← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37653

جمال القراء وكمال الإقراء - ت عبد الحق

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (901 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وقيل: الأنفال: ما شذّ من العدو من عبد أو دابة، للإمام أن يعطي ذلك لمن شاء «١». وقال مجاهد: الأنفال: الخمس «٢». فذهب (قوم) «٣» ممن قال: الأنفال الغنيمة إلى أنها منسوخة بقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ «٤». وذهب قوم (منهم) «٥» إلى أنها محكمة، والحكم في الغنيمة أنها لله ولرسوله. وقيل: إن أولى القوة غنموا يوم بدر أكثر من غيرهم (فرأوا) «٦» أنهم أحق بما غنموه، فنزلت «٧».

стр. 702

وقيل: كانوا ثلاث فرق، فرقة اتبعت العدو، وفرقة حازت الغنائم، وفرقة لزمت النبي- ﷺ ، وقالت كل فرقة: نحن أحق بالغنيمة، فنزلت، أي الأنفال لله والرسول، أي الحكم فيها لله والرسول، لا لكم «١». ومن قال: الأنفال غير الغنيمة- على ما سبق- قال: هي محكمة لا غير (والقضايا) «٢» بأنها محكمة ظاهر «٣». وقول «٤» مجاهد: الأنفال: الخمس، جمع بين الآيتين، فيكون وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مفسّرة لقوله : قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ «٥». الثاني: قوله : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ... «٦» الآية، قالوا: نسخها قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ... «٧» الآيتين.

стр. 703

قالوا: فأطلق «١» في هاتين الآيتين أن يفرّوا ممن هو أكثر من هذا العدد «٢». وقال الحسن: ليس الفرار من الزحف من الكبائر، والآية في أهل بدر خاصة «٣». وقال ابن عباس: هي محكمة، وحكمها باق إلى يوم القيامة، والفرار من الزحف من الكبائر «٤». وأكثر العلماء على ذلك، وأيضا فهي خبر، والخبر لا ينسخ «٥». الثالث: قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ «٦». قالوا: هي «٧» منسوخة بما بعدها، وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ «٨» «٩»، وليس كما

стр. 704

قالوا، والسورة مدنية، ذكر فيها ما فعلوه بمكة، فقيل: إنما منعهم من (الإنزال) «١» العذاب بهم في ذلك الوقت أنك كنت فيهم، وما عذّب الله قوما «٢» إلّا بعد إخراج نبيّهم من بينهم، فالعذاب لا ينزل مع حالين: إحداهما «٣»: أن يكون النبي ﷺ بين القوم أو يستغفرون ويتوبون، وهؤلاء ما استغفروا ولا تابوا، ولا نبيّهم بينهم، فما لهم أن لا يعذبهم الله؟. وعبّر عن إخراج النبي- ﷺ وعن ترك التوبة والاستغفار بقوله: «وهم يصدون عن المسجد الحرام» وصدّهم رسول الله- ﷺ عن المسجد الحرام وتركهم الاستغفار: مفهوم من قوله : وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ لأنهم لو آمنوا واستغفروا لما صدّوا عنه، وما صدّوه عن المسجد الحرام، إلّا بعد خروجه من بينهم، فكأنه قيل: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ولست بين ظهرانيهم، وليسوا بمستغفرين ولا تائبين «٤». الرابع: قوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ «٥»، قالوا: هو منسوخ بآية السيف «٦»، وليس كذلك، إنما أمره الله بدعوتهم إلى الإسلام،

стр. 705

ووعدهم الغفران على ترك الكفر، والهلاك إن عادوا إلى قتاله «١». وإنه يفعل بهم ما فعل بالأولين، وهم الذين قتلوا يوم بدر «٢». الخامس: قوله : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ «٣»، قيل: نزلت في اليهود، ثم نسخت بقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «٤» وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... إلى قوله : ... حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٥» «٦»، وليس هذا بنسخ، لأن إعطاء الجزية ميل إلى السلم. وقال قتادة: نسخها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٧» ولا هذا أيضا، لأن هذا محمول على من لم يكن بيننا وبينهم صلح «٨».

стр. 706

وعن ابن عباس- ﵄ نسخها: «١» فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ «٢». وقيل في الجواب عنه: (وإنما) «٣» أمره في سورة (الأنفال) بالصلح إن جنحوا إليه، وابتدءوا بطلبه، وفي سورة (القتال) نهاه أن يكون هو المبتدئ بالصلح. فالآية محكمة، (ليس) «٤» ما في (القتال) بناسخ لها «٥». السادس: قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا «٦». فأوجب الله على الواحد أن يقف لعشرة من الكفّار، قال ابن عباس: وكان هذا (و) «٧» العدد قليل، فلمّا كثروا، نسخ ذلك بقوله الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ... إلى قوله سبحانه: ... وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ «٨» «٩».

стр. 707

ولا شك في أن هذه منسوخة بهذه، وأما من قال: ليس هذا بنسخ، وإنما هو تخفيف ونقص من العدد «١»، وحق الناسخ أن يرفع حكم المنسوخ كله، ولم يرتفع، وهي باقية على حكمها، لأن من وقف لعشرة فأكثر، فهو مثاب مأجور، وليس «٢» ذلك بمحرّم عليه: فإنه عن المعرفة بمعزل، لأن الوقوف للعشرة كان واجبا فرضا على الواحد، وليس هو الآن بواجب، فقد ارتفع ذلك الحكم كله ونسخ «٣». السابع: قوله : ما «٤» كان لنبي أن تكون «٥» له أسرى حتى يثخن في الأرض «٦». وروى عن ابن عباس- ﵄ أنها منسوخة بقوله فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً «٧»، ومكان ابن عباس من العلم يجل عن هذا، وهل هذا إلّا عتاب للنبي- ﷺ ، لما أسر أهل بدر ولم يقتلهم وقبل منهم الفداء؟!.

стр. 708

ولو كان هذا تحريما ومنعا لم يجز أن يأخذ «١» الفداء، ولقتلهم وقت نزول هذه الآية، ولرجع عن قبوله، وقد قال : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا «٢»، قيل: أراد الفداء، لأنه من جملة الغنائم، على أن هذه الآية قد أباحت المن وقبول الفداء بعد الإثخان، وآية القتال نزلت بعد الإثخان، فهما في معنى واحد، ولا نسخ «٣». الثامن: قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا «٤». واختلف «٥» في تفسير هذا. فقيل: معناه: ما لكم من ميراثهم من شيء حتى يهاجروا، أي أنهم لمّا لم يهاجروا لم يتوارثوا، فلا ميراث بين المسلم المهاجر والمسلم الذي لم يهاجر، ثم نسخ ذلك بقوله : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ «٦»، أي أولى بميراث بعض «٧». وقيل: كان المسلمون المهاجرون والأنصار يتوارثون، يرث بعضهم بعضا، وقيل لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، ولا يرث المؤمن الذي لم يهاجر، من قريبه المهاجر شيئا، فنسخ ذلك بقوله «٨» : وَ «٩» أُولُوا الْأَرْحامِ «١٠» بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «١١»،

стр. 709

والظاهر أن قوله : وَأُولُوا الْأَرْحامِ ليس بناسخ لما ذكروه، وإنّما المعنى: أن أولي «١» الأرحام المهاجرين بعضهم أولى ببعض، أي أن الموارثة من الرحم «٢»، والقرابة من «٣» المهاجرين: أولى من التوارث بالهجرة، وإذا اجتمع القرابة والهجرة، كان ذلك مقدما على مجرد الهجرة الذي كانوا يتوارثون به، وإنّما نسخها آية المواريث «٤». واختار الطبري أن «٥» تكون الولاية بمعنى: النصرة «٦»، وليس كما قال، ولو كان «٧» الولي في اللغة: الناصر، لأن قوله : وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ: يرد ذلك «٨». وعن ابن عباس- ﵄ أن النبي- ﷺ لمّا آخى بين أصحابه كانوا يتوارثون بذلك ثم نسخ بالآية المذكورة «٩».

стр. 710

وقيل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا يراد به الأعراب الذين آمنوا ولم يهاجروا، لا ميراث بينهم وبين أقاربهم ممن هاجر «١». التاسع: قوله : وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ «٢». قالوا: كان بين النبي- ﷺ وبين أحياء من العرب موادعة، لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وإن احتاج إليهم عاونوه، وإن احتاجوا إليه عاونهم، فصار ذلك منسوخا بآية السيف «٣». والصحيح أنها في المسلمين الذين لم يهاجروا، إما الذين بقوا بمكة، وإما الأعراب المسلمين، الذين لم يهاجروا، والثاني: قول ابن عباس «٤»، لأنهم- أعني الفريقين- من جملة المسلمين، لهم ما لهم من نصر المسلم المسلم، وعليهم ما عليهم من الوفاء بعهد المعاهدين وميثاقهم «٥».

стр. 711

سورة التوبة فيها ثمانية مواضع: الأول: قوله : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ «١»، قالوا: هو منسوخ بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٢» «٣»، وإنما قال ذلك بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وهذه مدة الذين نقضوا عهد رسول الله- ﷺ ، وأما الذين لم ينقضوه شيئا ولم يظاهروا عليه أحدا، فقد أمرنا بأن نتم عهدهم إلى مدتهم «٤». الثاني: قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... إلى قوله : كُلَّ مَرْصَدٍ «٥».

стр. 712

قالوا: هذه الآية التي نسخت مائة وأربعا وعشرين آية «١»، نسخت بقوله في آخرها «٢»: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ «٣». ولا يقول مثل هذا ذو علم، إنما هو «٤» خبط جاهل في كتاب الله، إنما قال : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ما قال: اقتلوا المسلمين. وقال الحسن، والضحاك، والسدي، وعطاء: هي منسوخة من وجه آخر، وذلك أنها اقتضت قتل المشركين على كل حال، فنسخت بقوله : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً «٥»، فلا يحل قتل أسير صبرا «٦». وقال قتادة، ومجاهد: بل هي ناسخة لقوله : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً، فلا يجوز في أسرى المشركين إلّا القتل دون المن والفداء «٧».

стр. 713

وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان «١»، أما قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، فإنه قال بعد ذلك: وَخُذُوهُمْ، أي للمن والفداء، على حسب ما يرى الإمام، وقد فعل جميع ذلك رسول الله- ﷺ ، فقتل من الأسرى يوم بدر: عقبة ابن أبي معيط، والنضر بن الحارث، ومنّ على قوم وقبل الفدية من قوم «٢». الثالث: قوله : ... إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ «٣». قالوا: نسخ بآية السيف «٤»، وهذا مستثنى وليس بناسخ لما تقدم «٥»، وكيف يكون الاستثناء نسخا، ولم يدخل في الأول في مراد المتكلم؟ ولو قال قائل: اضرب القوم إلّا زيدا، لم يكن زيد داخلا في المضروبين في نيّة المتكلم، وقد انكشف ذلك للسامع أيضا. الرابع: قوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... ، إلى قوله : ... فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ «٦»، قالوا: نسخ جميع ذلك بآية الزكاة «٧». وعن عمر بن عبد العزيز- ﵀: أراها منسوخة بقوله : خُذْ مِنْ

стр. 714

أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها «١». والصحيح أنها محكمة غير منسوخة «٢». والكنز عند العلماء: كل مال وجبت فيه الزكاة، ولم تؤد زكاته. قال ابن عمر- ﵁: (كل مال أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن لم يكن مدفونا) «٣». وعن ابن عباس- ﵄: «هي فيمن لم يؤد زكاته من المسلمين، وفي أهل الكتاب كلهم، لأنهم يكنزون ولا ينفقون في سبيل الله، وإنما ينفق في سبيل الله المؤمنون» «٤». الخامس: قوله : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ... إلى قوله : ... ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٥»، قالوا: نسخ هذه الآيات قوله «٦»: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً «٧»، ورووا ذلك عن ابن عباس «٨».

стр. 715

وقال الحسن، وعكرمة «١»، وكثير من العلماء: هي محكمة. ومعنى إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ: أي إذا احتيج إليكم واستنفرتم فلم تنفروا «٢». السادس: قوله «٣» : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... إلى قوله : فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ «٤» «٥». قالوا: نسخ هذه الآيات (الثلاثة) «٦» قوله : فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ «٧»، قال ذلك الحسن وعكرمة «٨». واختلف عن ابن عباس، فقيل عنه: مثل هذا «٩»، وقيل عنه: أنه قال: الثلاث محكمات، نزلن في المنافقين الذين استأذنوا في القعود، والتي في النور إنّما هي في المؤمنين يستأذنون لبعض أمورهم ثم يعودون إليه ﷺ .

стр. 716

قيل: كان ذلك وهم يحفرون الخندق، وهذا هو الحق والصواب والاستئذانان مختلفان، ولا نسخ بينهما «١». السابع: قوله : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... «٢» الآية، قالوا: هي منسوخة بقوله : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ «٣» «٤»، وهذا غير صحيح، بل هو مؤكد للأول وإنما معنى الأول: أن استغفارك لهم غير نافع، ففعله وتركه سواء ولم يرد بذلك الصلاة عليهم، ولا تخيير بين الاستغفار وتركه، وكيف يستغفر لهم أو يصلّي عليهم، وقد قال الله في الآية: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟!. فإن قلت: فقد روى عن النبي- ﷺ أنه قال: «لأزيدن على السبعين» فنزلت: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ «٥» لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ «٦». قلت: يرد هذه الرواية قوله : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فكيف يقول ﷺ : «لأزيدن على السبعين»، وهو يعلم أن «٧» الزيادة على السبعين الى ما لا نهاية له من العدد لا ينفع الكافر؟ هذا ما لا يصح «٨».

стр. 717

فإن قيل: فكيف كفّن ابن أبيّ «١» «٢» في قميصه وهو رأس المنافقين؟ قلت: أرسل إليه عند موته يطلب قميصه «٣»، فقال ﷺ : «إني أؤمل أن يدخل في الإسلام خلق كثير، وأن قميصي لن يغني عنه من الله شيئا» «٤»، فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بقميص النبي ﷺ «٥». فإن قيل: ألم يقم على قبره ويصل عليه؟ قلت: قد روى أنه ﷺ لم يصل عليه «٦»

стр. 718

وإن كان صلّى عليه، فذلك لظنه أنه قد تاب حين بعث يطلب قميصه لينال بركته، ويتّقي به عذاب الله ، وهذا إيمان إن «١» كان صادرا عن صدر سليم «٢». فإن قلت: ألم يجذبه عمر- ﵁ حرصا على ترك الصلاة عليه؟ وقال له: أليس قد نهاك الله ؟ فقال: (إنما خيّرني بين الاستغفار وتركه)، فصلّى عليه «٣». قلت: هذا بعيد أن يظن النبي- ﷺ أن ذلك تخيير، وقد أخبره بكفرهم، وهذا ظاهر لمن تأمله «٤».

стр. 719

الثامن: قوله : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً ... إلى قوله: ... وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «١». قالوا: نسخ ذلك بقوله : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ... «٢» الآية. وهذا مما ينبغي أن يتصامم «٣» عنه ولا يسمع «٤».

стр. 720

سورة يونس ﵇ فيها (سبع) «١» مواضع: الأول: قوله : إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ «٢». قالوا: نسخت بقوله : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٣». وما ذلك بصحيح، فإن خوفه على المعصية من عذاب الله- لو قدر وقوعها منه-، وحاشاه أن يزل «٤»، ولا نسخ، وهو ﷺ يقول:- لمّا قام حتى تورمت قدماه، وقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر لك «٥» ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ - والله إني لأخوفكم لله «٦» على أن هذه الآية نزلت في طلبهم منه تبديل كلام الله والإتيان بغيره «٧»، فقال الله : قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي

стр. 721

أَخافُ «١» إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، أفهذا ينسخ بما ذكروه «٢»؟!. الثاني: قوله : ... لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ «٣» الْمُنْتَظِرِينَ «٤». قالوا: نسخت بآية السيف «٥»، وليس ذلك بصحيح، إنما نزل ذلك في طلبهم الآيات المهلكة، لولا تَأْتِينَا السَّاعَةُ «٦»، أمطر عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ «٧»، فقيل له: قل إني لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ «٨»، كما قال نوح- ﵇ لما قيل له: قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* (قالَ) «٩» إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ «١٠»، وكذلك أمر نبينا ﷺ أن يقول: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ «١١» وهذا تهديد ووعيد، أي فانتظروا ما طلبتم، إني منتظر ذلك معكم، وكما قال (له) «١٢»: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ «١٣»، ومثل هذا لا ينسخ بآية القتال «١٤».

стр. 722

الثالث: قوله : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ... «١» الآية، قالوا: نسخت بآية السيف «٢». الرابع: قوله : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ «٣». الخامس: قوله : أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ «٤». السادس: قوله : فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ «٥». السابع: قوله : وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ «٦». قالوا: نسخ جميع ذلك بآية السيف «٧».

стр. 723

ولم ينسخ (آية) «١» السيف شيء من ذلك، ولا هي معارضه له «٢».

стр. 724

سورة هود ﵇ (فيها ثلاثة مواضع) «١»: الأول: قوله : إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ «٢»، قالوا: نسخت بآية السيف والكلام في ذلك كما تقدم «٣». الثاني: قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ... «٤» الآية، قالوا: نسخت بقوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ «٥». وذلك باطل، لأنه خبر، والخبر لا يدخله النسخ، ورووا ذلك عن: ابن عباس،

стр. 725

ومكانه في العلم والمعرفة يرد ذلك «١». وقيل في قوله تعالى لِمَنْ نُرِيدُ «٢»: أي لمن نريد إهلاكه «٣». الثالث: قوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ... «٤» إلى آخر السورة، زعموا أنه منسوخ بآية السيف، وليس كما زعموا، وقد تقدم القول في مثل ذلك «٥».

стр. 726

سورة يوسف ﵇ ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. وزعم من لا معرفة له أن قوله : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ «١» منسوخ بقوله- ﵇: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به) «٢»، فهذا باطل ظاهر البطلان «٣»، لأن هذا خبر أخبر الله «٤» به عن يوسف- ﵇ فكيف يصح نسخه؟. ولأن يوسف- ﵇ سأل الله الوفاة على الإسلام، ونحن نسأل الله برحمته وبكرمه أن يقبضنا على الإسلام، وليس قول النبي- ﷺ في الحديث المذكور من هذا، إنما ذلك فيمن اشتد ألمه لضر نزل به، فتمنى «٥» الخلاص منه بالموت ضجرا وكراهة لما ابتلي به.

стр. 727

سورة الرعد ليس فيها شيء من المنسوخ والناسخ، وزعم زاعمون أن قوله : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ «١» منسوخ بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ* «٢»، وهذا «٣» ظاهر البطلان «٤»، وهذا خبر حق لا يدخله نسخ، وما زال ربّنا (غافر) «٥» غير معامل بالعقوبة وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ «٦»، فله الحمد على حلمه مع علمه، وله الحمد على عفوه مع قدرته، وقالوا في

стр. 728

قوله : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ «١»: نسخ بآية السيف، وليس كما قالوا، وقد تقدم القول فيه «٢».

стр. 729

سورة إبراهيم ﵇ ليس فيها من المنسوخ والناسخ شيء، وأما قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن فيها آية منسوخة، وهي قوله : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ «١» نسخها قوله في النحل «٢»: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ «٣» فمما لا يلتفت إليه، ولا يعرّج عليه، ولا يستحق أن يكون جوابه إلّا السكوت عنه «٤».

стр. 730

سورة الحجر ليس فيها منسوخ ولا ناسخ. وزعموا أن قوله : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ... «١» الآية، منسوخ بآية السيف «٢»، وهذا وعيد وتهديد، وآية السيف لا تنسخ «٣» الموعظة والتهديد. وقوله : فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ «٤»، قالوا: نسخ بآية السيف «٥»،

стр. 731

وهذا «١» أمر من الله لنبيه- ﷺ بالصبر في حال لم يكن فيها مطيقا لقتالهم، فليس بمنسوخ بآية السيف. وقوله : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ «٢»، قالوا: نسخ بآية السيف «٣». وإنما المعنى: إنا أعطيناك المثاني والقرآن العظيم، فالذي أعطيناك أفضل من كل عطية، فلا تمدن عينيك إلى دنياهم، واستغن بما أعطيناك عما متعنا به صنوفا منهم «٤». وقالوا في قوله : وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ «٥» نسخ معناه بآية السيف دون لفظه، وليس كما قالوا، وذلك محكم لفظا ومعنى «٦». وقالوا في قوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ هذه الآية نصفها محكم، ونصفها منسوخ، وهو قوله : وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «٧»، وهذا كأنه نوع من اللعب!

стр. 732

وإنما المعنى: بلّغ ما أمرت بتبليغه واصدع به، ولا تخش المشركين فإنا قد كفيناك المستهزئين. وكان النبي- ﷺ يخفي أمره مخافتهم، فأمره الله بإظهاره أمره، وإظهار القرآن الذي يوحي إليه، وقيل: لم يزل النبي- ﷺ بمكة «١» مستخفيا حتى نزلت، فخرج هو وأصحابه «٢». وعن ابن عباس: (المستهزئين) «٣»: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي «٤» وعدي «٥» بن قيس، والأسود بن عبد يغوث الزهري «٦» - وهو ابن خال رسول «٧» الله- ﷺ ، وأبو زمعة الأسود بن عبد المطلب، كانوا يستهزءون برسول

стр. 733

الله- ﷺ فبينما النبي- ﷺ ومعه جبريل- ﵇ إذ مرّوا به واحدا بعد واحد فإذا مرّ واحد منهم قال له جبريل: كيف تجد هذا؟ فيقول النبي- ﷺ : «بئس عبد الله» «١»، فيقول جبريل- ﵇: كفيناك هو فهلكوا في ليلة واحدة، أما الوليد: فتعلّق بردائه سهم، فقعد ليخلصه فقطع أكحله «٢»، فنزف فمات، وأما الأسود بن عبد يغوث: فأتي بغصن فيه شوك، فضرب به وجهه، فسالت حدقتاه «٣» على وجهه، وأما العاص بن وائل: فوطئ شوكة فتساقط لحمه عن عظمه، وأما الأسود بن عبد المطلب، وعدي بن قيس: فأحدهما «٤» لدغته حيّة فمات، والآخر شرب من جرة فما زال يشرب حتى انشق بطنه «٥». أي: إنا كفيناك الساخرين منك الجاعلين مع الله الها آخر. قال عكرمة: وهم «٦» قوم من المشركين كانوا (يقول) «٧»: سورة البقرة سورة العنكبوت!!، يستهزءون بالقرآن وأسمائه «٨».

стр. 734

سورة النحل فيها (خمس) «١» مواضع:- الأول: قوله : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً «٢»، قالوا: نسخت بقوله في المائدة (فاجتنبوه)، وبقوله سبحانه: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٣»، وليس هذا (منسوخ) «٤» بهذا، لأن الله أخبر عن حالهم في سورة النحل وعما كانوا بفعلون، ولم يبح لهم بذلك الخمر ولا أمر «٥» باتخاذها. قالوا: وهذا الخبر وشبهه، جائز نسخه، لأن الخبر على ضربين: ضرب لا يجوز نسخه، مثل أن يخبر الله عن شيء أنه كان أو أنه سيكون، وضرب «٦» يجوز نسخه، مثل أن يخبرنا عن قوم أنهم فعلوا شيئا أو استباحوه «٧» وتمتعوا «٨» به، ولم يحرّم ذلك عليهم، ثم أخبرنا أنه محرّم علينا، فنسخ ما كان أخبرنا به، وأنه «٩» كان مباحا

стр. 735

لمن كان قبلنا، فهذا النسخ «١» المسكوت عنه من فهم الخطاب، لأنه قد فهم من قوله: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً أنه «٢» كان مباحا لهم وسكت عن حكمنا فيه، فجاز أن يكون لنا مباحا أيضا، ثم نسخ جواز إباحته بالتحريم في المائدة «٣». وهذا غير صحيح، لأنا لم نفهم من قوله : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً أنه «٤» كان مباحا لهم، ولو فهمنا ذلك (مثلا) «٥» لم ندر ما حكمه فيه علينا، فكما «٦» يجوز أن يكون مباحا لنا، كذلك يجوز أن يكون (محرّم) «٧» علينا، ثم أن القرآن إنما ينسخ القرآن، وليس تجويزنا أن يكون مباحا لنا بقرآن فينسخ على أن الله قد أومأ إلى تحريمه، وعرض بذمه بقوله بعده: ... وَرِزْقاً حَسَناً فأشار بذلك إلى أن السّكر: رزق مذموم غير حسن. وقال أبو عبيدة: السكر: الطعم. اه «٨». وقيل: السكر: ما سد الجوع «٩». وفيما قدّمته ما يغني عن هذين التأويلين. الثاني: قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ «١٠»، قالوا: نسخ

стр. 736

بآية السيف «١»، وقد تقدم مثل هذا، والجواب عنه، وإنما المعنى: فإنما عليك البلاغ وليس عليك هداهم «٢». الثالث: قوله : مَنْ كَفَرَ «٣» بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ «٤». قال قوم: نسخ هذا بقوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ «٥»، وقد بينت أن الاستثناء ليس بنسخ «٦». وقال قوم: إن «٧» الآية كلها منسوخة بقوله : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا «٨»، يعني أنهم فتنوا عن دينهم، فأخبر أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا أنه غفور رحيم، وهذا غلط ظاهر لأن هذا فيمن أسلم بعد أن أكره على الكفر فكفر، وذاك «٩» فيمن شرح بالكفر صدرا، ودام عليه، ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ* أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ... إلى قوله: ... هُمُ الْخاسِرُونَ «١٠».

стр. 737

وقد قرئ (فتنوا) بفتح «١» الفاء والتاء «٢»: أي فتنوا غيرهم عن دينهم، ثم أسلموا «٣» أو تابوا «٤». الرابع: قوله : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٥»، قالوا: هو منسوخ بآية السيف «٦». وقيل: بل هي محكمة، والتي هي أحسن: اللين غير فظ غليظ ولا جاف. وقيل: الانتهاء إلى ما أمر الله به ونهى عنه، وكل ذلك غير منسوخ «٧» وما زال يدعو إلى الله بالرفق واللين، وما قاتل قوما قط إلّا «٨» دعاهم إلى الإيمان وعرضه عليهم وبيّنه لهم، وأما المفاجأة بالقتال من غير أن يقدم القول والدعاء إلى الإسلام، فلا، وكان أمره ﷺ وحاله كما قيل:

стр. 738

«أناة فإن لم تغن أردف بعدها ... وعيدا فإن لم يغن أغنت صوارمه» «١». الخامس: قوله : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ... «٢»، قالوا: نسخ الصبر بآية السيف «٣». ولا يصح ما قالوه، لأنه قد قال قبلها: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ «٤»، فما نزلت إلّا بعد الأمر بالقتال، وكان المسلمون قد عزموا على المثلة بالمشركين لما (فعلوا المشركون) «٥» يوم أحد بحمزة- ﵀ وغيره من المسلمين «٦»، وقالوا «٧»: لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب «٨»، فقال لهم الله : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ «٩» لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، إما «١٠» عن المثلة المماثلة لما فعل بكم، وإما عن تركها رأسا، والاقتصار على

стр. 739

القتل دونها، ثم قال لنبيّه- ﷺ : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ، لأنه ﷺ لما وقف على «١» حمزة- ﵁، فنظر إلى شيء لم ينظر قط إلى شيء كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه وقد مثل به فقال: (رحمة الله عليك، فإنك كنت- ما علمتك- فعولا للخيرات، وصولا للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر «٢» من أفواه شتى، أما والله مع ذلك لأمثلنّ بسبعين منهم)، فنزل جبريل- ﵇ والنبي- ﷺ واقف- بخواتيم سورة الحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ ... الآيات «٣» الثلاث، فصبر النبي- ﷺ وكفّر عن يمينه، ولم يمثل بأحد، فقوله لنبيه- ﷺ : وَاصْبِرْ، كما يقال لمن يعزّى في مصيبة: (واصبر) «٤» واحتسب، وهذا حكم باق إلى يوم القيامة، لم ينسخ، وكل من نزلت به نازلة، فهو مأمور بالصبر، وهذه السورة مكية إلّا الآيات «٥» الثلاثة «٦».

стр. 740

سورة بني إسرائيل (فيها ستة مواضع) «١»: الأول: قوله وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً «٢»، قالوا: هو منسوخ بقوله ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى «٣». قالوا: وبقوله فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ «٤» «٥». وذلك غير صحيح، لأن الآية خطابها للمؤمنين في الاستغفار لآبائهم المؤمنين إذا ماتوا، وقد علم أن الله لا يغفر لمن مات وهو كافر «٦»، فلا وجه لتناولها الآباء الكفار. الثاني: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٧».
следующие страницы →