← Тараджим

Тараджим · id 37651

جلال الدين السيوطي عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي

طاهر سليمان حمودة

Полный текст (419 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

نحس هنا بصفة خاصة انتقاءه لهذه النقول وانتقاده لها، ووضوح موقفه منها، أو نقدها من حيث صحتها، فحين ينقل عن البدر الدماميني رأيا في «غير» منسوبا للسيرافي لا يلبث أن يذكر أنه رأى في كلام السيرافي ما يخالفه «١». وإذا كان ضيق المكان يحتم علينا أن نجمل حكمنا على هذا الشرح، فانه لا يسعنا بعد ما قدمنا من أوصافه إلا أن نقرر أنه من أبسط الشروح النحوية وأوفاها، وأكثرها وضوحا واستيفاء، مع ما يتميز به من تناول كثير من المسائل التي أغفلها النحويون وبالرغم من حرصه على ذكر كثير من العلل النحوية فانه يوردها بأسلوب واضح قريب المأخذ. ٦ - شرح ألفية ابن مالك ، يسمى «النّهجة المرضية في شرح الألفية» سبق لنا أن بينا في حديثنا عن الحياة الثقافية في مصر عناية القوم بالمتون والشروح، وذكرنا أن مما حظى بتوفر الشراح عليه منظومة ابن مالك المعروفة بالألفية، وقد ترسم السيوطي خطى هذا العرف السائد في عصره، فتناول هذه المنظومة التي شرحها من قبل كبار النحاة، وأشهر شراح الألفية قبل السيوطي ابن عقيل (٧٦٩ هـ) ويمتاز شرحه بالسهولة والوضوح والبعد عن التعقيد، وقد تتبع في شرحه نظم ابن مالك بالبيان منبها في قليل من الأحيان على ما يخالفه، وفي أكثر الأحيان يوافق ابن مالك ويدفع عنه هجوم ابنه عليه، وقد عاصره ابن هشام (٧٦١ هـ) الذي ألف كتابه «أوضح المسالك» ولم يلتزم فيه بنص الألفية بل تناول موضوعاتها، ونبه في حديثه على ما يوافق ابن مالك فيه وما يخالفه، وقد نص في مقدمته على ذلك في قوله: «وربما خالفته في تفصيله وترتيبه» «٢». وثمة شروح أخرى سبقت السيوطي وشروح لحقته كشرح الأشموني (٩٢٩ هـ)، ولولا ضيق المقام لتناولنا بعضها بالمقارنة بشرح السيوطي، وإنما نكتفي بأن نبين ما تميز به شرحه، ويمتاز هذا الشرح بالتوسط بين الايجاز والإطناب، ويعمد فيه صاحبه إلى بيان مقصود الناظم بعباراته الواضحة مع

стр. 317

إكثار من الأمثلة، منبها في بعض الأحيان على بعض ما فات الناظم، ولكنه بصفة عامة لا يخالف الناظم إلا قليلا. وقد عبر السيوطي عن منهجه في شرحه بقوله: إنه شرح «يبين مراد ناظمها، ويهدي الطالب إلى معالمها، ولأبحاث منها ريح التحقيق تفوح، وجامع لنكت لم يسبقه إليها غيره من الشروح» «١». وقد كتب هذا الشرح قبل أن يكتب شرحه على ألفيته التي حاكى بها ألفية ابن مالك وحاول فيها الاستدراك عليه، ولذلك نلاحظ التشابه الكبير بين الشرحين، ويمكن أن نقول إنه في شرحه المتأخر قد أفاد من شرحه لألفية ابن مالك، ولهذا فان شرحه المسمى بالمطالع السعيدة جاء في صورة أقوى وأوضح وأكثر دقة من شرحه على ألفية ابن مالك، وسبب ذلك قيامه به بعد أن استحصدت قوته وقويت ملكته بحيث أفاد من جهوده السابقة، ولا يغض هذا من شأن شرحه على الألفية. ٧ - جمع الجوامع وشرحه همع الهوامع: يعدّ أجمع كتب السيوطي في النحو، ومن أجمع الكتب النحوية على الاطلاق ان لم يكن أجمعها وأوفاها، فقد احتوى كثيرا من المسائل التي أغفلتها الكتب النحوية كما حرص على ذكر الآراء المختلفة والأقوال المتنوعة، ولا يكاد يترك موضوعا إلا بعد استيفائه وذكر جميع الآراء فيه، وبالرغم من حشده بكثير من الأقوال فشخصية صاحبه تبدو واضحة في عرض الموضوع وتلخيصه ونسبة الأقوال واختيار أرجحها وتعليلاته لاختياراته المتنوعة. ومما يدل على ما بذل السيوطي فيه من جهد قوله في مقدمته: «وجمعته من نحو مائة مصنف فلا غرو أن لقبته جمع الجوامع» «٢». وقد قسم كتابه إلى مقدمات ثم سبعة كتب، وهو نفس التقسيم الذي اتبعه

стр. 318

في «المطالع السعيدة»، وقد نص هنا أيضا على ما ذكره هناك من أنه حذا في هذا الترتيب حذو كتب الأصول، وفي جعله سبعة أقسام مناسبة لطيفة مأخوذة من حديث ابن حبان «إن الله وتر يحب الوتر ... الحديث» «١». وقد درج في كتابه على أن يورد نص متنه منبها عليه بأنه الأصل ثم يتناوله بالشرح، أي أنه يفصل بين المتن والشرح، واستمر على ذلك إلى بداية الكتاب الثالث في المجرورات «٢»، فعدل عن هذه الطريقة إلى طريقة المزج وقد نبه على ذلك بما يوضح طريقة شرحه في سائر الكتاب بقوله: «واعلم أني لما شرعت في شرحه كنت بدأت أولا بشرح النصف الثاني فكتبت من أول الكتاب الثالث إلى أثناء جمع التكسير على طريقة المزج، ثم بدا لي أن أغير الأسلوب، فشرحت من أوله على النمط المتقدم، وكان في نيتي الاستمرار على هذه الطريقة إلى آخر الكتاب، والغاء القطعة التي كتبتها أولا ممزوجة، ثم لما ضاق الزمن عن ذلك أبقيت كل قطعة على حكمها، وضممت هذه القطعة إلى تلك ووصلت بينهما، ولا يضر كون الشرح على أسلوبين نصفه بلا مزج، ونصفه ممزوج، ونعود هناك إن شاء الله إلى تكملة بقية الكتاب من جمع التكسير إلى آخره على طريقة أوله» «٣». وهذا الكتاب يمثل بحق نهاية التدرج في التأليف النحوي، فهو يعد مجسما لعلم النحو بما آل إليه أمره في البيئة المصرية في أواخر عهد ازدهارها ونشاطها، وقد احتوى جهود السابقين وأفاد من تجاربهم ودرسهم، وعرض به صاحبه محصلة الدرس النحوي بمدارسه السابقة ونحاته المتعددين عرضا متأثرا بالبيئة التي نشأ فيها، وبما آل إليه أمر الدرس النحوي فيها، وبطبيعة هذه البيئة وخصائصها، وما تفرضه من الوضوح والبسط وحسن التنسيق في التأليف وما تؤديه بوصفها وارثة علوم الأجيال السالفة، قائمة على حفظها وتمثلها وحسن تعهدها.

стр. 319

٨ - النكت على الألفية لابن مالك، والكافية والشافية لابن الحاجب، وشذور الذهب ونزهة الطرف لابن هشام: (مخطوط ضخم الحجم يقع في ٣٢٨ ورقة أي يستغرق ٦٥٦ صفحة، بدار الكتب برقم ٥٨١٥ هـ). يعد هذا الكتاب دراسة نقدية لهذه المؤلفات النحوية، ولكن هذا النقد يتسم بروح العصر وطابعه، ولذلك فهو حريص على انتقاد التعريفات والحدود النحوية والمقارنة بينها في محاولة للوصول إلى أكثرها جمعا ومنعا، أو أصحها وأدقها وأنسبها من وجهة نظر السيوطي. وقد وصف السيوطي عمله ومنهجه ونظام كتابه بقوله: إنه «نكت حررتها على كتب في علم العربية عم النفع بها وكثر تداولها وهي ... أذكر ما يرد على العبارة مع جوابه إن كان، وأنبه على ما اختلف فيه كلام مصنفيها في سائر كتبهم المختصرة كالتسهيل والكافية الكبرى والعمدة وسبك المنظوم لابن مالك، والوافية لابن الحاجب والقطر الجامع لابن هشام، وأشيع في الكلام بأقصر عبارة، وألخص فيه متفرقات كلام شراح هذه الكتب، وما وقفت عليه من تعاليق ابن هشام على الألفية والتسهيل معزوا إليه، وأشير فيه إلى مقاصد الشرح الوجيز الذي وضعته على الألفية، واتبع فيه ترتيب الألفية في المسائل والأبواب» «١». ويتسم الكتاب بطابع الملاحظات الدقيقة التي ينبه عليها السيوطي، وتدل تسميته بالنكت على ذلك، فهو لا يفتأ يفضل عبارة مؤلف على عبارة مؤلف آخر، ولا يفتأ يفضل حدا من الحدود النحوية لمصنف على ما ذكره مصنف آخر معللا ذلك تعليلا يبين أوجه النقص والكمال، وتبدو شخصية السيوطي واضحة في مناقشة هؤلاء الأئمة من النحاة، وتظهر ثقته بعلمه وأقواله، فهو مثلا بعد أن تناول باب «الكلام وما يتألف منه» وانتقد حدود النحاة السابقين نقدا مفصلا لا يلبث أن يقول: «إذا علمت ما تقدم تقريره في هذا الباب علمت حسن قولي في ألفيتي التي سميتها الفريدة:

стр. 320

كلامنا لفظ مفيد يقصد ... وعندنا الكلمة قول مفرد» «١» ثم يورد أبيات هذا الباب التي ذكرها هناك إلى آخرها منبها بذلك على ما تحراه من الدقة والصواب في الحد والعبارة الأمر الذي لم يتسنّ لأئمة النحاة من قبله. وفي بعض الأحيان يوجه السيوطي نقده إلى ابن الحاجب وابن مالك وابن هشام جميعا وفي أخرى يخص بالنقد أحدهم، فهو مثلا يضع فصلا باسم «أفعال المقاربة» ثم يقول: «هكذا ترجم الثلاثة وفيه أمران: أن في الترجمة بذلك تغليبا لأن من أفعال الباب ما هو للرجاء، وما هو للشروع، قلت: وان الأولى أن يترجم بكاد وأخواتها مناسبة لسائر النواسخ» «٢»، والأمر الثاني ينتقد فيه وضع ابن مالك هذا الباب عقب بابي التعجب ونعم وبئس في كتابه العمدة، وكان الحق أن يوضع في النواسخ. ولا يقتصر نقده في كتابه على الحدود النحوية والعبارات بل يتجاوزه إلى تقسيمات هؤلاء المصنفين وآرائهم النحوية في أحيان كثيرة، فقد تعقب في باب أفعال المقاربة تصنيف هؤلاء المؤلفين لهذه الأفعال وانتقدهم في كثير من المواضع، وخص بالنقد صاحب الكافية، ومن بين ما وجهه إليه اعتباره «كرب» من أفعال الشروع، والمشهور خلافه، كما انتقده في كونه لم يذكر في أفعال الشروع سوى ثلاثة أو خمسة ... وغير ذلك من وجوه النقد «٣». والواقع أن هذا المؤلف يدل على شخصية السيوطي النحوية واعتداده البالغ بآرائه، وحسن مناقشته وتعليله الذي لم ينس فيه أن يعتمد على النقول مؤيدا أفكاره ولكن هذه النقول لا تطغى على شخصيته كما عهد عليه كثيرا، بل يسوقها للاستدلال والاحتجاج لما يريده. وقد استغرق الكتاب جهدا كبيرا من صاحبه، وقد عبر عن ذلك في آخره

стр. 321

حيث ذكر أنه ابتدأه سنة ٨٦٧ هـ، فكتب منه إلى نهاية المعرب والمبني، ثم عاود الكتابة عام ٨٧٦ هـ، فكتب من حروف الجر إلى آخر عطف البيان، ثم فتر العزم عنه إلى سنة ٨٨٥ هـ فكتب مما بعد المعرب والمبني إلى حروف الجر، وقد أتمه بصفة كاملة عام ٨٩٥ هـ «١»، وقد اختتمه بمنظومة من سبعة أبيات تبين اعتداده به والجهد الذي بذله يقول فيها «٢»: ثلاثين عاما ظلت أرقب جمعه ... وأجمع فيه ما تفرق في النقل يحرر كتبا عم في الناس نفعها ... وسارت بها الركبان في الوعر والسهل يقيد اطلاقا ويوضح مبهما ... ويفتح أغلاقا لما كان في قفل وكم فيه من نقل عزيز وجوده ... يعز على من رام إلا على مثلي فدونك تأليفا مفيدا محررا ... من الناس لم يسمح بذا أحد قبلي وقد عرف هذا الكتاب في عصر السيوطي ومن بعده، فالصبان في حاشيته ينقل عنه في بعض الأحيان «٣»، ويستدرك بنقوله عنه أحيانا ما فات الأشموني شارح الألفية «٤»، أو ما لم يوفق فيه الناظم «٥». ٩ - الفتح القريب على مغني اللبيب: حاشية له على المغني لم أقف عليها، وقد ذكرها بكتابه الذي خصصه لشرح شواهد المغني في قوله: «فإن لنا حاشية على مغني اللبيب لابن هشام مسماة بالفتح القريب، أودعتها من الفوائد والفرائد والغرائب والزوائد ما لو رامه أحد غيري لم يكن له إلى ذلك سبيل ولا فيه نصيب» «٦». وقد ذكر السيوطي هذا المصنف بحسن المحاضرة، وذكره صاحب هدية العارفين وقد خلط سركيس في معجمه بين هذا الشرح أو هذه الحاشية وبين

стр. 322

شرح الشواهد الذي سنعرف به بعد، وهما كما حدد السيوطي كتابان مستقلان، ولم أتمكن من الوقوف على هذا المصنف مطبوعا أو مخطوطا. ١٠ - شرح شواهد المغني: كان السيوطي في شرحه على المغني قد تناول الشواهد على وجه مختصر، ثم خطر له- كما حكى عن نفسه- أن يفرد الكلام على الشواهد، وهو يوضح منهجه ويحدده تحديدا واضحا اتبعه والتزم به في كتابه بقوله: «أورد أولا البيت المستشهد به، ثم أتبعه بتسمية قائله، والسبب الذي لأجله قيلت القصيدة، ثم أورد من القصيدة أبياتا استحسنها، إمّا لكونها مستشهدا بها في مواضع أخر من الكتاب، فأوردها ليعلم أن الجميع من قصيدة واحدة، أو لكونها مستشهدا بها في غيره من كتب العربية والبيان، أو لكونها مستعذبة النظر مستحسنة المعنى لاشتمالها على حكمة أو مثل أو نادرة أو وصف بليغ أو نحو ذلك، وإن كان البيت من مقطوعة وهي ما لم يزد على عشرة أبيات ذكرتها بكمالها، وقد أذكر قصيدة بكمالها لقلة أبياتها وكونها مما يستحسن كقصيدة السموأل التي أولها: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه، أو لكون المصنف استشهد بكثير من أبياتها كقصيدة الأعشى التي أولها: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا، ثم أتبع ما أورده من الاستشهادات العربية والنكت الشعرية، وما يتعلق بها من فائدة ونادرة، وأتبع ذلك بالتعريف بقائلها وذكر نسبه وقبيلته وعصره، وهل هو جاهلي أو مخضرم أو إسلامي؟ مراعيا في كل ذلك الطريق الأوسط لا مجحفا في الاختصار، ولا مبالغا في الاطناب والاكثار» «١». وقد التزم السيوطي بهذا المنهج الذي اختطه لنفسه التزاما دقيقا، ونبه في مقدمته كذلك على جملة صالحة من شروح الدواوين وكتب الأدب واللغة التي اعتمد عليها في شرحه. والواقع أن هذا الشرح يعبر عن ذوق السيوطي الأدبي في اختيار ما يستحسنه من الأشعار، فهو حريص على إيراد الجيد من الشعر من القصائد التي تؤخذ

стр. 323

منها الشواهد، وفي بعض الأحيان يدفعه كلفه الأدبي إلى إيراد قصة تتصل من قريب أو من بعيد بما هو فيه ليذكر بعض ما يستحسن من الشعر، ثم يأخذ في شرحه وبيان معانيه، أو نقل ما يتصل به من أخبار، ولذلك فالشواهد الأولى لا تخطى بعنايته وكأنه إنما يوردها لتكون سببا يتوصل به إلى إنشاد ما يستعذب من الشعر ويقع اختياره في أكثر الأحيان على أبيات النسيب والغزل الرقيق. وفضلا عن ذلك فهو دراسة لهذه المادة اللغوية التي استخرجت منها المقاييس النحوية وتناول لمعظم الشواهد التي وردت بكتب النحاة. ١١ - الشمعة المضية في علم العربية: (مخطوط بدار الكتب بالخزانة التيمورية برقم ١٢٧ نحو، في ثماني صفحات بخط جميل). يعدّ هذا المصنف متنا موجزا يبدو أنه وضعه للمبتدئين في علم النحو، وكذلك فقد حاول أن يعرف فيه بكثير من المصطلحات النحوية موجزا بعض الأحكام، وقد فاته بالطبع كثير من المصطلحات دون أن يشير إليها، فهي لا تعدو أن تكون عجالة سريعة تمس بعض أطراف الأبواب النحوية، تناول فيها الكلام والاعراب والمعرفة والنكرة والأفعال ثم تحدث عن بقية الأبواب تحت اسم المرفوعات والمنصوبات والمجرورات ثم اختتم المتن بالحديث عن التوابع، ويبين لنا إيجازه الشديد الذي اتبعه في هذا المتن حديثه عن الأفعال وما يتصل ببنائها وإعرابها في قوله: «الأفعال ماض مفتوح، وأمر ساكن، ومضارع في أوله أحد حروف نأيت مرفوع إذا جرّد عن ناصب وهو لن وإذن وكي ظاهرة وأن كذا، أو مضمرة بعد اللام وحتى وأو، وجازم وهو لم ولمّا ولام الأمر ولا في النهي، وإن وإذ ما ومن ومهما وأيّ ومتى وأيان وأينما وأنى وحيثما وكيفما للشرط» «١». ١٢ - الموشح في علم النحو: (مخطوط بدار الكتب برقم ١٩١ نحو بالخزانة التيمورية، وثمة نسخة أخرى، وعدد صفحاته سبع صفحات من المقطع الكبير).

стр. 324

ابتدأ السيوطي موشحه النحوي بقوله: إلى اله الأنام من نحلا ... أفضاله كلّ آمل أملا أرغب ثم صلى على نبيه وبين فضل علم النحو، وشرع في حد الكلام بقوله: فحدنا للكلام قد نقلا ... قصد مفيد للقصد قد شملا كاشرب ثم تتبع في عجل المعرب والمبني والنكرة والمعرفة ثم تناول المرفوعات فالمنصوبات فالمجرورات فالمجزومات، ثم تحدث عن التوابع بنفس الايجاز الذي اتبعه في المتن السابق، بيد أنه هنا يتحدث عن المجزومات أكثر تفصيلا من حديثه في متن الشمعة، وهنا يحتم عليه النظم والايجاز الشديد أن يعرض لمعالم الموضوعات دون تفصيل كبير، كما يبدو نظمه غير مبين للمعنى في نفسه في بعض الأحيان. تلك أهم مؤلفات السيوطي في النحو ويتضح منها الجهد العظيم الذي أسداه إلى هذا العلم والمقدرة الفائقة على تمثل مسائله وتصنيفها ودراستها، كما توضح موقفه من المدارس النحوية السابقة ومن النحاة السابقين. وإذا كان النحو يعني بربط مسائله بالحياة العامة من نواحيها المختلفة حيث يستفيد منه المشرع والفقيه والمتناول للنصوص وكاتب الديوان، وقد اتضحت بعض مظاهر هذا المفهوم في مؤلفات السيوطي السابقة، فإن له مجموعة من الآثار تمثل هذا المفهوم، أي دراسة النصوص نحويا أو بعبارة أخرى العناية بالجانب التطبيقي في دراسة النحو، وتتمثل في إبراز وظيفة النحو في فهم النصوص باعتباره عنصرا من أهم عناصر المعنى الكلي، وهذه الآثار تتمثل في الفتاوى النحوية التي أفتاها، وفي ثلاث رسائل أوردها بكتاب الحاوي. الفتاوى النحوية: والفتاوى النحوية تطلعنا على تقدير السيوطي وأهل عصره لوظيفة النحو وأهميته في فهم النصوص أو ما يمكن أن نطلق عليه وصل النحو بالحياة، فهي مجموعة من الأسئلة التي وردت إلى السيوطي نثرا أو نظما وأجاب عنها معللا

стр. 325

أجوبته بعلل مقنعة وهي تنيف على عشرين مسألة «١»، توضح عناية السيوطي بدراسة النصوص وتوجيهها نحويا بحيث يتفق الإعراب أو التحليل النحوي للنصوص مع المعنى السياقي الذي يفهم من عناصر وقرائن متعدّدة، وكأنه ينبه على أهمية السياق في توجيه الإعراب حتى لا يكون التحليل الخاطئ سببا في توجيه خاطئ للمعنى. فمنها أحاديث طلب إليه ضبط نصوصها فضبطها ووجه ضبطه، أو طلب إليه إعرابها وتوجيه قوله، فقد سئل- مثلا- عن «الجنة» في قوله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والجنة حق والنار حق»، هل الجنة بالرفع أو النصب؟ فأجاب بأنه «بالنصب لا يجوز غيره لأنه الذي يستقيم به المعنى ولا ينافي هذا قول النحاة: يجوز الرفع بعد استكمال الخبر لأنه حيث جاز أن يكون مستأنفا، والاستئناف هنا يخل بالمعنى إذ يصير المراد الإخبار بأن الجنة حق، وليس مرادا، وإنما المراد إدخاله في المشهود به فتعين النصب» «٢». ومن هذه المسائل أبيات من منظومات علمية في العروض، أو نصوص من كتب فقهية أو نصوص شعرية أو نصوص من خطب أو أقوال تفوه بها بعض أهل العلم في عصره. ولم تقتصر فتاواه على الناحية الاعرابية بل تناولت بنية الألفاظ وبعض المسائل الأخرى. ونلاحظ على إجابات السيوطي أنها أجوبة قاطعة- في الغالب- يقطع فيها بصحة رأي واحد ويعلل مذهبه تعليلا واضحا محكما يعتمد أولا على المعنى ويضع في الاعتبار الأصول النحوية، ولا يغرب في تعليلاته، ويحاول وضع قواعد دقيقة للنظر في النصوص وتوجيهها، حيث ينبغي أن يكون الإعراب مناسبا للمعنى الذي يفهم من عناصر وقرائن متعدّدة، فالإعراب أحد عناصر الوصول إلى المعنى وليس هو جميع العناصر. وتبين لنا هذه الفتاوى بعض معالم مذهب السيوطي النحوي، وقد تبينت في

стр. 326

إحداها موقفه من الاحتجاج بالحديث في اللغة، والمعروف أن النحاة الأقدمين لم يستشهدوا بالحديث نظرا لوفرة المادّة اللغوية التي انصرفوا إليها ومنها البادية التي كانت معينا لا ينضب من اللغة المنطوقة الفصيحة إلى منتصف القرن الرابع الهجري، أما المتأخرون من النحاة فتنوعت مواقفهم، فمنهم من يجيز الاحتجاج مطلقا كابن مالك، ومنهم من يمنعه مطلقا كأبي حيان، ومنهم من يتوسط بين المذهبين كالشاطبي فيقيد الاحتجاج بأحاديث لها شروط معينة تضمن سلامتها. وقد وقف السيوطي موقفا وسطا يبدو منه أنه يبيح الاحتجاج بالحديث في نفس الوقت الذي يضع فيه اعتبارا لما حدث لبعض الأحاديث من تحريف من قبل الرواة يجعلها غير مقبولة في الاحتجاج، فقد أجاب عن حديث: «كما تكونوا يولي عليكم» حيث سئل عن حذف النون دون ناصب أو جازم بتخريجه على ثلاثة أوجه: «أحدها أنه على لغة من يحذف النون دون ناصب وجازم كقول الشاعر: أبيت أسري وتبيتي تدلكي، وخرج على هذه اللغة من الحديث قوله ﷺ : «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا»، الثاني: وهو رأي الكوفيين والمبرد أنه منصوب أورده شاهدا على مذهبهم أن «كما» تنصب وعدوها من نواصب المضارع وهو مذهب ضعيف، والثالث: أنه من تغيير الرواة» «١». وإذا كان السيوطي هنا يتردد بين تأويل هذا الحديث وتوجيهه وبين نفي صحة عربيته فهذا يعني أنه لا يحتج بالأحاديث مطلقا وإنما يقف فيها موقفا وسطا، ولو كان ممن يحتجون بها مطلقا لاكتفى بذكر الوجهين الأول والثاني أو بأحدهما، فالنحاة إنما يتأولون من النصوص ما هو معتمد عندهم في الاحتجاج. ونستطيع أن نلمح مظاهر الاتساق في مذهب السيوطي النحوي من اتفاق أقواله وتعاضدها في كتبه المتنوعة، وفي إحدى هذه الفتاوى ينتقد تعريف اللفظ بأنه «الصوت المشتمل على بعض الحروف» لأنه تعريف غير جامع يخرج عنه الحرف الواحد كواو العطف وفائه وباء الجر ولامه، والأحسن تعريف اللفظ بأنه

стр. 327

«الصوت المعتمد على مقطع» «١» وقد ذكر هنا أنه عبر به في شرحه على الألفية، وقد سبق لنا الاشارة إلى هذا الحد. رسائل الحاوي: للسيوطي بكتابه «الحاوي» أربع رسائل نحوية ذكر منها ثلاثا بين أسماء مؤلفاته التي أوردها عقب ترجمته، والرسالة التي لم يذكرها هي «ألوية النصر في خصيصى بالقصر». وتتميز هذه الرسائل بأنها تعالج المشاكل النحوية المتصلة بالنصوص اللغوية المختلفة، فمثلها مثل فتاواه، بيد أنه هنا يتوسع في بسط البحث ومناقشة مسائله، ويعرض لكثير من الدقائق التي تتصل بالأصول النحوية، وطريقة فهم النصوص فهما سليما، وكيفية تخريجها على القواعد النحوية تخريجا يعين على إدراك المعنى ولا يكون سبيلا إلى إيهامه أو تغييره أو الاخلال به، وهذه الرسائل تؤكد ما قلناه من عناية نحاة البيئة المصرية بالربط بين النحو والحياة حيث يستعينون به على تفهم الأحاديث وكتب الفقه والعبارات المأثورة وسائر النصوص المختلفة التي تهمهم في حياتهم، وسنعرف هنا بهذه الرسائل باعتبارها أدلة على الفكرة السابقة، ولما بها من بعض الملاحظات التي سنتبينها. ١ - فجر الثمد في إعراب أكمل الحمد «٢»: تعقب السيوطي في هذه الرسالة ما أفتى به شيخه الكافيجي عام ٨٧٤ هـ، من ترجيح جرّ «أكمل» في قول القائل: «الحمد لله أكمل الحمد» على أن اللفظ وصف سببيّ محول أصله: أكمل حمده، فحول بالاضافة، وهو نظير قولك: «مررت بالرجل قائم الأب» فأصله «مررت برجل قائم أبوه»، وقد أفتى السيوطي بأن «المتعين في هذا التركيب النصب ولا يجوز الجر، ووجهه أنه نائب مناب المصدر المحذوف الذي هو في الأصل وصف له تقديره حمدا أكمل الحمد»، وقد علل رأيه بعلل نحوية واضحة تدعم صحة ما ذهب إليه، وبين

стр. 328

أن ما مثل به الكافيجي وهو «مررت بالرجل قائم الأب» يخالف العربية من وجوه أربعة عدّدها، والذي يعنينا أن السيوطي في فتواه وتخريج النصوص على القواعد النحوية يضع المعنى والسياق الثقافي في اعتباره ويستدل به في إثبات رأيه فهو يقول: «وأما امتناع الجر فيكاد يكون بديهيا لا يقام عليه دليل فان «أكمل» صفة للحمد قطعا لا لله، أما أولا فلأن أوصافه تعالى توقيفية، ولم يرد هذا الوصف فيها، وأما ثانيا فلأن الأصل عدم إطلاق أفعل التفضيل في حق الله إلا ما ورد مثل أكبر، وأحسن الخالقين لما يشعر بالمشاركة، وأما ثالثا: فلأن المقصود وصف الحمد المثبت بالأكملية والبلوغ نهاية التمام، لا وصف الله بذلك، وأما رابعا فلأن العلماء عبروا بما يدل على أنه وصف للحمد لا لله، ألا ترى إلى قول النووي في المنهاج أحمده أبلغ حمد وأكمله وأزكاه وأشمله، فأتى بالجميع صفات للحمد ومصادر له». والذي نريد أن ننبه عليه من ذلك هو أن السيوطي كان يضع في اعتباره الأول استقامة المعنى وصحته إلى جانب الأصول النحوية، فلكل منهما اعتباره ولكنه كان يقدم اعتبار المعنى على غيره من الاعتبارات، وهذا مناسب لما سبق أن عرفناه عنه من ميله إلى الوضوح والبساطة والبعد عن التعقيد وما يستتبعه من الفلسفة العقلية المجردة التي تبعد عن الواقع اللغوي، كما نرى عنايته بربط النحو بالحياة عن طريق النظر في النصوص المختلفة. ٢ - ألوية النصر في «خصيصى» بالقصر «١»: سبق أن أشرت إلى هذه الرسالة مثالا لما كان يحدث بين السيوطي وبين خصمه السخاوي، وهي تؤكد ما نقوله عن الربط بين النحو والحياة فهي تتصل بضبط كلمة «خصيصى» التي صححها السيوطي موجها القول إلى من قرأ عليه بالشيخونية «ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته» حيث قرأ القارئ بالياء الساكنة معتبرا الكلمة مثناة مضافة لما بعدها. وقد قرر السيوطي مؤكدا رأيه أن أئمة اللغة والعربية، قد أطبقوا على أن

стр. 329

«خصيصى» بألف القصر، وقد تمد شذوذا فيقال «خصيصاء»، وقد أورد عددا كبيرا ممن نص على هذا القول من أئمة اللغة كسيبويه والسيرافي والقالي وابن دريد وغيرهم، وقرر أنه لم يرد «خصيص» البتة حتى يقال في تثنيته «خصيصان» وذكر أن ابن دريد قد قرر أنه ليس لمولد أن يبني «فعّيلا» إلا ما بنت العرب وتكلمت به، ولو أجيز ذلك لقلب أكثر الكلام. وهكذا يؤيد السيوطي الوقوف عند السماع في بناء «فعّيل»، ولا يبيح فيه القياس. ٣ - الزّند الوري في الجوانب عن السؤال السكندري «١»: تتناول هذه الرسالة البحث في قوله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديّ أو نصرانيّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»، حيث يتضح بجلاء ما قلناه من تقدير السيوطي صحة المعنى واستقامته وتقديمها على بعض الأصول النحوية التي قد لا يفهم بواسطتها المقصود من العبارة وتكون سببا في تحريف المعنى، ذلك أن الإعراب الصحيح ينبغي أن يكون مناسبا للمعنى خادما له باعتباره أحد عناصره، وللمعنى عناصر كثيرة منها السياق المقامي والثقافي. والرسالة تعطي صورة للصراع بين فهم المعنى وأدائه وبين بعض الأصول النحوية، وقد عبر عن ذلك السيوطي في قوله: «وقد أشكل هذا الحديث على بعض الناس من جهة تنزيل المقصود منه على القواعد النحوية، فإن المقصود من الحديث أنه من سمع بنبينا ﵊ ممن شملته بعثته العامة، ثم مات غير مؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار، وفي تنزيل لفظ الحديث على هذا المقصود قلق كما سيأتي، وهذا الاشكال يعرض كثيرا في غير لفظ الحديث أيضا». وهنا تتضح هذه الفجوة التي حدثت بين اللغة وبين بعض الأصول النحوية المجردة التي أقيم بعضها نتيجة فلسفة عقلية بعيدة عن الواقع اللغوي، وقد تنبه السيوطي لهذه الفجوة بصدد مجموعة من الأمثلة الأخرى التي ساقها في رسالته من باب الاستثناء أيضا، ويعرض لبعض التخريجات النحوية

стр. 330

المحتملة في الحديث، وقد رجح كون الجملة الواقعة بعد «إلا» حالا، وعلل رأيه باطراد الحالية في جميع الأمثلة المشابهة، وقد حاول أن ينتصر للفكرة الصائبة التي ترى أن القواعد النحوية ينبغي أن تتصل باللغة وواقعها لا أن تنبثق عن العقل، فأنكر على من يخالفه فيما قرره قائلا: «وكم من قاعدة نحوية قدّرت ولم يبال بمخالفتها للقواعد العقلية فإن كلا من النحو والفقه معقول من منقول كما ذكر ابن جني، فتارة يلاحظ فيها الأمر العقلي وتارة يلاحظ فيها الأمر النقلي» «١». وهكذا فإن السيوطي قد توصل إلى ما تنادى به علماء اللغات في عصرنا الحديث من أن منطق اللغة يخالف منطق العقل، وأن في تحكيم العقل في اللغة ضروبا من التعسف، وأنّه قد بات من المقرر فساد إقامة الفلسفة اللغوية على أساس المنطق العقلي. ٤ - رفع السنة في نصب الزّنة «٢»: سئل السيوطي عن وجه النصب في قوله ﷺ : «سبحان الله وبحمده زنة عرشه، ورضا نفسه، وعدد خلقه، ومداد كلماته»، فأجاب بأن هذه الكلمات الأربع منصوبات على تقدير الظرف، والتقدير: قدر زنة عرشه، وكذا البواقي فلما حذف الظرف قام المضاف إليه مقامه في إعرابه، ونص على أن هذا الاعراب هو المتجه المطرد السالم من الانتفاض. ولما كان السؤال يستفسر عن جواز النصب على المصدر أو الحال أو على حذف الخافض فقد بحث السيوطي هذه الحالات وبين عدم إمكانها لفساد التقدير، وذكر أن نزع الخافض قريب من المصدر، وحاول أن يعضد وجهة نظره بكثير من الأمثلة والشواهد المناظرة التي تدل على انتصاب كلمة «قدر»، أو ما في معناها على الظرفية، ثم جواز حذفها وإقامة المضاف إليه مقامها. ونلحظ أيضا سير السيوطي على نفس منهجه السابق في تقدير المعنى، فالمعنى هو الذي يحدد الاعراب ويوجهه، ولذلك يميل إلى ترجيح إعراب واحد به

стр. 331

يكمل المعنى ويستقيم ويتضح، وقد نبه على بعض الوجوه الممكنة في الاعراب غير ذلك بيد أنه وصفها بأنها «لا يعول عليها والعمدة الأول»، أي نصب هذه الكلمات على الظرفية. بقية الآثار: ثمة مجموعة من آثار السيوطي النحوية فضلا عما قدمناه جلّها لم يصل إلينا، وبعضها تضمنته آثاره السابقة، وكثير من هذه الآثار مسائل جزئية أو مختصرات، وبعضها توحي أسماؤه بضخامته، وأرى أن أسرد هذه الآثار لنختتم بها ما يتصل بهذا الموضوع، وننتقل إلى موضوع آخر. ١ - المصاعد العلية في القواعد النحوية: ذكره بين مؤلفاته في ترجمته بحسن المحاضرة، وهو نفس الباب الأول من كتاب الأشباه والنظائر الذي تحدث فيه عن القواعد والأصول التي ترد إليها الجزئيات والفروع وهو يشمل الجزء الأول من الكتاب، وقد نص عليه في حسن المحاضرة لأنه إلى ذلك الحين الذي كتب فيه الترجمة لم يكن قد أتم كتاب الأشباه والنظائر الذي ضمن فيه هذا المؤلف وغيره على ما يبدو، ويؤيد ما نقول أنه لم يذكر كتاب الأشباه والنظائر بين مؤلفاته، مما يدل على تأخر تصنيفه. ٢ - مختصر الملحة في الاعراب: (ذكرت بحسن المحاضرة وكشف الظنون، وهي منظومة، ولم أقف عليها). ٣ - شرح الملحة (ذكرت بحسن المحاضرة وهدية العارفين). ٤ - شرح كافية ابن مالك (ذكرها بحسن المحاضرة). ٥ - در التاج في إعراب مشكل المنهاج (ذكر بحسن المحاضرة وهدية العارفين). ٦ - مسألة: ضربي زيدا قائما (ذكرت بحسن المحاضرة). ٧ - المسلسلة الموشحة (ذكرت بحسن المحاضرة، وقد ضمنها في كتابه الأشباه والنظائر في الفن الثالث وهو بناء المسائل بعضها على بعض، والذي سماه هناك

стр. 332

سلسلة الذهب في البناء من كلام العرب، وقد قال في مقدمة الأشباه والنظائر: «وقد ألفت فيه قديما تأليفا لطيفا يسمى بالسلسلة») «١». ٨ - شذا العرف في إثبات المعنى للحرف (ذكره بحسن المحاضرة). ٩ - التوشيح على التوضيح (ذكره بحسن المحاضرة). ١٠ - السيف الصقيل في حواشي ابن عقيل (ذكره بحسن المحاضرة). ١١ - حاشية على شرح الشذور (ذكرها بحسن المحاضرة). ١٢ - شرح القصيدة الكافية في التصريف (ذكره بحسن المحاضرة). ١٣ - قطر الندى في ورود الهمزة للندا (ذكره بحسن المحاضرة). ١٤ - شرح تصريف العزى (ذكره بحسن المحاضرة). ١٥ - تعريف الأعجم بحروف المعجم (ذكره بحسن المحاضرة). ١٦ - نكت على شرح الشواهد للعيني (ذكره بحسن المحاضرة).

стр. 333

السيوطي وعلم أصول النحو رأينا أن السيوطي قد وضع أصولا لنقد الرواية اللغوية تحاكي أصول المحدّثين وهو عمل يعد من مبتكراته، وقد حاول تصنيف المادة اللغوية تصنيفا يضاهي تصنيف المحدثين وقد استطاع أن يتناول بالبحث النظري في أصول اللغة بعض المسائل التي لم تكن قد استقرت الاستقرار الكافي، أو الأصول التي لم تحظ إلى ذلك الحين بأن توضع في إطار محكم منظم كما هو الحال لدى أهل الحديث. ونحن هنا بصدد محاولة رائعة قام بها السيوطي فيما يتصل بالنحو، فقد حاول في كتابه «الاقتراح» أن يقيم بناء شامخا يمثل أصول النحو، ويكون المنهج الذي يتبعه النحاة في استنباطهم واستقرائهم، ومعبرا عما سلكوه في درس النحو من قبل. والواقع أن المنهج النحوي أو مجموعة القواعد والنظم التي يتبعها النحويون في الاستقراء والاستنباط ظلت إلى وقت متأخر عرفا غير مكتوب، يلاحظه النحاة ويشيرون إلى التزامه واتباعه في عبارات قليلة مبتسرة، ولم يعمد أحد إلى وضع هذه النظم والقواعد في إطار علم معين. والبحث في الأصول وهو يعني البحث في المناهج يأتي متأخرا بعد استقرار العرف العلمي الذي يدرج عليه أوائل الباحثين في علم من العلوم، هكذا كان الحال في العلوم الاسلامية، فوضع أصول الحديث إنما جاء بعد أن قامت أجيال متعاقبة من العلماء برواية الحديث والتحرج في روايته، وكان لهم عرف ملتزم، وعبارات متداولة لم تلبث أن أخذت تتجمع شيئا فشيئا، حتى وضع منها المتأخرون علما في نقد الرواية.

стр. 334

وقد عرف الاجتهاد الفقهي منذ عصر الصحابة، ووجد كثير من الفقهاء الذين استنبطوا كثيرا من الأحكام، وعملوا بالقياس، وكانت لهم طرق متمايزة في الاستدلال والاستنباط، وكانت هذه الطرق والأصول بمثابة العرف الذي يحرص عليه الفقهاء ويشيرون إليه في عبارات مختصرة، ولم يتح لهذه الأصول أن تتخذ شكلها العلمي التنظيري الوافر إلا بعد أن أملى الشافعي (٢٠٤ هـ) رسالته التي أحاط فيها بجوانب هذا العلم، ولذلك فقد اشتهر الشافعي بأنه واضع علم الأصول، وليس يعني هذا أنه مخترع هذه الأدلة أو الموضوعات، ولكن يعني أنه أول من استطاع أن يتجرد لصياغة هذه الأفكار المتعارف عليها في إطار نظري محدود يكون بمثابة تخطيط يترسمه الفقيه في اجتهاده الفقهي. إذا كان هذا ما حدث في علمي الحديث والفقه فهو نفس ما حدث في البيئة النحوية. لقد وجد النحاة منذ وقت مبكر، وتمت الملاحظات النحوية، واستطاع النحو أن يتخذ شكلا متكاملا في كتاب سيبويه، وقد تعارف النحاة في استقرائهم واستنباطهم ووضع مقاييسهم على عرف محدد التزموا به سواء فيما يتصل بمن يأخذون عنهم أم بالمادة اللغوية أم بطريقة استخراج القوانين، وبالرغم من وضع الضوابط النحوية منذ وقت مبكر فإن التجرد لبحث هذا المنهج النحوي لم يبدأ التفكير فيه إلا بعد وقت طويل. ذلك أن القدماء كانت عنايتهم بالتطبيق أغلب من عنايتهم بالتنظير، والعناية بالتطبيق أو الجوانب العملية من البحث هو ما تدعو إليه الحاجة في أول الأمر، ثم يأتي التنظير في المراحل التالية. وقد قدر لأصول الفقه أن توضع منذ وقت مبكر كما رأينا، وقد أخذ علم الأصول طريقه في التدرج شيئا فشيئا، ووضعت فيه التقسيمات والتفريعات المختلفة، بيد أننا ننظر في البيئة اللغوية فلا نرى من حاول وضع أصول للنحو، حتى إذا ما قدر لهذه البيئة أن تتجه إلى هذه الوجهة فإنها تقوم بصنيعها مترسمة خطى البيئة الفقهية في أصولها، فيأتي ابن جني في القرن الرابع الهجري ويحاول أن يضع بعض الأصول النحوية في كتابه الذي ذكر أنه وضعه نتيجة لأنه لم ير «أحدا من علماء البلدين تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام

стр. 335

والفقه» «١»، وقد أشار ابن جني إلى عمل قام به أبو الحسن الأخفش (٢١٠ هـ) يعد ممهدا لما قام به ابن جني. وقد ربط النحويون بين أصولهم وبين أصول الفقه، وعبارة ابن جني الآنفة، تدل على شروعه في إقامة الأصول النحوية على نمط الأصول الفقهية، وتأثره بأصول الفقه واضح في حديثه عن القياس والاستحسان والاجماع، وفي حديثه المسهب عن العلل النحوية وهل هي أقرب إلى علل المتكلمين أم إلى علل المتفقهين؟، وقد استمر تأثر أصول النحو بأصول الفقه بعد ابن جني فظهر هذا الأثر عند ابن الأنباري كما ظهر عند السيوطي. والواقع- وهو ما سبق أن نبهت إليه في بحثي عن القياس- أنه كان على هؤلاء النحاة حين حاولوا رسم منهج للنحو أي حين قاموا بوضع أصول للنحو أن ينظروا إلى القياس النحوي الذي قامت عليه الأحكام النحوية فيحددوا ما ينبغي أن يقاس عليه، ثم كان عليهم أن يرسموا للمجتهد في اللغة طريقا واضحة المعالم في استنباط الأحكام النحوية الناتجة عن الاستقراء اللغوي، وليس يهم بعد ذلك أن تجيء هذه الأصول موافقة في بعضها لأصول الفقه ومغايرة في بعض، فالأهم أن يكون المنهج معبرا عن الواقع الذي يتناوله ويعيش فيه ويخطط له، مراعيا طبيعته ومقرراته، وأهدافه، فما الذي حدث لأصول النحو نتيجة ربطه بأصول الفقه؟ لقد نتج عن هذا الربط أمران يتصل أولهما بموضوع أصول النحو التي روعي فيها أن تطابق التقسيمات المتعارف عليها عند الفقهاء، والثاني: تطور التأليف في أصول النحو تبعا لتطور التأليف في أصول الفقه، وهو ما سنلاحظه عند المقارنة بين وضع السيوطي لأصول النحو وبين ما قام به سابقوه وأهمهم ابن جني (٣٩٢ هـ)، وابن الأنباري (٥٧٧ هـ)، وقد استمر الربط بين أصول النحويين وأصول الفقه منذ بدايات الحديث في أصول النحو على يد ابن جني وقليل من سابقيه، إلى نهاية مراحل التأليف في أصول النحو عند السيوطي.

стр. 336

وقد بينت في بحثي عن القياس معالم التأثير ودوافعه التي أدت إلى تأثر أصول النحو بأصول الفقه، ولا أرى لزاما أن أعيد هذا الحديث فإنما أبغي هنا شيئا آخر هو بيان الدور الذي قام به السيوطي في أصول النحو، وإذا كان هذا ما نهدف إليه فقد كان من الضروري أن نبين الارتباط بين أصول النحو وبين أصول الفقه وفيما قدمناه غناء، وضرورة ذلك تنبع من أن تدرج أصول الفقه وتطور التأليف فيه أحدث أثره في أصول النحو. ولبيان دور السيوطي نرى لزاما أن نتبين الجهود التي سبقته ليتضح بالمقارنة بين عمله وعمل السابقين معالم دوره وحدوده. وأهم من تحدث عن أصول النحو قبل السيوطي ابن جني في القرن الرابع، ويبدو أنه كان مسبوقا ببعض المحاولات التي قام بها أبو الحسن الأخفش في كتابه المقاييس. بالإضافة إلى الإشارات والعبارات الموجزة المتناثرة المبثوثة في كتب النحو وأهمّها كتاب سيبويه والشروح عليه، بيد أنها لا تمثل تنظيرا كافيا أو مناسبا لأصول النحو. ويظهر بعد ابن جني ابن الأنباري في القرن السادس، ولا نجد غيرهما من النحويين الذين سبقوا السيوطي من حاول أن يتناول أصول النحو بصفة عامة كصنيعهما وأهم ما هنالك غير ذلك طرق بعض الموضوعات التي تتصل بأصول النحو كبحث العلل النحوية وقد درسها الزجاجي (٣٣٧ هـ)، في كتابه الايضاح ويبدو أنه أول من أفرد للتصنيف في العلل، وهو مسبوق بكثير من الأبحاث في العلة النحوية، فهم ينسبون إلى ابن أبي إسحاق أنه «أول من بعج النحو ومدّ القياس والعلل» «١» ثم بحث الخليل العلل النحوية وقرر أنه اعتلّ بما يرى أنه علة لما علل وربما يسنح لغيره ما هو علة أخرى أليق «٢»، فهو بذلك يجعل العلل النحوية أمرا عقليا اجتهاديا، وقد انفسح المجال بذلك أمام النحاة في محاولة استخراج العلل النحوية إلى أن صنف فيها الزجاجي مؤلفه.

стр. 337

وفي حديث الزجاجي عن العلل نستطيع إدراك تطور دراسة العلل النحوية عند النحاة حيث يورد الزجاجي بصدد بعض المسائل ما احتج به أوائل النحاة كالخليل وسيبويه، ثم ما احتج به من بعدهم، ونلمس من هذا الحديث تعقد دراسة العلل شيئا فشيئا بعد بساطتها على ضوء ما ثقف النحاة من الفقه وعلم الكلام وما مارسوه من أساليب الجدل. وقد قسم الزجاجي في كتابه العلل النحوية إلى ثلاثة أقسام «١»: العلل التعليمية، والعلل القياسية، والعلل الجدلية، فالعلل التعليمية وتسمى بالعلل الأولى هي التي يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب فعلة نصب «زيدا» في «إن زيدا قائم» هو مجيء «إن» قبلها لأنها تنصب الاسم وترفع الخبر ليس غير، وعلة رفع «زيد» في «قام زيد» أنه فاعل. والعلل القياسية هي العلل الثواني التي تأتي بعد العلل الأولى كأن يسأل سائل عن العلة في نصب «إن» لفظة «زيدا»، فيجيب النحاة بأنها هي وأخواتها أشبهت الفعل المتعدي إلى مفعول به واحد فعملت عمله، وتلاها منصوب كأنه مفعول مقدم ومرفوع كأنه فاعل مؤخر، فهي من هنا تشبه من الأفعال ما قدّم مفعوله على فاعله. والعلل الجدلية وتسمى بالعلل الثوالث هي كل ما يأتي من العلل بعد ذلك، فكل ما يعتلّ به في باب «إنّ» بعد ما قدمنا هو من قبيل العلل الثوالث، كأن يسأل سائل: بأي الأفعال شبهت «إن» وأخواتها: أبالماضية أم المستقبلة؟ أو يسأل آخر لماذا لم يجز في «إن» وأخواتها أن يتقدم مرفوعها على منصوبها كما يحدث ذلك في الفعل؟ فكل ما يعتلّ به النحاة جوابا عن هذه الأسئلة ونحوها هو من قبيل العلل الثوالث. ولا يخفى أن العلل التعليمية هي التي تمس الحاجات العملية لدارس النحو والناطقين باللغة، أما العلل الثواني والثوالث فليست إلا من قبيل الفلسفة اللغوية التي تحاول تعليل ما هو كائن بالفعل في اللغة بعلل يخترعها النحاة بعد

стр. 338

طول النظر والتأمل وهذه الفلسفة تحاول جاهدة تلمس وجوه الحكمة في أوضاع اللغة، ولذلك فهي لا تفيد الحاجات العملية للناطقين، وقد كانت سببا في ثورة ابن مضاء القرطبي الذي دعا إلى إسقاط هذه العلل من النحو «١». وقد تطور درس العلل النحوية بعد الزجاجي، فأسهب ابن جني في الحديث عنها وتبعه ابن الأنباري، ونجد في كتابه «الانصاف» كثيرا من الأمثلة لهذه العلل الثواني والثوالث التي تعقد درسها شيئا فشيئا، ونرى بعد ذلك صورة لما آل إليه أمر هذه العلل النحوية التي حاول بعض المتأخرين حصرها في أربع وعشرين علة «٢»، وهي علل يقصد منها تعليل الصور النحوية بربطها بأسبابها وحمل بعضها على بعض على نحو ما يصنع الفقهاء «٣». ونعود ثانية إلى تفصيل الجهد الذي قام به ابن جني وابن الأنباري، ثم ننظر في عمل السيوطي. الواقع أن ابن جني بالرغم من ضخامة كتابه الخصائص الذي ذكر في أوله أنه وضعه في أصول النحو فإنه خارج في أكثر أبوابه عن «الأصول» بالمعنى الذي تقرر فيما بعد وقد تناول فيه بعض أدلة النحو فتحدث عن السماع والاجماع والقياس، وتناول العلل النحوية بحديث مفصل، بيد أن كثيرا من مباحث الكتاب تخرج عن مباحث علم الأصول وتتناول موضوعات أخرى متصلة باللغة، بل إن حديث ابن جني عن الموضوعات التي أشرنا إليها لم يكن حديثا مركزا، وبالرغم من وقوفه على كثير من الحقائق الهامة في الأصول فإن كتابته تعد بداية لمن بعده، وتأتي أهميته من أنه أول من تناول بالبحث المسهب بعض المسائل التي عرفت في علم أصول النحو معتمدا على أوليات قام بها أبو الحسن الأخفش ومن قبله الخليل وسيبويه، ويعد وصف السيوطي لعمل ابن جني في الأصول أصدق الأوصاف حيث يذكر أنه «وضعه في هذا المعنى وسماه أصول النحو لكن أكثره خارج عن هذا المعنى، وليس مرتبا، وفيه الغث والسمين

стр. 339

والاستطرادات» «١». ومن الطبيعي أن تكون أولية التأليف غير متكاملة وغير متناسقة، وهذا شأن جميع العلوم فلا عجب أن يختلف متناولو أصول النحو بعد ابن جني عنه، ويكتسب حديثهم نوعا من التقسيم والتنظيم الذي نلاحظه دائما في تدرج العلوم ونموها حيث تتدرج الملاحظات شيئا فشيئا لتأخذ شكل القوانين أو الأصول الثابتة المقررة، وتستقر للعلم بعض المصطلحات ويتحدد معناها. فإذا ما نظرنا في صنيع ابن الأنباري (٥٧٧ هـ) ولا نعرف من تكلم بعد ابن جني في أصول النحو قبله وجدنا ذلك العلم قد أخذ يستقر شيئا من الاستقرار، وقد حمل ابن الأنباري النحو وأصوله على الفقه وأصوله، فتأثر بصنيع الفقهاء والأصوليين، وحاول تطبيق ذلك في اللغة، فإذا كانت هناك مسائل في الخلاف معروفة بين الفقهاء فإن ما يناظرها في البيئة النحوية هو مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين التي رتبها مؤلفها على نمط المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة، وهذه محاولة لا نشاء فن الخلاف في النحو كما هو معروف لدى الفقهاء، كما تأثر ابن الأنباري أيضا بعلمي الكلام والفقه في وضع فن «الجدل» الاعرابي في كتابه الاغراب في جدل الاعراب، وبعض مسائله تتصل بمباحث أصول النحو. أما علم أصول النحو فقد ترك ابن الأنباري فيه كتابه «لمع الأدلة» الذي حاول فيه وضع الأصول النحوية على نمط الأصول الفقهية، بيد أنه قد تكلم بايجاز شديد في جميع موضوعات أصول النحو، وقد قسم كتابه تقسيما أكثر ملاءمة للأصول، وأكثر مشابهة لتقسيمات أصول الفقه مما وجدناه عند ابن جني، وقد جعل كتابه في ثلاثين فصلا، ولا يهولنك ذلك فأغلب هذه الفصول لا يتجاوز صفحة واحدة وكان يحسن به أن يسميها مسائل بدلا من تسميتها بالفصول، وقد تناول في هذه الأقسام تعريف أصول النحو فحده بأنه «أدلة النحو التي تفرعت منها فروعه وأصوله، كما أن أصول الفقه أدلة الفقه التي

стр. 340

تنوعت عنها جملته وتفصيله» «١»، كما بين فائدته، ثم قسم هذه الأدلة إلى أقسام ثلاثة هي النقل والقياس واستصحاب الحال، وتناول النقل وتقسيمه إلى متواتر وآحاد وشروط كل منهما، وما يتصل بنقد الرواية وعدالة الرواة، ثم انتقل إلى الحديث عن القياس في الفصل العاشر واحتج لثبوته في النحو، وسنتبين أن كثيرا من الحديث عن القياس إنما هو حديث نظري عقلي مستمد من الفقه وأصوله بعيد عن اللغة وطبيعتها ومقتضياتها، ثم تناول أقسام القياس وهي أقسام شابهت أقسام القياس الفقهي، ولم تحك الواقع اللغوي، ثم تحدث عن العلة وشروطها وجواز التعليل بعلتين وأمثال هذه المسائل التي نجدها عند الأصوليين، ثم تناول وجوه الاستدلال فذكر الاستدلال بالتقسيم والاستدلال الأولى والاستدلال ببيان العلة ثم تحدث عن الاستحسان وتعارض الأدلة، واستصحاب الحال، والاستدلال بعدم الدليل. ونلاحظ على تقسيمات ابن الأنباري أنها مستقاة مما وصل إليه علم الأصول الفقهي في عهده حيث تميزت هذه الأقسام، واتضحت وأفاض في الحديث عنها الأصوليون، وقد حاول ابن الأنباري نقلها من البيئة الفقهية إلى البيئة النحوية، فأفلح في كثير من الجوانب، وتعسف وأخفق في جوانب غير قليلة حيث بدت بحوثه غير معبرة عن الواقع اللغوي وغير مستقاة من المسلك النحوي الأصيل الذي اختطه أئمة النحو واللغة وسلكوه في العصر الأول، وحينئذ فإنها لا تعدو أن تكون حديثا نظريا عقليا يعتمد على منطق ذهني مجرّد بعيد عن اللغة. وأتى السيوطي ورأى انصراف القوم- في عصره- عن أصول النحو والتأليف فيه، كما أنه لم يسبقه على مدى قرون طويلة غير هذين الرجلين اللذين لم يتمكنا من إرساء بناء قوى لعلم أصول النحو يكون بالنسبة للنحو كأصول الفقه بالنسبة للفقه، وكل ما أثر عن غيرهما إنما هو شذرات متناثرة وعبارات مقتضبة في ثنايا كتب اللغة والنحو والأدب. وقد نظر السيوطي في صنيع القوم قبله وحاول الافادة منه بما يناسب علم الأصول نافيا عنه ما هو خارج عنه، ويصف عمله وصفا دقيقا بقوله: «واعلم أني قد استمددت في هذا الكتاب كثيرا من

стр. 341

كتاب الخصائص لابن جني فإنه وضعه في هذا المعنى، وليس مرتبا وفيه الغث والسمين والاستطرادات، فلخصت منه جميع ما يتعلق بهذا المعنى بأوجز عبارة وأرشقها، وأوضحها معزوا إليه، وضممت إليه نفائس أخر ظفرت بها في متفرقات كتب اللغة والعربية والأدب وأصول الفقه، وبدائع استخرجتها بفكري ورتبته على نحو ترتيب أصول الفقه في الأبواب والفصول والتراجم» «١». ولم يغفل السيوطي الحديث عن ابن الأنباري الذي سبقه في هذا الميدان، فقد ذكر كتابيه في الأصول والجدل، وبين موضوعات الفصول التي تناولها الكتابان، ثم بين إفادته منهما بقوله: «وقد أخذت من الكتاب الأول- يقصد لمع الأدلة في أصول النحو- اللباب، وأدخلته معزوا إليه في خلل هذا الكتاب، وضممت خلاصة الثاني في مباحث العلة، وضممت إليه من كتاب الانصاف في مباحث الخلاف جملة ولم أنقل من كتبه حرفا إلا مقرونا بالعزو إليه ليعرف مقام كتابي من كتابه» «٢». وتوضح لنا العبارة الأخيرة إدراك السيوطي أن أهم من تناول أصول النحو قبله ابن الأنباري، وأنه أراد بكتابه أن يفوق صنيع سابقه. ويتميز عمل السيوطي عن سابقيه بما يأتي: أولا: الفهم الدقيق والمحدد لعلم أصول النحو، وموضوعه وأهدافه، فقد حدّه بأنه «علم يبحث فيه عن أدلة النحو الاجمالية من حيث هي أدلته، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستدلّ» «٣»، وهو حد أكثر بيانا وتفصيلا من حد ابن الأنباري الذي ذكر أن «أصول النحو أدلة النحو التي تفرعت منها فروعه وفصوله» «٤». وقد حدد ابن جني أدلة النحو بثلاثة أدلة هي السماع والاجماع والقياس، وحددها ابن الأنباري بأنها النقل والقياس واستصحاب الحال، فخلص السيوطي من ذلك إلى تحديدها بأربعة هي السماع والاجماع والقياس

стр. 342

والاستصحاب، وذكر أن هناك أدلة أخرى تأتي في مرتبة دون ذلك. وقد بين السيوطي معنى الأدلة الاجمالية وبين أن الأدلة الاجمالية هي التي يتناولها بالبحث علم الأصول، أما الأدلة التفصيلية كدليل جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار وأمثال ذلك فمجاله علم النحو نفسه، وليس من مباحث أصوله. وبين أن قوله: من حيث هي أدلته «بيان لجهة البحث عنها أي البحث عن القرآن بأنه حجة في النحو لأنه أفصح الكلام سواء كان متواترا أم آحادا، وعن السنة كذلك بشرطها الآتي، وعن كلام من يوثق بعربيته كذلك، وعن اجتماع أهل البلدين كذلك، أي أن كلا مما ذكر يجوز الاحتجاج به دون غيره، وعن القياس وما يجوز من العلل فيه وما لا يجوز» «١». ثم شرح معنى كيفية الاستدلال مبينا أنه عند تعارض الأدلة ونحوه «كتقديم السماع على القياس واللغة الحجازية على التميمية إلا لمانع، وأقوى العلتين على أضعفهما، وأخف الأقبحين على أشدهما قبحا» «١»، ثم بين معنى قوله «وحال المستدل» بأنه يتناول البحث في المستنبط للمسائل من الأدلة المذكورة: صفاته وشروطه وما يتبع ذلك «١». ثانيا: ترتيب الكتاب بحسب ما يقتضيه علم الأصول، وهو ما لم يقم به ابن جني فكتابه يحوي ما يتصل بالأصول وما هو خارج عنها، كما أن ابن الأنباري لم يوفق في ترتيب كتابه، وأهم ما يميز كتاب السيوطي ترتيبه الموافق للموضوع، فإذا كان علم الأصول يبحث عن الأدلة الاجمالية وكيفية الاستدلال بها وحال المستدل، فقد تناول السيوطي كلا من هذه الأدلة في فصل مستقل سماه كتابا، فالكتاب الأول في السماع، والثاني في الاجماع، والثالث في القياس، والرابع في الاستصحاب والخامس في أدلة شتى، والسادس في التعارض والترجيح، والسابع في أحوال مستنبط النحو. ويعد هذا الترتيب على هذا النسق أو في ترتيب وأكثره دقة فيما يتصل بأصول

стр. 343

النحو، وهو ما لم يتنبه إليه ابن الأنباري الذي ألف في الأصول من قبل. والواقع أن التدرج التاريخي واستقرار علم أصول الفقه بحيث درج الفقهاء على أن يبدءوا مؤلفاتهم بالمقدمات اللغوية التي تهم الأصوليين، ثم يتحدثون بعد ذلك عن الأصول الأربعة القرآن والسنة والاجماع والقياس ثم يتبعون ذلك ببقية الأدلة، هو الذي حدا بالسيوطي إلى أن يرتب كتابه على النحو الذي انتهى إليه الفقهاء في أصولهم، ولعل هذا الترتيب لم يكن قد استقر عند وضع ابن الأنباري كتابه، وقد عبر السيوطي عن سبقه وابتكاره في هذا الكتاب قائلا: إن «جمعه وترتيبه صنع مخترع، وتأصيله وتبويبه وضع مبتدع» «١». ثالثا: المقدمات التي قدم بها السيوطي لكتابه لم يتناولها ابن الأنباري، وقد تشتت وتفرق بعضها في مباحث ابن جني، بينما جمعها السيوطي وجعلها بمثابة المقدمات لهذا الكتاب، وقد تناول فيها باختصار شديد يبين فهمه أنها مقدمات لهذا العلم وليست من أصوله، تناول فيها حدود النحو واللغة والقول في نشأة اللغة ومناسبة الألفاظ للمعاني، والدلالات النحوية، كما تناول الحكم النحوي وقسمه كتقسيم الفقهاء للحكم الفقهي إلى واجب وممنوع وحسن وقبيح وخلاف الأولى وجائز على السواء «فالواجب كرفع الفاعل وتأخيره عن الفعل، وجر المضاف إليه وتنكير الحال والتمييز ونحو ذلك، والممنوع كأضداد ذلك، والحسن كرفع المضارع الواقع جزاء بعد شرط ماض، والقبيح كرفعه بعد شرط المضارع، وخلاف الأولى تقديم الفاعل في نحو «ضرب غلامه زيدا»، والجائز على السواء كحذف المبتدأ أو الخبر وإثباته حيث لا مانع من الحذف ولا مقتضى له» «١». وهذا التقسيم تحت هذه المصطلحات الأصولية لا نجده عند ابن جني ولا عند ابن الأنباري، وقد قسمه أيضا إلى رخصة وغيرها، فالرخصة ما جاز استعماله لضرورة الشعر وتتفاوت الضرورة حسنا وقبحا، وقد بين السيوطي مراتب الحسن والقبح في الضرورة الشعرية ممثلا بالأمثلة «٣».

стр. 344

كما تحدث عن تعلق الحكم بشيئين فصاعدا، وهو نفس ما تحدث عنه ابن الأنباري في جواز تعليل الحكم بعلتين «١»، وقد بحثه السيوطي في مباحث العلة بيد أنه في المقدمات عنى بما يتعلق به الحكم من أشياء قد يجوز أن تجتمع كمسوغات الابتداء بالنكرة فكل منها مسوغ على انفراده، ولا يمتنع اجتماع اثنين فأكثر، ومنها ما لا يجوز اجتماعه كالتنوين مع الاضافة فهما خاصتان للأسماء ولا يجوز اجتماعهما، وقد أورد هنا أيضا بعض الأمثلة لكلا النوعين. ثم يتحدث عن العربي والعجمي من الكلام فيتضح من حديثه أنه يطلق على المعرب اسم العجمي متابعا أبا حيان الذي قال: «العجمي عندنا هو كل ما نقل إلى اللسان العربي من لسان غيره» «٢»، ثم لخص السيوطي كيفية معرفة عجمة الاسم، ويعد ذلك خلاصة حديثه عنه في كتابه المزهر. ثم نقل السيوطي تقسيم الألفاظ إلى واجب وممتنع وجائز وهو تقسيم عقلي نظري لا تدفع إليه الحاجة اللغوية الحقيقية، وإنما يدفع إليه الكلف بتصنيف ظواهر اللغة أو ألفاظها تحت أقسام وبمصطلحات فقهية. رابعا: تناول السيوطي الأدلة النحوية بالبحث التفصيلي من الناحية التي حددها والتي يعنى بها علم الأصول وهي البحث في حجية هذه الأدلة وكيفية الاستدلال بها، فعقد الكتاب الأول للسماع وهو المصدر الذي اعتمد عليه النحاة وقد حدده بأنه «ما ثبت في كلام للسماع وهو المصدر الذي اعتمد عليه النحاة وقد حدده بأنه «ما ثبت في كلام من يوثق بفصاحته فشمل كلام الله تعالى وهو القرآن، وكلام نبيه ﷺ ، وكلام العرب قبل بعثته، وفي زمنه وبعده إلى أن فسدت الألسنة بكثرة المولدين نظما ونثرا عن مسلم أو كافر» «٣». ثم أخذ في تفصيل الحديث عن حجية كل نوع من أنواع المادة اللغوية، ولم يقم ابن جني ولا ابن الأنباري بمثل هذا العمل، ولم نجده عند غير السيوطي إلا في بعض إشارات يسيرة ومقتضبة استطاع السيوطي أن يجمعها وأن يدخلها ضمن حديثه، فضم شملها بعد تفرق في كتب اللغويين، وقد نظّم هذا الفصل

стр. 345

تنظيما دقيقا ضم خلاصة المنقول عن القدماء فيما يتصل بالمادة اللغوية وكيفية الاحتجاج بها، ومن يوثق به ومن لا يوثق، وكيفية تصنيفها، وأحوال الناطقين، وما لا يجوز الاحتجاج به. وفي بقية فصول الكتاب نرى للسيوطي ابتكارات جديدة تنم عن فهم عميق لنصوص السابقين ومحاولة لتهذيب علم أصول النحو وتحديد مسائله تحديدا قاطعا فنراه يقرر القاعدة في أحيان كثيرة ثم يورد من النقول ما يدل عليها. وقد استطاع بعمله هذا أن يجمع خلاصة أقوال السابقين وأن يتمثلها ثم يرتبها ترتيبا يتناسب مع علم الأصول مضيفا إليها بعض أفكاره، كما استطاع أن يضم إليها مباحث جديدة أغفلها من تحدث في أصول النحو قبله، ومما أغفله ابن جني وابن الأنباري معا فضلا عما قدمنا البحث عن أحوال مستنبط النحو الذي عقد له السيوطي الفصل السابع من كتابة «١». ويعد كتاب السيوطي من هذه الناحية أهم الكتب التي تناولت أصول النحو، بل إننا لا نكون مغالين إذا قلنا إن أصول النحو بالمعنى العلمي الدقيق لم يوضع فيها غير كتاب السيوطي. ونستطيع من خلال هذا الكتاب تبين المنهج النحوي بصورة جلية، والفروق بين البصريين والكوفيين في المنهج. كما نستطيع تبين مواقف السيوطي من بعض القضايا الهامة في الأصول فله موقف حاسم تجاه الاحتجاج بالقرآن الكريم وقراءاته حيث ذهب إلى أن: «كل ما ورد أنه قرئ به جاز الاحتجاج به في العربية سواء كان متواترا أم آحادا أم شاذا، وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تخالف قياسا معروفا، بل ولو خالفته يحتج بها في مثل ذلك الحرف بعينه، وإن لم يجز القياس عليه، كما يحتج بالمجمع على وروده ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه ولا يقاس عليه نحو «استحوذ»، وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءات الشاذة لا أعلم فيه خلافا بين النحاة، وإن اختلف في الاحتجاج بها في الفقه،

стр. 346

ومن ثم احتج على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب بقراءة: «فبذلك فلتفرحوا»، كما احتج على إدخالها على المبدوء بالنون بالقراءة المتواترة: «ولنحمل خطاياكم»، واحتج على صحة قول من قال: ان «الله» أصله «لاه» بما قرئ شاذا: «وهو الذي في السماء لاه وفي الأرض لاه» «١». وقد خطأ السيوطي قوما من النحاة كانوا يعيبون على عاصم وحمزة وابن عامر قراءات بعيدة في العربية، وذلك لأن معول ثبوت القراءات إنما هو على الرواية وليس على موافقة الأصول النحوية «٢». والذي نلاحظه أن موقف المتقدمين من النحاة فيه غير قليل من التعسف تجاه الاحتجاج بالقراءات القرآنية لا سيما ما خالف القواعد النحوية، ونلاحظ تغير النظرة عند المتأخرين الذين جوزوا بعض الاستعمالات مستندين إلى بعض القراءات كاعتماد ابن مالك على قراءة ابن عامر «قتل أولادهم شركائهم» في تقرير جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف، وهي القراءة التي أنكرها البصريون والزمخشري «٣» وقد تبع المتأخرين من النحاة ابن مالك فيما ذهب إليه، وهناك أمثلة أخرى تدل على تغير موقف المتأخرين من النحاة عن موقف المتقدمين على النحو الذي بيناه. ويتخذ السيوطي موقفا وسطا في الاحتجاج بألفاظ الحديث الشريف وتراكيبه بين المجيزين مطلقا والمانعين مطلقا وقد عبر عن ذلك بقوله: «وأما كلامه ﷺ فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي، وذلك نادر جدا» «٤». وقد نقل عنه هذا الرأي البغدادي في مقدمة خزانة الأدب «٥»، وقد رأينا اتساق موقف السيوطي مع ما قرره في أصوله في تناوله لبعض الأحاديث وفي كتبه النحوية المختلفة. وفيما يتصل بكلام العرب الذين يحتج بهم تبع السيوطي

стр. 347

التحديد المتعارف عليه عند اللغويين وهو اختتام الشعراء الذين يحتج بهم بابن هرمه، بيد أنه زاد على هذه المادة اللغوية مصنفات الامام الشافعي وهو ما لم يشر إليه أحد من النحاة قبله، وقد اعتمد في ذلك على قول ابن حنبل: كلام الشافعي في اللغة حجة «١»، وقد وجدنا محقق رسالة الشافعي في عصرنا يعتمد على هذا القول محاولا استخراج بعض الأقيسة النحوية الجديدة من استقراء أسلوب الشافعي وعباراته. ويتسم موقف السيوطي في بعض الأحيان بالتساهل في قبول المرويات فهو لا ينتقد موقف الزمخشري الذي احتج في تفسيره ببيت لأبي تمام بل يقره في ذلك «٢»، حيث ذهب الزمخشري إلى أن أبا تمام وإن كان محدثا لا يحتج بشعره في اللغة إلا أنه من علماء اللغة فنجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ويبرر السيوطي ذلك بأن ما تقرر من إجماعهم على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين في اللغة والعربية خاص بغير أئمة اللغة ورواتها. وقد قوبل مسلك الزمخشري السابق بانكار شديد لدى النحاة، وقد ردّ البغدادي على تعليله بأن «قبول الرواية مبني على الضبط والوثوق، واعتبار القول مبني على معرفة أوضاع اللغة العربية والاحاطة بقوانينها، ومن البين أن إتقان الرواية لا يستلزم إتقان الدراية» «٣». على أن ما ساد في البيئة النحوية هو عدم الاحتجاج بأقوال المولدين سواء أكانوا من رواة اللغة وعلمائها أم من غيرهم، وما أجازه السيوطي لم يطبقه أحد من النحاة. وقد اعتمد البغدادي في حديثه عن اللغة التي يصح الاستشهاد بها في كثير من الأحيان على ما أورده السيوطي بكتابه، وإن أغفل العزو في النقل إليه. بيد أننا للانصاف نأخذ على السيوطي وسابقيه ابن الأنباري وابن جني أن

стр. 348

ربطهم أصول النحو بأصول الفقه قد ساقهم إلى بحث بعض المسائل بأسماء أي مصطلحات فقهية ليس لها واقع فعلي في اللغة، أو تناول أخرى بطريقة عقلية جدلية لا تتصل أيضا باللغة، وهم بذلك قد وضعوا في أصول النحو ما ليس منه، وأهم هذه المسائل التي دخلت أصول النحو أثرا من آثار أصول الفقه ما يأتي: ١ - بعض المسائل المتصلة بالقياس، والتي ضخم بها هؤلاء بحث القياس دون حاجة داعية إليه في اللغة، حيث أرادوا أن يكون للنحو قياس شبيه بالقياس الفقهي يحدونه بأنه «حمل فرع على أصل بعلة وإجراء حكم الأصل على الفرع»، أو «إلحاق الفرع بالأصل بجامع»، أو «حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه» أو غير ذلك من الحدود التي تطابق حد القياس الأصولي «١». وإذا كان الأصوليون قد حددوا أركان القياس بأربعة أركان هي الأصل والفرع والعلة الجامعة والحكم فقد نقل ابن الأنباري وتبعه السيوطي هذا التحديد إلى القياس النحوي، ومثل ابن الأنباري لهذا القياس قائلا: «وذلك مثل أن تركب قياسا في الدلالة على رفع ما لم يسمّ فاعله فتقول: اسم أسند الفعل إليه مقدما عليه فوجب أن يكون مرفوعا قياسا على الفاعل، فالأصل هو الفاعل والفرع هو ما لم يسمّ فاعله، والعلة الجامعة هي الاسناد والحكم هو الرفع، والأصل في الرفع أن يكون للأصل الذي هو الفاعل، وإنما أجرى على الفرع الذي هو ما لم يسمّ فاعله بالعلة الجامعة التي هي الاسناد، وعلى هذا النحو تركيب قياس كل قياس من أقيسة النحو» «٢»، وقد نقل السيوطي هذا النص عن ابن الأنباري خلال حديثه عن القياس «٣»، ولم يعقب عليه بما يبين أنه نوع مخالف للقياس النحوي الحقيقي الذي تستخرج به الأحكام النحوية، فالواقع أن القياس بهذا المعنى حادث من العرب أنفسهم، ونحن لم نستخرج الحكم النحوي عن طريقه، فالرفع في نائب الفاعل إنما استفدناه عن طريق

стр. 349

استقراء المنقول عن العرب إذ استفاض عنهم رفع الاسم مع الفعل المبني للمجهول بصورة تبين أنهم يريدون لهذا الاسم الرفع في كل موضع، فالقياس السابق قياس متكلف مصنوع لا يفيد إثبات الحكم وإنما يحاول تعليل ما جاء عن العرب، فهو ليس إلا ضربا من ضروب التعليل التي تحاول تلمس الحكمة واستخراجها من صور اللغة وأوضاعها. وبالرغم من أن السيوطي لم يفض في الحديث عن هذا النوع من القياس فإننا نأخذ عليه وضع هذا النقل بين بحثه المستفيض الذي تناول به القياس اللغوي الحقيقي مبينا شروطه وأحكامه. ومما أدخله السيوطي في القياس اللغوي تأثرا بأصول الفقه وليس له ثمرة عملية تقسيمه القياس إلى أربعة أقسام: «حمل فرع على أصل، وحمل أصل على فرع، وحمل نظير على نظير، وحمل ضد على ضد، وينبغي أن يسمى الأول والثالث قياس المساوي، والثاني قياس الأولى والرابع قياس الأدون» «١»، وقد مثل له بأمثلة تدلنا على أنه لم يكن ينبغي أن يوضع مع مبحث القياس الحقيقي الذي تستنبط به الأحكام النحوية، وإنما مكانه الفلسفة النحوية التي تحاول تعليل الصور اللغوية وارتباطها بعضها ببعض، حيث يحاول هؤلاء النحاة التدليل على أن اللغة تسير في ذلك مراعية منهجا قياسيا معروفا. فهي ليست غير محاولات لإقامة أشكال قياسية مما هو كائن في اللغة، ولا تفيدنا أحكاما نلحق بها ما لم يسمع بما سمع أو نحو ذلك مما هو شأن القياس النحوي الحقيقي. واستخراج هذه الأشكال القياسية أشبه ما يكون بصنيع الفقهاء الذين يتلمسون ضروبا من هذه الأقيسة في نصوص الكتاب والسنة، ويستدلون بذلك على حجية استخدام القياس فيما بعد أصلا من أصول التشريع «٢». ٢ - بعض ما يتعلق بالعلل النحوية، ونلاحظ أن دراسة العلل النحوية عند

стр. 350

ابن جني وابن الأنباري والسيوطي متأثرة بالعلة الفقهية والعلة الكلامية، وقد طرقوا لذلك نفس الموضوعات التي طرقها الفقهاء من قبلهم، وبدا أن بعض ما يفيضون فيه لا يعبر عن واقع اللغة كحديث ابن الأنباري عن الحكم في محل النص وثبوته: أبالنص أم بالعلة «١»؟، وقد نقل عنه السيوطي ذلك، بينما لا نرى لهذا المبحث ثمرة عملية في اللغة، وحديث السيوطي عن مسالك العلة «٢»، الذي أفاض في بحثه وترسم فيه خطى الفقهاء، وقد سبقه ابن جني ببحث مستفيض في العلل النحوية. ٣ - اعتبار ابن جني الاجماع دليلا من أدلة النحو، وتابعه السيوطي في ذلك، وقد عده السيوطي الدليل الثاني بعد السماع، وهم يريدون به إجماع نحاة البلدين، وليس هنا برهان واقعي يمكن أن نستند إليه في اعتبار الاجماع حجة في اللغة، وبالرغم من شعور ابن جني والسيوطي بذلك فإنهما تأثرا بالفقه وترسما له قد اعتبراه من أدلة النحو، وزاد السيوطي بأن جعله الدليل الثاني، وخصص له الفصل الثاني من كتابه «٣». وبالرغم مما شاب كتاب الاقتراح من الخلط بين نوعي القياس، ومن تناول بعض المسائل التي لا تعبر عن الواقع اللغوي السليم، ولا تؤدي إليه فائدة، فإننا نجد فيه كذلك تعبيرا عن المنهج النحوي بحيث يعد أهم الكتب التي تمثل علم أصول النحو في نهاية تدرجه عند القدماء. وقد تناوله ابن علان بشرح كبير نلاحظ فيه أنه لم يخالف السيوطي في غالب أقواله، بل يدل حديثه أثناء الشرح على إكباره الشديد له، فهو يذكر عن السيوطي أنه «مخض لبان علم العربية حتى أخرج بحسن صنيعه هذه الزيادة فجعلها أصلا لما تفرعت عنه وخرجت منه، وقد تدرك العناية الأخير فينال ما يجبر وصمة التأخير» «٤». وهو يريد بقوله أن عمله قد فاق به المتقدمين، وأبدع فيه ما لم يبدعوا.

стр. 351

مذهبه النحوي السيوطي نحوي متأخر نشأ في البيئة المصرية التي سبق لنا الحديث عن معالمها الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولقد كانت هذه البيئة. وارثة الحضارة الاسلامية بصفة عامة كما بينا، وقد آل إليها ذلك التراث الثقافي الذي ازدهر في الأمصار الاسلامية المختلفة، فقامت هذه البيئة على تمثله وحفظه ودراسته وتنميته. كان طبيعيا أن تتأثر دراسة النحو في مصر بهذا التراث الذي قامت على حفظه، ونحن نعرف أن هذه البيئة قد سبقتها بيئات أخرى توفرت على دراسة النحو. وقد درج الباحثون على تسمية هذه البيئات النحوية بالمدارس، بالرغم مما في هذه التسمية من بعض التجوز حيث نلاحظ الفروق الفردية في بعض الأحيان أكثر ظهورا من الفروق المدرسية، فالأخفش البصري مثلا نراه يوافق الكوفيين في كثير من آرائه، ويخالف البصريين سلفه وخلفه، كما نرى الفراء الكوفي يتابع سيبويه في أحيان غير قليلة، على حين يتابع المبرد الكسائي في أحيان أخرى، وبالرغم من ذلك فلا بأس أن نتناول هذه البيئات أو المدارس بالتعريف بمميزاتها العامة لنخلص إلى البيئة المصرية التي ورثت هذه الدراسات وكان السيوطي أحد نحاتها. وقد وضع النحو العربي بالبصرة، وكان للخليل وسيبويه الفضل في إرساء أركانه، ووضع أصوله، وليس من المبالغة أن نقول: ان جهود النحاة بعد سيبويه تدور في محوره أو مجاله وتعتمد عليه، والكوفيون الذين عاصروه واستمروا بعده قد أفادوا من جهوده التي نقلها إليهم تلميذه الأخفش، وربما يكون بحث هذه الطبقة من النحاة وتبين آرائها النحوية أكثر تشويقا وجدوى

стр. 352

من بحث المتأخرين الذين ورثوا علم النحو بعد أن نضج وكاد يحترق. ويمكننا أن نجمل ما امتازت به المدرسة البصرية التي وضع أوائلها النحو واستمرت جهودها متضافرة حقبة من الزمن حتى أواخر القرن الثالث الهجري فيما يأتي: ١ - التثبت في المادة اللغوية التي يحتج بها، وتحديد القبائل، فليس كل ما يروى يصح الاستشهاد به، وقد أنكروا على الكوفيين اعتمادهم على الأعراب المقيمين في سواد الكوفة وهجاهم اليزيدي البصري منكرا عليهم ما يحتجون به «١». ٢ - يقيم البصريون أقيستهم على الكثير الشائع عن العرب، ويغفلون القليل والشاذ، ومن ثم وصفوا بأنهم «أصح قياسا لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع ولا يقيسون على الشاذ» «٢». ٣ - أنهم لا يعولون على قياس التمثيل وهو القياس عند انعدام الشاهد أي انعدام المنقول وذلك بقياس باب على باب آخر الا فيما ندر. فمذهب البصريين يتسم بالتنظيم ومحاولة تعميم الأقيسة وطردها، وهو كذلك يمثل مذهب اللغويين المتشددين الذين لا يبيحون القياس إلا على ما ورد بكثرة ويمنعون القياس على الأمثلة القليلة، ويقفون فيما ورد منها على السماع، وتمثل العقلية البصرية العقلية العلمية الصحيحة التي تحاول وضع القوانين المطردة، ونجد لديها القدرة على التعميم والتعريف ووضع القواعد والمصطلحات العلمية، وهذا هو السر في سيطرة النحو البصري على المدارس النحوية التالية: فإذا ما اتجهنا نحو بيئة الكوفة ومذهبها رأينا نظرة أخرى في اللغة وأساليبها، فأهم خصائصهم: ١ - أنهم أقل تثبتا وتشددا في قبول المادة اللغوية التي تتخذ مصدرا للقياس،

стр. 353

كما أن الأعراب الذين سمعوا منهم متهمون في نظر البصريين، يضاف إلى ذلك أنهم وقفوا على قدر أكبر من المادة اللغوية لما عرف عنهم من عنايتهم القديمة برواية الأشعار فهم كما وصفوا «أوسع رواية» «١». كما أنهم كانوا أكثر عناية بالقراءات القرآنية وربما كان ذلك سببا في كونهم أكثر توسّعا في القياس. ٢ - أنهم أكثر توسعا في القياس وإباحة له، ولذلك فهم يقيسون على القليل وعلى ما يعده البصريون شاذا لا يجوز القياس عليه، قال الأندلسي: «الكوفيون لو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلا، وبوبوا عليه بخلاف البصريين» «٢». ٣ - أنهم يعولون أكثر من البصريين على قياس التمثيل وهو القياس على ما لم يرد به نقل كإجازتهم «قام زيد لكن عمرو» مع أنه لم يرد به نقل قياسا على ما ورد في باب آخر وهو «بل» من نحو «قام زيد بل عمرو»، وقد منع البصريون ذلك «٣». تلك أهم الخصائص التي ميزت كل مدرسة عن صاحبتها، ويتضح منها أن الاختلاف بين المدرستين ينحصر في كمية الاستقراء، وكمية المادة اللغوية، ثم في قبول هذه المادة تبعا لاعتبارات نقد الرواية، ثم الاختلاف في المذهب النحوي القياسي الذي يبيح القياس على القليل أو لا يرضى إلا بالكثير المستفيض، ويتضح من ذلك أن عقلية البصريين أكثر جنوحا إلى التنظيم وطرد الأقيسة. وقد عللت كلتا المدرستين ما استنبطته من أقيسة نحوية. وخالفت به المدرسة الأخرى بعلل عقلية ونقلية تدل في كثير من الأحيان على فهم عميق للأسرار اللغوية والتركيبية لا سيما ما نراه من هذه العلل في كتاب سيبويه قبل أن يتعقد التعليل وتتشعب به السبل، أي عند ما كان موصول الأسباب باللغة وظواهرها وخصائصها غير مشترط في التجريد العقلي.

стр. 354

ولم يبق أمام المدارس التالية في الغالب سوى الترجيح بين المدرستين السالفتين واختيار ما يتجه منه في أنظار النحاة، أو استخراج بعض الأقيسة الجديدة بناء على إعادة النظر في بعض الاستقراءات، أو استحضار مادة لغوية جديدة. فإذا نظرنا في عمل البغدادين الذين عرفتهم بغداد منذ أواخر القرن الثالث الهجري وجدناهم يمزجون بين المذهبين السابقين بعد أن مرّ عليهم حين من الدهر ينتصر كل منهم لمذهب من المذاهب، ولذلك فالطبقة الأولى من البغداديين يغلب على رجالها التحيز إما إلى مدرسة البصرة أو إلى مدرسة الكوفة، وكأنها بذلك ليست غير امتداد لهاتين المدرستين، وقد كان ذلك نتيجة لانتقال رجال المدرستين السابقتين إلى بغداد، فقد انتقل إليها المبرد شيخ البصريين، وثعلب شيخ الكوفيين. وأشهر من عرف من البغداديين بممالأة البصريين ونصرتهم أبو إسحاق الزجاج (٣١٠ هـ) وقصته مع ثعلب وانتقاده كتاب الفصيح انتصافا لسيبويه مشهورة ومتناقلة في الكتب «١»، وابن السراج (٣١٦ هـ)، والزجاجي (٣٣٧ هـ)، وممن غلبت عليهم النزعة الكوفية أبو موسى الحامض (٣٠٥ هـ)، وأبو بكر بن الأنباري (٣٢٧ هـ)، وهناك علماء جمعوا بين النزعتين كابن كيسان (٢٩٩ هـ)، والأخفش الصغير (٣١٥ هـ). ولم يلبث أن قوي اتجاه الجامعين بين النزعتين دون تعصب، مما أدى إلى المزج بينهما والترجيح والتفضيل فنشأ مذهب جديد يعتمد على الترجيح والنظر في المذهبين السابقين مع زيادات وفروق قليلة وهو المذهب البغدادي، وقد كانت البادية إلى ذلك الحين لا تزال معينا لا ينضب للمادة اللغوية الأصلية مما أدى إلى استقراء مادة جديدة كانت ذات أثر في استخلاص بعض الأقيسة التي لم تعرف من قبل أو ترجيح بعضها على بعض. وهناك قواعد ركن فيها البغداديون إلى المذهب الكوفي، وأخرى ركنوا فيها

стр. 355

إلى مذهب البصريين، وجانب ثالث استدركوه على المذهبين «١». ومن الملاحظ أن مذهب البغداديين في أول أمره كان ينزع منزع الكوفة لغلبة الكوفيين على بغداد وارتفاع شأنهم فيها، نظرا لصلاتهم القوية بالدولة في حين أن المتأخرين من البغداديين قد فضلوا المذهب البصري، ويتضح ذلك عند أبي علي الفارسي وابن جنى اللذين قد ينسبان نفسيهما في بعض الأحيان إلى البصريين كما يظل ذلك شأن من خلفهم كابن الشجري (٥٤٢ هـ)، وتلميذه ابن الأنباري (٥٧٧ هـ)، الذي يتضح في إنصافه تفضيله للمذهب البصري. فإذا ما يممنا وجوهنا ناحية المغرب وجدنا بيئة الأندلس التي بدأ النشاط النحوي فيها خافتا، وكان في أول أمره تابعا لما يحدث بالمشرق، ومعتمدا عليه، ولم تلبث دراسة النحو بالأندلس أن أخذت تستقل بطابع يميزها عن تبعيتها للمشرق فمنذ أواخر القرن الخامس ازدهرت هذه الدراسة، وعكف النحاة على ما لديهم من مادة لغوية يستقرءونها، وينظرون فيما أنتجته المدارس الثلاث السابقة فيرجحون بينها، ويختارون ما يتجه عندهم، ويزيدون ما تؤديه لهم استقراءاتهم الجديدة لا سيما أن المادة اللغوية قد أصبحت في ذلك الحين بالمشرق والمغرب مقصورة على ما روي وحفظ في بطون الكتب حيث نضب معين البادية منذ تنادي العلماء في منتصف القرن الرابع الهجري بوجوب ترك الأخذ عن أهل الوبر كما ترك الأخذ عن أهل المدر «٢». وقد عرفت الأندلس كثيرا من الأعلام الذين حملوا لواء النحو بها كالأعلم الشنتمري (٤٧٦ هـ)، وابن السيد البطليوس (٥٢١ هـ)، والسهيلي (٥٨١ هـ)، وغيرهم، وأهمهم على الاطلاق ابن مالك (٦٧٢ هـ) وأبو حيان (٧٤٥ هـ)، والشاطبي (٧٩٠ هـ)، وقد رحل بعضهم إلى المشرق وأثر في نحاة البيئة المصرية إلى حد كبير. وقد توسع ابن مالك في الاستشهاد بالحديث وأباح ذلك مطلقا، وقد أنكر
следующие страницы →