← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37653

جمال القراء وكمال الإقراء - ت عبد الحق

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (901 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ «١»، وليس في قراءته أَوْ جاؤُكُمْ. وقوله فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، إنما أراد كفار مكة ومن معهم، يدل على ذلك قوله أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ «٢»، لأن النبي ﷺ عام الحديبية- حين قاضى (المشركون) «٣» - أدخل معه بني كعب ابن خزاعة في القضية وأدخل المشركون معهم بني بكر ابن كنانة في القضية، فنقض المشركون أيمانهم، وأغاروا «٤» مع بني بكر ابن كنانة على بني كعب ابن خزاعة قبل انقضاء مدة العهد، فغضب النبي ﷺ ، وقال: «والله لانتصرن لهم»، فنصره الله بفتح مكّة «٥»، وشفي صدره وبني خزاعة «٦» وأذهب غيظ قلوبهم، وهم القوم المؤمنون وحلفاء «٧» رسول الله ﷺ «٨» فتأمل في «٩» هذا فإنه «١٠» لا يعارض ما في سورة النساء، إلّا أن يكون (الذين) «١١» حصرت صدورهم ممن نقض العهد ونكث اليمين وأعان على خزاعة. والجرأة على الناسخ والمنسوخ خطر عظيم، ولا يعارض ما في سورة النساء أيضا قوله وَ «١٢» قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً «١٣». السابع والعشرون: قوله سَتَجِدُونَ آخَرِينَ «١٤» «١٥» الآية، قالوا؛

стр. 667

نسخها آية السيف «١». الثامن والعشرون: قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* «٢». ذهب قوم إلى أنها منسوخة بقوله وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها «٣» الآية «٤». وروى «٥» عن ابن عباس- ﵄ أنه قال:- في قوله في (سورة) «٦» الفرقان ... وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً* إِلَّا مَنْ تابَ «٧». إن هذا لأهل الشرك إذا أسلموا، ولا توبة للقاتل متعمدا «٨» اه. وروى أن رجلا سأل أبا هريرة وابن عمر وابن عباس عن قتل العمد، فكلهم قال: هل يستطيع أن يحييه «٩»؟!. والصحيح أن هذا ليس من الناسخ والمنسوخ في شيء، لأن هذا إخبار من الله ، وإخبار الله صدق لا يدخله نسخ «١٠» وآية الفرقان وآيات النساء محكمات.

стр. 668

وقد قال الله في سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، ثم قال فيها: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها، ثم قال بعد ذلك «١»: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. فإن قيل: إن قلت: إن هذه أخبار، والنسخ لا يدخل الأخبار، فما تقول في تعارضها؟. قلت: قوله فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها قد روى ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال في الآية هو جزاؤه إن جازاه «٢» وقال الطبري: جزاء القاتل جهنم حقا، ولكن الله يغفر ويتفضّل على من آمن به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، فإما أن يغفر فلا يدخلهم، وإما أن يدخلهم ثم يخرجهم بفضل رحمته، وهذا خبر عام ولا يجوز نسخه «٣» اه وكذلك روى عن إبراهيم التيمي ومجاهد «٤». وقول رسول الله ﷺ : كاف، وإنما أذكر هؤلاء لأن ذكرهم كالشهادة لصحة الحديث. فإن قيل: فما تقول فيما تقدم ذكره عن ابن عباس؟ قلت: قد روى عاصم بن أبي النّجود عن ابن جبير عن ابن عباس- ﵄ أنه قال: (هو جزاؤه إن جازاه) «٥».

стр. 669

وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً «١»، وقال: فلو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال لجاز أن يغفرها الله تعالى. قال ابن عباس: وقد دعا الله إلى مغفرته من قال عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ «٢» ومن زعم أن الله فقير «٣»، ومن زعم أن يد الله تعالى مغلولة «٤»، ومن زعم أنه (ثالث ثلاثة) «٥» فقال «٦» أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٧». قال ابن عباس: وقد دعا الله إلى التوبة من هو أعظم جرما من هؤلاء من قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «٨»، وما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي «٩». قال: ومن أيأس العباد من التوبة، فقد جحد كتاب الله تعالى، ومن تاب إلى الله تاب الله عليه. قال: وكما لا ينفع مع الشرك إحسان، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين «١٠».

стр. 670

قال ابن عباس:- مع قول النبي ﷺ «لو وضعت قول «١»: لا إله إلّا الله في كفة، ووضعت السموات والأرض وما بينهن «٢» وما فيهن في كفة لرجحت قول «٣»: لا إله إلّا الله» «٤». وهذا هو الصحيح عن ابن عباس- إن شاء الله تعالى «٥» - إذ أجمع المسلمون على صحة توبة قاتل العمد، وكيف لا تصح توبته وتصح توبة الكافر وتوبة من ارتد عن الإسلام، ثم قتل المؤمنين متعمدا ثم رجع إلى الإسلام «٦»؟. قال عبد الله بن عمر- ﵁: (كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ لا نشك في قاتل المؤمن وآكل مال اليتيم وشاهد الزور وقاطع الرحم- يعني لا نشك في الشهادة لهم بالنار- حتى نزلت إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ*، فأمسكنا عن الشهادة لهم) «٧» اه. فإن قيل: فما تقول في قولهم: هل تستطيع «٨» أن تحييه؟ قلت: ذلك على وجه تعظيم (أمر) «٩» القتل والزجر، أو يكون ذلك قبل أن تنزل إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ*

стр. 671

وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ* على قول ابن عمر، ومن زعم أن القاتل عمدا لا توبة له: جعل الغفران لما دون الشرك، وآية «١» الفرقان: منسوخا. قالوا: ونزلت آية الفرقان- فيما روى زيد بن ثابت- قبل آية النساء بستة أشهر «٢»، وقد قدمت أن النسخ لا يدخل الأخبار، فلا نسخ في جميع هذه الآيات، وكلها محكمة «٣». التاسع والعشرون: قوله وَإِذا «٤» ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا «٥»، زعم قوم أنها منسوخة بما جاءت به السّنة من جواز قصر الصلاة في السفر من غير تقييد بالخوف، وهذا غير صحيح، وصلاة الخوف باقية لم تنسخ، والقصر في السفر غير صلاة الخوف «٦». الثلاثون: قوله إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ «٧» زعموا أنه منسوخ بقوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ... «٨» فما أدري أي الأمرين أعجب، إدخال

стр. 672

النسخ في الأخبار أو جعل الاستثناء نسخا؟ فهذه ثلاثون موضعا لا ترى فيها ناسخا ومنسوخا متيقنا.

стр. 673

سورة المائدة وهي «١» من آخر ما نزل من القرآن، وهي في الإنزال بعد «براءة» عند أكثر العلماء، وقال آخرون: براءة بعدها «٢». وذهب جماعة إلى أن «٣» المائدة ليس (فيها) «٤» منسوخ، لأنها متأخرة النزول «٥»، وقال آخرون: فيها من المنسوخ عشرة مواضع: الأول: قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ «٦»

стр. 674

وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً «١». قال الشعبي وغيره: لم ينسخ من المائدة غير هذه الخمسة، نسخها الأمر بقتال المشركين «٢». وقال ابن زيد: هذا كله منسوخ بالأمر بقتالهم كافة «٣». وقال ابن عباس وقتادة: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يعني: منع المشركين من الحج، ثم نسخ ذلك بالقتل «٤». والشعائر: جمع شعيرة، وشعيرة: بمعنى مشعرة أي معلمة «٥». واختلف فيها فقيل: حدوده التي جعلها أعلاما لطاعته في الحج. قال ابن عباس: هي مناسك الحج «٦». نهاهم أن يحلوا ما منع المحرّم من إصابته.

стр. 675

قال «١» زيد بن أسلم: هي ست: ١ - الصفا والمروة. ٢ - والبدن. ٣ - والجمار. ٤ - والمشعر الحرام. ٥ - وعرفة. ٦ - والركن. قال: والمحرّمات خمس: ١ - البلد الحرام. ٢ - والكعبة البيت الحرام. ٣ - والشهر الحرام. ٤ - والمسجد الحرام. ٥ - والمحرم حتى يحل «٢». قال «٣» الكلبي: كانت عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من الشعائر، ولا يقفون- إذا حجوا- عليهما، وكانت الخمس، لا يعدون عرفات من الشعائر، ولا يقفون «٤» بها في الحج، فنهى الله المؤمنين عن ذلك «٥». وقال السدي: شعائر الله: حرمه «٦». وقيل: هي العلامات بين الحل والحرم، نهوا أن يجازوها غير محرمين «٧». وقال عطاء: شعائر الله: حرماته، نهاهم عن ارتكاب سخطه وأمرهم باتباع طاعته. وقيل: الشعائر: الهدايا، وقيل: الإشعار: أن تجلل «٨»، وتقلّد وتطعن «٩» في سنامها فيعلم أنها هدى «١٠».

стр. 676

والشهر الحرام: قيل: هو ذو القعدة، وقيل: هو رجب «١»، كانت مضر تحرّم فيه القتال، فأمروا بأن يحرّموه ولا يقاتلوا فيه عدوهم. وقيل: كانوا يحلونه مرة ويحرّمونه أخرى، فنهوا عن إحلاله. والهدى: ما أهداه المسلمون إلى البيت من بعير أو بقرة أو شاة، حرّم الله أن يمنع أن يبلغ محله. والقلائد: قيل: هي الهدايا المقلدات «٢»، نهى عن الهدى غير المقلّد وعن المقلّد. وقيل: هي ما كان المشركون يتقلّدون به، كان أحدهم إذا خرج من بيته يريد الحج تقلّد من السّمر فلا يعرض له أحد، وإذا انصرف تقلّد من الشعر قلادة فلا يعرض له أيضا. وقيل: إنّما نهى الله أن ينزع شجر الحرم، فيتقلّد به على عادة الجاهلية. وقيل: كان الرجل إذا خرج من أهله حاجا أو معتمرا وليس معه هدى، جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر، فأمن بها إلى مكّة، وإذا قفل من مكة: علّق في عنقه من لحاء شجر مكة، فيأمن بها حتى يصل إلى أهله «٣». وقوله وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قيل: نهوا أن يعرضوا لمن أمّ البيت الحرام من المشركين.

стр. 677

واختلف في سبب نزولها:- فقيل نزلت في الحطم البكري «١». قال ابن جريج: قدم على النبي ﷺ ، فقال: إني داعية قومي وسيدهم، فأعرض عليّ أمرك، فقال النبي ﷺ : «أدعوك إلى الله، أن تعبده لا تشرك به شيئا، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت». فقال الحطم: في أمرك غلظه، أرجع إلى قومي، فأذكر «٢» لهم ما ذكرت، فإن قبلوا قبلت معهم، وإن أدبروا كنت معهم، فقال النبي ﷺ : «ارجع»، فلما خرج، قال النبي ﷺ : «لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما الرجل بمسلم»، فمرّ على سرح «٣» المسلمين «٤»، فانطلق به (وطلب) «٥» فلم يدرك، ثم (أنه) «٦» خرج إلى الحج بتجارة عظيمة فأراد أصحاب رسول الله ﷺ أن يعرضوا «٧» له ويأخذوا ما معه، فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ «٨» الآية «٩» لما استاق السرح قال: قد لفها الليل بسوّاق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم ... باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزّلم ... خدلّج الساقين خفاق القدم «١٠»

стр. 678

وهذا القول يبطله قوله الله يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً «١». وقال وقال ابن زيد: جاء ناس من المشركين يوم الفتح يقصدون البيت، فقال المسلمون: نغير عليهم، فقال الله في ذلك: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ «٢». وقال قتادة: نسخ من (المائدة) وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ نسخها آية القتل في (براءة) «٣». وقد تقدّم أنها (نزلت) «٤» بعد براءة عند أكثر العلماء، وهذا مانع أن يكون «٥» براءة ناسخة لها. ومن قال: ليس فيها منسوخ، قال: أما الشعائر: فحدود الله ، وأما الشهر الحرام: فذو القعدة، لا يحلّه المحرم فيتعدى فيه إلى ما أمر باجتنابه.

стр. 679

وأما الهدى: فظاهر، وأما القلائد: فالنهي عن نزع شجر الحرم ليتقلّد به، وعن الهدى المقلّد، والتقدير على حذف مضاف «١»، أي: ولا ذا القلائد «٢»، وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ، قيل: أنها للمسلمين (لأن المشركون) «٣»، لا يبتغون فضلا «٤» من الله، فنهى المسلمون عنهم لأجل ذلك «٥»، فيجوز أن يكون (آمين) حالا من المخاطبين، أي لا تحلو شعائر الله آمين (يبتغون فضلا) «٦» على الالتفات «٧»، كقوله وَلَوْ أَنَّهُمْ، إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ «٨». الثاني «٩»: قوله وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا «١٠». قال ابن زيد: (نسخ بالأمر بالقتل والجهاد). والأكثر على أنها محكمة، وإنّما نزلت ناهية عن المطالبة ب (ذحول) «١١» الجاهلية لصدهم إياهم عام الحديبية وقد (لعن النبي ﷺ

стр. 680

من قتل بذحل في الجاهلية) «١» وهذا أولى وأحسن عند الأكثر «٢». الثالث: قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ «٣» قال قوم: أنها «٤» منسوخة، لأنها تقتضي إيجاب الوضوء على من قام إلى الصلاة، وإن لم يك محدثا. قال عكرمة وابن سيرين بإيجاب ذلك على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا «٥». وإنما معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين. يدل على ذلك قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا «٦»، والآية «٧» محكمة عند العلماء، ومعناها «٨» ما ذكرته «٩». الرابع: قوله : وَ «١٠» امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ «١١». قال: قوم هو منسوخ بوجوب غسل الرجلين. قال الشعبي: نزل القرآن/ بمسح الرجلين، وجاءت السّنة بالغسل «١٢» والصحيح

стр. 681

أنها محكمة. قال أبو زيد: المسح: خفيف الغسل، وأريد ترك الإسراف، لأن غسل الرجلين: مظنة ذلك «١». وقال أبو عبيد «٢» في قوله : فَطَفِقَ مَسْحاً «٣»: المسح هاهنا: الضرب كذلك المسح هاهنا: الغسل «٤». وقيل: المسح: التطهير، يقال: تمسحت للصلاة، كما يقال: تطهرت لها «٥». وقيل: قراءة الخفض معناها: مسح الخفين وقراءة النصب لغسل الرجلين «٦» والصحيح أنها محكمة. الخامس: قوله فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ «٧» «٨». قال قتادة: نسخها قوله قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ

стр. 682

الْآخِرِ «١» وقال ابن عباس: نسخها قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٢». وقيل: بقوله وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً «٣» .. ، والصحيح أنها محكمة، لا سيما على قول من قال: إن «المائدة» بعد «براءة» وإنّما نزلت في قوم من اليهود، أرادوا الغدر بالنبي ﷺ ، فحماه الله ، وأمره بالعفو والصفح ما داموا في الذمة، والسياق يدل على ذلك «٤». السادس: قوله إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... «٥»، قالوا: هو منسوخ بقوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا .. «٦»، وهذا ظاهر الفساد، وقد تقدّم له نظائر.

стр. 683

السابع: قوله فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ «١» قالوا: نسخ هذا التخيير بقوله وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ «٢» فأوجب عليه الحكم بينهم، ونسخ التخيير «٣»، وقيل: هي محكمة، وهو الصحيح «٤» إنما المعنى: إذا «٥» أردت الحكم فاحكم بينهم بما أنزل الله، وهو معطوف على قوله: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ «٦». وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وعمر بن عبد العزيز وعكرمة والزهري: ليس للإمام أن يردّهم إلى حكّامهم إذا جاءوه، وهو أحد قولي الشافعي. وقال عطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومالك والشعبي والنخعي وأبو ثور: الإمام مخيّر، وهو أحد قولي الشافعي «٧». الثامن: قوله ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ «٨»، قيل: نسخ بالجهاد، وقد سبق القول على مثله «٩». التاسع: قوله عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ «١٠»، قيل: هي «١١» منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «١٢».

стр. 684

والأكثر على أنها محكمة، والمعنى: عليكم أنفسكم لا يضرّكم من (ظل) «١» إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم «٢» يقبل منكم. وقال عبد الله بن عمر- ﵀ هذه لأقوام يأتون بعدنا، إن قالوا لم يقبل (منلم) «٣» وأما نحن فقد قال رسول الله ﷺ : «ليبلّغ الشاهد الغائب، فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب» «٤». وقال جبير بن نفير: قال لي جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ في هذه الآية: (عساك أن تدرك ذلك الزمان، فإذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك لا يضرك من ضلّ إذا اهتديت) «٥». وقال ابن مسعود: (لم يجيء تأويل هذا بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل فمنه ومنه ومنه ومنه، أي فمنه آيات قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آيات قد وقع تأويلهن على عهد رسول «٦» الله ﷺ ، ومنه آيات قد وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، ومنه آيات يقع تأويلهن يوم الحساب، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض فامروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، (فإذا اختلف) «٧» الأقوال والأهواء ولبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، عند ذلك جاء تأويل

стр. 685

هذه الآية) «١» اه. فهي على هذا كله محكمة «٢». العاشر: قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ... «٣». قال قوم: أجاز في هذه الآية شهادة غير أهل الملة بقوله مِنْ غَيْرِكُمْ ثم نسخه بقوله سبحانه مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ «٤» وبقوله «٥» وَ «٦» أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ «٧» «٨». والجمهور على أنها محكمة «٩». قال الحسن وعكرمة (من غيركم) أي من غير قبيلتكم، أي من سائر المسلمين

стр. 686

ويروي ذلك عن الشافعي ومالك ويدل على ذلك قوله تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ. وذا لا يقال لغير المسلمين «١». وعن ابن عباس وعائشة- ﵄ «٢» وأبي موسى الأشعري وابن سيرين ومجاهد وابن جبير والشعبي وابن المسيب والنخعي والأوزاعي وشريح: أنها محكمة، ومعنى (من غيركم): من أهل الكتاب، وشهادتهم جائزة في الوصية خاصة في السفر عند فقد المسلمين للضرورة «٣».

стр. 687

سورة الأنعام فيها ستة عشر موضعا «١»: الأول: قوله : قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ «٢» قالوا: نسخ بقوله : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٣». وهذا غير صحيح «٤»، والخوف مشروط بالعصيان «٥»، وكيف لا يخاف الله من عصاه وقد قال ﷺ : «والله إني لأخوفكم لله» «٦».

стр. 688

(هذا موضع العصمة) «١»، وإنما معنى الآية: (قيل) «٢» لهؤلاء الذين لا يخافون ما في معصية الله من العذاب العظيم. الثاني: قوله : قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ «٣»، قالوا: نسخ بآية السيف «٤»، والصحيح أنها مكملة، وإنما أمر «٥» ﷺ بأن يخبر عن نفسه بذلك، والنبي- ﷺ داع ومبلغ وليس بوكيل على من أرسل إليه، ولا بحفيظ يحفظ أعماله. الثالث: قوله : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ «٦»، حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... إلى آخر الآية التي بعدها لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ «٧». قالوا: نسخ ذلك بقوله : فَلا «٨» تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ «٩». وعند أهل التحقيق لا نسخ في هذا، لأن قوله : وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ «١٠» خبر، أي ليس على من اتّقى المنكر من حساب «١١» من ارتكبه

стр. 689

من شيء، إنما عليه أن ينهاه، ولا يقعد معه راضيا بقوله «١». الرابع: قوله : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً «٢»، قالوا: (نسخ بآية السيف «٣»، وهذا تهدّد ووعيد، ومثل هذا لا ينسخ) «٤». الخامس: قُلِ «٥» اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ «٦»، قالوا: نسخ بآية السيف «٧»، والكلام فيه كالذي قبله. السادس: قوله : وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ «٨»، وهذا «٩» كالذي تقدّم في «١٠» ذكر النسخ فيه والجواب عنه «١١». السابع: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «١٢»، قالوا: نسخ بآية السيف. وقد تقدّم القول في مثله «١٣».

стр. 690

الثامن: قوله : وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ «١»، قالوا: نسخ بآية السيف، وقد تقدّم القول «٢» فيه في نظائره «٣». التاسع: قوله : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ «٤»، قالوا: نسخت بآية السيف «٥»، قالوا: لأن الله أمر بقتلهم، والقتل أغلظ وأشنع من السب، فهو داخل في جنب القتل، وذلك (أمر) «٦» المشركين. قالوا: لتنتهنّ عن سبّ آلهتنا أو لنهجوّن ربّكم، فأمر الله المسلمين أن لا يسبّوا آلهتهم لئلا يسبّوا الله ، لأن المسلمين إذا علموا «٧» أنهم يسبون الله إذا سبّوا آلهتهم كانوا (بسبّ آلهتهم) «٨» متسببين في سبّ الله ، فليس هذا نهيا عن سب آلهتهم، إنما هو في الحقيقة نهى عن سب الله «٩»، وفعل ما هو سبب له وذريعة

стр. 691

إليه، وليست آية القتال من هذا في شيء، وهذا الحكم باق ولا يجوز أن يسبّ ما يسبّ الله بسببه «١». العاشر: قوله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ «٢»، قال «٣» عكرمة، وعطاء، ومكحول: هي منسوخة بقوله : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ «٤»، وهم لا يسمّون. ويروى عن أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت مثل ذلك (وأجاز أكل) «٥» ذبائح أهل الكتاب وإن لم يذكر عليها اسم الله ، وذهب جماعة إلى أن هذه الآية محكمة، ولا يجوز لنا أن نأكل من ذبائحهم إلّا ما ذكر اسم الله عليه، وروى ذلك عن (عليّ) «٦»، وعائشة، وابن عمر- ﵃، وكذلك لو ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله لم يؤكل عندهم، إذا تعمّد ذلك، وقال بجواز الأكل جماعة من الأئمة، وتأولوا قوله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ بالميتة، وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ* «٧» أي ما ذكر عليه اسم غير الله ، والآية على هذا أيضا محكمة. وذهب قوم إلى أن قوله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ: يراد به ما ذبح للأصنام، وآية «المائدة» في ذبائح أهل الكتاب. فالآيتان محكمتان في حكمين مختلفين، ولا نسخ بينهما «٨».

стр. 692

وكره «١» مالك- ﵀ أكل ما ذبح الكتابيون، ولم يذكروا عليه اسم الله ، وما ذبحوه لكنائسهم، وما ذكروا عليه اسم المسيح، ولم يحرّم ذلك عملا بظاهر قوله : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ «٢». وقد قال الله : وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ «٣»، وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ* «٤». وقال عطاء، ومكحول، وربيعة، وعبادة بن الصامت، ويروى عن أبي الدرداء: (تؤكل وإن سمّوا عليها غير اسم الله تعالى، ولو سمعته يقول: باسم جرجس «٥»! لأن الله قد علم ذلك منهم وأباح لنا ذبائحهم «٦»، والصحيح انتفاء النسخ في هذه

стр. 693

الآيات «١» «٢». الحادي عشر: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ «٣». الثاني عشر: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ* «٤». الثالث عشر: قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ «٥». قالوا: نسخ جميع ذلك بآية السيف، وهذا تهديد ووعيد، وليس بمنسوخ بآية السيف «٦».

стр. 694

الرابع عشر: قوله : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ ... «١» الآية. قال قوم: هي منسوخة بما حرّمه رسول الله- ﷺ «٢» - والآية محكمة، وحكمها باق، وما حرمه رسول الله- ﷺ مضموم إلى ما حرّمته الآية. وقال قوم: إنها «٣» محكمة، وهي جواب قوم سألوا عما ذكر فيها، والذي حرم رسول الله- ﷺ مضموم إليها «٤». وقال سعيد بن جبير، والشعبي: هي محكمة، وأكل لحوم الحمر جائز «٥»، وإنما حرمه رسول الله- ﷺ في ذلك الوقت لعلة ولعذر، قالا: وذلك أنها تأكل القذر. مع ما أنه «٦» ﷺ لم يحرّمه وإنما كرهه «٧». وأقول- والله أعلم-: أن الآية محكمة، ومعنى قوله قُلْ لا أَجِدُ فِي ما

стр. 695

أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً: أي لا أجد محرما مما حرمتموه مما ذكر قبلها، إلّا ما كان من ذلك ميتة أو دما مسفوحا «١». الخامس عشر: قوله : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٢»، قالوا: هي منسوخة بقوله : وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «٣»، وليست بمنسوخة، وإنّما النهي أن يقرب مال اليتيم بغير الحسنى، والمخالطة: داخلة في قوله : إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٤». السادس عشر: قوله : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ «٥». قال السدي: نسختها آية السيف «٦».

стр. 696

وليست آية السيف والأمر بالقتال معارضا لما في هذه الآية. ومعنى (لست منهم في شيء): أي من السؤال عن تفرقتهم، ومعنى تفرقة الدين: اختلافهم فيه. وقيل: إنّما أمرهم في المجازاة إلى الله ، فعلى هذا هي محكمة. وقيل: إنّما هو خبر من الله لنبيّه- ﷺ عمن يحدث في دينه من بعده من «١» أمته، أو يكفر «٢». وقد جعلوا آية السيف ناسخة لمائة وأربع وعشرين آية «٣»، وليس ذلك عن يقين منهم، وإنما يظنون إذا سمعوا أمر الله سبحانه لنبيّه- ﷺ (وللمؤمنين) «٤» بالصبر وترك الاستعجال ظنّوا أن ذلك منسوخا بآية القتال، وإنما يكون منسوخا بآية القتال النهي عن القتال، وإنما كان النبي- ﷺ يشكو إلى الله ما يلاقيه من أذى المشركين، فيأمره بالصبر، ويعده بالنصر، ويقص عليه أنباء الرسل، وما صبروا عليه من الأذى في ذات الله ، (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) «٥»، ولم ينسخ بآية السيف شيء من ذلك، ولا يحل أن يقال بالظن هذا ناسخ لكذا، ولا هذا منسوخ بكذا «٦»، ولو كان هذا الناسخ والمنسوخ مقطوعا به، لم يقع فيه اختلاف، كيف؟ وهذا يقول في الآية: منسوخة، ويقول الآخر: بل هي محكمة!.

стр. 697

ثم أن رسول الله- ﷺ لم يكن قادرا على القتال. فكيف ينهى عنه؟!. وكيف يقال للعاجز عن القيام: لا تقم؟!. وإنّما هذا كالفقير يؤمر بالصبر على الفقر، فإذا استغنى، وجبت عليه الزكاة، فوجوب الزكاة لا «١» يعارض الصبر فيكون ناسخا له، والنسخ إنّما هو: رفع حكم الخطاب الثابت بخطاب آت بعده، لولاه لكان ثابتا وهذا واضح. فإن قيل: فما تصنع فيما يروى عن السلف- ﵃ كابن عباس وغيره، فقد أطلقوا على هذا «٢» النسخ؟. قلت: لم يريدوا بالنسخ ما حدّدناه به، إنما كانوا «٣» يسمّون «٤» ما يغير الأحوال نسخا.

стр. 698

سورة الأعراف قالوا: فيها موضعان: الأول: قوله : وَأُمْلِي لَهُمْ «١»، قالوا: نسخ بآية السيف، وهذا خطأ ظاهر «٢». الثاني «٣»: قوله : خُذِ الْعَفْوَ ... «٤» الآية. قالوا: هي من أعجب الآيات، أولها منسوخ وآخرها منسوخ وأوسطها محكم «٥». قالوا: قوله : خُذِ الْعَفْوَ منسوخ بالزكاة. وقال ابن زيد: منسوخ بآية السيف بالأمر بالغلظة والقتال. اه والصحيح أنها محكمة. وقال «٦» مجاهد: العفو: يعنى به الزكاة، لأنها قليل من كثير «٧».

стр. 699

وقال «١» سالم والقاسم: هي محكمة، والمراد بالعفو: غير الزكاة، وهو ما كان عن ظهر غني، وذلك على الندب. وقال عروة بن الزبير وأخوه عبد الله: هي محكمة، والعفو: من أخلاق الناس «٢». وقال ابن زيد: (وأعرض عن الجاهلين) منسوخة بآية السيف. اه وليس كما قال «٣». قال العلماء: أعرض عن مودتهم والانبساط إليهم في المجالسة والمخالطة «٤»، وهذا لا ينسخ «٥».

стр. 700

سورة الأنفال فيها (تسع) «١» مواضع: الأول: قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ «٢»، نزلت في غنائم بدر، روى أنهم سألوه عنها، لمن هي «٣»؟، وروى أنهم سألوها رسول الله- ﷺ «٤». والأنفال: جمع نفل «٥»، والنفل هاهنا: العطية، سميت بذلك لأنها تفضل من الله (وعطية) «٦» لهذه الأمة، لم يحلّها «٧» لمن كان قبلهم «٨». وقيل: أراد بالأنفال: الزيادات التي يزيدها الإمام لمن شاء في مصلحة المسلمين «٩».

стр. 701

وقيل: الأنفال: ما شذّ من العدو من عبد أو دابة، للإمام أن يعطي ذلك لمن شاء «١». وقال مجاهد: الأنفال: الخمس «٢». فذهب (قوم) «٣» ممن قال: الأنفال الغنيمة إلى أنها منسوخة بقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ «٤». وذهب قوم (منهم) «٥» إلى أنها محكمة، والحكم في الغنيمة أنها لله ولرسوله. وقيل: إن أولى القوة غنموا يوم بدر أكثر من غيرهم (فرأوا) «٦» أنهم أحق بما غنموه، فنزلت «٧».

стр. 702

وقيل: كانوا ثلاث فرق، فرقة اتبعت العدو، وفرقة حازت الغنائم، وفرقة لزمت النبي- ﷺ ، وقالت كل فرقة: نحن أحق بالغنيمة، فنزلت، أي الأنفال لله والرسول، أي الحكم فيها لله والرسول، لا لكم «١». ومن قال: الأنفال غير الغنيمة- على ما سبق- قال: هي محكمة لا غير (والقضايا) «٢» بأنها محكمة ظاهر «٣». وقول «٤» مجاهد: الأنفال: الخمس، جمع بين الآيتين، فيكون وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مفسّرة لقوله : قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ «٥». الثاني: قوله : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ... «٦» الآية، قالوا: نسخها قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ... «٧» الآيتين.

стр. 703

قالوا: فأطلق «١» في هاتين الآيتين أن يفرّوا ممن هو أكثر من هذا العدد «٢». وقال الحسن: ليس الفرار من الزحف من الكبائر، والآية في أهل بدر خاصة «٣». وقال ابن عباس: هي محكمة، وحكمها باق إلى يوم القيامة، والفرار من الزحف من الكبائر «٤». وأكثر العلماء على ذلك، وأيضا فهي خبر، والخبر لا ينسخ «٥». الثالث: قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ «٦». قالوا: هي «٧» منسوخة بما بعدها، وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ «٨» «٩»، وليس كما

стр. 704

قالوا، والسورة مدنية، ذكر فيها ما فعلوه بمكة، فقيل: إنما منعهم من (الإنزال) «١» العذاب بهم في ذلك الوقت أنك كنت فيهم، وما عذّب الله قوما «٢» إلّا بعد إخراج نبيّهم من بينهم، فالعذاب لا ينزل مع حالين: إحداهما «٣»: أن يكون النبي ﷺ بين القوم أو يستغفرون ويتوبون، وهؤلاء ما استغفروا ولا تابوا، ولا نبيّهم بينهم، فما لهم أن لا يعذبهم الله؟. وعبّر عن إخراج النبي- ﷺ وعن ترك التوبة والاستغفار بقوله: «وهم يصدون عن المسجد الحرام» وصدّهم رسول الله- ﷺ عن المسجد الحرام وتركهم الاستغفار: مفهوم من قوله : وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ لأنهم لو آمنوا واستغفروا لما صدّوا عنه، وما صدّوه عن المسجد الحرام، إلّا بعد خروجه من بينهم، فكأنه قيل: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ولست بين ظهرانيهم، وليسوا بمستغفرين ولا تائبين «٤». الرابع: قوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ «٥»، قالوا: هو منسوخ بآية السيف «٦»، وليس كذلك، إنما أمره الله بدعوتهم إلى الإسلام،

стр. 705

ووعدهم الغفران على ترك الكفر، والهلاك إن عادوا إلى قتاله «١». وإنه يفعل بهم ما فعل بالأولين، وهم الذين قتلوا يوم بدر «٢». الخامس: قوله : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ «٣»، قيل: نزلت في اليهود، ثم نسخت بقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «٤» وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... إلى قوله : ... حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٥» «٦»، وليس هذا بنسخ، لأن إعطاء الجزية ميل إلى السلم. وقال قتادة: نسخها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٧» ولا هذا أيضا، لأن هذا محمول على من لم يكن بيننا وبينهم صلح «٨».
следующие страницы →