التنظيرية، ولنبذة من تعليقاتهم الفنية.
يرى أحمد بدوي أنّ حسية التصوير كامنة في اختيار المفردات الحسية في الاستعارة، مما يزيد في قدرة التوصيل، يقول: «ولهذا الميل القرآني إلى ناحية التصوير، نراه يعبّر عن المعنى المعقول بألفاظ تدلّ على محسوسات مما أفرد له البيانيون علما خاصّا به دعوه علم البيان، وذلك أن تصوير الأمر المعنوي في صورة الشيء المحسوس يزيده تمكّنا في النفس وتأثيرا فيها» «١».
وهو يكرر هذه الفكرة في كتابه، وتبعه في هذا الرأي سائر الدارسين، وقوام رأيهم أن المرحلة المحسوسة للمفردة تقدم إيحاءات جديدة للمعنى النفسي، فالمفردة المستعارة تضخّ لما حولها من الطاقة الشعورية عند ما يرتدّ إليها النظر.
وخير من يقدم فيضا من التحليل الفني للمفردة المجسّمة سيد قطب في كتبه الثلاثة، لأنه في عصرنا هذا أكثر من تعرّض لبلاغة القرآن كمّا، وإضافة إلى هذا وجد أن التصوير عماد البيان القرآني، وأنه ليس زينة، بل لا يقوم المضمون من غير هذا التصوير، فهو وسيلة إيضاح وتأثير، ويشمل التصوير فيما يبدو كل الأسلوب القرآني من تخييل وتصيير «٢» وتجسيم ورسم مشاهد ... ، وهو يقول عن التجسيم في تفسيره: «إن كل كلمة أشبه بخط من خطوط الريشة في رسم الملامح وتحديد الصفات- وسرعان ما ينتفض النموذج المرسوم كائنا حيّا، مميّز الشخصية، حتى لتكاد تشير بإصبعك إليه، إنها عملية خلق أشبه بعملية الخلق التي تخرج كل لحظة من يد البارئ في عالم الأحياء» «٣».
ويمتزج هنا الوازع الديني بالجانب الفني، إلا أنّ قطبا أثبت مرارا أن هذه الرّوعة التصويرية نابعة من النص، فالكلمة تستقل برسم مشهد أو نقل حركة أو تشخيص فكرة، وهو يصرّح باسم التجسيم قائلا: «وظاهرة أخرى تتضح في
стр. 107
تصوير القرآن، وهي «التجسيم»: تجسيم المعنويات المجردة، وإبرازها أجساما أو محسوسات على العموم، إنه ليصل في هذا إلى مدى بعيد، حتى ليعبّر به في مواضح حساسة جدّ الحساسية، يحرص الدين الإسلامي على تجريدها كامل التجريد، كالذات الإلهية وصفاتها» «١».
فالتجسيم جزء من التصوير، لأنه يقتصر على نقل المجرد إلى المجال لمحسوس، ولم يكن اهتمام سيّد قطب بالبعد النفسي للتجسيم جديدا أو شيئا منكر بوجوده ما ذكره الأقدمون، وإن كان هو وأغلب المحدثين لا يهتمون لتقرير نوع الاستعارة أو وجه الشبه وما شاكل ذلك، مما يطرأ على لسان لأقدمين، فالبعد النفسي موجود لمن ينظر بإنصاف إلى الكتب القديمة، وما أتى به قطب لا يعدّ بديلا عما سلف.
ولنقرأ قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ «٢» وننظر كيف يلقي لضوء في مفردة «أشربوا» إذ يقول: «تلك الصورة الساخرة الهازئة: صورة لعجل يدخل في القلوب إدخالا، ويحشر فيها حشرا، حتى ليكاد ينسى المعنى لذهني الذي جاءت به هذه الصورة المجسّمة لتؤديه، وهو حبهم الشديد لعبادة لعجل» «٣».
ويكاد لا يزيد هذا الكلام عن كلام الدارس القديم إلا بعدم ذكر كلمة الاستعارة، وهنالك شيء آخر، وهو إثارة الباحث المعاصر للخيال.
ولتأكيد هذا لا بدّ أن نذكر شاهدا آخر يؤكد فيه أهمية الكلمة المجسّمة بشكل جلي، يقول تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ «٤»، فهو يقول ما لا يختلف عما ذكره سابقا الزمخشري، إذ يقول سيّد قطب: «إن الخيال ليكاد يجسّم هذا الحرف الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس،
стр. 108
وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب الحسي في وقفتهم، وهم يترجّحون بين الثبات والانقلاب» «١».
لقد دلّ الزمخشري على غاية القلق في كلمة «حرف»، لكن سيّد قطب يضيف إثارة الخيال لتملّي الجمال القرآني، وغالبا ما يستثير الخيال في صورة تدلّ على الحركة، فالقرآن في منظوره صور تتحرك، وأشخاصه كائنات لها فاعلية مستمرة، فالموقف المضطرب عند الزمخشري، وتخيّل الحرف عند قطب.
ولكن ما هي أسس قطب في مسألة التجسيم هذا؟ إن هي إلا الذوق الخاص والعاطفة الشديدة، وهذا ما يوصله إلى بعض من التوهم كما سنرى في مكان آخر.
وهو لا يعتمد علم الدلالة، أو علم الأصوات، أو الموروث اللغوي، أو دقة الفروق في دراسة المفردات، أما الزمخشري فقد ارتبط ذوقه الشخصي بالذوق العام، وتأكد بترسيخ المعنى في اللغة، وطبيعة النفس والحياة، وكأنما عرف قطب ذوقه الفرديّ النابع من عاطفة، فهو يذكر «يكاد» ليحدّ من مبالغته.
ومما يعد أصالة في كتبه تلك الوقفات الرائعة على البيان القرآني في كلمات لم ينتبه القدامى إلى تجسيمها، ومثل هذا في قوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ «٢» يقول سيد قطب: «تجسيم لهذا المعنى، وأي تعبير ذهني عن اللّجاجة في الخطيئة ما كان ليشعّ مثل هذا الظل الذي يصوّر المجترح الآثم حبيس خطيئته: يعيش في إطارها، ويتنفس في جوّها، ويحيا معها ولها» «٣».
فالقرآن يقدم أفكارا محسوسة، ويبعدها عن التجريد الذهني لأجل التأثير بأقصى فاعليته.
لكننا كثيرا ما نجد قطبا في تفسيره يظن التجسيم في كلمات مجسّمة بصوتها، أو بوجودها، ولا نستطيع أن نتوصل إلى ما يدلي به، وصحّة ما وقر
стр. 109
في نفسه، كما حدث في تفسيره لقوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ «١»، يقول: «وأي تعبير آخر ما كان ليرسم أمام المخيّلة هذا الاستعراض كما رسمته هاتان الكلمتان العاديتان في موضعهما المختار- ألم تر-» «٢».
إنه يخصّ استعراض المشهد وتجسيمه بهاتين الكلمتين، وما وقع عليه يمكن أن نلقي فيه ضوءا آخر، من حيث النظم، إذ ينتفي النّفي بوجود الاستفهام بالهمزة مع حرف النّفي، ليفيد غاية القوة في الإثبات، ثم يأتي اختيار فعل «تر» المعبّر عن الرؤية، ليؤكّد صدق الخبر الذي يرويه الخالق، لأن البصر أكثر برهانا من الخبر، فلم يذكر البيان القرآني تعبير «ألم تسمع» أو «ألم تخبر» أو غير هذا، وفعل الرؤية يطرد في كل الأخبار التي يرويها الخالق لنبيّه الكريم، مثل أخبار عاد وثمود وفرعون والطير الأبابيل، ففي الفعل رسم لمشهد من غيب الزمن الماضي.
ومن دواعي النّصفة القول بأنه لم ينفرد بالوهم والمبالغة، وأنه استوفى القرآن كله، كما صنع الزمخشري، وهذا الشمول لدى قطب لم يمنع من إهماله لبعض المفردات المجسّمة عند ما يشغل بالرواية وبالجانب الفكري، ونحن نجد في كتبه الثلاثة الجدّة والأصالة، فإذا قرأنا كتب معاصريه توالت الإحالات إلى بدوي، ومن القدامى الزمخشري وابن الأثير خاصّة، وممن دار في فلك بدوي الدكتور بكري الشيخ أمين، وحفني محمد شرف، وعدنان زرزور، وغيرهم كثير.
لذلك نقف على ما هو غير مكرّر، يقول بدوي الذي اتسمت دراسته بالعمق: و «لهذا الميل القرآني إلى ناحية التصوير نراه يعبّر عن المعنى المعقول بألفاظ تدل على محسوسات مما أفرد له البيانيون علما خاصا به دعوه علم البيان، وحسبي الآن أن أبين ما يوحيه هذا النوع من الألفاظ في النفس ذلك أن تصوير الأمر المعنوي في صورة الشيء المحسوس يزيده تمكّنا من النفس،
стр. 110
وتأثيرا فيها» «١». كما ذكرنا سابقا.
ويستشهد لهذا بالآيتين: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «٢»، وكذلك قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ «٣»، وهو لا ينسى التأكيد على الكلمتين المستعارتين: ختم وسكت، ويبدو لنا أن الفعل في الآية الثانية أخصّ بالتشخيص، لوجود الصفة الآدمية.
ويستعرض دراز في كتابه «النبأ العظيم» بعض السمات الفنية والفكرية في سورة البقرة، وهو الذي يقول: «تقرأ القطعة من القرآن، فتجد في ألفاظها من الشّفوف والملامسة والإحكام .. كأنك لا تسمع كلاما ولغات، بل ترى صورا وحقائق ماثلة» «٤».
ويقف على حسية كلمة «ختم» في قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ «٥» وكلمة «مرض» التي جسمت ذهنية مساوئ الدخيلة البشرية في قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ «٦».
وهو يوازن بين الكلمتين، ويوافق المفسرين في أن الآيتين كليهما في صفة المنافقين، ويقول عن «ختم»: «وهذه الظلمات الثابتة المستقرة التي ليس فيها بصيص من نور، وليس فيها تقلّب ولا تذبذب .. إن المثل الأول يصوّر حال المنافقين في بواطنهم، وهو الأمر الذي يشاركون فيه سائر الكفار، والمثل الثاني يصوّر حالهم في ظواهرهم، وهو الأمر الذي يتقلّب عندهم بتقلّب الداعي، لأن تقبّلهم إنما هو في الظاهر لا الباطن» «٧».
стр. 111
والحق أن الختم على القلوب يوحي بالقوة، وبثبات الفكر في أعماق المنافق، وأعراض المرض تفيد التقلّب، ومثل نظرة دراز تستأهل التقدير لدقّة النظر، وقد قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها «١»، فالقفل يفيد القوة والثبات.
قد كان ينتظر من المحدثين منهجية أدقّ في تفصيل جزئيات التصوير القرآني، فهو يتخذ مفهوما عاما عند قطب يشمل الصورة والتعبير بالحرف والنغمة، وأما سائر الدارسين، فقد زينوا كتبهم بنتف متناثرة هي أحوج إلى الترتيب والمعيارية.
وتنقصهم النظرة الشمولية ليس في استيفاء السور كلّها، بل في متابعة اللفظة الحسية المستعارة في كل البيان القرآني، مما قد يعطينا رأيا جديدا، وثباتا لفهم أسلوب القرآن، فمثلا إذا أردنا أن نتحدث عن تجسيم كلمة «ثقيلا» في قوله تعالى: وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا «٢» فلا بدّ من استقصاء لوجود هذه الكلمة في حيز الاستعارة لتتبدّى لنا معالم جماليتها فنذكر قوله تعالى:
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا «٣». في مخاطبة النبي الكريم ﵊، وقوله عن الساعة: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً «٤»، ومنه نجد أن الثقل خصّ بالدعوة الإسلامية لجلالها، وأهمية التكليف بالإيمان، وخصّ يوم القيامة بالثقل، وهو كائن زمني محدّد ومعنوي، فالثقل يبعث على تهويل أمره لما يجد فيه الكافرون من مشقّة، وكذلك الأمر في ثقل الساعة، وكأنها تهبط على القلوب، فتغلظ فيها، وكأنها مادة يعاني وطأتها الإنسان، ويتكسر قلبه.
والمحدثون لم يمنهجوا جمالية المفردة، لأن كتبهم غير مختصة بالبلاغة القرآنية غالبا، بله المفردة القرآنية، فأغلب كتبهم تحدثت عن علوم القرآن كلّها، وخصّصت الفصول القليلة للبلاغة القرآنية، وإذا جنحوا إلى تخصيص
стр. 112
فقرة للمفردة تحدّثوا عن جمالها الموسيقى، ولكنّ متابعة قدرتها التصويرية في التجسيم والتشخيص كانت ضئيلة.
كما يجب علينا ألا ننتظر سياق الاستعارة الواضحة صنيع القدامى، إذ أهملوا ما يكون في إحكام الصورة، من مثل قوله : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ «١» فالصفة هنا تضيف شيئا آخر إلى حسية التذوق، والاهتمام بهذا أجدر من التأكد، إن كان العرب ذكروا مثل هذه الاستعارة أو تلك أو لم يذكروا، وكان من الممكن أن يقال «عذاب عظيم» كما يرد في غير مكان، ولكنه البيان القرآني الذي يفضّل حسية كل معنوي ليس مراعاة للعرب، بل موافقة للجنس البشري.
ومن الطبيعي أن يستقي الباحث جمالية التجسيم من فصول الاستعارة والتشبيه، وهذا واضح في كتب القدامى والمحدثين، وإن المحدثين لم يضيفوا الإضاءة على الكلمة المجسّمة في الآية، فهذا مستفاد من إقرار الباحث القديم بوجود استعارة أو تشبيه، فلا بدّ من وجود كلمة نقلت من مجال إلى مجال آخر، أو يشبّه معنويّ بحسّي أو ما «تقع عليه العين» كما أراد الرماني.
كما أن القدامى فهموا أن حسية التجسيم لا تطلب لذاتها، بل لما وراءها من إيحاءات نفسية، قال ابن الأثير: «وأما فائدة التشبيه من الكلام فهي أنك إذا مثّلت الشيء بالشيء، فإنما تقصد به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبّه به أو بمعناه، وذلك أوكد في طرفي الترغيب فيه أو التنفير عنه» «٢».
ولم تقصر أفهام القدامى عن استيعاب هذه الدلائل النفسية، وإن عبارة «تشبيه المعقول بالمحسوس» لا تختلف عن مفهوم التجسيم إلا اختلافا اصطلاحيا لا يمسّ المضمون.
وإنهم اهتموا كما اهتم المحدثون بالكلمة المجسّمة، ذلك الإكسير الذي يقوم بعملية التحويل، ويكمن في صلب الجملة القرآنية، ونحن لم نستنطق تأملاتهم ما لم يكن فيها بدءا من الرماني، وينطبق هذا على جهود المحدثين.
стр. 113
إن التجسيم إذن لا يقتصر على الباصرة، بل يشمل البصيرة في نهاية الأمر، إذ أضفى القرآن عليه دقة فنية محكمة، فقد أضاف إلى جمال الاستعارة جمال انتقاء المفردة الحسية من بين ما يشبهها من الدّلالة لمراعاة المواقف وخصوصيتها، وآثرنا القول «إسهام المفردة» لوجود الكلمة في كليّة هي الصورة الفنية البصريّة.
стр. 114
٢ - مفردات الطبيعة والأحياء
- الطبيعة في القرآن:
كانت الطبيعة وما زالت منهلا للفن على اختلاف النظريات، ولم تكن عدوّا- إلا فيما ندر- للفنانين أمثال بيكاسو والمدرسية السريالية، وبما أنها وعاء للوجود البشري، فلا غرابة في أن تكون الجمال الأول الذي يأخذ بقلب الإنسان، ويأسر عواطفه، وذلك بمستوى تذوّقه، وسموّ روحه، وفي هذا يقول برتيليمي: «إذا نحن بحثنا في إيجاد قاعدة للجمال عن طريق أكبر عدد من الإجابات الصحيحة عن السؤال: هل هذا الشيء جميل؟ لوجدنا أن غالبيّتها تتجه- أولا- نحو جسم الإنسان، وبوجه خاص جسم المرأة، نحو زينتها من ملابس وحلي، ثم نحو المساكن، مواقع الطبيعة» «١».
والمقصود بالطبيعة هنا كل ما لم تتدخل به يد بشر، بل هو من صنع البارئ وهذا يشتمل على طبيعة جامدة كالجبال والأنهار والنبات:
وطبيعة متحركة كالأنعام والجراد والخيول وغيرها.
وبين الطبيعة والإنسان في القرآن علاقة فيها الوئام والانسجام، ويتجلّى هذا في وصف النجوم والأشجار والأنهار والليل والنّهار، فهي مخلوقات مسخّرة لأجل سعادته، ولأجل تحقيق سيادته، فهو يستغلّها عمليّا في شئون حياته، كركوب البحر، والتمتع بفواكهها، والاستعانة بالأنعام، وأكل لحومها، وكذلك في لحظات التأمل الجمالي، فبعد تحقيق الضروريات، هنالك وقفة كماليّة، ويمكن أن نستنتج هذا من قوله ﵎ عن الجمال: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ «٢»، وقوله: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ، لِتَرْكَبُوها، وَزِينَةً، وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ «٣».
فالأنعام وسيلة للركوب وقضاء الحاجات، ثمّ هي منبع جمال داع إلى
стр. 115
التأمّل في ساعات الهدوء والراحة.
وجمال الطبيعة آية يستدلّ بها القرآن على وجود الله تعالى، وقدرته وتدبيره للعالم وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ «١»، وكثيرة هي
الآيات التي تعدّ حججا دالّة على عظمة الخالق تستند إلى ما أودع في الطبيعة من آيات الجمال.
والطبيعة في القرآن ذات هدف ديني، فإذا ذكرت الجنة بسطت لنا أوصافها ترغيبا للمؤمنين، وحثّا لهم على الطاعات والخير، ليستحقّوا أنهارها وثمارها، وتذكر جزئياتها التي تشبه في الظاهر جمال طبيعة اعتدناها في الأرض، وفي ذلك تقرّب فيه رحمة من مفهوم الإنسان للطبيعة فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ «٢»، وقوله إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً، حَدائِقَ وَأَعْناباً «٣»، فقد جاء في الحديث القدسي قوله تعالى: «أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» «٤».
وهذه الطبيعة وسيلة ترهيب أيضا، فكم من أمة خسفت بها الأرض وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا «٥»، وقوله: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «٦».
فهي مسخّرة لصالح الكائن البشري، إلا أنها سرعان ما تنقلب شرا عليه بأمر خالقها، فالشجر ينمو، ولكن العذاب في جفافه، لينال الجاحدون بعضا من عقوبتهم في الدنيا، والنار التي هي مساعد في معاشه تكون مصدر العذاب الأخروي.
نستنتج أن الطبيعة مظهر لقدرة الله ووحدانيته وكماله، والنظام الذي تسير وفقه إشارة واضحة على وجود الخالق ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
стр. 116
فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ «١».
فالطبيعة في القرآن لا تقف محايدة، بل تتمتع بمدلول خلقي، ففيها دعوة إلى علّة وجودها، وقريب من هذه الفكرة ما جاء عند سانتيانا إذ قال: «لكي نرى المنظر الطبيعي يتحتّم علينا أن نألفه نحن، ولكي نحبذه ينبغي لنا أن نضفي عليه مدلولا خلقيا» «٢».
وليست غايتنا في هذه الفقرة التحدث باستقصاء شامل عن الطبيعة في القرآن، ولا سيما أن مظاهر الطبيعة ستبرز في أماكن كثيرة بشكل تقريريّ، ولا تخدم الصورة الفنية، فلن نتطرّق مثلا إلى الناقة التي عقرها قوم صالح ﵊، فذلك واقع تاريخيّ قائم لا يمسّ، ولا يفيدنا في الجانب الفنّي، بل غايتنا أن ننصت إلى تعليقات الدارسين في جمال تشبيه المنافق بالكلب أو العنكبوت، إذن فالقصد معرفة فاعليّة مفردات الطبيعة، ومدى تأثيرها في الصورة الفنية.
- مفردات الجماد والنبات عند القدامى:
لا شك أن القرآن اتجه لأغراض فنية إلى استخدام مفردات الجمادات، ليصور معانيه في أقصى طاقتها المؤثّرة، واعتمد ما هو عام شامل لا يقتصر على بيئة محدّدة، وما هو متعارف على دلائله، وما تثبته المشاهدة، فالحجر متعارف على قسوته عند العربيّ وغيره، وعلى مدى العصور، فإذا شبّهت به قلوب الكافرين ظلّت الصورة عالقة في الأذهان ما دام المرء على وجه البسيطة، وكذلك البحر في هوله وضخامته، والرّماد في خفّته وتطايره، وقيمة الجماد أي المشبّه به لا تتسم بالمباشرة والابتذال، ذلك لما يضفي البيان القرآني على هذه الكائنات المنتزعة من الطبيعة من معان سامية، وجمال فني
стр. 117
أخّاذ عميق التأثير.
ولربما أعيد هنا ما ذكر في فقرة التجسيم، ذلك لأن التّجسيم يقوم على استخدام مفردات الطبيعة، وعلى تغيير مجال المفردة.
يعدّ الرّمانيّ صاحب الفضل في هذا المقام إذ شرع يقسم التشبيه إلى أربعة أنواع، مما ساعد لاحقيه على التعمّق في مثل الشواهد التي ذكرها، وقد وقف عند قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ «١»، فقدم تنظيرا فنيا إذ يقول:
«بيان ما لم تجر به عادة إلى ما قد جرت به، وقد اجتمعا في قلع الريح لهما، وإهلاكها إياهم» «٢».
ولم يسر القدامى على هذا المنوال، وإن كان بعضهم يقدم تعريفا للفن ويؤطّره بمثال من القرآن، ولم يضيفوا شيئا على أهمية المشبّه به كما نجد عند الزركشي «٣».
ونلتمس العذر للرماني إذ قدّم بحثا موجزا في رسالة تتضمن البلاغة القرآنية بشكل عام، وكذلك يذكر الزركشي مثل هذا الشاهد في كتاب يبحث في علوم القرآن.
وقد وقف الزمخشريّ في كشّافه عند هذه الآية فقال: «كانوا يتساقطون على الأرض أمواتا، وهم جثث طوال عظام، كأنّهم أعجاز نخل، وهي أصولها بلا فروع، ومنقعر
منقلع من مغارسه، وقيل: شبّهوا بأعجاز النخل، لأن الريح كانت تقطع رءوسهم، فتبقى أجسادا بلا رءوس» «٤».
هكذا نجد أن الزمخشري يتّجه إلى تفصيل صفات المشبّه به، هذا النّبات الدّال على خلوّ الأجسام، وخفّتها أمام قوة الريح، وشرحه اللغوي هذا ييسّر للمحدثين معرفة الجوانب الجمالية، وإذا كان اهتم بالمشبه به وهو النبات، فإنّ
стр. 118
الرماني يهتم بفنية التجسيم في قوله «ما لم تجر به عادة».
ونقف هنا عند ابن قتيبة في شاهد، ثم ننتقل إلى ابن ناقيا البغدادي «١»، لنلمس فرق التذوّق، ففي الآية الكريمة: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ «٢»، يقول ابن قتيبة: «يريد أنها لا تعي خيرا، لأن المكان إذا كان خاليا، فهو هواء، حتى يشغله الشيء» «٣».
يكاد يسير على منهج أبي عبيدة الذي يردّ المفردة من حيّز المجاز إلى حيّز يقرّب الاستعارة من العقل، وتترك الظّلال النّفسية للقارئ، فيفهم تجميد هذه الأفئدة التي صارت هواء لا يستقرّ، ولا يتّخذ جهة محددة، ففي الكلمة هبوط بالمستوى الإنساني، ونزع للتعقّل باستخدام الجماد الفارغ.
وقد وضع ابن ناقيا كتابه «الجمان في تشبيهات القرآن» ونخصّه بالذّكر، لأنه امتاز بأنّه قصد إيراد كلّ تشبيهات القرآن، ونقف عند استشهاده بالآية الكريمة: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ «٤»، فهو يقول: «شبّههم بخشب نخرة متآكلة دخلة، إلا أنّها مسنّدة يحسب من رآها أنّها صحيحة سليمة» «٥».
وهو يشير إلى تناقض الشكل والمضمون الذي تحدّث القرآن عن وجوده في تصرّفات المنافقين بأساليب متعددة، فأجسامهم تعجب، وألسنتهم عذبة الكلمات، وفي خبايا نفوسهم يستقرّ المكر، وكذلك أشار إلى تقييد الصورة بإسناد الخشب الذي يخلو من المنفعة إلى الحائط.
стр. 119
وهذا ما أضافه الزمخشري قائلا: لأنّ الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظانّ الانتفاع، وما دام متروكا غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبّهوا به في عدم الانتفاع» «١».
وهذا التعليل يعدّ إضافة جمالية إلى ما ذكره الرماني، ومفتاحا لكل تأمّل فنيّ، وهو طبيعي في «الجمان» لأنه كتاب مختصّ بالصورة الفنية، فلا نجد فيه إعجاز النظم، أو ألوان البديع.
وهذا التعليل يتخذ طابعا عاما، فيعدّ تنظيرا لأهمية الطبيعة الدائمة في الصّورة الفنية، فقد لفت ابن ناقيا اهتمامنا إلى هذا قبل تنظير المحدثين، ففي الآية: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ «٢» يقول: «فلما كانوا يلجئون إلى ورود هذه المياه، ويلقون العناء بشربها، والكلفة في تناولها، وكان القرآن قد نزل بلسانهم، وعلى ما عهد من شأنهم، ذكر الله تعالى لهم من العذاب الذي أعدّه للظالمين ما يكون في بعض أحوالهم مثال له، فيذكرون الكثير باليسير، والغائب بالحاضر ... وكما خوّفوا بشرب هذا الماء، فكذلك شوّقوا إلى أنهار الجنّة، ومائها وسلسبيلها وتسنيمها، ليروا أنّ ذلك أنفس بالقياس إلى ما وصفوه في أشعارهم» «٣».
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الطبيعة لا تقتصر على البيئة العربية، فالماء عنصر هام في حياة البشرية، ونلمس مثل هذا الوعي عند الزمخشري لدى تفسيره للآية: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ «٤» إذ يقول: «شبّه دين الإسلام بالصّيّب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلّق به في شبه الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق، وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام
стр. 120
بالصّواعق» «١».
فقد فهم الربط بين معنى الجماد وأهمية وجوده في الصورة البصرية مشيرا إلى ظاهرة مطّردة في أسلوب القرآن، وهي تبيان المعاني المجرّدة وجلاؤها بماديّات مشاهدة من مثل النور والظلام والمطر، فيجسم الهدى مثلا بالنور، ويجسّم الضلال بالظلمات.
وهذا ما سمّاه ابن الأثير تمثيلا في تفسير الآية: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ «٢»، وعدّه أحسن أنواع التشبيه قائلا: «تشبيه معنى بصورة، وهذا القسم أبلغ الأقسام الأربعة لتمثيله المعاني الموهومة بالصّور المشاهدة» «٣».
ولا شك في أن كلمة «المشاهدة» في عبارته تنمّ على معنى الطبيعة المستمرة التي اختارها البيان القرآني، وتدلّ على أن القدامى أدركوا هذه السّمة، ونكتفي بهذه النّبذة نموذجا من جهد القدامى، لننتقل إلى ما ذكره المعاصرون.
- نظرة المحدثين:
نبدأ هذه الفقرة بتنويه المحدثين بإسهام الطبيعة في الصورة البصرية بعد أن ذكرنا نماذج من وقفات القدامى الذين توصلوا إلى غير قليل من أهميّة استخدام مفردات الأحياء، وذلك من خلال دراستهم للتشبيهات والاستعارات القرآنية، ونلفت النظر بعدئذ إلى تطبيقات المحدثين.
وغايتنا تبيين منهج الدارس، وما نقتبسه يعدّ تفردا بعيدا عن التقليد كي نستطيع معرفة تباين الأذواق واختلاف النّظرات.
وضع بدوي في منتصف هذا القرن تقريبا كتابه «من بلاغة القرآن» ولفت النظر فيه إلى هذه الناحية في ألفاظ القرآن، فهو منظّر هذه الظاهرة، وقد سار
стр. 121
من تلاه على هديه لاكتشاف الدّلالة النفسية المقصودة في مفردات الطبيعة داخل الصورة، يقول: «أوّل ما يسترعي النظر من خصائص التشبيه في القرآن أنه يستمدّ عناصره من الطبيعة، وذلك هو سرّ خلوده، فهو باق ما بقيت الطبيعة، وسرّ عمومه للناس جميعا ... فلا تجد في القرآن تشبيها مصنوعا يدرك جماله فرد دون آخر» «١».
ويفسر حفني شرف ومحمد المبارك هذه العمومية، بكونها تتجاوز البيئة الجاهلية الظاهرة في الشعر، ففي الشعر نزعت الصورة إلى الإقليمية، وفي رأيهما أنه لا يفهمها إلا من عاش في تلك البيئة «٢».
ويبرهن عدنان زرزور على شمول الطبيعة القرآنية بقوله: «لا يمكن أن يقال في تشبيه ما إنّه من البيئة العربية، إلا ما كان من خصائص تلك البيئة وحدها، بحيث لا يشاركها فيه بيئة أخرى، أو بحيث يصعب فهمه ومعرفة مغزاه أو معناه على غير العربي» «٣».
وهو يقول هذا بصدد دحضه لتعسّف كتاب واحدة عبد المجيد التي تردّ تشبيهات القرآن إلى خصوصية البيئة العربية.
ولا شك في أن الطبيعة المختارة لإبراز جوانب الصورة الفنية هي شاملة، لأنها من حيث تأثيرها قائمة في أذهان كلّ مجتمع، فلا اختلاف في بلادة الحمار وغبائه، ومكر الثعلب، وصبر الجمل، ودناءة الكلب.
وقد ألبس القرآن هذه المفردات لبوسا جديدا في خضمّ التأثير الوجداني المنبث في الصورة، وقد كان القصد الفني سببه، وعلى الرغم من وجود الجراد والفراش والعنكبوت في البيئة العربية، فإننا نجد في القرآن مجاوزة للبيئة
стр. 122
الصحراوية العربية الحارّة، فما أكثر ذكره للبحار والأنهار.
وعلى أية حال نأخذ برأي بدوي الذي أكده الدكتور عتر، وهو أن: «قيمة المشبّه به أن نفاسته ليست موضع عناية القرآن الكريم، لأنّ البحث هنا عن القيمة الفنية لا عن النفاسة الماديّة أو النّدرة التي كانت موضع عناية لدى بعض الشعراء في بعض العصور» «١».
فالدّيمومة كائنة في أثر كيفية ملاءمة مفردات الطبيعة للمضمون الفني، والأمر ليس تلفيقا، كما يجري في كثير من الأدب القديم أو الحديث، وهذا بالإضافة إلى ديمومة ما ينتقى من الطبيعة ما دامت الحياة.
- مفردات الجماد والنبات عند المحدثين:
اهتم المحدثون بإيحاء التأثير الكامن في اختيار الجماد في الصورة البصرية أكثر من اهتمامهم بجودة التصوير الحسي، فقد وقف سيد قطب عند الآية الكريمة: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ «٢»، وقال:
«لا يستجيبون فهم إذن حجارة، وإن تبدّوا في صورة آدمية من الوجهة الشكلية .. على أن ذكر الحجارة هنا يوحي إلى النفس بسمة أخرى في المشهد المفزع مشهد النار التي تأكل الأحجار، ومشهد النار الذين تزدحمهم هذه الأحجار في النار» «٣».
وفي تفسير سورة الواقعة يشير إلى شدة العذاب في ذكر كلمة «الزقوم» من الآية الكريمة: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ «٤» إذ يقول: «على أن لفظ الزقوم نفسه يصوّر بجرسه ملمسا خشنا شائكا مدبّبا يشوك الأنف، بله الحلوق» «٥».
وهو يلتمس- فيما يبدو لنا- هذه الشدة في القاف المضعّف ثم الوقوف
стр. 123
على الميم الحرف الشفوي، ويحسن بنا أن نقف عند دلائل مفردات الجماد عند بدوي، فما يمتاز به هذا الباحث هو النّظر الدقيق في الفروق لدى استعمال هذا الجماد أو ذاك، مما يفيد الإيحاء الأكبر، فقد نظر إلى قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ «١»، وقال: «فمثّلهم القرآن بحال من حصرتهم السماء بصيّب، وفي هذه الكلمة ما يوحي بقوة المطر وشدة بطشه، فهو ليس بغيث ينقذ الأرض من ظمئها، ولكنه مطر يصيبها ويؤثّر فيها، وفي النص على أنه من السّماء ما يوحي بهذا العلوّ الشاهق، ينزل منه هذا المطر الدافق، فأيّ رعب ينبعث في القلوب من جرّائه» «٢».
وهو يتملّى جمال الفرق بين تشبيه الموج بالجبال في مكان، وبالظّلل في مكان آخر، ويبحث في الموقف الشعوري الموائم بكلّ منهما، يقول: «ومن خصائص التشبيه القرآني المقدرة الفائقة في اختيار ألفاظه الدقيقة المصوّرة الموحية، تجد ذلك في كل تشبيه قرآني، فقد شبّه القرآن الموج في موضعين فقال: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ «٣»، وقال: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «٤»، وسرّ هذا التنوع أنّ الهدف في الآية الأولى يرمي إلى تصوير الموج عاليا ضخما، فتستطيع كلمة الجبال أن توحي به إلى النفس، مع أن السفينة محوطة بالعناية الإلهية، فليست في خطر الغرق، أما الآية الثانية فتصف قوما يذكرون الله عند الشّدّة وينسونه لدى الرّخاء، ألا ترى أن الموج يكون أشدّ إرهابا، وأقوى تخويفا إذا هو ارتفع حتى ظلّل الرءوس» «٥»، والمقصود في الآية الأولى نوح ﵇ وقومه.
فأصحاب السفينة في الآية الأولى هم مؤمنون وهم في الآية الثانية جاحدون لنعمة الخالق، وكلمة «ظلل» توحي بالقرب والتّماس، مما يرعب القلوب أكثر من وصف الموج بالجبال التي قصد فيها ضخامة الأمواج فقط،
стр. 124
وليس التخويف.
وإنه ليؤكّد أن الإيحاء ذو نصيب كبير في الصورة البصرية، يقول: «ليس الحسّ وحده هو الذي يجمع بين المشبّه والمشبّه به، ولكنه الحسّ والنّفس معا، بل إن للنفس النصيب الأكبر والحظّ الأوفى» «١». ولم يكن هذا بعيدا عن تملّي القدامى.
ولا بأس أن نورد ما ذكره حول تشبيه القلوب بالحجارة في قوله عن اليهود: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً «٢»، يقول بدوي: «ويجعل القرآن في الحجارة المثال الملموس لقسوة قلوب اليهود، ويبعدها عن أن تلين لجلال الحقّ وقوة الصدق، ألا ترى أنّ القسوة عند ما تخطر بالذّهن تخطر إلى
جوارها الحجارة الجاسية القاسية» «٣».
وألمح بدوي إلى ظاهرة فنية في القرآن، وهي إحكام الصورة البصرية بتفصيل الحديث عن المشبّه به، وذلك بالصفة أو بغيرها، يقول: «ولم يكتف القرآن في تشبيه الجبال يوم القيامة بالعهن، بل وصفه بالمنفوش وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ «٤»، للدّقة في تصوير هشاشة الجبال» «٥».
وهذا النهج الفني كفيل بأن يجعل الصورة كاملة العناصر في نفوس القراء، وأدعى إلى التأثير في الفكر والوجدان على السّواء.
ولا بأس أن نذكر بعض الآيات لتكون مصداقا لهذا الإحكام الذي ذكره بدوي، قال تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ «٦»، وقال :
стр. 125
أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ «١»، وفي تصوير قساة اليهود: كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً «٢» فقد وصف ورق الزّرع في سورة الفيل بأنّه مأكول، ليزيد من تصوير قبحهم، فقد أكلت الدّوابّ هذا الورق، وأتبع الرّماد بذكر الرّيح العاتية، وأضرب عن الحجارة، ليصمهم بأنّهم أقسى من الحجارة، وهذا ما يشدّ الانتباه، ويفسح المجال لتخيّل قلوب صلدة، وهذا الإحكام لا يقتصر على مفردات الجماد.
لقد تناولنا هنا بعض النماذج المقتبسة من كتب المحدثين، وهي تعدّ تأكيدا لأهمية مفردات الطبيعة، وتصديقا لعموم الطبيعة وتأثيرها على مرّ العصور، فقد اعتمد القرآن على ما هو مستمر دائم مثل الحجر والمطر والجبال والنّبات، لتكتسب الصورة البصرية عموم التأثير واستمراره، وتبين لنا أن سيّد قطب وأحمد بدوي استطاعا أن يبرزا الشّحنة النفسية في استعمال مفردات الجمادات ومناسبتها للمواقف الشعورية، مضيفين إلى نظرة الأسلاف زيادة التأكيد على الإيحاء.
- مفردات الأحياء:
الأحياء جزء من المشاهدات اليومية التي خلقها الله ، وهذا لا يقتصر على البيئة العربية، وقد ذكرت الأحياء في سياق توضيح نعمة الله، ليسير المرء في موكب الحياة، فمنها ما يؤكل ومنها ما يركب، ومنها المحلّل، ومنها المحرّم، قال تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها، لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ، وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ «٣».
وجاء ذكر الأحياء في الصورة الفنية مخصّصا بشكل دائم لمقام التّوبيخ وإظهار بشاعة الكافرين، ولهذا اختير من الحيوان الجانب السلبيّ والقبح وقلة الفائدة والجمال، فقد كرّم الله الحيوان، وبيّن أن كلّ حيوان ينتسب إلى جماعة هي أمّة قائمة بذاتها، لما يطّرد فيها من أسلوب العيش، وهذه الأمم شبيهة بالأمم الإنسانية، قال : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ
стр. 126
بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ «١».
وقد ركّزت الصّورة الفنية على خصوصية الطابع الحيواني، فالحيوان لا يملك إرادة الكفّ والمنع شأن الإنسان، ولا يستطيع أن يضبط نوازعه، ولا أن يفكر، فكلّ تصرفاته آليّة اندفاعيّة تعمل بدافع من غرائزه.
ففي الصورة البيانيّة الجانب القبيح من الحيوان، إنّنا نقرأ عن لهاث الكلب، لا عن وفائه، وغباء الحمار، لا صبره، والطابع البهيمي الغرائزي عند الأنعام، لا فائدتها في الرّكوب والأكل.
ويجدر بنا هنا أن نتوقف مليّا، ونتلمّس جمالية انتقاء الطبيعة في كتاب «الحيوان» للجاحظ، فعلى الرغم من أنه موسوعة علمية، ولا يختصّ بالبلاغة القرآنية فإننا لا نعدم شذرات رائعة ذات نظرة اختصاصية بأمور الحيوان، وذلك في أماكن ذكر الحيوانات الواردة في القرآن، نقول هذا تمشّيا محقّا مع البيّومي الذي قال: «إن الجاحظ أستاذ علم الأحياء، ليتهكّم خفيّا بالمعترض حين يقول: «على أننا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا، وهي رابضة وادعة، إلا وهي تلهث من غير أن تكون هناك إلّا حرارة أجوافها، والذي طبعت عليه من شأنها» «٢».
وهو يريد قوله ﵎: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ «٣»، وهنا تنتقى حالة خاصّة من تصرفات الكلب، لتمثل ديمومة شناعة المرتدين المنافقين، وطول ألسنتهم، وتلاعبهم بالكلمات.
ولعلّ هذه الانتقائية تستمدّ قوّتها من تصوير المنافق المرتدّ، وهو يدلّي لسانه كالكلب نتيجة ضرام نار الحقد في دخيلته، ويلهث وراء الدمار، وذلك في حال الأمن والخوف على السواء، فالتودّد لا يجدي معه، ويقول الجاحظ أيضا: «فكان ذلك دليلا على ذمّ طباعه، والإخبار عن تسرّعه وبذائه، وعن
стр. 127
وعن جهله في تدبيره، وتركه وأخذه» «١».
ونظرته التخصصية بمنزلة مفتاح لتصوّر هؤلاء الكفرة، وقد قرنوا بالكلب من جهة محدّدة، فللكلب فوائد كثيرة أيضا، والجاحظ يقدّم لنا تفسيرا لاختيار حيوان بعينه في النص القرآني، وإن كان الأمر لا يمتّ بصلة للصورة الفنية البصرية، فمنه نفهم الإيحاء النفسي للاختيار الدّقيق الذي يوائم الطبيعة البشرية التي تنفر من القبح، يقول حكاية عن ولد آدم ﵊:
يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ «٢».
وهذا الحيوان يفيد تأكيد بشاعة الموقف المعبّر عن وحشية، وما نقتبس من الجاحظ يعدّ تنظيرا لظاهرة قبح الحيوان في الصورة الفنية، إذ قال: «ولو كان في موضع الغراب رجل صالح، أو إنسان عاقل، لما حسن به أن يقول: يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا العاقل الفاضل الشّريف، وكلّما كان المقرّع به أسفل كانت الموعظة في ذلك أبلغ» «٣».
ويتّضح هذا الرأي في تأويله لاختيار الخالق مسخ الكافرين قردة وخنازير، فهذا يوائم الطبيعة البشرية التي تنفر من القبح في هذين الحيوانين، يقول: «ولو لم يكن لهما في صدور العامّة والخاصّة من القبح والتّشويه، ونذالة النّفس، ما لم يجعله لشيء غيرهما من الحيوان لما خصّهما الله بذلك» «٤».
فالقصد من وجود هذه الحيوانات في الصورة الفنية تبيين تدنّي مستوى الكافرين وشناعة تصرفاتهم، وبعدهم عن الصفات الآدمية، ويمكننا أن نورد بعض الآيات في هذا الشأن مثل قوله تعالى: فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ «٥» وسَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ «٦»، ولَنَسْفَعاً
стр. 128
بِالنَّاصِيَةِ «١»، وكثيرا ما شبّه الكفار بالأنعام والدّوابّ.
وهكذا نجد أن القرآن ينفي عن المشركين صفة التفكير عند ما يقرنهم بالجماد، فهناك عملية تحنيط وتجميد لهم، ويأتي الحيوان في الدرجة الثانية من التّدرّج، لأنه يتسم بالحركة، والقرآن باستخدام الحيوان يبثّ الحركة فيهم، ويؤكد تسلّط الغرائز، وكلّ ذلك لأجل توصيل صورة القبيح في أسمى شكل مؤثّر، فالناصية خصّت بالدّوابّ عموما، وهي في الآية تدلّ على تحقير الكافر ومهانته، فهو كالبهيمة تضرب ناصيته، وهو يشرب كالحيوان من الماء المغلي، ويعدل عن ذكر أنفه، فيضخّم قبحه، ويمثّل بحيوان له خرطوم، ويتجلّى القبح في العدول عن الأنف إلى الخرطوم، فهنا هبوط بآدمية المفتون الشرير إلى دونيّة البهائم والسّباع «٢» التي كان يعيش عيشتها.
ونقف على ذكر العنكبوت في القرآن، ونتلمّس المعالم النفسية التي ذكرها بعض الدارسين، فقد قرن عمل الكافرين في القرآن ببيت العنكبوت، إذ جعلهم: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ «٣»، ونبدأ بالجاحظ صاحب النظرة العلمية، لنفيد من تخصصه وتذوّقه، فهو يقول: «فدلّ على وهن بيته، فكان هذا القول دليلا على التّصغير والتقليل» «٤».
إنّه يشير إلى هلهلة ما تنسجه العنكبوت، وينتقل مباشرة إلى العبرة من هذا التجسيم، وقد قال الرماني في هذا الشاهد: «تشبيه قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة، وقد اجتمعا في ضعف المعتمد، وو هاء المستند، وفي ذلك التحذير من حمل النفس على الغرور بالعمل على غير يقين» «٥».
لقد نبّه إلى تجسيم المعنى المجرّد، وهو الأعمال القبيحة بصورة مرئية تعتمد التشبيه المركّب، ودلّ على طبع هذا الحيوان، ليعطي البعد الإنساني
стр. 129
لذكره، واهتمامه يرتكز على البيت، وليس العنكبوت بشكله البشع وما يضفيه على الكافر، وقد انشغل الزمخشري بتذييل الآية وهو قوله تعالى: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ «١» فقال: «أي لا يعقل صحّتها وحسنها وفائدتها إلّا هم، لأن الأمثال والتشبيهات، إنما هي الطّرق إلى المعاني المحتجبة في الأستار» «٢».
وانشغاله بتذييل الآية يقدّم فكرة جليلة، لأنه يرى أنّ وعي انتقاء الحيوان للمعاني يحتاج إلى تمحيص وتدبّر، وذلك لفهم إيحاءات جمّة يفهمها العالمون بتدبّرهم وتذوقهم، وفي هذا التذييل هنا تعريض بجهل هؤلاء المعترضين على القرآن.
ولن نستفيض في البحث، ونستقصي جميع الحيوانات المذكورة في الصورة الفنية، وفي جميع كتب الدارسين، فإن هذه الطريقة لا تقدّم النفع الكبير، وبما أننا الآن اقتصرنا على ذكر العنكبوت، وتركنا سائر أقوال الدارسين في هذا «٣»، وقد داروا في فلك الجاحظ والرماني، فلا بأس أن نعرض لتأمل معاصر، لنرى ما تمتاز به النظرة الحديثة، وهذا يمثل تطبيقا لرأي الزمخشري في ربط أهمية الأمثال بالخاصّة، إذ يقول فتحي أحمد عامر: «والعنكبوت أقذر ما تقع عليه العين، حيث لا يألف إلّا الأماكن المهجورة، ولا يعيش إلّا في الخرائب، ولا يصح في حكم العقل، أو في حكم العاطفة والوجدان أن تكون العنكبوت على حظ، ولو قليل من النظافة الحسية والنظام، وبيتها أو هن البيوت بالاستقراء، لأنه لا يحتمل نفخة واحدة، فتتطاير خيوطه المهوّشة مع الريح، والعلاقة بين الهيئة الأولى والهيئة الثانية علاقة نفسية، فعبّاد الوثن يتخذون أحقر أنواع العبادة، ولا يصحّ في حكم العقل أو في حكم العاطفة أن يكون هؤلاء الذي يسجدون لصنم على حظّ، ولو قليل، من النظافة المعنوية والعفّة والترفّع عن الدّنايا» «٤».
стр. 130
وهكذا لمسنا تنفير هذه الحشرة للناظر، وقد ركّز القرآن على العنكبوت مؤطّرة ببيتها الزّريّ، فشكل البيت مع الحيوان لا يريح البصر، وكل ما يعرف عن قذارة هذه الحشرة يعدّ مفسّرا لجمالية تجسيمها لقبائح الكفار.
لكن القدامى كانوا أدقّ في تحليل المثل، لأنهم وعوا إشارة قوله «وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت» وما قاله عامر ليس تفسيرا للمقصد الأساسي، بل هو أخذ بإيحاءات المثل وظلال المشهد، لأن المراد في الآية وهن بيت العنكبوت لا قذارتها.
ومن جهة الإحاطة قلّما نجد ما يشفي الغليل، إلا قليلا لا يردّ ولا يستهان به، ففي الآية: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ «١» نجد جدّة وعمقا لدى الزمخشري، وقد ذكر هذا الحيوان بصورة إيجابية لدى ذكر النّعم، فهو وسيلة للركوب، وذكر أيضا في مجال التّشنيع والتّسفيه داخل الصورة الفنية، وقد شبّه به الكفار في نفورهم وإعراضهم عن آيات الله، وفي هذه الآية يقصد نهاقه المذموم الذي شبّه به الصوت المرتفع، يقول الزمخشري: «والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة وكذلك نهاقه، ومن استفحاشهم لذكره مجرّدا، وتفاديهم من اسمه، أنهم يكنّون عنه، ويرغبون عن التصريح به، فيقولون: الطويل الأذنين، كما يكنى عن الأشياء المستقذرة، وقد عدّ من مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة، فتشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق، ثم إخلاء الكلام من لفظ التشبيه، وإخراجه مخرج الاستعارة، وأن جعلوا حميرا، وصوتهم نهاقا، مبالغة في الذمّ والتهجين» «٢».
وما يضاف أن مقولته تنطبق على كل الصور التي استخدمت الحمار مثل قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً «٣». وقوله: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ «٤»، وليته
стр. 131
تحدّث عن الصوت المزعج للحمار، وقد يكون أحيانا بلا سبب، كما يرفع الناس أصواتهم أحيانا، لأجل فقّاعة من فقاقع الحياة وقشورها البالية.
وهذا ما لفت إليه النظر الدكتور نور الدين عتر عند ما تلمس جمال التعبير في الصيغة، إذ يقول في تفسير الآية: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ «١»: «صورة منفّرة غاية التنفير، تزيدها بشاعة صيغة الجمع «الحمير» وتوحيد كلمة «صوت» الذي يدلّ على صوت هذا الجنس البالغ غاية القبح بسبب ارتفاعه وصخبه» «٢».
لقد استطاع بعض الأسلاف التوصّل إلى جمال الاستمرار في الطبيعة التي اختيرت للصورة الفنية، وهذا الثّبات أو الاستمرار قائم لدوام صنيع الكفار، واستمرار أسلوب المنافقين، فما أحقّهم بصفات حيوانية لا يختلف فيها اثنان.
وقد رأى بدوي أنّ من عوامل استحقاق وجود المشبّه به هنا ما يمهّد له في الآية، ومن شواهده قوله : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ «٣»، إذ يقول: «وأنت ترى في هذا التشبيه كيف مهّد له التمهيد الصالح، فجعل لهم قلوبا لا يفقهون بها، وأعينا لا يبصرون بها، وآذانا لا يسمعون بها، ألا ترى نفسك بعدئذ مسوقا إلى إنزالهم منزلة البهائم؟» «٤».
لقد تراءى لبعضهم أن الرومنسيين هم الذين أدخلوا فكرة تصوير القبيح، وهذا ما تراه روز غريب قائلة: «وهنا تصبح أهمية المعنى كعنصر جمالي، أنه يسمح للقبح أن يكون مظهرا من مظاهر الفنّ، فكم من وجه قبيح كثير العيوب يجذبنا بقوة تعبيره وجمال معانيه» «٥».
بيد أننا لا نجد مسوّغا لأولوية الرومنسيين، إلّا إذا كان المقصود تفريغ
стр. 132
تصوير القبح من المعاني السامية، فهو قبح غير هادف، إذ يرتكز الهجاء على معاني القبح في شعرنا العربي.
ولا شكّ في أن القرآن بثّ الجمال في الإتقان الفني لدى تصوير القبح من غير إهمال الوظيفة السامية للصورة المؤثّرة، ولعلّ هذه العجالة المتواضعة تؤكد أن القرآن في ترهيبه يصوّر القبح بطريقة مؤثّرة غاية التأثير، خصوصا في السور المكية، فنجد شجرة الزّقّوم، وامتلاء البطون بالنار، والماء الذي يشوي الوجوه والثياب النيرانية، والمقامع الحديدية والصّديد.
وهذا لا يبعث على الرعب الخالص أو القرف وحده، كما يكون أحيانا في الفن، إنما يطغى شعور بالرّهبة والخضوع لصاحب الهيبة العظمى، والحيوان مسخّر لصالح البشر، ولا يعني ذكره في الصورة إلا تأكيدا لبعض الخصوصيات والاستفادة منها للتعبير، ولا سيّما الأنعام.
ولا بدّ من التأكيد على أن القرآن يبيّن أهمية الجماد والحيوان، فهما من مخلوقات الله ، وقد أقسم القرآن بالجماد، مثل: الصبح والنجوم والكواكب، وبالنباتات، مثل: التين والزيتون، لتدلّ هذه الأشياء على عظمة الخالق، وقد اختار في الصورة الفنية النبات، وأحكم اختياره بنزع صفة الحياة عنه عند ما وصف الكفار، فالخشب مسنّدة، والعصف مأكول، وأعجاز النخل منقلعة من جذورها.
أما في وصف المؤمنين فقد اختار النبات الحي، قال : ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ، كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ «١» فالتشبيه بالزّرع ينمّ على حيوية ونشاط، وخصوصا بإحكام المشبّه به بمؤازرة الشّطء والاستغلاظ والاستواء، مع ما تفيد الفاء من سرعة في النماء.
ونستنتج أن القدامى وقعوا على المدلول الفني لذكر مشاهدات الطبيعة، وذلك وفق مصطلحاتهم الدقيقة، وأنهم فهموا اقتصار الصورة الفنية على الجانب القبيح من الحيوان، وذلك بدءا من الجاحظ.
стр. 133
وقد بيّنّا أن المعاصرين أكّدوا عموم الطبيعة في القرآن، ونفي اقتصارها على البيئة العربية، كما أنهم أضافوا بعض إثارة من الخيال في تملّي جمال ذكر مفردات الطبيعة، ولا ريب أن القدامى يظلّون أكثر موضوعية، لمحافظتهم على دقّة المصطلح، واعتمادهم العقل والذوق الواضح، وأنهم قدّموا مادّة وفيرة في هذا المجال.
وقد درسنا الجماد والنبات في مكان واحد، لأن القرآن نفي صفة الحياة عن النبات الذي شبّه به الكفار، فكأنه جماد. وتدل المشاهدات على أن الجماد يشارك النبات في
السكون وعدم الإحساس، إلّا أن النبات يتصف بالنمو، كما أن النبات يشارك الحيوان في النمو، ويأتي دونه، لأن الحيوان يتصف بالغريزة والتنقّل ويأتي الإنسان الذي وهبه الله العقل على رأس هذه المخلوقات التي يدل ترتيبها على عظمة خالقها.
стр. 134
٣ - إسهام المفردة في التشخيص
- التشخيص لغة:
لا بدّ من الرجوع إلى المعجم لمعرفة الأصل المادي للتشخيص، ومعرفة ما يحتفظ به من الحسيّة، ففي لسان العرب: «شخص بصر فلان إذا فتح عينيه، وجعل لا يطرف، وشخوص البصر ارتفاع الأجفان إلى فوق» «١» ونحن نلمس هاهنا معنى الوضوح والظهور في التشخيص، وفي المعجم الوسيط: «الشخص كل جسم له ارتفاع وظهور، وغلب في الإنسان» «٢»، وقد قال : فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا «٣».
- التشخيص اصطلاحا:
إن مصطلح التشخيص مصطلح بلاغي مستحدث لم يرد في كتب الإعجاز، وقد اشتقّ من فعل شخص الذي يدل على الوضوح والظّهور، «والشّخص» التي تختص بالإنسان.
ويقول صاحب المعجم الأدبي: «التشخيص إبراز الجماد أو المجرّد من الحياة من خلال الصورة بشكل كائن متميّز بالشعور والحركة والحياة» «٤».
وقد كثر هذا الفن في الشعر الأندلسي عند ما تكونت علاقة عاطفية بين المبدع والمشاهدات كأن يضفي الشاعر على مشاهد الطبيعة الشعور بالحزن فتتعاطف معه الأزاهير وتعطف عليه الأغصان إذ يملّك الشاعر مشاهد الطبيعة مشاعر إنسانية سامية. وبالمقابل عاطفة السرور التي تشعر بها الطبيعة عند ما يكون الشاعر في غبطة وسرور فيكون الضياء ابتسامة رقيقة، ويكون النسيم دغدغة لطيفة.
стр. 135
ونريد في هذه الصفحات أن نبيّن تأثير انتقاء المفردات التي يكمن فيها هذا الفنّ، وهو في كتب البلاغة أدخل في الاستعارة، كما سنبيّن، لأن المفردة المشخّصة تستعار من الإنسان للجماد، لبثّ روح فاعليّة الإنسان في الأشياء.
وقد رأينا في استعارة الجماد والأحياء ما يوحي بهبوط الأسس الانسانية في الكافرين، وهاهنا نرى في التشخيص صعودا بالأشياء، لتأخذ صفات بشرية، تساعدها على التأثير.
ولعل من جماليات هذا الفن أنه يلقي الطمأنينة في نفس القارئ، عند ما يقدّم له مثيله في رفع مستوى الأشياء، فيتلاشى الشعور بالغربة والانعزال، وهكذا يجعل التشخيص المعالم كائنات عاقلة أو أشخاصا، فيشعر المرء بمشاركتها الوجدانية.
ومن الدليل على بحث المرء عن قرينه في الفن، ليتوحّد مع الأشياء، أنه يشخّص الكثير من الأعمال الفنية، فيجعل لها صفات بشرية، كما جاء عن الفئة المشخّصة التي تجعل من الأعمال الفنية أشخاصا، وربّما وصف اللون بالخامل أو العنيد أو النشيط «١».
وهذا توسّع في الكلام حتما، ومن باب المجاز المساعد على التخييل، ولعل التشخيص أبعد الفنون عن المباشرة في توصيل الكلام، بل هو نوع من التخييل البعيد كما يرى سيّد قطب «٢».
وفائدته أنه يمتلك مخزونا مؤثّرا في توسيع رقعة الخيال لدى المتلقّي، وليس تلك النّقلة العادية في مجال الاستعارة، فهذه النّقلة تعني التحوّل من مجال الإخبار إلى مجال الرؤية بواسطة الخيال، فيضاف هنا إلى المسألة الاخبار المباشر عمق التأثير.
ويقول مجيد عبد الحميد ناجي: «التشخيص ينقل الصورة من مجرّد
стр. 136
الإخبار الذي يحتمل الصّدق والكذب إلى تخيّل مشاهدة أحداثها ووقائعها، مما يوهم المتلقّي أن ما هو مبنيّ على الظن أصبح يقينا» «١».
- تشخيص المفردة عند القدامى:
إننا نقع على أول إشارة إلى مفهوم التشخيص عند أبي عبيدة مع سابق علم بأن جميع دارسي الإعجاز القدامى لم يذكروا هذا المصطلح، بيد أننا نجد جماليته في أبواب الاستعارة، وهي في الأغلب عند المحدثين تجسيم، وقد قال أبو عبيدة: «ومن المجاز ما جاء من لفظ خبر الحيوان والموات على لفظ خبر النّاس» «٢»، والمجاز عنده كل ما
يجوز في اللغة من حذف وإيجاز وإسناد وتشبيه واستعارة وغير هذا، ولا يختلف هذا الكلام عن التعريف الحديث للتّشخيص، وقد استشهد بالآية: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «٣»، والآية: رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ «٤».
لقد انتبه إلى اختصاص «أولئك» بالإنسان، وكذلك «السّجود» بيد أنه لم يفض في أهمية الحواس العليا في مجال التشخيص.
ويمكن أن نضيف إلى شاهديه قوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ «٥»، فنحن نجد أنّ البيان القرآني استعار السّباحة للكواكب، فجعلها عاقلة، مما يدل على طواعيتها، وتفهّمها لأمر خالقها.
ولم يقف الدارسون على مثل هذه الآيات في باب الاستعارة فقط، إذ نجد هذه الآيات في باب المجاز «٦»، مما يدل على أنهم لمسوا البعد النفسي في
стр. 137
آيات أخر، ووجدوا في هذه توسّعا عاديا من قبيل الاستعمال اللغوي المجازي، مع أن المجاز لا يختلف عن باب الاستعارة، فإذا كان المجاز مرسلا فهو استعارة، والمرسل ما أرسل عن قيد التشبيه، وكذلك التشخيص فهو استعارة معقول لمحسوس.
وتأكيدا لهذه النظرة نورد رأي ابن قتيبة وابن الأثير في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ «١»، إذ يردّ ابن قتيبة القول إلى حيّز الحقيقة لتوضيح المعنى «٢»، ويقول ابن الأثير: «نسبة القول إلى السماء والأرض من باب التوسّع، لأنهما جماد، والنطق إنما هو للإنسان لا للجماد» «٣».
ومما يحمدون عليه أن يشير الدارس إلى أهمية اللفظة المشخّصة بقوله «هذا أبلغ» بعد أن يبيّن الحقيقة اللغوية، ففي الآية الكريمة: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ «٤» تتفق الآراء في أنّ الحقيقة علا، و «طغى» أبلغ لأنّ فيه قهرا، وهو استعارة معقول لمحسوس، وقد كانت بداية هذا التذوق لدى الرّمّاني «٥».
سوف نورد بعض المفردات التي عني بها بعضهم عناية مرضية، فنحن لا نرى تفسيرا لغويا في كل الأحوال، وخصوصا أن المحدثين لم يخرجوا كثيرا عن تعليقات السّلف، حتى إنهم اعتمدوا شواهد القدامى نفسها.
هنالك آيات في ذكر جهنم وتصوير أهوالها، أسبغ البيان القرآنيّ عليها صفات جديدة، لتفجير طاقة التأثر، بما يكنه التّخييل الذي تبعثه المفردة في
стр. 138
ثوبها الجديد، إذ يقول تعالى: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً، وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ «١»، ويقول الرماني عن الآيتين: «شهيقا حقيقته صوتا فظيعا كشهيق الباكي، والاستعارة أبلغ منه وأوجز، والمعنى الجامع بينهما قبح الصّوت وتَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ حقيقته من شدّة الغليان بالاتّقاد، والاستعارة أبلغ منه، لأنّ مقدار شدة الغيظ على النفس محسوس مدرك ما يدعو إليه من شدّة الانتقام، فقد اجتمع شدّة في النّفس تدعو إلى شدّة الانتقام في الفعل» «٢».
ولا يقلّل من شأنه نظرته الذوقية ما جاء في كتب غيره عن ربط الشهيق بصوت الحمار، ونهم البغلة إلى الشّعير «٣»، ويبدو لنا أن النظرة الأخيرة تصور عنفوان جهنم بصورة أقوى، فالرماني أحسّ بالصفة الآدمية التي جعلت من النار إنسانا يبكي من الغيظ، وتكاد تتقطّع غيظا من الكافرين، بعد انتظار طويل، وقد أحسّ بدافع الانتقام الذي جعلها عاقلة أشركت في مهمّة قصد العذاب، وصحيح أنه بدأ شارحا إلا أنه نبّه إلى قدره الترويع في هذه الاستعارة، ولذلك نرجّح هنا نظرة الرماني التي تدلنا على الحالة النفسية التي اكتسبتها النار المغتاظة.
كذلك نجد مثل هذا التأمل العميق النابع من ذوق شخصي لدى الشريف الرضيّ، فقد قال: «وصف النار بصفة المغيظ الغضبان، الذي من شأنه أن يبالغ في الانتقام، ويتجاوز الغايات في الإيقاع والإيلام» «٤».
ولا نعدم مثل هذا التعمق لدى الزمخشري الذي أشار إلى رغبة المغتاظ في تقطيع أعضائه، وكأنّه يتقطّع، ويمزّق ما عليه «٥».
ونحن نستشف من كلام الباحث القديم أن التركيز يظلّ على المفردة المنقولة، غير أن الباحث المعاصر يؤكد هذا بصراحة كما سيمرّ بنا.
стр. 139
ومن هذا القبيل تملّيهم جمال الآية الكريمة: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ «١»، فنحن نفهم أهمية كلمة «يدمغه» في سياق كلام الشريف الرضي الذي قال: «الدّمغ إنما يكون عن وقوع الأشياء الثّقال، وعن طريق الغلبة والاستعلاء، فكأن الحقّ أصاب دماغ الباطل فأهلكه» «٢».
وتتسم كلمة «يدمغه» بالاختزان نتيجة اشتقاقها من عبارة «ضربة على دماغه»، وكذلك يعطي الزمخشري الأهمية الكبرى للمفردة المشخّصة، وبشكل أوضح في تفسيره للآية: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ «٣» إذ يقول: «كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ولم يستحسن هذه الكلمة، ولم يستفصحها كلّ ذي طبع سليم، وذوق صحيح إلا لذلك وإلا فإنّ قراءة معاوية بن قرّة: «ولمّا سكن الغضب» لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزّة، وطرفا من تلك الرّوعة» «٤».
وهو يفصح عن هذه الإضاءة التي تلقيها المفردة المنقولة، وذلك من خلال ذوقه الشّخصي، مضافة إليه معرفته بالقراءات، وقراءة معاوية على أية حال مخالفة لرسم المصحف ولا ثبوت لها.
وإذا ما تقدم الزمن، ووصلنا إلى أمثال ابن قيم الجوزية والزركشي والسيوطي، فلا يعدو الأمر استعارة معقول لمحسوس أو مجازا، لأن هؤلاء لم يتخصصوا في البيان الأدبي، إنما ألّفوا كتبا جمعوا فيها ممن سبقهم، لذلك يكتفى في كتبهم بتبيين أطراف الاستعارة «٥»، ولا نجد ظلالا نفسية كالتي وجدناها عند سابقيهم.
стр. 140
- تشخيص المفردة عند المحدثين:
إن طبيعة كتب المحدثين تقف حاجزا أمام تتبّع آرائهم جميعا ومقارنتها، لأن كتبهم كما ذكرنا سابقا أغلبها غير مختص بالبلاغة القرآنية، إنما هي في علوم القرآن كلها، فنحن مثلا نقع على شاهد قرآني في كل الكتب القديمة، كما هي الحال في هذه الفقرة، وهناك كتب للمحدثين تهتم بالتشبيه، فلا نصيب فيها لما نبغي.
والجدير بالذكر أن هذا الفن، أوّل ما نجده في كتاب أحمد بدوي على الرغم من مخالفته في تسمية هذا الفن، إلا أنّه قدّم عملا رائعا يقرن به ما جاء في كتاب صبحي الصالح، ونلفت الانتباه إلى أنهم أعادوا شواهد القدامى، ثم نقل بعضهم عن بعض.
لا بد الآن من أن نورد تعليق صبحي الصالح، لنرى ما أتى به المحدثون الذين فتحوا أعينهم على ثقافات عصرهم، وهو الباحث الذي يعترف للسلف بالجهود الكبيرة، وهذا إنصاف منه، وترفّع على التحامل في البحث العلمي، إذ يقول في الآيتين السابقتين: «مع أن تشخيص جهنّم هو الذي يجعل المشهد حافلا بالحياة والحركة، فهي مغيظة محنقة تحاول أن تكظم غيظها حين ألقي إليها المجرمون، ولكأن منظرهم البشع كان أشدّ من أن تتحمّله، وتصبر عليه، فتلقّتهم بألسنة لهبها، وهي تئزّ وتشهق، وبمهلها وقطرانها، وهي تغلي وتفور، حتى كاد صدرها ينفجر حقدا عليهم، ومقتا لوجوههم السّود، فليس في الصورة استعارة معقول لمحسوس فقط، وإنما استعيرت لجهنم شخصية آدمية، لها انفعالات وجدانيّة، وخلجات عاطفية، فهي تشهق شهيق الباكين، وهي تغضب وتثور، وهي ذات نفس حادّة الشعور» «١».
وهكذا نجد أن الانفعالات والشعور الحادّ عند الرماني «شدّة في النفس»، وليس الفرق كامنا بين إجمال وإسهاب، إنما التأكيد على المخزون الروحي لعملية التشخيص، وتجاوز الحسية.
يقف المحدثون أحيانا على الكلمة المشخّصة التي أعطت الجملة المعنى الجديد، أما القدامى فغالبا ما نظروا إلى جملة النص، من غير الرجوع إلى
стр. 141
أجزائه، ليتوصلوا إلى فضل المفردة، فقد كان السياق العام مقصدهم وشاغلهم، يقول تعالى: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها، وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً، فَجَعَلْناها حَصِيداً «١».
ولا بأس أن نوازن هنا بين تعليق الشريف الرضي وبين صبحي الصالح، يقول الشريف الرضي: «أي لبست زينتها بألوان الأزهار، وأصابيغ الرّياض، كما يقال: أخذت المرأة قناعها إذا لبسته» «٢».
فلا يقف هنا على المفردة المشخّصة، بل يشغل بالسياق العام خلافا لما يذكره صبحي الصالح، إذ قال: «أما الأرض فشخّصت مرتين، وقامت بحركتين، إذ أخذت بنفسها زخرفها، كما تفعل العروس في يوم جلوتها، وتطلّبت الزينة تطلّبا، وسعت إليها سعيا، فلم تزيّن، ولكنها ازّينت» «٣».
لقد نوّر صبحي الصالح في كتابه جمالية التشخيص، وركز على أهمية المفردة، وهنا يستمد إيحاءها من خلال صيغتها التي توحي بالإرادة، لأن الفعل لازم مما أفاد بثّ الروح في هذه الأرض.
ويؤخذ على المعاصرين ضالة حجم اهتمامهم بالتشخيص في بحوثهم، وكذلك اختلافهم في تسمية الفن، وإن كان مأخذا شكليا، لأن اختلاف التسمية لم يقف عائقا عن التعمق في كشف الإيحاء، فأحمد بدوي يقول حول الآية السابقة من سورة الأعراف: «وقد يجسّم القرآن المعنى، ويهب للجماد العقل والحياة، زيادة في تصوير المعنى، وتمثيله بالنفس، وذلك بعض ما يعبّر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية» «٤».
وهو يريد حذف المشبه به من الكلام، والاكتفاء بشيء يذكّر به، كالدّمغ والشّهيق والغيظ من الإنسان، ونفهم من كلامه أن «سكت» تجسّم، ونرى أن
стр. 142
التشخيص أخصّ من التجسيم، لأن التجسيم يعني تصوير المعاني بمحسوسات، أي نقل المجرد إلى الحسي، وربما لا يتخذ حركة أو شعورا بشريا، لتبيين المعنى، لذلك يظلّ صبحي الصالح صاحب الفضل في التركيز على مصطلح التشخيص، فلا يقتصر الأمر على جعل المعنوي مرئيا ملموسا، بل تضاف إليه الصّفات الآدمية، أما التصوير فهو شامل لهما أي: التجسيم والتشخيص.
إن الفن يشارك الفكر في جلاء الفكرة في البيان القرآني، ولا ينفصم أحدهما عن الآخر، وذلك لأن غاية التأثير لا يمكن أن تكون زائدة على المعنى، والتشخيص من أسمى مظاهر التأثير.
ونستنتج هاهنا أن القدامى توصّلوا إلى جماليّة إضفاء المشاعر على الكائنات الجامدة، وتذوّقوا هذه السمة الفنية بمستوى لا يختلف عما جاء لدى المعاصرين، إذ كشفوا قبلهم عن الدلائل النفسية لهذا التصوير الذي يبثّ الروح في الجماد.
كما تحمد لهم وفرة الجهود في المقام بالنسبة إلى ما مرّ به المعاصرون، ويبدو أنهم ظلوا يعبّرون عن هذه السّمة بالاستعارة والمجاز تقديسا للنص القرآني، فلم يذكروا تجسيما أو تخييلا.
стр. 143
٤ - جمالية الحركة في المفردة
الحركة مظهر من مظاهر الوجود الحي، فبدءا من الذّرّة حتى المجرات نجد أن الحركة سمة المخلوقات، وكذلك هي سمة الكائنات الحية، فالحركة حياة والسكون موت، كما تؤكد حركة الوجود بثّ الروح فيه وطواعيته للخالق ، وهي ليست حركة عمياء، بل قدّر لها كلّ شيء.
وللمنظّرين آراء في جمال الحركة في الفن، وهم يطلقون صفة الجمال عليها بقدر ما تعبر بصدق تصويرها عن الحياة، فالحركة موجودة في حياتنا، في تصرفاتنا اليومية، وموجودة في الفنون على تنوعها.
وغايتنا في هذه الفقرة التحدّث عن الحركة التي تنقلها بعض مفردات القرآن، ومن ثمّ البحث في أنواع هذه الحركة، وبسط علاقتها الوشيحة بالحالة الشعورية، واستحقاق مطابقتها لحكم المنطق.
وقد تطرق «جويو» لجمال الحركة في الحياة والفن، ورأى أنها قوية رشيقة وبطيئة، وقال في ذلك الموضع من كتابه «مسائل فلسفة الفن المعاصرة»:
«فالجمال الأسمى في الحركات إذن من غير الحركات، إنه يأتي من فوق، ويأتي من أفق الإرادة والعواطف، ولكي نجد تعليله الصحيح، فلا بدّ من الصعود إلى هذا الأفق أفق الارادة والعواطف» «١».
وهذا شيء صحيح ما دامت التصرفات ترجمة لما يرسله الدّماغ المتأثر بالمشاعر من أوامر عن طريق الأعصاب، فتتحرّك العضلة المطلوبة، لذلك تنحصر غايتنا في الدافع النفسي للحركة، وحجم تصويرها للمواقف، وكشفها بدقّة عن المشاعر الدفينة، مما يثير مشاعر القارئ بالصورة.
ويمكن أن نجد هذه الجمالية تحت عنوان الاستعارة، في كتب القدامى، كتصوير الحركة القوية، وذلك لوضوح استعارة الزلزلة للاضطراب، والانقلاب
стр. 144
للتحولات الوجدانية وغير هذا.
وقد تنبّه الأسلاف القدامى إلى جمال الحركة القوية أكثر من الحركة الخفيفة البطيئة، إلا أن وقفاتهم لم تشتمل على كل ما جاء في الكتاب الكريم.
ولم تسر على منهج واحد من الوضوح والكشف الفني، فقد يشير الدارس إلى جمال الحركة في الصيغة ولا يؤبه بها في موضع آخر، وقد تكون النظرة من خلال الفروق اللغوية، أو في سياق توضيح الاستعارة، فقد لمسوا قوة الحركة وسرعتها أو بطأها مشيرين أحيانا إلى إيحائها على قدر مصطلحهم وعصرهم.
ونمرّ في هذه العجالة بمفردات شهد لها بتصوير الحركة: القوية السريعة والبطيئة، ومن ثمّ نعرّج على تجسيم الصوت والصيغة للحركة كما جاء عند بعض المحدثين، ونترك التوسع في تجسيم الصوت للمعاني إلى مكان آخر، وسوف نبين أخيرا سلبيّات بعض المحدثين في إقحام المفردة في لجج أوهامهم واستنطاقها ما ليس فيها.
- الحركة القوية السريعة:
ولا بأس أن نمرّ ببعض النماذج وفق ما جاء لدى الدارسين، فقد أشار ابن قتيبة إلى قوة الانزلاق في قوله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ «١».
فلا شك أن الانزلاق هو الذي لفت نظره وجعله يقف على هذه الآية قائلا: «يريد أنهم ينظرون إليك بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقك من شدّته أي يسقطك» «٢».
ولكنه لا يبسط هذا الانزلاق الحسّي، ولا يربطه بحركة العيون كما يريد البيان القرآني، وقد ظلّ مفسّرا للمعنى، ولم يظهر أبعاده الفنية، ثم شغل بذكر شعر في المعنى نفسه، بدلا من الاهتمام بهذه المفردة التي تصوّر العيون تحرّك وتبطش.
стр. 145
ويشير الرماني إلى الشّدّة المكنونة في لفظة «زلزلوا» التي تنم على اضطراب أعماق المؤمنين الذين انتظروا فرج ربهم، يقول تعالى: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا «١»، فقد عبر الرماني عن هذا الاضطراب قائلا:
«زلزلوا أفضل من كل لفظ كان يعبّر به عن غلظ ما نالهم من الانزعاج فيهما، إلا أن الزلزلة أبلغ وأشدّ» «٢».
وكان في الإمكان الرجوع إلى المادة نفسها في القرآن، فنجد أن الزلزال حدث كوني عظيم، وهو مسخّر في الدنيا والآخرة، وفيه الارتجاج والانشقاق، وسائر المظاهر الطبيعية التي خوّف بها القرآن، وبهذا ننزع القشور الحسّية، لنشاهد زلزالا نفسيا.
ويمكن هنا الاعتماد على كون تكرير الحروف مصاقبا لتكرير الحركة، فنجد أن الزلزلة تشتمل على اضطرابات نفسية متتابعة لا تنقطع، خصوصا أن الزلزال هائل، ولا سيطرة عليه، وكما يقول حفني محمد شرف: «إن الاستعارة التي تضمنتها لفظة «زلزلوا» التي شبه فيها الاضطراب النفسي الشديد الذي أصابهم كالزلزال، ومهما حاولنا تغيير لفظ الاستعارة فلن يؤدي المعنى المطلوب، ولا الحالة المرجوّة» «٣».
ونلمس إحساس الباقلاني بقوة الحركة لدى إشارته إلى قدرة تصوير بعض الآيات مثل قوله تعالى: قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ «٤»، ويقول:
«ومما يصوّر لك الكلام الواقع في الصفة تصوير ما في النفس، وتشكيل ما في القلب حتى تعلمه وكأنك مشاهده» «٥».
وهو لا يذكر مصطلح الاستعارة، إلا أنه يريده في هذه المفردة، فالقدامى لم ينتبهوا إلى جمال الحركة إلا فيما ظهر في الاستعارة على الأغلب، وهم إذا