفقهاء التي لم تستوف جميع الموضوعات. وقد أراد السيوطي لكتابه هذا أن يسير على منهج كتاب السبكي الموضوع في الفقه وقد صرح بذلك في قوله: «وهذا الكتاب الذي شرعنا في تحديده في العربية يشبه كتاب القاضي تاج الدين الذي في الفقه فإنه جامع لأكثر الأقسام، وصدره يشبه قواعد الزركشي، من حيث إن قواعده مرتبة على حروف المعجم» «١».
وقد رتب السيوطي كتابه على سبعة فنون الأول: فن القواعد والأصول التي تردّ إليها الجزئيات والفروع وهذا مرتب على حروف المعجم، وهو معظم الكتاب، وقد تناول فيه كثيرا من مباحث النحو كالاشتقاق والشرط والاضافة وغير ذلك، وهذا القسم يستغرق الجزء الأول من الكتاب.
وقد وضع لكل قسم من هذه الأقسام السبعة عنوانا مستقلا قدم له بخطبة
стр. 309
فسمى القسم الأول «بالمصاعد العلية في القواعد النحوية» وقد اكتفى في التقديم له بالخطبة الأولى للكتاب.
والثاني: فن القواعد الخاصة والضوابط والاستثناءات وهو مرتب على الأبواب لاختصاص كل ضابط ببابه فبدأ بباب الكلمة ثم باب الاسم فباب الفعل وهكذا، ووضع له اسما هو «التدريب» وقد استغرق- في هذه الطبعة- من بداية الجزء الثاني إلى صفحة ١٠٣ من الجزء نفسه.
والثالث: بناء المسائل بعضها على بعض وقد سماه «بسلسلة الذهب في البناء من كلام العرب»، ويستغرق هذا القسم من ص ١٥٣ بالجزء الثاني إلى ص ١٧١ وقد أشار في المقدمة إلى أنه ألف من قبل في هذا الموضوع تأليفا لطيفا سماه «السلسلة» مقتفيا أثر الجويني الذي صنف في الفقه في هذا الموضوع بنفس الاسم والزركشي الذي صنف في الأصول باسم «سلاسل الذهب»، ولا نشك في أن ما أورده السيوطي هنا هو نفس مصنفه القديم مع بعض زيادات قد أضافها.
وقد بدأ السيوطي هذا الفن بالكلام على بناء فعل الأمر فهو مبني عند البصريين ومعرب مجزوم بلام محذوفة عند الكوفيين، والخلاف هنا مبني على الخلاف في ثلاث مسائل الأولى: هل الاعراب أصل في الفعل؟، والثانية: هل يجوز إضمار لام الجزم؟ والثالثة: هل الأمر صيغة مستقلة بنفسها مرتجلة ليس أصلها المضارع أو هي صيغة مغايرة وأصلها المضارع؟.
الرابع: في الجمع والفرق وقد سماه «اللمع والبرق في الجمع والفرق»، ويستغرق من ص ١٧١ من الجزء الثاني إلى ص ٢٦٤ من نفس الجزء، وقد بين فيه جملة فروق كالفرق بين ضمير الشأن وسائر الضمائر.
الخامس: الألغاز والأحاجي والمطارحات والممتحنات وقد سماه «الطراز في الألغاز»، ويشمل من ص ٢٦٥ إلى آخر الجزء الثاني ص ٣٢٣.
السادس: في الأفراد والغرائب، وقد سماه «التبر الذائب في الأفراد والغرائب» ويستغرق من بداية الجزء الثالث إلى ص ١٤ منه.
стр. 310
والسابع: المناظرات والمجالسات والمذاكرات والمراجعات والمحاورات والفتاوى والواقعات والمكاتبات والمراسلات، ويشمل من ص ١٥ بالجزء الثالث ثم جميع الجزء الرابع إلى نهاية الكتاب.
والذي يعنينا مما سبق بيان تأثر السيوطي بالعلوم الاسلامية تأثرا كبيرا بحيث تركت هذه العلوم أثرها في عقله ومنهجه في التفكير والتأليف، وقد سبق أن بينت أن الحديث والفقه والعربية هي الفنون الثلاثة التي أجادها السيوطي وبلغ فيها درجة الاجتهاد، وقد تبين لنا من قبل أثر الحديث ومناهج المحدثين في كتابه المزهر الذي حاول فيه وضع أصول لنقد الرواية اللغوية تحاكي أصول الحديث، وهنا يتبين جانب آخر من آثار هذه العقلية الاسلامية الخالصة التي تمثلت العلوم الاسلامية في محاولة تصنيف المسائل النحوية على نمط المسائل الفقهية.
ولقد كان السيوطي يدرك الصلة بين النحو والفقه وسنتحدث بعد قليل عن جهوده في أصول النحو التي تحاكي أصول الفقه، وهو هنا يطبق هذه الصلة بين فروع النحو وبين فروع الفقه، وقد نقل عن ابن الأنباري ما يؤكد هذه الفكرة، وهي أن «النحو معقول من منقول كما أن الفقه معقول من منقول» «١».
وتطبيق السيوطي منهج المحدثين في رواية اللغة، ومنهج الأصوليين في وضع أصول للنحو، ومنهج الفقهاء في تصنيف فروع اللغة ومسائلها وربطه في جميع ذلك بين اللغة وبين علوم الحديث والفقه والأصول يلفتنا إلى فكرة هامة سبق أن أشرنا إليها وهي أن نظرته ونظرة القوم إلى اللغة كانت تحمل في طياتها كثيرا من التحرج والعناية والتحقيق الذي نجده في نظرتهم إلى العلوم الدينية، وكان تناول اللغة يتخذ منطلقه من هذه الزاوية.
٣ - الاقتراح في علم أصول النحو:
(مطبوع، رجعت إلى الطبعة الثانية حيدرآباد ١٣٥٩ هـ).
يعد أهم مصنفات السيوطي في النحو، ومن أهم مصنفاته على الاطلاق،
стр. 311
وسنتناوله بشيء من الدرس المفضل بعد قليل حين نتحدث عن علم أصول النحو لنتبين دور السيوطي في إقامة دعائم هذا العلم.
٤ - الفريدة:
(وهي الألفية النحوية للسيوطي، طبعت بالقاهرة عام ١٣٣٢ هـ)، وبصدرها عبارة منسوبة للسيوطي وهي «هذه الألفية لخصت فيها ما في ألفية ابن مالك في ستمائة بيت وزدتها أربعمائة بيت من القواعد والزوائد ما لا يستغني طالب العلم عنه»، وقد وضح ما زاد، في منظومته على ابن مالك بوضعه بين قوسين، ويبدو أن ذلك الترقيم منقول عن النسخة الأولى التي كتبها السيوطي، وقد وقفت على صحة نسبة العبارة السابقة إليه «١».
أراد السيوطي لمنظومته أن تزيد على منظومة ابن مالك التي قدّر لها من الشيوع والشهرة ما لم يقدر لغيرها من المنظومات النحوية، وقد قدم لها بمقدمة منظومة حمد الله فيها وصلى على نبيه وأشار إلى أهمية علم النحو ثم قال:
فهذه ألفية فيه حوت ... أصوله ونفع طلاب نوت
فائقة ألفية ابن مالك ... لكونها واضحة المسالك
وجمعها من الأصول ما خلت ... عنه وضبط مرسلات أهملت
ترتيبها لم يحو غيري صنعه ... مقدمات ثم كتب سبعة
وهكذا صرح بأنه أراد أن يفوق ما قام به ابن مالك ثم بين ترتيب المنظومة في مقدمات ثم سبعة أبواب يشمل كل منها جملة من الفصول، ويتفق هذا الترتيب مع ترتيب ألفية ابن مالك في كثير من الأحيان، ولا يتخلف إلا في أحيان قليلة، ففي المقدمات تناول السيوطي الكلام وما يتألف منه، والمعرب والمبني، والنكرة والمعرفة، والعلم وأسماء الاشارة، والمعرف بالأداة، والموصول، ثم الموصول الحرفي، وهذه الفصول هي نفس ما تناوله ابن مالك في الألفية بيد أنه تحدث عن الموصول قبل المعرف بالأداة، كما أنه لم يتناول الموصول الحرفي، فهو من زيادات السيوطي على ابن مالك في ألفيته.
стр. 312
وخصص السيوطي الكتاب الأول للعمد وهي المرفوعات والمنصوبات بالنواسخ، والثاني للفضلات، والثالث للمجرورات والمجزومات وما يتبعها، والرابع للعوامل، والخامس للتوابع، والسادس للأبنية، والسابع للتصاريف، واختتم الألفية بخاتمه في الخط، ونلاحظ أن هذا الترتيب هو نفس ما وضعه السيوطي في كتابه جمع الجوامع الذي شرحه بهمع الهوامع.
وقد اقتضى هذا الترتيب من السيوطي ألا يتبع نفس ترتيب ألفية ابن مالك، بيد أنه تناول نفس الأبواب التي تناولها ابن مالك في منظومته مع اختلاف يسير في تسمية بعضها، وزيادة فصول قليلة.
وقد أراد السيوطي بمنظومته أن يستدرك ما فات ابن مالك أو أن يفصل ما أجمله فهو يزيد على ما أوضحه ابن مالك في حديثه عن أقسام الكلمة إلى اسم وفعل وحرف
يقول:
فان على معنى بها قد دلت ... واقترنت بأحد الأزمنة
فعل وإلا فهي اسم والتي ... بغيرها حرف وسم بالفضلة
وليس السيوطي سابقا بهذا فكثير من شروح الألفية التي سبقته قد نصت عليه، ولكن منظومة ابن مالك لم تنص على هذا المعنى.
والحق أن هذه المنظومة تدل على شخصية السيوطي النحوية وقد عنى هذه الزيادات والاستدراكات أو التغييرات التي قام بها عناية تامة واعية، وقد نبه على ذلك في شرحه الذي وضعه لهذه الألفية، كما نبه عليه في كتابه «النكت»، وإكمالا للقول في ألفية السيوطي يحسن أن نعرف بشرحها الذي وضعه لها وعنوانه:
٥ - المطالع السعيدة في شرح الفريدة:
(مخطوط ضخم الحجم بالخزانة التيمورية برقم ٥٨١ نحو، بدار الكتب المصرية).
بدأ السيوطي شرحه بحمد الله والصلاة على نبيه ثم بين أنه تعليق على ألفيته المسماة بالفريدة ووصفه بأنه «كثير الفوائد العديدة وجم الفرائد المفيدة» «١»، ثم
стр. 313
أورد البيتين اللذين افتتح بهما ألفيته وهما:
أقول بعد الحمد والسلام ... على النبي أفصح الأنام
النحو خير ما به المرء عني ... إذ ليس علم عنه حقا يغتني
ثم أتبعهما بشرح مستفيض للبيت الأخير تناول في هذا الشرح ثلاثة موضوعات أولها في فضل النحو والحث على تعلمه فأورد جملة من الآثار في ذلك، ثم تحدث عن نشأة النحو وأول من نسب إليه وضع النحو، وقد نقل كثيرا من الروايات وذكرها بأسانيدها، وكثير منها هي نفس النقول التي أوردها في رسالته السابقة عن سبب وضع علم العربية، ثم تحدث عن الحاجة إلى تعلم النحو، وأن المفسر يشترط أن يكون مجيدا لعلم النحو وكذلك المحدث والفقيه والأصولي والبلاغي والأديب، واستشهد على ذلك بجملة من النقول، وعقب عليها بقوله: وبهذا الذي بيناه عرف تقدير قولي: «إذ ليس علم عنه حقا يغتني»، وقد استغرقت هذه الموضوعات التي تعد مقدمة لشرحه النحوي نحو عشر صفحات تميز أسلوبه فيها بالوضوح والسلاسة، وتميزت نقوله بالتعبير المصيب المناسب.
وأخذ السيوطي يورد أبيات الألفية مجزأة، وأتبعها بالشرح والبيان، والحق أن أسلوبه في شرحه أسلوب سهل شديد الوضوح ليس فيه جفاف أساليب بعض النحاة، مع عناية بالحصر والتفصيل والاستدراك على السابقين، وتنسيق الأقوال المختلفة، وقد نص في شرحه على ما سبق ذكره من تلخيصه جميع ما في ألفية ابن مالك في ستمائة بيت وزاد عليها بأربعمائة بيت: «فيها من القواعد والفوائد والزوائد ما لا يستغني طالب النحو عنه، فبذلك فاقت ألفية ابن مالك، وفاقتها أيضا بالتنبيه على قيود أهمل ابن مالك ذكرها، وبكونها أوضح عبارة من عبارة الألفية» «١».
والواقع أن السيوطي ليس مدعيا فيما يذهب إليه، فقد زادت ألفيته تفصيل بعض ما أغفله ابن مالك، كما أن نظمه أقرب إلى الفهم من نظم ابن مالك.
стр. 314
والشرح- بطبيعة الحال- يتبع الأصل المنظوم في تقسيمه إلى مقدمات وسبعة كتب، وقد جنح السيوطي إلى هذا التقسيم تيمنا بالحديث: «إن الله وتر يحب الوتر، أما ترى السّماوات سبعا والأيام سبعا والطواف سبعا» «١»، وسنراه يكرر نفس التقسيم في كتابه جمع الجوامع الذي شرحه بهمع الهوامع.
ويميل السيوطي في هذا الشرح إلى البسط والاطناب في القول فحين يشرح عبارته «كلامنا لفظ مفيد يقصد» يبدأ ببيان الدلالة اللغوية للكلام فيذكر أن الكلام يطلق على ستة أشياء هي الخط والاشارة المفهمة، وما يفهم من الحال، والتكليم، وما في النفس من المعاني، واللفظ وإن كان غير صالح للسكوت عليه، وبازاء كل عنصر من هذه العناصر يفيض في الشرح والاستشهاد بالأقوال شعرا ونثرا، ثم يحدّ الكلام في الاصطلاح ويذكر أن أحسن الحدود أنه «قول مفيد مقصود»، ويناقش ما يتصل بهذا الحد بأسلوبه كما يستشهد بغيره «٢»، وكل ذلك يتصل بتعريف الكلام في اللغة والاصطلاح، أما تعريف الكلمة فيتناوله بعد أن يذكر قوله: «وعندنا الكلمة قول مفرد»، ويذكر بيتين بعده نص على أنهما وهذا الشطر من زياداته على الألفية، وهنا يبدأ ببيان ما تطلق عليه «الكلمة» في اللغة والاصطلاح، ثم يشرح البيتين اللذين يحد بهما الاسم والفعل والحرف.
ولا تفتأ بين حين وآخر ترى مزج السيوطي الدرس النحوي الذي يعنى بوضع القواعد والضوابط ومناقشة الحدود والمصطلحات والعلل بما أفاده من درس اللغة والنظر في صيغها وأبنيتها ووصف ظواهرها، ومحاولة حصر بعض الفصائل اللغوية، فحين يتحدث عما يلزم البناء على الكسر يذكر من بين ذلك ما كان على وزن «فعال» وهو اسم فعل أمر كنزال ودراك، أو فعال وهو علم مؤنث كحذام وقطام، وفعال وهو نسب للمؤنث مثل يا خباث، حين يتحدث عن هذه الصيغة يذكر أن الصغاني قد ألف كتابا فيما ورد من فعال المبنى على الكسر من الأنواع الثلاثة في اللغة، وأنها بلغت مائة وثلاثين لفظة، وقد أوردها
стр. 315
السيوطي مصنفة بحسب الأقسام السابقة «١».
وهذا الاتجاه نحو الحصر اللغوي في مثل هذه الحالات لا نكاد نجده في كتب النحو المعروفة لدينا، وهناك عديد من الأمثلة يلاحظها القارئ بالشرح تفيد وتؤكد هذا الاتجاه عنده من ذلك ما ذكره في المثنى من ألفاظ التغليب التي تصلح للتجريد ولا يصح عطف مثلها عليها كالقمرين للشمس والقمر، والعمرين لأبي بكر وعمر، والعمرين لعمرو بن جابر وبدر بن عمر ... إلى آخر ما أورده محاولا حصره في اللغة «٢»، وحين تحدث عن الأعلام الأعجمية تطرف إلى كيفية معرفة عجمة الاسم وهو ما سبق أن عرضه بالمزهر ببحث المعرب «٣».
ويتضح في هذا الشرح تأثره بالنحاة المتأخرين لا سيما نحاة مصر الذين سبقوه بقليل فقد تأثر بأبي حيان ونقل عنه كثيرا، كما تأثر غاية التأثر بابن هشام، وله اختيارات يميل فيها إلى ما ينسب لهما، وهذا يدلنا على تأثر نحاة مصر المتأخرين بمذهب الأندلسيين، واتجاه النحو في مصر وجهة ذات طابع خاص يحس بها من ينظر في كتب هذه الطائفة من النحاة، وسنبين ذلك بعد.
وقد أفاد في شرحه بما قام به ابن هشام في مصنفاته فنراه مثلا يتبعه في تقسيم المبنى ويصرح بذلك قائلا: «اعلم أني سلكت في هذه الألفية أحسن المسالك، وأوردت فيها محاسن كل كتاب، وقد قسم ابن هشام في الشذور المبنى تقسيما غريبا لم يسبق إليه وجعله على أقسام، وقد تبعته على ذلك الباب» «٤»، بيد أن أسلوب السيوطي فيما عرضه يتميز بالوضوح والسلاسة والإيجاز وكثرة الأمثلة، على حين يكثر ابن هشام في هذا الباب من الاستطراد.
وبالرغم من كثرة النقول التي تعود السيوطي أن يوردها في مصنفاته فاننا
стр. 316
نحس هنا بصفة خاصة انتقاءه لهذه النقول وانتقاده لها، ووضوح موقفه منها، أو نقدها من حيث صحتها، فحين ينقل عن البدر الدماميني رأيا في «غير» منسوبا للسيرافي لا يلبث أن يذكر أنه رأى في كلام السيرافي ما يخالفه «١».
وإذا كان ضيق المكان يحتم علينا أن نجمل حكمنا على هذا الشرح، فانه لا يسعنا بعد ما قدمنا من أوصافه إلا أن نقرر أنه من أبسط الشروح النحوية وأوفاها، وأكثرها وضوحا واستيفاء، مع ما يتميز به من تناول كثير من المسائل التي أغفلها النحويون وبالرغم من حرصه على ذكر كثير من العلل النحوية فانه يوردها بأسلوب واضح قريب المأخذ.
٦ - شرح ألفية ابن مالك ،
يسمى «النّهجة المرضية في شرح الألفية» سبق لنا أن بينا في حديثنا عن الحياة الثقافية في مصر عناية القوم بالمتون والشروح، وذكرنا أن مما حظى بتوفر الشراح عليه منظومة ابن مالك المعروفة بالألفية، وقد ترسم السيوطي خطى هذا العرف السائد في عصره، فتناول هذه المنظومة التي شرحها من قبل كبار النحاة، وأشهر شراح الألفية قبل السيوطي ابن عقيل (٧٦٩ هـ) ويمتاز شرحه بالسهولة والوضوح والبعد عن التعقيد، وقد تتبع في شرحه نظم ابن مالك بالبيان منبها في قليل من الأحيان على ما يخالفه، وفي أكثر الأحيان يوافق ابن مالك ويدفع عنه هجوم ابنه عليه، وقد عاصره ابن هشام (٧٦١ هـ) الذي ألف كتابه «أوضح المسالك» ولم يلتزم فيه بنص الألفية بل تناول موضوعاتها، ونبه في حديثه على ما يوافق ابن مالك فيه وما يخالفه، وقد نص في مقدمته على ذلك في قوله: «وربما خالفته في تفصيله وترتيبه» «٢».
وثمة شروح أخرى سبقت السيوطي وشروح لحقته كشرح الأشموني (٩٢٩ هـ)، ولولا ضيق المقام لتناولنا بعضها بالمقارنة بشرح السيوطي، وإنما نكتفي بأن نبين ما تميز به شرحه، ويمتاز هذا الشرح بالتوسط بين الايجاز والإطناب، ويعمد فيه صاحبه إلى بيان مقصود الناظم بعباراته الواضحة مع
стр. 317
إكثار من الأمثلة، منبها في بعض الأحيان على بعض ما فات الناظم، ولكنه بصفة عامة لا يخالف الناظم إلا قليلا.
وقد عبر السيوطي عن منهجه في شرحه بقوله: إنه شرح «يبين مراد ناظمها، ويهدي الطالب إلى معالمها، ولأبحاث منها ريح التحقيق تفوح، وجامع لنكت لم يسبقه إليها غيره من الشروح» «١».
وقد كتب هذا الشرح قبل أن يكتب شرحه على ألفيته التي حاكى بها ألفية ابن مالك وحاول فيها الاستدراك عليه، ولذلك نلاحظ التشابه الكبير بين الشرحين، ويمكن أن نقول إنه في شرحه المتأخر قد أفاد من شرحه لألفية ابن مالك، ولهذا فان شرحه المسمى بالمطالع السعيدة جاء في صورة أقوى وأوضح وأكثر دقة من شرحه على ألفية ابن مالك، وسبب ذلك قيامه به بعد أن استحصدت قوته وقويت ملكته بحيث أفاد من جهوده السابقة، ولا يغض هذا من شأن شرحه على الألفية.
٧ - جمع الجوامع وشرحه همع الهوامع:
يعدّ أجمع كتب السيوطي في النحو، ومن أجمع الكتب النحوية على الاطلاق ان لم يكن أجمعها وأوفاها، فقد احتوى كثيرا من المسائل التي أغفلتها الكتب النحوية كما حرص على ذكر الآراء المختلفة والأقوال المتنوعة، ولا يكاد يترك موضوعا إلا بعد استيفائه وذكر جميع الآراء فيه، وبالرغم من حشده بكثير من الأقوال فشخصية صاحبه تبدو واضحة في عرض الموضوع وتلخيصه ونسبة الأقوال واختيار أرجحها وتعليلاته لاختياراته المتنوعة.
ومما يدل على ما بذل السيوطي فيه من جهد قوله في مقدمته: «وجمعته من نحو مائة مصنف فلا غرو أن لقبته جمع الجوامع» «٢».
وقد قسم كتابه إلى مقدمات ثم سبعة كتب، وهو نفس التقسيم الذي اتبعه
стр. 318
في «المطالع السعيدة»، وقد نص هنا أيضا على ما ذكره هناك من أنه حذا في هذا الترتيب حذو كتب الأصول، وفي جعله سبعة أقسام مناسبة لطيفة مأخوذة من حديث ابن حبان «إن الله وتر يحب الوتر ... الحديث» «١».
وقد درج في كتابه على أن يورد نص متنه منبها عليه بأنه الأصل ثم يتناوله بالشرح، أي أنه يفصل بين المتن والشرح، واستمر على ذلك إلى بداية الكتاب الثالث في المجرورات «٢»، فعدل عن هذه الطريقة إلى طريقة المزج وقد نبه على ذلك بما يوضح طريقة شرحه في سائر الكتاب بقوله: «واعلم أني لما شرعت في شرحه كنت بدأت أولا بشرح النصف الثاني فكتبت من أول الكتاب الثالث إلى أثناء جمع التكسير على طريقة المزج، ثم بدا لي أن أغير الأسلوب، فشرحت من أوله على النمط المتقدم، وكان في نيتي الاستمرار على هذه الطريقة إلى آخر الكتاب، والغاء القطعة التي كتبتها أولا ممزوجة، ثم لما ضاق الزمن عن ذلك أبقيت كل قطعة على حكمها، وضممت هذه القطعة إلى تلك ووصلت بينهما، ولا يضر كون الشرح على أسلوبين نصفه بلا مزج، ونصفه ممزوج، ونعود هناك إن شاء الله إلى تكملة بقية الكتاب من جمع التكسير إلى آخره على طريقة أوله» «٣».
وهذا الكتاب يمثل بحق نهاية التدرج في التأليف النحوي، فهو يعد مجسما لعلم النحو بما آل إليه أمره في البيئة المصرية في أواخر عهد ازدهارها ونشاطها، وقد احتوى جهود السابقين وأفاد من تجاربهم ودرسهم، وعرض به صاحبه محصلة الدرس النحوي بمدارسه السابقة ونحاته المتعددين عرضا متأثرا بالبيئة التي نشأ فيها، وبما آل إليه أمر الدرس النحوي فيها، وبطبيعة هذه البيئة وخصائصها، وما تفرضه من الوضوح والبسط وحسن التنسيق في التأليف وما تؤديه بوصفها وارثة علوم الأجيال السالفة، قائمة على حفظها وتمثلها وحسن تعهدها.
стр. 319
٨ - النكت على الألفية لابن مالك، والكافية والشافية لابن الحاجب، وشذور الذهب ونزهة الطرف لابن هشام:
(مخطوط ضخم الحجم يقع في ٣٢٨ ورقة أي يستغرق ٦٥٦ صفحة، بدار الكتب برقم ٥٨١٥ هـ).
يعد هذا الكتاب دراسة نقدية لهذه المؤلفات النحوية، ولكن هذا النقد يتسم بروح العصر وطابعه، ولذلك فهو حريص على انتقاد التعريفات والحدود النحوية والمقارنة بينها في محاولة للوصول إلى أكثرها جمعا ومنعا، أو أصحها وأدقها وأنسبها من وجهة نظر السيوطي.
وقد وصف السيوطي عمله ومنهجه ونظام كتابه بقوله: إنه «نكت حررتها على كتب في علم العربية عم النفع بها وكثر تداولها وهي ... أذكر ما يرد على العبارة مع جوابه إن كان، وأنبه على ما اختلف فيه كلام مصنفيها في سائر كتبهم المختصرة كالتسهيل والكافية الكبرى والعمدة وسبك المنظوم لابن مالك، والوافية لابن الحاجب والقطر الجامع لابن هشام، وأشيع في الكلام بأقصر عبارة، وألخص فيه متفرقات كلام شراح هذه الكتب، وما وقفت عليه من تعاليق ابن هشام على الألفية والتسهيل معزوا إليه، وأشير فيه إلى مقاصد الشرح الوجيز الذي وضعته على الألفية، واتبع فيه ترتيب الألفية في المسائل والأبواب» «١».
ويتسم الكتاب بطابع الملاحظات الدقيقة التي ينبه عليها السيوطي، وتدل تسميته بالنكت على ذلك، فهو لا يفتأ يفضل عبارة مؤلف على عبارة مؤلف آخر، ولا يفتأ يفضل حدا من الحدود النحوية لمصنف على ما ذكره مصنف آخر معللا ذلك تعليلا يبين أوجه النقص والكمال، وتبدو شخصية السيوطي واضحة في مناقشة هؤلاء الأئمة من النحاة، وتظهر ثقته بعلمه وأقواله، فهو مثلا بعد أن تناول باب «الكلام وما يتألف منه» وانتقد حدود النحاة السابقين نقدا مفصلا لا يلبث أن يقول: «إذا علمت ما تقدم تقريره في
هذا الباب علمت حسن قولي في ألفيتي التي سميتها الفريدة:
стр. 320
كلامنا لفظ مفيد يقصد ... وعندنا الكلمة قول مفرد» «١»
ثم يورد أبيات هذا الباب التي ذكرها هناك إلى آخرها منبها بذلك على ما تحراه من الدقة والصواب في الحد والعبارة الأمر الذي لم يتسنّ لأئمة النحاة من قبله.
وفي بعض الأحيان يوجه السيوطي نقده إلى ابن الحاجب وابن مالك وابن هشام جميعا وفي أخرى يخص بالنقد أحدهم، فهو مثلا يضع فصلا باسم «أفعال المقاربة» ثم يقول: «هكذا ترجم الثلاثة وفيه أمران: أن في الترجمة بذلك تغليبا لأن من أفعال الباب ما هو للرجاء، وما هو للشروع، قلت: وان الأولى أن يترجم بكاد وأخواتها مناسبة لسائر النواسخ» «٢»، والأمر الثاني ينتقد فيه وضع ابن مالك هذا الباب عقب بابي التعجب ونعم وبئس في كتابه العمدة، وكان الحق أن يوضع في النواسخ.
ولا يقتصر نقده في كتابه على الحدود النحوية والعبارات بل يتجاوزه إلى تقسيمات هؤلاء المصنفين وآرائهم النحوية في أحيان كثيرة، فقد تعقب في باب أفعال المقاربة تصنيف هؤلاء المؤلفين لهذه الأفعال وانتقدهم في كثير من المواضع، وخص بالنقد صاحب الكافية، ومن بين ما وجهه إليه اعتباره «كرب» من أفعال الشروع، والمشهور خلافه، كما انتقده في كونه لم يذكر في أفعال الشروع سوى ثلاثة أو خمسة ... وغير ذلك من وجوه النقد «٣».
والواقع أن هذا المؤلف يدل على شخصية السيوطي النحوية واعتداده البالغ بآرائه، وحسن مناقشته وتعليله الذي لم ينس فيه أن يعتمد على النقول مؤيدا أفكاره ولكن هذه النقول لا تطغى على شخصيته كما عهد عليه كثيرا، بل يسوقها للاستدلال والاحتجاج لما يريده.
وقد استغرق الكتاب جهدا كبيرا من صاحبه، وقد عبر عن ذلك في آخره