البيان القرآني في مواقف الشّدة والتّهديد والتّقريع العنيف، فكلمة «تشاقّون» ترد في موقف دحض حجّة المشركين الواهية، إذ يقول ﵎: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ «١»، ويقول تعالى عن المنافقين: وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى «٢»، ويقول في سورة الشورى:
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ «٣» وغيرها.
لم يسر قطب على وتيرة واحدة في منحى الغموض، فهناك وقفات صرّح فيها في تأمله بالجزء البسيط من المفردة كأن يكون حركة، كما وجدنا في كلمة «الحزن» حيث أشار إلى ارتياح الشّفاه مع الفتحة، وهو يتأمل المدّ في سورة الرحمن ويقول: «وزنة الإعلان تتجلّى في بناء السّورة كلّه، وفي إيقاع فواصلها ... تتجلّى في إطلاق الصّوت إلى أعلى، وامتداد التّصويت إلى بعيد ... الرحمن كلمة واحدة مبتدأ مفرد، الرحمن كلمة واحدة في معناها وفي رنّتها الإعلان» «٤».
وبما أن للمدّ دلائله الخاصة بكل سورة، ففي كلمة «الصّاخة» يأتي العنف والقسوة، وكأنه يشقّ الآذان، وفي كلمة «الرحمن» يدلّ على معنى الإعلان، ومعنى الصعود بالبشر إلى الملكوت، كما نجد هذا متجلّيا في المآذن التي تصعد بتضرّعات المؤمنين إلى السماء، فدلائل المدّ مختلفة، ولهذا يرى محمد المبارك في المدّ في سورة العاديات ما يوحي بالتأمّل، إذ يقول: «أما القسم الثاني من السورة، فهو أطول نفسا، وأكثر مدودا، وكأنه يشير بمدوده الطويلة إلى التأمل الطويل، والهدوء النفسي» «٥».
وهذا يظهر بجلاء لدى المغايرة في الفاصلة مما يعني انتهاء تصوير المقسم به، فنصل إلى المدود في «كنود» و «شديد» و «قبور» و «خبير» و «شهيد»، بعد أن كانت الفاصلة بالتنوين والسكون «ضبحا»، «نقعا»، «جمعا».
стр. 212
ولا نريد من الباحث أن يبسط الجمال الموسيقى بمعزل عن دلالة الموقف، وهذا ما أخذناه على الرافعي، وكذلك لا نريد أن يربط الباحث ربطا قسريّا بين طبيعة الصوت والمعنى، مما يكون منشؤه الإسقاط الشخصي.
وقد رأينا للدكتور نور الدين عتر لفتات جيدة في هذا المضمار، فهو لم ينفكّ يربط بين الجمال الموسيقى والفكرة، ويرى أن الموسيقا تساعد على جلاء الفكرة في الآيات، وتساعد على التصوير، وذلك في تفسير الآية: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ «١». ويقول الدكتور عتر: «أما الحاجّة بالدّليل فنجد أنّ النّغم الموسيقى يرتفع بتلاحق الحركات في كلمة «قل أرأيتم» التي ذكرت مرتين، ثم في هذا الاستفهام «من إله» والاستنكار «أفلا» فيملأ الأذن بحركات ذات قوّة خاصة تبرز في السّياق، لتكون عامل إيقاظ وتنبيه» «٢».
فلكي يكون أكثر منهجية ووضوحا ألمح إلى تعاضد النّظم للموسيقا، كما في الاستنكار والاستفهام، ويمكن أن نضيف إلى هذا قوله : «أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ «٣»، فإنّ نغمة تلاحق الحركات في كلمة «أفحسب» تعضد الاستفهام الإنكاريّ التّوبيخيّ الدّالّ على تقريع، لتبيّن سفاهة الكفار، وتبرز الحجّة عليهم.
وفي تفسير أواخر سورة الكهف يقول عن فاصلتي الآيتين: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً، وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً «٤»:
«ثم يأتي الإيقاع القرآني قويا في النّفس، في وصف الجموع في الحشر يوم القيامة، باستعماله البديع للمصدر المؤكّد «جمعا» و «عرضا» بما فيهما من تقوية للمعنى، وما فيهما من التنكير والتنوين اللذين يطلقان أعنّة الخيال، كما
стр. 213
يحدثان في الوقت نفسه نغما موسيقيا يمتدّ مع انطلاق الخيال» «١».
ونحن لا نطالب الباحث بالوقوف على كلّ حركة والتحدث عن جمالها ووقعها في النّفس، ولا نطالب بالتّحتيم الدائم، بيد أن الفنّ لا يكون كشفه بالغموض، فهناك روائز محكمة يمكن أن يكشف الغطاء عنها، وربّما عبّر إصرار الباحث على ربط الصوت بالمعنى عن حدس وتخمين، وهذا يؤدي إلى الإضرار بدراسات القرآن دراسة علمية منهجية، وعليه أن يكتفي بتلاؤم نغم الحروف مع مقاصد الكلمات أما زيادة الإيغال فلا حاجة لها.
ولا بدّ من أن نؤكد أخيرا أن الدارسين القدامى قد لفتوا النظر إلى دقائق موسيقية في نسق القرآن، وإن اكتنف نظرتهم شيء من الغموض والإجمال، ثمّ جاء الرافعي واعتمد شواهد هم القرآنية، واحتكم إلى فن الموسيقا اللغوية، وإن ظلّ كلامه في حاجة إلى توضيح، وهو يهتمّ بجمال الشكل، ولم يربطه بالمضمون، فكان همّه تبيين السلاسة في وقع الكلمة على الأذن.
ونستنتج مما اقتبسناه من دراسات المعاصرين أنّ الإجمال لا يقتصر على القدامى، بل ينطبق على كثير من نظرات المعاصرين الذين اتسمت نظرتهم بالمبالغة إلى جانب الإجمال، لذلك نرجّح الأسلوب الذي جاء عند محمّد المبارك والدكتور عتر.
ولا بدّ من القول إن هذه الجمالية الموسيقية ضئيلة بالنسبة إلى اهتمامات دارسي الإعجاز بأبواب البلاغة الأخرى، كالصورة البصرية والدّلائل النفسية لمضمون أفكار المفردات، ويبدو أن السّبب هو صعوبة توضيح هذه الجمالية وشرحها، مما يحتاج إلى إمكانات خاصة في مجال الفن، وربّما خشي الدارس القديم المبالغة، فاحتاط في تعبيره واكتفى بمصطلحه، كالعذوبة والخفّة والرّقة والفصاحة خشية من مزالق نظرة مغالطة.
وعلى الرغم من هذا نؤكّد أنهم يستطيعون إبراز هذه الجمالية من خلال تفهم معطيات فقه اللغة وعلم التجويد، ولا ننفي أن مصطلحهم القديم كان يشتمل على كلّ جمال صوتي نتحدّث عنه في عصرنا.
стр. 214
٥ - مظاهر الأونوماتوبيا
- تعريف الأونوماتوبيا ( onomatopoea)
: الأونوماتوبيا هي عملية تجسيد الصوت للمعنى، فيكون الشكل بذاته دالّا على مضمونه، والنقد الحديث صار يؤكّد هذه الظاهرة في الأدب على أنها عنصر ترميز، بحيث يصبح الشكل شفافا مصوّرا جوانب المعنى بصوته، وقد جاء في تعريفها:
١ - هي تسمية الأشياء بحكاية أصواتها كالقهقهة بالنسبة إلى الإنسان، والصّهيل بالنسبة إلى الفرس، والخرير بالنسبة إلى الماء.
٢ - المحاكاة الصوتية: أي اختيار ألفاظ يوحي صوتها بمعناها «١».
يدلّنا المعجم من خلال تعريف الظاهرة اللغوية، على وجودها في اللغات الأخرى إضافة إلى العربية، مثال: كلمة Hiss التي تعني الصّفير، فقد أوحى ال SS اللذان يقابلان السّين في لغتنا، وهي كلمة إنجليزية، وكذلك كلمة bang التي تعني ضربة عنيفة، ولا شك في أن الحروف الثلاثة bng مجتمعة توحي بهذا المعنى، وكذلك يورد المعجم أمثلة فرنسية «٢».
وكتب الإعجاز القديمة لم تنوّه بهذه الجمالية، وهي عند المحدثين تترجّح بين الإجمال والسّطحية، وبين الغزارة والعمق، وذلك على اختلاف أسلوب الدارس، واختلاف حجم ثقافته، وسوف نبيّن أن للموروث اللغوي العربي يدا في الأمر.
من المعروف أن البحث عن نشأة اللغة معضلة كبيرة، وأن الحديث عن تفاصيل هذه القضية ذو شجون، وأن النظريات أو الفرضيات الموضوعة متنوعة ومختلفة، وبيّنة التعارض أحيانا.
стр. 215
ما يستحوذ على اهتمامنا أنّ هناك النظرية الاعتباطية التي تنفي العلاقة بين ماهية الصوت وبين دلالته، وذلك على عكس نظرية المحاكاة التي ترى أنّ الصوت يحاكي الطبيعة، وأنّ لهذا بقايا ثابتة في المخزون اللغوي المتداول.
ونظرية المحاكاة آخذة في القدم، وقد «كان سقراط وأفلاطون ممّن يرون أن الصّلة بين الأصوات والمدلولات طبيعية حتمية، في حين أنّ أرسطو كان يراها صلة عرفية لا تعدو أن تكون بمنزلة رمز اصطلح الناس على وصفه للمدلول» «١».
ونلحظ مما سبق أنّ المنظّرين الجماليين المثاليين يحتّمون المحاكاة، ومنهم سقراط وأفلاطون، وأنّ هذه القضية شغلت كبار الفلاسفة، مما يحدو بنا إلى القول إنها قضية فكرية قديمة قدم الفلسفة، وكانت هذه النظرة تقتصر على وصف مشاهد الطّبيعة.
- جذورها في تراثنا:
لقد ذهب عبادة الصيرمي وهو من المعتزلة إلى أن دلالة اللفظ على معناه بذاته لا بالوضع، وقد غالى في ذلك، وعند ما سألوه عن معنى «إذغاغ» في لغة البربر، قال: «أظنها الحجر» كما استشفّ من أصواتها «٢».
ومن الأسلاف العرب الذين أخذوا بجانب من هذه النظرية، ولم يعمّموا، فقيه اللغة العالم ابن جني، وقد عرّج على هذه الفكرة في بابين من كتابه النّفيس «الخصائص» وهما «باب تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني» و «باب إمساس الألفاظ أشباه المعاني».
ومما يفيد بحثنا أن أبا الفتح بن جني دعم رأيه بمفردات من القرآن الكريم، إضافة إلى شواهد من اللغة العربية، فذكر الآية الكريمة: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا «٣»، وقال: «أي تزعجهم
стр. 216
وتقلقهم، فهذا في معنى تهزّهم هزّا، والهمزة أخت الهاء، فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصّوا هذا المعنى بالهمزة، لأنها أقوى من الهاء، وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز، لأنك قد تهزّ ما لا بال له، كالجذع وساق الشجرة، ونحو ذلك» «١».
والهمزة والهاء حرفان حلقيّان، ولاختلاف مكان كلّ منهما في مدرج الحلق كانت الهمزة أقوى من الهاء.
ونراه يستنطق الطبيعة ليفسّر الفرق بين النّضح والنّضخ، فيذكر الآية الكريمة: فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ «٢»، يقول: النّضخ للماء ونحوه، والنّضخ أقوى من النّضح، فجعلوا الحاء- لرقتها- للماء الضعيف، والخاء- لغلظها- لما هو أقوى منه» «٣»، فالخاء له دخل في الدّلالة على العنف والكثرة.
ولا بدّ من التنويه هنا بأنّ ابن جني لا يعطي لنظرية المحاكاة كلية التّفسير، فهي عنده تشمل قسما معيّنا من مفردات اللغة، فهذه الدّلالة الصوتية تمثل بعضا من كلّ، وهي كما رئي في العصر الحديث، فالعالم اللغوي «يسبرسن» يقدّم نظرية المحاكاة مع نظريات أخرى مخالفة، وكذلك سار علي عبد الواحد وافي وصبحي الصالح وإبراهيم أنيس على خطا ابن جني.
ولم تكن هذه الأصوات في معتقد ابن جني مصوّرة تماما للمعنى، بل هي تقوم بعامل الملاءمة، وتساعد على التصوير، وذلك يبدو جليّا من اختياره لتعريف الباب
بالمصاقبة، أي المقاربة أو المجاورة، وكذلك يعرّف الباب الثاني بالإمساس، ولا يقول بالمطابقة الكلية، وسوف يتضح هذا المنحى في تأملات دارسي الإعجاز المحدثين إذ لم يقولوا بالمحاكاة التامة دائما.
لقد ذكر ابن جني أمثلة كثيرة لهذا، ومنها كلمة «شدّ»، إذ يقول: «فالشين» لما فيها من التفشّي تشبه بالصوت انجذاب الحبل قبل استحكام العقد، ثم يليه إحكام الشدّ والجذب، وتأريب العقد، فيعبّر عنه بالدّال التي هي أقوى من
стр. 217
الشين، ولا سيما وهي مدغمة» «١».
فالحركات تقوم بمكاتفة للحروف في عملية التجسيد، وهذا ما سيتضح أثره في بحوث الإعجاز الحديثة.
ووجد الباحثون الجدد أن هذه النظرية- كما هو واضح في المخزون اللغوي- لا تستوفي كل المفردات، ففي اللغة ما هو رمزي وصل إلى مرحلة التّجريد، وليس له علاقة بالطبيعة، وما هو وصفي احتفظ بتلك العلاقة، وبهذا نوّه المجذوب، ويلتقي معه في هذا الرأي إبراهيم أنيس وصبحي الصالح، وعلي عبد الواحد وافي، إذ يقول: «أما النوع المحتفظ بوصفيّته نحو زحير وزفرة وصهصليق وأملس وزمهرير، ونعني بالوصفية هنا أن الواضع راعى في مدلولات هذه الكلمات صفاتها الواضحة المدركة بالحواسّ، وحاول تقليدها بحروف منها مشابه من هذه الصفات» «٢».
خلاصة القول أن الوصفية مرحلة أولية من نشأة اللغة، وهي تتّسم بالطابع الحسّي، كما أن شدّة لصوقها بالحواس البشرية، تجعلها مثيرة لهذه الحواس عند ورودها في القرآن الكريم، وتزيد التأثير الوجداني في النفس، وهذه السّمة موجودة في كل اللغات الإنسانية، خصوصا أن هؤلاء الدارسين يذكرون شواهد أجنبية إلى جانب الشواهد العربية.
ونستنتج من هذا التمهيد أن «الأونوماتوبيا» ليست مجرد تأثّر بالنقد الغربي الحديث، فجذورها موجودة في الموروث اللغوي العربي، وما هي إلا هذه المصاقبة أو هذا الإمساس اللذان ذكرهما ابن جني، ولا يستبعد أنه قد اعتمد ملاحظات سابقيه، وأن التّنبيه إلى هذه الظاهرة مبكّر من زمن الخليل وسيبويه «٣»، وقد استشهد بهما في هذين البابين من كتابه.
стр. 218
- منهج المحدثين:
وأول من تعرّض من المحدثين لهذا في القرآن هو قطب، ولم يفد من منهج ابن جني الذي اعتمد معطيات فقه اللغة في معرفة طبيعة الأصوات، فهو يقف عند الآية: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ «١»، ويقول: «على أنّ لفظة «الزقّوم» نفسه يصوّر بجرسه ملمسا خشنا شائكا مدبّبا يشوك الأنف بله الحلوق» «٢».
فقد غلّف حكمه بالذوق الشّخصي، ولم يحتكم إلى منهج موضوعي، ولو أنه احتذى حذو ابن جني، لتجنّب هذا التلميح الخفيّ، ولقال بقوة القاف الحرف المجهور الشديد، خصوصا إذا كان مدغما، وهناك الوقوف على الميم الذي «تنطبق الشفتان انطباقا تاما عند النطق به، فيحبس الهواء حبسا تاما في الفم» «٣»، وهذا الحبس يلائم اختناق آكل هذا الطعام، وانسداد حلقومه، ويلائم القاف معالجة اللقمة غير السائغة بشدته وتكرره.
ومثل هذا الإيحاء يلمسه قطب في لفظه «يصطرخون»، وذلك في قوله تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها «٤»، يقول: «ثم ها نحن أولاء يطرق أسماعنا صوت غليظ محشرج مختلط الأصداء، متناوح من شتّى الأرجاء، إنه صوت المنبوذين، وجرس اللفظ نفسه يلقي في الحسّ هذه المعاني جميعا» «٥».
فهو يكتفي بذكر الأثر النفسي، ولا يذكر الوشائج القائمة بين الصوت والمعنى، وهذا التأمّل الذاتي عادة جارية في كتبه، وقد تطرقنا إلى شيء من هذا لدى حديثنا عن منهجه في الصورة البصرية في مفردات القرآن، وهو على
стр. 219
جاري عادته يولع بالعبارات الفضفاضة، والألفاظ الرّنانة التي لا تفيد إلا بكونها مفتاحا لتذوق آخر يعتمد المنهج العلميّ، ولعلّه يريد شدّة الصاد الذي يجاور كلّا من الطّاء والراء، وكذلك الخاء، فيوجد أربعة حروف احتكاكية تقوم بدور حسّي يصوّر معالجة النار لأجسادهم.
ولقطب وقفات كثيرة في هذا المضمار، وذلك لأنّ موسيقا اللفظ في منظوره عنصر من عناصر التصوير، وهذه الموسيقا المصوّرة لا تقتصر على نوعية الحروف، بل تشتمل على التّشكيل الناتج عن الحركات والمدود، فهو يقول في بداية تفسير سورة الواقعة: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ «١»: «ولفظة الواقعة بما فيها من مدّ، ثم سكون، أشبه بسقوط الجسم الذي يرفع، ثم يترك، ليقع فينتظر له الحسّ فرقعة ورجّة» «٢».
فجمالية التصوير باللفظ تعتمد على هذا المدّ الطويل قبل القاف، مما يبعث على تصوّر وقوع جسم بعد ارتفاعه، ونظرة قطب لا تخلو من إثارة هذا التصوّر، على الرغم من أن «واقعة» نفسها تدلّ على السّقوط.
وقد اطّردت عنده مثل هذه الإثارة في تفسير أسماء يوم القيامة، الصاخّة والطامّة والقارعة والحاقّة، وكل هذه المفردات مصوّرة بجرسها، يقول في تفسير فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى «٣»: «والطّامّة لفظة مصوّرة بجرسها لمعناها، فهي تطمّ وتعمّ وتطغى على السّماء المبنية والأرض المدحورة» «٤».
ويجب أن ننبّه إلى احتكامه إلى الحرف والحركة معا، وإلى أنّ هذه خصوصية المدّ هنا لا تطّرد في كل موضع، فهي توظّف في بعض المواضع، وعلى سبيل المثال نقرأ قوله تعالى حكاية عن ولد نوح ﵇: قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ «٥».
стр. 220
ويمكن أن تدلّ خصوصية الموقف على تصوير كلمة «سآوي» لمشهد ذلك الابن اللامبالي المتعجرف الذي يردّ على نصيحة أبيه بتراخ وفتور، وهذا بالتأكيد لا يمكن أن يلتمس في مادة الصوت نفسها إذا قرأنا قوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ «١».
وينبّه أحمد بدوي إلى هذه الجمالية قائلا: «وهناك عدد كبير من الألفاظ تصوّر بحروفها، فهذه الظّاء والشّين، في قوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ «٢»، والشين والهاء في قوله تعالى: سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ «٣»، والظّاء في قوله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى «٤»، والفاء في قوله تعالى: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً «٥»، حروف تنقل إليك صوت النار مغتاظة غاضبة، وحرف الصّاد في قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «٦»، يحمل إليك صوت الريح العاصفة، كما تحمل الخاء في قوله سبحانه: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ «٧» إلى أذنك صوت الفلك تشقّ عباب الماء» «٨».
صحيح أن معطيات فقه اللغة هي التجربة الإنسانية المتكررة، فهي تلاحظ من خلال فعلها، ولكن الدارس هو القارئ المثقّف، فيجب أن توضع هذه الأحكام ضمن العلم، أي ضمن دراسات الأسلاف الذين ربطوا بين طبيعة الصوت وبين مظاهر الطبيعة، وإن اقتصروا على بعض المفردات، ودلّوا على يقين يدفع الاحتمال.
والجدير بالذكر هنا أنّ هذه الحروف المصوّرة التي تحدث عنها بدوي هي حروف احتكاكية، يقول كمال بشر في تعريفها: «تتكون الأصوات الاحتكاكية
стр. 221
بأن يضيق مجرى الهواء الخارج من الرّئتين في موضع من المواضع بحيث يحدث الهواء في خروجه احتكاكا مسموعا» «١»، وهذه الأصوات هي الفاء والثّاء والدّال والظّاء والسّين والشّين والزّاي والصّاد والخاء والغين والحاء، والهاء، وإن المفردات التي استشهد بها بدوي ذات سمة وصفية، فالشين والهاء يمثّلان باحتكاكمها زيادة في الحسية، وكذلك الظاء والشين، وكأن النار تلامس الأجساد من خلال الصوت، وقديما أشار فقهاء اللغة إلى مثل هذه المفردات كالزّفير والخرير وصرصر، وبحث.
ويقف أحمد بدوي عند الآية الكريمة: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً «٢» فلا يجد الشّدة إلا بوجود الطّاء في الكلمة الأخيرة، ولا يعنى بالتركيب الكلي للمفردة، يقول: «تجد كلمة العبوس قد استعملت أدقّ استعمال لبيان نظرة الكافرين إلى ذلك اليوم، فإنهم يجدونه عابسا مكفهرّا، وما أشدّ اسوداد اليوم .. وكلمة «قمطريرا» بثقل طائها مشعرة بثقل هذا اليوم» «٣».
فلا يستمد إيحاء ثقل هذا اليوم إلا من الطّاء وحدها، ولا شكّ في أن ثقل الكلمة أو الأصح قوّة تعبيرها يستمد من مجاورة الطّاء للميم الساكنة والرائين، ومثل هذا التركيب لا يرد في مفردة أخرى في القرآن، وإلا لكان الطّاء قد أثقل مئات الكلمات القرآنية من غير أن توحي بمعنى الثّقل أو العنف مثل: الطّير، طالوت، طلع، وغيرها، وربّما كان يريد في كلامه أهمية إضافة الطاء إلى مجموعة خاصة تتألف من الميم والقاف والرائين.
ولم يقف بدوي إلا عند هذه المفردات، فهو مقلّ كمّا، وأكثر معيارية من قطب، وذلك لأنّه عقد فصلا واحدا لجمال المفردات ضمّنه معظم وجوه الحسن في المفردة، وهو كما رأينا لا يضيف الطاقة النفسية أو الإسقاط الشخصي، كما صنع قطب.
стр. 222
لم يلتفت الرافعي إلى هذه الناحية في جماليات المفردة القرآنية، على الرغم من عنايته الفائقة بموسيقية الألفاظ، واهتمامه بجزئياتها من الحروف والحركات معتمدا الموروث الجمالي في علم التجويد، محكّما الذوق الشخصي، والتأمل الرفيع.
وقد أشار الرافعي إلى العلاقة القريبة بين المعنى في النفس، وبين تجلّيه في الحروف والحركات، يقول: «ليس يخفى أنّ مادّة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي، وأنّ هذا الانفعال بطبيعته، إنما هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مدّا أو غنّة أو لينا أو شدّة، وبما يهيّئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النّفس من أصولها» «١».
ويتّضح لنا أنه يركّز اهتمامه على الحركات من غير الحروف، وهذا المعنى متكرر في بحثه، وهو يرى أن الحركات تصوّر الحالات النفسية في جميع مظاهرها، ولم يذكر الطبيعة، وكذلك لم يترجم مثل هذا الكلام إلى تطبيق تحليلي لمفردات القرآن.
ويترجّح أسلوب محمد المبارك بين غموض قطب، وبين تقديم آراء شفافة بعض الشيء، ويتّصل به في هذه الوجهة صبحي الصالح، وكذلك يقترنان في كون كلّ منهما قد وضع كتابا في فقه اللغة، ولصبحي الصالح فصل مطوّل حول تصوير الحروف للمعاني عرض فيه آراء كلّ العلماء «٢».
وقد خصّص المبارك فقرة في دراسة كل سورة للجمال الموسيقى، وذلك في كتابه الذي فسّر فيه بعض قصار السور، ويقول عن سور العاديات: «يلاحظ أن لبعض ألفاظ السورة جرسا موسيقيا واضحا مناسبا لمعناها، مثل «قدحا ونقعا» المناسبة لوقع حوافر الخيل، و «بعثر» المناسبة لانتشار أجساد الموتى بعد خروجها من الأرض، ومثل «حصّل» الدالة بصادها المشدّدة على شدّة التقصّي والجمع» «٣».
стр. 223
ويبدو جليّا أن هذا الاحتمال لم يوفّق فيه الباحث، فهل يستشفّ القارئ في «نقعا» - فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً «١» - إلا دلالتها على الغبار الكثيف؟ ومن الواضح أن أصوات المفردة هنا في حالة اعتباطية قطعت صلتها بالمعنى، وصارت رمزا خالصا.
وقد غاب عن ذهن المبارك هنا، أن صيغة الفواصل في السورة بسكون الوسط والتنوين «ضبحا قدحا نقعا جمعا» ما يناسب مقام الغضب، ومعاني الزّجر والوعيد، فكأن الكلمات قذائف تختم بها الآيات قصيرة المدى:
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً «٢».
وهذا المشهد العنيف لا يصوّره لنا الفنّ الزّمني، وربما يستعصي على الفن المكاني، والجدير بالذّكر أنّ الفاصلة لا تقف على المدّ كما هي الحال في سورة مريم، بل على قوة التنوين، ولعلّه يريد من تكرار قوّة التنوين في الفواصل تكرار وقع الحوافر.
أما كلمتا «بعثر» و «حصّل» في الآيتين: إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ «٣»، فإنّ ماهية جرس الحروف لا تكفي وحدها لهذه المناسبة، بل تواكبها الحركات، وهذا ما قد لحظه الباحث، فالصيغة الصّرفية تؤدي دورا مهمّا، فكلمة «بعثر» لولا ضمّ الباء فيها التي تنطبق عندها الشّفاه للضم أيضا، وكسر الثاء اللّثوي مما يتطلّب تراخي الشّفتين وانفراجهما لولا هذا لما شممنا رائحة المعنى في أصوات المفردة، فالضّم يتبعه انفراج الشّفتين، ثم يتبع هذا الفتح على الرّاء، فهذا يمثّل في رأيه مشهد الانتشار بعد الخروج من القبور، ولكن ما أكثر الكلام الذي نجد فيه الضّم ثم انفراج الشّفتين، وعلى هذا نقول إن الصّوت والصّويت لا يوظفان في كل موضع لتصوير الحدث، وكان على الباحث أن ينتبه إلى ذلك.
стр. 224
ويمكن أن نقول مثل هذا في «حصّل»، ونخلص إلى أن المبارك على الرغم من كونه ملمّا بفقه اللغة لم يتزحزح كثيرا عن منهج قطب، ووقفاته على قلّتها في حاجة ماسّة إلى تبرير ما يجعل الشّكل الصوتي مصوّرا.
ويجب أن نكون حذرين في هذا المقام لأن هذا الأمر أصلا فرضيّة متحقّقة في بعض المفردات، ولأن الاحتمال يخطئ ويصيب.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن ابن جني قد رصد الكلمات التي أدخلت حرفا ما فاشتركت في معنى واحد، كأن تدخل الفاء على الدّال، والتّاء والطاء والراء واللام والنون فتشكّل كلمات كلها تدلّ على الضّعف والوهن، مثل فتور، فرد، الفارط، الرّديف، الطّفل وغيرها «١».
ويتحدث صبحي الصالح عن جمال المفردة في فصل الإعجاز من كتابه «مباحث في علوم القرآن»، ويخصّص صفحات ثلاثا للمفردات المصوّرة بأصواتها، إذ يقول: «تكاد تستقلّ بجرسها ونغمها بتصوير لوحة كاملة يكون فيها اللون زاهيا أو شاحبا، والظّلّ شفيفا، فحين تسمع همس السين المكررة تكاد تستشفّ نعومة ظلّها، مثلما تستريح إلى خفّة وقعها في قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» «٢»، بينما تقع الرهبة في صدرك وأنت تسمع لاهثا مكروبا صوت الدال المنذرة المتوعدة مسبوقة بالياء المشبعة المديدة في لفظة «تحيد» بدلا من تنحرف أو تبتعد، في قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ «٣».
وهو ينتقل مباشرة إلى الأثر النفسي، ولا يتغلغل في صفات الحروف بما يرضينا، خصوصا أنّه ذو ثقافة متخصّصة باللغة، ومن هذا القبيل عند ما يورد الآية الكريمة: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ، وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ «٤»،
стр. 225
يقول عن لفظة «يتجرّعه»: «وما أحسب شفتيك إلا منقبضتين استقباحا واستهجانا لحال الكافر الذي يتجرع صديده، ولا يكاد يسيغه، فتستشعر في لفظة التجرّع ثقلا وبطءا يدعوان إلى التّقزّز والكراهية» «١».
والباحث لا يدّعي تصوير المشهد بالصّوت، بل يكتفي بلفتة الزمخشري النّفسية، وهذا الثّقل أو الشّدة موطنه في قوة الجيم والرّاء، والأخير متكرر بطبعه، وهو مضعّف هنا، وتعطي العين الاحتكاكية شيئا من مظهر التقزّز الحسي، فهذا التشكيل الصوتي يجسّد صعوبة دخول الصّديد، وليس في المفردة حرف ليّن أو هامس.
والجديد عند صبحي الصالح أن عملية التجسيم هذه لا تقتصر على معاني القوة والبطش والتهديد، فقد رأيناه يتحدث في المكان نفسه عن همس السين التي ناسبت موقف تصوير الصبح في سورة التكوير.
وهنالك وقفات متناثرة لعبد الكريم الخطيب حول هذه الجمالية، وهو لا يجمعها تحت عنوان معيّن، بيد أنّها غنيّة المضمون، غزيرة في استكشاف الإيحاءات، وكما قلنا سابقا إنه لا يقف عند مفردة واحدة، بل يفتّش عن معنى الآية المتجسّد في توالي أصوات مناسبة، ولا يدّعي أكثر من المناسبة كما هي الحال عند صبحي الصالح، فالأمور ظنّية وليست قطعية غامضة، كما ورد في أسلوب قطب.
لقد ذكرنا شاهدين في الفقرة السابقة للخطيب في سياق إبعاد ما يسمّى بالثّقل الصّوتي، وهاهنا نورد ما ذكره حول الآية الكريمة: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ «٢»، فنقرأ في كتابه: «استمع إلى هذه الموسيقا المتدفّقة منها تدفّق السّيل الهادر في لجّة البحر العميق، إنها لو صيغ منها لحن موسيقي يجري مع مقاطعها ومخارجها، لكان منه أروع نغم تسمعه الأذن، فالتاء من الحروف المتفجّرة، وإذا كانت مفتوحة اتسعت رقعة انفجارها، فإذا وقع بعدها سكون كان هو القرار الذي يمسك هذا الدّويّ الحادث من التفجير (تل- تف- تذ)،
стр. 226
ولا تجد في الكلام أوضح وأصدق من هذه الصورة التي التقطتها هذه الكلمات الثلاث للموقف المتأزّم الخانق بين يعقوب وأبنائه، وبعد أن فعلوا فعلتهم بيوسف» «١».
ولم تحظ الكلمات المصوّرة لمعناها بمثل هذه الطريقة الصوتية التحليلية عند كلّ الباحثين، وهذه السّمة الفنية في الوقت نفسه، لم تدرس كثيرا، وإن درست فلا نقع على منهج واضح موضوعي بل نقع على منهج ذاتي شأن قطب، ومن اقتفى أثره، فقد سار الكثير في تيار واحد من الإجمال، وقد مررنا ببعض الشّذرات التي ابتعدوا فيها عن مسار الغموض، فكثيرا ما ترد التعبيرات على شكل تسبيحات، ولا نستطيع أن نربط بين هذا التّسبيح وبين الشاهد الصّوتي في المفردة القرآنية، وربّما لم تدرس هذه الجمالية كثيرا خشية هذا المزلق أو الانفعال إن صحّ التعبير.
ومثل هذا جاء عند ضياء الدين عتر عند إشادته بهذه الجمالية واستشهاده بأوائل سورة الحج «٢»، وكذلك ما جاء عند البوطي حول كلمة «أغطش»، من قوله تعالى: وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها «٣».
كانت غايتنا في هذه العجالة أن نقتصر على ما هو واضح مبرّر في أكثره لدى الباحثين، فلا نحب أن نحمّل المفردة ما لا تحمل، ولا أن نحمّل الباحث أيضا ما لا يحمل، لأننا لا نريد ضربا من التّخمين.
ولا شكّ أن مما يزيد إجلالنا لهذه الجمالية في مفردات القرآن الكريم معرفتنا أن هذا الانتقاء الصّوتي لا يراعي ظاهرة تجسيم المعاني فحسب، بل هناك ترابط للأفكار، وتمكّن المفردة من المعنى المرتجى، فلا تكون عنصرا جماليا مخلّا بالسياق إذا راعت قضية شكلية، وكذلك هناك مراعاة النّسق الموسيقى، وهي رمزية شفّافة لا تعسّف فيها ولا افتعال.
стр. 227
لقد حاولنا تقديم مصداق لوجود هذه الجمالية من خلال ما هو صادق مبرّر عند الباحثين، وقد حاولنا تقديم التبرير من خلال طبيعة الأصوات، وهناك ما كان متوهّما تمخّض عن إسقاط نفسي لدى الباحثين مما يحدو بهم إلى المبالغة أو الاستكناه، وهذا ما نرفضه في دراسة القرآن دراسة علمية منهجية.
إن المفردات القرآنية المصوّرة بأصواتها بحاجة شديدة إلى دراسة صوتية معيارية، فإذا كانت مستورة خفيّة، فإن الذوق العادي يمرّ بها عابرا، وتحتاج إلى ذوق ودربة وثقافة صوتيّة.
ويطيب لنا في ختام هذه الفقرة أن نورد رأي درويش الجندي الذي يعضد رأينا في شفافية رمز الموسيقا القرآنية، فقد قال: «وإذا علمنا أيضا أن موسيقا القرآن الكريم أحد عوامل البيان والوضوح في تصوير المعاني، وإبراز الأفكار، عرفنا الفرق الشاسع بين هدف الموسيقا هنا، وبين هدفها في الرمزية الأوروبية، إذ كانت تهدف من وراء الموسيقا الإيحاء المبهم الغامض الذي يتحقق في جو موسيقي تكون فيه الأنغام هي الناطقة فقط، مع تعمّد كتم أنفاس الوسائل الأخرى التي تعين على الإبانة والإفصاح، لتحقيق الغموض المنشود» «١».
فالقصد في القرآن ليس فنا خالصا، كما هي الحال في بعض الأدب إذ تكون الكلمات غمغمات وتأوّهات فارغة، ذلك لأن الغموض فيه رغبة منشودة، وهذا أدعى إلى العبث والفوضى، وتعالت كلمات الله عن هذا الإسفاف، فالقرآن كتاب أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ «٢».
وفيه تتكاتف الجزئيات لأجل الوضوح والتأثير الأقوى.
ولم تستعص كلمات هذا الكتاب على كل من قدّم جهدا فكريا في تفسير معانيه، كما لم تتخفّ معالمه الجمالية على كل متذوّق عالم، قال تعالى:
стр. 228
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ «١»، وقال: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا «٢».
ولا بد من إبعاد حتمية الأونوماتوبيا كما يتصوّر بعض الدارسين، فإنّ صفات الحروف تختلف من مكان إلى آخر، ولكلّ حرف خمس صفات من الصّفات المتضادّة، ومن الصّفات القوية: الجهر والشّدة والانطباق والقلقلة، ومن الصفات الضعيفة: الهمس والرخاوة والاذلاق واللين، وأقوى الحروف هو الطاء، لأنه يضم ست صفات قوية.
لذلك يجب أن نكتفي بمناسبة الأصوات للمواقف ومساعدتها على تجلّي المعاني، وليس المطابقة الكلية كما في نظرية المحاكاة، وعلى الدارسين أن يحذوا حذو ابن جني الذي أطلق على هذه الظاهرة الإمساس والمصاقبة أي المقاربة، وأن يكتفوا بمعرفة صفات الحروف، وقدر ملاءمتها للموقف في الآية، وخصوصية الصّفة النّغميّة للحرف لارتباطه بحركة ما، واتصاله بحروف معيّنة، فالكاف مثلا من حروف الهمس، وكذلك من حروف الشّدة، وتبرز صفة معيّنة لاعتبارات خاصّة «٣»، ولقد مرّ بنا كيف دلّ بعض الدارسين على مواطن تساعد على إبراز الشّدة أو اللين في التشكيل اللغوي في المفردات، وهذا كان يعني النظر في طبيعة الحروف وكذلك المدود والحركات، مما جعل مشاركة الشّكل للمضمون واضحة.
ولا بد من أن نختم هذا الفصل بالاستنتاجات الآتية:
١ - إن الانسجام بين أصوات القرآن يحتكم إلى سهولة تلقّيها في السمع، وسهولة نطقها، وهذا يحتكم أيضا إلى صفات الحروف، لا إلى مخارجها في جهاز النطق.
٢ - يعتمد جمال المفردات الطويلة على التشكيل الداخلي فيها، وتوزع الحركات والمدود، وملاءمة الموقف بهذا الطول، وهذا ما لفت النظر إليه
стр. 229
الرافعي.
٣ - إن مفهوم الخفّة لا يعني وجود مفردات ثقيلة، بل هناك شدّة ولين، وهذا يتفق مع الموقف الذي تتحدث عنه المفردات، وإن إجمال القدامى في هذا المضمار لا يتنافى مع فهمهم للتشكيل الصوتي، بيد أن كشفهم للمفردات الخفيفة كان أكثر من البحث عن مفردات تلائم الشدّة في الموقف، كالترهيب والوعيد.
٤ - لم يسهب الأسلاف في الجمالية الموسيقية، لأن غاية المفسّر القديم كانت تتحدّد في جلاء المعنى وتوصيله إلى القارئ، وهذا أهم شيء عندهم، وكانوا إذا تحدثوا عن الجمال الموسيقى يحتذرون من الخطل والتعميم.
٥ - لم يكن ما ذكره القدامى حول جمال التشكيل الداخلي للمفردات مغالطا لمفهومنا المعاصر، بل إن ما جاء به الرافعي وغيره يعتمد على ما ذكروه ويكمله بكشف واضح.
٦ - على الدارس أن يتسلّح بمعطيات علمية واضحة يكتسب من خلالها أسس فن الموسيقا، كما جاء في علم التجويد، فيحصل على صفات الحروف، ليفسّر الجمال الموسيقى بما يوائم مضمون الآيات، وعليه ألا يعتمد التخمين في ربط الصوت بالمعنى.
ولا بد من أن نوضح هنا أن ابن سنان استقبح شكل مفردات وردت في شعر المتنبي، وقلّده ابن الأثير في هذا الرأي ووضّحه، وهذا لا يعني كثرة إسفاف أسلوب شاعرنا الكبير المتنبي، ولا يعني أننا ننكر شاعريته وإمتاعه للعقل والوجدان، فهو شاعر يتجاوز شعره عصره، لأنه شاعر الإنسانية بحقّ.
стр. 230
الفصل الرابع ظلال المفردة والمعنى
стр. 231
١ - دلائل صيغ مفردات القرآن
امتازت اللغة العربية بمقدرة فائقة في جانب الاشتقاقات الصرفية، وهذه الميزة أغنتها عن المزيد من المفردات، والدلالة الصرفية تتعيّن في لغتنا من داخل التشكيل الصوتي غالبا، وذلك بخلاف اللغات الأخرى التي تجنح غالبا إلى السّوابق واللواحق في الوصول إلى دلائل جديدة.
ونعني بالصيغة هنا ورود الكلمة على حالة معيّنة من بين الصّيغ التي نجدها في تصريف الكلمة، وسنبحث في هذه الفقرة في أثر صيغ بعض مفردات القرآن من خلال بعض دارسي الإعجاز.
ومن نظر نظرة متفحّص وجد أن الدارسين القدامى انطلقوا من معيار لغوي واضح في تملّي جمال الصّيغة ومناسبتها للنص، وربطوا بين اللفظ وبين المدلول من خلال الصّيغة الصرفية.
- إشارة ابن جني:
لقد اهتمّ ابن جني بقضية محاكاة الأصوات لظواهر الطبيعة، وقد أثار هذه الفكرة في مصنّفه النفيس «الخصائص»، وأشار إلى ارتباط صيغة «فعلان» بحالة الاضطراب والحركة، واهتمّ بمحاكاة الحروف والحركات، يقول: «قال الخليل: كأنهم توهّموا في صوت الجندب استطالة ومدّا، فقالوا: صرّ وتوهّموا في صوت الباز تقطيعا، فقالوا: صرصر، وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان: إنّها توالي حركات الأفعال- الأحداث-» «١».
ويسرد أوزانا أخرى توافق ما ذكره الخليل وسيبويه، وهذه المحاكاة لم يصرّح بها دارسو الإعجاز، وذلك لعدم تأتّي التّعليل، إلا في القليل النادر، فلم يجدوا منه شيئا في القرآن.
وقد استفاد الزمخشري من هذا في تفسيره الآية الكريمة: إِنَّ الدَّارَ
стр. 232
الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ «١»، وقال عن الفاصلة: «وفي بناء «الحيوان» زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي لما في بناء «فعلان» من الحركة والاضطراب، والحياة حركة، كما أن السّكون موت، فمجيئه على بناء دالّ على معنى الحركة مبالغة في معنى الحياة» «٢».
ونجده يطبّق القاعدة التي أوردها ابن جنّي، بيد أن ما ذكر هناك يتّصل بالمحسوس، وهذه المفردة تدلّ على نشاط الجانب الرّوحي.
واهتمام ابن جني بالدلالة الصرفية أكبر من اهتمامه بمحاكاة الصوت لظواهر الطبيعة، والسبب سهولة إثبات دلائل التغيرات الصرفية، ووفرة الشواهد التي تثبت هذه المسألة، وإن كانا ذكرا معا في باب «المصاقبة»، يقول: «ومن ذلك جعلوا تكرير العين في المثال دليلا على تكرير الفعل، فقالوا: كسّر وقطّع وفتّح وغلّق، وذلك أنهم لما جعلوا الألفاظ دليلة المعاني، فأقوى اللفظ ينبغي أن يقابل به قوة الفعل، والعين أقوى من الفاء واللام، وذلك لأنّها واسطة لهما، ومكنوفة بهما، فصارا كأنّهما سياج لها، ومبذولان للعوارض دونها» «٣».
ولم يبتعد الدارسون كثيرا عن تقنين ابن جني، وإن كان هذا تحت عناوين مختلفة مثل: «الزيادة في البناء»، و «ملاءمة اللفظ والمعنى».
وقد كثرت الشواهد على تضعيف العين مثل غافر وغفّار، وكاذب وكذّاب، وذبح وذبّح، وقتل وقتّل وغيرها.
ولا يعنينا اختلاف الاسم، إنما تعنينا ملاحظة الدارس للمخزون النفسي، والأثر الوجداني فيما تكتنفه الصّيغة، وإن كنا نعني بها التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية، فغايتنا تنحصر في كل جمال يعتمد التركيب الدّاخلي.
وسوف نتجاوز المكرّر من الملاحظات، ونطرح جانبا ما لم يتعدّ التفسير
стр. 233
اللغويّ، الذي لا يمسّ الوجدان، وتطول وقفتنا مع الزمخشري ، لأنه خير من يتأمل دقائق اللغة القرآنية بتذوق، لا بجفاف مدرسي.
- مع الزمخشري:
هنالك وقفات يتأمل فيها الزمخشريّ المفردة القرآنية، ويتحدث بمعيار لغوي بلاغي يؤيّد المفهوم الديني، وذلك على سبيل المثال في تفسيره البسملة، إذ يقول: «وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرّحيم، لذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى» «١».
وقرين هذا إشارته إلى موافقة الصيغة للواقع، فإن فعل «نزّل» يعني عنده التواصل بالتدريج، وفي سورة البقرة نقرأ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «٢»، ويقول في تفسيرها: «فإن قلت: لم قيل (مما نزّلنا) على لفظ التنزيل لا الإنزال؟ قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم .. وذلك أنهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند الله مخالفا لما يكون عند الناس لم ينزل هكذا نجوما .. فقيل: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلمّوا نجما واحدا من نجومه سورة من أصغر السور، أو آيات شتّى مفتريات، وهذه غاية التّبكيت، ومنتهى إزاحة العلل» «٣».
ويتأمل صيغة التأنيث في «مرضعة» في قوله تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ «٤»، وقد رجّح أبو هلال العسكري «٥» جمال وجود «مرضعة» على امرأة، لإظهار ناحية العطف، إلا أن الزمخشري يتعمّق في صيغة التأنيث، فيرى للتأنيث جماله في الآية، فهو يقول: «فإن قلت: لم قيل مرضعة
стр. 234
دون مرضع، قلت: المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصّبيّ، والمرضع التي من شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة، ليدلّ على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت ثديها نزعته، لما يلحقها من الدّهشة» «١».
وبناء على هذا يكون «المرضع» اسما عاما، وتتخذ كلمة مرضعة فاعليّة كبرى، فتناسب هول هذا اليوم، ومن عادة الزمخشري أن يقلّل من البحث في القانون اللغوي، لينتقل مباشرة إلى الإيحاء النفسي الخاص بالنصّ.
وقد قال المبرّد عن المؤنث: «فمتى أفاد الفعليّة لزمته علامة التأنيث حتى يضارع فعله، كقولك أشدنت الظّبية، فهي مشدنة، وطلّقت المرأة، فهي طالقة» «٢». ويذكر الشاهد القرآنيّ نفسه، ويقال: مشدن ومشدنة، وطالق وطالقة، ومرضع ومرضعة.
ويعلّق عليه صبحي الصالح: «وكأنّ المبرد بهذه التفرقة الدقيقة يميز الوصف القائم بالنفس من الحدث العارض الذي هو من أفعال الذّات، وفي تجشّمه هذا التعليل المنطقيّ لعلامة التأنيث في الآية إيحاء بصعوبة التّحليل فيما سمع من الشواهد الأخرى» «٣».
ونجد أنّ الزمخشري يصبّ اهتمامه على تصوير الحدث، وكأنما أدرك عدم اطّراد هذا القانون في كل تأنيث، فالحيز النفسي هو المهم عنده.
ونراه يستشفّ طبيعة الحركة المرئية في الصيغة، وكأنما يقول بالمحاكاة، من غير أن يميل إلى الوهم فيما يبدو لنا، وذلك في تفسير الآية: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ «٤»، يقول: «فإن قلت: لم قيل:
«ويقبضن»، ولم يقل: قابضات، قلت: لأن الأصل في الطيران هو صفّ
стр. 235
الأجنحة، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مدّ الأطراف، وبسطها، وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرّك، فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنّهنّ صافات، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة، كما يكون من السّابح» «١».
ونستطيع أن نقول بعد ملاحظته دلالة الاسم والفعل: إن طول المدّين في «صافّات» يمثّل بسط الأجنحة، وتمثّل الوقفتان في «يقبضن» التحرك الطارئ، وزمن المدّ أطول من زمن التحرك في الطيران، وفي المفردتين.
وهكذا نتبين أن الزمخشري لا يكتفي بجوانب النّظم، بل يلاحظ بذوقه جزئيات النّظم، ويشدّ الانتباه إليها، وفي هذا يقول درويش الجندي: «إن الزمخشري يختلف عن عبد القاهر في كونه بالإضافة إلى نحويّته لغويا شديد الحساسية باللغة، عارفا بالفروق الدقيقة في بنيات النظم فوق تحليله البلاغي للتراكيب النّحوية» «٢».
ومثل هذا واضح في تفريقه بين طاهرة ومطهّرة في الآية الكريمة: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ «٣» فهو يقول: «فإن قلت: هلّا قيل طاهرة؟ قلت: في «مطهّرة» فخامة لصفتهنّ، ليست في طاهرة، وهي الإشعار بأنّ مطهّرا طهّرهنّ، وليس ذلك إلّا الله » «٤».
وهذا واضح من الصّيغة الصّرفية، فكلمة «مطهّرة» تدلّ على التعدية، أما «طاهرة» فتدلّ على اللزوم.
إن التذوق الشخصي لدى الزمخشري قد يبتعد به أحيانا عن الصواب، ومن هذا وقفته التي هي أعلق بالنظم لدى تفسيره للآية: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ «٥»، فهو يقول عن تنكير حياة: «أراد حياة مخصوصة، وهي
стр. 236
الحياة المتطاولة .. لأن معنى أحرص الناس أحرص من الناس» «١».
ونجد أن تعليله لا يناسب المقام، فلا يكون ذمّهم في طول الحياة، ويمكن أن نجد إيحاء هذا التّنكير عند ضياء الدين عتر، إذ يقول: «يورد الكتاب المبين الألفاظ موارد حسّاسة، فلا تراها قاصرة على المعنى المتبادر منها للبال عادة، بل تتّسع دلالتها حتى توحي بمعنى أجلّ وأدقّ، خذ كلمة «حياة» أنت تشعر بأن كلمة «حياة» قد عبّرت بدقّة مرهفة عن حرص أولئك اليهود على أدنى قدر ممكن من الحياة، ومهما كان يسيرا خاويا من أية قيمة كريمة، فأثار ورودها بالتنكير معنى التحقير، وأفادت بالتالي أنّ
اليهود أشدّ حرصا على الحياة المتطاولة من باب أولى، فعبرت كلمة «حياة» في هذا المورد بآن واحد عن ضآلة قيمة الحياة الدنيا، وشدّة تكالب اليهود عليها» «٢».
فالزمخشري فهم طول الحياة فقط، وتبعه في هذا الفهم من نقل عنه «٣»، مثل النسفي «٤» وأبو السعود.
ويستخلص الزمخشري من الآية الكريمة: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ «٥» مفهوما دينيا، إذ يقول: «لم خصّ الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟ قلت: في الاكتساب اعتمال، فلمّا كان الشرّ مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه، وأمّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولمّا لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال» «٦».
فإذا كانت صيغة «اكتسب» تدلّ على الاعتمال الذي يناسب الشر، فإننا
стр. 237
لا نجد هذا مطّردا في القرآن، فقد ذكر فيه الكسب في مضمار الشر مثل قوله تعالى: مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ «١»، فنحن معه في أنّ الخير طبع، والشّرّ تكلّف واعتمال.
ونلتمس له العذر هنا، لأنه يريد تبيين الموازنة بين حالتي الخير والشّر في آية واحدة، فنبّه إلى عدم التّكرار، وهذا ما أوضحه بعده ابن الاصبع قائلا:
«وإنّما منع ذلك ما يحصل للنّظم من العيب وإغماض المعنى الذي قصد، أما العيب فاستثقال «كسبت» بغير زيادة في نظم قربت فيه الثانية من الأولى فسمج، وأما الإغماض، فلأن المراد الإشارة إلى أن الفطرة التي فطر الله الناس فطرة الخير، فالإنسان بتلك الفطرة السابغة في أصل الخلق لا يحسن أن ينسب إليه إلا كسب الحسنات، وما يعمله من السيئات يعمله لمخالفته الفطرة، فكأنه تكلّف من ذلك ما ليس في جبلّته، فوجبت زيادة التاء التي للافتعال» «٢».
- ما بعد الزمخشري:
نستطيع أن نقول إن الزمخشري قد امتاز بإضاءة إيحاء الصيغة، وشرح دلائلها النفسية، أما من تلاه من الدارسين فقد تحدّثوا عن معنى الزيادة في بناء الكلمة حسب ما قرّر رجال اللغة، مثل ابن جني، فهؤلاء رأوا أن «غفّارا» أبلغ من غافر، و «قيّوما» أبلغ من قائم، وغير هذا، إضافة إلى نقلهم ما ورد في الكشاف، وهم لا يتجاوزون التقرير اللغوي، بحيث كان الحديث عن جانب تأثير بناء الكلمة مجملا على الأغلب.
ولا بأس أن نعرض لنبذة من وقفاتهم التي وردت تحت عنوان «الزيادة في بنية الكلمة» كما نجد هذا عند يحيى العلوي صاحب الطّراز الذي يقول «قوّة اللفظ لأجل المعنى إنما تكون بنقل اللفظ من صيغة إلى صيغة أكثر منها حروفا .. وذلك يكون في الأسماء والأفعال، في الأسماء كقوله تعالى:
стр. 238
الْحَيُّ الْقَيُّومُ «١»، فإنه أبلغ من قائم، ونحو قوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ «٢»، فإنّ فعّالا أبلغ من فاعل، ومتطهّر أبلغ من طاهر، لأن التّواب هو الذي تتكرر منه التوبة مرة بعد أخرى، وهكذا المتطهّر فإنه الذي يكثر منه فعل الطّهارة مرة بعد مرة» «٣».
وهكذا نجد أن جمال الصيغة يقتصر على الكثرة، وأن الربط بين كثرة الحروف وكثرة المعنى مسألة قرّرها رجال اللغة، كما مرّ بنا حول تضعيف العين من الفعل، كما أن دلالة صيغة المبالغة معروفة، وكان بإمكان يحيى العلوي أن يشير إلى الدافع الذاتي في فعل التّطهّر، وحبّ المبادرة إلى فعل الخيرات.
ونجد المنهج نفسه عن ابن قيّم الجوزية «٤» الذي يذكر قوله تعالى:
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً «٥» وقوله: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً «٦» ويضع مثل هذين الشاهدين تحت عنوان «الزيادة في البناء»، ويعرّف هذا الباب قائلا: «وهو أن يقصد المتكلم معنى يعبّر عنه لفظتان إحداهما أزيد من الأخرى، فيذكر التي تزيد حروفها عن الأخرى قصدا منه إلى الزيادة في المعنى، فإنّ اعشوشب واخشوشن في المعنى أكثر وأبلغ من خشن وأعشب، ولهذا وقعت الزيادة بالتّشديد أيضا، فإنّ ستّارا أبلغ من ساتر، وغفّارا أبلغ من غافر» «٧».
وهذا الاقتضاب نجده عند الزركشي الذي ينقل شواهد سابقيه، مع تعليق بسيط، فهو يقول: «واعلم أنّ اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان، ثم نقل إلى
стр. 239
وزن آخر أعلى منه، فلا بدّ أن يتضمّن من المعنى أكثر مما تضمّنه أوّلا، لأن الألفاظ أدلّة على المعاني، فإن زيدت في الألفاظ وجب زيادة المعنى ضرورة، ومنه قوله تعالى: فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ «١»، فهو أبلغ من قادر، لدلالته على أنّه قادر متمكّن القدرة، لا يردّ شيء عن اقتضاء قدرته، ويسمى هذا قوة اللفظ لقوة المعنى «٢».
وهذا الأمر يقتضي منهم توضيحا، أي ربط الصيغة بسياق الآية التي وجدت فيها، فالقرآن ذكر كلمة «غفور» أكثر من كلمة «غفّار»، وذكر كلمة «قدير» أكثر من «مقتدر»، فغفار ذكرت خمس مرات، و «غفور» ذكرت إحدى وتسعين مرة، ونحن نعرف أن البيان القرآني يميل إلى قوة التأثير بجميع الوسائل الفنية، فكان من المرجّح أن ترد كلمة «غفّار» و «مقتدر» أكثر من «قدير» و «غفور» لكثرة الحروف، وقد ذكرت «قدير» خمسا وأربعين مرة، وذكرت «مقتدر» ثلاث مرات.
ويبدو أن صيغة «غفور» و «قدير» أدلّ على الصّفة الثابتة للخالق ، و «مقتدر» و «غفار» أدلّ على الصّفة الثابتة مضافا إليها جانب الفاعلية والقصد، والصّفة الإلهية- كما هو معروف- ثابتة لا تتغيّر زيادة ونقصانا.
وهنالك شاهدان ذكرهما الزركشي، فقد قال: «وكقوله تعالى:
وَاصْطَبِرْ «٣» فإنه أبلغ من الأمر بالصبر من «اصبر» كقوله تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها «٤» «فإنه أبلغ من «يتصارخون» «٥».
والزركشي يشير إلى الحرف الذي زيد في الكلمتين، إنه حرف الطاء أحد حروف الاطباق، وهو حرف شديد، بل يعدّ أقوى الحروف، فإذا قرأنا الآية الكريمة: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها «٦» وجدنا أن الطّاء يساعد
стр. 240
على تجسيم الجهد الذي يكون في إقامة الصلاة، وحجم تحمل المؤمن للشّدّة في تنفيذ الأمر الإلهي، كما نفّذه الرسول الكريم ﵊.
وكذلك الأمر في كلمة «يصطرخون» فالطّاء يضيف معنى الشّدة في استغاثة الكافرين، إنه صراخ قويّ نابع من نفوس محطّمة يائسة.
- جهود المحدثين:
إن عطاء المعاصرين في هذا المجال ضئيل، فهم لم يعنوا كثيرا بهذه الناحية الفنية، ولعلّ السبب في هذا أن مسألة الصيغة أعلق بما هو معياري ثابت في اللغة، ويحتاج إلى تخصص أكثر مما يحتاج إلى تذوّق شخصي، فكان البحث في جمال الصيغة أقرب إلى فقه اللغة منه إلى التأمل الجمالي.
ويمكن أن نجد لمحات جيدة في هذا المضمار لدى أحمد بدوي، وإن كانت ضئيلة بالنّسبة إلى إسهابه في فنون بلاغية أخرى، ففي قوله تعالى عن الكفار: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً «١» يتأمل بدوي صيغة «استوقد» والمعروف أن السّين والتاء في «استفعل» تفيدان الطّلب، كما تفيدان أشياء أخرى كالصّيرورة والتّحوّل، مثل: استغلظ أي صار غليظا، ويقول بدوي:
«تستوقفنا كلمة «استوقد» نارا، فنتبيّن فيها حال رجل قد أحاطت به حلكة الظّلام، فهو يطلب جاهدا نارا تضيء له مسالك السبيل، والسّين والتاء يدلان على هذا البحث القوي والطلب الجاد» «٢».
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الصيغة تفيد القوة والثّبات، كما في قوله : فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «٣» وذلك بعد أن شجب عناد المشركين، في قوله: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ، فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ «٤».
وكذلك ما جاء على لسان الكفار الذين أجهدوا فكرهم، ولم يتوصّلوا إلى
стр. 241
صدق رسولهم في قوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ «١».
لقد فصّل القرآن الحديث عن نعمة الله على بني إسرائيل، فقد أنقذهم من فظائع فرعون في النفوس والأعراض كما قال : يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ، وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ «٢»، ويلفت بدوي نظرنا إلى فعل «يذبّحون» قائلا: «تجده قد اختار ذبّح مصوّرا به ما حدث، وضعّفت عينه على كثرة ما حدث من القتل في أبناء إسرائيل يومئذ، ولا تجد ذلك مستفادا إذا وضعنا مكانها كلمة يقتلون» «٣».
ولم تذكر قصة بني إسرائيل إلا بصيغة الكثرة في هذا الفعل، وقد استمرّ فيها إيثار «يذبّح» على «يذبح»، و «يقتّل» على «يقتل»، و «يصلّب» على «يصلب»، و «يقطّع» على «يقطع» وذلك في سرد الخبر، أو على لسان فرعون.
ومن النظرات الموفقة ذات المنهج الواضح السّويّ ما جاء لدى الدكتور نور الدين عتر عند تفسيره لأوائل سورة البقرة، إذ يقول في الآية الكريمة:
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ «٤»: «ونلحظ هاهنا أنّ وصف القرآن بقوله «هدى» وهو مصدر نكرة، والمصدر لا يوصف به فالأصل أن يقال «هاد»، لكنه وصف بالمصدر إشارة إلى أنّه بلغ في الهداية غاية الغايات، فأصبح هو نفس الهداية» «٥».
فالتعبير بالمصدر يدلّ على كليّة الاستحقاق، ومن الوضوح أن يعتمد منهج تبيين الجمال على الموروث اللغوي الذي لا نختلف فيه، وفي دقّة حكمه.
وينتبه الدكتور عتر إلى جمال صيغة المفاعلة في تفسير الآية: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا «٦»، إذ يقول: «إنه الخداع والمكر البالغ الذي عبّر عنه بصيغة المفاعلة «يخادعون»، لإفادة المبالغة في فعلهم ذلك، وحسبك في ذلك
стр. 242
أنّهم في خداعهم هذا غفلوا عن رقابة الله لهم واطّلاعه على خباياهم» «١».
وهكذا نجد أن الصلة واضحة بين المعيار اللغوي، وبين الدّلالة الجمالية، ومما يزيدنا إعجابا بمثل هذه النظرات أنّها وردت في كتاب يتحدّث عن علوم القرآن كلها، وجميع وجوه إعجازه، فهذا مما يبعث على التقدير، فالنظرات هنا تدلّ على عمق أدبي.
وهنالك صيغ تقوم برسم المشاهد بأدقّ طريقة فنية، وقد نظر الدكتور عتر إلى قوله تعالى: فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى «٢»، وقال: «عبّرت الآية باسم الفاعل «فالق»، واسم الفاعل ينطبق على الفاعل حال تلبّسه بالفعل، وبذلك قوّى القرآن الصّورة، وأدناها منّا، ونبّه الإحساس لصورة الفلق، وهي صورة موحية مؤدّية جعلت نظرنا يثقب الأرض إلى جوفها يشهد أعجوبة فلق النّواة والحبّة عن حياة جديدة» «٣».
ولدى العودة إلى بني إسرائيل في القرآن نقرأ قوله على لسان فرعون، وهو في قمة غطرسته بعد اتباع السحرة لموسى ﵇:
فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى «٤».
فالغضب يتجلّى في الفعل مشدّد العين «أقطّعنّ» و «أصلّبنّكم»، كما تضيف نون التوكيد معنى الشّدة، وثمّة نبرة قوية في الوقوف على الميم الساكنة ثلاث مرات، وفي الوقوف على الباء الساكنة في الكلمة الأخيرة «أبقى»، وكلّ هذا يساعد على تجسيم الغضب، وشدّة الوعيد.
وتظهر أهمية صيغة المبالغة من اسم الفاعل في قوله عن اليهود:
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ «٥»، مما يدلّ على قوة فعل التنفيذ.
стр. 243
ويمكن ان نتلمّس معاني القوة في شواهد كثيرة مثل قوله تعالى: تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ «١»، إنه يظهر نعمته على قريش، فيؤثر فعل «يتخطّف» لا «يخطف»، ففيه زيادة التاء والتشديد، بالإضافة إلى اختيار فعل الخطف الذي يفيد قوة المعتدي وبطشه، وبالمقابل يفيد سهولة خطف المعتدى عليه، وذلك لتظهر جليّة رحمة الله وعنايته بهم.
- إنصاف القدامى:
لا يحقّ لباحث معاصر أن يسفّه القدامى، وينظر إلى جهودهم من خلال نظريات حديثة في النقد، ويجب أن ننبّه إلى أنهم لم يكونوا مقصّرين في مجال الإحساس بجمال الصيغة، فقد أوردنا بعضا من تأملاتهم.
والحقّ أن جمال الصيغة لا يمكن أن يخفى على الدارس القديم، إذ يتمتع بمقدرة لغوية فائقة، فقد لمسوا فيها أسلوب الإيجاز، وتصوير الحركة المرئية، ومساعدة الصيغة على إكمال الصورة البصرية، ومساعدتها على كشف إيحاءات فنية رائعة، كما يتضح في فصول أخرى من البحث.
إن الباحث القديم يحكّم المفهوم اللغوي، ثم يحكّم ذوقه في كشف ظلال الصيغة، وذلك من غير توهّم أو تقوّل، فإذا ردّنا إلى اللغة اقتنعنا بمعياره، وإذا ردّنا إلى الإيحاء النفسي وفق التجربة الإنسانية وجدنا الأثر في النفس قائما.
وإن من الإجحاف أن ننكر ما جهد القدامى فيه كما يقول أحد المعاصرين:
«إذا صحت هذه الملاحظة، وصحّ أن تفاعلات التشكيل الصرفي تتداخل مع تفاعلات المعاني والإيقاع، فإن الموقف النقدي القديم يحتاج إلى تعديل أساسي، أو يبدو غير مقنع».
وهو يريد أن يقول: إن القدامى لم يربطوا بين التشكيل الداخلي وبين تغيرات المعنى، وكأنما لم يسهب أسلافنا في باب «زيادة المعنى لزيادة المبنى»، ولم يقدم الزمخشري- مثلا- خصوصية صيغة ما، وملاءمتها للمعنى المطلوب، ولم تقتصر الصيغة على معنى الزيادة كما جاء في الكشاف، فإذا
стр. 244
عدنا إلى البلاغة القرآنية وجدنا اهتماما كبيرا بجمال التشكيل، ومن هذه البلاغة استمد الموقف النقدي أساسه، إنما كانت نظرات القدامى مغلّفة بمصطلحاتهم الخاصة، وجاءت هذه النظرات مجملة بعض الشيء أحيانا، وهذا لم يمنع من تفهّمنا لها، وتبجيل أصحابها.
стр. 245
٢ - الدلائل التهذيبية في مفردات القرآن
لقد تنبّه الدارسون القدامى إلى جمالية التهذيب في أسلوب القرآن، وبذلوا الجهد في التماس رفعة البيان القرآني فيها، وقد عقدوا لها فصولا بأسماء مختلفة في مصنفاتهم، فكان طابع التهذيب الذي هو موضوع هذا البحث يقع تحت عناوين كثيرة مثل «الإشارة» أو «التعريض» أو «التلويح» أو الكناية أو غير هذا.
بيد أن الذي يجمع هذه المصطلحات في سلك واحد هو التلويح عن المعنى في مقام لا يناسب فيه التصريح، وذلك لأسباب واردة في السياق، وإن كان التصريح مطلوبا في مواضع أخرى بحيث لا يغني عنه تلويح.
وتعود أهمية هذه الدراسة إلى تبيين وجه من وجوه الإعجاز البياني، فلا شكّ أنّ طابع التهذيب يدل على تمكّن من الفروق اللغوية، بحيث تختار كلمة مناسبة، تومئ بظلالها إلى المعنى، وهذا يدلّ على النّهوض بالنفس البشرية، وإبعادها عن الابتذال، لأنّ الحياة السوية مطلب القرآن الكريم.
وتنقسم فكرة هذا البحث إلى وسائل التهذيب مما يخصّ المرأة، أو العلاقة بين الرجل والمرأة، وإلى أمور عامة حياتية جنح فيها البيان القرآني إلى الرمز والإيجاز بغية المحافظة على سموّ الخطاب.
وسوف نمرّ بنماذج من لمحات الدارسين: قدامى ومحدثين، ولن نشغل بدقائق وتفصيلات حول التسمية قاصدين لباب الفكرة، وتوضيح هذه الجمالية من خلال جهود الدارسين.
- في أمور النساء:
كثيرة هي الإيماءات التهذيبية الخاصة بالمعنى الجنسي، أو العلاقة الحسية بين الرجل والمرأة، ونبدأ الفقرة بكشّاف الزمخشري تاركين من سبقه، لأنه كان أكثر تعمّقا من سابقيه.
стр. 246
لقد تنبّه الزمخشري إلى جمال المسّ في الآية الكريمة: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «١» حكاية عن مريم ﵍، إذ يقول: «جعل المسّ عبارة عن النكاح الحلال، لأنه كناية عنه كقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ «٢» وأَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ «٣» والزنى ليس كذلك، وإنما يقال فيه: فجر فيها، وخبث فيها، وما أشبه ذلك، وليس بقمين أن تراعى فيه الكنايات والآداب» «٤».
وهو يرى معمّما نظرته أن العلاقة الشرعية بين الرجل والمراة يكنّى عنها بالمسّ والملامسة، وليس يكون هذا في الزّنى، ويجب أن نضيف أنّ البيان القرآني لم يجنح إلى هذه الجمالية معتمدا على الفروق اللغوية، فيصرّح في الزّنى، ويلمّح في النكاح المشروع، فقد عبّر القرآن عن أبشع الزنى الذي ابتلي به قوم لوط بكلمة تتّسم بالظّلال، فنقرأ على لسانهم: ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ «٥»، فعبّرت كلمة «حق» عن قمة الهياج عندهم، والكلمة على أخلاقيتها التي تطفىء معنى الشّبق، وتزيحه من التصور، تدلّ على ثقة هؤلاء الماجنين بأنفسهم وإمعانهم في الضلال، فهم أصحاب حقّ كما يرون.
ونقرأ في سورة يوسف الآية: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ «٦» تلك السورة التي تعد منهجا أخلاقيا، ودرسا ربانيا في الصّبر على البلاء والشّهوة، وهذان الفعلان: «همّت، همّ» يختزنان بهدف الأدب كلّ تفاصيل الحادثة، وإلى هذا أشار أبو السعود في تفسيره قائلا: «ولعلّها تصدّت هنالك لأفعال أخر، من بسط يدها إليه، وقصد المعانقة، وغير ذلك مما يضطره ﵇ إلى الهروب نحو الباب .. ولقد أشير إلى تباينها حيث لم يلزّا في قرن واحد من التعبير بأن قيل: ولقد همّا بالمخالطة، وكأنه ﵇ قد شاهد الزنى بموجب ذلك البرهان النّير على ما هو عليه في حدّ ذاته أقبح
стр. 247
ما يكون «١».
فقد اكتفى البيان القرآني بالهمّة والقصد، فما قرأنا انكشاف صدر، أو نزع ثياب، أو تأوّهات، كما هي الحال في كثير من الأدب الروائي، مما يثير الغرائز الحيوانية، ويستفزّ النوازع المريضة.
وضّح القدامى هذه الجمالية في معرض حديثهم عن الأسلوب الكنائي في القرآن، ونحن إذا قلّبنا صفحات كتبهم، وطالعنا أبواب الكناية نجد الشواهد الرائعة التي دلّت على ذوق وتدبّر.
وعلى سبيل المثال لا الحصر نورد شاهدا يذكره الزّركشي في باب الكناية، وقد نقله السيوطي في باب الكناية أيضا مع غيره من الشواهد التي ذكرها سلفه، ولتوضيح هذا نذكر من الوقفات التي تفرد بها الزركشي ما كان في تأمل الآية:
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ «٢»، إذ يقول: ومن عادة القرآن العظيم الكناية عن الجماع باللّمس والملامسة والرّفث، والدخول والنكاح ونحوهن، فكنى بالمباشرة عن الجماع، لما فيه من التقاء البشرتين» «٣».
فكأن الكناية هنا استلزمت أخذ جزء بسيط من المكنّى عنه، ونجد أن الزركشي يعوّل على الأصل اللغوي، ونظير ما جاء في تفسيره لمعنى الفرج، إذ يقول حول الآيتين: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها «٤»، والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ «٥»: «أخطأ من توهّم هنا الفرج الحقيقي، وإنما هو من لطيف الكنايات وأحسنها، وهي كناية عن فرج القميص، أي لم يعلق ثوبها ريبة، فهي طاهرة الأثواب، وفروج القميص أربعة: الكمّان، والأعلى والأسفل، وليس
стр. 248
المراد هذا، فإنّ القرآن أنزه معنى، وألطف إشارة» «١».
وكأنه ينظر إلى قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ «٢» الذي يعني تطهير الجسد، وعلى هذا فقد دلنا في المكان نفسه على لطيف العبارة في قوله : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ
شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
«٣» فقد كنّى التعبير القرآني عن الفروج الحقيقية بالجلود، وكذلك الآية: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ «٤» التي فسّرها على أنها كناية عن الزّناة، وقد نقل السيوطي شواهد الزركشي مع تعليقاته مختصرة في «إتقانه» «٥»، وهذا لا يدلّ على تحجّر فكر، بل على إجلال القدامى لجهود أسلافهم.
وقد اقتصرنا على هذه النّبذة اليسيرة من جهود العلماء خشية سرد ما هو مكرر، وهذا لا يدلّ على جفافهم، وإنما شغلوا بالصورة البصرية فاهتموا بالتشبيه والاستعارة، وقد أبرزنا بعضا من لمحاتهم الفنية في مكانها من البحث.
- نظرة جديدة:
إن مسلك اتكاء اللاحق على السابق خلّف تكرارا كثيرا، وتجاوزا لبعض المفردات، كما في قوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ «٦»، فإن من الحق والترفّع أن تذكر طهارة النساء في الجنة، لأن كثرتهن أبعد ما تكون عن كونهنّ حلّا لكلّ رجل، فلكل مؤمن زوجاته الخاصات، والتطهير هنا يدلّ على رقيّ طبيعة المرأة في الجنة عن الحيض والنّفاس، وعلى طهارة الروح أيضا.
وكذلك في الآية التي تحدّد تنزيه الخالق، إذ يقول : أَنَّى يَكُونُ
стр. 249
لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ «١» فقد ذكر كلمة «صاحبة» لتدل على المصاحبة المؤقّتة بين الرجل والمرأة في الدنيا، وقصر فترتها، ولله الزّمن المطلق ولم يقل: زوجة، لأنها ربما أوحت إلى النفس بتفاصيل حسية، ﵎ الله عن هذه الطبائع البشرية.
وقد تجلّت السمة الأخلاقية في سورة يوسف في غايتها الكليّة المستمدة من سيرة هذا النبي، وفي انتقاء المفردات المعبرة عن محنته، فعلى لسان زوجة الملك يقول تعالى: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ «٢» ويتضح طابع التهذيب والسّمو في الاكتفاء بظلال كلمة «يفعل» وكلمة «ما آمره» بهاتين الكلمتين تم التعبير عن شهوة عارمة، وهذا يتمشّى وطابع الدين الإسلامي الذي يدعو إلى تهذيب الغرائز وتوجيهها، والحدّ من فاعليّتها، وليس قتلها، وكذلك يكمن هدف القصة القرآنية في الموعظة والاعتبار، ولا حاجة لتصوير يخدم الفنّ لأجل الفنّ.
ولا بأس أن نتأمل جمال التعبير عن الجماع في قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها، لِيَسْكُنَ إِلَيْها، فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً «٣»، وفيه نؤكد أنّ التعبير أبعد كلمة جامعها أو ضاجعها، وإذا أردنا أن نعود إلى الأصل اللغوي، كما صنع الزركشي نصل إلى دلالات رفيعة، فالكلمة تعني التّغطية، فكأن الرجل غطاء للمرأة، وهذا يدل على رضاها التام، فلا ترى غيره، وهذا هو المثل الأعلى للحبّ الزّوجي والإنجاب وعمارة الأرض، والسكينة شرط أساسي في حياة الرجل والمرأة، لذلك ذكر الراحة النفسية أولا.
ولم ينظر المحدثون إلى جمال الرموز في الأمور الجنسية، وكأنما وجدوا ما هو كفاية في كتب سلفهم، وقد قدّموا أفكارا جديدة في المجالات الأخرى من الحياة.
وهنالك كتاب «قصص القرآن» لأحمد موسى سالم يقول فيه عن أمور
стр. 250
المرأة في القرآن: «ذكر القرآن من النساء الصالحات أمّ مريم، وذلك بنسبتها إلى زوجها، في قوله تعالى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي «١»، وكذلك ذكر القرآن من الصالحات منسوبة إلى زوجها امرأة فرعون، وأما غير الصالحات من النساء، فقد جاء ذكرهن كذلك منسوبات إلى أزواجهن في قصص القرآن» «٢».
وقد فسر في الموضع نفسه ذكر اسم مريم ﵍، لأنها تنفرد بحالة خاصة، فهي أمّ من غير زوج، وقصّة حملها خرق لنواميس الطبيعة البشرية.
وهذا الذي رآه الباحث موجود مثلا لدى السيوطي تحت عنوان «المبهمات» «٣»، وذكر فيه أسماء النساء والمنافقين والصحابة فيما ينتمي إلى أسباب النزول.
ويبدو أن الباحث يرجّح الجانب الفني، فإضافة إلى الأدب في عدم ذكر أسماء النّساء، فإن القضية تدور حول نموذج أبطال القصة، فمن هنا يجيء ذكرهن منسوبات طبيعيا،
إذ المهمّ أن يستمر الحدث حتى مرحلة الاعتبار، والأسماء لا تغيّر من طبيعة الشخصيات.
- جوانب تهذيبية عامة:
- تأملات الزمخشري:
خير من نبدأ به هو الزمخشري، ذلك المفسّر الذي يكشف النّقاب عن إيحاءات المفردة وظلالها النفسية، يقول : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ «٤»، فيستخدم أسلوب الفنقلة «٥» على جاري عادته في تفسيره، ويقول: «فإن قلت: فالإصبع التي تسدّ بها الأذن إصبع خاصة، فلم