← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37653

جمال القراء وكمال الإقراء - ت عبد الحق

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (901 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

«قالوا: نسختها آية السيف وإنما المعنى: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ» «١» اه، وليس عليك الهداية، لأنه قال قبل ذلك فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا «٢». الثالث: قوله لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ «٣». قالوا: نسخ منها إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً «٤» بآية السيف «٥»، وليس كما قالوا، قال الحسن: إنما ذلك في الكفار إذا أكرهوا المؤمنين على الكفر، فيتكلمون بذلك وقلوبهم كارهة «٦». وقال قتادة: التقيّة «٧»: أن تصل رحمك من الكفار من غير أن تواليهم على المسلمين «٨».

стр. 632

وقيل: نزلت في عمار بن ياسر- ﵁ لأنه خاف أن يقتله المشركون فتكلّم ببعض ما أحبوا «١». وفي حاطب بن أبي بلتعة «٢» حين كتب بأخبار رسول الله ﷺ الى كفار مكة ليرعوه في أهله وماله، وقلبه مطمئن بالإيمان «٣». الرابع والخامس والسادس: من قوله كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ إلى قوله وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ «٤». قالوا: نسخها قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا «٥» وهذا ليس بناسخ ولا منسوخ «٦».

стр. 633

السابع: قوله آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً «١». قالوا: هو منسوخ بقوله ﷺ : «لا صمت «٢» يوما إلى الليل» «٣»، وفساد هذا القول واضح «٤». الثامن: قوله وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ «٥». قال السدي: هو منسوخ بقوله سبحانه: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «٦»، وهذا أيضا باطل «٧».

стр. 634

التاسع: قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ «١»، قال قتادة: هي منسوخة بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ «٢» «٣»، وقال السدي وابن زيد والربيع بن أنس وجماعة من العلماء: ليس هذا بنسخ «٤»، والآيتان «٥» معناهما واحد، والأمر بتقوى الله لا ينسخ «٦». وقوله حَقَّ تُقاتِهِ أي ما أطقتم «٧»، قيل: يا رسول (الله) «٨»، ما حق تقاته؟ قال: «هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر» «٩». وقال ابن عباس: (أن يجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذه فيه لومة لائم، وأن تقوم لله

стр. 635

بالقسط ولو على نفسك أو أبيك أو ابنك) «١» وهذا كله لا ينسخ. العاشر: قوله لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً «٢»، قالوا: هي منسوخة بقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ «٣» «٤» وهو أيضا فاسد. الحادي عشر: قوله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ «٥»، قالوا: هو ناسخ للقنوت الذي كان يفعله رسول الله ﷺ للدعاء على الكفار «٦» وهذا ليس شرط الناسخ «٧»، لأنه لم ينسخ قرآنا «٨». الثاني عشر: قوله وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها «٩». قالوا «١٠»: هي منسوخة بقوله عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ «١١»، وهذا ظاهر البطلان «١٢».

стр. 636

الثالث عشر: قوله وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «١»، قالوا: هذا ناسخ لقرآن كان يقرأ، نزل في الذين قتلوا يوم بئر معونة «٢» لأنهم لما أدخلوا الجنة، قالوا: يا ليت قومنا يعلمون بما أكرمنا ربّنا، فقال تعالى: أنا أعلمهم عنكم، فأنزل: (بلّغوا عنا قومنا أن قد لقينا ربّنا فرضى عنا ورضينا عنه) «٣». روى مطرف عن مالك عن ابن شهاب عن أنس قال: فكان ذلك قرآنا قرأناه ثم نسخ بقوله وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً «٤»، وليس هذا من شرط الناسخ والمنسوخ، لأن ذلك لم يثبت قرآنا فينسخه هذا، ولو كان أيضا قرآنا يتلى لم يكن منسوخا، ولم يكن هذا ناسخا له، لأن ذلك خبر «٥». الرابع عشر: قوله وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «٦» قالوا: نسخها آية السيف «٧»، وليس هذا مما ينسخ «٨».

стр. 637

سورة النساء الكلام فيها في ثلاثين موضعا «١»: الأول: قوله فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ «٢» إلى آخر الآية. قالوا: هي ناسخة لما كان في الجاهلية من نكاح ما شاءوا من النساء وهذا لا يسمى ناسخا، وقد تقدم القول فيه «٣». الثاني: قوله وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ «٤». قالوا: هي منسوخة بقوله إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً «٥» إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً «٦».

стр. 638

وقيل: نسخت «١» بقوله وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ «٢». والجمهور على أنها محكمة «٣»، واختلفوا في معناها، فقال سعيد بن المسيب وربيعة «٤»: المعنى: ومن كان فقيرا من اليتامى فليأكل بالمعروف لئلا يذهب ماله ويبقى فقيرا «٥». وقال الحسن وقتادة والنخعي وعطاء وابن زيد: معنى بالمعروف: أي للوصي سد جوعته إذا احتاج، وليس عليه رد ذلك «٦».

стр. 639

وقيل: أبيح له (أكل) «١» التمر واللبن لقيامه عليه، فكأنه أجرة له «٢». وقال أبو العالية: معنى (بالمعروف): أي من الغلة «٣»، ولا يأكل من الناض «٤» قرضا ولا غير قرض «٥»، وقيل «٦»: معنى قوله (بالمعروف): القرض إذا احتاج والرد إذا أيسر، ويدلّ على ذلك قوله فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، أي ما اقترضتموه «٧»، فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ قال ذلك عمر- ﵁ وابن عباس والشعبي وابن جبير «٨»، فالآية على جميع هذه الأقوال محكمة، وإنما سقطت هذه الأقوال ليعلم «٩» أن القول بالنسخ ظن لا يقين «١٠». الثالث: قوله وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً «١١».

стр. 640

قيل: هي منسوخة بآية الوصية والميراث «١»، قاله ابن المسيّب «٢». وعن ابن عباس والضحاك والسدي وعكرمة: نسخها آية الميراث. وعن ابن عباس أيضا: أنها محكمة «٣»، وكذلك قال ابن جبير ومجاهد وعطاء «٤». والأمر على الندب لا على الايجاب. وعن ابن عباس أيضا: أن الخطاب للموصى، يقسم وصيته بيده، والأمر على الندب، وروى مجاهد أيضا والحسن والزهري، أنها محكمة فيما طابت به أنفس الورثة عند القسمة على الندب «٥». الرابع: قالوا: أن الورثة المذكورين في هذه الآيات «٦» كالآباء والأبناء والاخوة

стр. 641

والأزواج، كان ذكرهم عاما، ثم نسخت السنة من خالف دينه دين الميت «١». ونسخ الإجماع- من أكثر الأمة- من كان فيه بقية رق «٢» فإنه لا يرث، وليس هذا بنسخ «٣». الخامس: قوله وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً «٤»، قالوا: تضمنت هذه الآية إمضاء الوصية على ما أمر الموصي، ثم نسخت بقوله فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ «٥»، أي فلا حرج على الموصى إليه إذا خاف ذلك (أن) «٦» يأمر الموصي بالعدل «٧»، وهذا ليس بنسخ «٨».

стр. 642

السادس: قوله إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً «١»، قالوا: هو منسوخ بقوله وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ «٢». قالوا: والمعروف: القرض، فإن أيسر رد، وإن مات قبل أن يوسر فلا شيء عليه «٣». وليس هذا- إن قيل «٤» - بنسخ، لأن هذا ليس بظلم. السابع: قالوا: قال الله مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ* «٥» في (أربع) «٦» مواضع ولم نجد «٧» للموصى في ماله حدا، ثم نسخ هذا بقوله- ﵇ (الثلث والثلث كثير) «٨».

стр. 643

وهذا ليس بنسخ، إنما بيان، كما بين مقدار ما تجب فيه الزكاة، وعدد أركان الصلاة «١». الثامن: قوله وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ «٢» الآية، والتي بعدها «٣». هي منسوخة بالحدود «٤»، وهذه الآية في النساء المحصّنات والأبكار، والتي بعدها في الرجال الثيب منهم والبكر «٥»، ونسخ الجميع بالحدود. وقيل: إن الآية الأولى في المحصنين، والثانية في البكرين، وعليه جماعة «٦»، والأول هو الصحيح، وهو قول ابن عباس. وقيل: ليس هذا بنسخ «٧» لأنه سبحانه قال أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا لأنه قد كان

стр. 644

الحكم منتظرا «١». التاسع: قوله ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ «٢». قالوا: هي منسوخة بالتي بعدها، وهي قوله حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ، قالوا: فقد احتجر التوبة في هذه الآية على أهل المعصية فقال : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ «٣» وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً قالوا: ثم نسخت في أهل الشرك، أي نسختها هذه الآية وبقيت محكمة في أهل الإيمان «٤».

стр. 645

وقال قوم: نسخت هذه الآية- وهي قوله وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* «١». فحرّم الله مغفرته على من مات وهو مشرك، ورد أهل التوحد الى مشيئته «٢»، وهذا كله تخليط من قائله، ولا نسخ في هذه الآيات لأنها أخبار جاءت تبيّن بعضها بعضا «٣». العاشر: قوله لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً «٤». قالوا: فقوله وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ «٥» هو منسوخ «٦» وكان الرجل إذا تزوج امرأة فأتت بفاحشة كان له (أن) «٧» يأخذ ما أعطاها «٨». وقال الأكثر: هي محكمة، وأنها إذا زنت فله «٩» أن يأخذ منها بالخلع «١٠».

стр. 646

وقيل: إذا نشزت عنه جاز له أن يأخذ منها بالخلع. وقال قوم: الفاحشة: الزنا، وقيل: النشوز، وقيل: فاحشة اللسان «١»، والصحيح: ألا نسخ «٢». وقالوا:- في (أول) «٣» الآية في قوله لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً هو ناسخ لما كانوا عليه في الجاهلية إذا توفّي الرجل كان ابنه أولى بامرأته يمنعها من التزويج حتى تموت فيرثها «٤». وقال ابن عباس: كان حميم الميت يلقى ثوبه على امرأته «٥»، فإن شاء تزوجها بذلك وإن شاء حبسها حتى تموت فيرثها «٦». قال غيره: فنسخ ذلك بهذه الآية، وقد بيّنا- فيما تقدم- أن هذا وشبهه ليس بنسخ. الحادي عشر: قوله وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ «٧».

стр. 647

قال قوم: هي منسوخة، والمعنى: ولا ما قد سلف فأنزلوا عنه «١». وقال قوم: محكمة، والمعنى: إلّا ما قد سلف، فقد عفوت عنه. وأما من قال: هي منسوخة، والمعنى: ولا ما قد سلف، فلا يخلو أن يريد: ولا ما قد سلف من نكاح حلائل الآباء، فانزلوا عنه، فإن أراد هذا فكيف تكون منسوخة؟ بل هي أولى أن «٢» تكون محكمة، وإن أراد بقوله: ولا ما قد سلف من الأنكحة الفاسدة التي كانت في الجاهلية فأقرهم الإسلام عليها، إذا أسلموا فاقتضت الآية نزولهم عن النساء، ثم نسخت، فليس كذلك، وليس في العربية (إلّا) بمعنى (ولا)، والآية محكمة، والاستثناء منقطع، والمعنى: لكن ما قد «٣» سلف فإنه مغفور «٤». وقيل: لكن ما قد سلف: إنه كان فاحشة «٥». وقال الطبري: المعنى: ولا تنكحوا «٦» من النساء نكاح آبائكم، ف (ما) بمعنى «٧» (المصدور) «٨»، والاستثناء منقطع «٩» كما سبق. وقال الزمخشري: في هذا الاستثناء- هو مثل قوله: ... غير أن سيوفهم ... حيث استثنى من قوله: ولا عيب فيهم «١٠» .. ** ... قال: يعني أن أمكنكم أن

стр. 648

تنكحوا ما قد سلف فانكحوا فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه، وسد الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد، في قولهم: حتى يبيضّ القار «١» و (حتى يلج الجمل في سم الخياط) «٢» «٣» وقال في قوله : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ «٤»: ولكن ما مضى مغفور، بدليل قوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً «٥». الثاني عشر: قوله : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، قالوا: المعنى: ولا ما قد سلف، كما تقدم في التي قبلها، والكلام على ما قالوه كما سبق «٦». الثالث عشر: قوله فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً «٧» قالوا: هي المتعة، وقد نسخت، واختلفوا في ناسخها، فقيل: قوله «٨» وَلَهُنَ

стр. 649

الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ «١». وعن الشافعي:﵀ موضع تحريم المتعة قوله إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ «٢» إلى قوله سبحانه فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ «٣»، قال: وقد أجمعوا على أنها ليست زوجة ولا ملك اليمين «٤». وكذلك قالت عائشة- ﵂ «٥» - كما قال الشافعي ﵀، قالت: كانت المتعة: أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل معلوم ويشترط ألا طلاق بينهما، ولا ميراث ولا عدة، قالت: فحرّمها الله تعالى بقوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ وقال ابن المسيب: نسخت المتعة آية المواريث «٦» «٧». والظاهر قول من قال من العلماء: ليس قوله فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ في المتعة،

стр. 650

وإنّما ذلك في الزوجات، وفي إيتاء «١» الصداق، فتكون الآية محكمة «٢». الرابع عشر: قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ «٣»، قالوا: نسخها قوله لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ «٤» قالوا: لأنهم لما أنزلت «٥» لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ: اجتنبوا الأكل مع الأعمى لأنه لا يبصر فيختار لنفسه ما يريد، والأعرج لا يتمكن في جلوسه، والمريض يسبقه الصحيح في الأكل والابتلاع، فنسخت آية النور تحرجهم. قال ذلك الحسن وعكرمة «٦»، والجمهور على أنها محكمة «٧»، والمراد بالباطل

стр. 651

الغصب والسرقة والبخس والربا والقمار ونحو ذلك، والقول بأنها منسوخة: يؤدي إلى إباحة أكلها بالباطل مع الأعمى والأعرج والمريض، وإنما فعلوا ذلك تورعا وليس هذا أكل مال بالباطل، ولا يقع مشاحة بين الناس في مثل هذا كما لا يتشاحون في أخذ هذا لقمة كبيرة وهذا لقمة صغيرة، وقد قال الزهري: (نزلت آية النور في الثلاثة، لأن الغزاة كانوا يخلّفونهم في بيوتهم، يحرسونها إلى أن يعودوا، فأبيح لهم أن يأكلوا منها) «١». وقال ابن زيد: (زلت فيهم في رفع الحرج عنهم في الجهاد) «٢». الخامس عشر: قوله والذين عاقدت «٣» أيمانكم فآتوهم «٤»

стр. 652

نَصِيبَهُمْ «١»، قيل: هي منسوخة، ومعنى المعاقدة- عند من قال أنها منسوخة- مختلف فيه:- فقيل: كانوا يتوارثون بالأخوة التي آخى بينهم رسول الله ﷺ ، أي بين المهاجرين والأنصار، ثم نسخ ذلك بقوله وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ «٢» فهذه- على قولهم- آية نسخ أولها آخرها «٣». وقيل: بل كانوا يتعاقدون، ويتحالفون أن من مات قبل صاحبه ورثه الآخر، فنزلت هذه الآية تأمر «٤» بالوفاء بذلك، ثم نسخت بآية المواريث، وبقوله في آخر الأنفال- وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ* «٥». وقيل: كان المهاجرون إذا «٦» قدموا المدينة يرثون «٧» الأنصار دون ذوي أرحامهم لما بينهم من المودة، فأنزل الله تعالى يقرر «٨» ذلك بقوله فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ثم نسخ ذلك بآية المواريث، وبآية «٩» الأنفال، وهذه الأقوال كلها مرويّة عن ابن عباس «١٠».

стр. 653

واختلاف الرواية عن شخص واحد دليل الضعف «١». وقيل: هي محكمة «٢»، وهو الصحيح- إن شاء الله- والمعى: وفّوا لهم بما عاقدت «٣» إيمانكم من النصر والمعونة والرّفد «٤». السادس عشر: قوله لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا

стр. 654

ما تَقُولُونَ «١» قالوا: مفهوم خطاب هذه الآية جواز السكر، وإنما حرّم قربان الصلاة في تلك الحال. فنسخ ما فهم من جواز الشرب والسكر بتحريم الخمر «٢». وروى أبو ميسرة عن عمر- ﵁ (أن منادى «٣» رسول الله- لما نزلت كان ينادي عند الإقامة «٤»: لا يقربن الصلاة سكران) «٥». وأعجب من هذا: قول عكرمة لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى منسوخ بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا «٦» الآية «٧» أي أنه أبيح لهم أن يؤخروا الصلاة حتى يزول السّكر، ثم نسخ ذلك، فأمروا بالصلاة على كل حال، ثم نسخ شرب الخمر بقوله فَاجْتَنِبُوهُ «٨» وبقوله سبحانه فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٩» «١٠»، وليس في هذا كله نسخ، ولم ينزل الله هذه الآية في إباحة الخمر فتكون

стр. 655

منسوخة، ولا أباح بعد إنزالها مجامعة الصلاة مع السكر «١». والآية محكمة على هذا «٢»، لا على قول من قال: أراد بالسكر: سكر النوم «٣» وهو قول الضحاك وابن زيد «٤». السابع عشر: قوله وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ... «٥» الآية. قيل: هي منسوخة بقوله ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ «٦»، فذلك نسخ لتلك «٧» الإباحة العامة، وهو ظاهر الفساد، وإنما الإباحة المتقدمة لمن لم يجد الطّول «٨»،

стр. 656

وخشي العنت «١» «٢». الثامن عشر: قوله فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ .. «٣»، قال قوم: هذا ناسخ لقوله فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ «٤» ولم يفرّق بين الإماء وغيرهن وليس كما ذكروا، ولم تكن الأمة داخلة في قوله فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، وإنما ذلك في الحرة «٥» بإجماع، ولا كان حد الأمة قط أكثر من خمسين، محصنة كانت أو غير محصنة «٦». التاسع عشر: قوله فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً «٧». قالوا: هذا تقديم وتأخير، وإنما المعنى: فعظهم واعرض عنهم، ثم نسخ الوعظ والأعراض بآية السيف «٨»، وليس كذلك، لأن آية السيف في قتال المشركين، وهذه الآية في أهل النفاق، وليس فيها تقديم ولا تأخير. ومعنى فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ: دعهم لا تعاقبهم «٩»، واقتصر على وعظهم، والقول

стр. 657

البليغ: هو «١» التخويف «٢». الموضع الموفي عشرين: قوله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً «٣». قالوا: نسخ بقوله اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ «٤» الآية «٥»، وليس كذلك، فإن آية النساء في قصة مخصوصة «٦»، لو تابوا واستغفروا واستغفر لهم الرسول «٧» ﷺ «٨» لغفر لهم، وآية براءة في المنافقين الذين استغفر لهم الرسول ﷺ ، وهم مصرّون على النفاق، ومعلوم أن المنافق والكافر إذا تاب واستغفر غفر «٩» له. الحادي والعشرون: قوله فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً «١٠»، قالوا: هو منسوخ بقوله وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً «١١» الآية «١٢»، وما أحسب هؤلاء فهموا كلام الله «١٣».

стр. 658

أما قوله خُذُوا حِذْرَكُمْ فمعناه: احذروا عدوكم، ولا تغفلوا عنه فيتمكن منكم، (والفرق) «١» إليه ثبات أي: جماعات، سرية بعد أخرى أو انفروا عسكرا واحدا. وأما قوله وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً الآية، فاختلف فيه، فقيل: نزل في قوم بعثهم رسول الله ﷺ يعلّمون الناس الإسلام، فرجعوا إليه ﷺ لما نزل قوله ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «٢» خشية أن يكونوا داخلين فيمن تخلّف عن رسول الله ﷺ ، فأنزل الله وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً هذا «٣» قول مجاهد «٤»، أي فهلا نفر من كل فرقة «٥» طائفة «٦» ليتفقهوا في الدين إذا رجع بعض المسلمين «٧» إلى رسول الله ﷺ وبقي بعض فإذا نفروا كلهم، لم يبق من يعلّم، فإذا رجع الذين تعلّموا من أهل البوادي إلى قومهم أخبروهم بما تعلّموا لعلّهم يحذرون مخالفة أمر الله، فليس هذا بناسخ لقوله فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً، لأن المعنى: إذا نفرتم إلى العدو فعلى احدى الحالتين، أما مجتمعين أو سرايا متفرقين () «٨» إذا غزوا وليس معهم النبي ﷺ لينفروا كلهم وتركوه «٩»، لا يبقى منهم أحد فإذا بقي بعد النافرين قوم ونزل قرآن تعلّموه.

стр. 659

فإذا رجع النافرون أخبرهم القاعدون بما أنزل «١»، ثم ينفر «٢» القاعدون، ويمكث الأولون عند النبي ﷺ «٣» وهذا المعنى أيضا، لا يعارض آية النساء، فتكون هذه الآية ناسخة لها. وروى عن ابن عباس أيضا أنها نزلت في غير هذا المعنى، وإنما أقبلت قبائل مضر إلى المدينة من أجل الجدب الذي أصابهم بدعوة النبي ﷺ ، تأتي القبيلة تزعم أن الإسلام أقدمها، وإنما أقدمها الضر، فأعلم الله النبي ﷺ بأنهم كاذبون، ولو كان ذلك غرضهم لاكتفوا بإرسال بعضهم إلى المدينة ليتفقهوا ولينذروهم إذا انقلبوا إليهم «٤» «٥». واختلاف الرواية دليل الضعف، والمخبر عنه واحد والقصة واحدة، ومع ذلك فلا تعارض بين الآيتين ولا نسخ. وقال عكرمة: إنما نزلت في تكذيب المنافقين، لأنهم لما نزل قوله ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ... الآية. قال المنافقون:- لمن تخلّف عن رسول الله ﷺ لعذر من المؤمنين- هلكتم بتخلفكم عن رسول الله ﷺ فأنزل الله وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً «٦»، وهذا تأويل بعيد عن سياق الآية، ومع ذلك فلا نسخ. وقال الحسن البصري هي في الجهاد، والمعنى ليتفقه الطائفة النافرة بما تراه من نصره وتخبر إذا رجعت بما رأته من ذلك قومها المشركين وتحذّرهم أخذ الله وبأسه «٧». وروى أنها نزلت في أعراب قدموا المدينة فأغلوا الأسعار، وملئوا «٨» الطرق بالأقذار «٩».

стр. 660

الثاني والعشرون: قوله وَمَنْ «١» تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً «٢»، قالوا: نسخ بآية السيف «٣»، وهذا كقوله فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ «٤» وقد تقدم القول فيه «٥» «٦». الثالث والعشرون: قوله فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ «٧». قالوا: هو منسوخ بآية السيف، وإنما هو كالذي قبله ليس بمنسوخ، وإنما نزل في المنافقين. فإن قلت: أفلا يكون منسوخا بقوله جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ «٨»؟ قلت: قال ابن عباس: (أمروا بجهاد المنافقين باللسان والكفار بالسيف). وقال الضحاك: (جاهد الكفار بالسيف، واغلظ على المنافقين بالكلام). وقال الحسن وقتادة: (واغلظ على) «٩» المنافقين بإقامة الحدود عليهم، وقيل: بإقامة الحجة عليهم «١٠».

стр. 661

فإن قلت: فيكون قوله في النساء فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ منسوخا بهذه؟ قلت: آية النساء في قوم منهم بأعيانهم، وقد قيل في معنى قوله فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ لا تخبر بأسمائهم «١». الرابع والعشرون: قوله فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ «٢». قالوا: نسخ بآية السيف «٣»، وليس كما قالوا، لأن هذه الآية إنما نزلت بعد الأمر بالقتال، ولكن (لما) «٤» تثبطوا عن القتال على ما ذكر (في) «٥» الآيات قبلها، وبيتوا غير ما قالوا من إظهار الطاعة، قال له الله فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ولا تعتمد على نصرهم، فإن تخلّفوا عنك ولم يخرجوا معك فما كلّفت غير نفسك وحدها (وحرض المؤمنون)، أي وما «٦» يلزمك «٧» في أمرهم إلّا التحريض «٨»، وفي هذا تحريك لهم وإلهاب. وقيل: دعاهم إلى الخروج إلى «٩» بدر الصغرى «١٠»، فكرهوا الخروج فخرج رسول

стр. 662

الله ﷺ ولم يلو على أحد، فلم يتبعه إلّا سبعون (ولم يتبعه أحد فخرج وحده) «١»، وكان أبو سفيان «٢» واعده اللقاء، فكان الأمر كما قال الله ، فكف بأس الذين كفروا، ورجع أبو سفيان، لأنه لم يكن مع أصحابه (زاد) «٣» إلّا السويق «٤». فقال لهم: هذا عام مجدب، ولم يقدم (على) «٥» لقاء رسول الله ﷺ «٦». الخامس والعشرون: قوله إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ «٧». قالوا: قال الله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٨» ثم استثنى من ذلك أهل الميثاق، ومن اتصل بهم وانحاز إلى جملتهم، ثم نسخ ذلك بقوله في براءة فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٩»، قال قتادة: نبذ إلى كل عهد

стр. 663

عهده، ثم أمر ﵇ «١» بالقتال والقتل حتى يقولوا: لا إله إلّا الله، وكان رسول الله ﷺ قد عاهد كفار مكة عام الحديبية عهدا بقى من مدته عند نزول براءة أربعة أشهر، فأمر الله نبيّه ﷺ أن يوفي بعهدهم إلى مدتهم، وأن يؤخر قتال من لا عهد له إلى انسلاخ محرّم، ثم يقاتل الجميع حتى يدخلوا في الإسلام، لا يقبل منهم سوى ذلك، هذا كله قول قتادة «٢». وقال السدي: كان آخر عهد الجميع تمام أربعة أشهر، وذلك لعشر خلون من ربيع الآخر، وهذا كله كان في موسم تسع «٣». وقال السدي: أمر النبي ﷺ بإتمام أربعة أشهر لمن كان بينه وبينه عهد أربعة أشهر فما دون ذلك، وأما من كان عهده أكثر من (ذلك) «٤» أربعة أشهر فهو الذي «٥» أمر النبي ﷺ أن يتم له عهده في قوله فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ «٦»، فمن نقض منهم العهد، دخل فيمن أخر إلى تمام أربعة أشهر. وهذا اختيار الطبري «٧»، وهو قول الضحاك، فعلى هذا لا يكون قوله إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ منسوخا، لأنه قد جعل له حكم المعاهدين وأدخل في جملتهم، وقد أخّر قتالهم إلى انقضاء مدتهم. وروى أن عليا- ﵇ كان يقول في ندائه: ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته «٨» اه.

стр. 664

ويدل عليه قوله إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ «١»، فأمر الله «٢» لمن استقام على عهده ولم ينقضه بأن يتم له عهده، وأن يؤخر من نقض عهده وظاهر على النبي ﷺ أربعة أشهر «٣». قال تعالى فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ففسح لمن كان له عهد ونقض قبل انتهائه، ومن له أربعة أشهر فما دون أن يتصرفوا في الأرض مقبلين ومدبرين، ثم لا أمان لهم بعد ذلك. قال مجاهد: أولها من يوم النحر إلى عشر من ربيع الآخر «٤». وقال الزهري: أولها شوال وآخرها آخر محرم «٥». وتسمى أشهر السماحة أيضا، لأنه سمح لهم فيها بالتصرّف. وقال ابن عباس: (من لم يكن له «٦» عهد إنما جعل أجله خمسين ليلة، عشرين من ذي الحجة والمحرم) «٧»، يدلّ على ذلك قوله فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا

стр. 665

الْمُشْرِكِينَ، وكان النداء بسورة (براءة) يوم عرفة، وبه يتم «١» خمسين ليلة. وقيل: يوم النحر «٢»، ونزلت (براءة) أول شوال، ومن ذلك اليوم أجّل أربعة أشهر لأهل العهد. وقال الزهري: من أول شوال هو (أول) «٣» الأربعة أشهر، وهو للجميع، فمن كان له عهد: كان أجله أربعة أشهر من ذلك الوقت. ومن لم يكن له عهد: انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك أربعة أشهر أيضا «٤». السادس والعشرون: قوله أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ «٥» أَنْ يُقاتِلُوكُمْ «٦» قيل: معناه: ولا الذين جاءكم قد ضاقت صدورهم عن قتالكم وعن قتال قومهم، قال الحسن، وعكرمة، وابن زيد: هو منسوخ بالجهاد «٧» اه. وأقول:- والله أعلم- أن هؤلاء الذين حصرت صدورهم عن القتال: هم الذين ذكروا في قوله إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ذكر لهم حالتان: أ) الاتصال بالمعاهدين. ب) أو المجيء إلى النبي ﷺ ، والتقدير: إلّا الذين حصرت صدورهم، فاتصلوا بقوم بينكم وبينهم ميثاق، أو جاءوكم، يدلّ على ذلك قراءة أبيّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ

стр. 666

حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ «١»، وليس في قراءته أَوْ جاؤُكُمْ. وقوله فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، إنما أراد كفار مكة ومن معهم، يدل على ذلك قوله أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ «٢»، لأن النبي ﷺ عام الحديبية- حين قاضى (المشركون) «٣» - أدخل معه بني كعب ابن خزاعة في القضية وأدخل المشركون معهم بني بكر ابن كنانة في القضية، فنقض المشركون أيمانهم، وأغاروا «٤» مع بني بكر ابن كنانة على بني كعب ابن خزاعة قبل انقضاء مدة العهد، فغضب النبي ﷺ ، وقال: «والله لانتصرن لهم»، فنصره الله بفتح مكّة «٥»، وشفي صدره وبني خزاعة «٦» وأذهب غيظ قلوبهم، وهم القوم المؤمنون وحلفاء «٧» رسول الله ﷺ «٨» فتأمل في «٩» هذا فإنه «١٠» لا يعارض ما في سورة النساء، إلّا أن يكون (الذين) «١١» حصرت صدورهم ممن نقض العهد ونكث اليمين وأعان على خزاعة. والجرأة على الناسخ والمنسوخ خطر عظيم، ولا يعارض ما في سورة النساء أيضا قوله وَ «١٢» قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً «١٣». السابع والعشرون: قوله سَتَجِدُونَ آخَرِينَ «١٤» «١٥» الآية، قالوا؛

стр. 667

نسخها آية السيف «١». الثامن والعشرون: قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* «٢». ذهب قوم إلى أنها منسوخة بقوله وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها «٣» الآية «٤». وروى «٥» عن ابن عباس- ﵄ أنه قال:- في قوله في (سورة) «٦» الفرقان ... وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً* إِلَّا مَنْ تابَ «٧». إن هذا لأهل الشرك إذا أسلموا، ولا توبة للقاتل متعمدا «٨» اه. وروى أن رجلا سأل أبا هريرة وابن عمر وابن عباس عن قتل العمد، فكلهم قال: هل يستطيع أن يحييه «٩»؟!. والصحيح أن هذا ليس من الناسخ والمنسوخ في شيء، لأن هذا إخبار من الله ، وإخبار الله صدق لا يدخله نسخ «١٠» وآية الفرقان وآيات النساء محكمات.

стр. 668

وقد قال الله في سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، ثم قال فيها: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها، ثم قال بعد ذلك «١»: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. فإن قيل: إن قلت: إن هذه أخبار، والنسخ لا يدخل الأخبار، فما تقول في تعارضها؟. قلت: قوله فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها قد روى ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال في الآية هو جزاؤه إن جازاه «٢» وقال الطبري: جزاء القاتل جهنم حقا، ولكن الله يغفر ويتفضّل على من آمن به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، فإما أن يغفر فلا يدخلهم، وإما أن يدخلهم ثم يخرجهم بفضل رحمته، وهذا خبر عام ولا يجوز نسخه «٣» اه وكذلك روى عن إبراهيم التيمي ومجاهد «٤». وقول رسول الله ﷺ : كاف، وإنما أذكر هؤلاء لأن ذكرهم كالشهادة لصحة الحديث. فإن قيل: فما تقول فيما تقدم ذكره عن ابن عباس؟ قلت: قد روى عاصم بن أبي النّجود عن ابن جبير عن ابن عباس- ﵄ أنه قال: (هو جزاؤه إن جازاه) «٥».

стр. 669

وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً «١»، وقال: فلو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال لجاز أن يغفرها الله تعالى. قال ابن عباس: وقد دعا الله إلى مغفرته من قال عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ «٢» ومن زعم أن الله فقير «٣»، ومن زعم أن يد الله تعالى مغلولة «٤»، ومن زعم أنه (ثالث ثلاثة) «٥» فقال «٦» أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٧». قال ابن عباس: وقد دعا الله إلى التوبة من هو أعظم جرما من هؤلاء من قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «٨»، وما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي «٩». قال: ومن أيأس العباد من التوبة، فقد جحد كتاب الله تعالى، ومن تاب إلى الله تاب الله عليه. قال: وكما لا ينفع مع الشرك إحسان، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين «١٠».

стр. 670

قال ابن عباس:- مع قول النبي ﷺ «لو وضعت قول «١»: لا إله إلّا الله في كفة، ووضعت السموات والأرض وما بينهن «٢» وما فيهن في كفة لرجحت قول «٣»: لا إله إلّا الله» «٤». وهذا هو الصحيح عن ابن عباس- إن شاء الله تعالى «٥» - إذ أجمع المسلمون على صحة توبة قاتل العمد، وكيف لا تصح توبته وتصح توبة الكافر وتوبة من ارتد عن الإسلام، ثم قتل المؤمنين متعمدا ثم رجع إلى الإسلام «٦»؟. قال عبد الله بن عمر- ﵁: (كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ لا نشك في قاتل المؤمن وآكل مال اليتيم وشاهد الزور وقاطع الرحم- يعني لا نشك في الشهادة لهم بالنار- حتى نزلت إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ*، فأمسكنا عن الشهادة لهم) «٧» اه. فإن قيل: فما تقول في قولهم: هل تستطيع «٨» أن تحييه؟ قلت: ذلك على وجه تعظيم (أمر) «٩» القتل والزجر، أو يكون ذلك قبل أن تنزل إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ*
следующие страницы →