الجمال الموضوعي- كما نرى- يتّصف بالكمّ، ولا يتّصف بالماهيّة، فعدد الحروف هو المعيار، وليس أنواعها.
ويجب أن نقول: إنّ علاقة القارئ أو السامع بالكلمة كما يجدها، ومن التّعسّف إحالته إلى الأصل، ثلاثيا كان أو رباعيّا، فإنّ هذا لا يعدّ تبريرا لطول النّفس معها، فما شأن القارئ أو السامع بكون الجذر الأصلي للكلمة «خلف»؟، لذلك نرى أنّ موضوعية ابن الأثير غير مقنعة، كما أن سطحيّة ابن سنان مجحفة، وكأنّما الأمر مجرّد كمّ لا كيفية ولا نوعيّة.
ويبدو أن جمال كلمة «ليستخلفنّهم» له وجه آخر يتّضح من وجود السين، والخاء الساكنتين، وهما من حروف الهمس، وهذا هو سرّ فصاحة الكلمة.
وإذا كان ابن الأثير يعوّل في هذا الأمر على جذر الكلمة، ولا يحتكم إلى الذّوق على جاري عادته في كثير من صوتيات القرآن، فإن هذا الاحتكام إلى الذوق المبهم يتكرر لدى يحيى العلوي الذي خصّص صفحات مطوّلة لفصاحة المفردة أيضا، إذ يقول: «والتّعويل في ذلك على الذّوق، فإنّها ربّما كثرت الحروف، وهي خفيفة على اللّسان، كقوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وكقوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ «١».
ومفهوم الخفة يبدو غامضا، وكثيرا ما قرنوه بالعذوبة، لذلك يبقى هذا التفسير بحاجة كبيرة إلى التوضيح، فلا نعرف إن كانت الخفّة في التشكيل الصوتي الكلي للكلمة أو في طبيعة الصوت بمفرده.
ويبدو لنا أنّ قبح كلمة «سويداواتها» ينتج عن ندرة استعمالها في صيغة الجمع، واطراد استعمال المفرد منها «سويداء»، وهذا الاضطرار الموسيقى في إحكام الوزن الشّعري الذي يخلّف كثيرا من الحشو، عادة لا يكون في نسق القرآن الكريم، ويضاف إلى هذا أن تكرار الواو والمدّ معا قد يعطي النّطق مدّا جبريّا، وصعودا شاقّا، فالقبح في الشّكل والمضمون معا.
والجدير بالذكر أنّ الأسلاف لم يلتفتوا إلى دراسة هذه الخاصيّة، ولم
стр. 177
يعيروها انتباههم، إلّا ما كان من هؤلاء الثلاثة: ابن سنان وابن الأثير ويحيى العلويّ، وباقي أبواب الفصاحة تكاد توجد في كل الكتب التي تبحث في البلاغة.
وسبب ضالة هذه المادة- فيما نرى- هو ضعف الحجّة عند من يتصدّى للبحث فيها، وثمّة سبب آخر فقد تراءى لهم عيب التعلّق الشكلي غير المجدي بهذا الفنّ، وعدم جدواه في البلاغة القرآنية.
وقد كان يجدر بمن درس طول الكلمات القرآنية التي ذكرناها، أن يهتمّ بالدّلالة الصّرفية، وقيمة الاختزان للمعاني الكثيرة في بنية كلمة واحدة، وأن يلتفت إلى تجسيم شكل الكلمة للمعنى المبتغى، فإن لفظة «سنستدرجهم» توحي بطول المدّة مدة عدم انصياعهم، وخصوصا في صيغة «استفعل» ففيها تصيير لهم، وحركة جعلية متمهّلة، وهذا ما يوحي به توالي المقاطع وتعدّدها مما يجسّم طول فترة الغفلة التي يكون فيها الكافرون، وفي هذا المعنى تقول روز غريب: «والألفاظ التي يشبه لفظها معناها: ذات الأصوات الممتدة التي توحي بالطّول والسّعة، والقصيرة التي توحي بالخفّة والسّرعة، وتلك التي بأصواتها تعبّر عن القوة النّشاط، والهدوء أو الخشية والاضطراب، والألم والعياء، أو النّعومة والتّرف» «١».
ونستطيع أن نتلمّس جمال كلمة «أنلزمكموها» بألا نسير وفق نظرة القدامى، فلا نقف عند عدد حروفها، إلّا فيما يتعلّق بالمضمون، ففيها سمة الاختزان، لأن صيغتها تعني
وجود مفعولين، وكأنّما أضمر هذان المفعولان لموافقة نبرة الغضب التي تتطلّب السّرعة، والمفعولان هما الكفّار والآيات، وكذلك يضمر مفعولان في كلمة «فسيكفيكهم» وكأنّ غرابة استعمال الكلمة على هذا الشّكل يمثّل غرابة الموقف الإلهي من البشر، فإنه لا يجعل الإيمان فعلا قسريا كالتّنفّس والنّوم، مما ينفي إرادة البشر، ويحطّ من كرامتهم، ومن ثمّ يبطل الثّواب، إذ لا ثواب على فعل التّنفّس مثلا، ويكون للتنفس والنوم ثواب إذا قصد بهما مواصلة العبادة، ومن هذا ثواب الطعام الذي يقصد به التقوّي على إقامة العبادة والنّسك الربانية. فالإيمان محض اختيار،
стр. 178
لأنه أرقى من سائر التصرّفات البشرية.
ولو أنهم ردّوا جمالية كلمة «ليستخلفنّهم» إلى أمر التوكيد باللام والنون، وسمة الهيمنة النابعة من الضّغط على السين والخاء لكان أجدى، وكذلك فإن هناك وقوفا على حرف شديد، وهو الميم، وكذلك زيادة التوكيد الدالّ على التعجرف والثّقة العمياء بالنّفس في صيغة كلمة «لأصلّبنّكم»، والتوكيد باللام ونون التوكيد معا.
لقد فسّرنا ضآلة عدد الدارسين القدامى في هذا المجال بظهور التعلّق الشّكلي، وضعف الحجّة، وهذا ينطبق على الدراسات الأدبية الحديثة للقرآن، فلم يذكر طول الكلمات إلا الرّافعي، وهو لا يسفّه رأي سابقيه، ولا يدلّل على عدم جدوى هذا البحث، بل يقدّم تبريرا آخر لم ينتبه إليه السابقون.
وكأنّ سكوت القدامى عن الدلائل المضمونية لطول الكلمات جعل مفتاحا لنظرة الرافعي الصوتية إلى هذا الأمر، إلّا أنّ هذه النظرة لا تتّسم بالغموض وإطلاق عبارات مثل الخفّة والرّشاقة، وإن كانت واضحة الدّلالة لدى معاصريهم، بل تتّسم بموضوعية واضحة جليّة المعالم.
يقول الرافعي: «وقد وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع مما يكون مستثقلا بطبيعة وضعه أو تركيبه ... إذ تراه قد هيّأ لها أسبابا عجيبة من تكرار الحروف وتنوّع الحركات، فلم يجرها في نظمه إلا وقد وجد ذلك فيها، كقوله: «ليستخلفنّهم في الأرض» «١»، فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف، وقد جاءت عذوبتها من تنوّع مخارج الحروف، ومن نظم حركاتها، فإنّها بذلك صارت في النّطق كأنّها أربع كلمات، إذ تنطق على أربعة مقاطع، وقوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ «٢»، فإنها كلمة من تسعة أحرف، وهي ثلاثة مقاطع، وقد تكرّرت فيها الياء والكاف، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها» «٣».
стр. 179
ومما يسترعي الانتباه، ويؤكّد عدم اهتمام الدارسين بهذا الأمر أنّ ابن الأثير ثم يحيى العلويّ، وأخيرا الرافعيّ لم يذكروا غير هذين الشاهدين، أحدهما بعشرة أحرف، والثاني بتسعة أحرف، مع أن الكلمات ذات الأحرف العشرة، كثيرة في القرآن، وقد ذكرنا بعضا منها قبل قليل.
ومن المعروف أن المفسّرين اهتموا بجلاء المعاني، وما يتضمّنه من التصوير بفروعه لتوصيل المعنى، فكانت نظراتهم منصبّة في مضمون المفردة أكثر من شكلها.
ومما ينوّه به هنا أنّ المقطع الأول من كلمة «فسيكفيكهم» طويل إلّا أنّه يتمتّع بتوالي الفتحات، ومع الفتحة تنفرج الشّفتان مما جعل نطق الكلمة سهلا، ولو أن الرافعي استشهد بكلمة «أسقيناكموه» لوقع على كلمة ذات أربع مقاطع أيضا.
ويؤخذ عليه أنّه لا يقدّم تحليلا صوتيا يسير فيه بدقّة مع القارئ، ليفسّر له عملية نطق المقاطع، فكلامه لا يشرح في ضوء العلم، ليكون ثابتا بعيدا عن الذّوق المبهم، ويكفيه فخرا هذا التّغلغل في استنتاج أهمية المخارج، وخفّة المقاطع، بدلا من الوقوف عند العدد، فكأنما المدّ لم يضف فصاحة على مفردة أبي الطيب المتنبي، لتقارب مخارج الواو والياء والألف، فهي حروف ليّنة، وليست العذوبة في توالي الحروف الرّخوة، فهذا بعيد عن فنّ البيان القرآني الذي يهتم بالانسجام، فقوّة حروف «لأصلّبنّكم» ملائمة للمعنى، وسهلة النّطق.
والرافعي يوافق ابن الأثير الذي اتّخذ الأصول الثلاثية والرباعية مقياسا لجمال المفردة الطويلة، ولكنه لا يكتفي بهذا فهو يقول: «وهذا إنّما هو الألفاظ المركّبة التي ترجع عند تجريدها من المزيدات إلى الأصول الثّلاثية أو الرّباعية، أما أن تكون اللفظة خماسيّة الأصول، فهذا لم يرد منه في القرآن شيء، لأنّه مما لا وجه للعذوبة فيه، إلّا ما كان من اسم عرّب، ولم يكن في الأصل عربيا، كإبراهيم وإسماعيل وطالوت وجالوت، ونحوها، ولا يجيء به
стр. 180
مع ذلك إلا أن يتخلّله المدّ كما ترى، فتخرج الكلمة وكأنّها كلمتان» «١».
ولولا ذكره المدّ لوصم كلامه بالقصور، لأن القرآن عربي على أية حال، أو وصم بالجمود عند رأي ابن الأثير، لكنه أردف هذا الرأي بأهمية الجمال السّمعي المتعيّن في المدود، ولا يقتصر الأمر على المدّ فحسب، بل هناك موضع الكلمة في التركيب، وقد وردت أسماء ليس فيها مدّ مثل «اليسع» في آيات الأنعام: وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً، وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ «٢»، فالمدّ ليس شرطا دائما من شروط الفصاحة. كما أن الألف في «بعاق» لا يستلزم إقرارا بعذوبتها.
لقد استقبح ابن سنان الكلمات الطويلة في الشعر، ولعلّه استقبح هذا لحصول الكلمة على أكثر من تفعيلة في وزن البيت الشّعري، إلّا أنّنا رأيناه يستقبح مجرّد الطّول، ثم جاء
ابن الأثير، ورفض هذه النظرة لمجرّد وجود كلمات طويلة في القرآن، ولاعتماده على جذور الكلمات، ثم جاء الرافعي، وبنى نظرته على البنية الداخلية للمفردة القرآنية، فوجد أنّ الكلمات الطّوال تتمتّع بكثرة المدود والسّكنات مما يجعلها مقاطع، إلا أنه يوافق ابن الأثير في مسألة جذر الكلمة الطويلة، وتعدّ نظرة الرافعي أكثر وضوحا لارتباطها الكلي بطبيعة تشكيل المفردة.
وقد وجدنا أنّ التعلّق بهذه السّمة يدلّ على ترف ذهني، وأنّ القدامى لم يعيروا هذه السّمة اهتماما كبيرا إلّا ما كان من القلّة منهم، ونحن لا نريد أن نعدّ حروف كلمات القرآن، بل نريد وقعها على الآذان، وملاءمتها للمقام، ومخزونها الوجداني، ولهذا ربطنا طول الكلمة القرآنية بطبيعة الحروف، وبتوزيع الحركات، وبيّنا علاقة هذا بمضمون الآية كلّها، وكذلك بيّنا قيمة الصّيغة الجمالية، وتفرّد هذه الصّيغة بمعان سامية، ودلائل فنيّة رفيعة من اختزان المعاني الكثيرة، ومواءمة الموقف.
стр. 181
وهنا نستنتج الأمور الآتية:
١ - ليست العبرة في كثرة عدد حروف المفردة، بل في نوعية هذه الحروف.
٢ - تتدخل المدود، والحركات في طول المفردات إذ تقسّمها إلى مقاطع صغيرة سهلة في النّطق والسّمع.
٣ - لبعض المفردات الطويلة في القرآن أهمية هي أعلق بالنظم وملاءمة الموقف.
٤ - إن سماع المفردات القرآنية لا يشعر بوطء الطول، فالتنسيق الزمني مترافق مع نوعية التّشكيل الصّوتي وكيفيّته.
стр. 182
٣ - مفهوم خفة المفردات
كان لبعض القدامى اهتمامات كبيرة بأصوات مفردات القرآن، وقد أكّدوا جمال الشكل السمعي وجمال المضمون، وعدم التنافر بينهما، فلا نجد لدى سماع المفردة القرآنية نبوّا ولا نفورا، ومع هذا فليس هناك بديل عنها في موافقة المعنى.
وتتناول هذه الفقرة بعض ما ورد في كتب الإعجاز البياني- فيما يخص أصوات المفردات- وغايتنا توضيح مصطلح الرّقة والخفّة والعذوبة والجزالة، وما شاكل هذا مما جاء مجملا أو مفصّلا، وسنفسر وجهة نظر القدامى والمحدثين في مفهوم الخفة.
الذوق الفطري عند ابن الأثير:
لعلّ ما يلحظ هنا تلك القفزة الزمنية إلى القرن السابع الهجري، والممثّل بضياء الدين بن الأثير، وما يتبع هذا من تجاوز لجهود أعلام القرون السابقة، والحق أنهم اهتموا بهذه الجمالية اهتماما طفيفا، جاء في أسلوب مجمل.
لقد استفاد ابن الأثير من ابن سنان الذي سبقه بقرنين من الزمن، والذي يهمنا أن ابن الأثير خصّص الكثير للمفردة القرآنية، يقول ابن سنان عن أحد شروط جمال المفردة: «أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسنا ومزيّة على غيرها، وإن تساويا في التأليف من الحروف المتباعدة ... وليس يخفى على أحد من السامعين أن تسمية الغصن غصنا أو فننا أحسن من تسميته عسلوجا، وأن أغصان البان أحسن من عساليج الشّوحط» «١».
ويعيب على المتنبي ذكره كلمة خشنة، فقد ذكر الجرشّى بدلا من النّفس:
مبارك الاسم أغرّ اللقب ... كريم الجرشّى شريف النّسب
«٢»
стр. 183
وقد نصب ابن الأثير نفسه منظّرا لجمال المفردة شأن سابقه ابن سنان، بيد أنه أضاف تطبيقات من القرآن الكريم، يقول: «ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ نغمة لذيذة، كنغمة أوتار، وصوتا منكرا، كصوت حمار، وأن لها في الفم حلاوة، كحلاوة العسل، ومرارة كمرارة الحنظل» «١».
إنه يحكّم معيار التذوق الحسّي بعيدا عما يقنّن، وهذا التذوق ليس فرديا، بل يرتبط بالذوق الفطري الذي ينبذ ما هو ثقيل على الآذان والنّطق.
وقلّد ابن سنان فاعتمد على معياره، وراح يسفّه رأي من لا يفرّق بين السّيف والخنشليل. ويقول: «ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرّق بين لفظة الغصن والعسلوج، وبين لفظة المدامة، ولفظة الاسفنط، وبين لفظة السيف، وبين لفظة الخنشليل، وبين لفظة الأسد، وبين لفظة الفدوكس، فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب ولا يجاوب بجواب» «٢».
وفي هذه الأمثلة يظهر أثر العصر، فبيئة الجاهلي لا تستبعد كلمة (بعاق) ولا تستهجن خشونتها، لأن الطبيعة كانت تميل إلى الخشونة.
وإذا طبّقنا رأيه في الآية: أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ «٣»، فهذا يدعونا إلى تفضيل المزن على البعاق كما أراد ابن الأثير، والمزن هاهنا تساهم في النّسق
الموسيقى، إذ يتكرر حرفا النّون والزّاي.
وبما أن الموقف موقف استلطاف واستمالة قلوب مع ذكر النّعم، فإنّ لفظة البعاق، وتظلّ بعيدة، ونافرة غير لائقة بالسّياق الموسيقى، وكذلك لم يرد مثل هذه المفردة في القرآن، ولعل مما يكره، ويعدّ تفسيرا لتذوق ابن الأثير، أن يفصل بين العين والقاف بمدّ، وهما متقاربان حلقيّان، والقرآن ذكر «عقر» و «يعقلون» و «عقد» وغيرها.
هنالك وقفة حاول فيها ابن الأثير الاقتراب من التوضيح، يقول تعالى:
стр. 184
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ «١»، يقول:
«وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطّوفان والجراد والدم، فلما وردت هذه الألفاظ بجملتها قدّم منها لفظتا الطوفان والجراد، وأخّرت لفظة «الدّم» آخرا، وجعلت لفظة القمّل، والضّفادع في الوسط، ليطرق السّمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة، وينتهي إليه آخرا، ثمّ إنّ لفظة الدّم أحسن من لفظة الطّوفان والجراد، وأخفّ في الاستعمال، ومن أجل ذلك جيء بها آخرا» «٢».
- إضافة الرافعي على ابن الأثير:
لقد حاول الرافعي أن يكون واضح الحكم، لأنه يشير إلى المدود في الجراد والطّوفان، وقلّة الأحرف في «الدّم»، فاقترب من الجمالية الموضوعية، وقد اعتمد الرافعي على هذا التّحليل، وأضاف إليه لمسات صوتية من خلال تأمّله المحكوم بطبيعة التّركيب الداخلي للمفردة، إذ إنّه يلقي الضوء في شاهد ابن الأثير قائلا: «أخفّها في اللفظ «الطّوفان والجراد والدّم»، وأثقلها «القمّل والضّفادع» فقدّم «الطّوفان» لمكان المدّين فيها، حتى يأنس اللسان بخفّتها ثم الجراد، وفيها كذلك مدّ، ثمّ جاء باللفظين الشّديدين مبتدئا بأخفّهما في اللسان، وأبعدهما في الصوت، لمكان تلك الغنّة فيه، ثم جيء بلفظة «الدّم» آخرا، وهي أخفّ الخمسة، وأقلّها حروفا، ليسرع اللسان فيها، ويستقيم لها ذوق النّظم، ويتم بها هذا الإعجاز في التركيب» «٣».
ولعلّ ابن الأثير لم يصرّح بالعلّة هنا، لأنّه رفض مبدأ طول الكلمات وقصرها كما يرى ابن سنان، ونلاحظ هنا أن المفردة إسهام جزئي في إيقاع الآية كلها.
وتتبدّى مظاهر موضوعية في تأمل الرافعي من خلال ذكر المدود التي تقسّم الكلمات إلى مقاطع صغيرة خفيفة، وهذا ما يسمّى في العروض بالأوتاد، وكذلك من خلال ذكر الغنّة في كلمة «قمّل» ففيها إدغام بغنّة.
стр. 185
ولم يتخلّص من غموض ابن الأثير، إذ لم يشر إلى طبيعة النّبر القوي في الضّاد من كلمة «الضّفادع»، واكتفى بمصطلح الشّدّة وكثرة الأحرف، والضّاد من حروف الإطباق والجهر، وقد تلاه حرف الفاء الشّفوي بشدّته.
وإن عدم إشارته إلى الطبيعة النّغمية للضّاد جعله يعيد حكم السابقين في جمال إفراد الأرض، وقبح جمعها، ويتّضح هذا في قوله ﵎: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ «١»، فلم يذكر البيان القرآني «أرضون»، يقول الرافعي: «ولم يقل سبع أرضين، لهذه الجسأة التي تدخل اللفظ، ويختلّ بها النظام اختلالا» «٢».
ومما لا شكّ فيه أن وجود الضّاد في «أرضين»، أخفّ من وجوده في «الضّفادع» لوجود مدّ الياء بعد الضّاد، وقبله الكسرة، إنما الأمر يعني غرابة المفردة فيما يبدو لنا، وهذه الغرابة لا يتطلّبها مضمون سياق الآية، حتى تكون الغرابة الصوتية موائمة لغرابة المعنى أو الموقف.
ومما يؤكّد هذا أن البيان القرآني يذكر الأحرف الأربعة الأولى في كلمة أخرى، إذ يقول : أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ «٣»، فهنا ذكرت الهمزة والرّاء والضّاد والياء، ولم تثقل في اللسان.
ولربّما كان للإفراد هنا تفسير علمي ما زال في طيّات الغيب، أو إن نغم التركيب الكلي لا يساعد على ذكر سبع «أرضين» من حيث النّظم الموسيقى، كما رأى الرافعي.
أما من حيث المعنى، فقد كان شائعا بين الناس خلق «سبع سماوات» ولا يعلم أحد بسبع أرضين، فجاءت كلمة «مثلهن» لتنزيح الاستغراب والإنكار عن وجود سبع أرضين، وكأنه يقول: الذي خلق سبع سماوات خلق سبع أرضين، وهو قادر على ذلك من باب أولى.
стр. 186
ونستطيع أن نقول: إن ابن الأثير ظلّ منظّرا أميل إلى ذكر الأحكام والأفكار من غير تطبيق، خصوصا إذا تعرّض لمفردات القرآن، وقد قال: «الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكلّ منها موضع يحسن استعماله فيه، فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، وأشباه ذلك، وأما الرقيق منها، فإنه يستعمل في وصف الأشواق، وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف» «١».
فهو يؤكّد أن الألفاظ جزلة ورقيقة، وأساس هذا هو الموضوع نفسه، لأنه يتطلّب تشكيلا صوتيا معيّنا، فقد أدرك العلاقة بين التشكيل الصوتي وبين المشاعر الإنسانية في الفن القولي، بيد أنه لا يطبّق هذا إلا في مجال رقة الألفاظ، وما يحمد له أنّه ربط الصوت بالموضوع.
ولو أنّ ابن الأثير أجال النظر في آيات السور المكية القصار مثلا لوجد أن نبرة التهديد والغضب والعنفوان واضحة المعالم في المفردات، وفي قصر الجمل أو الآيات القرآنية، وكثيرا ما لا يراعي الشعراء تنظيم الإيقاع وجزئياته، ليوافق المشاعر كما نجد الشّدّة في غزل أبي الطيب أحيانا.
ويمكننا أن نورد بعض الآيات مما يراعى فيها الموقف تفسيرا لمقولة ابن الأثير التي ذكرها في كتاب خصّص في الأصل لأدب الكاتب والشاعر، وإن عدّ البيان القرآني الأسوة الحسنة لصنّاع الأدب، ففي قوله : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ «٢» تمثّل المفردات صرخة عنيفة بأصواتها، وكان باستطاعة ابن الأثير أن يتلمّس مظاهر الجزالة في تعدّد الباءات، والباء حرف شفوي انفجاري، ويزيده عنفا كونه مشدّدا أو ساكنا بالتنوين والسكون، أو مشددا ساكنا مقلقلا قلقلة كبرى.
كذلك يمكنه أن يتلمّس مظاهر الرقة في إيقاع أغلب السور المدنية، وكثير من السور المكية، ففي قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵊:
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ
стр. 187
وَلِيًّا «١»، وعلى الرغم من أن سورة مريم مكية، فإن الآية تفوح من كلماتها رائحة البنوّة الإنسانية، فهو يستميل قلب والده، وإضافة إلى وجود تسعة مدود في الآية، فإنّ طبيعة الأصوات الرّخوة تناسب مقام الملاينة، فلم يذكر «يصيبك» بل «يمسّك» للطف فعلها من حيث المسّ فقط، ولهمس السين فيها، وفي المفردات الخاء والحاء في «أخاف» و «الرحمن»، والأحرف الليّنة كالواو والياء.
فإذا جاء ردّ الأب المتغطرس نقرأ كلمات ذات صوت شديد، يقول على لسان آزر: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا «٢»، وجرس «لأرجمنّك» يوحي بوقع الحجارة على الجسم لوجود النون، وهي ترد فيها ثلاث مرات، ومرة مدغمة باللام، فتصير شديدة، والجيم كذلك، ووردت الراء مرتين ساكنة، مما يعطي نبرا قويا مضافا إلى طبيعة هذا الحرف الذي يتكرر في أثناء نطقه.
فيجب أن يتلاءم التشكيل الموسيقى مع طبيعة الموقف الذي يذكره القرآن، وقد قال جويو: «وإذا كان الإيقاع إشارة طبيعية إلى عمق الانفعال، فإنّ هذا الإيقاع يميل إلى أن ينقل الانفعال إلى قلب السامع» «٣».
ونلحظ أن خصوصية تعبيره عن الفن الأدبي تطلّبت كلمة «انفعال» الخاصة بالطبع البشري، ونحن ننزّه الخالق عن الانفعال، ونؤكّد أن تعبير القرآن عن المواقف جاء بإيقاع مناسب، وسوف يتّضح هذا في شواهد عدّة نذكرها في مكانها إن شاء الله.
خلاصة القول: على الرغم من تفصيل ابن الأثير وتنظيره وإطالته في الموضوع فقد بقيت هذه الناحية ذوقية، ولم توضع وفق منهج واضح.
стр. 188
ونجد في كتاب ابن أبي الإصبع ما يعدّ مسايرة لأحكام الدارسين قبله، فقد استمرت ألفاظ مثل «فصيح وجزل ورقيق وعذب»، وغيرها مما يدلّ على التعميم والإجمال، يقول عن الفرق بين الجزالة والفصاحة في كتابه «بديع القرآن»: ومنها قوله تعالى: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ «١»، وقوله سبحانه:
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا «٢»، فألفاظ هذه الجملة كلّها من هذا الباب، وأجزلها قوله تعالى: «اسْتَيْأَسُوا» وأفصحها قوله سبحانه: «خَلَصُوا نَجِيًّا»، وقلّ أن تجتمع الفصاحة والبلاغة في جملة من هذا الباب إلا في هذه الجملة» «٣».
وكأنما يخلو القرآن من أمثال هذه المفردات، وكأنما أحصاها، فاستوفى السور كلّها، ومن ثمّ أطلق حكمه هذا الذي يعدّ أشدّ تعميما من حكم أسلافه، وما هي إلا إشارة عابرة كانت له في كتابه.
- الخفّة عند البارزي:
ينقل السيوطي في «إتقانه» ما ورد في أوّل كتاب «أنوار التحصيل في أسرار التنزيل»، ونقع في هذا الاقتباس على ما يدل على تدبّر عميق لماهية الصّوت، وذلك من خلال ذكر مفردات مرادفة مما يبيّن لنا مظاهر الخفّة في المفردة، إذ يقول البارزي: «اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، ومنها قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ «٤» أحسن من التعبير بتقرأ لثقله بالهمزة، ومنها: لا رَيْبَ فِيهِ «٥» أحسن من لا شكّ فيه، لثقل الإدغام، ولهذا كثر الرّيب، ومنها وَلا تَهِنُوا «٦» أحسن من ولا تضعفوا لخفّته، ووَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي «٧» أحسن من ضعف، لأن الفتحة أخفّ من
стр. 189
الضمة» «١».
وكأنما صار مفهوم الخفّة يتّصل بما هو رقيق فقط، ويجب أن نؤكد أنّ خفّة مفردات القرآن متحقّقة في الأصوات القوية والأصوات الرّخيّة، ودليل هذا عدم النّبوّ، وسهولة النطق.
ومن البداهة أن تكون دلالة شكّ غير دلالة ريب، وأنّ الإدغام موجود في القرآن، فليس هناك مانع من وجود «شكّ» إلا موافقة الدّال للمدلول، وهذا ينطبق على «وهن» وضعف، فقد قال تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ «٢»، وقال: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٣»، وذلك أنه لا بدّ من ملاحظة أمرين:
الأول: نظم الكلام الذي وقعت فيه الكلمة من حيث انسجام الصوتيات.
الثاني: المعنى المراد، فالرّيب هو الشّكّ مع التّهمة، أما الشّكّ فهو عدم ترجيح أحد الاحتمالين أو الأمرين.
ومما يستحبّ هنا هو إحساس البارزي بقوة الضادّ ورقّة الهاء، فهو يبيّن علّة الخفّة التي خفيت على كثير من أسلافه، ويتابع رأيه قائلا: «ومنها «آمن» أخفّ من صدق، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق، و «آثرك الله» «٤» أخفّ من فضّلك الله و «أتى» أخفّ من أعطى، و «أنذر» أخفّ، من خوّف، و «خَيْرٌ لَكُمْ «٥» أخفّ من أفضل لكم، والمصدر في «هذا خلق الله» «٦» و «يؤمنون بالغيب» «٧» أخفّ من مخلوق والغائب، ونكح أخفّ من تزوّج، لأن فعل أخفّ
стр. 190
من تفعّل، ولهذا كان ذكر النّكاح فيه أكثر» «١».
وقد سبق أن أوضحنا في الفصل الأول أهمية المعنى المبتغى من جمال الشكل في المفردات التي سردها البارزي، والجدير بالذكر أن بعض المعاصرين يقتبسون رأي البارزي، ويزينون به بحوثهم من غير تعليق، حالهم في هذا حال السيوطي الذي يجمع، ولا ينقد في الأغلب.
ولا يمكن أن ندّعي إسراف البارزي وتفريطه في مضمون الكتاب لأجل الحلاوة والخفّة، فهو ينظر باحتياط إلى مجموع القرآن، لأنّه يحترز بكلمة «أكثر» أو «كثر ذكره» تحاشيا للتعميم غير الدقيق، فقد جاء في القرآن قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها «٢».
ومما يسترعي الانتباه رهافة حسّه، فقد رأى أن التشديد يجعل الحرف ثقيلا أو قويا، وخصوصا إذا كان حرف لين، فالقرآن ذكر فعل تزوّج على قلّة.
وقد انتبه البارزي إلى ثقل الشّدّة على الواو، وكذلك يعبّر عن إحساس بالبنية الداخلية، فإن مادة (خلق) تعاد في مخلوق، لكنّه يستقبح الوقوف على القاف بعد مدّ الواو، وكأنه لمس شدّة تسكين الفاء الحرف الشّفويّ الذي يخرج من باطن الشّفة السّفلى وأطراف الثّنايا العليا، ولتفادي النّبر القاسي عند الوقوف عليها كان وجود «خير» لا أفضل.
وكذلك تتعدّى نظرته ماهية الصوت إلى ميزة أخرى، وهي نوعية الحركة، فالفاء قاسية اللفظ في «أفضل» وليست بقاسية في قوله تعالى: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ «٣»، وذلك لاستراحة الشّفاه مع الكسرة.
وفي الموضع نفسه يرى البارزي أن الاختصار الذي يكون في المجاز، والتطويل الذي يكون في الحقيقة، ما يجعلنا نحبّذ لفظة «آسفونا» في قوله ﵎: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ «٤» فهو يقول: «أحسن من «فلمّا
стр. 191
عاملونا معاملة الغضب، أو «فلمّا أتوا إلينا بما يأتيه المغضب» «١».
والحق أن هذه المفردة تنم على سموّ في التعبير عن فواحش هؤلاء القوم، وتتخذ طابعا تهذيبيا يصدر عن الخالق، كما أن مما فات البارزي هنا الجمال الموسيقى في الخفّة التي تحدّث عنها، فيجب أن نعقّب على رأيه بأن هذا الفعل يمتاز بثلاثة مدود، وخفّفت النّون بالمدّ، وكذلك خفّفت الفاء بالمدّ، بالإضافة إلى حرف السين الهامس الدّالّ على الرّقّة.
لقد انتبه البارزي إلى كمية وجود المفردة في القرآن الذي يميل إلى الخفّة، فكان من الجدّة في نظرته هذا الإحصاء الذي احتاط فيه من التعميم المغالط، بيد أنه يخطئ في وقوف مبتور عن باقي السور أحيانا، فليس من المعقول أن يقول امرؤ بخفّة كلمة «تتلو» وثقل «تقرأ» ووجود الثانية في القرآن أكثر.
- ضآلة التوضيح عند المحدثين:
تمنينا مناقشة واحد من المحدثين لهذه الفقرة الواردة في كتاب الإتقان، إذ كان همّهم النّقل الحرفي، ولا شيء فيما بعد أقواس الاقتباس «٢»، ولهذا سوف نتناول في كتب المحدثين ما كان يتّسم بالجدّة والأصالة، لنخفّف عنا مئونة التّكرار والاتكاء في الشواهد والأحكام.
ومن الطبيعي أن نتجاوز عبارات مجملة مثل عذب، وخفيف، ولذيذ، ولم تقتصر على القدامى، فقد وجدت بغزارة عند الرافعي، لأنّها لا تبيّن مواطن الحسن والخفّة، وخصوصا أن العصر الحديث تقوم دراساته النقدية للأدب على تحليل استقطابي لمادة النص، وقد ظلّ الرافعي وقطب يطلقان العبارات البيانية شأن الدارسين الأسلاف، فتمدح الكلمات بأنّها ذات نغم وعذوبة ونسق ولذّة وغير هذا.
ولأحمد بدوي وقفات فاحصة نذكر منها واحدة من خلال المقارنة بغيره،
стр. 192
ففي قوله تعالى على لسان فرعون: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ «١» لحظ المحدثون أن المقصود هنا تسخين الطّين حتى يصبح قرميدا، وذلك من خلال التفاسير، فيصبح الطّين قرميدا أو آجرّا لأجل البناء، يقول بدوي: «هناك لفظتان أبي القرآن أن ينطق بهما، ولعلّه وجد فيهما ثقلا، وهما الآجرّ والأرضون» «٢».
ولا نحب هنا أن نسفّه هذه الإجمالية في الاكتفاء بذكر الثقل، فما يعذر به بدوي أن المفسرين القدامى الذين عنوا بالبيان لم ينتبهوا إلى هذا، فقد جاء في تفسير هذه الآية: «أي اطبخ لي الآجرّ، واتخذه، وإنما لم يقل مكان الطين هذا، لأنه أول من عمل الآجرّ فهو يعلّمه الصّنعة بهذه العبارة» «٣».
ومثل هذا التفسير لا علاقة له بالوجهة الفنية، وقد استبعد الرافعي كلمة الآجر إذ يقول: «ومن الألفاظ لفظة الآجر، وليس فيها من خفّة التركيب إلا الهمزة، وسائرها نافر متقلقل لا يصلح- مع هذا المدّ- في صوت ولا تركيب على قاعدة نظم القرآن» «٤».
ونظرته تتّسم بشيء من التقصير، فنحن نلتمس فيها استثقال الجيم والراء، فالجيم حرف شديد، والراء حرف يميل إلى الشّدّة بفضل تكرّره على اللسان، ولكن الرافعي لا يستوفي ما جاء في الآيات الكريمة من كلمات توالى فيها الجيم والراء مثل «أجر» «تجري» «يجرّه» «مجرمين» وغير ذلك.
وأحيانا يتطلّب مضمون الكلمة هذين الحرفين ليكونا بشدّتهما عونا على تصوير المشهد الذي تعنيه، مثل قوله عن ماء جهنّم: «يتجرّعه ولا يكاد يسيغه» «٥»، ففي
المفردة قسوة حروف في تركيب خاص، لتصوّر هذه القسوة عملية الشرب لهذا الماء المغلي، وليس هذا مما يتطلّب في قول فرعون، وقسوة آجر على كل حال في تركيبها أيضا.
стр. 193
ونود أن نقول ما الذي يوجب ذكر لفظ آجر حتى نبرر عدم استخدام القرآن لهذا اللفظ؟ ثم إن هذا كلام فرعون حكاه القرآن؟ فما معنى التساؤل؟ ولم لا يكون السبب في تعبير القرآن بالطين هنا العمد إلى مادة تبيّن الضّعف والوهاء يعتمد عليها فرعون في مواجهة معجزات الأنبياء والحقّ الأعظم، وهو الإيمان بالله، وهذا مما يضع فرعون موضع السخرية لدى القارئ أو السامع الذي ترتسم في ذهنه صورة الطين أداة في مواجهة ذلك كلّه.
ويستحسن أن ندرس المفردات التي ذكرها القرآن، وليس ما تجنّبه من مفردات، وهنا ننبّه إلى أن الخفّة لا تكون مع الصوت الرخي دائما، بل تكون أيضا مع الصوت القوي، ولكلّ مقام مناسب، وليست العذوبة في تجنّب أصوات الضاد والجيم والقاف والراء مثلا، وتجنب حركة الضم لكون الفتحة أسهل على الشّفاه، فإنّ ما يحتاج إليه زمن الفترة المكية من تهديد وتقريع يؤكّد وجود أصوات مهيبة تروّع القلوب.
وقد تحدث عبد الكريم الخطيب عن قوة الصوت في القرآن، فراح يرصد الأحرف المتكررة في بعض الآيات، ليستشفّ من ورائها ظلالا فنية، فبعد أن ينقل رأي البارزي سالف الذكر الذي بيّن التفاضل بين تقرأ وتتلو يذكر الآية الكريمة: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، وَنَحْنُ أَغْنِياءُ، سَنَكْتُبُ ما قالُوا، وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَنَقُولُ: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ «١».
ويقول الخطيب: «فقد اجتمع في الآية الكريمة عشر قافات، ومنها سبعة في المقطع الأخير منها، ومع هذا فأنت ترى ماء الحسن يترقرق على محيّاها والملاحة تقطر من جبينها ... واللام قد عارضت حرف القاف فيها، فكانت عدّتها أحد عشر لاما، وقد عرفنا أن اللام من الحروف الخفيفة التي مخرجها طرف اللسان، على حين أن القاف من «أثقل» الحروف نطقا، لأن مخرجها من أقصى الحلق إلى ملتقى الشفتين» «٢».
فقد بيّن أن هناك انسجاما بين الشدة واللين مما يحقق الخفّة على الرغم من قوة القاف، ثم يذكر شاهدا هو الآية الكريمة: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا، وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ، وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ، وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ، ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ
стр. 194
أَلِيمٌ «١»، ويقول: «لقد جمعت هذه الآية ثمانية عشر ميما، نثرهم بين كلمات الآية، بل تكاد تحشدهم حشدا في مقطعين، حتى ليبدو المقطع، وكأنه مشكّل من ميمات، والميم وحده حرف «ثقيل» مضغوط، يشدّ عضلات الفم كلّها حتى يؤدّى على هيئة صوت، فكيف به إذا تكرر، ثم كيف يكون ميزانه من الثقل حين يتكرر بهذه الكثرة الكثيرة المتلاحقة؟ وليس هذا النغم المجلجل المتتابع من هذه الميمات إلا أداة يقتضيها المقام من دواعي القوة التي تحيط بالموقف وتظاهره» «٢».
فقد ربط بين قوة الميم والموقف المصوّر في الآية بعد الحديث عن الطوفان واستواء السفينة، وهو يؤكّد هذا في مواضع التهديد من السّور المكية مثل الآية الكريمة: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ «٣»، وهي لازمة موسيقية ترد عشر مرات في سورة المرسلات، كما كانت: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «٤» لازمة سورة الرحمن.
ويقول الخطيب: «وليس في هذا المقطع نبرة حنان ولا حرف ليّن، إنه بناء من صخر وجلمد، واجتمعت حروفه على هذه الصورة فكانت قذيفة منطلقة، أو شهابا منقضّا، يقع على رءوس المكذّبين» «٥».
ولا شك في أنّ تكرار هذه اللازمة يمثّل اقتحام مفردات صارخة بحروفها وحركاتها الإيقاع الكلّيّ، بما يقوى على السّمع وقعه، وذلك مما يناسب المقام، ولم تكن إشارات المحدثين واضحة كلّ الوضوح، فمثل قول الخطيب قريب من التفسير في ضوء طبيعة الحروف النغمية، وتغيّرات طبيعة الحروف مع بعض الحركات.
ولا بد من إضاءة مديحه لآية المرسلات بذكر قوة التنوين في «ويل» و «يومئذ» ثم وجود الشّدّة على الذال، وحركات الشّفاه في الميم والباء.
والحق أن الخطيب لم يكن بدعا فيما قرّره، إنّما اقتفى أثر الرافعي، لكنه
стр. 195
قصّر عنه في أنّ الرافعي عرّفنا بأدوات القرآن التي يجعلها لتعديل الكفّة، وإيجاد التلاؤم والانسجام، أما الخطيب فلم يفعل ذلك.
وقد أكّد الدكتور نور الدين عتر أهمية الصوت في مراعاة المواقف المصوّرة، وهو لا يظهر هذا في السور المكية، بل في سورة البقرة، إذ يظهر التباين في التشكيل الصوتي بين الحديث عن المؤمنين وبين الحديث عن الكافرين في سورة واحدة، فقد جاء في تفسيره لأوائل سورة البقرة: «ففي الحديث عن المؤمنين تجد المدّات في فواصل الآيات مع الحروف السّهلة ذات الوقع الخفيف على الأذن تعطي الكلام وقعا لطيفا مناسبا للتأثير العاطفي. وفي الغضب والسّخط تجد الحروف قوية الوقع شديدة التأثير، مثل الميم الساكنة في الحديث عن الكافرين، ثم هذه الألفاظ «صمّ، بكم، رعد، برق»، والحركات المتلاحقة ذات الجرس القوي «صواعق، ظلمات» تقرع الأذن بأصداء المشهد المخيف حتى تشترك في الإحساس بما أحسّ به الفكر، وما وقع في القلب» «١».
ونلاحظ فيما ذكره الدكتور عتر مفهوم الشّدة وليس الثّقل، كما أنه دلّ على مواقع الخفّة والشّدة مما يبعد نظرته عن خطل التكهّن، وهو يؤكد أن أصوات القرآن كلّها خفيفة، وهذه الخفّة متفاوتة، ولذلك نستبعد قول الباحثين «حرف ثقيل» ونستبدل به قولنا: حرف شديد، لأن العربية الرفيعة قد استبعدت ما هو ثقيل عن الاستعمال، وجاء القرآن الكريم، واستبعد مفردات أخرى من خلال اختياره للأصوات، فالقاف ليس حرفا ثقيلا، ولن يتعسّر النّطق به، أو يثقل على لسان القارئ، وفي أذن السامع «٢».
ويجب أن ننوّه بأن القدامى لم يكونوا مقصّرين في إحساسهم بالصوت، وإذا كانوا قد أكّدوا رقّة الصوت، فإنهم أحسّوا أيضا بالشّدة الصوتية، وأطلقوا عليها فصاحة وجزالة، إذ كان هذا المصطلح يغلّف الكثير مما ذكره المحدثون، فالإحساس بالرّهبة والشّدة موجود في تأملات القدامى الفنية، بيد أن المصطلح القديم لم يكن يساعد على الكشف الواضح، ولكي لا نبخسهم حقّهم نقول:
إن عدم الكشف هذا لا يقتصر على الأسلاف بل ينطبق على كثير من المحدثين.
стр. 196
ولنورد هنا الحديث النبوي الذي ورد عنه ﷺ : «زيّنوا القرآن بأصواتكم» «١»، ولنقرأ شرح هذا الحديث، لنؤكد أن المقصود هو القراءة الصحيحة وفق قواعد التجويد، فقد جاء في شرحه: «الهجوا بقراءته وأشغلوا أصواتكم به، واتخذوه شعارا وزينة لأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا، وفي أدائه بحسن الصوت وجودة الأداء بعث للقلوب على استماعه وتدبّره والإصغاء إليه .. هذا إذا لم يخرجه التغنّي عن التجويد، ولم يصرفه عن مراعاة النّظم في الكلمات والحروف، فإن انتهى إلى ذلك عاد الاستحباب كراهة» «٢».
فلا نفهم من الحديث الشريف أنّ القرآن يتألف من أصوات رخيّة نديّة فقط، بل يدعو الحديث إلى إعطاء الحروف حقّها من حيث صحّة النّطق، إضافة إلى طبقة صوت القارئ، ففي القرآن حروف رخية وحروف شديدة لا ثقيلة، والتجويد مراعاة دقيقة لما يعدّ نبرا أو تنغيما، ففي قوله تعالى:
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ «٣» يحدّد علم التجويد القلقلة في القاف، وهذا يساعد على تبيان أهمية المعنى من حيث تصويره بالصّوت، وكذلك مراعاة المدّ الطويل في قوله تعالى: شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ «٤»، فهو يعطي للوقوف على القاف قوة تفيد في تجسيم الموقف.
نخلص مما سبق أن مصطلح الخفّة يشمل كلّ مفردات القرآن الكريم، وأن العذوبة نابعة من قراءة كل مفردة، فليس في القرآن ما يثقل نطقا أو سمعا، إنما وظّفت طبيعة الأصوات لتجسيم المواقف، ومن يقرأ الآيات يتوصّل إلى هذه النتيجة.
وإذا كانت جهود القدامى في مفهوم الرّقة والخفّة تكاد تنحصر في الأصوات الليّنة، فهذا مما يساعدنا في تكميل نظرتهم، ومما لا شكّ فيه أن الانسجام واضح بين أصوات القرآن، فالأصوات الشديدة تتلوها أصوات ليّنة،
стр. 197
وقد استطاع المحدثون بعض الشيء الوصول إلى هذه الحقيقة، وإن ظلّت أحكامهم مجملة أحيانا، وتفتقد المنهج العلمي الواضح كما رأينا.
لقد قلّد ابن الأثير سلفه ابن سنان، وأتى بشواهد قرآنية جاعلا الفطرة هي المعيار في توضيح الخفّة، وما يحمد في نظرته التحدث عن الجزالة والرقة، وهذا يعني في القرآن ارتباط الصوت بالموقف حيث الشّدة في مواقف الترهيب، واللين في مواقف الترغيب، كذلك تحدّث البارزي عن الخفة من خلال تقديم بعض المترادفات، مما يدلّ على تفهّمه لصفات الحروف، ووجد أن الخفيف هو الأكثر في القرآن.
أما المعاصرون فقد فهموا الخفّة على أنها سمة تشمل كلّ مفردات القرآن، وقد اقتبسنا بعض ما ورد عند عبد الكريم الخطيب والدكتور عتر، لنبيّن أن المواقف في القرآن هي التي تحدّد طبيعة الحروف والحركات، وبيّنّا أن القدامى، وإن صرّحوا بجمال الأصوات الليّنة، فإنهم قد وقعوا على جمال الأصوات الشديدة، وعبّروا عن هذا بالفصاحة، وأكّدنا أن القرآن كلّه يتّسم بالخفّة، وليس فيه ما يثقل على اللسان أو الأذن، أو يبعث على النّفور، إنما كانت فيه أصوات شديدة تجسّم المعاني المطلوبة، وقد شارك الصوت الفكرة في القرآن مشاركة فعّالة معبّرة عن الانسجام بين الشكل والمضمون.
ونحن لا نصم القدامى بالخلط والتلفيق عند ما يطلقون عبارات مثل الخفّة والرّشاقة والجزالة، فلا شكّ في أنّها عبارات صحيحة يدركها معاصروهم، وإن يعدّها التّحليل الصّوتي مصطلحات مجملة.
стр. 198
٤ - الحركات والمدود
رأينا أن نذكر الكلام على جمال الحركة مع الكلام على جمال المدود لسببين:
الأول صوتي: لأن الحركة جزء من الصوت، والمدّ حركة طويلة، فالضّمّة صويت، أمّا الواو فهي صوت، وتعدّ ضمّة طويلة المدى.
والسبب الثاني: ضآلة المادة في التّراث وهذا لا يخصّ الحركة والمدود، إذ يتجاوز البنية الداخلية، ليشمل كلّ جوانب الجمال السمعي، وليس الأمر كالتشبيه مثلا، إذ يصادفنا في كلّ التراث البلاغي، ولعلّ السبب يتعيّن في احتياج هذا الفن إلى ذوق خاص، وتمحيص مصاحب بمعرفة لغوية صوتية، فالذين درسوا البنية الداخلية قلّة يعدّون على الأصابع، كما أن كثيرا من نظراتهم بحاجة إلى تصحيح وتوضيح، وتبدو غير مرضية من جهة التعليل.
إن القرآن الكريم هذا السّفر العظيم المعجز، أنزل بلغة العرب، فكان من المحتّم، ومن العناية الإلهية أن يشذّب المفردات، وأن ينتقي ما هو نافع، ويترك الزّبد، ولهذا تعيّن إعجازه في امتلاك المعنى في أجمل صورة، وكان لمن لا يفهم العربية قطعا موسيقية تمتاز بانسجام وترتيب للحركات، وبمدود كثيرة، وأكثر هذه المدود مدّ الألف، وهو سرّ الفصاحة كما قال الرافعي.
وهناك محطّات يقف عندها: أصيلة في الفواصل، وثانوية في الوقف والفواصل الداخلية، وهذه الآيات بالنسبة إلى العربي صورة موسيقية إن صحّ التعبير، فهو لا يمكن أن يفصل هذا النّغم المعبّر عن المشاهد التي ترسمها الكلمات بدقة بارعة، كما يضيف إلى تغنّي غير العربي بالمقاطع عذوبة الفهم والتصور، وفسحة الخيال عند كلمات لا تنحصر معانيها، والكلمات القرآنية كما يبدو للقارئ تكتنف معاني قرآنية لا توجد في العرف، ذلك لأن القائل خالق هذا الكون.
ومن يتمتع بذوق مؤطّر بالعلم، وبالموضوعية ينف أن توزيع الحركات في
стр. 199
مفردات القرآن قد أتى عبثا أو مصادفة، إنّما هناك قصد التهذيب الصوتي، كما وجه التهذيب المعنوي.
ولشدة عناية القرآن بالتنغيم نجد أن أغلب فواصله كانت بالميم والنون، والمدّ بالألف أو الياء أو الواو يسبق معظم رويّ فواصله.
- جمالية الحركات:
امتاز ابن الأثير بنظرة فاحصة جعلته يقلّب النظر في جزئيات الكلمة القرآنية، فراح يتحدّث عن جمال الأصوات من خلال مصطلح الخفّة أو العذوبة، لكنّه أضاف شيئا آخر، وهو أن الجمال الصوتي يتعلّق بالصوت، وكذلك بالصّويت، فذكر أن كثرة الحركات الخفيفة تطيب للسمع، وتلذّ في النّطق، وتلك مسألة صوتية دقيقة دلّ بها على ذوقه الرفيع، ورهافة حسّه.
يقول: «ومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنيّة من حركات خفيفة، ليخفّ النطق بها، وهذا الوصف يترتب على ما قبله من تأليف الكلمة، لهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة لم تستثقل، وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة ... واعلم أنّه قد توالت حركة الضّم في بعض الألفاظ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ثقلا» «١».
ويستشهد ابن الأثير لهذا الاستثناء بكلمات قرآنية توالت فيها حركات الضم، كقوله : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ «٢»، وقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ «٣»، وهو يريد أن يقول: إن الكسرة والفتحة حركتان خفيفتان، بخلاف الضّمة فهي ثقيلة، وتلك القضية الصوتية تشهد بها عملية نطق الضمة التي يكون فيها انكماش الشّفاه.
وقد عاد إلى سورة القمر ونهل منها شواهده، ولكن المرء يؤكّد فكرة عظيمة تتصل بالعقيدة بمجرّد وجود آية تثبت صحّة كلامه، وهنا يعدّ القرآن
стр. 200
الكريم الدليل النّقلي العقلي القاطع، فإذا أراد أن يثبت وجود الملائكة والجنّ يعود إلى آي القرآن، ليتخذ منها براهينه، ذلك لأن العقل لا يشكّ في صحّة كلام القرآن، وسلامته في الوصول إلينا عن طريق التواتر، لكن هذا الاعتماد في الأمور الفنية إجحاف بحقّ القرآن، لأن البلاغة القرآنية وفصاحة كلماته معلّلة من خلال الاستعمال الصحيح والأسلوب الراقي، كما يمكن أن نعلّل وجودها على ما نراه من خلال الفن وسائر المعارف المفيدة.
إن ابن الأثير لا يبيّن سبب كراهة الضّم في الكلمات إلا بالثّقل، فإذا وجدت الضّمة في الكلمات القرآنية بطلت النظرية، وهذا غير مرض وغير مقنع، وتبدو عليه العاطفة الدينية القوية التي توطّرها ذوقية غامضة أيضا، فليست الحجّة مقتصرة على ورود كلمات مثل: سعر وزبر في القرآن.
ويرى يحيى العلويّ في كتابه «الطّراز» أنّ الأولوية لسكون الوسط في الكلمات، وكأنّما كانت تستهويه كثرة المقاطع، أو ما يدعى في علم العروض بالأوتاد، وإذا انتفى وجود سكون الوسط فلا بأس بتوالي حركات الفتح، وإلا فالكلمة ثقيلة مستهجنة، فهو يقول: «فإذا حصل سكون الوسط كان أعدل وأرقّ، وإن توالي ثلاث فتحات فهو أخفّ من الضّم في وسطه، فلهذا كان فرسا أخفّ من عضد، والمعيار في ذلك عرضه على ما قلنا من تحكيم الذوق، ولهذا قد تتوالى ضمّتان، وهو غير ثقيل» «١».
وكأنّما الذوق عند كل من يحيى العلوي وسابقه ابن الأثير شيء معارض للعلم، أو المعرفة الفنية بشكل خاص، فبعد بسط خاصية فنية معلّلة باللغة، يكون في نهاية المطاف مكان للذات لتستخدم الذوق معيارا.
وما يسترعي الانتباه أن صاحب الطّراز يستشهد بالآيتين اللتين ذكرهما ابن الأثير من سورة القمر، ولا يبتعد عن خطاه قيد شعرة، إلا ما كان من رأيه الجديد في جمال سكون الحرف الأوسط، مما يحقق خفّة في النطق.
ولم يهتمّ كلّ دارسي الإعجاز بمثل هذه الجزئيات الفنية، وكأنّما كانوا يخشون مزالق هذا الفن الصوتي، وقد برهنوا على دقّة النّظر والمعيار الواضح
стр. 201
في بيان جوانب بلاغة القرآن من حيث الصورة الفنية، ومناسبة الكلمات للمقام، وإن كان الجمال الصوتي غير بعيد عن ذوقهم، إذ عبّروا عنه بالفصاحة والعذوبة والخفّة وغير هذا.
ولا يحتكم الرافعي إلى العاطفة الدينية أو مجرّد الذوق، إنّما جمال الحركات عنده يظلّ موضوعيا لا علاقة له بتفاوت الذوق الذاتي لدى المتلقّين، فالسّبب كائن في نظم القرآن نفسه، ويتجلّى أمام كلّ نظر دقيق، يقول عن تلاؤم الصوت والحركة: «حتى إنّ الحركة ربّما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثّقل أيها كان، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا ...
من ذلك لفظة «النّذر» جمع نذير، فإنّ الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذّال معا، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوّه في اللّسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكلّ ذلك مما يكشف عنه، ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ «١»، فتأمّل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمله، وتذوّق مواقع الحروف، وأجر حركاتها في حسّ السمع، وتأمل مواضع القلقلة في دال «لقد» وفي الطّاء من «بطشتنا»، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطّاء إلى واو «تماروا» مع الفصل بالمدّ، كأنّها تثقيل لخفّة التّتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضّمة مستخفا بعد، ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعها، كما تكون الحموض في الأطعمة، ثم ردّد نظرك في الراء من «تماروا» فإنّها ما جاءت إلا مساندة الراء «النّذر»، حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجفّ عليه، ولا تغلظ، ولا تنبو فيه، ثم أعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون «أنذرهم» وفي ميمها، وللغنّة الأخرى التي سبقت الذّال في «النّذر» «٢» فالأمر كما نرى يخرج من المفردة ذاتها، ليكون توازنا وتكاملا مع طبيعة الحركات في المفردات السابقة لها، وقد أعجب الباحثون بتحليله، ونقلوه كما نقلناه على طوله من غير أن يضيفوا على اقتباسهم إلا
стр. 202
الإعجاب «١»، ومنهجه واضح من حيث الكشف عن التلاؤم بين صوتيات الآية، وهذا يدلّ على نظرة علميّة موضوعية.
إننا لا نبخس الرافعي حقّه، وجهوده في النظم الموسيقى للقرآن، فنحن ننظر إلى تحليله بإجلال، ففيه لفتة موسيقية تستمدّ ركائزها من معطيات علم التجويد إضافة إلى فنّ الموسيقا، والذوق الموسيقى الرفيع، فكثيرا ما تصادفنا مصطلحات تجويدية من مثل الغنّة والوقف والمدّ والقلقلة، وهذا غير موجود لدى باحث سواه.
ويؤخذ عليه أن نظرته جزئية، فقد وجد أن كثرة الفتحات تنسجم وتوائم توالي الضّمّات في الفاصلة، مما يجعلها خفيفة على اللسان والأذن، وهذا ينمّ على تدبّر عميق للنّسق القرآني، لكن هذه المفردة وردت في سورة القمر نفسها ببنيتها الثقيلة- كما يرى- عشر مرات أيضا، ولم يسبقها هذا التوالي من الفتحات، كما في «بطشتنا» مما
يحقق الانسجام، فإذا عرفنا أنّها ظلّت فاصلة فيما يدعى باللازمة الموسيقية، ولم تسبقها تشكيلة صوتية واحدة من الحركات التي ذكرها، نكون قد اعترفنا بجسأتها في عشرة مواضع.
بيد أن الكلمة جاءت نكرة، وليست معرّفة كما في شاهده، وثمّة فرق بينهما حيث لا توجد نون مشدّدة هنا قبل الضمتين، قال تعالى: فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ «٢».
كذلك يجدر به ألا يعمّم منطلقا من آية واحدة، كما يجب أن يشير إلى طبيعة الحروف، إذ لها تأثير في جعل الضمة ثقيلة أو خفيفة، فقوّتها وبساطتها تتبعان الحرف نفسه، وكما يقول كمال بشر: «فالفتحة مثلا قد تكون مفخّمة، وقد تكون مرقّقة، وقد تكون بين التفخيم والترقيق، فهي مفخّمة مع حروف الإطباق، وهي الصّاد والضّاد والظّاء، وهي في الحالة الوسطى بين التفخيم والترقيق مع القاف والعين والغين والحاء، ولكنها مرقّقة في المواقع الصوتية الأخرى ... وهذا الشيء نفسه يطبّق على الكسرة والضمة» «٣».
стр. 203
ونخلص مما سبق إلى أن النون والذال ليستا من حروف الإطباق، بل هما من حروف الانفتاح «فيبتعد اللسان عن النّطق بها عن الحنك الأعلى تاركا فتحة يمرّ فيها الهواء والصوت» «١».
فالضّمّة في هذه الفاصلة مرقّقة بسيطة بذاتها، لأنّها ارتبطت بهذين الحرفين، وهنا يحضرنا قول جويو: «إن الجرس إنّما هو انسجام بين النّغمة الأساسية والأصوات الثانوية- فإذا سمعته الأذن شعرت بالطّرب الذي تشعر به حين تسمع أيّة موسيقا» «٢».
وهنا يريد بالجرس حلاوة الصوت العام، ولا يختصّ بالحرف وحده، وقد رأى أن الجمال ينشأ من ملاءمة الحركة للحرف، وهذه طبيعة الإيقاع القرآني.
ولا علاقة للنظم الموسيقى الكلي في الآية بكل فاصلة، كما رأى الرافعي إذ يصعب أن يفسّر الأمر على الشكل الذي ارتآه الرافعي، والضمّة أخيرا ليست بالحركة الثقيلة مما يستعصي على اللسان نطقه، إنّما هي أقل خفّة من الفتحة فالأمر نسبي.
ولا يمكن أن ندّعي أن الموسيقا القرآنية شيء مستقلّ عن المعنى في نظر الرافعي، فهي ليست موسيقا خالصة ونقوشا زائدة، وهو يدرك أن التلازم بين الشكل الموسيقى والمعنى أمر مفروغ منه، بيد أنه ركّز اهتمامه على جانب الشكل، فالموسيقى القرآنية عملية تطريب وتنغيم، ولم يخصّص بحثه لرمز الجزئيات الموسيقية.
ونرى أن ثقل الضمة ليس ثقلا حقيقيا، بل يمثّل مغايرة في الفاصلة، إذ تقوم الضمّات بعملية تنبيه للفكر عند آخر محطة من الكلام وهي الفاصلة، فكلّما وصلنا إلى آخر الآية قفزت إلى الذهن معاني التّهديد من خلال مغايرة السّياق الموسيقى، وتأكيد هذا أن الوقوف عند فواصل سورة القمر واجب،
стр. 204
وكذلك يثير شكل الفاصلة هذا المعنى.
ومما يحمد له إشارته إلى الانسجام، فالقرآن حافظ على هذه السّمة، والدليل على هذا سهولة نطق مفرداته، وكثيرا ما نتلمّس خشونة حروف إلى جانب ليونة حروف، وقد قال جويو: «من الأسباب التي تجعل الأذن تضيق بالصّوت الرتيب هو أن الصوت الرتيب يعمل الأذن على نحو واحد، فيضني الأعصاب السمعية، ولا كذلك التنوع في الشّدة والنّغمة، فإنه يريح الأذن حتى في عملها».
وقد ارتبط هذا بتصوير المعاني والمواقف، فالتركيب الداخلي لمفردات وصف أهل الجنة يختلف عن تركيب مفردات وصف أهل النار.
وليت الدارسين قدامى ومحدثين استفادوا- كما استفاد الرافعي- من قواعد التجويد لكشف جماليات السّمع بدلا من إشعارنا بالحدس، وقلّما استفادوا من التّجويد أو فقه اللغة، ولو فعلوا لكانوا أكثر معيارية من الاحتكام إلى الذوق وحده.
- جمالية المدود:
حاول يحيى العلوي أن يقدّم بحثا مفصّلا حول فصاحة المفردة، فراح يعدّد وجوه هذه الفصاحة، وكان اهتمامه بتركيب المفردة يعدّ أصالة واكتشافا جديدا في الجمال الموسيقى لمفردات القرآن، فقد لفت نظره ورود كلمات في القرآن بصيغة الجمع، ولم ترد مفردة، وهذا التلميح يدلّ على تذوّق لجمال وجود الألف في الكلمات التي استشهد بها مثل الأكواب وأصواف وألباب، فأكواب مثلا ذكرت بصيغة الجمع ست عشرة مرة، ولم تذكر مرة واحدة بحالة الإفراد.
وسوف نتناول إحساس هذا الباحث بالبنية الداخلية، إذ يقول: «فأمّا لبّ العقل فأحسن استعمالاته إذا كان مفردا عن الإضافة أن يكون على صيغة الجمع» «١».
وهذا ما لفت نظر الرافعي، فحاول أن يلقي فيه أضواء من عنده مستعينا
стр. 205
بطبيعة الأصوات، فقد جاء في كتابه: «ولم تجيء فيه مفردة- الألباب- بل جاء في مكانها القلب، وذلك لأن لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه الشدة إلا من اللام الشديدة المسترخية، فلما لم يكن ثمّ فصل بين الحرفين يتهيّأ معه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشّدة تحسن اللفظة، مهما كانت حركة الإعراب فيها نصبا أو رفعا أو جرّا، فأسقطها من نظمه بتّة، على سعة ما بين أوّله وآخره، ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة، وهذا على أن فيه لفظة «الجبّ»، وهي وزنها ونطقها، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشّدة في الجيم المضمومة» «١».
ويظهر فضل الرافعي هنا في كشف الغموض الذي اكتنف رأي صاحب الطراز، فصار الجمال عنده موضوعيا ينطلق في إثبات القيمة من الجميل نفسه، فنحن نقرأ قوله تعالى: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ «٢» وقوله تعالى:
وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ «٣»، ونرجّح جمال أكواب على كوب، وجمال ألباب على لبّ، لكننا لا نرضى بمجرد ذكر الثّقل في حالة الإفراد، وهذا الشيء مفسّر من خلال توالي حروف ثقيلة عند الرافعي كاللام والباء، ووجود الآية:
لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ «٤»، لا يمثّل إشكالا، لأن طبيعة الجيم غير طبيعة اللام.
ومن المواضع التي نقف عندها إشارة يحيى العلوي إلى جمال صيغة الجمع في كلمة «أصوافها»، وذلك في قوله تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ «٥»، فإذا احتيج إلى إفرادها ذكر العهن، كما رأى الرافعي في القلب بدلا من إفراد الألباب، يقول يحيى العلويّ:
«واستعمالها مفردة ليس لائقا بالفصاحة، ومن أجل هذا لمّا احتيج إلى استعمالها مفردة جاء بما يخالفها في لفظها كقوله تعالى: كَالْعِهْنِ
стр. 206
الْمَنْفُوشِ «١»، والعهن هو الصّوف، فانظر ما بين العهن والصّوف من التفاوت في الذوق والرقة والرشاقة» «٢».
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن دلالة العهن لا تنطبق على دلالة الصّوف، لأن العهن صوف ملوّن مندوف، واختياره في الآية أليق بتصوير تخلخل الجبال يوم القيامة، ولم يشر العلويّ إلى أهمية مدّ الألف في «أصوافها»، أما الرافعي فهو يعترف ضمنا به من خلال إشارته إلى عدم وجود فاصل بين اللام والباء في كلمة «لبّ».
ويبدو أنّ توالي انضمام الشفتين، مرة عند نطق حرف المدّ الواو، وأخرى عند نطق الفاء،- وهي المحطة- دلّه على جمال الجمع، فالفاء حرف شفوي تنكمش الشّفاه عند لفظه، وقد تكرّر هذا الانكماش في مدّ الواو وفي الفاء، ولعلّ هذا يدور في ذهن الباحث القديم الذي نوّه به، وكان مغلّفا بحاجز من مصطلح الذّوق أو الرّشاقة أو الرّقّة، على أن القرآن ذكر كلمتي «معروف» و «رءوف» قال تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ «٣»، ووَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ «٤»، ومما يدلّ على جزئية النظرة السابقة.
والألف بعد هذا تكون قد أبعدت الثّقل، ومما لم يذكره العلوي وزن هذه الكلمة، فهو يتكاتف مع وزن سائر الكلمات القريبة، ليشكّل إيقاعا جميلا، فالكلمات القريبة الثلاث على وزن «أفعال»، والألف وسط كلمة «أثاثا».
ومن المرجّح أن تصل جذور هذه الخاصيّة الفنية إلى الجاحظ، وربّما كانت عند سابقيه أيضا، ذلك لأن الذوق ينفر مما ينبو على اللّسان، ويستهجن المرء كل ثقيل بطبعه حتى يصبح هذا الاستثقال فنا، وأصلا لغويا مستمرا.
ويمكن أن يكون صاحب الطراز قد اتكأ على الجاحظ الذي لفت نظرنا إلى أن القرآن يذكر السّمع، ولا يذكر الأسماع، ويذكر الأرض ولا يذكر
стр. 207
الأرضين «١»، فليس كل جمع مستحبّا، فأراد صاحب الطراز أن يرصد لهذه الظاهرة الفنية مفردات قرآنية أخرى، ولكنّه لم يضف كثيرا إلى ما جاء به تلميح سابقه، وإذا
كنّا نكتفي بالتلميح هناك ففي «الطّراز» المتخصص بأجزائه الثلاثة بالبلاغة القرآنية لا نقبل بالذوق الذي بني عليه حكم الجاحظ.
وكذلك لم يقف على ظاهرة الجمع والإفراد سوى العلوي والرافعي، وهذا يؤكّد قلّة البحث الموسيقى في بنية المفردات، على الرّغم من كثرة الاهتمام بالمحسّنات اللفظية التي لها شأن كبيرة بالنّغم، فلم يذكر أحد هذه الخاصية بعد العلوي إلّا الرافعي، وفي الوقت نفسه نجد شاهد تشبيه أعمال الكفار بالسّراب في قوله تعالى: أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً «٢» في كل كتب الإعجاز والبلاغة، وكذلك ما يتّصل بالإيجاز وغيره، والسبب- كما قلنا سابقا- أن الموسيقا الداخلية كانت عسيرة على الفهم والشّرح وتحتاج إلى إمكانات خاصة حاجة ماسّة.
وهذا التقصير لا ينحصر فيما جاء من التراث الأدبي، فإهمال التشكيل الصوتي وارد في كتب المعاصرين إلا ما كان من الرافعي بشكله المنهجي، وسيّد قطب بشكله غير المنهجي، فما لمسوه يعدّ يسيرا بالنسبة لاهتمامهم بالصورة البصرية والإيحاءات.
وهذه المادة اليسيرة تسير وفق منهجين:
الأول: منهج إجمالي، فيه التلميح المبهم يطغى من خلال أسلوب الدارسين الخلّاب، واهتمامهم بالعبارات العامة شأن الباقلاني، وهؤلاء لم يربطوا الصورة السّمعية بنفسية المتلقّي، أو بإحكام صورة المعنى.
أما المنهج الثاني: فقد بسط فيه أصحابه هذه الجمالية محاولين الاتكاء على معيار يبعدهم عن الشّطط والغلوّ والتكهّن، وظلّت نظرتهم جزئية لا تشمل الكثير من المفردات، ولم يخصّصوا لهذا مكانا واسعا في بحوثهم، بل حظي بصفحات قليلة في كل بحث.
стр. 208
وكثيرا ما يشير المعاصرون إلى صفة العذوبة، وإلى ذيّاك اللحن العذب، وإمتاعه للآذان، من غير أن يقدّموا شواهد وافية أو غير وافية تثبت صحّة رأيهم.
نجد من خلال استطلاع جهودهم الفنية أن سيّد قطب أكثر من اهتمّ بالمدود والحركات إلى جانب الرافعي، وإن مال في كثير من المواضع إلى الغموض والذاتية المبهمة، فنقع على تحليل شخصي يناسب نفسية الباحث فقط.
بيد أننا لا نخفي أنّه ما انفكّ يربط بين الصورة السمعية والحالة النفسية المطلوبة في الآية، وهنا مراعاة فنية، إلا أنّها خفيّة على كلّ نظرة سطحيّة عابرة.
ومن ذلك ما جاء في قوله : وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ «١»، ومن الدّقة الباهرة أن يعلّق على جمال الْحَزَنَ بالفتحة، وهنا يستثنى من قاعدة الطّراز الذي رأى أن سكون الوسط أعدل من تحريكه، يقول سيّد: «الجو كلّه يسر وراحة ونعيم، والألفاظ مختارة، لتتسق بجرسها وإيقاعها مع هذا الجوّ الحاني الرّحيم، حتى «الحزن» لا يتّكأ عليه بالسكون الجازم، بل يقال «الحزن» بالتّسهيل والتخفيف «٢».
وكثيرا ما نستشف رهافة حسّه، وإدراكه لدقائق فنية في بنية الكلمات، كالمدود والحركات والانسجام بين الشّدة والرخاوة، وذلك من خلال مصطلحين يظلّ يردّدهما في كتبه، وهما الإيقاع والجرس، ولا نجد عنده لغة علمية واضحة كما وجدنا عند الرافعي.
وثمّة مفردات وردت في بعض السّور المكية، وكانت بتركيبها جديدة على الصّياغة العربية المعهودة، وهذه المفردات هي الصاخّة على وزن اسم الفاعل من صخّ يصخّ، أي يؤثّر في الأذن بصوته الشديد، وكذلك اشتقّت الحاقّة من الحق، والقارعة من القرع، والواقعة من وقع يقع، والطامّة من فعل طمّ يطمّ.
стр. 209
وعلى الرغم من كون المعنى معروفا في الدلالة العربية، غير أن الصّيغة الجديدة جاءت مناسبة للمعنى الديني الجديد على المفاهيم العربية، وكلّها صفات أو أسماء ليوم القيامة، ويقول قطب عن الحاقّة: «الرّنّة المدوّية في القاف، والهاء الساكنة بعدها سواء أكانت تاء مربوطة يوقف عليها بالسّكون، أو هاء للسّكت مزيدة لتنسيق الإيقاع» «١».
ونفهم منه أنّه لم ينتبه إلى جمال المدّ، وشغل بالدّويّ الذي يعبّر به عن الشدة على القاف، والمعروف في فقه اللغة أنه يوجد تماد في المدّ هنا، لوجود الشّدة على القاف، وهو في علم التجويد «مد لازم مثقّل» يمدّ بست حركات.
وفي هذا يقول ابن جني: «فحينئذ ينهضون بالألف بقوة الاعتماد إليها، فيجعلون طولها ووفاء الصوت بها عوضا مما كان يجب لالتقاء الساكنين من تحريكها، إذا لم يجدوا عليه تطرّقا، ولا بالاستراحة إليه تعلّقا، وذلك نحو شابّة ودابّة» «٢».
وقد اقتبسنا قول ابن جني متخذين من جمال المدّ هنا شاهدا أو نموذجا، فيمكن أن يستعين الدارس بمعطيات هذا العلم، وبالتجويد كما سيمرّ بنا، ولا شكّ أن جماليات المدود منثورة في كلمات القرآن بكثرة، وتحتاج إلى مثل هذه المنهجية.
كذلك وقف محمد المبارك في دراسته الأدبية للقرآن على هذه المفردات الجديدة، وتحدث عن جدتها، ولفت النظر إلى جمال المد فيها قائلا عن أوائل سورة الحاقّة:
«تتكرر فيها كلمة «الحاقة»، وهي الكلمة الجديدة التي تعبّر هنا عن يوم القيامة والحساب، وتتكرر فيها هذه القاف المشدّدة التي تقرع السمع قرعا، والمسبوقة بالمدّ الطويل الممهّد لها، والمبرز لشدّتها، والمختومة بالهاء التي تنطفئ عندها شدّتها» «٣».
стр. 210
ويلحظ في كلام المبارك أن ما يدوّي هو حرف القاف المشدّد، ذلك الحرف المطبق الشديد، ومما ساعد على إبرازه سبقه الألف.
ولو أن الباحث رجع إلى علم التجويد، والتجويد يعني القراءة الصحيحية العادلة للقرآن الكريم لأدرك دقائق فنية موسيقية تكون عونا له على كشف مصطلح الإيقاع أو اللحن، فإن التجويد يقول بوجود أنواع للمدود، فهنالك مدّ بحركتين، ومد بأربع حركات، ومدّ بستّ حركات، وهو: «مدّ لازم مثقّل:
وضابطه مثل الطامّة والصاخّة، أتحاجّوني، تأمرونّي، والمدّ اللازم بجميع أنواعه الأربعة يجب مدّه بمقدار ست حركات، ويسمّى الإشباع، وهذا عند جميع القرّاء» «١».
ولو طبقت أنواع المدود اللازمة مثلا لوجدنا مادة وفيرة عند الباحثين، وكثيرا من الآراء كانت في أمسّ الحاجة إلى مفاتيح هذا الفن.
إذن فقطب وغيره يكتفون بالإشارة إلى عنف الصوت أو سلاسته، ولا يفسّرونه في الأغلب، والحق أن هذا العنف المبثوث في طيّات هذه المفردات السابقة يكمن في وجود هذا المدّ الطويل الذي لا غنى عنه، حتى الوصول إلى الشّدّة، وكأنما تصوّر الحركات شدّة هذا اليوم الهائل، فهي تصوّر الهبوط القويّ الذي يفسّر معنى الطمّ والصخّ وغير هذا.
وإذا كانت هذه الصيغة غير مستساغة في فنّ الشعر، فإنّ لها دوافع فنية في إيقاع القرآن، لذلك يستبعد هنا عن جادّة الصواب رأي عبد الصبور شاهين الذي ينقل رأي «فليش» في استهجان هذه الصيغة في الشعر، وهو يرى السبب في قوله: «يحدث مقطع مديد غير مرض في الشعر، لتنافيه مع الإيقاع البسيط الطبيعي للغة» «٢».
وهذا لا ينبو إلا مع طبيعة إيقاع الشعر، الذي يعتمد الأوتاد المنتهية بسكون واحد، فمثل هذه الصيغة تخلّ بالوزن العروضي، وغالبا ما يرد هذا في
стр. 211
البيان القرآني في مواقف الشّدة والتّهديد والتّقريع العنيف، فكلمة «تشاقّون» ترد في موقف دحض حجّة المشركين الواهية، إذ يقول ﵎: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ «١»، ويقول تعالى عن المنافقين: وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى «٢»، ويقول في سورة الشورى:
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ «٣» وغيرها.
لم يسر قطب على وتيرة واحدة في منحى الغموض، فهناك وقفات صرّح فيها في تأمله بالجزء البسيط من المفردة كأن يكون حركة، كما وجدنا في كلمة «الحزن» حيث أشار إلى ارتياح الشّفاه مع الفتحة، وهو يتأمل المدّ في سورة الرحمن ويقول: «وزنة الإعلان تتجلّى في بناء السّورة كلّه، وفي إيقاع فواصلها ... تتجلّى في إطلاق الصّوت إلى أعلى، وامتداد التّصويت إلى بعيد ... الرحمن كلمة واحدة مبتدأ مفرد، الرحمن كلمة واحدة في معناها وفي رنّتها الإعلان» «٤».
وبما أن للمدّ دلائله الخاصة بكل سورة، ففي كلمة «الصّاخة» يأتي العنف والقسوة، وكأنه يشقّ الآذان، وفي كلمة «الرحمن» يدلّ على معنى الإعلان، ومعنى الصعود بالبشر إلى الملكوت، كما نجد هذا متجلّيا في المآذن التي تصعد بتضرّعات المؤمنين إلى السماء، فدلائل المدّ مختلفة، ولهذا يرى محمد المبارك في المدّ في سورة العاديات ما يوحي بالتأمّل، إذ يقول: «أما القسم الثاني من السورة، فهو أطول نفسا، وأكثر مدودا، وكأنه يشير بمدوده الطويلة إلى التأمل الطويل، والهدوء النفسي» «٥».
وهذا يظهر بجلاء لدى المغايرة في الفاصلة مما يعني انتهاء تصوير المقسم به، فنصل إلى المدود في «كنود» و «شديد» و «قبور» و «خبير» و «شهيد»، بعد أن كانت الفاصلة بالتنوين والسكون «ضبحا»، «نقعا»، «جمعا».
стр. 212
ولا نريد من الباحث أن يبسط الجمال الموسيقى بمعزل عن دلالة الموقف، وهذا ما أخذناه على الرافعي، وكذلك لا نريد أن يربط الباحث ربطا قسريّا بين طبيعة الصوت والمعنى، مما يكون منشؤه الإسقاط الشخصي.
وقد رأينا للدكتور نور الدين عتر لفتات جيدة في هذا المضمار، فهو لم ينفكّ يربط بين الجمال الموسيقى والفكرة، ويرى أن الموسيقا تساعد على جلاء الفكرة في الآيات، وتساعد على التصوير، وذلك في تفسير الآية: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ «١». ويقول الدكتور عتر: «أما الحاجّة بالدّليل فنجد أنّ النّغم الموسيقى يرتفع بتلاحق الحركات في كلمة «قل أرأيتم» التي ذكرت مرتين، ثم في هذا الاستفهام «من إله» والاستنكار «أفلا» فيملأ الأذن بحركات ذات قوّة خاصة تبرز في السّياق، لتكون عامل إيقاظ وتنبيه» «٢».
فلكي يكون أكثر منهجية ووضوحا ألمح إلى تعاضد النّظم للموسيقا، كما في الاستنكار والاستفهام، ويمكن أن نضيف إلى هذا قوله : «أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ «٣»، فإنّ نغمة تلاحق الحركات في كلمة «أفحسب» تعضد الاستفهام الإنكاريّ التّوبيخيّ الدّالّ على تقريع، لتبيّن سفاهة الكفار، وتبرز الحجّة عليهم.
وفي تفسير أواخر سورة الكهف يقول عن فاصلتي الآيتين: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً، وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً «٤»:
«ثم يأتي الإيقاع القرآني قويا في النّفس، في وصف الجموع في الحشر يوم القيامة، باستعماله البديع للمصدر المؤكّد «جمعا» و «عرضا» بما فيهما من تقوية للمعنى، وما فيهما من التنكير والتنوين اللذين يطلقان أعنّة الخيال، كما
стр. 213
يحدثان في الوقت نفسه نغما موسيقيا يمتدّ مع انطلاق الخيال» «١».
ونحن لا نطالب الباحث بالوقوف على كلّ حركة والتحدث عن جمالها ووقعها في النّفس، ولا نطالب بالتّحتيم الدائم، بيد أن الفنّ لا يكون كشفه بالغموض، فهناك روائز محكمة يمكن أن يكشف الغطاء عنها، وربّما عبّر إصرار الباحث على ربط الصوت بالمعنى عن حدس وتخمين، وهذا يؤدي إلى الإضرار بدراسات القرآن دراسة علمية منهجية، وعليه أن يكتفي بتلاؤم نغم الحروف مع مقاصد الكلمات أما زيادة الإيغال فلا حاجة لها.
ولا بدّ من أن نؤكد أخيرا أن الدارسين القدامى قد لفتوا النظر إلى دقائق موسيقية في نسق القرآن، وإن اكتنف نظرتهم شيء من الغموض والإجمال، ثمّ جاء الرافعي واعتمد شواهد هم القرآنية، واحتكم إلى فن الموسيقا اللغوية، وإن ظلّ كلامه في حاجة إلى توضيح، وهو يهتمّ بجمال الشكل، ولم يربطه بالمضمون، فكان همّه تبيين السلاسة في وقع الكلمة على الأذن.
ونستنتج مما اقتبسناه من دراسات المعاصرين أنّ الإجمال لا يقتصر على القدامى، بل ينطبق على كثير من نظرات المعاصرين الذين اتسمت نظرتهم بالمبالغة إلى جانب الإجمال، لذلك نرجّح الأسلوب الذي جاء عند محمّد المبارك والدكتور عتر.
ولا بدّ من القول إن هذه الجمالية الموسيقية ضئيلة بالنسبة إلى اهتمامات دارسي الإعجاز بأبواب البلاغة الأخرى، كالصورة البصرية والدّلائل النفسية لمضمون أفكار المفردات، ويبدو أن السّبب هو صعوبة توضيح هذه الجمالية وشرحها، مما يحتاج إلى إمكانات خاصة في مجال الفن، وربّما خشي الدارس القديم المبالغة، فاحتاط في تعبيره واكتفى بمصطلحه، كالعذوبة والخفّة والرّقة والفصاحة خشية من مزالق نظرة مغالطة.
وعلى الرغم من هذا نؤكّد أنهم يستطيعون إبراز هذه الجمالية من خلال تفهم معطيات فقه اللغة وعلم التجويد، ولا ننفي أن مصطلحهم القديم كان يشتمل على كلّ جمال صوتي نتحدّث عنه في عصرنا.
стр. 214
٥ - مظاهر الأونوماتوبيا
- تعريف الأونوماتوبيا ( onomatopoea)
: الأونوماتوبيا هي عملية تجسيد الصوت للمعنى، فيكون الشكل بذاته دالّا على مضمونه، والنقد الحديث صار يؤكّد هذه الظاهرة في الأدب على أنها عنصر ترميز، بحيث يصبح الشكل شفافا مصوّرا جوانب المعنى بصوته، وقد جاء في تعريفها:
١ - هي تسمية الأشياء بحكاية أصواتها كالقهقهة بالنسبة إلى الإنسان، والصّهيل بالنسبة إلى الفرس، والخرير بالنسبة إلى الماء.
٢ - المحاكاة الصوتية: أي اختيار ألفاظ يوحي صوتها بمعناها «١».
يدلّنا المعجم من خلال تعريف الظاهرة اللغوية، على وجودها في اللغات الأخرى إضافة إلى العربية، مثال: كلمة Hiss التي تعني الصّفير، فقد أوحى ال SS اللذان يقابلان السّين في لغتنا، وهي كلمة إنجليزية، وكذلك كلمة bang التي تعني ضربة عنيفة، ولا شك في أن الحروف الثلاثة bng مجتمعة توحي بهذا المعنى، وكذلك يورد المعجم أمثلة فرنسية «٢».
وكتب الإعجاز القديمة لم تنوّه بهذه الجمالية، وهي عند المحدثين تترجّح بين الإجمال والسّطحية، وبين الغزارة والعمق، وذلك على اختلاف أسلوب الدارس، واختلاف حجم ثقافته، وسوف نبيّن أن للموروث اللغوي العربي يدا في الأمر.
من المعروف أن البحث عن نشأة اللغة معضلة كبيرة، وأن الحديث عن تفاصيل هذه القضية ذو شجون، وأن النظريات أو الفرضيات الموضوعة متنوعة ومختلفة، وبيّنة التعارض أحيانا.
стр. 215
ما يستحوذ على اهتمامنا أنّ هناك النظرية الاعتباطية التي تنفي العلاقة بين ماهية الصوت وبين دلالته، وذلك على عكس نظرية المحاكاة التي ترى أنّ الصوت يحاكي الطبيعة، وأنّ لهذا بقايا ثابتة في المخزون اللغوي المتداول.
ونظرية المحاكاة آخذة في القدم، وقد «كان سقراط وأفلاطون ممّن يرون أن الصّلة بين الأصوات والمدلولات طبيعية حتمية، في حين أنّ أرسطو كان يراها صلة عرفية لا تعدو أن تكون بمنزلة رمز اصطلح الناس على وصفه للمدلول» «١».
ونلحظ مما سبق أنّ المنظّرين الجماليين المثاليين يحتّمون المحاكاة، ومنهم سقراط وأفلاطون، وأنّ هذه القضية شغلت كبار الفلاسفة، مما يحدو بنا إلى القول إنها قضية فكرية قديمة قدم الفلسفة، وكانت هذه النظرة تقتصر على وصف مشاهد الطّبيعة.
- جذورها في تراثنا:
لقد ذهب عبادة الصيرمي وهو من المعتزلة إلى أن دلالة اللفظ على معناه بذاته لا بالوضع، وقد غالى في ذلك، وعند ما سألوه عن معنى «إذغاغ» في لغة البربر، قال: «أظنها الحجر» كما استشفّ من أصواتها «٢».
ومن الأسلاف العرب الذين أخذوا بجانب من هذه النظرية، ولم يعمّموا، فقيه اللغة العالم ابن جني، وقد عرّج على هذه الفكرة في بابين من كتابه النّفيس «الخصائص» وهما «باب تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني» و «باب إمساس الألفاظ أشباه المعاني».
ومما يفيد بحثنا أن أبا الفتح بن جني دعم رأيه بمفردات من القرآن الكريم، إضافة إلى شواهد من اللغة العربية، فذكر الآية الكريمة: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا «٣»، وقال: «أي تزعجهم