← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37653

جمال القراء وكمال الإقراء - ت عبد الحق

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (901 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

بآية السيف «١»، وقد تقدم مثل هذا، والجواب عنه، وإنما المعنى: فإنما عليك البلاغ وليس عليك هداهم «٢». الثالث: قوله : مَنْ كَفَرَ «٣» بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ «٤». قال قوم: نسخ هذا بقوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ «٥»، وقد بينت أن الاستثناء ليس بنسخ «٦». وقال قوم: إن «٧» الآية كلها منسوخة بقوله : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا «٨»، يعني أنهم فتنوا عن دينهم، فأخبر أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا أنه غفور رحيم، وهذا غلط ظاهر لأن هذا فيمن أسلم بعد أن أكره على الكفر فكفر، وذاك «٩» فيمن شرح بالكفر صدرا، ودام عليه، ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ* أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ... إلى قوله: ... هُمُ الْخاسِرُونَ «١٠».

стр. 737

وقد قرئ (فتنوا) بفتح «١» الفاء والتاء «٢»: أي فتنوا غيرهم عن دينهم، ثم أسلموا «٣» أو تابوا «٤». الرابع: قوله : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٥»، قالوا: هو منسوخ بآية السيف «٦». وقيل: بل هي محكمة، والتي هي أحسن: اللين غير فظ غليظ ولا جاف. وقيل: الانتهاء إلى ما أمر الله به ونهى عنه، وكل ذلك غير منسوخ «٧» وما زال يدعو إلى الله بالرفق واللين، وما قاتل قوما قط إلّا «٨» دعاهم إلى الإيمان وعرضه عليهم وبيّنه لهم، وأما المفاجأة بالقتال من غير أن يقدم القول والدعاء إلى الإسلام، فلا، وكان أمره ﷺ وحاله كما قيل:

стр. 738

«أناة فإن لم تغن أردف بعدها ... وعيدا فإن لم يغن أغنت صوارمه» «١». الخامس: قوله : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ... «٢»، قالوا: نسخ الصبر بآية السيف «٣». ولا يصح ما قالوه، لأنه قد قال قبلها: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ «٤»، فما نزلت إلّا بعد الأمر بالقتال، وكان المسلمون قد عزموا على المثلة بالمشركين لما (فعلوا المشركون) «٥» يوم أحد بحمزة- ﵀ وغيره من المسلمين «٦»، وقالوا «٧»: لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب «٨»، فقال لهم الله : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ «٩» لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، إما «١٠» عن المثلة المماثلة لما فعل بكم، وإما عن تركها رأسا، والاقتصار على

стр. 739

القتل دونها، ثم قال لنبيّه- ﷺ : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ، لأنه ﷺ لما وقف على «١» حمزة- ﵁، فنظر إلى شيء لم ينظر قط إلى شيء كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه وقد مثل به فقال: (رحمة الله عليك، فإنك كنت- ما علمتك- فعولا للخيرات، وصولا للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر «٢» من أفواه شتى، أما والله مع ذلك لأمثلنّ بسبعين منهم)، فنزل جبريل- ﵇ والنبي- ﷺ واقف- بخواتيم سورة الحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ ... الآيات «٣» الثلاث، فصبر النبي- ﷺ وكفّر عن يمينه، ولم يمثل بأحد، فقوله لنبيه- ﷺ : وَاصْبِرْ، كما يقال لمن يعزّى في مصيبة: (واصبر) «٤» واحتسب، وهذا حكم باق إلى يوم القيامة، لم ينسخ، وكل من نزلت به نازلة، فهو مأمور بالصبر، وهذه السورة مكية إلّا الآيات «٥» الثلاثة «٦».

стр. 740

سورة بني إسرائيل (فيها ستة مواضع) «١»: الأول: قوله وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً «٢»، قالوا: هو منسوخ بقوله ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى «٣». قالوا: وبقوله فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ «٤» «٥». وذلك غير صحيح، لأن الآية خطابها للمؤمنين في الاستغفار لآبائهم المؤمنين إذا ماتوا، وقد علم أن الله لا يغفر لمن مات وهو كافر «٦»، فلا وجه لتناولها الآباء الكفار. الثاني: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٧».

стр. 741

قالوا: هو منسوخ بقوله ... وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «١». وقال آخرون: هو منسوخ بقوله فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ «٢»، وليس ذلك بصحيح، فإن الله قال: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ*، وقال في الأخرى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ. الثالث: قوله وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا «٣»، قالوا: نسخ بآية السيف، وقد تقدم الكلام على مثله «٤»، وإنّما الرسول ﷺ مبلغ، وليس بوكيل، وليست الهداية إليه. الرابع: قوله وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها «٥» وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا «٦». زعموا أن ابن عباس- ﵄ قال: هي منسوخة بقوله : في الأعراف وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً «٧» الآية، أي أنه أمر في (سبحان) أن لا يخافت

стр. 742

بصلاته وأمر «١» في (الاعراف) بالمخافتة «٢». وقد «١» تقدم أن ابن عباس- ﵄ يطلق النسخ على غير ما نطلقه نحن عليه- هذا إن صح ذلك عنه-. وقد «١» قال أبو موسى وأبو هريرة وعائشة- ﵃: المراد بالصلاة هاهنا: الدعاء «٥».

стр. 743

وقد نهى النبي ﷺ عن رفع الصوت بالدعاء، وقال: إنكم لا تنادون أصمّ «١». وقيل: (يا رسول الله، أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه)؟ فأنزل الله وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ «٢»، فالآية على هذا محكمة. وقال الحسن: المعنى: (لا تجهر بصلاتك)، أي لا ترائي بها في العلانية (ولا تخافت بها) أي لا تهملها وتتركها في السر «٣». ولكن هذا التأويل يبطله قوله وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا إلّا أن يريد أن الإخلاص والمحافظة سبيل بين الرياء والتهاون، فتكون الآية على هذا محكمة. الخامس: قوله إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا «٤». قال السدي: هذا منسوخ بقوله إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا «٥».

стр. 744

قال «١»: فاقتضى قوله إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا أن من يسأل عن العهد يجوز أن يدخل الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله ... أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٢». وليس الأمر كما قال: فإن قوله إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ... الآية. نزلت في اليهود «٣»، وعهد الله : ما «٤» في كتابهم من نعت النبي ﷺ . وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه «٥» للناس ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا «٦». وقيل: إن قوما من اليهود اشتدت عليهم معيشتهم فلجئوا إلى المدينة، فلما رجعوا سألهم رؤساؤهم عن النبي ﷺ ، فقالوا: هو الصادق لا شك فيه، (فقالوا) «٧» رؤساؤهم: حرمتم أنفسكم برّنا ونفعنا، فحكوا من كتبهم صفة النبي ﷺ وأثبتوا صفة غيره، وقالوا لرؤسائهم: إنا كنا غالطين «٨»، وقالوا: إن الأمر فيه كما تقولون، وأخرجوا

стр. 745

فيه «١» ما «٢» غيّروه وبدّلوه، فنفعوهم وبروهم «٣». وأما قوله وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ أي إذا عاهدتم الناس عهدا على شيء فأوفوا به فإن العهد مسئول، أي مطلوب، أو مسئول عنه، وليس بين الآيتين تعارض. السادس: قال السدي في قوله وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ ... «٤» الآية نسخها قوله وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ «٥»، قال: فآية (سبحان) تقتضي أن من نقص الكيل والوزن، كان مؤمنا، ثم أوجب الله تعالى له الويل. والآية محكمة عند جميع العلماء، وإنّما أخبر «٦» الله تعالى في (سبحان) أن إيفاء الكيل والوزن العدل: خير لمن فعله وأحسن عاقبة. والتأويل: العاقبة، ومثل هذا من الخبر لا ينسخ، وأخبر تعالى في (المطففين) بالويل لمن طفف، ولا تعارض بينهما ولا نسخ «٧».

стр. 746

[سورة الكهف «١»] وليس في سورة الكهف شيء «٢»، إلّا أن السدي قال في قوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «٣»: هو منسوخ بقوله وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ* «٤». والذي قاله باطل، والمراد (التهديد) «٥» لا التخيير، ولو فرض ما قاله لم يكن قوله وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ* معارضا له. ويلزم من القول بأن هذا على التخيير إباحة الكفر، ومن اعتقد أن الله أباح الكفر فهو كافر.

стр. 747

سورة مريم- ﵍ - ليس فيها من المنسوخ شيء. ١ - وقال قوم: قوله وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ «١» نسخ بآية السيف «٢»، وهذا من أعجب الجهل، أترى أنه لما نزلت آية السيف بطل إنذاره وتذكيره بيوم القيامة؟ ٢ - وقالوا في قوله فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا «٣». قالوا: نسخ بقوله إِلَّا مَنْ تابَ «٤». وقد تقدّم ذكر هذا «٥».

стр. 748

٣ - وكذلك قالوا في قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها «١» هو منسوخ بقوله ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا «٢»، وهذا خبر، والخبر لا يصح نسخه من الله . وأيضا فإن الذين اتّقوا نجو بعد (الورد) «٣»، فأين النسخ «٤»؟!. وعن النبي ﷺ : «الورود: الدخول، لا يبقى برّ ولا فاجر إلّا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما» «٥». وسأل جابر بن عبد الله رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربّنا أن نرد النار؟ (قعال) «٦» لهم: قد وردتموها، وهى خامدة» «٧». وقال ابن مسعود وقتادة والحسن: الورود: الجواز على الصراط «٨» اه. وقال بعضهم: يجوز أن يكون خطابا للكفار «٩». أعني (منكم)، وعلى الجملة فهو غير منسوخ.

стр. 749

٤ - و «١» قالوا في قوله فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا «٢»: نسخ معناه بآية السيف «٣». وهذا خبر جاء على (لفظ) «٤» الأمر إعلاما بأن ذلك كائن ولا بد، لأن أمر الله لنفسه بمعنى: الخبر، وقيل: إنه دعاء، أي فمد الله له في عمره، وعلى الجملة فليس بمنسوخ. ٥ - وقالوا في قوله فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ «٥» إنه منسوخ بآية السيف «٦» وهذا تهديد ووعيد، وليس بمنسوخ بآية السيف.

стр. 750

سورة طه ليس فيها منسوخ. ١ - وأما قولهم في قوله وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ «١»: هو منسوخ بقوله سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى «٢» «٣» فهو «٤» ظاهر البطلان، فإن أمره بالتأني إلى أن يسمع من الملك حكم ثابت «٥» لا ينسخ «٦». ٢ - وكذلك قوله فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ «٧»: قالوا: إنه

стр. 751

منسوخ بآية السيف وما نزل من الفرائض «١». وليس كذلك وأما «٢» قوله فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ، فقد تقدم القول في مثله. وأما قوله «٣»: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ: فقد قيل: أراد بقوله قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: صلاة الفجر، وَقَبْلَ غُرُوبِها: الظهر والعصر وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ: العشاء الآخرة، وَأَطْرافَ النَّهارِ: المغرب والصبح «٤». وكرّر ذكرها كما قال حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى «٥». ٣ - وكذلك قوله قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا «٦». قالوا: نسخ بآية السيف «٧»، وهذا وعيد وليس فيه نسخ.

стр. 752

سورة الأنبياء- ﵈ - ليس فيها شيء من المنسوخ. وقال قوم في قوله «١» إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ «٢»: إنه منسوخ بقوله إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ «٣». فما أدرى (بم) «٤» يرد هذا القول لكثرة الوجوه المبطلة له؟!. أبكونه خبرا من الله ، وخبره لا ينسخ؟ أم بكونه خطابا لكفار قريش بقوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ، وما كانوا يعبدون المسيح ولا الملائكة؟! أم بقوله وَما تَعْبُدُونَ و (ما) لما لا يعقل، أم بكونه قد

стр. 753

تبيّن بقوله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى، أنه لم يرد العموم بقوله وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ «١».

стр. 754

سورة الحج ليس فيها منسوخ. وقالوا في قوله وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ «١» نسخها آية السيف «٢». وقد قلنا: إن آية السيف لا يصح أن تكون ناسخة لشيء من هذا، لأنه ﷺ لم يكن قادرا على القتال منهيا عنه، وإنما تنسخ آية السيف أية يكون فيها نهيه عن القتال، ولا نجد ذلك في القرآن لأن العاجز عن القتال لا ينهى عنه! أفترى أنه بعد آية السيف لا يجوز له أن يقول لهم: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ؟. وما يروى عن السلف- ﵏ مثل ابن عباس وغيره من إطلاق النسخ في هذا إنما يريدون به: الانتقال من حال الى أخرى، فأطلقوا على ذلك النسخ، ونحن نريد بالنسخ: رفع الحكم الثابت نصا بنص آخر لولاه لكان الأول ثابتا، وابن عباس وغيره لا يريدون بالنسخ هذا «٣». وقالوا في قوله وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ «٤»: هو منسوخ بقوله عزّ

стр. 755

وجلّ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ «١»، وقد تقدم الكلام في هذا «٢». وأما ما ذكروه في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ «٣» من أنه منسوخ بقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى «٤»: فهذيان لا يسمع ولا يلوى «٥» عليه «٦».

стр. 756

سورة المؤمنين لا نسخ فيها. وأما قولهم في قوله فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ «١»، و «٢» قوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ «٣» إنهما منسوختان بآية السيف، فغير صحيح، وقد تقدّم الكلام في مثله «٤».

стр. 757

سورة النور ١ - قوله الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ «١»، في معنى هذه «٢» الآية أقوال: قال ابن المسيب: فيما رواه مالك عن يحيى بن سعيد «٣» (عنه) «٤» إنها عامة، وإنها منسوخة بقوله وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ «٥» «٦» ولم يفرّق بين زانية ولا عفيفة. فكل من زنا بامرأة أو زنا بها غيره: جاز له أن يتزوجها. قال الشافعي:﵀ الآية منسوخة- إن شاء الله- كما قال ابن المسيب «٧».

стр. 758

وكذلك يقول ابن عمر: إنها «١» منسوخة بجواز نكاح الزانية، وسالم «٢» وجابر بن زيد وعطاء وطاوس ومالك وأبو حنيفة «٣». والقول بأن الآية منسوخة: يوجب أن الزاني كان محرّما عليه أن ينكح عفيفة ولا يجوز له أن ينكح إلّا زانية أو مشركة، وأن الزانية لا ينكحها إلّا زان أو مشرك، وادعاء ذلك ليس بالهين، ومتى أباح الله نكاح المشركات غير الكتابيات لزناة المسلمين؟ ومتى أباح الله للزانية المسلمة أن تنكح المشرك؟ فهذا القول واه ظاهر السقوط «٤». ثم أن قوله : وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: يوجب على هذا القول أن يكون الزاني والزانية غير المشركين، أن يكونا غير مؤمنين. وقال مجاهد وقتادة والزهري: هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين أرادوا نكاح مومسات «٥» معلوم منهن الزنا في الجاهلية «٦» اه. وقال ابن عمر- ﵁ استأذن رجل من المؤمنين النبي ﷺ في نكاح امرأة يقال لها: أم مهزول، اشترطت له أن تنفق عليه، وكانت تسافح «٧». والآية «٨» لا تطابق ما ذكروه، فكيف يكون سببا لنزولها؟ وكان ينبغي على ما ذكروه أن يكون أول الكلام: المؤمنون لا ينكحون الزواني، وفي ذلك أيضا ما ذكرته فيما سبق.

стр. 759

وعن ابن عباس- ﵄ أن «١» المراد بالنكاح: الوطء. أي أن الزاني من أهل القبلة لا يزني إلّا بزانية مثله من أهل القبلة أو بمشركة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلّا بزان مثلها من أهل القبلة أو بمشرك وَحُرِّمَ ذلِكَ أي وحرّم الزنا على المؤمنين. واختار هذا القول الطبري، وقال في قوله وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: أي وحرّم على المؤمنين نكاح المشركات الوثنيات، وعلى المؤمنات نكاح المشركين «٢»، وليس هذا القول بمستقيم، وأي فائدة في الإخبار بأن الزاني لا ينكح إلّا زانية أي لا يطأ إلّا زانية؟ وفي أن الزانية لا يطأها إلّا زان «٣»؟. ورد «٤» قوم من العلماء القول بأن المراد بالنكاح: الوطء بقوله وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وقالوا «٥»: هو محرّم على المؤمنين وغيرهم. وإنما المراد بالنكاح: التزويج «٦» أي وحرّم نكاح البغايا والزناة، وهذا الرد غير سديد، لأنه لا يلزم من قوله وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أن يكون مباحا لغيرهم، وقد قال : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ «٧» وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ «٨» الآية، وإنما ردّه بما ذكرته.

стр. 760

وقال صاحب الكشاف في هذه الآية: الفاسق: الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب «١» «٢»، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، واللاتي على خلاف صفته وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله أو مشركة «٣»، والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها وإنما يرغب فيها من هو في شكلها من الفسقة أو المشركين، ونكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها وانخراطه بذلك في سلك الفسقة (المتّسمون) «٤» بالزنا: محرّم عليه محظور، لما فيه من التشبه «٥» بالفساق وحضور موقع التهمة، والتسبب لسوء القالة فيه والغيبة وأنواع المفاسد، ومجالسة الخطّاءين، كم فيها من التعرض «٦» لاقتراف الآثام فكيف بمزاوجة الزواني والقحاب «٧»؟! وقد نبّه الله «٨» تعالى «٩» على ذلك بقوله وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ «١٠» اه. وقد قال هذا، وهو يحسب أنه قد قال شيئا! ومتى كان الزاني لا ينكح إلّا زانية أو مشركة؟ بل الزاني المتوغل في الزنا أكثر غيرة من غيره، ألا ترى إلى قولهم: (بقدر العفة تكون الغيرة) «١١»، فهو لا يرضى لنفسه أن تكون قعيدة بيته إلّا في أبلغ درجات التصون «١٢»، وتراه يتخيل من أدنى «١٣» شيء لما عرفه من أحوال الزناة، ولهذا أجاز

стр. 761

مالك- ﵀ ولاية الفاسق في النكاح «١»، ومتى أبيح للزاني نكاح المشركة الوثنية حتى لا يرغب إلّا فيها؟ ومتى رأينا الزناة يطلبون المشركات لنكاحهن كتابيات أو غير كتابيات؟. ثم أن نكاح المشركات ليس فيه «٢» شيء مما ذكر، ولو كان فيه ذلك لما أباح الله نكاح الكتابيات وأحلّه للمؤمنين، فكيف تكون مخالطتهن والكون معهن محرّما على المسلمين؟ فإن قيل: فما بقي للآية معنى تحمل عليه؟. قلت: معناها: تنفيرهم عن الزنا وتقبيحه في نفوسهم، لأنه ذكر في الآية التي قبلها حد الزنا، ونهى عن الرأفة بمن زنا، وذكر أنها لا تجامع الإيمان، ثم قال في هذه الآية:- كالمؤكد لذلك- إذا كان الزاني المشهور بالزنا غير مرضي لنكاح من ولّيتم أمره، بل هو مردود عن ذلك مصدود استنكافا له فلا ينكح إلّا زانية مثله، والزانية لا تجد ناكحا- لهجنتها- إلّا زانيا أو مشركا- إن كانت مشركة، فإذا كانت هذه حال الزنا عندكم، فكيف ترضونه لأنفسكم؟ فقد حرّمه الله عليكم لما فيه (من) «٣» رفع أقداركم «٤»، وصرف السوء والفحشاء عنكم. والزاني في قوله الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ (أو مشرك) «٥»: عام في كل زان مسلم أو مشرك «٦» وفي كل زانية، فهذا الجنس لا ينكح إلّا زانية إن كان مسلما أو مشركة إن كان مشركا، ونزّه الله المؤمنين «٧» من ذلك فحرّمه عليهم، والآية محكمة، والله أعلم «٨».

стр. 762

٢ - وقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا «١» بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها «٢»: ليس بمنسوخ بقوله لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ «٣» فِيها مَتاعٌ لَكُمْ «٤» كما ذكروا «٥»، لأن الأولى في البيوت المسكونة، يدلّ على ذلك قوله وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها والثانية في البيوت التي ينزلها المسافرون وبيوت الخانات، والبيوت التي ليس لها أرباب ولا سكّان «٦». ٣ - وقوله وَ «٧» قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ .. «٨» الآية ليس ذلك بمنسوخ، بل هو محكم واجب على جميع النساء «٩». وقال قوم: نسخ بعضها بقوله وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ

стр. 763

نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ «١» اه وليس هذا بناسخ لما تقدم لمن تأمل «٢». ٤ - وقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ .. «٣» روى عن ابن عباس- ﵄ إنها منسوخة، وكذلك قال سعيد بن المسيب، وهذا مما يوضح ما قلته من أنهم كانوا يطلقون النسخ على غير ما نطلقه نحن عليه لأن ابن عباس- ﵄ سأل «٤» عن هذه الآية، فقال: لا يعمل بها اليوم قال: وذلك أن القوم لم يكن لهم ستور ولا حجال «٥» «٦»، فربما دخل الخادم والولد و «٧» اليتيم على الرجل وهو يجامع فأمر الله «٨» بالاستئذان في هذه الساعات الثلاث ثم جاء الله باليسر وبسط الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال «٩»، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم عن الاستئذان «١٠».

стр. 764

وقال ابن المسيب: هي منسوخة لا يعمل بها اليوم «١»، وهذا من قوله دليل واضح على ما ذكرته، فلا تغتر بقولهم: منسوخ، فإنهم لا يريدون به ما تريد أنت بالنسخ والدليل على هذا: أن هذه الآية لم يرد لها ناسخ من القرآن «٢»، ولا من السّنة على قول من يجيز نسخه بالسّنّة، وأن حكمها باق فيمن يكون حاله كحال من أنزلت فيه بإجماع. قال الشعبي: ليست بمنسوخة. فقيل له: إن الناس لا يعملون بها اليوم، فقال: الله المستعان «٣». وأكثر العلماء على أنها محكمة وأن «٤» حكمها باق، والاستئذان غير «٥» منسوخ «٦».

стр. 765

٥ - وقوله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ «١»، قالوا: نسخت بآية السيف «٢». وهذا خبر، وخبر الله لا ينسخ.

стр. 766

سورة الفرقان ليس فيها نسخ. وقالوا في قوله وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً «١». قال أبو العالية: قوله (قالوا سلاما) منسوخ بآية السيف «٢». وتكلّم في ذلك سيبويه، ولم يتكلم في شيء من الناسخ والمنسوخ، إلّا في هذه (الآية) «٣» «٤». قال: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركون. قال: ولكنه على قولك: لا خير بيننا ولا شر، يعني أن قوله: (قالوا سلاما)

стр. 767

معناه: تسلما منكم ومتاركة، لا نجاهلكم، و «١» لا خير بيننا ولا شر. أي نتسلم منكم تسلما، فأقيم السلام مقام التسليم «٢» اه. وهذا التأويل يحتاج فيه إلى إثبات أن الجاهلين هم المشركون، وأيضا فإن الله وصف المؤمنين وأثنى عليهم بصفات، منها الحلم عند جهل الجاهل، والمراد بالجاهلين: السفهاء، وهذه صفة محمودة باقية إلى يوم القيامة، وما زال الإغضاء عن السفهاء والترفّع عن مقابلة ما قالوه بمثله من أخلاق الفضلاء، وبذلك يقضي الورع والشرع والأدب والمروءة، ثم (و) «٣» أي حاجة إلى القول بأن ذلك منسوخ؟. وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية فلم أجده عند أحد فأتيت «٤» في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون فسادا في الأرض «٥». وقال ابن زيد: هم الذين لا يتكبّرون في الأرض ولا يتجبرون ولا يفسدون، وهو قوله تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً «٦» وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ «٧». وقال الحسن: يمشون حلماء علماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم لم يجهلوا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً، أي إذا خاطبهم الجاهلون بما يكرهون من القول، أجابوهم بالمعروف والسداد من الخطاب، قالوا: تسلما منكم وبراءة بيننا وبينكم، ذلّت- والله- منهم الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضي، وما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحاء القلوب، دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فلمّا وصلوا إلى بغيتهم قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا

стр. 768

الْحَزَنَ «١» إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ «٢» والله ما حزنتهم الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لم يعتزّ بعزّ الله تقطّع نفسه حسرات اه «٣» وكلام الحسن وما ذكرته من كلام غيره، يدل على أن الآية محكمة «٤». وقول سيبويه الذي قاله: فيه نظر، لأنه قال: لم يؤمر (المسلمين) «٥» يومئذ أن يسلموا على المشركين، وهذا ليس بأمر، إنما هو (شيء) «٦» حكاه الله عنهم وأثنى عليهم به «٧» «٨». فإن قيل: أراد سيبويه- ﵀ لم يؤمروا أن يسلموا عليهم، فكيف يسلمون عليهم؟ قلت: لا يفتقرون في ذلك إلى أمر من الله ، فقد كانوا يسلّمون عليهم، وإن كان سلام عليكم أصله الدعاء، إلّا أنه «٩» قد يقوله من لا يريد الدعاء، إنما يريد الإحسان والإجمال في المخاطبة.

стр. 769

فإن أراد سيبويه هذا فهو حسن، وإن أراد أنهم لم يأتوا بالتسليم يريدون به «١» التبرّؤ، فإن ذلك يبطل بقوله في سورة القصص- حين أثنى على قوم من أهل الكتاب أسلموا-: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ «٢». وهذه الآية أخت تلك، وقد عيب عليه قوله، لا خير بيننا ولا شر. وقال مكّي في هذه الآية: إن هذا- وإن كان خبرا- فهو من الخبر الذي يجوز نسخه. قال: لأنه ليس فيه خبر من الله لنا عن شيء يكون، أو شيء كان فينسخ بأنه لا يكون أو (بآية) «٣» لم يكن، هذا الذي لا يجوز فيه النسخ، وإنما هذا خبر من الله لنا أن هذا الأمر كان من فعل هؤلاء الذين هم عباد الرحمن، قبل أن يؤمروا بالقتال، وأعلمنا في موضع آخر (نزلت) «٤» بعد فعلهم ذلك أنه أمر بقتالهم وقتلهم، فنسخ ما كانوا عليه. قال: ولو أعلمنا «٥» في موضع آخر أنهم لم يكونوا يقولون للجاهلين: (سلاما) لكان هذا نسخا للخبر الأول، وهذا لا يجوز، وهو نسخ الخبر بعينه. والله يتعالى عن ذلك. قال: فإذا «٦» كان الخبر حكاية عن فعل قوم جاز نسخ ذلك الفعل الذي أخبرنا به عنهم، بأن يأمر بأن لا يفعلوه «٧»، ولا يجوز نسخ ذلك الخبر، والحكاية بعينها بأنها لم تكن «٨»، أو كانت على خلاف ما أخبر به أولا، فاعرف الفرق في ذلك «٩» اه وقوله هذا- لو فرضنا أن تأويل الآية: أن الجاهلين هم المشركون- لا يصح به نسخ الآية، لأن الله عزّ

стр. 770

وجلّ إن كان نهاهم عن فعله (وأمرهم) «١» أن لا يفعلوه «٢» بآية السيف. فإن هذا الخلق الذي أخبر به عنهم، وهو قولهم: (سلاما) لم يكن بأمر من الله ، وإنما كانوا يفعلون ذلك من عند أنفسهم حلما وتبرءوا «٣» من المشركين، كما زعم من قال ذلك، فإذا نزلت آية السيف ناسخة لذلك، كانت ناسخة عادة كانوا يفعلونها «٤»، ولم تكن ناسخة قرآنا. وهذه الآية مخبرة بما كانوا يفعلونه، فكيف تنسخها آية السيف، وهذا واضح «٥». وقالوا في قوله وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ .. «٦» إلى قوله وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً «٧»: ذلك منسوخ بالاستثناء، وهو قوله : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا «٨» صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ «٩» وهذا ظاهر

стр. 771

البطلان، وقد تقدم القول في مثله «١».

стр. 772

سورة الشعراء «١» ليس فيها نسخ. وزعم قوم أن قوله وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ «٢»، منسوخ بقوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... «٣» إلى آخرها، وليس ذلك بنسخ لما ذكرته «٤».

стр. 773

سورة النمل ليس فيها نسخ. وقال قوم في قوله وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ .. «١» الآية: هو منسوخ بآية السيف «٢». وقد تقدم القول في مثله «٣»، وأنه ليس بمنسوخ كما ذكروا.

стр. 774

سورة القصص ليس فيها نسخ. وأما قول من قال في قوله وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ .. «١» الآية أنه منسوخ بآية السيف «٢»، فقد تقدم القول فيه «٣». قال مجاهد: هي محكمة، والمعنى «٤»: أن المؤمنين كانوا إذا آذاهم الكفار أعرضوا عنهم، وقالوا: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، أي أمنة لكم منا، لا نجاوبكم ولا نسابكم، لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي لا نطلب عمل الجاهلين «٥».

стр. 775

سورة العنكبوت لا نسخ فيها. وأما قوله وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «١»، وقول من قال: إنها «٢» نسخت بآية السيف،- وهو قول قتادة «٣» -، فالآية محكمة عند الجمهور «٤». قال ابن زيد: هي محكمة، والمراد من آمن من أهل الكتاب، يعني: لا تجادلوا من آمن من أهل الكتاب فيما يحدثون به في «٥» كتابهم، لعلّه كما «٦» يقولون «٧» اه.
следующие страницы →