Полный текст (138 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الشرط الرابع: عدم الشذوذ
وللشذوذ تعريفات كثيرة جداً ومفصلة، والصحيح الراجح هو تعريف الشافعي بأنه: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه وأكبر وأتقن وأحفظ منه.
مثال ذلك: اختلف شعبة مع سفيان الثوري في اسم راو، فقال العلماء: خذوا من الثوري فهو أضبط من شعبة في الرجال.
فهذا أمير المؤمنين في الحديث، وهذا أمير المؤمنين في الحديث، لكن لما اختلفا رجحنا كفة الثوري؛ لأنه كان أضبط في الرجال من شعبة فمخالفة شعبة للثوري تعتبر شذوذاً.
وضرب له بعض العلماء في علم الحديث حديثين، الحديث الأول: (أن الله جل وعلا قبض قبضة بيمينه فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وقبض بيده الأخرى وقال: إلى النار ولا أبالي)، وهذا في صحيح البخاري فقال: (بيده الأخرى) أما في صحيح مسلم صرح فقال: (وقبض بيده الشمال)، عن الأخرى باسمها الشمال أو بوصفها أنها شمال.
فهذه عند المحققين من المحدثين كـ البيهقي من المتقدمين وغيره شاذة، والصحيح الراجح لو رجعت للحديث لرأيت أن الراوي فيها ضعيف، فهو غير ثقة، يعني: غير مقبول، لكن هو قال بالشذوذ لأن الحديث في البخاري ومسلم فلجلالة قدر البخاري ومسلم، قال: إنها شاذة، والصحيح أن النبي ﷺ قال: (كلتا يدي ربي يمين)، وكل رواية ذكر فيها شمال فهي ليست صحيحة وهي شاذة مخالفة، وكما قال الخطابي: فإن الشمال توهم بالنقص وهي مخالفة لرواية الثقات الأثبات.
ويضربون أيضاً مثلاً في ذلك بحديث مسلم أيضاً أن رسول الله ﵌ قال: (سبعون ألفاً يدخلون الجنة)، وقال في وصفهم: (لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون)، وفي رواية: (لا يرقون)، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية بالشذوذ في هذا.
فقوله: (لا يرقون) شاذة؛ لشذوذ في المتن؛ لأن النبي ﷺ رقى وجبريل رقى فلا يصح أن يقال: إنها تصح من الحديث.
ومثلوا لذلك أيضاً بتحريك الإصبع في التشهد.
والمقصود أن الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه إما في الضبط وإما في العدد.
أما في العدد فحديث الإشارة هو أهم ما يضرب مثلاً لذلك؛ لأنه خالف تسعة، والمجلس واحد، فلا يصح أن نقول: هذه المخالفة ليست شذوذاً.
стр. 37
الشروط الخامس: انتفاء العلة
الشرط الأخير: انتفاء العلة.
والعلة في اللغة: المرض، يقال: رجل عليل أي: مريض، فلا يستطيع أن يسير أو يقف على قدميه ونفس الأمر في الحديث.
فالحديث الذي فيه علة لا يستطيع أن يتصدر أمام الناس.
والعلة في الحديث هي شيء غامض خفي يضعف به الحديث مع أن ظاهره الصحة.
وبهذا التعريف يخرج قول كثير من أهل العلم الذين يقولون: هذا الحديث فيه علة، وعلته مثلاً مجالد بن سعيد، أو علته ابن لهيعة؛ لأن هذا ضعف ظاهر، ونحن نقول: العلة هي سبب خفي غامض كما قال ابن مهدي وغيره العلة شيء ينقدح في قلب المحدث، ويقولون: هذا الحديث لا يشبه حديث الأعمش، وهذا الحديث ليس من حديث الزهري، فقد علموا السلاسل وعرفوا من يحدث عنه، فيعرفون أشبه ما يكون بحديث الأعمش، وأشبه ما يكون بحديث أنس، وأشبه ما يكون بحديث نافع، فصيارفة الحديث من التبحر الشديد يعرفونها ولا يذكرون لك سبباً.
ولذلك قالوا: هذا العلم إلى الجنون أقرب منه إلى العلم؛ لأنهم يقولون: هذا حديث ضعيف، فلما سألوا أبا زرعة كيف نعرف أن هذا هو الحق؟ قال: تسألني، فأقول لك هذا الحديث فيه علة، ثم تذهب لـ ابن مهدي فتسأله فيقول لك: هذا الحديث فيه علة، ثم تذهب لـ أحمد فتسأله فيقول: هذا الحديث فيه علة، وتذهب لـ يحيى بن سعيد القطان فتسأله فيقول هذا الحديث فيه علة، فتتفق كلمة الفحول من أساطين هذا العلم على العلة فتعلم أن هذا الأمر من الله جل وعلا قد قذفه في قلوب هؤلاء الذين انبروا وانفردوا بهذا العلم.
إذاً: العلة شيء غامض في الحديث يقدح في صحة الحديث مع أن الظاهر الصحة.
والعلة تنقسم إلى قسمين: علة قادحة، وعلة غير قادحة.
أما العلة الغير قادحة فهي التي لا تؤثر على صحة الحديث.
مثال ذلك في السند: أن يأتي الحديث فيرويه الراوي عن عمرو بن دينار عن جابر مثلاً والحديث عن عبد الله بن دينار لا عن عمرو بن دينار كحديث: (نهى النبي ﷺ عن بيع الولاء وهبته).
فالحديث ليس عن عمرو بن دينار، بل هو عن عبد الله بن دينار فنقول: هذا الحديث فيه علة، وهي أن المحدث أبدل الراوي بغيره.
أو يكون الحديث عن سفيان الثوري، فأتى به عن سفيان بن عيينة، فنقول: هذا الحديث فيه علة، فقد أبدل الثوري بـ ابن عيينة، لكن هذه العلة علة غير قادحة؛ لأن الإبدال كان في الثقة، ونحن اشترطنا أن يكون الراوي ثقة وهو ثقة هنا.
فلو أن عبد الله بن دينار ثقة وعمرو بن دينار ثقة فنأخذ بالحديث ويكون الحديث صحيحاً لكن فيه علة وهي إبدال الراوي بغيره.
وثمرة هذه العلة أن يجعلنا نقول: إن هذا الراوي فيه وهم، فهو يهم قليلاً وربما أخطأ.
ومثالها في المتن: أن يقول في حديث جمل جابر بأنه باعه في المدينة، فنقول: لا، بل باعه وهو يسير، أو يقول: باعه بأوقية أو بدراهم، فنقول: هذا الخلاف ليس علة قادحة في الحديث.
لأن مضمون الحديث أن جابراً باع، والنبي ﷺ اشترى، فأصل الحديث موجود، فلا تكون علة قادحة في الحديث، والعلة الغير قادحة لا تؤثر على صحة الحديث متناً ولا إسناداً، والعلة القادحة تؤثر على الحديث متناً وإسناداً وهذا له باب واسع ليس هذا محل التفصيل فيه.
стр. 38
تدريبات عملية في تصحيح الأحاديث
نأتي إلى التدريب العملي ونضرب مثلاً على ذلك: روى البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير قال: حدثنا مسدد، حدثنا معتمر -وهو المعتمر بن سليمان بن طرخان - قال: سمعت أبي -يعني: سليمان بن طرخان - قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ وأرضاه يقول: (كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر).
فانظر عملياً لهذا الحديث ودعك الآن أنه من البخاري، وكأننا لا نعرف شيئاً عن البخاري ونريد أن نكشف عن هذا الحديث، -ومجنون في عقله من يذهب يبحث عن أحاديث البخاري، ولا يكون ذلك إلا للفحول الذين انتقدوا الأحرف اليسيرة التي يمكن أن ينظر فيها متكلم-.
فـ البخاري روى الحديث هنا عن مسدد، فنحن نريد أن نقول في النهاية: هذا الحديث حديث صحيح، وكيف نقول: إنه حديث صحيح؟ قلنا: أولاً: لابد من اتصال السند، واتصال السند معناه أن يصرح التلميذ أنه سمع الحديث من شيخه.
وننظر هنا، فـ البخاري جبل الحفظ أمير المؤمنين في الحديث ومفخرة كل محدث يقول: حدثنا مسدد، فهذا ليس فيه انقطاع؛ لأن قول الراوي حدثنا يعني: أنه حدثه وسمعه بأذنه.
إذاً البخاري قال: حدثنا مسدد، فنقول: الراوي الأول قد سمع من الثاني.
ومسدد بن مسرهد قال: حدثنا معتمر بن سليمان.
فنقول: سمع مسدد من معتمر واتصل السند إلى هنا.
ونأتي إلى الثالث وهو معتمر بن سليمان يقول: سمعت أبي.
فإذاً يكون سماعاً لا شك فيه، إذاً: الاتصال بين معتمر وأبيه قد وجد.
ثم نأتي إلى سليمان، وسليمان قال: سمعت أنس بن مالك، وأنس بن مالك يحدث عن رسول الله.
إذاً سليمان سمع من أنس فاتصل الإسناد إلى أنس ويبقى لنا أن نبحث عن أنس، وهنا نقول: إذا قال أنس (قال) أو (عن) أو (أن) فكلها عندنا بمنزلة (حدثنا) لأنه إن قال أحد الألفاظ السابقة فقد قالها عن غيره من الصحابة، والصاحب سمع من النبي ﷺ .
فالقاعدة هي أنك إن كنت تبحث لتصحح أو تضعف، فلا تبحث في الصحابي عن أي شيء؛ لا اتصال السند ولا عدالة الراوي، فكل هذا متوفر فيه.
وإلى هنا نقول: اتصال السند قد توفر، وبقي لنا شرط آخر وهو عدالة الراوي.
وبإيجاز ننظر: فـ البخاري قد تكلم بعض العلماء فيه، لكن الكلام فيه لا يفيد ولا يؤثر، فـ البخاري جبل الحفظ وأمير المؤمنين في الحديث ثقة ثبت.
ومسدد روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
فـ مسدد ثقة ثبت.
ومعتمر من الثقات الأثبات، وأبوه سليمان بن طرخان ثقة ثبت، وأنس بن مالك ثقة ثبت ثبت.
وقول العلماء: ثقة، تساوي عدالة زائد ضبط، فمن قال فيه العلماء ثقة فقد عدلوه وشهدوا له بالضبط.
وبهذا انتهينا من العدالة والضبط.
ويبقى لنا عدم الشذوذ فنقول: هذا الحديث ليس عندنا أي حديث يخالفه، فليس هناك ثقة خالفه، فيكون الحديث بهذا قد توفر فيه عدم الشذوذ.
ثم ننظر في شرط عدم العلة، فنقول: الحديث رواه البخاري فإذاً هو غير معلول، فأي حديث فيه البخاري فليست فيه علة، فـ البخاري قد جاوز القنطرة.
وعليه فقد توفرت الشروط الخمسة وصح الحديث من حيث الإسناد.
стр. 39
شرح المنظومة البيقونية - الحديث الحسن
الحديث الحسن هو ما توافرت فيه شروط الحديث الصحيح إلا أن أحد رواته خف ضبطه بما لا يوجب رد حديثه، وقد بين المحدثون ضوابط الحديث الحسن وأحكامه، وبينوا أن الحسن لذاته قد يرتقي بالمتابعات والشواهد إلى صحيح لغيره، كما يرتقي الضعيف بها إلى حسن لغيره.
стр. 40
حكم الحديث الحسن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: انتهينا من الكلام على الحديث الصحيح، وبينا أن الحديث له شروط خمسة لا بد أن تتوافر فيه حتى يكون صحيحاً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده ولم يشذّ أو يعل يرويه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله] وحكم الحديث الصحيح قبوله والعمل به وجوباً، سواء في الاعتقادات التي تسمى الأصول أو في الفروع على قول العلماء الذين قسموا الدين إلى الأصول والفروع، فسواء في الاعتقادات أو في العبادات يجب العمل به.
والحديث الحسن حكمه حكم الحديث الصحيح.
стр. 41
تعريف الحديث الحسن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والحسن المعروف طرقاً وغدت رجاله لا كالصحيح اشتهرت وكل ما عن رتبة الحسن قصر فهو الضعيف وهو أقسام كثر] والحسن لغة: مأخوذ من الحسن بمعنى الجمال وهو ضد القبيح.
وفي اصطلاح المحدثين: هو مثل الحديث الصحيح غير أننا نغير شرط تمام الضبط إلى خفيف الضبط، فنقول: هو ما اتصل سنده عن عدل خفيف الضبط إلى منتهاه ولا نقول: عن مثله، فلو قلنا: هو نقل العدل خفيف الضبط عن مثله؛ فهذا فيه إيهام أننا نشترط في الحديث الحسن أن يكون في كل طبقة من طبقات الرواة راو خفيف الضبط، والصحيح أن الحسن طبقة من طبقات الرواية يكون فيه خفة الضبط، فينزل الحديث من درجة الصحيح إلى درجة الحسن.
إذاً: الحديث الحسن هو ما اتصل إسناده بنقل العدل خفيف الضبط إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
وقد شرحنا كثيراً مسألة الشذوذ والعلة، وكيف يعرف الإنسان العلة، وذكرنا كيفية معرفة ضبط الرواة.
والحديث الحسن هو حديث صالح في الاحتجاج صحيح في العمل به؛ لكن درجته تقل عن درجة الصحيح؛ لأن فيه راوياً في طبقة من طبقات السند خفيف الضبط، وخفيف الضبط كمن يقول عنه ابن حجر في التقريب: صدوق، فصدوق أنزل بثلاث مرات عن ثقة ثقة أو ثقة ثبت.
وقد يقول في الراوي: صدوق ربما وهم، وهذا أنزل من صدوق.
أو يقول مثلاً: فيه لين بعض العلماء يحسن حديثه، ومعنى ذلك أنه يحفظ لكن فيه اللين، وهذا بعض اللين لا نعرف هل هو في هذا الحديث أم في غيره.
أو يقول: صدوق في حفظه شيء، فكل ذلك ينزل الراوي من درجة الصحة إلى درجة الحسن.
стр. 42
فائدة التمييز بين الحديث الحسن والصحيح
ما الفائدة من التمييز بين الحديث الصحيح والحسن، وعندنا أن الحديث الحسن والحديث الصحيح يستويان في وجوب العمل، ويستويان في وجوب القبول، ويستويان في صحة الاحتجاج به؟ تظهر الفائدة عند التعارض، فإننا إن لم نستطع الجمع بين الأحاديث المتعارضة فمن المرجحات أن الحديث الصحيح أقوى من الحديث الحسن، فيقدم على الحديث الحسن.
إذاً: الحديث الصحيح والحديث الحسن يتفقان في الاحتجاج والعمل بهما، ويفترقان أنهما إذا تعارضا فالصحيح يقدم على الحسن.
стр. 43
تعريف الحديث الصحيح لغيره
الحديث الصحيح لغيره يعني: ليس لذاته، فهو الحديث الحسن لذاته إذا تعددت طرقه بشواهد أو متابعات.
والأصل في الشواهد أن تكون على المتون، والمتابعات أن تكون على الأسانيد، فإذا جاءت الرواية بشاهد آخر، يعني: برواية من متن آخر يشهد لهذا الحديث، فنقول: هذا الحديث يرتقي من الحسن لذاته إلى الصحيح لغيره.
ومثال المتابعة أن يأتي راو من طبقة من طبقات الإسناد يتابع عبد الله بن محمد بن عقيل مثلاً، فيرفعه من الحسن إلى الصحيح لغيره.
وعبد الله بن محمد بن عقيل الراجح فيه بعد الخلاف العريض بين علماء الجرح والتعديل أنه صدوق، يعني: حديثه لا ينزل عن درجة الحسن، فيأتي راو آخر يتابعه بنفس الحديث ونفس المشايخ، وهذه متابعة تامة، فيأتي هذا الراوي يرفع عبد الله بن محمد بن عقيل من درجة الحسن ليرقيه إلى درجة الصحيح، هذا معنى المتابعة، يعني: وضع يده في يده فتكاتفا حتى يتقوى الأول بالآخر فيرتقي إلى درجة الصحة.
إذاً: الحديث الصحيح لغيره: أن يأتي حديث فيه راو خفيف الضبط فيأتي من طريق آخر راو خفيف الضبط مثله فيرفعه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح لغيره.
والصحيح لغيره إذا تعارض مع الحسن فالصحيح لغيره يقدم على الحسن لذاته.
стр. 44
تعريف الحديث الحسن لغيره
الحديث الحسن لغيره هو: الحديث الذي في إسناده راو ضعيف، كـ ابن لهيعة أو مجالد بن سعيد أو حجاج بن أرطأة، ففي الإسناد في طبقة من طبقاته راو من الرواة ضعفه العلماء، كأن يقول فيه مثلاً يحيى بن معين: صالح، يعني: صالح للاعتبار لا صالح للاحتجاج، وإن قال فيه ابن أبي حاتم: صالح، فهو صالح للاعتبار لا صالح للاحتجاج، هذا هو الراجح الصحيح في معنى قولهم صالح.
إذاً: إذا وجد راو ضعيف في طبقة من طبقات الإسناد وجاء راو آخر مثله ضعيف فاعتضد به وتقوى به فيرتقي الحديث إلى الحسن لغيره.
واشترط العلماء في المتابعة أن يكون مثله أو أرقى منه لا دونه، يعني يقال في هذا: لين الحديث، والآخر يقال فيه: صدوق، أو يقال فيه: لين الحديث مثله، فيشترط في المتابع أن يكون مثله أو يكون فوقه، ولا يصح أن يعتضد بمن هو أدنى منه، هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني: ألا يكون الضعف شديداً، كأن يقال مثلاً في الراوي كـ نوح الجامع: كذاب وضاع، أو يكون الراوي متهماً بالكذب، والفارق بين الكذاب والمتهم بالكذب يسير.
أو يقال مثلاً: اختلط، فالاختلاط ضعف، أو يقال مثلاً: ضعيف جداً، أو يهم كثيراً فترك، هذا الضعف شديد لا يمكن أن ينجبر.
وقد مثل له بعضهم بحديث: (أشمي ولا تنهكي، فإنه أحظى للزوج وأنضر للوجه)، وهذا التمثيل مثل به بعض العلماء الذين يقولون بحرمة الاختتان للنساء، وهذا كلام باطل في أصل وجهه، قال أستاذ وهو رئيس قسم في الحديث: هذا حديث ضعيف لا يؤخذ به، فردت عليه امرأة، مع أن علم الحديث هو للذكران من العالمين وليس للإناث، لكن الحمد لله أن النساء هنا كالجبال.
وقد كان الشيخ أبو إسحاق دائماً يقول: يا محمد، دعك من النساء في علم الحديث، هذا العلم خاص بالذكران من العالمين، فنقول: لا، الخير في الأمة كالمطر لا يدرى في الأول أم في الآخر، فكثير من النساء كن محدثات حافظات، والآن ترى أسانيد القرآن أكثر ما تكون في الإسكندرية بالذات مع النساء، فالنساء تفوقن حقاً على الرجال في الأسانيد، لكن إذا تنطعن يضربن حتى يقفن مكانهن.
فالواقع أن النساء تفوقن على الرجال في مسألة الأسانيد، فممكن تتفوق المرأة أيضاً على الرجال في الاصطلاح والحديث.
الشاهد أن امرأة قامت فقالت له: هذا الحديث ضعفه ضعف منجبر، فقد جاء من عدة طرق، وذكرت الطرق، فماذا قال لها؟ قال: هذه الطرق فيها وهم، ولا تزيد الحديث إلا وهماً على وهم، وكلامه هذا يرد السنة بأسرها؛ لأنه يوجد أحاديث كثيرة جداً حسنت وهي ضعيفة؛ لأنها جاءت من طرق كثيرة، فمن يقول: الضعف لا ينجبر بحال من الأحوال فهذا يرد السنة بأسرها، ولا بد أن يضرب على أم رأسه.
فالصحيح أن الضعف الذي هو غير شديد ينجبر بغيره إن كان المتابع للضعيف مثله أو فوقه.
إذاً: يوجد شرطان حتى يرتقي الحديث الضعيف إلى الحسن لغيره: الشرط الأول: ألا يكون الضعف شديداً، بل يكون الضعف ضعفاً منجبراً.
الشرط الثاني: أن يأتي من طريق آخر، وهذا الطريق يكون مثله أو فوقه، فإن كان دونه لا يرتفع به، فلا بد أن يكون مثله أو فوقه.
стр. 45
أمثلة تطبيقية للحديث الحسن
حديث يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (كفر بامرئ ادعى نسباً لا يعرفه أو جحده وإن دق).
هذا الحديث لا بد أن نبحث في شروطه قبل أن نحتج به وهي: اتصال السند، وضبط الرواة، والعدالة، وعدم الشذوذ والعلة.
أما اتصال السند فلا يوجد راو مدلس، فإن لم يكن الراوي مدلساً وعنعن أو حدث فهما سواء، فهل يعكر علينا أن يأتي الشافعي ويقول: عن مالك، ومالك يقول: عن نافع، ونافع يقول: عن ابن عمر؟ هل تعكر علينا العنعنة هنا ونقول: أين الاتصال؟ فالعنعنة تعكر علينا إن كانت من مدلس، وهؤلاء غير مدلسين.
إذاً: الشرط الأول توفر، وهو اتصال السند.
الشرط الثاني: العدالة، بفضل الله كل هؤلاء عدول لا مطعن في واحد من الرواة، وسلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده اختلف فيها العلماء، فـ ابن القطان يضعف هذه السلسلة ويقول: شعيب ما سمع من جده وهي صحيفة كان يروي منها، لكن قد أثبت له السماع غير واحد من علماء الحديث، والمثبت مقدم على النافي، فأثبت سماعه أحمد وغيره، فنقول: كل هؤلاء عدول.
الشرط الثالث: الضبط، يحيى بن سعيد هذا جبل ثقة ثبت، وعمرو بن شعيب متكلم في ضبطه، قال فيه الحافظ: صدوق، وأبوه ثقة، وجده صحابي، والصحابي لا نقول فيه ثقة وغير ثقة، لأن الصحابة كلهم عدول؛ والجد هنا هو عبد الله بن عمرو بن العاص.
فعندنا راو ضبطه خفيف، وهو عمرو بن شعيب، والباقي ثقات.
الشرط الرابع والخامس: عدم الشذوذ والعلة، هذا الحديث لم يقل فيه أحد بالشذوذ ولا فيه أي علة.
إذاً: الشروط الخمسة كلها قد توافرت، فنحكم على الحديث بأنه حديث حسن؛ لأن أحد الرواة نزل من درجة تمام الضبط إلى خفيف الضبط.
المثال الثاني: حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
محمد بن عمرو خفيف الضبط، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف ثقة ثبت، من الفقهاء السبعة، وأبو هريرة صحابي، فهل توافرت الشروط؟ أولاً: اتصال السند تحقق، فلا يوجد مدلس، والعنعنة هنا كالتحديث.
ثانياً: كلهم عدول.
ثالثاً: أبو سلمة تام الضبط، وأبو هريرة لا يتكلم عنه، ومحمد بن عمرو خفيف الضبط، فإذا كان خفيف الضبط نزل حديثه من درجة الصحيح إلى درجة الحسن، فهذا الحديث حديث حسن.
المثال الثالث: قال الترمذي: حدثنا علي بن عيسى بن يونس عن مجالد - وهو مجالد بن سعيد - عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري قال: (كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة سألت رسول الله ﷺ فقال: أهرقه، فقلت: إنه ليتيم، فقال: أهرقه)، هو استشار النبي أن يبيع هذا الخمر حتى لا يضيع مال اليتيم فقال: (أهرقه)؛ لأنه محرم، ولا ضرورة هنا لإباحته.
قال: الترمذي: هذا حديث حسن.
وهو يقصد أنه حسن لغيره، ولا يمكن أن يقصد أنه حسن لذاته، فهذا مثال للحديث الضعيف الذي ارتقى إلى الحسن لغيره، لأنك إذا نظرت إلى رجال الإسناد تجدهم ثقات، وتجد التحديث موجوداً، والشذوذ غير موجود، والعلة الخفية غير موجودة، لكن العلة الظاهرة موجودة، وهي مجالد بن سعيد، فقد ضعفة العلماء.
فهذا حديث إسناده ضعيف، لكن جاء من طريق آخر فارتقى من الضعف إلى الحسن، فهذا مثال للحديث الحسن لغيره.
стр. 46
شرح المنظومة البيقونية - الحديث الضعيف
الحديث الضعيف قسم من أقسام الحديث المردود، وهو الذي لم تجتمع فيه شروط الحديث الحسن، وقد ميز علماء الحديث الحديث الصحيح من الحديث الضعيف، ووضعوا طرقاً لمعرفة ضبط الرواة وعدالتهم، فإن كان الراوي ضعيفاً وضعوا له ألفاظاً تدل على ضعفه وعدم قبول حديثه.
стр. 47
الحديث الضعيف
стр. 48
تعريف الحديث الضعيف وشروطه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: [أبدأ بالحمد مصلياً على محمد خير نبي أرسلا وذي من أقسام الحديث عده وكل واحد أتى وحده أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده ولم يشذ أو يعل يرويه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله والحسن المعروف طرقاً وغدت رجاله لا كالصحيح اشتهرت وكل ما عن رتبة الحسن قصر فهو الضعيف وهو أقسام كثر].
أولاً: تعريف الحديث الضعيف: الضعيف لغة: مأخوذ من الضعف، ضد القوة.
اصطلاحاً: هو الذي لم تجتمع فيه شروط الحديث الحسن.
أي: أنه نزل عن درجة الحديث الحسن.
والحديث الحسن هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الخفيف الضبط إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فالحديث الحسن يكون الراوي فيه خفيف الضبط، وهذا ليس شرطاً في جميع طبقات السند، بل يكفي وجوده في طبقة واحدة، فإذا تخلف شرط من شروط الحديث الحسن فهو الحديث الضعيف.
стр. 49
أسباب ضعف الحديث
стр. 50
الضعف بسبب الضبط
والضعف يأتي في الرواة في طبقات الإسناد، وله أنواع كثيرة، منها: الضعف بسبب العدالة أو الضبط.
وشروط الحديث الحسن: اتصال السند، وعدالة الراوي والضبط الخفيف، وعدم شذوذ الحديث وعدم علته.
فاتصال السند سيخرج منه المنقطع والمعضل والمعلق والمرسل.
فالضعيف بسبب ضبط الرواة لا يكون ضعفه في اتصال السند، بل في ضبط الراوي نفسه، وراوي الحديث الصحيح لا بد أن يستجمع شرطين: الضبط والإتقان.
والضبط نوعان: ضبط صدر، وضبط كتاب، وكان علماء الحديث يعرفون ضبط الرواة من خلال ضبط الحفظ.
ولهم في ذلك ثلاث طرق وهي: المذاكرة، وقلب الأسانيد والمتون بالاختبار والتلقين.
والأمثلة على ذلك فيما يلي: رواية عبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة روايات معتمدة؛ لأنها كانت قبل احتراق كتبه بعد المائة، ثم حدث من حفظه، وكان سيء الحفظ فخالف ووقع في أوهام، وكان تلاميذه يأتونه بالكراس ويقولون: هذا حديثك، فيرويه للناس على أنه حديثه، فقالوا: هذا إذا لقن يتلقن.
الثاني: الثوري رحل فوجد ابن مهدي فقال: أريد رجلاً فحلاً للمذاكرة، فأدخل عليه يحيى بن سعيد القطان الذي كان يقف أمامه يحيى بن معين وإمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل كالطفلين الصغيرين، فأخذ يحيى بن سعيد القطان يذاكر الثوري طيلة الليل، والثوري يذاكره، فقال الثوري: ارحل عني، ثم أتى عبد الرحمن بن مهدي فقال له: قلت لك ائتني برجل أذاكره، قال: وما رأيت في الرجل؟ قال: هذا شيطان؛ لشدة حفظه وقوة قريحته! المثال الثالث: يحيى بن معين وأحمد بن حنبل مع أبي نعيم الفضل.
فإذا ضعف ضبط الراوي فحديثه يضعف، وألفاظ ضعف ضبط الراوي عند علماء الجرح والتعديل هي: هذا الراوي فيه لين، أي: ضعيف لكن ضعفه منجبر.
أو: خالف كثيراً، أي: أن أحاديثه تخالف أحاديث الثقات.
أو: متروك فهذا ضعيف جداً.
أو: يهم، أو سكت عنه، أو فيه وهم يخطئ، أو يهم، أو سيئ الحفظ، أو متهم بالكذب، وهذا حديثه إما موضوع وإما ضعيف جداً.
أو كذاب أفاك أثيم، وهذا حديثه موضوع.
وأشهر كذاب هو نوح الجامع، وسمي بذلك لأنه جمع كل شيء إلا الصدق.
وأبو داود النخعي وضع بعض الأحاديث، فكل من قيل فيه متهم أو كذاب أو وضاع فحديثه موضوع، وهذا من الضعف في الضبط.
стр. 51
الضعف بسبب خوارم المرءوة
كذلك مما يخص الراوي: العدالة، ولها مجال في صحة الحديث، فيضعف الحديث بنزع العدالة، وهي: التقوى والمروءة، فإن أتى بخوارم المروءة لم تؤخذ أحاديثه.
مثال ذلك: ما يروى عن أن ابن عمر دخل على نافع فوجده يصلي حاسر الرأس، وكان العرف أنه إذا خرج الرجل إلى الأسواق بدون غطاء الرأس فهو مخدوش المروءة، فقال له: يا نافع! أتخرج في الأسواق هكذا؟ قال: لا، فعنفه وقال له: فالله أحق أن تستحي منه.
فهذه فتوى ابن عمر خلافاً لفتوى بعض فقهاء العصر القائلين: للراقصة أن تصلي ببدلة الرقص بشرط أن تطفأ الأنوار.
فـ ابن عمر يبين لنا أن هذا من خوارم المروءة، فإن كان عندنا كذلك فتسقط عدالة الرجل ولا يؤخذ حديثه ولا علمه ولا روايته، لكن أعرافنا لينة سهلة، وكثير منها تبيح حاجات كثيرة جداً.
المثال الثاني: البخاري فإن له قصة عظيمة جداً، فقد رحل شهراً كاملاً ليأخذ الحديث من أحد الرواة، فوجده ومعه حماره، فأخذ الزنبيل الذي فيه الطعام، فقربه للحمار ليستدرجه حتى جاءه، ثم نظر البخاري في الزنبيل فلم يجد شيئاً، قال: ماذا تفعل؟ قال: أوهمه بالطعام حتى يأتي، فقال: إذا أوهم الحمار فيوهم البشر فلا آخذ حديثه، فجعلها خادشاً للمروءة واتهاماً في صدق الراوي.
المثال الثالث: ابن خزيمة أو أبو عوانة رحل إلى راوٍ فجاء على باب بيته، فإذا هو واقف على باب بيته يأكل تمرات، فلما نزل عن بعيره ليأخذ الحديث وجده يأكل التمرات، وكان ذلك عندهم من خوارم المروءة، فلما ذهب إليه قال: أرحل كل هذه الرحلة لآخذ منك الحديث، لا والله لا آخذ منك الحديث وأنت تأكل التمرات على باب بيتك.
الرجل لم يأكل في الأسواق بين الناس وإنما على باب بيته، ومع هذا فلم يأخذ حديثه لأن المروءات ماتت مع أهل المروءات.
стр. 52
الضعف بسبب الفسق أو البدعة
أما التقى، فقالوا: إن كان الراوي فاسقاً لا يؤخذ حديثه، وكانوا ينظرون دائماً في عباداته كصلاته وصيامه ونافلته وذكره ونفقاته، هل يتبع النافلة بالفريضة أم لا؟ وهل يكثر من عبادات الله جل في علاه وقيام الليل وصيام النهار أم لا؟ فإذا وجدوا ذلك وثقوه وأخذوا حديثه، وإلا فلا.
وكانوا ينظرون في الراوي هل هو صاحب بدعة أم لا؟ فإن كان صاحب بدعة ردوا حديثه.
والبدعة نوعان: إما بدعة مفسقة، وإما بدعة مكفرة.
والبدعة المفسقة كبدعة الشيعة والخوارج؛ والشيعة من أكذب الناس، وكذلك بعض الخوارج، وإن قال الشافعي: إنهم أصدق الناس، ولهذا قال أحد رواتهم بعدما رجع إلى أهل السنة والجماعة وانتحل هذا المذهب: لا تأخذوا منا حديثاً، كنا في السمر إذا أعجبنا الحديث ركبنا له الإسناد، ورفعناه للرسول ﷺ .
وأشهر أحاديث الشيعة التي وضعوها على النبي ﷺ : (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وأحاديث كثيرة جداً في فضائل قم وضعوها ورفعوها إلى النبي ﷺ .
والبدعة المكفرة: كغلو بشر المريسي ومن معه من غلاة الجهمية والمعتزلة، والصوفية الذين يعتقدون بأن الأولياء لهم قوة في تحريك الكون، كما قال قائلهم: إن الأولياء أعطاهم الله القوة لإحياء الجنين في بطن الأم.
فهذه بدعة مكفرة، فنقول: القول قول كفر، والقائل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، إلا في المعلوم من الدين بالضرورة.
فالبدعة المكفرة أولى من البدعة المفسقة في رد حديث الراوي.
إذاً: الحديث الضعيف: هو الذي اختل فيه شرط من شروط الحسن، أي: يوجد في طبقة من طبقات السند راو ضعيف، والراوي الضعيف يعرف إما بضعف حفظه مع صلاحه وورعه وتقواه، وإما بإتقانه وضبطه مع بدعته وفسقه وفجوره، فلا يؤخذ منهما معاً احتياطاً لحديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (من روى حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين، أو أحد الكذابين).
وحكم الحديث الضعيف أنه يرد، والضعف يكون بالرواة إما من ناحية الضبط أو من ناحية العدالة.
стр. 53
أمثلة على الحديث الضعيف
والأدب في الأحاديث الضعيفة ألا تذكرها بقال رسول الله، ولا بذكر رسول الله، ولا تروي عن رسول الله، بل قل: روي، قيل، بصيغة التمريض، فمن الأمثلة العملية للحديث الضعيف: الحديث الذي روي في الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان) فهذا الحديث ضعيف، لأن فيه بعض الرواة الضعفاء.
وقد ضعف الترمذي هذا الحديث لضعف بعض الرواة، وهذا الحديث صدر به الباب للطيفة جميلة في المتن، وهي الشهادة بالإيمان لمن ذهب إلى المسجد؛ على أن للحديث شاهداً من كتاب الله وهو قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٨] ومع ذلك قال علماء الحديث: ليست الآية عاضداً له، أي: أن الشواهد القرآنية لا تعضد الشواهد الحديثية الضعيفة، فلا تقويه ولا تصححه، فهذه هي اللطيفة، وهنالك كتاب مختص بذلك اسمه: تقوية الأحاديث الضعيفة بالشواهد والمتابعات.
وكذلك كتاب الشيخ طارق عوض الله في الشواهد والمتابعات، وهو من أفضل الكتب.
الحديث الثاني: روى الترمذي بسنده عن حكيم الأثرم عن أبي تميمة عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ : (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد).
لا يوجد حديث جاء في إتيان المرأة في الدبر إلا وهو ضعيف، وقد ضعف البخاري كل هذه الروايات، والإتيان من الدبر يمنع من باب القياس، وليس من باب الأثر، بل ورد بإسناد صحيح الجواز عن ابن عمر، وورد بإسناد صحيح عنه أيضاً المنع، والصحيح المنع، والروايات التي جاءت في إتيان المرأة في دبرها أعلها الإمام البخاري ﵀، فضعف كل هذه الأحاديث، وإنما حرم هذا الفعل بالقياس، والقياس من حرمة إتيان المرأة الحائض في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] فحرم إتيان الرجل امرأته وهي حائض للأذى، وأذى الدبر أعظم من أذى الحيض، فالدبر أشد نجاسة من دم الحيض، وإن كانت علة الأذى والنجاسة فيهما سواء، إلا أنه ورد من بعض الأطباء أنه قال: إتيان المرأة في الدبر يسبب أمراضاً شنيعة، فيمنع من باب القياس والطب فقط، أما من باب الأثر فلا، لأن الأحاديث كلها ضعيفة.
وهذا الحديث قال فيه الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، وفيه حكيم وهو ضعيف.
فإذا ضعف الراوي في طبقة من طبقات الإسناد يضعف كل الإسناد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 54
شرح المنظومة البيقونية - الحديث المرفوع والمقطوع والموقوف
من أنواع الحديث: المرفوع والمقطوع والموقوف، وكلها من صفات المتن، وقد بين المحدثون الفرق بينها، وبينوا أن كلاً منها أقسام، فمنه الصحيح والضعيف والموضوع.
стр. 55
الحديث المرفوع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٧٠].
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: [أبدأ بالحمد مصلياً على محمد خير نبي أرسلا وذي من أقسام الحديث عده وكل واحد أتى وحده أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده ولم يشذ أو يعل يرويه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله والحسن المعروف طرقاً وغدت رجاله لا كالصحيح اشتهرت وكل ما عن رتبة الحسن قصر فهو الضعيف وهو أقسام كثر وما أضيف للنبي المرفوع وما لتابع هو المقطوع والمسند المتصل الإسناد من راويه حتى المصطفى ولم يبن وما بسمع كل راو يتصل إسناده للمصطفى فالمتصل] المرفوع لغة: اسم مفعول من رفع، ضد وضع، وسمي بذلك لأنه نسب لصاحب المقام الرفيع النبي ﷺ .
والحديث المرفوع اصطلاحاً: هو كل ما أضيف أو أسند إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو صفة خُلقية.
وهذا يغاير تعريف الأصوليين؛ لأن الأصوليين يقولون: من قول أو فعل أو تقرير، أما المحدثون فهم يبحثون عن أيام النبي ﷺ ، وسنن النبي ﷺ ، ونوم النبي ﷺ ، وحياة النبي ﷺ ، وصوم النبي ﷺ ، وأكل النبي ﷺ ، ولبس النبي ﷺ ؛ ولذلك سمى البخاري صحيحه: الجامع الصحيح المسند من سنن النبي ﷺ وأيامه وأحواله.
والصحابة كانوا ينظرون إلى النبي ﷺ حتى في نومه، فيقولون (كان إذا نام نفخ)، ويقولون: (كان يضطجع على شقه الأيمن) ويقولون: (كان النبي ﷺ يتعمم هكذا)، (ودخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر)، فكانوا يترسمون خطا النبي ﷺ في كل شيء، في سكتاته في لمحاته في ضحكاته في كلماته بأبي هو وأمي.
والحديث المرفوع قد يكون متصلاً أو منقطعاً أو معضلاً أو مدلساً، فمثلاً لو قال البخاري: قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، فهذا الحديث مرفوع؛ لأنه أسنده للنبي ﷺ ، مع أنه بهذه الطريقة معلق، أو يقول مالك مثلاً: بلغني عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: كذا وكذا، فهذا الحديث سقط منه رواة، لكنه مرفوع ولو سقط منه رواة.
стр. 56
أمثلة للحديث المرفوع
المرفوع ما أضيف للنبي ﷺ من قول، كالحديث الذي في الصحيحين عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وكقول النبي ﷺ (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).
وكذلك ما أضيف للنبي ﵊ من فعل، كحديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين قال: (قضى النبي ﷺ حاجته ثم توضأ فمسح على الخفين)، وحديث ابن عمر: (ارتقى على بيت حفصة فوجد رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستقبلاً بيت المقدس مستدبراً الكعبة)، وحديث الصحيحين عن ابن عباس قال: (بت عند خالتي ميمونة فتوسدت وسادة، فنام النبي ﷺ ، وكان إذا نام نفخ).
ومثال تقرير النبي ﷺ حديث عباد بن بشر وعمار بن ياسر عندما رمي عباد بالسهم وصلى وجرحه يثعب دماً، وأقره النبي ﷺ .
فهذه سنة تقريرية على أنه يجوز للمرء الملطخ بالدماء أن يصلي، وهذا فيه إشارة إلى أن الدم ليس بنجس، رداً على من يقول: هذا القول بدعة! أيضاً أبو لؤلؤة اللعين البغيض البئيس عندما طعن عمر بن الخطاب صلى وجرحه يثعب دماً، وابن مسعود يقول: كنا نصلي وثيابنا ملطخة بالدماء.
مثال آخر لتقرير النبي ﷺ : حديث معاوية السلمي عندما صفع الجارية على وجهها وقال: (أريد أن أكفر عن ذلك يا رسول الله فهل أعتقها؟ فقال له: ائتني بها، فجاءت، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)، فأقرها النبي ﷺ على قولها: الله في السماء، فهذه سنة تقريرية على علو الله جل في علاه.
ومثال الحديث المرفوع في وصف النبي ﷺ حديث أنس: (كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً)، وقوله: (ما مست يدي ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله ﷺ ، فهذا من وصف خلق النبي ﷺ ، وقوله: (ما فعلت شيئاً فقال لي: لم فعلته؟ وما تركت شيئاً فقال لي: لم لم تفعل؟)، ولما سئلت عائشة عن خلق النبي ﷺ ، قالت: (كان خلقه القرآن)، فهذا من يصف خلق النبي ﷺ .
وأيضاً حديث المرأة التي وصفت النبي ﷺ فقالت: (كان أبيض مليحاً) أو (كان أكحل العينين)، وفي حديث آخر: (وكان أجمل من القمر).
إذاً: الحديث المرفوع لا ننظر فيه للاتصال، ولا ننظر للتدليس، ولا ننظر للإرسال، ولا ننظر للإعضال، ولا ننظر للانقطاع، ولا ننظر في صحته ولا في ضعفه، بل ننظر إلى النسبة، فإن نسب وأسند لرسول الله فهو مرفوع.
فالمرفوع: كل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو صفة خلقية، مثل أن يروي مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال مثلاً: (نعم الرجل الصالح ابن عمر لو كان يقوم من الليل).
مثال آخر: حديث ابن عباس: (قام النبي ﷺ من الليل يصلي فصليت بجانبه الأيسر، فأهوى بيده اليسرى فأخذني من أذني وحركني حتى استدرت فكنت على جانبه الأيمن)، وهذا الحديث في الصحيحين، فهذا الحديث مرفوع.
مثال آخر: حديث عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (جاءني النبي ﷺ في ليلتي، فقام من الليل فانسل فارتدى ثيابه ثم خرج، فانسللت خلفه فأسرع فأسرعت خلفه حتى ذهب إلى البقيع، فرفع يديه ونكس -يعني يرفع بيديه وينزل- ثم استدار فاستدرت، فأسرع فأسرعت، فدخل علي فقال: مالك يا عائش حاشية رابية!) ثم بعدما دار الحديث بينه وبينها قال: (أخفت أن يحيف الله عليك ورسوله؟! وقال لها: أخبريني أو ليخبرني العليم الخبير).
стр. 57
الحديث المقطوع
المقطوع لغة: ضد الموصول.
والمقطوع اصطلاحاً: هو ما أضيف إلى التابعي أو من هو دونه قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو صفة خلقية أو صفة خلقية.
مثال ذلك: دخل سعيد بن المسيب على ابنته وهي تقرأ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] فقالت: يا أبت أما حسنة الآخرة فقد علمناها، فما هي حسنة الدنيا؟ فقال لها: الرجل الصالح للمرأة الصالحة.
فهذا القول أضيف إلى سعيد، فهو مقطوع قولي.
مثال آخر: كان سليمان بن مهران الأعمش شديداً على طلبة العلم، فكان إذا جاءه طالب يطلب الحديث يرسل عليه كلباً عظيماً حتى لا يعطيه الأسانيد ولا الأحاديث.
وفي ذات مرة كسر عليه الباب ودخلت جيوش من طلبة العلم يطلبون منه الحديث، فقال للخادمة: أين الكلب؟ قالت: مات الكلب، فقال: مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر! فهذه رواية مقطوعة عن الأعمش، فـ الأعمش تابعي.
مثال آخر: كان مسروق رجلاً عابداً زاهداً ورعاً، وإذا دخل بيته أرخى الستر بينه وبين أهله ثم قام يصلي، فهذا حديث مقطوع فعلي؛ لأنه من فعل مسروق.
مثال آخر: سئل الحسن البصري عن الصلاة خلف المبتدع، فقال: إن لم تجد غيره فصل خلفه، وبدعته على نفسه.
فهذا حديث مقطوع؛ لأننا قطعنا طريقه من الوصول إلى النبي ﷺ ، فأوقفناه على التابعي أو على من هو دونه.
стр. 58
الحديث الموقوف
الحديث الموقوف هو: كل حديث أضيف إلى صاحب من أصحاب رسول الله، من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو صفة خُلقية.
مثال ذلك: قول عبد الرحمن بن عوف: ما سبق أبو بكر القوم بكثير صلاة ولا صيام، ولكن سبقهم بشيء وقر في قلبه.
فهذا حديث موقوف على صحابي.
مثال آخر: أن علي بن أبي طالب عندما حرق الخوارج بالنار قيل له: إن ابن عباس يقول: لو كنت مكانه لقتلتهم بالسيف، فإنه لا يحرق بالنار إلا الله جلا في علاه، فقال: هذا الغواص! فهذا حديث موقوف على علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
стр. 59
حكم المقطوع والموقوف
وحكم المقطوع أو الموقوف مثل المرفوع ينظر في إسناده، فإن كان متصلاً واستجمع الشروط فهو صحيح، وإلا فهو ضعيف أو حسن، فحكمه حسب الأسانيد.
стр. 60
حجية الحديث الموقوف
فإذا وقفت الحديث على الصحابي وما ارتقيت به إلى النبي فهذا الموقوف لا يرتقي لدرجة الحديث النبوي، لكنه قول للصاحب، وقول التابعي بالاتفاق ليس بحجة، وهذا الذي قال فيه أبو حنيفة: (هم رجال ونحن رجال)، فهذه الجملة قالها في التابعين.
فقول التابعي ليس بحجة، وقول التابعي يذكر لا للاستناد ولكن للاستئناس.
والفرق بين الاستناد والاستئناس: أن الاستناد حجة دامغة للمخالف، أما الاستئناس فأبين لمن أناظره أنني لست وحيداً فريداً، فتوجد بعض الأقوال تساندني أو بعض الأحاديث وإن كانت ضعيفة؛ لأنها تحتمل الصحة احتمالاً ضعيفاً، فأنا أستأنس بها حتى لا أقف أمام المناظر وحيداً فريداً، فأقوال التابعين تروى للاستئناس لا للاستناد.
وأما أقوال الصحابة ففيها خلاف أصولي عريض، لكن الصحيح الراجح أن قول الصاحب إذا لم يخالفه صاحب آخر فهو حجة.
فإذا وجدت عمر بن الخطاب يقول: ليس للمرأة الحائض أن تقرأ القرآن، فقل: هذه حجة؛ لأنه قول صاحب.
وإذا وجدت علي بن أبي طالب يقول: أما الجنب فلا يقرأ حرفاً واحداً، فهذا قول صاحب لم يخالفه أحد.
إذاً الموقوف حجة إذا لم يخالفه أحد، فإذا خالفه أحد من الصحابة، فننظر في الأدلة والقرائن التي ترجح.
стр. 61
الموقوف الذي له حكم الرفع
الموقوفات التي لها حكم المرفوعات تقتصر على الغيبيات فقط، وهي أن يروى لنا حديث موقوف على صاحب لا يمكن أن يصل إليه بالاجتهاد، بل هو من الأمور الغيبية، فهذا موقوف له حكم المرفوع.
مثاله: قال ابن مسعود ﵁ وأرضاه: (بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء وأخرى مسيرة خمسمائة عام إلى أن قال: والله فوق العرش ويعلم ما أنتم عليه).
فهذا لا يمكن أن يكون من اجتهاد ابن مسعود لأنه في الغيبيات، ولا بد أن يكون من الوحي، فنقول: هذا موقوف وحكمه حكم المرفوع.
لكن يوجد صحابيان كانا يأخذان من أهل الكتاب، فإن ذكرا حديثاً موقوفاً في الغيبيات فلا نقول له حكم المرفوعات.
ط أولهما: عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنه اشتهر عنه أنه كان يأخذ من أهل الكتاب، وأهل الكتاب عندهم كتب محرفة، وفيها الأكاذيب.
الثاني: عبد الله بن عباس، لكن عبد الله بن عباس أقل أخذاً عن أهل الكتاب من عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد يقبل منه بعض الأحاديث التي تحفها القرائن أنه لم يأخذها من أهل الكتاب؛ ولذلك قال العلماء: كل غيبيات ابن عباس في التفسير لا تقبل منه؛ لأنه كان يأخذ من أهل الكتاب، يعني مما لم يستند فيه لقول النبي ﷺ .
إذاً: الغيبيات من الموقوفات لها حكم المرفوع.
ويلحق بذلك قول الصاحب: كنا نفعل كذا على عهد رسول الله ﷺ ، فينسبه لعهد النبي ﷺ ، أو يقول: كنا نقول كذا على عهد النبي ﷺ ، أو نفعل كذا، كما في صحيح البخاري قال جابر: (كنا نعزل والقرآن ينزل)، فهذا حكمه حكم المرفوع التقريري؛ لأن هذا إقرار؛ لأنه نسبه إلى عهد رسول الله ﷺ ولم ينكر عليهم، فهذا إقرار من النبي ﷺ ، فحكمه حكم الحديث المرفوع التقريري.
стр. 62
شرح المنظومة البيقونية - الحديث المتصل والمسلسل
من أنواع الحديث: الحديث المتصل، وقد بين العلماء معنى الاتصال في السند وأنه لا يكفي في صحة الحديث.
ومن أنواع الحديث: الحديث المسلسل، وله صور كثيرة، وغالب الأحاديث المسلسلة ضعيفة، ولم يصح منها إلا القليل.
стр. 63
الحديث المتصل
стр. 64
تعريف الحديث المتصل
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: [أبدأ بالحمد مصلياً على محمد خير نبي أرسل وذي من اقسام الحديث عده وكل واحد أتى وحده أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده ولم يشذ أو يعل يرويه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله والحسن المعروف طرقاً وغدت رجاله لا كالصحيح اشتهرت وكل ما عن رتبة الحسن قصر فهو الضعيف وهو أقسام كثر وما أضيف للنبي المرفوع وما لتابع هو المقطوع والمسند المتصل الإسناد من راويه حتى المصطفى ولم يبن وما بسمع كل راو يتصل إسناده للمصطفى فالمتصل مسلسل قل ما على وصف أتى مثل أما والله أنباني الفتى كذاك قد حدثنيه قائماً أو بعد أن حدثني تبسماً] الحديث المرفوع هو: الذي أضيف للنبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو صفة خلقية، ويشترط فيه أن ينسب للنبي فيقال: قال رسول الله ونحو ذلك، حتى لو سقط من إسناده راو أو أكثر، أي: سواء كان معلقاً، أو منقطعاً، أو مرسلاً.
فالحديث المرفوع فيه الصحيح وفيه الضعيف وفيه الحسن بل وفيه المنكر وفيه الموضوع، فشرطه أن ينسب ويسند لرسول الله ﷺ .
والمتصل: اسم فاعل من اتصل ضد انقطع، وهو الشيء الملتئم.
أما اصطلاحاً: فالعلماء اختلفوا فيه على قولين: القول الأول: وهو الذي رجحه الناظم أنه المرفوع الذي أخذه كل راو عمن فوقه سماعاً، يعني المتصل هو الذي اتصل إسناده للمصطفى ﷺ .
وهذا فيه نظر؛ لأنه نفس تعريف المسند، فهو جعل المسند ما له شرطان: الشرط الأول: أن يكون مرفوعاً ينسب لرسول الله.
الشرط الثاني: أن يتصل الإسناد برواية التلميذ عن كل شيخ مباشر له.
وهنا ذكر: المتصل وغاير بينهما، فلا بد أن يغاير بينهما في التعريف، ولكنه سوى بينهما.
القول الثاني: هو ما اتصل إسناده إلى منتهاه.
وقولك: (منتهاه) يحتمل أن يكون للنبي ويحتمل أن يكون للصحابي، ويحتمل أن يكون للتابعي أو من تحت التابعي.
فهذا هو التعريف الثاني: هو ما اتصل إسناده من رواية التلميذ عن الشيخ المباشر إلى المنتهى، سواء انتهى إلى ابن المسيب أو انتهى إلى الحسن البصري أو انتهى إلى الزهري أو انتهى إلى الأعمش، أو انتهى إلى أبي بكر أو انتهى إلى النبي ﷺ ، فالمتصل يشمل المرفوع ويشمل المقطوع ويشمل الموقوف.
стр. 65
الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل
وهذا القول الثاني هو القول الراجح، وهو ما اتصل إسناده إلى منتهاه سواء رفع أو لم يرفع.
فعندنا تعريفات ثلاثة فيها تداخل، ولا بد من التفريق بينها، وهي المرفوع والمسند والمتصل.
فالمرفوع: ما رفع إلى النبي ﷺ .
والمسند: ما اتصل إسناده ورفع إلى النبي ﷺ .
والمتصل: ما اتصل إسناده إلى منتهاه.
فالمرفوع والمسند يتفقان ويفترقان.
فيتفقان في النسبة للنبي ﷺ .
فالمرفوع ينسب لرسول الله، والمسند ينسب لرسول الله، ويفترقان في أن المرفوع قد يتصل سنده وقد ينقطع، فقد يكون معضلاً، وقد يكون منقطعاً، وقد يكون معلقاً، وقد يكون مرسلاً، فشرطه أن يذكر في الآخر رسول الله، أما المسند فيشترط فيه اتصال السند.
والمسند والمتصل يتفقان ويفترقان.
يتفقان في شرط اتصال السند، ويفترقان في أن المسند يشترط فيه أن يصل إلى النبي ﷺ ، والمتصل لا يشترط فيه هذا الشرط، فقد يصل إلى الصحابي أو لغير الصحابي.
стр. 66
مثال الحديث المتصل
من أمثلة المتصل المرفوع في سلسلة الأحاديث: مالك عن ابن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر.
هذه السلسلة متصلة والحديث فيها مرفوع، فـ مالك يروي عن شيخه المباشر الزهري، والزهري يروي عن شيخه المباشر سالم بن عبد الله، وسالم بن عبد الله من الفقهاء السبعة، يروي عن أبيه عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ ، فهو مرفوع، واتصل سنده، فهو مسند، ومتصل، ومرفوع.
مثال للمتصل الموقوف: مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال كذا.
стр. 67
الحديث المسلسل
стр. 68
تعريف الحديث المسلسل
المسلسل في اللغة: اسم مفعول مشتق من السلسلة، وهي اتصال الشيء بالشيء، ومنه سلسلة الحديد، وسمي بذلك لشبهه بالسلسلة من ناحية الاتصال، فكأن الهيئة واحدة، كل راو شبك بأصابعه فكانت سلسلة واحدة، وكل حلقة كالحلقة التي تليها.
واصطلاحاً: هو الذي نقله كل راو عمن فوقه بصيغة معينة.
يعني: أن الرواة اتفقوا من أولهم إلى آخرهم على وصف معين، أو على حال معين، أو على صيغة معينة، مثلاً: يقول: مالك: أنبأني نافع، ونافع يقول: أنبأني ابن عمر، وابن عمر يقول: أنبأني رسول الله، فهذه سلسلة اتفقت على صيغة الإنباء.
أو يقول: حدثني أو يقول: حدثنا وأنا أسمع من وراء الجدار، مثل النسائي مع شيخه الحارث بن مسكين، وقد كان قاضياً محدثاً فقيهاً ورعاً تقياً زاهداً، وهو مفخرة بحق للمصريين، وكان النسائي دخل عليه بالطيلسان فاستاء منه الحارث وما أجلسه في مجلسه، وكان النسائي يحتاج لحديثه، فكان يجلس خلف الجدار دون أن يراه فيقول: حدثنا وأنا أسمع، فكان يجلس خلف الجدار، ويسمع الأحاديث، وقد عيب على الدارقطني أنه ما كان يقول: وأنا أسمع، في مثل هذه المسألة، وإنما كان يقول: حدثنا ويقصد: القوم، ولذلك أدخلوه في المدلسين.
مثال آخر للمسلسل: أن النبي ﷺ قال: (لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر، ثم قبض علي لحيته ثم قال: آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره) ثم جاء الراوي أنس أو غيره فقال: (آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره)، ثم قال الراوي عن أنس أيضاً: (آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره) وهكذا، فكل راو قال هذه الرواية، فنقول هذه سلسلة قوليه.
والحديث المسلسل منه الضعيف ومنه الصحيح، والغالب على المسلسل أنه ضعيف، والصحيح منه نادر جداً.
стр. 69
أنواع المسلسل وأمثلته
الأحاديث المسلسلة أنواع، منها مسلسل بأحوال الرواة القولية، ومسلسل بأحوال الرواة الفعلية، ومسلسل بأحوال الرواة قولية وفعلية معاً، ومسلسل بصفات.
مثال المسلسل بالقول: حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: (يا معاذ إني أحبك فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، والراوي عن معاذ قال له معاذ: إني أحبك فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول، وروى الحديث، والراوي عن معاذ قال ذلك للراوي عنه.
ومثال المسلسل بأحوال الرواة الفعلية كتشبيك الأصابع، وكالابتسامة.
أما تشبيك الأصابع فكما قال أبو هريرة: (شبك أبو القاسم بيدي وقال: خلق الله الأرض يوم السبت)، ثم أخذ أبو هريرة أخذ بيد الراوي عنه وشبك بيده وقال: شبك رسول الله بيدي هكذا وقال: (خلق الله الأرض يوم السبت)، ثم شبك الراوي عن أبي هريرة يده بالراوي الذي تحته وقال: شبك أبو هريرة بيدي هكذا، وشبك رسول الله ﷺ بيد أبي هريرة وقال: (خلق الله الأرض يوم السبت).
ومثال المسلسل بأحوال الرواة القولية والفعلية فحديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره وقبض على لحيته)، فهذا فعل؛ لأنه قبض على اللحية، وقول لأنه قال بعد ذلك: (آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره)، فقبض أنس عندما روى الحديث على لحيته بعد رواية الحديث.
وقال: (آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره)، والراوي عن أنس قبض لحيته وقال: قبضه أنس وقبض رسول الله وقال: (آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره).
المسلسل بصفات الرواة القولية مثل الحديث المسلسل بقراءة سورة الصف، رواه كل راو بقراءة السورة.
ومن المسلسل اتفاق أسماء الرواة، كالمسلسل بالمحمدين، مثلاً يقول محمد بن فلان: حدثني محمد بن أنس حدثني محمد بن علي حدثني محمد بن عبد الله حدثني محمد بن أبي بكر حدثني محمد بن مسلم.
أو يكون مسلسلاً بالمدنيين، وهذا من لطائف الإسناد، ويذكره كثيراً الحافظ ابن حجر في فتح الباري، فيقول وهو يشرح الحديث: ومن لطائف الإسناد أن هذا الحديث مسلسل بالبصريين، أو مسلسل بالمدنيين، أو مسلسل بالمكيين.
стр. 70
حكم الحديث المسلسل
الحديث المسلسل، يحكم عليه حسب الشروط الخمسة، فإن توافرت فيه الشروط الخمسة فهو صحيح، وإلا فهو حسن أو ضعيف أو موضوع.
стр. 71
شرح المنظومة البيقونية - الحديث العزيز والمشهور
من أنواع الحديث: الحديث العزيز والحديث المشهور، وقد بين المحدثون أحكامهما والفرق بينهما، وبينوا أنواع الحديث المشهور، وذكروا الأمثلة على ذلك.
стр. 72
الحديث العزيز
стр. 73
تعريف الحديث العزيز
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: [أبدأ بالحمد مصلياً على محمد خير نبي أرسلا وذي من أقسام الحديث عده وكل واحد أتى وحده أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده ولم يشذ أو يعل يرويه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله والحسن المعروف طرقاً وغدت رجاله لا كالصحيح اشتهرت وكل ما عن رتبة الحسن قصر فهو الضعيف وهو أقسام كثر وما أضيف للنبي المرفوع وما لتابع هو المقطوع والمسند المتصل الإسناد من راويه حتى المصطفى ولم يبن وما بسمع كل راو يتصل إسناده للمصطفى فالمتصل مسلسل قل ما على وصف أتى مثل أما والله أنباني الفتى كذاك قد حدثنيه قائماً أو بعد أن حدثني تبسما عزيز مروي اثنين أو ثلاثه مشهور مروي فوق ما ثلاثه معنعن كعن سعيد عن كرم ومبهم ما فيه راو لم يسم].
يذكر المصنف قسماً آخر من أقسام الحديث وهو الحديث العزيز.
وكلمة (العزيز) صفة مشبهة من عز يعز -بالكسر- بمعنى قل، ومن عز يعَز -بالفتح- بمعنى قوي واشتد؛ لأن المنفرد كان ضعيفاً فقوي جانبه بالآخر الذي تعزز به، وسمي بذلك إما لقلة وجود هذا الصنف وندرته، فهو نادر جداً يعد على الأصابع، حتى وإن كان ضعيفاً أو موضوعاً فهو نادر جداً لندرته وقلة وجوده، أو سمي بذلك لقوته لأنه قد جاء من طريق آخر، ودائماً المنفرد إذا عزز بغيره يتقوى إذا جاء من طريق آخر.
والعزيز اصطلاحاً: هو ما انفرد بروايته عن راويه راويان في أي طبقة من طبقات السند.
وهذا القيد مهم جداً.
يعني: إذا كان السند فيه راويان إما في أول السند أو في آخر السند أو في وسط السند فيمكن لنا أن نقول: هذا من قسم العزيز من الأحاديث.
وتوجد قاعدة عند أهل الحديث وهي: النظر في الطبقات لأقل طبقة، فإن كان أقل طبقة فيها راويان فإن هذا هو العزيز، حتى لو كانت طبقة الصحابة فيها راويان فهو عزيز.
إذاً: العزيز هو ما انفرد بروايته عن راويه راويان إما في جميع طبقات السند وإما في طبقة من طبقات السند.
ويشترط في العزيز شرط مهم جداً وهو ألا يكون في طبقة من الطبقات أقل من اثنين، وإذا كان فيه أكثر فلا يضر، لكن لو كان يروي مالك عن نافع عن ابن عمر وعن أبي هريرة، فليس عزيزاً، هنا يوجد راويان لكن أقل طبقة موجودة في السند راو واحد، فهو حديث غريب، والعزيز أن يكون في أقل طبقة من طبقات السند راويان.
стр. 74
مثال العزيز
مثال العزيز: ما رواه الشيخان من حديث أنس عن رسول الله ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) وقد جاء هذا الحديث أيضاً عن أبي هريرة، فيعتبر راويان في طبقة واحدة.
ولو أخذنا سلسلة الإسناد لهذا الحديث من طريق أنس نجد أن أنساً رواه عنه قتادة وعبد العزيز بن صهيب.
وقتادة هو قتادة بن دعامة السدوسي، ثقة ثبت مدلس، ومن أمتع ما قيل في قتادة: إن أنساً سئل: صف لنا رسول الله، فقال: أما شعره فكشعر قتادة، فانهال قتادة بالبكاء حتى كاد يقتله انظروا إلى حب هؤلاء القوم لرسول الله ﷺ ، وكان كثير من التابعين يقولون لـ ابن مسعود: أكنتم ترون رسول الله ﷺ بأعينكم؟ أكنتم تجلسون بجانب رسول الله؟ والله لو كنا في عصره لحملناه فوق رءوسنا وما مشى على الأرض! وهذا من شدة حبهم لرسول الله ﷺ ، كان الواحد منهم يسهل عليه أن يضحي بأهله وماله وكل الدنيا من أجل لحظة واحدة يرى فيها وجه رسول الله ﷺ .
فـ قتادة يروي عن أنس، وأيضاً في نفس طبقة قتادة متابعة تامة من عبد العزيز بن صهيب، فهو أيضاً يروي عن أنس متابعاً لـ قتادة.
إذاً: حديث أنس له طريقان، الطريق الأول: عن قتادة، والطريق الثاني: عن عبد العزيز بن صهيب، ويرويه عن قتادة أيضاً راويان: شعبة بن الحجاج وسعيد بن أبي عروبة.
وشعبة قد كفانا تدليس قتادة.
ونأتي إلى طريق عبد العزيز بن صهيب فيرويه عنه راويان: إسماعيل بن علية وعبد الوارث وكل هؤلاء من رجال الصحيح.
إذا نظرت إلى هذا التخطيط وجدت الطبقة الأولى فيها راويان، والطبقة الثانية فيها راويان، والطبقة الثالثة فيها راويان، إذاً كل الطبقات فيها راويان، فهذا الحديث حديث عزيز؛ لأن كل الطبقات فيها راويان.
إذاً: العزيز هو ما كان في طبقة من طبقات الإسناد راويان ولم يقل عن ذلك في أي طبقة من طبقات الإسناد، وإن وجد في طبقة من الطبقات أكثر من راويين فهو أيضاً عزيز إن كان أقل الطبقات فيها راويان.
стр. 75
الحديث المشهور
следующие страницы →