أجزائه، ليتوصلوا إلى فضل المفردة، فقد كان السياق العام مقصدهم وشاغلهم، يقول تعالى: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها، وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً، فَجَعَلْناها حَصِيداً «١».
ولا بأس أن نوازن هنا بين تعليق الشريف الرضي وبين صبحي الصالح، يقول الشريف الرضي: «أي لبست زينتها بألوان الأزهار، وأصابيغ الرّياض، كما يقال: أخذت المرأة قناعها إذا لبسته» «٢».
فلا يقف هنا على المفردة المشخّصة، بل يشغل بالسياق العام خلافا لما يذكره صبحي الصالح، إذ قال: «أما الأرض فشخّصت مرتين، وقامت بحركتين، إذ أخذت بنفسها زخرفها، كما تفعل العروس في يوم جلوتها، وتطلّبت الزينة تطلّبا، وسعت إليها سعيا، فلم تزيّن، ولكنها ازّينت» «٣».
لقد نوّر صبحي الصالح في كتابه جمالية التشخيص، وركز على أهمية المفردة، وهنا يستمد إيحاءها من خلال صيغتها التي توحي بالإرادة، لأن الفعل لازم مما أفاد بثّ الروح في هذه الأرض.
ويؤخذ على المعاصرين ضالة حجم اهتمامهم بالتشخيص في بحوثهم، وكذلك اختلافهم في تسمية الفن، وإن كان مأخذا شكليا، لأن اختلاف التسمية لم يقف عائقا عن التعمق في كشف الإيحاء، فأحمد بدوي يقول حول الآية السابقة من سورة الأعراف: «وقد يجسّم القرآن المعنى، ويهب للجماد العقل والحياة، زيادة في تصوير المعنى، وتمثيله بالنفس، وذلك بعض ما يعبّر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية» «٤».
وهو يريد حذف المشبه به من الكلام، والاكتفاء بشيء يذكّر به، كالدّمغ والشّهيق والغيظ من الإنسان، ونفهم من كلامه أن «سكت» تجسّم، ونرى أن
стр. 142
التشخيص أخصّ من التجسيم، لأن التجسيم يعني تصوير المعاني بمحسوسات، أي نقل المجرد إلى الحسي، وربما لا يتخذ حركة أو شعورا بشريا، لتبيين المعنى، لذلك يظلّ صبحي الصالح صاحب الفضل في التركيز على مصطلح التشخيص، فلا يقتصر الأمر على جعل المعنوي مرئيا ملموسا، بل تضاف إليه الصّفات الآدمية، أما التصوير فهو شامل لهما أي: التجسيم والتشخيص.
إن الفن يشارك الفكر في جلاء الفكرة في البيان القرآني، ولا ينفصم أحدهما عن الآخر، وذلك لأن غاية التأثير لا يمكن أن تكون زائدة على المعنى، والتشخيص من أسمى مظاهر التأثير.
ونستنتج هاهنا أن القدامى توصّلوا إلى جماليّة إضفاء المشاعر على الكائنات الجامدة، وتذوّقوا هذه السمة الفنية بمستوى لا يختلف عما جاء لدى المعاصرين، إذ كشفوا قبلهم عن الدلائل النفسية لهذا التصوير الذي يبثّ الروح في الجماد.
كما تحمد لهم وفرة الجهود في المقام بالنسبة إلى ما مرّ به المعاصرون، ويبدو أنهم ظلوا يعبّرون عن هذه السّمة بالاستعارة والمجاز تقديسا للنص القرآني، فلم يذكروا تجسيما أو تخييلا.
стр. 143
٤ - جمالية الحركة في المفردة
الحركة مظهر من مظاهر الوجود الحي، فبدءا من الذّرّة حتى المجرات نجد أن الحركة سمة المخلوقات، وكذلك هي سمة الكائنات الحية، فالحركة حياة والسكون موت، كما تؤكد حركة الوجود بثّ الروح فيه وطواعيته للخالق ، وهي ليست حركة عمياء، بل قدّر لها كلّ شيء.
وللمنظّرين آراء في جمال الحركة في الفن، وهم يطلقون صفة الجمال عليها بقدر ما تعبر بصدق تصويرها عن الحياة، فالحركة موجودة في حياتنا، في تصرفاتنا اليومية، وموجودة في الفنون على تنوعها.
وغايتنا في هذه الفقرة التحدّث عن الحركة التي تنقلها بعض مفردات القرآن، ومن ثمّ البحث في أنواع هذه الحركة، وبسط علاقتها الوشيحة بالحالة الشعورية، واستحقاق مطابقتها لحكم المنطق.
وقد تطرق «جويو» لجمال الحركة في الحياة والفن، ورأى أنها قوية رشيقة وبطيئة، وقال في ذلك الموضع من كتابه «مسائل فلسفة الفن المعاصرة»:
«فالجمال الأسمى في الحركات إذن من غير الحركات، إنه يأتي من فوق، ويأتي من أفق الإرادة والعواطف، ولكي نجد تعليله الصحيح، فلا بدّ من الصعود إلى هذا الأفق أفق الارادة والعواطف» «١».
وهذا شيء صحيح ما دامت التصرفات ترجمة لما يرسله الدّماغ المتأثر بالمشاعر من أوامر عن طريق الأعصاب، فتتحرّك العضلة المطلوبة، لذلك تنحصر غايتنا في الدافع النفسي للحركة، وحجم تصويرها للمواقف، وكشفها بدقّة عن المشاعر الدفينة، مما يثير مشاعر القارئ بالصورة.
ويمكن أن نجد هذه الجمالية تحت عنوان الاستعارة، في كتب القدامى، كتصوير الحركة القوية، وذلك لوضوح استعارة الزلزلة للاضطراب، والانقلاب
стр. 144
للتحولات الوجدانية وغير هذا.
وقد تنبّه الأسلاف القدامى إلى جمال الحركة القوية أكثر من الحركة الخفيفة البطيئة، إلا أن وقفاتهم لم تشتمل على كل ما جاء في الكتاب الكريم.
ولم تسر على منهج واحد من الوضوح والكشف الفني، فقد يشير الدارس إلى جمال الحركة في الصيغة ولا يؤبه بها في موضع آخر، وقد تكون النظرة من خلال الفروق اللغوية، أو في سياق توضيح الاستعارة، فقد لمسوا قوة الحركة وسرعتها أو بطأها مشيرين أحيانا إلى إيحائها على قدر مصطلحهم وعصرهم.
ونمرّ في هذه العجالة بمفردات شهد لها بتصوير الحركة: القوية السريعة والبطيئة، ومن ثمّ نعرّج على تجسيم الصوت والصيغة للحركة كما جاء عند بعض المحدثين، ونترك التوسع في تجسيم الصوت للمعاني إلى مكان آخر، وسوف نبين أخيرا سلبيّات بعض المحدثين في إقحام المفردة في لجج أوهامهم واستنطاقها ما ليس فيها.
- الحركة القوية السريعة:
ولا بأس أن نمرّ ببعض النماذج وفق ما جاء لدى الدارسين، فقد أشار ابن قتيبة إلى قوة الانزلاق في قوله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ «١».
فلا شك أن الانزلاق هو الذي لفت نظره وجعله يقف على هذه الآية قائلا: «يريد أنهم ينظرون إليك بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقك من شدّته أي يسقطك» «٢».
ولكنه لا يبسط هذا الانزلاق الحسّي، ولا يربطه بحركة العيون كما يريد البيان القرآني، وقد ظلّ مفسّرا للمعنى، ولم يظهر أبعاده الفنية، ثم شغل بذكر شعر في المعنى نفسه، بدلا من الاهتمام بهذه المفردة التي تصوّر العيون تحرّك وتبطش.
стр. 145
ويشير الرماني إلى الشّدّة المكنونة في لفظة «زلزلوا» التي تنم على اضطراب أعماق المؤمنين الذين انتظروا فرج ربهم، يقول تعالى: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا «١»، فقد عبر الرماني عن هذا الاضطراب قائلا:
«زلزلوا أفضل من كل لفظ كان يعبّر به عن غلظ ما نالهم من الانزعاج فيهما، إلا أن الزلزلة أبلغ وأشدّ» «٢».
وكان في الإمكان الرجوع إلى المادة نفسها في القرآن، فنجد أن الزلزال حدث كوني عظيم، وهو مسخّر في الدنيا والآخرة، وفيه الارتجاج والانشقاق، وسائر المظاهر الطبيعية التي خوّف بها القرآن، وبهذا ننزع القشور الحسّية، لنشاهد زلزالا نفسيا.
ويمكن هنا الاعتماد على كون تكرير الحروف مصاقبا لتكرير الحركة، فنجد أن الزلزلة تشتمل على اضطرابات نفسية متتابعة لا تنقطع، خصوصا أن الزلزال هائل، ولا سيطرة عليه، وكما يقول حفني محمد شرف: «إن الاستعارة التي تضمنتها لفظة «زلزلوا» التي شبه فيها الاضطراب النفسي الشديد الذي أصابهم كالزلزال، ومهما حاولنا تغيير لفظ الاستعارة فلن يؤدي المعنى المطلوب، ولا الحالة المرجوّة» «٣».
ونلمس إحساس الباقلاني بقوة الحركة لدى إشارته إلى قدرة تصوير بعض الآيات مثل قوله تعالى: قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ «٤»، ويقول:
«ومما يصوّر لك الكلام الواقع في الصفة تصوير ما في النفس، وتشكيل ما في القلب حتى تعلمه وكأنك مشاهده» «٥».
وهو لا يذكر مصطلح الاستعارة، إلا أنه يريده في هذه المفردة، فالقدامى لم ينتبهوا إلى جمال الحركة إلا فيما ظهر في الاستعارة على الأغلب، وهم إذا
стр. 146
مرّوا بكلمات مستعارة تصور الحركة لا يذكرون الاستعارة، كما هي الحال عند الباقلاني الذي بيّن جمال الانقلاب.
ولعلّهم يمرّون بالحركة القوة- الانقلاب- غير آبهين بقدرتها التصويرية، ففي قوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ «١» نلمس سرعة التجار الكفار،
ونشاطهم بين المدن والقوافل، وكأن البلاد الواسعة أطراف فراش يتقلّب بينها التاجر، وهذا يعني عمق تأثير الموقف لدى الرسول الكريم، ولا يكون هذا بكلمة «تجارة» أو «ذهاب» إنه تقلب.
وفي هذه الآية يقول أبو السّعود: «وإنما جعل التقلّب مبالغة أي لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة، ووفور الحظ، ولا تغترّ بمظاهر ما ترى من التبسّط والمكاسب أو المتاجرة أو المزارع» «٢».
وقول مثل هذا يدلّ على إجمال التذوق الذي يلجأ مباشرة إلى مصطلح المبالغة، ولا ينير الناحية الفنية في تجسيم الحركة، وقد ذكرت معاني التقلب والانقلاب في القرآن خمسا وثلاثين مرة، وهي دالة على قوة الحركة وسرعتها، وعدم تذوق هذه الصورة ينطبق على المحدثين باستثناء قطب الذي يعدّ تفسيره أكبر رصيد لجمال الحركة، لأن تفسيره عني بالتصوير، فأجاد في التعبير عن قدرة المفردة على الرسم، وإن كانت له هفوات تمخّضت عن ذوق فردي.
يقول تعالى: فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً «٣»، وتعني الآية انتشار خبر موت الرسول الكريم في غزوة أحد، وتأنيب الخالق للمؤمنين، ويقول سيد قطب: «وفي التعبير تصوير حي للارتداد، فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تجسم معنى الارتداد عن هذه العقيدة، وكأنه منظر مشهود، والمقصود أصلا ليس حركة الارتداد الحسية بالهزيمة في المعركة، ولكن حركة الارتداد النفسية» «٤».
стр. 147
ومما يضاف هنا إلى قوة الحركة توالي القافات في المفردات الآتية: «قتل، انقلبتم، أعقابكم، ينقلب، عقبيه» ولعل هذا يدلّ على خشونة الطّبع، وشدّة التّوبيخ.
وقد اكتفينا بنبذة من تأملات الدارسين لضيق الحجم، ولكثرة التّكرار في الكتب، ولا بأس أن نمر ببعض الآيات، ونتملى جمال الحركة في مفرداتها، ففي قوله تعالى: قالُوا: لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ «١» نستشف أقصى غايات التغيّر، فالتعبير بالانقلاب يدل على أسرع حركة تجسّم تغيّر رأي السّحرة بفرعون، والتماسهم حبل ربّهم.
كما نجد هذه القسوة والسرعة في الآية الكريمة: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ «٢» وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ «٣». وكذلك في تصوير صلاته ﵊، الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٤» فالتقلّب هنا يعبّر عن الحركة الرشيقة التي كان دافعها الإيمان القوي الراسخ.
ويظهر جليّا أن القرآن يميل إلى بث الحركة في الكائنات والمشاعر، وانتقاؤه يدل على مناسبة المواقف، وإقناع العقل وإمتاع الوجدان بجوانب الحركة المبثوثة، فتغدو المشاهد موّارة تثير الخيال، وتتغلغل في الأعماق، ولا تكون سردا ذهنيا جافا.
وكثيرا ما نجد الحركة القوية السريعة مما يبعث على تأثير خاص لا يطلب في موضع آخر، وقد قال جويو: «الصفة الأولى من صفات الجمال في الحركات هي القوة، والصفة الثانية من صفات الجمال في الحركات هي الانسجام، أعني ملاءمة الحركة لبيئتها وغايتها» «٥».
стр. 148
ولدى الاستعانة بهذا يمكننا أن نعرض بعض المفردات التي خفي جمال حركتها على الدارسين، فلم يتأملوه حقّ التأمل، ولعلّ من أسباب هذا الخفاء أنهم تواكلوا على شواهد سابقهم، فحين أراد البيان القرآني التعبير عن ضعف المسلمين وحماية الخالق لهم نقرأ قوله تعالى: تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ «١»، ففي الخطف قوة المعتدي، وضآلة المعتدى عليه، وهنا تبرز أهمية العناية السماوية، وكأن المسلمين في مكة حينذاك دمى يلتقطها بقوة فرسان أهل الأرض، كما دل التعبير ب «الناس» على هذا.
ونقرأ عن انقلاب سحرة فرعون بعد رؤية البرهان الإلهي في المعجزة:
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ «٢»، وهذا يصوّر الشعور القوي الذي ترسّخ في أعماقهم، فنفضوا غبار الكفر، وسجدوا للقوة العليا، وكأن الشعور الجديد قد ألقى بهم على الأرض ساجدين، ومما يضاف هنا أن الفعل مبني للمجهول لتصوير القوة الخفية الحقيقة بالعبادة، والإنابة إليها، وهنا يثار الخيال لتصوّر شيء يضغط على الجسوم فتجسّد مستسلمة.
ومن المفردات الكثيرة ما جاء في قوله تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ «٣»، إنه السّعي الذي يكون أسرع من المشي.
وكذلك سعي الرجل المؤمن في قوله تعالى: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى «٤» ليدافع عن موسى عليه الصلاة السلام، فالسّرعة مطلوبة في هذا الموقف لانسجامها مع الدافع الشعوري القوي.
وفي قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى «٥» عن ابن أم مكتوم الرجل الأعمى، إذ يصوّر لهفة هذا الأعمى إلى تعلّم الدّين، فليس وجود «يسعى» هنا
стр. 149
إلا لغاية جمالية، فهي ترسم مشاعر من لا يعهد به إلا المشي المتعثّر، لأنه أعمى الباصرة وقد أشرق الإيمان في حنايا صدره، وليس الأمر كما نرى موافقة لرويّ الفواصل.
ومما يوحي بقوة الحركة ما جاء في قوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها «١»، فالربط يدل على القوة، كما يدل الختم على القلوب على قوة الحركة المحكمة في قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «٢».
ولا شك أن القوة مقصودة في حركة الربط بعد أن فرغ قلب هذه الأم الرءوم لدى فراق ولدها، وكأن الربط يحميها من التلاشي أو السقوط، كما أن القوة مقصودة في الختم الذي يعني استمرار الكفار في عنادهم، وإن «ختم» لتثير الذهن ليحاول الإحاطة بالختم على المشاعر والآذان والعيون، وقوة الختم تؤكد معرفة الخالق باستحالة رضوخهم للحق، وبعدم إيمانهم.
ويمكن أن تعبّر الصيغة عن حجم قوة الحركة، فنحن نقرأ مثلا قوله تعالى:
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ «٣» وصيغة الفعل المضعّف المفارقة ل «أغلقت» تعني شدّة الإحكام والتأكد الشديد من إغلاق الأبواب، وتعني ارتفاع الهمّة، وهذا يبعث في الذهن صورة الدّفع القوي للأبواب.
والجدير بالذكر أن القدامى لم يهملوا علاقة اللفظ بالمعنى، فالصيغة تتخذ معنى محدودا لا يكون في غيرها، وكثيرا ما تحدثوا عن الكثرة الناتجة عن تضعيف عين الفعل، كما سنرى في فصل لاحق مع الاستدلال بالشواهد الكافية إن شاء الله.
- الحركة البطيئة:
الحركة في الحياة ظاهرة، وسريعة قوية وبطيئة، فالحركة البطيئة هي
стр. 150
الشّطر الآخر من صفة فاعليّتها الظاهرة.
وقد عني القدامى بالحركة السريعة القوية، لأنها أدعى للتذوق الجمالي لارتباطها بالاستعارة، وكأنهم مروا بجمالية البطء في بعض المفردات، ولمسوا فيها حياد المباشرة، فلم يلتفوا إليه، ونسرد هنا بعض المفردات ونبيّن ما جاء في ربطها بالمدلول النفسي وموافقتها للموقف.
وللخطّابي لمحة جيدة من خلال إحالتنا إلى الفروق اللغوية عند ما يذكر قوله تعالى حكاية عن المشركين: أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ «١» إذ يقول متملّيا جمال لفظ المشي وموافقته للموقف: «بل المشي في هذا المحلّ أولى، وأشبه بالمعنى، وذلك لأنه إنما قصد به الاستمرار على العادة الجارية، ولزوم السّجيّة المعهودة في غير انزعاج منهم، ولا انتقال عن الأمر الأول، وذلك لأن المشي أشبه بالثّبات والصبر المأمور به، وفي قوله: امضوا وانطلقوا زيادة انزعاج ليس في قوله «امشوا» والقوم لم يقصدوا ذلك» «٢».
وكأن الخطابي يريد أن يقول: إن المشي أكثر من العدو والسعي، وهو لذلك ألصق بالطبع، بالثابت، ويعبر في بطئه ونمطه المعهود عن عدم مبالاة المشركين بما سمعوا، وعن إصرارهم على الكفر.
وإنها للحركة الدالة على ارتياح، فهي توافق الدافع الشعوري، وتترجمه إلى واقع حسي، وهذه سمة رفيعة امتاز بها القرآن الذي يحيل السّرد إلى مشاهد منظورة قاصدا غاية التأثير.
وهاهنا لمسنا أن الحركة البطيئة تصوّر الحالة الشعورية، وقد قال جويو عن الحركة الانسيابية: «فما هي الحركة التي تشعرنا إذ نحدثها أو نشاهدها بأنّها رشيقة؟ إنها الحركة التي توهمنا بأنها خالية من كلّ جهد عضليّ، فنرى الأعضاء تتحرك حرة طليقة كأنما يحرّكها النسيم» «٣».
стр. 151
وقد صوّر القرآن حالة المنافقين، فاختار لقلقهم وفزعهم «مشوا» في قوله : كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ «١»، وهنا تختلف الحالة النفسية، ومع هذا فالمشي مناسب، لأن هؤلاء يطلبون الخلاص مما يفزعهم فيقعدهم البرق والرّعد، ويضع حدّا لسرعتهم، أما المشي في الآية السابقة فهو دليل اطمئنان وارتياح نتيجة عناد، وهنا المشي مشوب بالخوف من ثورة الطبيعة المسخّرة، حيث شدّة الظلام وكثافة المطر والبرق الذي يخطف الأبصار، وفي هذا يقول أبو السّعود: «خطوات يسيرة مع خوف أن يخطف أبصارهم، وإيثار المشي على ما فوقه من السّعي والغدوّ للإشعار بعدم استطاعتهم لهما» «٢».
ومن مفردات تصوير البطء والانسياب ما جاء في الآية الكريمة: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ «٣»، وقد تأمل البوطي جمال الحركة في «سارب» من خلال اللجوء إلى الأصل اللغوي، ف «سارب» تعبّر عن الوضوح والمسير الهادئ المناسب، وهو يقول: سارب بالنهار كلمة تصوّر لك الشيء إذ يسرب على وجه الأرض بارزا، فأنت تقول: سرب الماء، أي جرى في سجيّته على وجه الأرض بارزا متشعّبا يبرق ويلمع، والكلمة زيادة على ما فيها من جمال التعبير تصوّر لك شدة وضوح هذا الإنسان وظهوره مقابل شدة اختفاء ذلك الآخر واستتاره» «٤».
- تصوير الحركة بالصوت:
من المحدثين من تلمّس جمالية البطء في التشكيلة الصوتية للمفردة نفسها، أي توالي الفتحات والضمات ومواقع الشّدّات، وطبيعة الأصوات، وهذا المنهج يميّز تفسير قطب، وقد تأكد سابقا في كتابه «التصوير الفني» كما نجده على قلّة من الشواهد في كتاب بدوي، ثم راح الآخرون يؤكّدون هذه
стр. 152
الظاهرة الفنية التي تسمى «الأونوماتوبيا» معتمدين شواهدهما، ومقتفين أثرهما.
والأونوماتوبيا فن يستلهم المعنى من أصوات الكلمات، وسوف نذكر تطبيقات المحدثين الذين أولعوا بها، معتمدين الخيال والرأي الذاتي على الأغلب، ومن هذا ما جاء في تأمل الآية: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ «١»، يرى قطب أن الصورة الصوتية رسمت الحركة المعنية،: «وإنك لمدرك أنّ صورة التبطئة أدّتها الكلمة «ليبطّئنّ» بجرسها إضافة إلى ما أدّته النونات في الكلمتين السابقتين من تأكيد لهذا الجرس الخاص» «٢».
ولم تربط هذه الظاهرة الفنية بمعطيات علم اللغة، فبقيت غالبا في مظانّ الوهم، ويبدو هنا أن حركة الفتح تقابل السير الطبيعيّ المعتاد، ثم يمثّل الخمول والتراجع بالوقوف على الشّدّة، وما يتبعها من كسر الطّاء.
من هذا القبيل كلمة «يترقّب» من قوله تعالى: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ «٣»، فإذا قرأنا تعليقهم لمسنا فيه شطحة خيال، وشيئا من التعتيم، لأن هذه النظرة لا تقوم على منهج علمي، إنما تظل غامضة وعالقة بذوق مبهم، أو انبهار كبير، يقول سيّد قطب: «هناك مفردات قرآنية من نوع آخر، يرسم صورة الموضوع لا بجرسه الموسيقى، بلّ بظلّه الذي يلقيه في الخيال، فمفردة «يترقّب» ترسم هيئة الحذر المتلفّت في المدينة التي يشيع فيها الأمن والاطمئنان في العادة» «٤».
ولا تحدّد هذه النظرة الفردية كيفية الرّسم، إنه توقّع إشعاعي خاص، ولكي يبتعد الدارس عن هذا المنهج يعود إلى جزئيات المفردة.
ويمكننا أن نقول: إن موسى ﵊ يمشي بتمهّل، إلا أن
стр. 153
هناك تلفّتا منه بين الفينة والفينة خوف العدوّ، فيتقاسم حركته المشي والوقوف الحذر في خفية وحذر، ولعلّ هذا يستمدّ كما رأينا سابقا- من توالي الفتحات الذي يتبعه وقوف الشّدّة، ثم تجيء حركة الضّم على الباء.
وعلى هذا المنوال نستطيع أن نفسّر علاقة الصوت بالصورة في كلمة «يتمطّى» كلمة من قوله تعالى: ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى «١»، لأن الشّفاه ترتاح في حركة الفتح، ونستطيع أن نتلمس تطاول الأعضاء بعد شدّ العضلات من الوقوف في الشّدّة الذي تتبعه الألف المقصورة ذات المدّ الطويل، وهذا المدّ يمثل انفراج الأعضاء، وتعالي الرجل في مباهاة وخيلاء، وتلك مشية ذميمة اسمها المطيطاء، وفي لسان العرب لابن منظور: «المطيطاء والمطيطى بالمدّ والقصر التّبختر ومدّ اليدين في المشي» «٢».
ومن النظرات الموفّقة التي استطاعت أن تقدّم شيئا من التفسير ما جاء لدى قطب في قوله تعالى عن المؤمنين الذين لم يذهبوا إلى الجهاد: ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ «٣»، يقول قطب: «لو أنّك حذفت الشدة من الكلمة، فقلت: تثاقلتم، لخفّ الجرس، وضاع الأثر المنشود، ولتوارت الصورة المطلوبة التي رسمها اللفظ واستقلّ برسمها» «٤».
وذلك لأنه قد لفت نظرنا إلى التشكيلة الصوتية، ولهذا نقول: إن حرف الثاء لثويّ، ووجود الشّدّة عليه يجعل اللسان عالقا بأطراف الأسنان بشكل قويّ، وهذا يمثّل حبّهم للقعود، وعدم التحرك، ولا شك في أن فرضية تبديل المفردة ب «تثاقلتم» توحي بهذه العملية في جهاز النطق، لكن هذا من حيث النّغم فحسب، إذ تدلّ صيغة «اثاقلتم» على المبالغة في حين تدلّ «تثاقل» على التكلف.
لم تخل نظرات قطب أحيانا من جنوح إلى التوهّم، وتحميل المفردة طاقة من ذاته، فهو يعدّ مفردة ما مجسمة للحركة بجرسها، والقارئ لا يرى
стр. 154
الحركة إلا في مضمون المفردة التوصيلي، وهذا من مظاهر المغالاة في أمر «الأونوماتوبيا» إذ يقول جلّ وعلا عن آدم وحواء فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها، فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ «١»، فهو يرى أن لفظة «أزلهما» تصور الحركة على أنها تعني الحركة فقط، ولا حاجة لاستنباط ما لا يوجد فقد جاء في تفسيره:
«إنه لفظ يرسم صورة الحركة التي يعبّر عنها، وإنك لتكاد تلمح الشيطان، وهو يزحزحهما عن الجنة، ويدفع بأقدامهما فتزلّ وتهوي» «٢».
وهذا يختلف عن إثارة الخيال لتصوّر الحركة المعينة، وهي كثيرة في التفسير المعاصر وعند قطب خاصة، فقد استشفّت عائشة عبد الرحمن قوة الحركة في فعل «أخرجت» من قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها «٣»، إذ تقول في تفسيرها: «يلفتنا في إخراج الأثقال هنا ما توحي به من اندفاع للتخلص من الثقل الباهظ، فالمثقل يتلهّف على التخفّف من حمله، ويندفع فيلقيه حين يتاح له ذلك، والأرض إذ تخرج أثقالها تفعل ذلك كالمدفوعة برغبة التخفّف من هذا الذي يثقلها عند ما حان الأوان» «٤».
ونجد أنها لم تؤكد تأكيد قطب الذي كثر الوهم عنده، لكونه فسّر القرآن كلّه، فمواقع الخطل متعددة، وإضافة إلى الكم يعدّ أكثر الدارسين تعتيما نتيجة استسلامه أو حماسته لمنهج الدراسة الذي حدّده.
ولم تكن هذه الفكرة غائبة تماما عن أذهان القدامى، ففي وقفاتهم- على قلّتها- ما يعدّ تمهيدا للمحدثين إضافة إلى وجودها في النقد الغربي المعاصر، وباستطاعتنا أن نؤكد استمداد المحدثين لها من طبيعة اللغة العربية، واعتمادهم ما ذكره فقهاء اللغة، وبعض دارسي الإعجاز البياني، ودارسي الأوزان الصرفية ودلالاتها.
ينقل برتيليمي عن كلوديل ما يعدّ لفتة إلى وجود هذه الظاهرة في النقد الحديث: «إن الكلمة تعيد أداء الحركة التي هي دافع كل كائن، بل هي الكائن
стр. 155
نفسه، وقد صوّره من ناحيته الصوتية الفمويّة، هي الشيء بعد أن أصبح نغما» «١».
إذن ففي إمكاننا أن نشمّ رائحة المعنى ومعالم الصورة من الصوت، وبهذا تبعد الكلمة عن كونها إشارة اعتباطية فقط.
ويطيب لنا أن نورد كلام الزمخشري ما دمنا في صدد جمال الحركة في الصوت، وذلك في الآية: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ، وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ «٢» فقد أشار إلى تجسيم
الحركة المتكررة تبعا لتكرر الحروف، وهو يقرر هنا ما جاء به فقهاء اللغة، إذ يقول: «الزّحزحة التّنحية والإبعاد تكرير الزحّ، وهو الجذب بعجلة» «٣».
ولكنه لا يذكر شيئا إزاء الآية: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ «٤»، فالأمر لا يطّرد في كل مفردة تكررت حروفها، وفي الآية: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ «٥»، يقول متملّيا المفردة بذوق رفيع، ويكاد يفوق المحدثين، لكونه يذكر سبب تكرير الحركة: «الكبكبة تكرير الكب، وجعل التكرير في الفظ دليلا على التكرير في المعنى، كأنه: إذا ألقي في جهنم ينكبّ مرة بعد مرة حتى يستقرّ في قعرها» «٦».
ونضيف أن انضمام الشفتين ثلاث مرات في هذه المفردة، مرة على الكاف لوجود الضم، ومرتين على الباء، لأنه حرف شفويّ شديد، وهذا الانضمام يصور حركة تكوير الكافر، وهو يتدحرج حتى يصل إلى القعر، ويتجمع جسده كالكرة، وكما تتجمع الشفاه في لفظ هذه المفردة.
والجدير بالذكر أن اقتصار القدامى على تجسيم تكرير الحركة جعل المادة المدروسة ضئيلة، فلا نقع في كتبهم إلا على النّزر القليل، وهو يتركز على
стр. 156
الحروف، وليس على الحركات.
أما المحدثون فقد تكلّموا على الرسم بالحرف والحركة ورسم الحركة البطيئة والقوية والمتكررة.
يصل قطب إلى شواهد القدامى التي علّلوها، ويقنع بالظلال النفسية، وينفي علة الأصوات، فهو يقول عن «زحزح»: «إنّما هو القرآن يدع الألفاظ تلقي ظلالا معينة، فيرسم في الضمير مشهد مخيف، جهد الزحزحة، وهي الحركة البطيئة العنيفة ... و «زحزح» نفسها ترسم صورة لمعناها» «١».
فقد تخلى عن المعيارية التي قدّمها فقهاء اللغة مشيرين إلى وجود كلمات تحاكي الطبيعة بأصواتها، وقد انتقل إلى تصوير نفسية المتزحزح، ومشقّة البعد عن النار، وقوله «صورة لمعناها» يطّرد في كتبه، وهو ما يرتضي به في تفسير علاقة الصوت بالمعنى أو الحركة.
ولعل عنف الحركة يمثّل في نطق الحاء في الحلق، فالحاء الساكنة فيما يبدو تخرج من الحلق باحتكاك بجدرانه، وهذا يمثّل حركة الزحزحة العنيفة اللصيقة بالأرض.
ولا نعدم قلّة من الدارسين تذكر مقياس القدامى، وهذا يفيد في عدم الشّطط، ففقهاء اللغة أقرّوا أن ما كان على وزن (فعلان) - كما سنجد في مكان لا حق- يدلّ على الاضطراب والنشاط، مثل: الرّجحان والخفقان والغليان والفوران، وضياء الدين عتر يذكر قوله : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ «٢»، ويدلي برأيه الذي يؤكد بثّ الحركة المقصودة في مفردات القرآن، وهذا مما يمكّن الفاصلة، وهي أبعد ما تكون عن اللجوء إلى الألف والنون، ويقول: «الحيوان في اللغة مصدر حيّ، وقد سمّي به كلّ ذي حياة، وهو أبلغ من الحياة، لأنّ في صيغة فعلان معنى الحركة والنشاط الملازم
стр. 157
للحياة» «١».
فالمعنى الأول تقرير الخلود والاستمرارية ويكون في لفظة حياة، أما المعنى الثاني الذي تدلّ صيغته على معنى النشاط، وطرد الملل عن الذهن، فلا يكون إلا في «الحيوان» التي تنفي الجمود والفناء معا، وقد استفاد من إشارة الكشّاف، والشاهد لا يدلّ على تقرير فن «الأونوماتوبيا» بشكل خاص، بل فيه مثال لتبنّي القديم الواضح في تفسير جمالي معقول.
وقد اقتصرنا هنا على تجسيم الصوت للحركة، أما تجسيم الصوت للمعاني المجردة والصورة البصرية، فقد خصّص له مكان آخر سوف نبحث فيه أصالة هذه الفكرة، ونقدم نماذج كافية إن شاء الله.
لا ريب في أن القرآن الكريم اعتمد فن التصوير لتوصيل معانيه الجليلة، وينقل التصوير الكلام في القرآن من طابع السّرد إلى مشاهدات محسوسة، والقرآن يصور بالحوار كما في القصص، وبالمفردات وبأسس النّظم.
كما أن الميل القوي إلى المحسوس واحد من أهم عناصر التصوير القرآني، وقد قصدنا في هذا الفصل الصورة التي تختصّ بإبراز المجرّدات إلى محسوسات، وبيّنّا أن وسائل الصورة البصرية هي: التجسيم والتشخيص ومشاهدات الطبيعة واستخدام مفردات تدل على الحركة المناسبة.
ويجب أن نؤكد أن الصورة البصرية في القرآن تتمتع بثنائية التوضيح والتأثير معا، فلا يكون المشبّه به أو المستعار توضيحا زائدا، بل هما من صلب المعنى نفسه، وبهما
يتمّ هذا المعنى، وما أبعد القرآن عن توضيح شيء ثم تصويره.
وقد حاول القدامى أن يبرزوا أهمية المفردة المستعارة أو المشبّه به، فدلّوا على إقناع العقل، إذ حرصوا على ربط المستعار بالمستعار له، وتبيين وجه الشبه، وليتقربوا من أفهام القرّاء، ولا يعني هذا جفافهم وسكوتهم عن الأثر النفسي للصورة، وإن وجدنا إجمالا في بعض الأحيان، فهم احترزوا من
стр. 158
الشّطط والإسقاط النفسي الخاص لكيلا يخالفوا مقاصد الآيات.
وبعد التّطوف بجهود الدارسين توصلنا إلى الأمور الآتية:
١ - لفت معظم القدامى نظرنا إلى أهمية المفردة المجسّمة أو المشخّصة أو ما ينتزع من الطبيعة، وأبدوا إضاءتها للنص الكلي، وذلك من خلال بسط معنى المصطلح، وما استلهموه من خصوصية المفردة المصوّرة.
٢ - أدرك القدامى أن حسّية المعنى المصوّر تمثّل مرحلة أولى من التأثير، ومن ثمّ يتملّى المرء الأثر الوجداني، فحسّية تذوّق العذاب لا تقصد لذاتها، وكذلك حسّية الحالات الشعورية، فقد دلّت تطبيقاتهم على هذا، كما أثبتنا رأي ابن الأثير الذي يعدّ تنظيرا لما أكّده المحدثون، وهو يشبه رأي جويو الذي يقول: «حين يكون إحساس من الإحساسات اللذيذة القوية غير متّصف بالجمال، فمردّ ذلك إلى أن «الشّدة» المحلّيّة لهذا الإحساس تحول بطبيعتها دون «سعته» أعني انتشاره في الجملة العصبية، فينتج عن ذلك أن يستنفذ في منطقة معيّنة، ويتوقف في النقاط الأخرى، فتظلّ اللذة حسية محضة» «١».
فاللذة الحسية الخالصة ليست من معالم الجمال، وذلك مثل كثير من اللذائذ التي يحصل عليها المرء، وقد شهدت لنا الصفحات السابقة أن القرآن يخاطب الشعور بالصّور الحسية، وأن هذه الحسية واضحة جليّة وعميقة الفاعلية، خصوصا أن في القرآن فنا قوليا يترفّع عن الغاية الحسية الخالصة، وأنه كأي فن رفيع يتعامل مع الحواس العليا المؤدّية إلى المشاعر.
٣ - أدرك القدامى أن المفردة الحسية تصوّر الحالة الشعورية فتجسّمها، وتصور كذلك الحركة المشاهدة التي تتمخّض عن الحالة الشعورية، ولم يقف المصطلح القديم كالاستعارة والتمثيل والتخييل حاجزا يمنع من تبيين المدلول الفني فالنفسي، وقد أضاف بعض المعاصرين الكثير من المفردات المصوّرة للحركة، نذكر منهم سيد قطب.
٤ - استخدام القرآن الجماد، والنبات في الصورة الفنية، وهنا حاول القدامى
стр. 159
إبراز الأثر الوجداني للجماد والنبات، بعد توضيح جوانبهما ومغزى استخدامهما في الصورة.
ثم جاء المحدثون فوضحوا سمة الاستمرار في الطبيعة المنتقاة للصورة، وأضافوا إثارة التخيّل لدى التحليل الفني.
٥ - استخدام القرآن النبات فاقد الحياة لدى تصوير الكفار والمنافقين ليدلّ على جمودهم، واستعان بالجانب القبيح من الأحياء في تصويرهم، ليدلّ على انحطاطهم وبعدهم عن الطّبع البشري.
٦ - كانت غايتنا في تشخيص المفردات للجمادات إبراز تحلّيها بالصفات الآدمية، ولم نبحث في كيفية إدراك الجمادات، فنحن تلمّسنا جمال تغيّظ النار الدالّ على تشبيهها بالإنسان، ولم نقصد تبيين كيفية إسباغ الخالق عليها الإدراك، فمثل هذه المخلوقات: السّماء، النار، الرّعد .. عالم مستقلّ بكيفية شعوره وطواعيته للخالق، لذلك اقتصرنا على الجانب الفني.
وكانت المادة المدروسة عند القدامى أكبر منها عند المحدثين، لكثرة اهتمام القدامى بالمجاز والاستعارة اللذين لم يبعداهم عن التملّي الجمالي.
٧ - لقد فهم القدامى الأثر القوي للمفردات التي تصوّر الحركة القوية كالزلزلة والانقلاب، وكانت نظراتهم في الحركة البطيئة قليلة، وهذا ما أسهب فيه المحدثون، وأضافوا تصوير هذه الحركة بالتشكيل الصوتي.
وقد أضفنا بعض الشواهد القرآنية في هذا الفصل، لنؤكّد منهج الدارسين ونوضّحه.
стр. 160
الفصل الثالث إسهام المفردة القرآنية في الجمال السمعي
стр. 161
١ - الانسجام بين المخارج
فكرة الانسجام:
لا شك في أنّ قضية الانسجام فرع أصيل في خصائص الفن، ويشمل الفنون جميعها، كالرسم والنحت والشعر والموسيقا، ونجده في تفريعات هذه الفنون على اختلاف مذاهبها ومشارب أربابها.
ويلحظ في الانسجام أنه يتولّد من لقاء بين شيئين مختلفين، وهذه المقولة واردة على ألسنة الفلاسفة، والمنظّرين الجماليين منذ القدم، وقد أطلقوا على هذا الانسجام الذي يلائم بين شيئين مختلفين اسم «الوحدة في التنوع» فهو شرط أساسي من شروط الجمال، لذلك نرى الرسم الجميل قد تعاور لوحاته تناوب الألوان الغامقة والألوان الفاتحة، وفي إيقاع الفن السّمعي هنالك العلوّ الذي يتبعه انخفاض يدعى ب «القرار».
ولذلك حبّذ الفلاسفة شكل المستطيل قديما، لأنه خير شكل هندسي معبّر عن الوحدة في التنوع، فهو يتكوّن من طول وعرض مختلفين متكررين، وخير مظهر لهذا الانسجام شكل الإنسان الذي خلق في أحسن تقويم «١».
وفائدة هذا المعيار الجمالي أنه معمّم، ولا يبعث حكمه الشكّ في النفس، لأنه موضوعي، وهذا ما يدعى في التراث العربي بالتلاؤم، إذ يختص ببينة المفردة فقط، على خلاف من المعاظلة التي تعني تنافر الكلمات بعضها مع بعض، وعلى خلاف أيضا من مصطلح الانسجام الذي يعني مجيء كلمات على أوزان معروفة، يقترب وزنها من أوزان بحور الشعر، وقد استشهدوا على ذلك بقوله : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ «٢»، وكذلك قوله تعالى:
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ «٣» وقوله: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا
стр. 162
مِمَّا تُحِبُّونَ «١».
فواضح أن الآية الأولى قريبة من بحر الرّمل، وأن الثانية قريبة من البحر الكامل. وتمثل الآية الثالثة أربع تفعيلات من بحر الرمل فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن، وهذه التسمية موجودة مثلا في كتاب بديع القرآن، وكتاب الفوائد» «٢».
وهي نظرة منهم غير مقبولة إذ لا يخلو أي كلام من تفعيلات البحور الشعرية، ثم إن الموسيقا الداخلية لنسق القرآن في غنى عن التفعيلات.
وقد جاء في تعريف الانسجام في النقد ما ينطبق على فكرة التلاؤم، كما جاءت عند علمائنا القدامى، يقول حامد عبد القادر: «أصحاب المذهب الموضوعي يرون أن منشأ الجمال هو الاتساق والانسجام في الألوان والأشكال والأساليب والنّغمات، سواء أكان ذلك الانسجام طبيعيا أم صناعيا، وأساس الانسجام هو الوحدة مع التّعدّد، أي اجتماع عناصر مختلفة وائتلافها بحيث تكون وحدة مترابطة الأجزاء متناسقة العناصر» «٣».
ويحسن هنا أن نبيّن جذور فكرة الانسجام قبل أن نصل إلى ابن سنان، فقد نظر الجاحظ إلى اللغة العربية، ووجد أنّ جمال الانسجام يتجلّى في شكلين:
في انسجام الكلمات فيما بينها، وفي انسجام حروف الكلمة الواحدة، يقول:
«ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض استكراه، فمن ذلك قول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج .. وكذلك حروف الكلام وأجزاء الشعر من البيت تراها متّفقة لمسا، ولينة المعاطف سهلة، وتراها
стр. 163
مختلفة متباينة، ومتنافرة مستكرهة تشقّ على اللسان وتكدّه» «١».
وهذا يعتمد على طبيعة حروف الكلمة التي تتّفق، أو تختلف مع حروف الكلمة المجاورة، ثم يقول الجاحظ: «فهذا في افتراق الألفاظ، فأما افتراق الحروف، فإنّ الجيم لا تقارن الظّاء، ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا تأخير، والزاي لا تقارن الظّاء ولا السّين ولا الضّاد ولا الذّال بتقديم ولا تأخير» «٢».
وهذا يدل على أن العرف اللغوي المعتاد يندر فيه الثّقل الناجم عن تنافر بين المخارج، وذلك لأن مخرج الجيم بين اللسان وبين الحنك الأعلى، ومخرج الظاء بين أطراف الثّنايا وبين طرف اللسان، ومخرج القاف أوّل الحلق، ومخرج الطاء طرف اللسان، وأصول الثّنايا، فالمخارج متقاربة.
ويبدو أنّ هذا الاستهجان للثقيل الوعر كانت له دواعيه الناتجة عن استيفاء علماء اللغة قديما لمفردات كلّ القبائل، مما جعلهم يقعون على رصيد لا بأس به من ألفاظ وعرة خشنة، فجاء الأدباء لينفّروا الناس منها.
وبعد أن بيّنا وفق نظرة الجاحظ أن الذوق السليم يميل إلى سهولة المخارج، لا بدّ أن نتعرض لما ذكره الرماني، فما ذكره جدير بالانتباه، لأنه دلّ على سهولة المخارج في القرآن بشكل خاص، يقول: «والسبب في التلاؤم تعديل الحروف في التأليف، فكلّما كان أعدل كان أشدّ تلاؤما، وأما التنافر فالسبب فيه ما ذكره الخليل «٣» من البعد
الشديد أو القرب الشديد. والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبّل المعنى له في النفس، لما يرد عليها من حسن الصورة، وطريق الدّلالة» «٤».
стр. 164
ويعدّ الرماني المنظر الأول لهذا الفن في القرآن، إذ سبقه الجاحظ بالنّظر في سياق المفردات بشكل عام، ولم يخصص كلامه حول القرآن، وهو يحيلنا كما نرى إلى القرن الثاني الهجري الذي كان فيه الخليل قد تعمّق في الثقافة الموسيقية، واكتشف البحور الشّعرية، ووضع معجمه على أساس صوتي.
ويبدو جليا أن هذه النظرة الحسّيّة في تلقّي الصورة الصّوتية يواكبها بيان واضح للأثر النفسي، فالنّفس لا تميل إلى المتنافر، وكأنه يغلق أبواب الفهم، فتصعب ترجمة الدّلالة.
بيد أنّ الرماني لم يدعم كلامه بالشواهد القرآنية وغير القرآنية في هذا المجال، وهذا يعود لصغر حجم رسالته، ولإدراكه تصديق هذا الكلام بمجرّد سماع الآيات القرآنية، فكلّ القرآن الكريم دليل على صحّة نظريّته، حيث لا تثقل كلمة واحدة فيه على اللسان والأذن.
وملاحظته هذه وليدة التدبّر العميق للقرآن، وتفهّم طبيعة اللغة العربية البليغة التي تستعمل، بله اختيار القرآن الكريم.
إذن فقد فسّر الجاحظ جوانب الوعورة والخشونة والتقعّر في العربية، بينما دلّ الرماني على سهولة المخارج في القرآن بشكل خاص، فكلاهما يقدم تفسيرا مقتضبا لمفهوم الوعورة وغيرها، وفي هذا يقول محمد زغلول سلام:
«ملاحظة الرماني لصلة الجمال اللفظي بسهولة حركة اللسان جديرة بالإشارة، إذ خرج الرماني عن حدود الأقوال إلى التجربة والملاحظة، وقديما ذكر اللغويون اللفظ الوحشي، واللفظ الوعر، ولم يذكروا سببا للوحشيّة ولا للوعورة» «١».
والحقّ أنّ الرماني قدّم تفسيرا، ولم يصل إلى نطاق التجربة، ولم يتغلغل في ماهيّات أصوات القرآن، وكأنّه اكتفى بالأمثلة الحافلة التي قدّمها غيره حول الثّقل، لأنّه كتب رسالة مختصرة.
стр. 165
ولعلّ الرمانيّ لحظ أن اللغة المستعملة تكاد تخلو من الثّقيل، وما يحمد له أنّه فتح بابا لجمال المفردة الصوتي من حيث بيانه لتلاؤم المخارج في مفردات القرآن، ولعله تأثّر بدراسة الخليل الصوتية في معجمه «العين»، ليصل بنا إلى أن جمال النّطق يكمن في سهولته، وهذا ما يشهد به علم الجمال في عصرنا، إذ يردّ قيمة الجمال الصوتي في الكلمة إلى رشاقة الحركات، والاقتصاد في الجهد العضلي عند النّطق «١».
ومما يضاف أنّه لم ينس علاقة النّفس بالشيء المسموع، فالأذن منفذ إلى النّفس، وما يثقل سمعه تنفر منه الأذن ثم النفس.
ويبدو أن الوحشي كان ثقيلا على الأذن، فرفضه الذوق اللغوي، ثم صار هذا الذوق قانونا ينفّر من الغريب، لعدم استعماله في المجتمع، ولاتّصافه بالثقل مثل كلمة جلفاط بمعنى لوح، وبعاق: أي بمعنى مزنة وهنا لا بد من شرطين:
١ - تلاؤم المخارج من حيث تلاؤم صفات هذه الحروف الناتجة عن المخارج.
٢ - سلامة المفردة من الثّقل من خلال تشكيلها الداخلي، إضافة إلى طبيعة حروفها. وكل هذا نحتكم فيه إلى معيار حسّي هو السّمع، وسيتضح في عرضنا لنظرات الدارسين.
نظرة ابن سنان:
وضع ابن سنان الخفاجي أسسا فنية لفصاحة المفردة، وبالغ في تعميمها، وذلك في بداية كتابه، فكان الأساس الأول تباعد المخارج، ويبدو أثر الفلسفة الفنية جليا في عبارته، يقول: «الأول أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج، وعلّة هذا واضحة، وهي أن الحروف التي هي أصوات تجري في السّمع مجرى الألوان من البصر، ولا شكّ أن الألوان المتباينة إذا جمعت كانت
стр. 166
في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة» «١».
وفكرة الوحدة في التنوع واضحة هنا، لكنه لا يستشهد بالقرآن، بل يربط هذا الأساس بشيء آخر، وهو ترتيب الحروف في الكلمة بما يناسب جهاز النطق بدءا من الحلق حتى الشّفاه، ويستشهد لهذا بكلمات جذرها عذب، إذ يقول: «فإنّ السامع يجد لقولهم العذيب اسم مكان، وعذيبة اسم امرأة، وعذب وعذب وعذبات وليس سبب ذلك بعد الحروف في المخارج فقط، ولكنّه تأليف مخصوص مع البعد، ولو قدّمت الذّال أو الباء لم تجد الحسن على الصّفة الأولى في تقديم العين» «٢».
وكأن الأمر مجرّد استحسان «عذب» لبدء الحلق بنطق العين، ثم نطق الذّال بين الأسنان وبين الثّنايا، ثم نطق الباء في الشفاه، وهذا النظام لا يطّرد بالتأكيد في كل المفردات، فكلمة «جمع» فيها عودة من الشّفاه إلى الحلق.
وإذا كان استشهاده جزئيا، وكانت نظرته مبتورة في مجال الكلمة العامّة، فإن المفردة القرآنية لا تحظى بتحليل، بل يكتفي بأن يعترف لها بالتلاؤم والسّهولة، كما اعترف بهذا للسان العربي القديم، ويظنّ أنّه خشي مزالق نظرته إن طبّقها على المفردة القرآنية، فتنكشف له تمحّكاتها، وفذلكتها.
ومما يستغرب هنا أن يظنّ شوقي ضيف أنّ ابن سنان نهل من علم التّجويد هذه اللمسات الصوتية الرائعة، وبالرغم من ذلك فإننا لا نجد خاصية بالصوت القرآني، أو معيارا لغويا صحيحا، يقول شوقي ضيف: «وأكبر الظّن أنه انتفع في ذلك كلّه مما كتبه علماء تجويد القرآن من مباحث قيّمة» «٣».
ومما يؤكد عدم استفادته من علم التجويد، أنه لم يدرك تماثل مخرجين وتقاربهما في حالة إدغام حرف بحرف، ونحن لا نتصور أن ابن سنان يجهل تقارب المخارج بل تماثلها في الإدغام، لكنه تجاوز هذا الواقع اللغوي لإقرار الجميع بعدم ثقله.
стр. 167
ولم يأخذ دارسو الإعجاز في عصرنا برأي ابن سنان في جمالية تباعد المخارج، وقد أشاروا إلى سهولة المخارج في القرآن، بينما ردّوا عليه بأقوال عامة مثل قول البيومي في «البيان القرآني»: و «إذا كان من أسباب الغرابة البلاغية ثقل النّطق كما مثلوا لذلك قول القائل: «تكأكأتم عليّ فافرنقعوا» مما اقتربت فيه مخارج الحروف إلى حدّ يدعو إلى الثّقل، فليس في القرآن إلا ما هو سهل المخرج من الألفاظ» «١»، وهذا الكلام يحتاج إلى تطبيق عملي.
وإذا كنا نوافق على نظرة ابن سنان، ونعترف في الوقت نفسه، وبلا تمحيص بسهولة نطق القرآن، فإننا لا نفهم سرّ السهولة في كلمات تكرّر فيها الحرف نفسه، وليس التقارب فقط، وهكذا يمر المرء بالمخرج مرّتين في كلمة واحدة، ومثل هذا في قوله : ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ «٢»، حيث يوجد كافان، وقوله عن الحيوانات: أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ «٣»، وقوله: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ «٤»، وعلى لسان مريم العذراء ﵍: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «٥» فقد تكررت السين.
وإذا كان التّكرار في ذهن ابن سنان مجرّد صوت واحد، فهناك أمثلة كثيرة من القرآن حول التقارب بين المخارج، ومن ذلك لقاء القاف والكاف في قوله : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ «٦».
نظرة ابن الأثير:
لعلنا نجد في ردّ ابن الأثير على الخفاجي ما يكون مرتكزا لنا في رفض جمالية تباعد المخارج، خصوصا أن ما أوردناه من آيات لا تسير وفق بعد العين
стр. 168
عن الذال والباء، كما أراد، وقد بين ابن الأثير ردّه من خلال مفردات اقتربت فيها المخارج، وعلى الرغم من ذلك لا ينفر منها السّمع، ومعياره ذوقي خاضع للتّجربة الحسّية المستوفية: «إن حاسّة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ما يحسن من الألفاظ، وقبح ما يقبح .. على أن هذه قاعدة شذّ عنها شواذّ كثيرة، لأنّه قد يجيء في المتقارب المخارج ما هو حسن رائق، ألا ترى أن الجيم والياء والشين مخارج متقاربة، وهي في وسط اللسان بينه وبين الحنك، وتسمّى ثلاثتها الشّجريّة، وإذا تركّب منها شيء من الألفاظ جاء حسنا رائقا، فإن قيل: جيش كانت لفظة محمودة» «١».
ويستشهد ابن الأثير كذلك بلفظة «بفم» لكونها مركبة من ثلاثة أحرف شفوية، إلا أنّه يتبع ابن سنان في جمال التّرتيب، فيقبّح ملع، ويستحسن «علم»، لأنّ مخرج العين الحلق، ومخرج الميم الشفاه.
وتصديقا لردّ ابن الأثير نورد كلمات قرآنية مثل «استجيب، أجيبت، أجيبوا، وغيرها وكلمة «جيدها» في قوله تعالى: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ «٢»، والجيم والياء مخرجهما بين اللسان وبين الحنك الأعلى إلا أنّ حرف الياء حرف ليّن رخو، والجيم شديد، وكذلك حرف الشين مهموس والجيم مجهور «٣».
فثمّة تلاؤم من جهة أخرى، نقصد بذلك صفات هذه الحروف من حيث الشّدة والرّخاوة، والجهر والهمس، وهذا ما لم ينتبه إليه كلّ من ابن سنان وابن الأثير «٤».
إن هذه الجمالية الصوتية، لم يتناولها الكثير، فلم تحظ بأدنى اهتمام لدى الدارسين بعدهما، إلّا ما أشار إليه الزّركشي بصدد ذكره للآية: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ
стр. 169
إِلَيْكَ «١»، ولم يهتم بهذا على الوجه الذي ابتغاه ابن سنان، إن هي إلا إشارة واحدة في كتابه، يقول: «قد يقال كيف توخّى حسن الترتيب في عجز الآية دون صدرها؟ والجواب أن حسن الترتيب منع منه مانع أقوى في صدر الآية، وهو مخافة أن يتوالى ثلاثة أحرف متقاربات المخرج، فلذلك حسن تقديم المفعول الذي تعدّى الفعل إليه بالحرف على الفعل الذي تعدّى بنفسه» «٢».
وإذا كان مخرج الياء يبتعد عن مخرجي الطاء والتاء، فإنّ النغمة الصوتية للطّاء تظلّ مختلفة عن نغمة التاء، فالطّاء حرف مجهور، والتّاء حرف مهموس، وإشارة الزّركشي هذه تنفي الولاء لنظرة ابن سنان في الوقت نفسه، والسبب- كما يبدو لنا- وهاء الحجّة.
اتخذت هذه الجمالية سيما الإيجاب لدى الرمّاني وابن سنان، وسيما السّلب لدى ابن الأثير، ولكنّ رفض هذا الأخير ضلّ عالقا بمعيار الذوق، ولم يؤطّر بمنطق العلم.
وفي العصر الحديث يؤكّد الرافعي مسألة الانسجام، ليس بين الحروف فقط، بل بين صفات هذه الحروف، فالعذوبة عنده: «لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشّدة والرّخاوة، والتفخيم والترقيق، والتفشّي والتّكرير» «٣».
وتأكيدا لهذا الانسجام الذي ندعو إلى منهجه مع الرافعي، نذكر قوله تعالى:
وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ «٤»، فالطّاء حرف إطباق شديد، واستعلاء وجهر، أمّا الشين فهو حرف همس ورخاوة وانفتاح، إنّه انسجام بين الصّفات.
وإذا كان حرفا النّون والرّاء متقاربين مخرجا لخروج النون من طرف اللسان والثّنايا، والرّاء كذلك مخرجه أول طرف اللسان والثنايا، فإنّ كليهما من حروف الذّلاقة، والتأليف بينهما أسهل من التأليف بين الحروف المصمتة،
стр. 170
فليس من القبح أن نقرأ في البيان القرآني الأعلى مثل: «نريك، نرى، لنريه، نريهم» وكلا الحرفين بين الشّدة والرخاوة، فكثيرا ما ينفرد الراء ذلك الحرف المتكرر، فيصبح قويا عنيفا، وكذلك النّون، إلا أن النّسق الموسيقى في المفردات السابقة بوساطة الحركات يجعل للسمع وفي النطق لذة، يقول : لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا «١»، وقوله: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً، وَنَراهُ قَرِيباً «٢»، والشواهد كثيرة.
إضافة إلى إشارتنا إلى أن المعوّل عليه طبيعة النّغمة الصوتية للحرف نفسه، فتفسير الأمر من جهة عضوية محضة لا يكون محقّا في تفسير الحالة الخارجية للصوت بعد خروجه من أعضاء النطق.
ولهذا يتبيّن لنا أنّ أساس الانسجام هو في صفات الحروف، إذ تنقسم إلى صفات كثيرة مثل: شديدة ورخوة، ومجهورة ومهموسة، وحروف صفير واستعلاء وقلقلة وغيرها «٣».
ويمكن أن نعطي للتنافر المنبوذ بعدا آخر غير عدم الانسجام، وهذا البعد يتمثّل في الجهد العضلي لجهاز النّطق عند لفظ أصوات بعينها متقاربة، ولا يحصل هذا في كلّ مقام، ولا يطّرد في كل كلمة، وفي هذا الصّدد يقول عبد المجيد ناجي: «يمكن تفسير تنافر حروف بعض الألفاظ، والإحساس بثقلها على اللسان، ونفور النفس منها، خصوصا إذا كانت متقاربة المخارج، بأن النّطق بحروف متقاربة المخارج، يعني الإلحاح على مجموعة معيّنة من العضلات دون سواها، لإخراج أصوات اللفظة المطلوبة،
وهذا يؤدي إلى إحساسها بالتّعب «٤».
وإذا كان هذا لا يحصل في كل تقارب، فإنّنا نستطيع القول إن النقد الحديث يعترف بشكل جزئي بنظرة ابن سنان، إلا أنّه يقدّم مقياس الذوق
стр. 171
السمعي، كما هو الحال عند ابن الأثير، كأن يتلو السّين حرف الشين، وكلاهما مهموس ومخرجهما واحد، فتتعب عضلات النّطق في إخراجهما متتاليين، وهنا يتضح لنا أن الغرابة يقصد بها عدم تآلف السّمع مع أصوات كلمة ما، فينبذ هذا التشكيل.
وإذا عدنا إلى بعض مفردات القرآن الكريم التي ورد فيها حرفان متماثلان مثل السين في الآية السابقة: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «١» وكلمة «سلككم»، وكلمة «أمم» نجد أن السّين الأولى في «يمسسني» مفتوحة والثانية ساكنة، والكاف الأولى في «سلككم» مفتوحة والثانية مضمومة، والميم الأولى في «أمم» مفتوحة والثانية مضمومة، ونؤكّد السهولة في كلمة «رزقكم» من خلال أن نغمة القاف غير الكاف بالرغم من وجود الضمة على الاثنين.
ويقول إبراهيم أنيس في أهمية الحركات في هذا المقام: «لمعرفة ثقل الحروف في تواليها يجب أن نذكر دائما أن المجاورة بين الحرفين، يجب أن تكون مباشرة، فلا يفصل بينهما بحرف أو بحركة» «٢»، وهذا غير موجود في العربية.
لقد كان يجدر بمن تناول هذه الجمالية، وحكّم بعد المخارج في الألفاظ القرآنية وغيرها، أن ينتبه إلى أن اللغة العربية المستعملة، أو كما يقال «الكلام» العربي- وهو الجزء اليومي المستخدم والمنتزع من المخزون اللغوي الكلّي- كان يميل إلى الصّفاء، والبعد عن الوعورة، وهذا ما ورد على ألسنة فصحاء العرب، فكيف إذا تأكدنا من أن كلمات القرآن الكريم انتقائية صوتية مهذّبة من لغات القبائل العربية، وأكثرها من قريش، فقد أخذ القرآن ما كان نافعا، ونبذ ما كان زبدا.
وعلم اللغة الحديث يؤكّد أنّ اللغات جميعها، قلّما تشتمل على أصوات متنافرة، يقول إبراهيم أنيس: «إن اللغات في أحدث صورها تكاد تخلو من المجموعات الصوتية المتنافرة التي تتعثّر في نطقها الألسنة، مثل الكلمات التي
стр. 172
يصفها علماء البلاغة بتنافر الحروف مجتمعة كالهخع ومئتشزرات» «١».
ثم ما الذي يدعونا إلى تصور قلب كلمة علم وعذب إلى العكس لنجد قبحا لا سبيل الآن إلى وجوده، وذلك ما دمنا قد عرفنا «علم» ولم نعرف «ملع» ويبدو أن هذه الخاصية كانت من دواعي التّرف الذهني والتعلّق بالشكل، كما هي الحال في مسألة طول الكلمات كما سنجد.
لقد استطاع ابن الأثير بما ذكر من أمثلة أن يبطل نظرية ابن سنان، إلا أن الأمر ظلّ يفتقر إلى لمسات الرافعي الذي يبني نظرته على صفات الحروف، وهذا وليد التدبر العميق للكلمات القرآنية، مما يكشف جماليات موسيقية، ولم يعتمد الذوق الشخصي، بل حكّم طبيعة الحروف.
وإن القراءة الدقيقة لآيات القرآن الكريم تؤكد أنّ السهولة نابعة من الانسجام، ولا يقتصر هذا الانسجام على تباعد المخارج، بل هناك الحروف والحركات، وصفات الحروف هي المعوّل عليه هنا، وإن الانسجام يحصل بين تلاقي هذه الصفات، وليس بين مخارجها قبل النّطق بالحرف.
ويبدو أن الذوق الفطري كان عند الجاحظ هو الذي يرفض التنافر، لنبوّ المسموع على الآذان، ولم يخطئ هذا الذّوق الفطري، الذي ارتبط لدى الدارسين بعده بما أفادوه من الثقافة الصوتية السابقة، مثل ما جاء في مقدمة كتاب العين، وبداية سر صناعة الأعراب لابن جني، إذ درس الخليل مخارج الأصوات، وكذلك صنع ابن جني، وراح يشبّه المخارج بالناي، وهذا مما ينظر إليه بإجلال، إلا أن ما أفاده البلاغيون من هذه الدراسات لم يكن لائقا أحيانا.
ونحن نقول هذا مع إقرارنا التام بأن القرآن نفسه كان حافزا قويا على الدراسات الصوتية التي تهدف إلى تجويد نطق القرآن، وإلى حسن أدائه «٢».
стр. 173
٢ - المفردات الطويلة في القرآن
- نظرة ابن سنان:
لفت نظر ابن سنان وجود كلمات طويلة، كثيرة الأحرف في الشعر العربي، فراح يتّخذ من طولها مقياسا لقبح المفردات، فاستهجن ما يطول من الكلمات في الشّعر، وهذه الخاصية الفنية جزء من الفصاحة المتعلقة بالنّظم الموسيقى بشكل عام، وهذا الجنوح للتفتيش عن كلمات طوال يبدو أنّه من دواعي التعلق الشّكلي بالمفردات.
والمفردة تتخذ بعدا بصريا في حجم المشهد الذي ترسمه، كما أنها تتّسم بحيّز زمني متعيّن في عدد مقاطعها، وقال برتيليمي: «وقد عرّف أو غسطين الموسيقا بأنها علم الحركة، والحركة تضم الزمن إن هي ضمّت فكرة العدد» «١».
ومن خلال هذا التعريف صار بالإمكان إطلاق اسم «التنسيق الزمني» «٢» على هذه الخاصية، من حيث إن عدد المقاطع شبيه بالسلّم الموسيقى.
بدأت تظهر بذور هذه الفكرة لدى ابن سنان الخفاجي الذي خصّص في كتابه «سرّ الفصاحة» بابا لجمال المفردة، وآخر لجمال التركيب، وكأنّما كانت سعة الباب الأول المتعلق بالمفردة تسمح له بدراسة هذه الخاصية الدّالة على ترف ذهني، وهذا طبيعي في كتاب يدرس المفردة، ويقسم جماليتها إلى عشرة أقسام، فلا ضير في وجود قسم لطول الكلمات، تنثر فيه تمحّلات وتعليلات، القرآن الكريم غنيّ عنها، وهو يدرس هذا في مجال الأدب فقط، ورأينا أن ندرسها لاستكمال البحث، ولاكتشاف معالم جمالية فيها.
فالقسم السابع من فصاحة المفردة أن تكون قليلة الأصوات، يقول ابن سنان: «والسابع مما قدّمناه، أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف، فإنّها
стр. 174
متى زادت على الأمثلة المعتادة قبحت، وخرجت من وجوه الفصاحة» «١».
- نظرة ابن الأثير:
وإذا كان ابن سنان يعيب طول الكلمات، فإنه لا يرجّح جماله في القرآن، وقد أشار ابن الأثير إلى جمال طول مفردات القرآن كما سنرى، وحدود الجمال لا تظهر عنده بذكر عدد الأحرف في المفردة، بل يستهجن ما جاء في بعض الشّعر، وكأنه يرى أنّ طول النّفس في نطق معنى يسبّب جهدا عضليّا لأعضاء النّطق يصحبه ملل غير خفيّ، والحقّ أنّ سماع كلمات القرآن ينفي هذا.
وإذا استطلعنا بعض الآيات الكريمة وجدنا مفردات ذات أحرف كثيرة، مثل: «نستدرجهم» من قوله : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ «٢»، و «نلزمكموها» من قوله عن عناد قوم نوح ﵇ ورفضهم للإيمان: أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ «٣»، وكذلك قوله: وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ «٤»، وكلمة «أسقيناكموه» من قوله تعالى عن المطر: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ «٥» وفي قوله تعالى على لسان فرعون مهدّدا: لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ «٦»، وغيرها من الكلمات الطوال، فإنّ هذا يدحض نظرية ابن سنان.
لقد نظر ابن الأثير إلى مثل هذه الكلمات، وراح يفنّد رأي ابن سنان، وعدّها سلاحا ماضيا لنسف رأيه، وتلمّس جمالها في القرآن من خلال ردّها إلى الأصل الثّلاثي، وإذا طبّقنا رأيه قلنا: إن الأصول الثلاثية هي صلب، سكن، سقى، لزم، درج، وهي أصول مجردة، وكذلك بعض الأصول الرباعية، فالمعيار صرفي لا علاقة له بقضية انسجام المقاطع الصوتية، وسهولة نطق الأصوات، وهو يتبع خطا ابن سنان في استهجان الكلمة الطويلة في الشّعر،
стр. 175
ولا يرى هذا في القرآن، لذلك يذكر بيت أبي الطيب:
إنّ الكرام بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها
«١» ولا يحبّذ كلمة «سويداواتها»، إذ يقول عن ابن سنان: «وقال: إنّ لفظة «سويداواتها» طويلة فلهذا قبحت، وليس الأمر كما ذكره، فإن قبح هذه اللفظة لم يكن بسبب طولها، وإنما لأنّها في نفسها قبيحة، وقد كانت منفردة حسنة، فلمّا جمعت قبحت لا بسبب الطّول، والدّليل على ذلك أنّه ورد في القرآن الكريم ألفاظ طوال، وهي مع ذلك
حسنة كقوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ «٢»، فإن هذه اللفظة تسعة أحرف، وكقوله تعالى: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ «٣»، فإن هذه اللفظة عشرة أحرف، وكلتاهما حسنة رائعة، ولو كان الطول مما يوجب قبحا لقبحت هاتان اللفظتان، وليس كذلك» «٤».
فهو يرفض ما ارتكز عليه ابن سنان في فصاحة المفردة، ويستمدّ هذا الرفض قوّته من وجود طوال الكلمات في القرآن، وهو في بداية كلامه يعبّر عن سمة القبيح بذاته في مفردة أبي الطيّب، مما لا يحتاج إلى سبب، وكشف مزايا، ويعبّر عن الجميل بذاته في جمال طوال الكلمات القرآنية، ولهذا يحاول قدر المستطاع الاستناد إلى معيار به يقبل، وبه يرفض، فيقول: «ألا ترى أنه لو أسقط من لفظة «سويداواتها» الهاء والألف اللتين هما عوض عن الإضافة، لبقي منها ثمانية أحرف، ومع هذا، فإنّها قبيحة، ولفظة «ليستخلفنّهم» عشرة أحرف، وهي أطول منها بحرفين، ومع هذا فإنّها حسنة رائعة، والأصل في هذا الباب ما أذكره، وهو أنّ الأصول من الألفاظ لا تحسن إلا في الثّلاثي، وفي بعض الرباعي، كقولنا: عذب وعسجد، وأما الخماسي فإنه قبيح» «٥».
وقد تدارك الأمر فنبذ تقويم الجميل بذاته، والقائم على المثالية الغامضة، وراح يقرّر الجمال الموضوعيّ الذي يتعيّن في نسب المادّة وشكلها، وهذا
стр. 176
الجمال الموضوعي- كما نرى- يتّصف بالكمّ، ولا يتّصف بالماهيّة، فعدد الحروف هو المعيار، وليس أنواعها.
ويجب أن نقول: إنّ علاقة القارئ أو السامع بالكلمة كما يجدها، ومن التّعسّف إحالته إلى الأصل، ثلاثيا كان أو رباعيّا، فإنّ هذا لا يعدّ تبريرا لطول النّفس معها، فما شأن القارئ أو السامع بكون الجذر الأصلي للكلمة «خلف»؟، لذلك نرى أنّ موضوعية ابن الأثير غير مقنعة، كما أن سطحيّة ابن سنان مجحفة، وكأنّما الأمر مجرّد كمّ لا كيفية ولا نوعيّة.
ويبدو أن جمال كلمة «ليستخلفنّهم» له وجه آخر يتّضح من وجود السين، والخاء الساكنتين، وهما من حروف الهمس، وهذا هو سرّ فصاحة الكلمة.
وإذا كان ابن الأثير يعوّل في هذا الأمر على جذر الكلمة، ولا يحتكم إلى الذّوق على جاري عادته في كثير من صوتيات القرآن، فإن هذا الاحتكام إلى الذوق المبهم يتكرر لدى يحيى العلوي الذي خصّص صفحات مطوّلة لفصاحة المفردة أيضا، إذ يقول: «والتّعويل في ذلك على الذّوق، فإنّها ربّما كثرت الحروف، وهي خفيفة على اللّسان، كقوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وكقوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ «١».
ومفهوم الخفة يبدو غامضا، وكثيرا ما قرنوه بالعذوبة، لذلك يبقى هذا التفسير بحاجة كبيرة إلى التوضيح، فلا نعرف إن كانت الخفّة في التشكيل الصوتي الكلي للكلمة أو في طبيعة الصوت بمفرده.
ويبدو لنا أنّ قبح كلمة «سويداواتها» ينتج عن ندرة استعمالها في صيغة الجمع، واطراد استعمال المفرد منها «سويداء»، وهذا الاضطرار الموسيقى في إحكام الوزن الشّعري الذي يخلّف كثيرا من الحشو، عادة لا يكون في نسق القرآن الكريم، ويضاف إلى هذا أن تكرار الواو والمدّ معا قد يعطي النّطق مدّا جبريّا، وصعودا شاقّا، فالقبح في الشّكل والمضمون معا.
والجدير بالذكر أنّ الأسلاف لم يلتفتوا إلى دراسة هذه الخاصيّة، ولم
стр. 177
يعيروها انتباههم، إلّا ما كان من هؤلاء الثلاثة: ابن سنان وابن الأثير ويحيى العلويّ، وباقي أبواب الفصاحة تكاد توجد في كل الكتب التي تبحث في البلاغة.
وسبب ضالة هذه المادة- فيما نرى- هو ضعف الحجّة عند من يتصدّى للبحث فيها، وثمّة سبب آخر فقد تراءى لهم عيب التعلّق الشكلي غير المجدي بهذا الفنّ، وعدم جدواه في البلاغة القرآنية.
وقد كان يجدر بمن درس طول الكلمات القرآنية التي ذكرناها، أن يهتمّ بالدّلالة الصّرفية، وقيمة الاختزان للمعاني الكثيرة في بنية كلمة واحدة، وأن يلتفت إلى تجسيم شكل الكلمة للمعنى المبتغى، فإن لفظة «سنستدرجهم» توحي بطول المدّة مدة عدم انصياعهم، وخصوصا في صيغة «استفعل» ففيها تصيير لهم، وحركة جعلية متمهّلة، وهذا ما يوحي به توالي المقاطع وتعدّدها مما يجسّم طول فترة الغفلة التي يكون فيها الكافرون، وفي هذا المعنى تقول روز غريب: «والألفاظ التي يشبه لفظها معناها: ذات الأصوات الممتدة التي توحي بالطّول والسّعة، والقصيرة التي توحي بالخفّة والسّرعة، وتلك التي بأصواتها تعبّر عن القوة النّشاط، والهدوء أو الخشية والاضطراب، والألم والعياء، أو النّعومة والتّرف» «١».
ونستطيع أن نتلمّس جمال كلمة «أنلزمكموها» بألا نسير وفق نظرة القدامى، فلا نقف عند عدد حروفها، إلّا فيما يتعلّق بالمضمون، ففيها سمة الاختزان، لأن صيغتها تعني
وجود مفعولين، وكأنّما أضمر هذان المفعولان لموافقة نبرة الغضب التي تتطلّب السّرعة، والمفعولان هما الكفّار والآيات، وكذلك يضمر مفعولان في كلمة «فسيكفيكهم» وكأنّ غرابة استعمال الكلمة على هذا الشّكل يمثّل غرابة الموقف الإلهي من البشر، فإنه لا يجعل الإيمان فعلا قسريا كالتّنفّس والنّوم، مما ينفي إرادة البشر، ويحطّ من كرامتهم، ومن ثمّ يبطل الثّواب، إذ لا ثواب على فعل التّنفّس مثلا، ويكون للتنفس والنوم ثواب إذا قصد بهما مواصلة العبادة، ومن هذا ثواب الطعام الذي يقصد به التقوّي على إقامة العبادة والنّسك الربانية. فالإيمان محض اختيار،
стр. 178
لأنه أرقى من سائر التصرّفات البشرية.
ولو أنهم ردّوا جمالية كلمة «ليستخلفنّهم» إلى أمر التوكيد باللام والنون، وسمة الهيمنة النابعة من الضّغط على السين والخاء لكان أجدى، وكذلك فإن هناك وقوفا على حرف شديد، وهو الميم، وكذلك زيادة التوكيد الدالّ على التعجرف والثّقة العمياء بالنّفس في صيغة كلمة «لأصلّبنّكم»، والتوكيد باللام ونون التوكيد معا.
لقد فسّرنا ضآلة عدد الدارسين القدامى في هذا المجال بظهور التعلّق الشّكلي، وضعف الحجّة، وهذا ينطبق على الدراسات الأدبية الحديثة للقرآن، فلم يذكر طول الكلمات إلا الرّافعي، وهو لا يسفّه رأي سابقيه، ولا يدلّل على عدم جدوى هذا البحث، بل يقدّم تبريرا آخر لم ينتبه إليه السابقون.
وكأنّ سكوت القدامى عن الدلائل المضمونية لطول الكلمات جعل مفتاحا لنظرة الرافعي الصوتية إلى هذا الأمر، إلّا أنّ هذه النظرة لا تتّسم بالغموض وإطلاق عبارات مثل الخفّة والرّشاقة، وإن كانت واضحة الدّلالة لدى معاصريهم، بل تتّسم بموضوعية واضحة جليّة المعالم.
يقول الرافعي: «وقد وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع مما يكون مستثقلا بطبيعة وضعه أو تركيبه ... إذ تراه قد هيّأ لها أسبابا عجيبة من تكرار الحروف وتنوّع الحركات، فلم يجرها في نظمه إلا وقد وجد ذلك فيها، كقوله: «ليستخلفنّهم في الأرض» «١»، فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف، وقد جاءت عذوبتها من تنوّع مخارج الحروف، ومن نظم حركاتها، فإنّها بذلك صارت في النّطق كأنّها أربع كلمات، إذ تنطق على أربعة مقاطع، وقوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ «٢»، فإنها كلمة من تسعة أحرف، وهي ثلاثة مقاطع، وقد تكرّرت فيها الياء والكاف، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها» «٣».
стр. 179
ومما يسترعي الانتباه، ويؤكّد عدم اهتمام الدارسين بهذا الأمر أنّ ابن الأثير ثم يحيى العلويّ، وأخيرا الرافعيّ لم يذكروا غير هذين الشاهدين، أحدهما بعشرة أحرف، والثاني بتسعة أحرف، مع أن الكلمات ذات الأحرف العشرة، كثيرة في القرآن، وقد ذكرنا بعضا منها قبل قليل.
ومن المعروف أن المفسّرين اهتموا بجلاء المعاني، وما يتضمّنه من التصوير بفروعه لتوصيل المعنى، فكانت نظراتهم منصبّة في مضمون المفردة أكثر من شكلها.
ومما ينوّه به هنا أنّ المقطع الأول من كلمة «فسيكفيكهم» طويل إلّا أنّه يتمتّع بتوالي الفتحات، ومع الفتحة تنفرج الشّفتان مما جعل نطق الكلمة سهلا، ولو أن الرافعي استشهد بكلمة «أسقيناكموه» لوقع على كلمة ذات أربع مقاطع أيضا.
ويؤخذ عليه أنّه لا يقدّم تحليلا صوتيا يسير فيه بدقّة مع القارئ، ليفسّر له عملية نطق المقاطع، فكلامه لا يشرح في ضوء العلم، ليكون ثابتا بعيدا عن الذّوق المبهم، ويكفيه فخرا هذا التّغلغل في استنتاج أهمية المخارج، وخفّة المقاطع، بدلا من الوقوف عند العدد، فكأنما المدّ لم يضف فصاحة على مفردة أبي الطيب المتنبي، لتقارب مخارج الواو والياء والألف، فهي حروف ليّنة، وليست العذوبة في توالي الحروف الرّخوة، فهذا بعيد عن فنّ البيان القرآني الذي يهتم بالانسجام، فقوّة حروف «لأصلّبنّكم» ملائمة للمعنى، وسهلة النّطق.
والرافعي يوافق ابن الأثير الذي اتّخذ الأصول الثلاثية والرباعية مقياسا لجمال المفردة الطويلة، ولكنه لا يكتفي بهذا فهو يقول: «وهذا إنّما هو الألفاظ المركّبة التي ترجع عند تجريدها من المزيدات إلى الأصول الثّلاثية أو الرّباعية، أما أن تكون اللفظة خماسيّة الأصول، فهذا لم يرد منه في القرآن شيء، لأنّه مما لا وجه للعذوبة فيه، إلّا ما كان من اسم عرّب، ولم يكن في الأصل عربيا، كإبراهيم وإسماعيل وطالوت وجالوت، ونحوها، ولا يجيء به
стр. 180
مع ذلك إلا أن يتخلّله المدّ كما ترى، فتخرج الكلمة وكأنّها كلمتان» «١».
ولولا ذكره المدّ لوصم كلامه بالقصور، لأن القرآن عربي على أية حال، أو وصم بالجمود عند رأي ابن الأثير، لكنه أردف هذا الرأي بأهمية الجمال السّمعي المتعيّن في المدود، ولا يقتصر الأمر على المدّ فحسب، بل هناك موضع الكلمة في التركيب، وقد وردت أسماء ليس فيها مدّ مثل «اليسع» في آيات الأنعام: وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً، وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ «٢»، فالمدّ ليس شرطا دائما من شروط الفصاحة. كما أن الألف في «بعاق» لا يستلزم إقرارا بعذوبتها.
لقد استقبح ابن سنان الكلمات الطويلة في الشعر، ولعلّه استقبح هذا لحصول الكلمة على أكثر من تفعيلة في وزن البيت الشّعري، إلّا أنّنا رأيناه يستقبح مجرّد الطّول، ثم جاء
ابن الأثير، ورفض هذه النظرة لمجرّد وجود كلمات طويلة في القرآن، ولاعتماده على جذور الكلمات، ثم جاء الرافعي، وبنى نظرته على البنية الداخلية للمفردة القرآنية، فوجد أنّ الكلمات الطّوال تتمتّع بكثرة المدود والسّكنات مما يجعلها مقاطع، إلا أنه يوافق ابن الأثير في مسألة جذر الكلمة الطويلة، وتعدّ نظرة الرافعي أكثر وضوحا لارتباطها الكلي بطبيعة تشكيل المفردة.
وقد وجدنا أنّ التعلّق بهذه السّمة يدلّ على ترف ذهني، وأنّ القدامى لم يعيروا هذه السّمة اهتماما كبيرا إلّا ما كان من القلّة منهم، ونحن لا نريد أن نعدّ حروف كلمات القرآن، بل نريد وقعها على الآذان، وملاءمتها للمقام، ومخزونها الوجداني، ولهذا ربطنا طول الكلمة القرآنية بطبيعة الحروف، وبتوزيع الحركات، وبيّنا علاقة هذا بمضمون الآية كلّها، وكذلك بيّنا قيمة الصّيغة الجمالية، وتفرّد هذه الصّيغة بمعان سامية، ودلائل فنيّة رفيعة من اختزان المعاني الكثيرة، ومواءمة الموقف.