← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37653

جمال القراء وكمال الإقراء - ت عبد الحق

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (901 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

١٢ - وأما قوله وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين «١» قيل: إنها منسوخة، وكانوا من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا عن كل يوم، ثم نسخ ذلك بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ «٢».

стр. 597

وقيل: أنها محكمة «١». وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ يريد به من أفطر لمرض، ثم صح فأطاق القضاء فلم يقض حتى أدركه فرض الصوم لعام آخر. فإنه يصوم الذي أدركه، فإذا فرغ منه قضى الذي فاته، وأطعم عن كل يوم مدا «٢». وأما من اتصل به المرض فلم يطق أن يقضي حتى جاء الصوم الآخر، فإنه يقضي بعد ذلك إذا أطاق «٣»، ولا اطعام عليه. وهذا القول: قول زيد بن أسلم وابن شهاب ومالك- ﵀ في رواية ابن وهب عنه «٤». ويجوز- والله أعلم- أن تكون «٥» محكمة، ويكون المعنى قوله وَعَلَى الَّذِينَ

стр. 598

يُطِيقُونَهُ: أي الذين يتعمدون الفطر من غير عذر، فإنهم يلزمهم إطعام ستين مسكينا، أو العتق، أو صوم شهرين. والسنة بينت الاطعام، وزادت العتق والصيام «١». وليس التأويل الأول: كانوا من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم، بمتفق عليه بين الصحابة، إنّما ذلك قول معاد بن جبل- ﵀ «٢» -، وقد خالفه

стр. 599

ابن عباس وأبو بكر الصديق- ﵁ وقرءا وعلى الذين يطوّقونه- بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الواو «١» -. وقال ابن عباس: ﵁ (نزلت في الكبيرين الذين لا يقدران «٢» على الصوم، والمريض أيضا «٣») «٤». وعلى هذه القراءة أيضا: عائشة- ﵂ وعطاء وابن جبير وعكرمة «٥». وعن مجاهد: (يطّوّقونه) - بفتح الياء وتشديد الطاء والواو- أي يتكلفونه «٦». ومعنى الأولى: يكلفونه على جهد وعسر. ولو كانوا في صدر الإسلام- على ما قيل من التأويل الأول- لمنع شهرة ذلك من وقوع هذا الخلاف. وأنا أذكر- بعون الله- الآيات التي قيل انها منسوخة، ولها وجه «٧» تحمل عليه فتكون محكمة «٨» من ذلك:

стр. 600

١ - قوله وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا «١» قيل: هي منسوخة «٢»، نزلت في قتال من قاتل، ونسخها الأمر بقتال المشركين، وهي محكمة، على أن قوله سبحانه وَلا تَعْتَدُوا أي لا تعتدوا، فتقتلوا الصبيان والنسوان، ومن لا قدرة له على القتال، كالشيخ الفاني والراهب الذي «٣» لا يقاتل «٤». ٢ - وقوله وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ «٥» قال قتادة: هي منسوخة بقوله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ «٦». أي شرك، وبقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «٧» «٨». وقيل: إنها ناسخة لقوله وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ «٩». ثم

стр. 601

نسخت بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «١»، فصارت- أعني آية البقرة- ناسخة لآية النساء منسوخة بآية التوبة، وهذا معدوم النظير «٢». وقيل: ليست آية البقرة بناسخة ولا منسوخة، وإنما هي مخصوصة بالنهي عن القتال في الحرم، ولا يحل القتال فيه، إلّا لمن قاتل، قال ذلك: مجاهد وطاوس «٣». وأكثر العلماء على وجوب قتال المشركين أينما كانوا بآية التوبة، وآية التوبة نزلت بعد البقرة بمدة متطاولة «٤». ٣ - قوله الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ

стр. 602

فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ «١». قال مجاهد: هي محكمة، والمعنى: فمن اعتدى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، فأباح (أن تقاتل) «٢» في الحرم من قاتلك، ولا يحل أن تبدأه بالقتال فيه، وهو حكم ثابت الى الابد «٣». وعن ابن عباس: أنها منسوخة، وقد نسخ اعتداء من اعتدي عليه برد أمره إلى السلطان، فلا يقتص بيده، إنما يقتص له السلطان «٤». قالوا: قال ابن عباس نسخها قوله فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً «٥» ولا يصح ذلك عن ابن عباس «٦»، لأن (سبحان) مكّية باتفاق، والمكّي لا ينسخ المدني. ٤ - قوله وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ «٧»، قيل: هو منسوخ بقوله بعد ذلك- فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ «٨».

стр. 603

قال كعب بن عجرة الأنصاري «١»: (لما نزلنا الحديبية مربي رسول الله ﷺ وأنا أطبخ قدرا لي، والقمل يتهافت عن رأسي، فقال: يا كعب، لعلك تؤذيك هوام رأسك؟ فقلت: نعم، فقال: احلق رأسك «٢». ونزل فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ... «٣» الآية. وقال قوم: الآية محكمة «٤»، ولم يكن قوله وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ متناولا للمريض ولمن به أذى من رأسه «٥». ٥ - قوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ .. «٦»، قال ابن عباس وقتادة والضحاك وابن المسيّب والأوزاعي: هي منسوخة بآية السيف، اذ أباحت قتالهم في كل «٧» مكان وزمان «٨».

стр. 604

وقال مجاهد وعطاء: هي محكمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم «١»، والعلماء على خلاف ذلك. فإن قيل: فقد قال الله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٢»، فهذا يؤيد قول عطاء ومجاهد. وكيف تكون هذه الآية ناسخة لآية البقرة، وإنما (أباحه) «٣» قتل المشركين بعد انسلاخ الأشهر الحرم؟ (فالجواب أن الأشهر الحرم) «٤» في براءة، ليست هي التي قال الله فيها مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ «٥»، إنما هي أربعة أشهر أخر، وهي أشهر السياحة، أمر المؤمنين بقتل المشركين بعد انسلاخها حيث وجدتموهم، وفي أي زمان لقوهم، وكان أولها بعد يوم النحر من ذلك العام «٦». وأما الأشهر الحرم التي حرّم فيها القتال ثم نسخ (فهي) «٧» محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة بغير خلاف «٨»، وإنما الخلاف في أنها من سنة أو من عامين، فأهل المدينة يجعلونها في عامين، يقولون: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. وقال أهل العراق: أولها محرم، فتكون من عام واحد «٩». ٦ - وقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما «١٠».

стр. 605

قال بعض مؤلفي الناسخ والمنسوخ «١»: أكثر العلماء «٢» على أنها ناسخة لما كان مباحا من شرب الخمر، قال: لأن الله تعالى أخبرنا أن في الخمر إثما، وأخبرنا أن الإثم محرّم بقوله قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ ... «٣». قال: فنصّ على أن الإثم محرّم، وأخبر أن في شرب الخمر إثما، فهي محرّمة بالنص الظاهر الذي لا إشكال فيه «٤»، قال: وما حرّم كثيره فقليله حرام كلحم الميتة والخنزير والدم. وسورة البقرة مدنية، فلا يعترض على ما فيها بما في الأنعام المكّيّة في قوله قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً «٥» عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ «٦»، لأن هذه الآية والتحريم نزل بمكّة «٧» والخمر نزل تحريمها بالمدينة، وزادنا الله في تأكيد تحريم الخمر بقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٨»؟ فهذا تهديد ووعيد، يدلان على تأكيد تحريم الخمر. وزاد ذلك بيانا قول النبي ﷺ : «حرّمت الخمر لعينها والمسكر من غيرها» «٩» وأكد الله تعالى ذلك وحققه بقوله فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «١٠» ولعلّ من

стр. 606

الله واجبة «١»، فضمن الفلاح مع اجتنابها، فنظيره الخسران مع مواقعتها، وكما أنه تعالى حرّم أكل الخنزير، وقليله ككثيره «٢» بإجماع، كذلك يجب أن تكون الخمر والمسكر من غيرها، فقليلهما ككثيرهما «٣» في التحريم، وزاد لذلك بيانا (ما أسكر كثيره فقليله حرام) «٤». قال: وقال ابن جبير: (لما نزلت قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ كره قوم الخمر للإثم «٥»، وشربها قوم للمنافع حتى نزل لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى «٦»، فتركوها عند الصلاة، حتى نزل فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فحرمت بهذا) «٧» اه. فهذا «٨» يدل على أن «٩» آية البقرة منسوخة بآية المائدة، والمائدة نزلت بعد البقرة بلا شك، وهذا سياق قول مكّي بن أبي طالب «١٠» في كتابه المسمى ب (الموضح في الناسخ والمنسوخ) «١١».

стр. 607

وأقول مستعينا بالله- قوله أنها ناسخة لما كان مباحا من شرب الخمر يلزم منه أن الله أنزل إباحتها، ثم نسخ ذلك. ومتى أحلّ الله شرب الخمر؟! وإنما كانوا مسكوتا عنهم في شربها جارون على عادتهم «١»، ثم نزل التحريم، كما سكت عنهم في غيرها من المحرّمات إلى وقت التحريم. وهذه الآية، وما ذكر من الآيات: الكل في التحريم «٢»، كما جاء تحريم الميتة في (غير) «٣» آية «٤». وقوله: إن الله أخبرنا أن في الخمر إثما، وأخبرنا أن الإثم محرّم ... إلى قوله: فهي محرّمة بالنص الظاهر الذي لا إشكال فيه: كلام لا وجه له لأن الإثم هو الذنب، وإذا كان الذنب كبيرا أو كثيرا في ارتكاب شيء لم يجز ارتكابه، فكيف يسمعون قوله قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ثم يقدمون عليهما مع التصريح بالخسران، إذا كان الإثم أكبر من النفع؟، بل هذا «٥» كاف في التحريم. وقوله: فأخبر أن في شرب الخمر إثما، ونص على أن الإثم محرّم بقوله: وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ: لا حاصل له، لأنه إن أراد أن الخمر هي الإثم، فكيف يقول: فنصّ على أن الإثم محرم، وأخبر أن في شرب الخمر إثما، فكيف يكون هي الإثم المحرّم على هذا؟! وإن أراد بالإثم: الذنب، لم يحتج إلى شيء آخر «٦».

стр. 608

وإنما معنى آية الأعراف: إنما حرّم ربي الفواحش، وما فيه الإثم، وكلامه كله فاسد إلى آخره. وقوله: لَعَلَّ* من الله واجبة: ليس بصحيح، فقد قال الله فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى «١»، وقد ألانا له القول فَكَذَّبَ وَعَصى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى * فَحَشَرَ فَنادى * فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «٢»، وإنما معنى قوله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* فاجتنبوه راجين الفلاح «٣»، أو فاجتنبوه وأنووا إرادة الفلاح «٤». وأما قول ابن جبير: (كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنفعة): وأي منفعة تبقى مع أن الإثم أكبر منها، فكيف يقدم مقدم على الانتفاع بشيء فيه وبال أكثر وأكبر من الانتفاع به «٥»؟. وأطرف من هذا قوله: تركوها عند الصلاة «٦»!، فاعلم أن الآية محكمة غير

стр. 609

ناسخة ولا منسوخة، وهي مصرّحة بتحريم الخمر «١»، وأما «٢» قول الله تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً «٣»، فإن قلنا: ان السّكر الطعم «٤»، كما قال: جعلت عيب الأكرمين سكرا «٥»، فلا كلام، وإن قلنا: إن السكر: الخمر «٦»، فليس فيه دليل على الإباحة، لأنه امتنّ عليهم بما ذكره من ثمرات النخيل والأعناب، ثم قال: تتخذون من المذكور سكرا ورزقا حسنا فنبّه بقوله وَرِزْقاً حَسَناً على أن السكر ليس كذلك، وأشار فيه إلى ذم الخمر، إن كان المراد بالسكر ( .. الخمر، وإن كان المراد بالسكر ... الخ) «٧»: الطعم، فهو سكر «٨» ورزق حسن، أي:

стр. 610

تتخذون منه طعاما «١» تأكلونه رطبا وَرِزْقاً حَسَناً يعني التمر والزبيب. وزعموا أن قوله وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ منسوخ بنسخ إباحة الخمر «٢»، وهذا ما (أردى) «٣» ما يقال فيه!. ٧ - وقالوا:- في قوله قُلِ الْعَفْوَ «٤» هي منسوخة بفرض الزكاة وحكوا ذلك عن ابن عباس «٥». والعفو: القليل الذي لا يظهر في المال نقصه. وقال طاوس: هو اليسير من كل شيء «٦». وقال الحسن وعطاء: العفو: (ما يكون) «٧» إسرافا ولا اقتارا «٨». وقال مجاهد: العفو: الصدقة عن ظهر غني «٩». وقال الربيع: العفو: ما طاب من المال «١٠»، وكذلك قال قتادة «١١».

стр. 611

وقال قوم: كانوا قبل «١» فرض الزكاة قد فرض عليهم من كان له مال أن يمسك لنفسه منه ألف درهم، أو قيمة ذلك من الذهب، ويتصدّق بالباقي «٢». وقال آخرون: فرض عليهم أن يمسكوا الثلث ويتصدقوا بالباقي، وإن كانوا من أهل الزراعة: أمسكوا ما يقيمهم حولا، وتصدّقوا بما بقى ومن لم يكن له إلّا العمل بيده: أمسك ما يقوته يومه وتصدق بما بقى، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله فرض الزكاة «٣». قلت: فلتكن آية الزكاة إذا ناسخة لا منسوخة، لأنها موافقة لقوله قُلِ الْعَفْوَ لأنها نقيض ما كانوا فيه من الجهد واستفراغ الوسع، وهذه حقيقة العفو، كما قالوا: العفو: الأرض «٤» السهلة «٥». والآية محكمة، فإن أريد بها الزكاة فذاك، وإن أريد بها «٦» التطوع فذاك «٧». ٨ - قوله وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ «٨»، قيل: سبب نزولها أن مرثد بن أبي مرثد «٩» بعثه رسول الله ﷺ إلى مكّة ليخرج ناسا من المسلمين، فقالت له عناق- وهي امرأة كان يخلو بها في الجاهلية- هل لك في الخلوة؟ فقال: حال بيننا الإسلام،

стр. 612

قالت له: فتزوج بي، فقال: أرجع إلى رسوله الله ﷺ ، فأستأمره «١»، (فاستأمره) «٢»، فنزلت هذه الآية «٣». فالآية على هذا محكمة، لأن نكاح الكفار غير أهل الكتاب محرّم «٤». وقيل: هي محكمة محرّمة لنكاح المشركات والكتابيات اللواتي في دار الحرب، ويروى ذلك عن ابن عباس، وقاله قتادة وابن جبير وأكثر العلماء «٥». وعن ابن عمر أنها محكمة، عامة في كل مشركة، كتابية وغير كتابية، حربية وغير حربية «٦». وقيل: إنه إنما كره ذلك، ولم يحرّمه، لأن آية المائدة أباحت الكتابيات كلهن الحربيات والذميات «٧».

стр. 613

وقيل: هي عامة في الكتابيات كلهن، وهي منسوخة بآية المائدة، وكره بعض العلماء نكاح الحربيات ولم يحرّمه، وروى مثل ذلك عن مالك، وحرّمه «١» جماعة منهم، (وخصوصا) «٢» آية المائدة بالذميات، وآية المائدة: عن أكثر العلماء عامة في كل كتابية، وعلى ذلك أكثر الصحابة «٣» والعلماء «٤». ٩ - وأدخلوا في هذا «٥» الباب «٦» قوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ «٧» وقالوا: هي ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من اجتناب الحائض على كل حال، من مؤاكلة ومضاجعة وغير ذلك، فنسخ بأنا لا تعتزلها إلّا في الوطء خاصة «٨». قالوا: وإنما أدخلنا ذلك في باب الناسخ والمنسوخ لقوله : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «٩». قالوا: فشريعتهم لازمة لنا حتى نؤمر بتركها. والصحيح أن مثل هذا لا يدخل في الناسخ والمنسوخ «١٠» لأنه لم ينسخ

стр. 614

(٥٧/ ب) قرآنا، ولأن الحاجة إلى معرفة الناسخ والمنسوخ، أن لا يظن «١» في منسوخ أنه محكم فيعمل به، وأما إذا لم تكن آية منسوخة تحتاج إلى بيان منسوخة فلا وجه لذلك «٢» الناسخ لغير القرآن، ولا فائدة في ذكره، ولا يضرنا أن نجهل ما حرّم على من كان قبلنا أو أحل لهم، حتى يقال: نسخت هذه الآية ما كان عليه من قبلنا. ١٠ - ومن ذلك قولهم: كان الرجل يؤلى من امرأته السنة وأكثر من ذلك ولا تطلق «٣» عليه، فنسخ ذلك بقوله لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ «٤» «٥». ١١ - ومن ذلك قولهم في قوله الطَّلاقُ مَرَّتانِ «٦»، قالوا: هي ناسخة لشيء كانوا عليه في أول الإسلام، كان الرجل يطلّق ثلاثا، وهي حبلى، ويكون أحق بارتجاعها ما دامت في العدة «٧». وقيل: هي ناسخة لما كانوا «٨» عليه في الجاهلية، ثم في صدر الإسلام، كان

стр. 615

أحدهم يطلّق امرأته ما شاء مرة بعد مرة، يطلّقها، فإذا كادت تخرج من العدة ارتجعها، يفعل ذلك ما شاء، فنسخ ذلك من فعلهم بهذه الآية «١» (لا تدخل) «٢» هذه الآية في الناسخ لما ذكرته. وقيل: هي منسوخة بقوله : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ «٣» «٤»، والآيتان محكمتان لم تنسخ واحدة منهما الأخرى، التي في البقرة لبيان عدّة الطلاق، والتي في الطلاق فيها بيان وقت الطلاق «٥». ١٢ - وقوله وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ «٦»، قالوا: هي عامة في كل مطلّقة، فنسخ منها غير المدخول بها، والتي يئست من المحيض والحامل، قال ذلك قتادة «٧».

стр. 616

وليس كما ذكروا، وإنما أريد بالمطلّقات: المدخول بهن اللواتي يحضن الخاليات من الحمل، يدلّ على ذلك قوله ثَلاثَةَ قُرُوءٍ. ١٣ - ومن ذلك قوله وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً «١». قال أبو عبيد: نسخ ذلك بقوله إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ «٢» اه «٣». وهذا ظاهر الفساد، وهذا استثناء وليس بنسخ. وقال قوم: هو منسوخ بقوله فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً «٤». وليس كذلك، لأن آية البقرة في منع الزوج من ارتجاع ما أعطاه من غير رضى المرأة، والتي في النساء في إباحة ذلك إذا كان عن رضى، فليس بينهما نسخ «٥». ١٤ - ومن ذلك، قولهم في قوله وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ «٦» إنه منسوخ بقوله فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ

стр. 617

عَلَيْهِما «١»، وليس كذلك، فإنه تعالى قال لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ «٢». ١٥ - ومن ذلك قوله وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ «٣». اختلف في الوارث، فقيل: هو من يرث والد الرضيع، إذا مات قام ورثته مقامه، وكان عليهم للصبي ما كان على أبيه «٤». وقيل: الوارث من يرث الصبي إذا مات «٥». قال «٦» ابن عباس: (على وارث الصبي من أجر الرضاع ما كان على أبيه إن لم يكن للصبي مال) «٧». وقال زيد بن ثابت: (يلزم من يرث الصبي من الفقه على رضاعه بقدر حصته من ميراثه منه) «٨». وروى سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار «٩» (أن رجلا مات وترك ابنا مسترضعا، ولم يترك مالا، فقضى عمر- ﵁ أن رضاعه على ورثته،

стр. 618

وقال: لو لم أجد له ورثة لجعلته على عاقلته) «١». وقال قتادة: (رضاع الصبي على جميع ورثته بالحصص) «٢». وقيل: الوارث من يرث الولاية على الرضيع، ينفق من مال الصبي عليه مثل ما كان ينفق أبوه «٣». وقيل: الإشارة في قوله وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ إلى ترك المضارة «٤». وقيل: الوارث: الصبي، لأنه وارث الأب، فعليه النفقة في ماله أي أن نفقة الرضاعة على الصبي في ماله، قال ذلك «٥»: الضحاك واختاره الطبري «٦».

стр. 619

وقال مكّي: وهو قول حسن «١» اه. وما أراه كما قال «٢». وعن مالك- ﵀ ان الآية منسوخة «٣»، قال: ولا يجب على الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة اه وليس الآية بمنسوخة، ولم يذكر مالك- ﵀ لها ناسخا «٤». ١٦ - ومن ذلك قوله وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً «٥». قالوا: نسخ منها الحوامل، بقوله وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ «٦» «٧». وهذا ليس بنسخ، والآية ليست في الحوامل، يدل على ذلك قوله : فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ «٨» أي في ابتغائهن الأزواج، والحامل ليس «٩» لها ذلك.

стр. 620

١٧ - ومن ذلك قوله وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ «١». قال جماعة: هي منسوخة بالتي تقدمت، وهو قوله : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً. قالوا: نسخت هذه الحول، ونسخت آية الميراث النفقة عليها إلى الحول «٢». وقال الربيع: كانت المرأة إذا توفى عنها زوجها أقامت- إن شاءت- حولا ولها السكنى والنفقة، فنسخ ذلك آية الميراث «٣». وقال عبد الملك بن حبيب «٤»: كانت الحرة المتوفى عنها زوجها، تخير بين أن تقيم في بيته وينفق عليها من ماله سنة، وبين أن تخرج فلا يكون لها شيء من ماله، فنسخ ذلك بآية الميراث «٥». وليست هذه الآية بمنسوخة بالتي قبلها، لأن الناسخ متأخر «٦» نزوله عن المنسوخ فكيف يكون نزولها متأخرا، ثم يوضع «٧» في التأليف (قيل «٨» ما نزل) بعده ناسخة له من غير فائدة في لفظ ولا معنى؟.

стр. 621

واحتجوا لذلك بأن المكّي قد يؤخر عن المدني في السور، وليس هذا مثل ذلك، وليس في تقديم السور وتأخيرها شيء من الإلباس، بخلاف الآيات «١». قال «٢» الزمخشري «٣»: فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت: قد تكون الآية متقدمة في التلاوة، وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ .. «٤» مع قوله: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ «٥» «٦». والذي قال غير صحيح، بل التلاوة على ترتيب التنزيل، وقد تقدم (أنّ) «٧» قوله : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «٨» نزل بعد قوله «٩» ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها «١٠» أي: دم على ذلك، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ «١١».

стр. 622

وقد قيل: أن أول ما نزل في ذلك قوله : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ «١»؛، قيل: أعلم الله نبيه ما هم قائلون. فقال: إذا قالوا ذلك، فقل لهم: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. وقد تقدم أيضا قوله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى «٢»، فهذا يدل على ما قلناه من أن قوله فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، (٥٨/ ب) أمر بالدوام على ما كان أمره به من اتخاذ المقام مصلى «٣»، ثم أن هذه الآيات كلها في قصة واحدة بخلاف الناسخ والمنسوخ، ولم يقل أحد من المفسّرين أن قوله : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ نزل بعد قوله قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ .. وإنما وهم الزمخشري، فظن الأخبار بما يكون بعد الشيء قبل وقوعه هو الواقع بعده، وهذا غلط بين «٤»، وإنما مثال هذا أن يقول الملك لمن يريد أن يوليه ناحية: سيطعن «٥» السفهاء في ولايتك، ثم يقول (له) «٦» بعد ذلك: تولّ ناحية كذا، كذلك قال «٧» الله سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ .. الآية، أخبارا بما سيكون بعد التولية، ثم قال سبحانه بعد ذلك: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ الآية. وهذا واضح جدا، وقد خفى عليه هذا، فصار إلى ما صار إليه من تقدم الآية في التلاوة، وتأخرها في الإنزال، وليس بهين أن يجعل كلام الله بهذه المثابة. بل أقول: إن الآية غير منسوخة بالتي تقدمت «٨»، بل معناها: أن المتوفى

стр. 623

عنها زوجها كانت لها متعة، كما أن للمطلّقة متعة، فكانت متعة المتوفى عنها زوجها أن تخير بعد انقضاء العدة بين أن تقيم إلى تمام الحول، ولها السكنى والنفقة، وبين أن تخرج، يدلّ على صحة ذلك قوله مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ، أي لا تخرج إذا لم ترد، ثم قال تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ، فأباح لها أن تخرج، ولو كانت العدة حولا لم يبح لها ذلك، ولم تكن مخيّرة فيه، ومن لم يفرّق بين هذا وبين قوله يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ويميز «١» بين المكث الواجب كيف جاء بهذا اللفظ، وبين المكث الراجع الى الاختيار، كيف جاء باللفظ الآخر، فقد سلب آلة التمييز، بل الآية المتأخرة دالة على تقدم الأولى بقوله فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ. أي فإن اخترن الخروج بعد بلوغ الأجل المذكور في الآية المتقدمة فلا حرج. وقد قال مجاهد: إن الآية محكمة «٢»، ولها السكنى والنفقة من مال زوجها- إن شاءت-. وإن قلنا: إن ذلك قد كان، ثم بطل بأنه لا وصية لوارث، فذاك موافق لما عليه الجمهور «٣».

стр. 624

وأما أن نقول «١»: أنها منسوخة بما تقدمها فلا. وهذا الموضع من أقبح ما ذكروه في كتاب الله «٢»، ثم ذكر بعد هذه المتعة، متعة الطلاق، فقال عقيب هذه الآية- وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ «٣». ١٨ - ومن ذلك: قول ابن زيد «٤» في قوله إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً «٥» أنه منسوخ بقوله وَلا تَعْزِمُوا «٦» عُقْدَةَ النِّكاحِ «٧» «٨» وليس كما قال، بل هي محكمة، والمراد بذلك التعريض بالنكاح. ١٩ - ومن ذلك قوله وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ «٩». قال ابن المسيب «١٠»: وجبت المتعة لغير المدخول بها بهذه الآية، وبقوله في الأحزاب فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ «١١»، قال: ثم نسخ ذلك بقوله

стр. 625

وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ «١» «٢». وهذا ليس بنسخ لذلك، لأن الأول في التي لم يفرض لها، والثاني في التي قد فرض لها. وقال ابن المسيب أيضا: كانت المتعة واجبة بقوله في سورة الأحزاب فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ، ثم نسختها آية البقرة، وهو قوله حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ قال: ولم يقل: (حقا عليكم، ولا واجبا عليكم) «٣» وهذا أيضا ليس كذلك، لأن قوله حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وحَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ لا يعارض قوله فَمَتِّعُوهُنَّ، ولذلك قال علي- ﵁: (المتعة واجبة لكل مطلّقة)، وإليه ذهب الحسن البصري والضحاك وابن جبير «٤». وقال شريح: (هي مندوب اليها، فمتّع، إن كنت تحب أن تكون من المحسنين، ألا تحب أن تكون من المتقين) «٥»؟

стр. 626

وقال ابن عباس:﵄ وغيره (هي واجبة للتي لم يفرض لها اذا طلّقت قبل الدخول، على الموسر خادم، ويمتّع المتوسط بالورق، ودون المتوسط بالكسوة والنفقة)، وكذلك قال قتادة «١». وليس الغرض إيراد المذاهب، وإنما الغرض أن الآية غير منسوخة ولا ناسخة «٢». ٢٠ - ومن ذلك قوله لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ «٣». قال قوم: هي منسوخة بقوله جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ* «٤»، والجمهور «٥» على أنها محكمة «٦».

стр. 627

قال ابن عباس- ﵄ (نزلت في أهل الكتاب، لا يكرهون إذا أدّوا الجزية) «١». ٢١ - ومن ذلك قوله وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ «٢»، قالوا: هي ناسخة لما كانوا عليه من بيع المعسر فيما عليه من الدّين «٣». وقد قدمت أن مثل هذا لا يجمل أن يذكر في الناسخ «٤». لأنه نقل عن فعل كانوا عليه بغير قرآن نزل فيه، ولا أمر من الله ، ولو كان ذا ناسخا لكان القرآن كله ناسخا، لأنه نزل في تغيير ما كانوا عليه وإبطاله «٥». ٢٢ - ومن ذلك قوله إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ «٦» وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ «٧» فأمر بالكتاب «٨» والإشهاد، قالوا:

стр. 628

ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ «١»، وليس هذا بنسخ، وفيه بيان كون الأمر بالكتابة والإشهاد ليس «٢» على الوجوب «٣». وذهب ابن عمر وابن عباس وأبو موسى الأشعري وجابر بن زيد وابن سيرين والضحاك وأبو قلابة وعطاء والشعبي وداود إلى وجوب الكتاب «٤» والإشهاد، وأوجبوا على رب الدّين أن يكتب وأن يشهد إذا قدر على ذلك. قالوا: وأما قوله فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، فإنما ذلك عند عدم القدرة على الكتابة والإشهاد، إذا عفا عن الرهن أو لم يجده «٥». وقال الشعبي وعطاء: أشهد إذا بعت «٦» واشتريت بدرهم أو بنصف درهم أو بثلث درهم «٧»، وبهذا يقول الطبري، وعلى الجملة فالآية محكمة على كل حال «٨». ٢٣ - ومن ذلك قولهم في قوله وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ

стр. 629

اللَّهُ «١» (إنه) «٢» منسوخ بقوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «٣». وليس في هذين ناسخ ولا منسوخ «٤»، والنسخ لا يدخل في الأخبار، ففي هذه السورة ثلاثون موضعا أدخلت في الناسخ والمنسوخ «٥»، لم يقع الاتفاق على شيء منها بل فيها ما لا يشك في أنه ليس بناسخ ولا منسوخ ومستند قولهم في ذلك الظن لا اليقين، ولا يثبت ناسخ القرآن ومنسوخه بالظن والاجتهاد.

стр. 630

سورة آل عمران ذكروا فيها أربعة عشرة «١» موضعا «٢»، ليس منها موضع متفق في صحته «٣»: الأول: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ «٤»، قالوا: نسخها قوله وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٥» وليس (هذا) «٦» بنسخ، إذ يجوز أن يجمع بين الأمرين «٧» «٨». الثاني: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ «٩» «١٠».

стр. 631

«قالوا: نسختها آية السيف وإنما المعنى: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ» «١» اه، وليس عليك الهداية، لأنه قال قبل ذلك فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا «٢». الثالث: قوله لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ «٣». قالوا: نسخ منها إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً «٤» بآية السيف «٥»، وليس كما قالوا، قال الحسن: إنما ذلك في الكفار إذا أكرهوا المؤمنين على الكفر، فيتكلمون بذلك وقلوبهم كارهة «٦». وقال قتادة: التقيّة «٧»: أن تصل رحمك من الكفار من غير أن تواليهم على المسلمين «٨».

стр. 632

وقيل: نزلت في عمار بن ياسر- ﵁ لأنه خاف أن يقتله المشركون فتكلّم ببعض ما أحبوا «١». وفي حاطب بن أبي بلتعة «٢» حين كتب بأخبار رسول الله ﷺ الى كفار مكة ليرعوه في أهله وماله، وقلبه مطمئن بالإيمان «٣». الرابع والخامس والسادس: من قوله كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ إلى قوله وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ «٤». قالوا: نسخها قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا «٥» وهذا ليس بناسخ ولا منسوخ «٦».

стр. 633

السابع: قوله آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً «١». قالوا: هو منسوخ بقوله ﷺ : «لا صمت «٢» يوما إلى الليل» «٣»، وفساد هذا القول واضح «٤». الثامن: قوله وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ «٥». قال السدي: هو منسوخ بقوله سبحانه: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «٦»، وهذا أيضا باطل «٧».

стр. 634

التاسع: قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ «١»، قال قتادة: هي منسوخة بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ «٢» «٣»، وقال السدي وابن زيد والربيع بن أنس وجماعة من العلماء: ليس هذا بنسخ «٤»، والآيتان «٥» معناهما واحد، والأمر بتقوى الله لا ينسخ «٦». وقوله حَقَّ تُقاتِهِ أي ما أطقتم «٧»، قيل: يا رسول (الله) «٨»، ما حق تقاته؟ قال: «هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر» «٩». وقال ابن عباس: (أن يجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذه فيه لومة لائم، وأن تقوم لله

стр. 635

بالقسط ولو على نفسك أو أبيك أو ابنك) «١» وهذا كله لا ينسخ. العاشر: قوله لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً «٢»، قالوا: هي منسوخة بقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ «٣» «٤» وهو أيضا فاسد. الحادي عشر: قوله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ «٥»، قالوا: هو ناسخ للقنوت الذي كان يفعله رسول الله ﷺ للدعاء على الكفار «٦» وهذا ليس شرط الناسخ «٧»، لأنه لم ينسخ قرآنا «٨». الثاني عشر: قوله وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها «٩». قالوا «١٠»: هي منسوخة بقوله عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ «١١»، وهذا ظاهر البطلان «١٢».
следующие страницы →