Полный текст (222 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
من مراتب القدر الخلق
أما المرتبة الرابعة من مراتب القدر: فهي مرتبة الخلق، فإن الله علم فكتب فأراد فخلق، والله جل وعلا خلق كل شيء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، ويندرج تحت هذا عموم الخلق.
والخلق خلقان: خلق إيجاد من عدم، وخلق تحويل من صورة إلى صورة، وبهذا نزيل شبهة المتكلمة عندما يقولون: أنتم تقولون: الله خالق كل شيء، يعني: لا خالق مع الله؟ فنقول: نعم.
فيقولون: ماذا تقولون في قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، فظاهر الآية يدل على أن هناك مشاركة؟ فنقول جواباً عليهم: إننا عندما ننظر في الخلق، ونقسمه إلى قسمين: خلق إيجاد من عدم، وخلق تحويل من صورة إلى صورة، فإننا نخرج من هذه الشبهة، وذلك أن خلق الإيجاد من عدم هو مما ينفرد الله به.
فلا يمكن لأحد أن يخلق من العدم إلا الله تعالى، فقد كنا عدماً ثم خلقنا الله، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١].
وأما الخلق المقيد: وهو تحويل الصورة إلى صورة أخرى، فهذا قد يشترك فيه البشر، كما في تحويل الحديد إلى سيارة، أو تحويل الخشب إلى باب أو نافذة، فإن هذا التحويل يسمى خلقاً، فيقال: إن هذا الرجل صنع باباً من الخشب أي: خلق باباً من الخشب؛ لأن الخلق قد يأتي بمعنى الصناعة، فيكون محل الآية: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، إنما هو في خلق التحويل من صورة إلى صورة.
ومن المهم في مرتبة الخلق بيان الرد على القدرية، وذلك بأن الله خلق أفعال العباد كلها، ومنها: فعل الزنا، والسرقة فإنها مخلوقة، لكنها تنسب إلى الله خلقاً وإيجاداً، وتنسب إلى العبد كسباً وفعلاً، يعني: أن الزاني والسارق منسوب إليه الزنا والسرقة، ولكن العبد كله مع فعله مخلوق لله جل في علاه.
стр. 107
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - القدر
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان المؤمن إلا به، وله مراتب منها: مرتبة الإيمان بأن الله هو خالق الإنسان وخالق أفعاله، وبهذا القول يخالف أهل السنة والجماعة القدرية الذين يقولون: إن البشر يخلقون أفعال أنفسهم، والمؤمن يرضى بقضاء الله وقدره ولا يتسخط، فإن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء رضي وصبر، وإن حزن فالحزن لا ينافي الرضا.
стр. 108
مسألة خلق أفعال العباد والرد على شبهات القدرية فيها
الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
القدر قدرة الله وهو سر من أسرار الغيب، وهو من لوازم الربوبية، ولا يستقيم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بخمس مراتب: علم، فكتابة، فمشيئة، فإرادة، فخلق.
ومن المعلوم أن لله مشيئة، ومن قال: إن الإرادة هي المشيئة فهذا خطأ؛ لأن الإرادة إرادتان: إرادة كونية، وهي المشيئة، وإرادة شرعية وهي المحبة.
فمن مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بأن الله قد خلق كل شيء، ومن هذه الأشياء أفعال العباد، فأفعال العباد مخلوقة لله جل في علاه، هذا على العموم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، فأفعال العباد تدخل في هذا العموم، وفي هذا رد على القدرية -مجوس هذه الأمة- الذين ينكرون خلق أفعال العباد، وجعلوا مع الله خالقاً آخر فقالوا: هم أنفسهم يخلقون أفعالهم؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (مجوس هذه الأمة القدرية).
стр. 109
وجه الشبه بين قدرية هذه الأمة والمجوس
القدرية تقول: للكون خالقان: الخالق الأول هو الله جل في علاه، ثم إن البشر يخلقون أفعال أنفسهم، فشابهوا المجوس بهذا التقسيم حيث إن المجوس قالوا: هناك خالق للظلمة وخالق للنور، وهم يفصلون خالق النور، والمجوس يفضلون الله جل في علاه، لكن يشركون مع الله خالقاً آخر وهو أنفسهم، فيقولون: هم خلقوا أفعال أنفسهم، وإن الله لم يخلق أفعال العباد، والرد عليهم بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، وهذا على العموم، أما على الخصوص فقد قال الله جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وهذه الآية فيها دلالة على خلق الله لأفعال العباد تصريحاً في كتابه، وأيضاً من أدلة السنة قوله ﷺ : (إن الله خلق كل صانع وصنعته)، ووجه الدلالة من هذا الحديث -عن طريق اللزوم رداً على القدرية- أن صنعته من فعله، فإن كان خلق صنعته التي هي من فعله، فمن باب أولى أن يكون خلق فعله الذي صنع هذه الصنعة، وأيضاً من ناحية الأثر أن الله جل في علاه خلق أفعال العباد، ومن النظر نقول: فعل العبد ناشئ عن إرادة العبد، وإرادة العبد مخلوقة لله جل في علاه، فإن كانت الإرادة مخلوقة لله فالناتج عن الإرادة أيضاً يكون مخلوقاً لله جل في علاه.
فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، يدخل تحته أفعال العباد، رداً على القدرية الذين يقولون: إن الله لا يتحكم في أفعال العباد، بل إن الجنة من عمل الإنسان يدخلها بعمله أجرة، فهم لا ينظرون إلى فضل الله ولا إلى رحمته، ولا يعترفون بحديث النبي ﷺ : (ليس أحد منكم يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)، أما القدرية فقالوا: الجنة مقابل العمل الصالح، والنار مقابل العمل السيئ ولا فضل لله على العباد؛ لأنه لا يتحكم في أفعال العباد، فنحن نرد عليهم بأن مبتدأ الخير كله من الله، والأفعال الحسنة كلها من الله، فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]، فالله جل في علاه أيضاً يقول: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
стр. 110
مشروعية الاحتجاج بالقدر على المصائب
الاحتجاج بالقدر على نوعين أو نقول: أقدار الله مصائب ومعائب، فالله لم يخلق شراً محضا لكن خلق معائب، وللإنسان عبودية في قدر المصائب وعبودية في قدر المعائب، أما المصائب وهي التي تنزل وتطرأ على العبد فيبتلى بها ولا يد له في دفعها، كمرض أو موت قريب أو حبس أو ضنك أو فقر، كل هذا قدر لا يستطيع الإنسان أن يدفعه، وهذا القدر يسمى قدر مصيبة، فقدر المصيبة لك فيه عبادة بأن تقر أولاً بأن هذا قدر الله، وأنه قد كتب في اللوح المحفوظ فتؤمن بذلك، ولك أن تقول لأي أحد: إنا لله وإنا إليه راجعون، قد قدر الله علينا ذلك، وتحتج بالقدر على هذه المصيبة.
ثانياً: من التعبد بأقدار الله في المصائب أن ترضى بهذه المصيبة، وهذا أرقى المنازل تحت هذه المنزلة، فليس لازماً أن ترضى وليس واجباً عليك، بل هو من باب الكمال فقط، لكن من باب اللزوم والوجوب الصبر على المصيبة، ومعنى الصبر على المصيبة: ألا تتسخط على أقدار الله، ولذلك (لما مر النبي ﷺ على المرأة التي تبكي على القبر قال: اتقي الله واصبري)، يعني: حتى لا تتسخطي على أقدار الله قالت: (إليك عني إنك لم تصب مصيبتي)، وكادت أن تتسخط على أقدار الله؛ ولذلك لما خرجت نفس إبراهيم ابن النبي ﷺ ، قال النبي ﷺ : (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، ثم قال في رواية أخرى: (ولا نقول إلا ما يرضي ربنا) أي: لا نقول ما يغضب ربنا.
فلك في أقدار المصائب التعبد بأن تحتج بالقدر وكذلك تصبر عليها وهذه العبادة الثانية، وأكمل من ذلك أن ترضى بها، وفعل السلف فيه كل العجب من الرضا بقضاء الله جل في علاه وقدره، وقد نقل بسند صحيح عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: أفرح ما أفرح به أقدار الله جل في علاه، يعني: أسعد في صباحي أو مسائي؛ لأني أنا تحت قدر الله يلقيني حيث يشاء، إن كان في السراء فله الشكر، وإن كان في الضراء فله الصبر، وهذا محض التسليم والتوكل على الله جل في علاه.
стр. 111
الحزن والبكاء لا ينافي الرضا بقضاء الله
والرضا بالقدر لا ينافي الحزن والبكاء كما قال بعضهم: إن الفضيل بن عياض ضحك في جنازة ابنه، فسألوه عن ذلك، فقال: أرضى بقدر الرب، فإذا قال قائل: ضحك الفضيل بن عياض في جنازة ابنه رضاً بقضاء الله، وبكى رسول الله ﷺ في جنازة ابنه أيضاً رضاً بقضاء الله فأيهما أفضل؟ ف
الجواب
نقول: أكمل المراتب على الاحتجاج بالقدر في المصائب والتعبد لله الرضا بها، والفضيل بن عياض كان يضحك في الجنازة، فيسألونه عن سبب ضحكه فيقول: أضحك رضاً بقضاء الله علي.
والنبي ﷺ قد بكى لموت إبراهيم وهو يدفنه، ونحن نعلم يقيناً بأن النبي ﷺ هو أرضى الناس بقدر الله جل في علاه، وحال النبي ﷺ أفضل من حال الفضيل، وفعل النبي ﷺ يبين لك أن الحزن لا ينافي الرضا؛ لأن النبي ﷺ علل وقال: (إن هذه رحمة يرحم الله بها عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).
فأصبح هذا الدمع وهذا الحزن من الرحمة ومن رقة القلب، فلا ينافي الحزن ولا الدمع الرضا، أما ما فعله الفضيل بن عياض هو أنه تغالب على الحزن، والحزن أكمل؛ لأن الحزن يدل على كمال الرحمة مع كمال الرضا، ولذلك نعلم أن النبي ﷺ جمع بين الكمالين وجمع بين الخيرين.
إذاً: لك أن تحتج على المصائب بالقدر، وتقول: قدر الله، فالحمد لله على كل حال، كما كان النبي ﷺ إذا جاءه الأمر يسره يقول: (الحمد لله الذي لا تتم الصالحات إلا بفضله وبرحمته)، أو كما قال الرسول ﷺ ، وإذا جاءه ما يسوءه من المصائب قال: (الحمد لله على كل حال)، ولذلك إذا أردت أن تعزي أهل الميت ملك أن تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون لله ما أعطى ولله ما أخذ.
وهذا يبين لك أن القدر بنقسم إلى مصائب ومعائب لأنك أول شيء تعلم أن هذا قدر من الله جل في علاه، وأنها مصيبة فعليك أن تصبر وتحتسب، وأكمل من ذلك أن ترضى، اللهم ارزقنا هذا يا رب العالمين.
стр. 112
لا يفتح الله أبواب المعاصي إلا لمن سعى لها
أما قدر المعايب: فهو أن الله جل وعلا يبتلي العبد بأن يفتح له باب المعصية على مصراعيه؛ لأنه أراد ذلك؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، حقت عليه الضلالة لأنه لا يريد إلا المعصية؛ ولذلك فإن الله جل وعلا لا يفسح مجال المعصية لعبد إلا وهو في قلبه مستيقن ويعزم العزم الأكيد على فعل هذه المعصية.
وقد تقع المعاصي من الصالحين حتى يرفع الله قدرهم بالذل والانكسار والبكاء والثواب، وهذا حال العارفين بالله، أما الذي يقع في المعصية وقد عزم عليها عزماً أكيداً فهذا الذي يفتح الله له باب المعصية.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، ولذلك قال الله تعالى في الحديث القدسي، (فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، إذاً: الله جل في علاه فتح له هذا الباب؛ لأنه لا يستحق إلا هذا الباب، إذاً: قدر المعائب هو قدر الذنوب والمعاصي والتعدي على حدود الله جل في علاه، ولك فيه عبادتان أيضاً، العبادة الأولى: أن تعتقد أن الله قدر لك ذلك بتقصيرك وبفعلك، ولذلك قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، إذاً: أول التعبد لله جل في علاه بقدر المعائب: أن تقر بأن هذا قدر من الله جل في علاه، وهو الذي فتح ذلك المجال لك.
فالله جل وعلا هو الذي جعل للعاصي إرادة، وخلق فيه إرادة المعصية؛ لأنه لما زاغ أزاغ الله قلبه، فيعرف أولاً أن هذا قدر الله، وأن هذا من نفسه.
العبادة الثانية: أن يراجع نفسه منكسراً متذللاً خاضعاً لله جل في علاه، وأن يتوب ويئوب، ولسان حاله يقول: وعجلت إليك رب لترضى.
وبعد هذه التوبة لك أن تحتج بالقدر على الذنب، فلو أن رجلاً مثلاً شرب الخمر، ثم رجع فندم فبكى فتاب فآب إلى ربه جل في علاه، فجاء رجل بعد توبته يعيره ويقول: يا شارب الخمر، فإنه يقول: قد قدر الله علي ذلك، واحفظ نفسك لعل الله يقدر عليك ما قدر الله علي؛ لأن من عير أخاه بذنب لا بد أن يرد عليه، ووردت الآثار بذلك وإن كان فيها ضعف، لكن ما من أحد يعير أحداً بذنب إلا وسيبتليه الله بهذا الذنب والعياذ بالله جزاء وفاقاً وأجراً طباقاً.
стр. 113
الأدلة على جواز الاحتجاج بالقدر على المصائب وعلى المعائب بعد التوبة
يحتج بالقدر على المصائب، ويحتج بالقدر على المعائب بعد التوبة من المعائب، دليل ذلك إجماله في حديث احتجاج موسى وآدم ﵉، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ : (قال: موسى أنت آدم خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه أكلت من الشجرة وأخرجتنا ونفسك من الجنة، فقال آدم ﵇: أنت موسى اصطفاك الله برسالته وكلامه، تلومني على أمر قد قدره الله علي، أو قد كتبه الله علي قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، -قال النبي ﷺ منتصراً لآدم- فحج آدم موسى).
فآدم: فاعل، وموسى: مفعول به منصوب، لكن منع من ظهور الفتحة عليه التعذر، ومعناه: الاستحالة أي: أن الألف لا تقبل ضمة ولا فتحة ولا كسرة، لكن الياء تقبل الفتحة، ويمكن أن تقبل الضمة، لكن بثقل، والتعذر معناه: الاستحالة فنقول: حج آدمُ موسى، يعني: آدم كانت معه الحجة، كما قال النبي ﷺ .
فيا ترى! أين هذه الحجة؟ إن آدم احتج بالقدر وقال: قدر الله علي ذلك، وهذه الحجة اختلف العلماء فيها، فقال بعضهم: لأن موسى عير آدم بالذنب وقد تاب منه، فكان له الحق أن يحتج بالقدر بعد التوبة منه، وهذا الكلام وإن كان جيداً في مضمونه -بأن الإنسان إذا تاب من الذنب فله أن يحتج بالقدر- لكنه خطأ فاحش في حق موسى ﵇، ولذلك هذا التأويل لا نقبله؛ لأن موسى أعلم أهل الأرض في زمانه، وأتقى الناس لله جل في علاه ولن يعير أحداً بذنب قد تاب منه، وهو يعلم بأن (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، كما حدث واقعاً معه، فلما تاب بنو إسرائيل تاب الله عليهم، بل ورد عليهم أرواحهم.
فإن قيل: وهل موسى يعلم بأن آدم تاب من ذنبه؟ ف
الجواب
نعم.
يعلم موسى ذلك؛ لأن توبته موجودة في التوراة أن الله كتب علي ذلك قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، فإن كان هذا مكتوباً في التوراة فيكتب معه التوبة؛ لأن الله كريم وقد أكرم آدم بالتوبة وأظهر جمال فعل آدم بهذه التوبة، فتاب آدم فتاب الله عليه، فلا يمكن أن يتصور ويظن في موسى أن يعير آدم بذنب قد تاب منه فهذا القول لا نقبله، ولكن نقبل مضمونه بأن الإنسان إذا وقع في المعصية ثم تاب منها، ثم عير بهذا الذنب فله أن يقول: قد قدر الله علي هذا الذنب من خمسين ألف سنة؛ لأنه لا يرد القدر بالشرع، لكنه تاب ولما علم أنه تاب له أن يحتج بالقدر.
التأويل الثاني وهو الصحيح الراجح: أن موسى ﵇ عاتب آدم على المصيبة الواقعة بسبب الذنب؛ لأنه قال: (أخرجتنا ونفسك من الجنة)، فهذه المعاتبة على المصيبة وليست على الذنب؛ لأن موسى أرفع من أن يعير أحداً بذنب قد تاب منه، فعاتب موسى آدم على المصيبة وآدم احتج بالقدر؛ لأنه يجوز أن نحتج بالقدر على المصائب، وهذه مصيبة نزلت على آدم بسبب أكله من الشجرة والمصيبة هي الخروج من الجنة؛ فعاتبه موسى بقوله: (أخرجتنا ونفسك من الجنة، فقال آدم محتجاً عليه بالقدر: أنت رأيت ذلك مكتوباً علي قبل أن يخلق الله الخلق بخمسين ألف سنة).
وهذا هو التأويل الصحيح، ونخلص من ذلك بأن الإنسان له أن يحتج بالقدر على المصائب وعلى المعائب إن تاب من هذه المعائب، هذا هو المجمل في مسألة القدر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 114
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - الإيمان
الإيمان اعتقاد وقول وعمل، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، واختلف العلماء في مسألة الاستثناء في الإيمان، والقول الصحيح: أنه يجب قول إن شاء الله في حالات، ولا يجب قول إن شاء الله في حالات.
стр. 115
مسألة الإيمان قول وعمل
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: الإيمان قول وعمل، والإيمان لغة معناه: التصديق، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، والسياق يفسر آخره أوله، فأوله قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، وآخره قال: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، إذاً: الإيمان في اللغة معناه: التصديق.
ولفتة مهمة على كل طالب علم أن يحفظها ولا يتركها حتى يفر من المرجئة، ألا وهي: أن الإيمان شرعاً هو: التصديق المقرون بالعمل، والإيمان يتعدى بنفسه، وله معان ثلاثة، وليس محصوراً في التصديق؛ لأن حصر معنى الإيمان في التصديق هو قول المرجئة، وهذا طبعاً له آثار هدامة للإيمان وللدين.
فالإيمان يتعدى بنفسه فيكون بمعنى التأمين من الخوف، قال الله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ * وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:١ - ٥]، فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التأمين من خوف، وإذا تعدى بالباء كان معناه: التصديق، وهذا فيه رد على المرجئة الذين حصروا الإيمان في التصديق، كقول الله تعالى مثلاً: ﴿آمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣١]، أي: آمنوا بالرسول، يعني: صدقوا برسالته كقول الشافعي مثلاً: (آمنت بالله) وبما جاء عن الله، آمنت بالله يعني: صدقت بوجود الله، وبربوبيته وإلهيته، (وآمنت بما جاء عن الله)، يعني: صدقت برسالات الله السماوية، وأيضاً يقول: آمنت برسول الله، يعني: صدقت بأن محمداً مرسل من قبل ربه جل في علاه، إذاً: لو تعدى بالباء فيكون معناه: التصديق، وإذا تعدى باللام فيكون معناه: الاتباع والانقياد والإذعان.
وهذا المجمل الذي يعلمك أصول الإيمان الصحيحة بأنه تصديق مقرون بعمل، فهو ليس محض تصديق فقط كما تقول المرجئة، بل تصديق مقرون بعمل وانقياد وإذعان، فنقول: ويتعدى باللام، ويكون معناه: الاتباع والانقياد والإذعان، قال الله تعالى عن إبراهيم أنه كان أمة وحده: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] يعني: اتبعه لوط، فهذا معناه: أن الإيمان إذا تعدى باللام فإنه يكون بمعنى الانقياد والإذعان والاتباع، وهذا معنى الإيمان لغة.
وأقوال السلف في الإيمان متوافرة متضافرة بالأسانيد الصحيحة على أن الإيمان: قول وعمل ونية، كما قال الثوري والشافعي وابن عيينة وكل السلف، ولم نجد أحداً من السلف قال بأن الإيمان قول فقط.
فالإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان والجنان وعمل بالأركان يعني: قول وعمل واعتقاد، قول باللسان أي: لا تدخل الإسلام إلا بقول (لا إله إلا الله)، وإذا كان الرجل كافراً لا يدخل الجنة إلا بقوله: (لا إله إلا الله)، والدلالة على ذلك حديث الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، والشاهد: (يقولوا)، أي: أن القول يكون باللسان.
أيضاً جاء النبي ﷺ إلى عمه وهو يموت فقال: (يا عم! قل كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله جل في علاه، قل: لا إله إلا الله)، فهذا القول باللسان، أما القول بالجنان فمعناه: التصديق، وهذا هو التفسير لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، فالتصديق الجازم في القلب ركن من أركان الإيمان، أما معنى: عمل بالأركان: عمل بالجوارح، وهذه أيضاً جلية في قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣]، وقول الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة:٣٥].
وقول النبي ﷺ : (من لم يغز أولم يحدث نفسه بغزو فقد مات على شعبة من النفاق)، هذا أيضاً يدل على أن الظاهر يرتبط بالباطن.
المقصود: أن العمل بالأركان يعني: العمل بالجوارح، فإقامة الصلاة لا تكون إلا بالجوارح، وإيتاء الزكاة لا يكون إلا بالجوارح، والحج كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] لا يكون إلا بالجوارح.
إذاً: الإيمان عمل بالجوارح وعمل القلب، وهو ركن ركين من هذا الدين، وهو الاستسلام والخضوع والانقياد لله جل في علاه، والإيمان يدخل فيه التوكل والرجاء والخوف وكل أعمال القلوب المشهورة، لكن أصله هو: الاستسلام التام والانقياد التام والإذعان التام لله جل في علاه.
ولذلك مدح الله جل في علاه إبراهيم بهذا الإذعان والاستسلام، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، إذاً: الإيمان شرعاً: قول باللسان وقول بالجنان، وعمل بالأركان وعمل بالجنان.
стр. 116
مسألة الإيمان يزيد وينقص
مسألة أخرى تتعلق بالإيمان: أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول المرجئة الذين قالوا: لا يزيد ولا ينقص، وعندهم إيمان جبريل كإيمان أبي بكر وإيمان أبي بكر كإيمان آحاد الأمة، ندعو الله أن يهديهم إلى سواء السبيل؛ لأنهم طائفة من أضل الطوائف في باب الإيمان، وقوم قالوا: يزيد ولا ينقص، وقوم قالوا: يزيد وينقص وهو قول أهل السنة والجماعة، أما الذين قالوا يزيد ولا ينقص فهم المالكية، وهذا القول منسوب للإمام مالك؛ لأنه قال: قرأت كتاب الله فما وجدت أدلة تدل على النقصان، وكل الأدلة تدل على الزيادة، قال تعالى: ﴿زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، فقال: ما رأيت آية تتكلم عن الإيمان إلا فيها الزيادة، فهو يزيد ولا ينقص.
والصحيح الراجح: أن القول الصحيح عن مالك كقول أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، والدلالة على ذلك من الكتاب ومن السنة ومن النظر أيضاً، فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]، فهذه الآية دلالة على النقصان.
إذاً: الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، والآية التي تبين أنه ينقص بالمعاصي قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٥]، يعني: نقصاً على النقص الذي هم فيه، وأوضح من ذلك حديث النبي ﷺ في الصحيحين حيث قال: (تصدقن يا معشر النساء فإني رأيتكن أكثر أهل النار، قلن: علام يا رسول الله؟ قال: تكفرن، فقالت امرأة من أعقل النساء: أيكفرن بالله -أو قال الصحابة- يكفرن بالله؟ قال: لا، يكفرن العشير، يحسن لها الزوج الدهر كله فإذا رأت منه شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط، فقالت امرأة من أعقل النساء: وما نقصان الدين والعقل؟ فقال النبي ﷺ : شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل فذلك نقصان العقل، وأما نقصان الدين أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، فقال: هذا نقصان الدين)، ووجه الشاهد: (نقصان الدين) فهذا تصريح بأن الدين ينقص بالنسبة للحيض عند عدم الصلاة وعدم الصوم، وإن كن غير مطالبات في هذه الحالة، لكن أيضاً لا يزددن طاعة؛ لأن الطاعة كلما أتى بها المرء كلما ازداد تقى وازداد إيماناً على إيمان، فهذه دلالة واضحة على أن الإيمان يزيد وينقص والمرجئة تخالف هذا القول.
стр. 117
مسألة الاستثناء في الإيمان وقول العلماء في ذلك
وتبقى لنا مسألة مهمة جداً تتعلق بالإيمان، وهي مسألة الاستثناء في الإيمان كأن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، قال بعض العلماء: لا يجوز مطلقاً، وبعض العلماء يرى التفصيل.
والذين قالوا: لا يجوز مطلقاً هم الأحناف، فقالوا: الذي يستثني في الإيمان مشرك؛ لأنه شاك، والله اشترط في الإيمان أن يكون إيماناً جازماً لا شك فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، وهذا شرط حتى يقبل هذا الإيمان عند الله، وقوله: ﴿لَمْ يَرْتَابُوا﴾، أي: لم يشكوا، وقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله فيه دلالة على أنه يشك.
أما الذين قالوا بالجواز مطلقاً فهم الشافعية، فقالوا: يجوز للإنسان أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، إما على ما يأتي وإما تبركاً، واستدلوا بعمومات الأمر بتقدمة المشيئة على كل فعل وكل قول، والأحناف لما سمعوا ذلك من الشافعية كفروهم، ولذلك هناك مقولة مشهورة عن الأحناف أنهم قالوا: يجوز للحنفي أن يتزوج من الشافعية قياساً على أهل الكتاب.
إذاً: في المذهب الحنفي سموا الشافعية شكاكة؛ لأنهم يصرحون بجواز القول: أنا مؤمن إن شاء الله، وهذا القول فيه غلو وجفاء، والقول الوسط هو الصحيح، وهو قول جماهير أهل السنة والجماعة: إنه يجب قول إن شاء الله في حالات، ولا يجب قول إن شاء الله في حالات: الحالة الأولى: أن ينظر للمستقبل، أنه مؤمن الآن ومؤمن غداً وبعد غد للمستقبل، ويكون بذلك فيه تزكية للنفس؛ لأنه لو قال أنه مؤمن الآن وفي المستقبل، فهذا يزكي نفسه.
والحالة الثانية: ينظر إلى حاله الآن.
الحالة الثالثة: أن ينظر إلى ما يختم به الأعمال، فقالوا: وفي كل حال من هذه الأحوال له أن يقول وله ألا يقول، أما في الحال المستقبلي أو الخواتيم جزماً لا بد أن يقول؛ لأنه لا يملك من أمره شيئاً، ويعلم أن الله يمكن أن يختم عليه بالسيئات والعياذ بالله لا بالصالحات، وأقوى ما يستدل به حديث الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامها وإن شاء أزاغها).
وأيضاً حديث النبي ﷺ : (يمسي المرء مؤمناً ويصبح كافراً ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً)، فهذه التغيرات والتقلبات بيد الله جل في علاه، فلا بد أن يقول: إن شاء الله؛ لأن ختم الأعمال والمستقبل بيد الله جل في علاه.
وأيضاً كما يقول بعض العوام: أنا مؤمن، مزكياً نفسه، فوجب عليه أن يقول: إن شاء الله؛ لأنه لا يجزم بأنه مزكى عند ربه، ومن الممكن أن يأتي بالفرائض وينتهي عن المحرمات، ويتقرب إلى الله بكل الطاعات وكل أعماله عند الله تكون هباء منثوراً؛ لأنه لم يخلص لله جل في علاه، فإن قال: أنا مؤمن تزكية لنفسه، نقول له: قل إن شاء الله؛ لأنك لا تعلم إن كنت مقبولاً عند ربك أم مرفوضاً؛ لأن مدار المسألة على القبول وعلى تقوى القلب ورقته.
فإذا كان قوله تزكية وجب عليه أن يقول: إن شاء الله، وإن كانت مستقبلية فيما يستقبله من الأزمنة، وفيما يختم به لا بد أن يقول: إن شاء الله؛ لأن الأمر بيد الله وليس بيده، أما إن كان في الوقت الحالي فعليه ألا يشكك في إيمانه، بل يقول: أنا مؤمن، دون أن يقول: إن شاء الله.
إذاً: يجزم في حالة واحدة وهي حالة نفي الشك عن نفسه وأن يجزم في حالته أنه مؤمن.
والحالة الثانية التي يجب عليه أن يقول: إن شاء الله حالة ختم الأعمال؛ لأن ختم الأعمال ليست بيده بل بيد الله جل في علاه.
والحالة الثالثة: إن كان قوله: أنا مؤمن تزكية للنفس، فيجب عليه عندها أن يستثني؛ لأن الله جل في علاه قال: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 118
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - التسليم لله ورسوله
يجب على كل مؤمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ ، سواء كان خبراً أو إنشاءً، أو كان أمراً أو قضاءً.
ومن ذلك حادثة الإسراء والمعراج وما وقع للنبي ﷺ فيها.
стр. 119
وجوب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
بعدما انتهينا من الكلام عن القضاء والقدر، ومن الكلام عن الإيمان والإسلام، سنتكلم هنا عن مسألة تخص الإيمان، وهي: لوازم إقرار الإيمان في القلب محض التسليم لأوامر الله جل في علاه، ومحض التسليم لأوامر رسول الله ﷺ ، انطلاقاً من قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] سواء كان خبراً أو إنشاءً، أو كان أمراً أو قضاءً.
وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).
والشافعي ﵀ ورضي عنه ضرب لنا أروع الأمثلة في محض التسليم لله ولرسوله ﷺ حتى اشتهر عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي؛ ولذلك قال بعض المؤرخين: كان للشافعي على كل شافعي المنة، وكان للبيهقي المنة على الشافعي؛ لأنه عمل بهذه القاعدة: إن صح الحديث فهو مذهبي، فأخذ كل مسألة تكلم فيها الشافعي بغير دليل يدلل عليها، ثم نظر في الأحاديث التي علق الشافعي القول فيها على صحة الحديث ثم صححها، وبين أن هذا هو مذهب الشافعي؛ ولذلك قال الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله.
فهذا هو الرجل السلفي الذي يؤمن ويعتقد كما اعتقد صحابة رسول الله ﷺ ، ويؤمن بكل ما جاء عن الله وعن رسول الله مسلماً تسليماً تاماً، وفي قوله هذا إشارة قوية إلى قوة الإيمان في قلبه، ولذلك فلا يعارض قول النبي ﷺ بقول فقيه، ولا تعارض سنن النبي ﷺ بهوى، ولا يقدم العقل على النقل كما سنذكر.
فهذه مقدمة أطرحها بين يدي هذه المسألة التي بينها المصنف، وهي الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ .
كأن المصنف يقول: لا تعترض على أحوال رسول الله ﷺ ، سواء الصفات الخُلقية، أو الخَلقية، أو ما جرى من كرامات على يد أصحابه، أو معجزات على يده ﷺ ، أو ما جرى من أمر الله جل في علاه، كل ذلك لا تعترض عليه بعقل خرب تصد به هذه السنن، كأن تقول: أمرر هذه السنن على عقولنا وفطرنا، فإن قبلها العقل أخذنا بها، وإلا رددناها على صاحبها، وهذا الذي جر كثيراً من أهل البدع والضلالة أن يطعنوا في البخاري وفي مسلم وفي النسائي، بل يطعنوا في أبي هريرة ﵁ وأرضاه؛ لأنهم لم يقبلوا أحاديث جاءت عن النبي ﷺ بأهواء عفنة، وبعقول خربة صدوا بها أحاديث النبي ﷺ فردوها، ولذلك إذا أردت أن تختبر إيمان العبد فقل له: قد قال الله وقال رسوله، مدللاً على مسألة تخالف هواه، وتخالف ما عاش عليه مع آبائه، فإن رأيته قال: سمعت وأطعت لرسول الله ﷺ ولأوامر الله، فاعلم أن الإيمان في هذا الرجل قد تغلغل في قلبه، وإن رأيت الرجل يعترض باعتراضات لا تقوى أن تقف أمام حديث النبي ﷺ فاعلم أنه يتبع هواه كما سنبين.
стр. 120
وجوب الإيمان بما أخبر به الرسول من حادثة الإسراء والمعراج
يقول المصنف ﵀: [ويجب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ ].
ثم أتى لنا بواقعة هي من أهم الوقائع في تاريخ البشرية، وهي واقعة فيها تسلية للنبي ﷺ ، وهي واقعة الإسراء والمعراج، فبعدما اشتد الكرب على رسول الله ﷺ ، وتكالبوا عليه، بل واتهموه بأكذب الأباطيل، فقالوا عنه: ساحر، وقالوا عنه: مجنون، وقالوا: إنه يفرق بين المرء وزوجه، ويفرق بين الابن وأبيه، ولم يكتفوا بهذه الاتهامات الباطلة بل إنهم أتوا بسلى جزور فوضعوها على ظهر النبي ﷺ بأبي هو وأمي، وهو يصلي في الكعبة، ولم يكتفوا بذلك أيضاً بل تكالبوا عليه وتآمروا على قتله أو طرده وتشريده وإبعاده، والله جل في علاه علم بالحزن الشديد والهم العميق في قلب النبي ﷺ ، فأراد أن يفرج عنه الكرب رحمة من الله جل في علاه سبحانه الرحيم، فتنزلت رحماته تترا على عبده ورسوله ونبيه وخليله من خلقه ﷺ ، فجاءه جبريل ذات ليلة فأخذ النبي ﷺ بالبراق فركب البراق، ثم ذهب به في هذه الليلة إلى بيت المقدس، فنظر إلى بيت المقدس وما فيه من بنايات، ثم بعد ذلك شرف الله سيد الخلق أجمعين أعظم تشريف، حيث أتى له بالأنبياء قاطبةً فأمهم وصلى بهم إماماً بأبي هو وأمي، ثم لم يكتف التفريج إلى هنا، بل أخذه جبريل وصعد به معراجاً إلى السماء، وفي كل سماء يدق باب السماء فيقول الملك: من؟ فيقول: جبريل، فيقول: ومن معك؟ فيقول: محمد ﷺ ، فيقول: أوبعث؟! فيقول: اللهم نعم، فيقول: مرحباً بالنبي الصالح، إلى أن انتهى إلى صريف الأقلام، وفرض الله عليه وعلى أمته خمسين صلاة، ثم خففها إلى أن وصلت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة.
ورجع رسول الله ﷺ إلى مكة فنام بقية الليلة عند البيت أو عند الحجر، فجاءه أبو جهل ومن معه من صناديد قريش، فقال لهم: أقص عليكم ما حدث لي: إني أسري بي إلى بيت المقدس، فوقف الناس موقفاً عظيماً وقالوا: نهتبل هذه الفرصة، فهي فرصة السقوط وبيان كذب هذا الرجل -حاشا للرسول ﷺ أن يكذب- فأخذوها واهتبلوها فرصة وقالوا: إن أول الناس الذي لا يمكن أن يصدق هذا الكلام أبو بكر، فهو الذي يناصره بكليته، لكن هذا الخبر لا يصدقه، فذهبوا إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه، فقالوا: أرأيت ما يقول صاحبك؟ قال: ما يقول؟ قالوا: يقول: إنه في هذه الليلة قد أسري به إلى بيت المقدس، فقال: أوقد قال؟ انظروا إلى الإيمان التام والتسليم التام من أبي بكر، فالذي نريده من كل مؤمن ومسلم أن يسلم لأوامر الله، ولأوامر رسوله ﷺ ، وأن يسلم لقضاء الله وقضاء رسول الله ﷺ .
فقال لهم: أوقد قال؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق، فاندهشوا فقالوا: نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس وهو في ليلة واحدة يذهب ويجيء! فقال: إني أصدقه فيما هو فوق ذلك، أصدقه أنه يأتيه الوحي من السماء؛ ولذلك لقب بـ الصديق من يومئذ ﵁ وأرضاه، فذهبوا إلى الرسول ﷺ مرة ثانية يجرون أذيال الخيبة، فقالوا له: صف لنا بيت المقدس؟ فقال النبي ﷺ : (فقد غابت عني نواح من بيت المقدس فاهتممت لذلك أو قال: اغتممت لذلك، فجاءني جبريل بصورة بيت المقدس)، وهذه لا تستبعد، فالفيديو الآن يمكن من خلاله أن تنظر إلى بيت المقدس بشريط الفيديو، فأخذ النبي ينظر فيه كأنه صورة في شاشة ينظر فيها بيت المقدس، ويقص عليهم: الناحية اليمنى كذا، وكانوا قد وصلوا إلى بيت المقدس وعرفوا دقائقه، فأتى بكل دقيق وجليل في بيت المقدس فاندهشوا جداً، ثم قال لهم: إن عير فلان تأتيكم من خلف الجبل الآن، فوجدوا العير كما قال بأبي هو وأمي، لكنهم ختم الله على قلوبهم، ومن أراد الله أن يزيغ قلبه فلن ترى من يقيم قلبه مرة أخرى.
стр. 121
الفوائد المستنبطة من حادثة الإسراء والمعراج
عند الحديث عن حادثة الإسراء لابد من استنباطات نتكلم فيها عن ذلك ومنها:
стр. 122
تقديس الله ﷻ
أولاً: تقديس الله بهذا الإسراء، إذ حادثة الإسراء تلوح بتقديس الله جل في علاه، لأنهم يستبعدون على قدرة الله أن يأتي بالبراق فيأخذ النبي ﷺ في ليلة واحدة إلى بيت المقدس ثم إلى السماء السابعة ويرجع، يستبعدون ذلك على قدرة الله، وهذا قدح وتنقيص من قدرة الله جل في علاه؛ ولذلك صدر الله سبحانه الآية بقوله: ((سُبْحَانَ)) [الإسراء:١] أي: تقديساً لله جل في علاه، فهو القادر العلي القوي القهار، الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون .
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] إلى آخر الآيات.
стр. 123
رحمة الله بعباده وحفظه لهم
ثانياً: بيان رحمة الله بعباده، وأن العاقبة لا بد أن تكون للمؤمنين، وأن الله لا يترك عباده للشياطين، وقد جاء في الحديث: (إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني) وإن كان الحديث فيه ضعف.
فالله جل وعلا لا يترك عبده للشيطان أبداً؛ لأنه كما وصفه النبي ﷺ بأنه أرحم بعباده من تلك المرأة التي وجدت ابنها فضمته إلى صدرها وأرضعته، يقول ﷺ : (أرأيتم هذه الأم ملقية بابنها في النار؟! قالوا: لا والله، فقال النبي ﷺ : فالله أرحم بالعبد من أم هذا بهذا)، يعني: الله أرحم بعبده من الأم بطفلها الرضيع، فمن رحمة الله ورأفة الله جل في علاه بنبيه وخليله محمد ﷺ أن أسرى به تسلية وتفريجاً للكربة التي عاشها.
стр. 124
أشد الناس بلاء الأنبياء
كذلك من الفوائد: أن الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل، ونستنبط ذلك مما وقع للنبي ﷺ ، فإنه عندما يأتي يقص هذه القصة لا بد أن التيار العارم سيكون عليه، وهذه نبراس لكل من يتمسك بالحق على قدم راسخة، فإن الأمة كلها تقف أمامه وهو بقدم راسخ يقول: لا، هذا هو الحق.
إذا تبنيت مسألة ووجدت أن الدليل يلوح لك في الأفق من كلام الله وكلام الرسول، فلو وقف الخط الخلفي كله أمامك، بل لو وقفت الأمة بأسرها أمامك فلا تتزعزع، فشخصية طالب العلم لا يمكن أن تتزعزع إن كان راسخاً في العلم، أما إن كان مهزوزاً أو إمعة يتبع كل ناعق فهذا الذي لا ترجو منه الخير، أما الذي يثبت بقدم راسخة مع العلم والدليل الذي يتبناه فهذا الممدوح.
ولذلك النبي ﷺ يعلم أن المسألة من الله جل في علاه، ويعلم أنه سيكذب بل ويتهم بالاتهامات الباطلة، وهذا فيه البلاء الشديد؛ ولذلك الله جل وعلا يسليه ويقول: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣].
إذاً: بهذه القصة تبين أن الأنبياء أشد بلاء؛ لأن الهمج الرعاع سيواجهونه مواجهة دامية، وهو يقف صامداً على ما هو عليه من الحق؛ لأن الله جل وعلا أمره بذلك، وهو الذي أوحى إليه بذلك.
стр. 125
الإسراء والمعراج بالجسد والروح معاً
من الأمور التي نتكلم عليها عند هذه القصة العظيمة: أن الإسراء والمعراج بالجسد والروح؛ لأن العلماء من أهل السنة والجماعة اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: إن الإسراء كان في المنام فقط، ومنهم من قال: بالروح دون الجسد وهذا لازم المنام، والصحيح الراجح الذي عليه أهل التحقيق من أهل العلم أن الإسراء بالنبي ﷺ كان بالجسد وبالروح، وهذا ثابت بالأثر وبالنظر: أما الأثر: فقد قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] والباء هنا للمصاحبة والإلصاق، وباء المصاحبة معناها: بكلية الرسول ﷺ ، أي: بروحه وجسده، وكذا جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ : (أن جبريل أتاه بالبراق، وركب البراق -حقيقة- وأن البراق كان يضع رجله حيث ينتهي بصره) فغير متعذر أن يصل إلى هناك بدقيقة أو دقيقتين وأسرع من ذلك وعرج به إلى السماء.
وبين النبي ﷺ كما في الصحيحين: (أن جبريل جاءه وشق صدره، وأخرج قلبه ووضعه في طست من ذهب فغسله بماء زمزم ونزع منه حظ الشيطان) وهذه حدثت للنبي ﷺ مرتين: مرة في الصغر، ومرة عندما عرج به وملئ صدره علماً وحكمة، وهذه كما قلت على الحقيقة، فيكون الإسراء بالجسد وبالروح، هذا من الأثر.
أما من النظر: فلو أن النبي ﷺ قال لصناديد قريش: قد رأيت في منامي أني تجولت في نواحي بيت المقدس، فلن تقوم هذه الحرب الشعواء على النبي ﷺ ، بل سيقولون: رجل رأى رؤيا وهم يقبلون الرؤيا؛ لأنه لو تحدث أي متحدث عن الرؤيا فسيقبلونها، فهذه الحرب الشديدة على النبي ﷺ تدل على أنهم كانوا يستيقنون أن النبي ﷺ لما قال: (أسري بي) يؤكد أن الإسراء كان بالجسد وبالروح، ولم يكن بالروح فقط.
إذاً: الإسراء كان بالجسد وبالروح.
стр. 126
تحديد زمن حادثة الإسراء والمعراج وحكم الاحتفال فيها
هناك بدعة بسبب الإسراء والمعراج ألا وهي: أن الإسراء والمعراج وقع في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب.
أولاً: نقول: من أين أتوا بهذا؟ بل لا بد أن يعلم أن هذه بدعة مضيئة، والعلماء المحققون اختلفوا في زمن الإسراء والمعراج: هل كان قبل الهجرة أم بعدها؟ وإن كان قبلها فهل كان قبلها بعام أم قبلها بثلاثة أعوام؟ ولم يعرفوا اليوم الذي أسري بالنبي ﷺ وعرج فيه إلى السماء، فالتحديد نفسه افتراء على الله وافتراء على رسوله ﷺ ، فالجزم بأنه في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب جزم باطل، والأحاديث التي جاءت في ذلك أحاديث باطلة لا تصح.
ثانياً: إذا قلنا بهذا التحديد فإن هذه البدعة المنكرة التي تحدث ليلة الإسراء والمعراج من الشوادر وقراءة القرآن والصلاة على النبي ﷺ ، والأناشيد التي فيها الكفريات كـ بردة البويصري التي يقول فيها: ومن جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم إذاً: ليس هناك شيء لله جل في علاه، وإنما من جود النبي ﷺ الدنيا وضرتها، أي: الآخرة.
وقوله: (ومن علومك علم اللوح والقلم) أي: ليس هناك علم لله جل في علاه، وهذا الكلام بدعة منكرة مقيتة، فعلى كل إنسان يرى ذلك أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وذلك بأن يبين أن هذه بدعة لم يرد فيها دليل من السنة، ولا دليل من سنة الخلفاء الراشدين، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، لو كان هذا اليوم يوم عيد لاحتفل به أبو بكر، واحتفل به عمر، واحتفل به عثمان، واحتفل به علي بن أبي طالب ﵃، ولاحتفل به الأفاضل كـ الشافعي ولقرره في كتبه مالك ولفعل ذلك أبو حنيفة ﵃ أجمعين، ولكن لم يفعل السلف هذا، فهذه فيها دلالة واضحة على أن ما يفعلونه بدعة خلفية وليست سلفية، والخير كل الخير في اتباع من سلف، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
стр. 127
وجوب الإيمان بمجيء ملك الموت لقبض الأرواح على صورة بشر
المسألة الأخيرة التي تتعلق بمسألة السمعيات: وهي الكلام على مجيء ملك الموت.
معلوم أن ملك الموت يأتي كل إنسان، وأن الموت سيدور على كل إنسان، كما أن الرزق يدور على كل إنسان، انبثاقاً من قول النبي ﷺ : (نفخ في روعي الروح الأمين: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها) فقرن الرزق والأجل، فكأس الموت سيدور، وهذه العبودية تسمى عبودية أرباب العقيدة السليمة وأصحاب التوحيد السديد الذين تعلموا الربوبية والإلهية والأسماء والصفات، وتسمى هذه العبودية بالعبودية الخاصة، ومعلوم أنا كنا قد قسمنا العبودية إلى قسمين: عبودية عامة، وعبودية خاصة، فالعبودية العامة: هي عبودية المؤمن والكافر، فكل منهما يعبد هذه العبادة فهما مستويان فيها؛ لأن العبودية العامة هي عبودية القهر، وعبودية الإصابة بالبليات فلا يستطيع أحد أن يرد على الله أمره، فلو قضى الله بموت أحد فلا يستطيع أن يقول: لا، أنا لن أموت هذا اليوم، سواء كان كافراً جَلْدَاً أو مؤمناً؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] أي: الكل عبد بالربوبية لا عبد بالإلهية، فعبودية القهر هي العبودية العامة، فالكل خاضع لعبودية القهر، وكل إنسان لا يمكن أن يرد على الله جل في علاه أمره في الموت.
ومعلوم أن ملك الموت يأتي الأنبياء فيخيرهم بين الحياة وبين الموت، فقد خطب النبي ﷺ خطبة بليغة قال فيها: (خير عبد بين الدنيا والآخرة، فبكى أبو بكر وقال: فداك أبي وأمي، فقالوا: لم يبكي أبو بكر وهو رجل خير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة؟ -أي: اختار ما عند الله جل في علاه- فلما علموا من المخير قالوا: كان أبو بكر أفقهنا؛ لأنه علم أن هذا دنو أجل النبي ﷺ فما من نبي إلا ويأتيه ملك الموت فيخيره بين الدنيا والآخرة، وكان يأتي على صورة ملك، وتارة يأتي على صورة بشر، وهذه خصيصة للملك وللجان، فالله جل في علاه أعطى الملك قدرة على أن يتشكل ويتصور بصورة الإنسان، ودليل ذلك ما جاء في الحديث الذي يرويه أبو حفص عمر بن الخطاب حيث قال: (دخل علينا رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه إلى أن قال ﷺ : يا عمر ائتني به، فلما لم يجده قال: هذا جبريل جاء يعلمكم أمر دينكم) فهذا فيه دلالة على أن الملك يتمثل بالبشر، وفي صريح السنة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أشد ما يكون علي الوحي حين يأتي كصلصلة الجرس، ويأتيني بصورة الرجل فأعقل عنه ما يقول) وكان دائماً ما يأتي بصورة دحية الكلبي؛ ولذلك جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ دخل بلأمة الحرب على عائشة، فنظرت عائشة فوجدت دحية الكلبي يأخذ بعنان الفرس، فقالت: يا رسول الله! هذا دحية ينتظرك، فقال لها: يا عائش! أرأيتيه؟ قالت: نعم رأيته، قال: يا عائش! هذا جبريل ويقرئك السلام، فقالت: الله ورسوله أعلم، أقرئ جبريل السلام).
فهذا دليل على أن جبريل جاء في صورة بشر، كذلك يقول تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧] فجبريل ﵇ جاء مريم في صورة بشر، كذلك جاء ملك الموت ودخل على موسى ﵇ متمثلاً في صورة البشر، فلما دخل على موسى نظر إليه فوجده غريباً في بيته، وظنه معتدياً، وموسى يخشى على حريمه وعلى نفسه، ولم يعلم موسى أنه جاء ليقبض روحه، أليس من جانب الشرع أنه إذا جاء رجل يريد قتلك أن تدفعه بالأهون ثم الأهون؟ وموسى ﵇ قد دفعه بالأهون وفقأ عينه، وكان هذا هو الأهون، وموسى ﵇ كان له قوة أربعين رجلاً، فقد قيل: إن البئر التي نزع عنها الغطاء وسقى للمرأتين كان لا يمكن أن يحرك غطاءها إلا أربعون رجلاً ولو كانوا أقل من ذلك فلن يستطيعوا تحريكه.
وموسى ﵇ لما استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ماذا فعل؟ لقد صور القرآن هذه الحادثة قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] أي: دفعه دفعاً هيناً فمات.
فموسى ﵇ نظر إلى هذا الغريب يدخل إلى بيته وعنده أهله فخشي عليهم وعلى نفسه فلطمه، وما أراد قتله بل لطمه ففقأ عينه، فرجع الملك إلى ربه فقال: إنك بعثتني إلى رجل لا يريد الموت، وكأنه ظن أن موسى لا يريد الموت، وهذا حد علم الملك؛ ولذلك الله جل وعلا بين له أن موسى يريد لقاءه، فقال للملك: قل له: يقول الله لك: ضع يدك على متن ثور ولك بكل شعرة تمسها يدك سنة حياة، فقال موسى: ثم ما يكون بعد؟ قال: الموت، قال: إذاً الآن، كما قال النبي ﷺ : (اللهم الرفيق الأعلى) فقبض روحه.
стр. 128
بدعة تقديم العقل على النقل وواجب العلماء والدعاة تجاهها
لقد ظهرت شمس البدعة وبزغت ولا متصدٍ لها؛ فطلبة العلم في ندرة وفي عزة وما يتكلم إلا الرويبضات، فظهرت شبهة تقديم العقل على النقل، فقد ظهر في عصرنا من يطعن في البخاري ومسلم ومن يتهم الإمام أحمد بأن فكره سطحي، ولكل مؤمن أن يتأمل هذه الحرب على الجبال الرواسي؛ لا لشيء إلا لأن الأحاديث تخالف أهواءهم، ولو سئلوا لِمَ لم يقبلوا الحديث الذي فيه أن موسى فقأ عين ملك الموت؟ مع أن هذا الحديث في صحيحي البخاري ومسلم وهما أصح الكتب بعد كتاب الله، لقال هؤلاء: لقد رددنا هذا الحديث لأكثر من علة: العلة الأولى: أن موسى لا يمكن أن يفقأ عين الملك؛ لأن الملك بصيحة واحدة يهدم قرية كاملة، وبجناح واحد يهدم قرية كاملة، كما أن طوله من السماء إلى الأرض فكيف يفقأ عينه موسى؟ العلة الثانية: أن هذا تفسير سطحي جداً، كيف لا يرضى موسى بلقاء الله جل في علاه؟ فهذه شبه ترد بها الأحاديث التي ثبتت ثبوت الجبال الرواسي، هذا الفكر فكر المعتزلة، وإن لم يعرف الناس أن فكرهم فكر الاعتزال، لكن والله ما يفعلون وما يقولون هو فكر الاعتزال؛ ولذلك قال قائلهم: لو رأى البخاري ما تفعل تاتشر ما قال هذا الحديث! وهو قول النبي ﷺ : (ما أفلح الله قوماً ولوا أمرهم امرأة) فهو يرد حديث البخاري بهذه المقولة السخيفة، يغفر الله لنا وله، وما منا من أحد معصوم، فالمعصوم من عصمه الله وكلنا ذو جهل وذو خطأ، لكننا نقول: المخطئ الذي يتصدى لحديث النبي ﷺ لا بد أن يرجع إلى الصواب، فإن أصر على ذلك فلا بد من تحذير الناس مما هو فيه، وهذا الذي قال ذلك قد مات رحمة الله عليه، وأسأل الله أن يتغمده في رحماته، وكفى ببشريات الخير له أنه تمنى الموت في المدينة فأجاب الله له هذه الأمنية ومات في المدينة، وكفى فخراً أن النبي ﷺ بين أن أفضل الموتات هي الموتة في البلاد المقدسة، حفظ الله مكة والمدينة وسائر بلاد المسلمين من كل شر، لكن لا بد أن نحارب من أجل سنة النبي ﷺ ، ولا بد لزاماً أن نقول: الشيخ الغزالي حبيب إلينا، ولكن الحق أحب إلينا منه، فأفراخ الشيخ الغزالي رحمة الله عليه في هذا الزمن موجودة بكثرة، وهو صاحب قاعدة التسهيل على الناس كثيراً، ولا بد أن يعلم أن في فكره اعتزالاً وتمييعاً للعقيدة؛ لأنه لم يكن ضابطاً لأمر العقيدة.
حتى الفتاوى التي أفتى بها مؤخراً كلها فتاوى لا يؤخذ بها؛ لأنها ستضيع الأمة وتجعلهم يتخبطون خبط عشواء، ولذا لا بد أن يعلم أن الذي جاء به وأصحابه ما جاء إلا بسبب تقديم العقل على النقل؛ ولذلك سنجد عند الحديث عن أشراط الساعة أنهم يرفضون رفضاً تاماً حياة المسيح الدجال، ويقولون: إن الدجال ليس موجوداً حتى الآن، ولو سألتهم عن ذلك لقالوا: الأقمار الصناعية منتشرة، والنظر الدقيق بالتكنولوجيا لم يبين شيئاً حتى الآن، كما أن الأقمار الصناعية أظهرت كل دقيق وجليل في الأرض، ولم تظهر لنا الدجال.
فتجدهم يعارضون السنن بهذه النظريات العلمية التي تخطئ وتصيب، والجبال الرواسي من السنن تهدم أمام هذه النظريات، فهؤلاء الأفراخ أصحاب الفكر الاعتزالي لا يعلمون للسنة احتراماً ولا تقديراً، وأفعالهم تدل على هذا، ونحن لا نلزم المرء بلازم فعله، ولكنني أحذر فقط من هؤلاء، ومن السماع لهم، أو السماع لفتاواهم؛ فإنهم ردوا أحاديث النبي ﷺ ، وتجرءوا على البخاري وأحمد ومسلم وقالوا عنهم: إن نظر هؤلاء سطحي!!
стр. 129
سبب تجرؤ المبتدعة على الدين وأهله
أقول: نحن ما أتينا إلا من ضعف العلم ومن ندرة طلبة العلم، وقد اتفق القاصي والداني على ذلك، لقد عز في هذا الزمن طلبة العلم الذين يحترمون الطلب ويحترمون العلماء، ويقدرون قال الله قال رسوله، والهمة العالية قد خارت، والأفاضل الذين كانوا كواكب في سماء إسلامنا نستنير بهم قد ماتوا ومات من معهم من أصحاب الهمم العالية، بعدما مات الثلاثة الجبال الذين كانت الدنيا بأسرها تستضيء بنورهم، كأنهم الشموس، لقد مات بخاري العصر محدث الشام الألباني، ثم الشيخ ابن باز الذي جمع بين علم الفقه وعلم الحديث وقد عز صنيعه في هذا الزمان، والقوة كل القوة في الجمع بين علم الحديث وعلم الفقه، والشيخ صالح بن عثيمين الذي لم يفقه مثله أحد في نظره الدقيق وتأملاته الفقهية في أحاديث النبي ﷺ ، فهل لهم من خلف؟ ائتوني الآن بواحد خلف هؤلاء الثلاثة؟ لن تجد، إلا أن يشاء ربي شيئاً، وسع ربي كل شيءٍ علماً.
ولذا أقول: هذه البدعة المقيتة وهذا الترفع الضائع من هؤلاء الرويبضات؛ ما جاء إلا عند عدم وجود طلبة العلم الذين يتصدون لهذه البدع ويحافظون على دين الله.
стр. 130
نماذج من فتاوى المخالفين للنصوص الشرعية
لعلكم قرأتم أو سمعتم ما احترقت له قلوبنا من الفتاوى المظلمة، فهذا الرجل الذي تتهافت النساء على سماعه وتميل قلوبهن لهذه القصص والعبر التي يأتي بها، وإن شئت قلت: إن هذه القصص فيها الطامات من الأحاديث الباطلة والموضوعة لكنه قصاص وما عنده إلا القصص، ثم بعد ذلك يبدأ في الفتوى ويدمر الدنيا بعدم اعتدال مسائل الدين، فيفتي بأن الختان للمرأة ظلم بين للنساء، وهذا القول لم يقل به أحد من علماء الأمة، على أن علماء الأمة كما بينت اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه على الوجوب، وهذا قول الشافعية.
القول الثاني: سنة مستحبة، وهذا قول الحنابلة وهم الذين قالوا بالسنية.
القول الثالث: أن الختان مكرمة للمرأة، فهو على الإباحة وليس مستحباً، وهو قول المالكية.
والمقصود أنه لم يقل أحد من السلف بأن الختان للمرأة ظلم.
ومن تلك الفتاوى المظلمة: عندما قيل لإحدى المغنيات وهي تشتكي من أن أخرى غنت أغنيتها فقيل لها: ارفعي قضية عليها، وهذا ضمناً فيه إباحة الغناء، وإباحة العري والسفور الذي يحدث، فهذا الرجل يفتي بهذه الفتاوى؛ لأنه ليس هناك طالب علم يبين للناس هذا الكلام الباطل المخالف لحديث النبي ﷺ ، المخالف لنهج السلف.
وكذا الفتاوى الأخرى التي تطل علينا كفتوى جواز أن تصلي المرأة وهي عارية في مكان مظلم، والقول بأن الدخان حلال للأغنياء حرام على الفقراء، فأين طالب العلم الذي يتصدى لهذه الفتاوى المضللة؟! وأين الذي يدافع عن عرين السنة؟! أين أسد السنة الذي يقول: نذرت نفسي لربي، وأوقفت نفسي لربي؟ نريد طالب علم مجد في معرفة سنة النبي ﷺ بحيث يميز الصحيح من الضعيف، حتى يدافع عن دين الله جل في علاه ويرد على المبتدعة.
стр. 131
ضرورة التصدي لفكر المعتزلة وغيرهم من المبتدعة
أقول: إن الفكر المعتزلي هو السائد الآن، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تتصدى له إلا أن تكون طالباً للعلم؛ لأن التعمية والتمييع أصبح أمراً مروعاً؛ ولأن الهمج الرعاع لا يعرفون شيئاً، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: همج رعاع أتباع كل ناعق.
أي: يصفقون ويرددون: نحن معك، وكلامك دائماً صحيح، وتراهم يقولون: ما أروع هذه الفتاوى، فهم دائماً يسيرون خلف كل ناعق؛ لأنهم لم يستضيئوا بنور العلم.
إذاً: فلا بد من طالب علم يبين هذا الأمر، ويرد عن حياض هذا الدين بعلم ودقة وإتقان.
والمعتزلة يعتقدون ثم يستدلون، والقاعدة عند السلف: الدليل قبل الاعتقاد، أي: تستدل ثم تعتقد؛ حتى ينبثق اعتقادك من الدليل الناصع البياض، الذي هو أسطع من شمس النهار في الصحة.
стр. 132
واجبنا نحو من يرد الأحاديث الصحيحة بعقله الخرب
يوجد الآن من يردون أحاديث النبي ﷺ بهذه العقول الخربة، والصحيح الراجح أننا نقول: سمعنا وأطعنا، وكل حديث صح سنده من الجبال الرواسخ من العلماء لا بد أن نمرره على العقل والقلب بكل راحة ونقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله.
وهنا أشير إلى أنه لا بد على الإخوة أن يتبنوا هذا المنهج؛ لأن أهل البدع قد بزغوا، وقد أخبرني ثقة أن الشيخ أبا إسحاق كاد يموت حين سمع أن رجلاً خرج علينا من الأزهر وضعف مائتين وثلاثين حديثاً في البخاري، مع أن الحافظ الدارقطني انقطعت أنفاسه وكاد يقتل حين انتقد خمسة عشر حديثاً أو ستة عشر حديثاً على البخاري، ولم يوافق على الأحاديث التي انتقدها على البخاري إلا أحرفاً يسيرة، وهذا يضعف مائتين وثلاثين حديثاً! وعندما جاء الرجل وسألناه: كيف ضعفت هذه الأحاديث؟ فلعل عندك علماً بأصول السنة وفكراً عالياً بالمتون، فلم يكن عنده شيء من علم، فسألناه: هل عندك علم؟ فأجاب: لست وحدي الذي أتكلم لكي تعاتبني، بل كل الناس تتكلم!! إذاً: فهذه موجة الكل يركبها، ولا بد أنه سيتكلم طالما أن هناك أناساً يسمعون.
فعندما ترى أن الأحاديث الصحاح ترد من أجل أنها تخالف العقل الخرب، فهذه دلالة على أن الدنيا آذنت بخراب؛ لأن الله جل وعلا أناط قيام القيامة برفع العلم وفشو الجهل، وفشو الجهل واضح جلي بين الناس، فعلينا أن نرجع إلى حديث النبي ﷺ ، ونجليه بين الناس، ونبين أننا نحترم الأشخاص ونضعهم فوق رءوسنا، لكن لا نقدم أحداً أبداً على رسول الله ﷺ .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 133
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - أشراط الساعة
مما أخبرنا به النبي ﷺ أشراط الساعة الصغرى وقد وقعت منها أمور كثيرة، وأما الكبرى فلن تظهر إلا قرب قيام الساعة، فيجب على المؤمن الإيمان والتسليم بكل ذلك، وإلا كان من الضالين المنحرفين والعياذ بالله.
стр. 134
أشراط الساعة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: أشراط الساعة هي من الإيمان بالغيب، والله جل وعلا ربط الفلاح مع الإيمان بالغيب.
والشرط في اللغة معناه: العلامة، وأشراط الساعة بمعنى: الأمارات التي تسبق قيام الساعة.
стр. 135
علامات الساعة الصغرى
أما العلامات الصغرى فجلها قد ظهرت، ومنها: أن تسلم على من تعرف وتترك من لا تعرف، وهذه واقعة بين الإخوة، فتجد الأخ إذا رأى أخاً ملتحياً سلم عليه، لكن غير الملتحي لا يسلم عليه، وهذه منقصة في حق الإخوة، وهذا مصداقاً لنبوءة النبي ﷺ أنه في آخر الزمان يسلم الرجل على من يعرف دون من لا يعرف.
وأيضاً من علامات الساعة الصغرى: نطق الرويبضات، قال ﷺ : (إن بين يدي الساعة سنوناً خداعة يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخوّن الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: وما الرويبضة؟ قال: الفاسق أو الفويسق يتكلم في أمر العامة).
وأيضاً قال النبي ﷺ مبيناً لنا علامة من علامات الساعة الصغرى: (إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة).
وأيضاً بين لنا النبي ﷺ أن الهمج الرعاع الحفاة العراة يتطاولون في البينان، فبين أن التطاول في البنيان من علامات الساعة.
ومن علامات الساعة أيضاً: زخرفة المساجد، فالآن المساجد مزخرفة ومتسعة جداً وهي خالية وخاوية من العباد، وهذه قد تذكر أنها من علامات الساعة؛ ولذلك جاء في الأثر عن ابن عباس أنه قال: (لنزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى)، فبين ابن عباس أن زخرفة المساجد وتوسيعها من علامات الساعة.
فهذه علامات صغرى وقد مر أكثر هذه العلامات.
стр. 136
علامات الساعة الكبرى
العلامات الكبرى هي كما بين النبي ﷺ كأنها في سلسلة واحدة كالعقد، فلو نزلت الحبة الأولى فالباقي على إثر هذه الحبة ستنزل.
إن نزول عيسى ابن مريم وخروج الدجال من إشارات ومقدمات وإرهاصات العلامات الكبرى للساعة.
والدجال هو شر فتنة يفتتن بها المرء في هذه الحياة، كما ورد في بعض الآثار وإن ضعفها بعض العلماء، لكن نستأنس بقول النبي ﷺ : (بادروا بالأعمال ستاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً -إلى أن قال-: أو الدجال فشر غائب ينتظر) فـ الدجال شر فتنة في هذه الحياة؛ ولذلك النبي ﷺ عندما ذكر فتنة القبر قال: (أوحي إليّ أنكم تفتنون فتنة قريباً من فتنة الدجال) كأنه يقيس فتنة القبر بفتنة الدجال.
стр. 137
حقيقة وجود الدجال الآن
إن الدجال رجل عظيم الخلقة، وهو الآن مسلسل، وهذا هو الصحيح، ويغفر الله للشيخ محمد بن عثيمين فهو لا يقول بذلك، بل يقول: إنه غير موجود، لكن علة الشيخ ابن عثيمين غير علة من يأخذون بالعقل دون النقل، وإنما علته أنه يقول بتضعيف حديث الجساسة؛ فلذلك أنكر وجود الدجال الآن، لكن نقول: هذا اجتهاده، وهو اجتهاد خاطئ لا نقبله من الشيخ ﵀، وجعله مع النبي ﷺ ورفقائه في الفردوس الأعلى.
والحق أن الدجال موجود الآن، وهو مسلسل، كما في الحديث الطويل حديث تميم الذي روته فاطمة بنت قيس عن النبي ﷺ ، فحديث تميم الداري يلغز به فيقال: كل الصحابة نالوا الشرف في التحديث عن رسول الله، لكن من الذي نال الشرف بأن حدث عنه رسول الله؟ إنه تميم ﵁، فالرسول ﷺ صعد المنبر مبتسماً ثم قال: (إنه قد أسعدني أن تميم الداري حدثني ما وافق ما حدثتكم به) فقال النبي ﷺ : (حدثني تميم) وهذا يبين شرف هذه الأمة ففيها من صلى خلفه النبي، وفيها من هو خير البشر بعد الأنبياء، وفيها من حدث عنه النبي ﷺ كـ تميم، ثم سرد الحديث بطوله، ونقلته لنا فاطمة بنت قيس.
والحديث طويل جداً، وفيه أن الأمواج تلاعبت بـ تميم ومن معه فنزلوا على جزيرة فجاءت الجساسة وهي دابة أهلب، أي: كلها شعر القبل كالدبر، فقالت لهم: إن هناك من ينتظر خبركم بالأشواق، فأخذتهم إلى رجل مسلسل ورأسه عند رجله وهو عظيم الخلقة، فقال: من أين أنتم؟ ثم ذكروا مسألة النخيل ومسألة المدينة، فقال: هذا العصر عصر النبي محمد ﷺ ، إن يتبعوه يرشدوا، وهنا يعظ، والشاهد الذي أريده أنه موجود من وقت رسول الله ﷺ ، وهو مسلسل بنص حديث تميم الداري، وقال الشيخ ابن عثيمين: إنه ليس بموجود وسيخلق، أو قال: إنه ليس بموجود فقط، وهذا كلام يرد على صاحبه كائناً من كان ويضرب به عرض الحائط؛ لأن الحديث ثبت ولا قول لأحد مع قول النبي ﷺ .
ما العلم إلا قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه والظاهر: أن الشيخ اجتهد وله سلف، فـ البخاري أشار إلى حديث الجساسة ولم يخرجه في الصحيح؛ فلذلك الشيخ ابن عثيمين تبنى هذا المذهب وعضد إشارة البخاري بأنها توحي بتضعيف حديث الجساسة، فأخذ بتضعيف حديث الجساسة.
والملاحظ هنا أنها أحكام مناطة بالتصحيح، وهذا الحديث ضعيف عنده فلم يثبت وجود الدجال، لكنه يؤمن بخروج الدجال عقيدة جازمة، لكنا نقول: قد صح الحديث، وإذا صح الحديث فلا قول لأحد مع قول رسول الله.
أما القائل الذي قال غفر الله لنا وله: إنه ليس هناك شيء اسمه الدجال، فليته يتراجع ولو هنيهة عن قاعدة التسهيل التي طغت بالأمة الإسلامية الآن، نسأل الله العفو والعافية، لكنه بفضل الله يعتقد خروجه، وعندما سئل: لماذا قلت هذا القول؟ قال: إن الأقمار الصناعية وجدت ولم نر أحداً رأى الدجال.
وهذا طالب علم عندنا أقسم لي بالله أن الأقمار الصناعية كشفت عن منطقة في القاهرة فغابت عنها قرية فلم تصورها ولم تعرف عنها شيئاً، فقرية لم تعرف عنها شيئاً أتعرف عن رجل شيئاً؟ فالمسألة أصلاً مسألة نظر علمي محض يعتريه الصواب ويعتريه الخطأ، فهل أصرح بخلاف حديث النبي ﷺ الثابت كالجبال الرواسي من أجل هذه النظريات التي لا تنفع ولا تضر، وهي تصيب وتخطئ؟! ومن هنا نقول: إن الإمام مسلماً كان صاعقة في الحفظ، وهو الذي قال فيه المغاربة: مسلم أعلم من البخاري، وهذا كلام غير صحيح، لكن هم يقدمون صحيح مسلم على صحيح البخاري لحسن ترتيب مسلم لكتابة الصحيح، فهو يجمع كل الأسانيد لحديث واحد من روايات متعددة، وهذا يساعد على من يريد أن يكشف ويحقق تصحيح الإسناد أو تضعيفه من باب المتابعات والشواهد، لكن كان البخاري يهتم في صحيحه بالفقه أولاً؛ فلذلك كان يقطع الأبواب، ولا يهمه الأسانيد إن هي تكاثرت في باب واحد، ومعلوم أن البخاري أصح؛ لأنه أنقى شروطاً في الرجال الذين انتقاهم لصحيحه.
والمقصود: أن هذا الحديث في مسلم، فليس لك أن ترده، إلا أن تكون عالماً نحريراً من العلماء المعتبرين الذين سينتقدون حديث مسلم فنسمع لك ونطيع وننظر ما عندك من العلم، ونعرض كلامك على كلام أهل العلم وأهل الشأن، فإن وافق فعلى الرحب والسعة، وإلا فأنت تعول في كل كتبك على الألباني حتى رسالة الماجستير تعول فيها في التصحيح والتضعيف على الألباني، فارجع للألباني فأنت مقلد له الآن، لكن لا تلعب بالحديث هكذا؛ لأنك لست من علماء الحديث، بل ارجع للألباني وانظر هل ضعف الحديث أم صححه، لكن أن تجعل مقياس تضعيف حديث في صحيح مسلم بن الحجاج -هذا الإمام الذي حفظ لنا حديث النبي ﷺ هي الأقمار الصناعية فلا، وإذا سألك ربك فلا تدري كيف تجيب، لكني أقول: يغفر الله لنا ولك ويعلمنا وإياك، وما زلنا على جهل نحتاج جميعاً إلى العلم، ولذلك الحافظ ابن حجر سطر كلاماً يكتب بماء الذهب على السطور، يقول: لا يزال العالم عالماً إذا جد في الطلب، أما إن توقف وقال: أنا أنا فقد انتهى الأمر ولن تأخذ منه خيراً، ولن تجد له اجتهاداً بعد ذلك يوافق السنة.
ولذا يجب علينا أن نخالف هؤلاء الذين ردوا حديث الدجال وقالوا: هو غير موجود، ونقول: هو موجود في حديث فاطمة بنت قيس حديث الجساسة في صحيح مسلم.
وقد أتم لنا النبي ﷺ وصف الدجال واهتم اهتماماً شديداً بمسألة الدجال وقال: (ما من نبي إلا حذر قومه الدجال الأعور، وإني سأقول لكم فيه قولاً بيناً فصلاً) وكأن النبي ﷺ يقول: أنا النذير العريان، واشتد في نصح أمته عن الدجال، حتى قالوا: (خشينا أن يكون الدجال خلف الشجر، فلما رأى النبي ﷺ خوفهم من هذا النذير، قال لهم: ما لكم، إن خرج وأنا فيكم فأنا حجيجه وإن خرج وأنا لست فكيم فكل امرئ حجيج نفسه) وهذه الوكالة للنفس وكالة إلى ضياع والعياذ بالله.
ونستدل على وجود الدجال بحديث ابن صياد؛ لأن النبي ﷺ كان يتحسس ابن صياد وكان يختبئ له؛ إذ أنه عندما اختبأ قالت أمه: (يا صاف! هذا محمد، فقال النبي ﷺ : لو تركته بين) أي: لو تركته بين لنا أهو الدجال أو ليس هو، وهذا الحديث فيه دلالة على أن النبي ﷺ كان يشك في وجود الدجال، ثم أكد وجود الدجال مسلسلاً بحديث تميم الداري.
فإن قلتم: حديث تميم الداري ضعيف ولا يثبت به وجود الدجال، فهذا حديث ابن صياد وشكوك النبي ﷺ دليل على وجود الدجال، مع أن حديث تميم الداري ليس بضعيف بل هو صحيح.
والنبي ﷺ وصف لنا الدجال وصفاً بديعاً حيث قال: (هو أعور، وربكم ليس بأعور) وأعور بمعنى له عين واحدة والأخرى إما مطموسة أو موجودة معيبة، وأيضاً قال النبي ﷺ : (بين عينيه مكتوب ك.
ف.
ر) والنبي ﷺ كان أمياً لا يقرأ؛ فلذلك قال ﷺ : (يقرؤها كل قارئ وغير قارئ) أي: أن كل مؤمن أمي وغير أمي سيقرأ ك.
ف.
ر أي: كافر، سيقرأ هذا القول.
ووصف النبي ﷺ وجوده أنه يعيش بيننا أربعين، يوماً كسنة، ويوماً كشهر، ويوماً كأسبوع، وباقي الأيام كأيامنا هذه، هذا وصف النبي ﷺ للدجال.
стр. 138
عظم فتنة الدجال وصور من خوارقه
لقد بين النبي ﷺ أن خروج الدجال فتنة عظيمة؛ لأن الله أعطاه قوة خارقة، كأنها من لوازم الربوبية، يفتن الله بها من يشاء، والله جل وعلا يبتلي عباده بما شاء سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥] فمن فتنة الدجال أن يأتي للرجل فيقول: لو أحييت لك أباك وأمك تؤمن بي؟ فيقول: أؤمن بك، فيأتي فيحيي أباه وأمه لفتنة البشر، وهو في الحقيقة لا يحيي أباه وأمه، وإنما يتمثل له الشيطان في صورة الأب وصورة الأم، فيعمي على هؤلاء.
ومما يفتن به الناس أن يذهب إلى المشرق والمغرب في دقائق معدودة تستدبره الريح.
وأيضاً ينظر إلى السماء فيقول: أمطري، فتمطر، ويذهب إلى الأماكن الخربة فيقول: أخرجي كنوزك، فتخرج الكنوز، وهذه فتنة عارمة، وكل هذه تحصل بإذن الله تعالى؛ والفتنة الأشد أنه سيأتيه رجل هو من أفضل الشباب كما بين النبي ﷺ ، فيقول: (أنت الدجال الذي حذرنا منه رسول الله ﷺ ، فيأخذه هذا الكافر الظالم ويقول للناس: أيها الناس! لو قتلت هذا الرجل وأحييته لكم تؤمنون بي؟ فيقولون: نعم، فيأخذه فيشقه نصفين جزلتين: جزلة على اليمين، وجزلة على اليسار، ثم يمشي بين الجزلتين، ثم يقول للرجل: تعال، فيقوم الرجل متهللاً فرحاً، فيقول: والله ما ازددت بك إلا بصيرة، أنت الدجال الذي حذرنا منه رسول الله ﷺ .
وهنا يجدر بنا أن نتأمل إلى الإيمان كيف يتلألأ في القلوب ويجعل المؤمن ثابتاً راسخاً لا يتزعزع مع كل ريح، فهذا الشاب بعدما شقه نصفين قام فقال: أنت الدجال الذي حذرنا منه رسول الله ﷺ ، ما ازددت فيك إلا بصيرة، ثم يضرب بالسيف على رقبته فلا يسلط عليه مرة أخرى، كرامة من الله لهذا الشاب الذي بين فيه النبي ﷺ أنه من أعلى الناس إيماناً في هذا العصر، فيهرب ويهرب من معه، وهذه فتنة ليست بعدها فتنة.
стр. 139
طرق نبوية لدفع فتنة الدجال
لقد بين لنا النبي ﷺ كيف نتخلص من فتنة الدجال: أولاً: بالاستعاذة من هذه الفتنة، فقد أمرنا في كل صلاة بالاستعاذة من فتنة الدجال وفتنة المحيا والممات.
ثانياً: أنه لو ظهر -اللهم لا تظهره في مكاننا ولا زماننا هذا يا رب العالمين- لو ظهر الدجال فلا بد أن يفر الشخص منه فراره من الأسد؛ لأن النبي ﷺ قال: (من سمع عن الدجال فلينأ عنه، شر فتنة من استشرف لها أخذته) أي: لا يأتي رجل يسمع بـ الدجال فيذهب فيقول: أنا له أنا له، معتزاً بإيمانه ومزكياً لنفسه، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (لا تتمنوا لقاء العدو) فهذا الذي يذهب إلى الدجال جاهل؛ فإنه لو كان عالماً بهذه الكلمات من النبي ﷺ لما فعل ذلك، والجهل مميت لصاحبه، فيذهب إلى الدجال ويقول: أنا له أنا له، فما لبث إلا أن آمن به وكفر بربه جل في علاه، والله يعلم ما في القلوب ويوفق كل إنسان على ما في قلبه، فهذه فتنة أمرنا النبي ﷺ أن ننأى عنها بل وأن ننأى عن كل فتنة.
стр. 140
نزول عيسى بن مريم
العلامة الأخيرة: وهي نزول عيسى بن مريم.
فبعدما يعيث الدجال في الأرض فساداً، ويؤمن به اليهود وكثير من النساء، وهذا فيه تحذير للنساء؛ لأن النبي ﷺ بين أن أكثر أتباع الدجال هن النساء؛ لأنهن ناقصات عقل ودين، وبعد هذه المفاسد العظيمة، وبعدما يمنع من دخول مكة والمدينة؛ لأن الملائكة تحرسهما، فتحفظ بالملائكة، ثم تهتز المدينة ومكة فتخرجا كل منافق، فينضوون تحت لواء هذا المنافق الأكبر الدجال فيؤمنون به، ثم ينزل عيسى ﵇ حكماً عدلاً مقسطاً ﷺ ، ينزل على جناح ملك عند المنارة البيضاء عند جامع دمشق، ثم يذهب فيجد المهدي بعد معركة هرمجدون الدموية بين المسلمين والكافرين، إذ يأتي الكفار تحت ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفاً، ويحصل فيها مقتلة عظيمة، ثم يفتح الله على المؤمنين، والمهدي هو من ولد النبي ﷺ يصف الناس للصلاة ثم ينزل عيسى.
والمهدي اليوم يضرب ويطعن في صميم قلبه، وأجدني مضطراً لذكر الأسماء، فالدكتور عمر عبد الكافي حفظه الله وأمد في عمره وأحسن عمله، فاجأنا بما أصعقنا إذ يقول: ليس هناك شيء اسمه مهدي، فقد ضعف الأحاديث الدالة على المهدي.
فأقول: الشيخ ليس معلوماً عنه أنه من المشتغلين بعلم الحديث أو بعلم الفقه حتى يقول: إنه صحح وضعف.
ومعلوم أن ثلاثة أرباع الإخوة الحاضرين مغرمون بسماع الدكتور، وهو رجل يُسمع له جزاه الله خيراً على ما يعمل للدين، لكن أخطاؤه نردها عليه.
وهنا يجدر بنا التنبيه على أنه لا بد من طلبة العلم الذين يتقنون العلم، أما خبر المهدي فهو راسخ كالجبال الرواسي.
وأمتع ما يقرأ من الكتب المعاصرة التي تتكلم عن المهدي كتاب شيخنا المبارك الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم حفظه الله وأمد في عمره وأحسن عمله، ورفع قدره بين الأنبياء والمرسلين والصالحين، وجعله مع الشهداء في الفردوس الأعلى، الذي نزل مؤخراً واسمه: (المهدي) فهذا الكتاب من أنفع ما كتب في هذا الباب، فهو يفيد كل طالب علم متبحر وغير متبحر في هذه المسألة.
والعلماء أو الناس انقسموا في المهدي ثلاثة أقسام: قسم غلوا، وقسم جفوا، وقسم توسطوا، أما الذين غلوا فينتظرون المهدي منذ ألف عام، وما أكثر ما ينادون في تجمعاتهم: اطلع يا مهدي، يعنون محمد بن العسكري، اطلع من السرداب، فاعتقدوا دخوله السرداب، وهذا كلام باطل لا دليل عليه.
وأما الذين جفوا فهم الذين قالوا: لا مهدي في هذه العصور، والنبي ﷺ يبين لنا أنه من ولد فاطمة.
أما الذين توسطوا فهم أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا خروج المهدي، وبينوا علاماته وأماراته ووصفه وتفصيل أمره بأحاديث النبي ﷺ .
стр. 141
الأحكام المستنبطة من تراجع المهدي لعيسى ﵇ ليصلي بهم
قلنا: فيصف المهدي الناس ليصلي بهم، فيأتي عيسى بن مريم ﵇ فيتراجع المهدي؛ لأنه يعلم أحاديث النبي ﷺ ، فيقول لعيسى: أنت إمامنا.
يستنبط من هذا الفعل من المهدي عدة أمور: الأول: أن من أصول أهل السنة والجماعة تقديم الفاضل على المفضول، ولا ينبغي للمفضول أن يتقدم بين يدي الفاضل، أما في هذا الزمان فالمفضول دائماً هو المتصدر والفاضل هو خلف الشمس، وهنا يعلم أن الصحيح الراجح تصدير الفاضل والذي يصدره هو المفضول، فإن عيسى نبي، بل هو من أولي العزم من الرسل؛ فلذلك قدمه المهدي عملاً بقول النبي حيث أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وفوق كل ذي علم عليم، فلذلك يستحق الإمامة الآن سيدنا عيسى ﵇ فقدمه المهدي.
الثاني: أن للإمام الراتب إذا دخل فوجد آخر غيره يصلي بالناس أن يؤخره ويدخل هو مكانه، ويستنبط ذلك من عمل المهدي حيث رجع بنفسه من غير أن يرجعه عيسى، بل وضعه في مكانه، وهناك إشارة من فعل أبي بكر ﵁ وأرضاه تعضد هذه المسألة.
الثالث: شرف هذه الأمة، فالله جل وعلا شرف هذه الأمة بأن جعل أفضل الأنبياء يصليان خلف آحاد الأمة، فالنبي محمد ﷺ صلى خلف أبي بكر وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف، وعيسى من أولي العزم من الرسل صلى خلف المهدي قال: (إمامكم منكم تكرمة الله لهذه الأمة).
стр. 142
الأعمال التي يقوم بها عيسى بعد نزوله
عندما ينزل عيسى ﵇ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل الجزية ويقاتل على الإسلام.
وكتب الله لعيسى أنه إذا خرج فلا يتنفس نفساً فيصل إلى أحد من الكفار إلا ويموت، وهذه قوة خارقة وهبها الله جل وعلا لعيسى، فنفسه يكون مد بصره، فإذا استنشقه أو شمه كافر فإنه يموت؛ ولذلك يذهب خلف الدجال، فإذا رآه ذاب كما يذوب الملح في الماء، ثم يقتله ﵇ ويريح البشرية من هذا الشر العظيم.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩] ومعنى: (قبل موته) أي: بعد نزول عيسى ﵇ حكماً عدلاً مقسطاً.
стр. 143
خروج يأجوج ومأجوج
إن خروج يأجوج ومأجوج من الفتن العظيمة التي بينها النبي ﷺ ، فقد قام ﵊ من نومه فزعاً وقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، لقد فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج قدر الدرهم) وقد بين النبي ﷺ أنهم كل يوم يأتون الجدار ليهدموه، فإذا كان آخر النهار قالوا: غداً سنخرج على بني آدم.
وهنا يعلم أن الله جل وعلا إذا أذن لشيء أعد له الأسباب المؤدية إليه، فهم بعد مقاربتهم هدم الجدار آخر النهار يقولون: غداً نخرج على بني آدم ولم يقولوا: إن شاء الله، فيرجعون في اليوم الثاني فيجدونه كما كان، حتى إذا أذن الله جل في علاه بخروج يأجوج ومأجوج يجعلهم يقولون: غداً إن شاء الله سنخرج على بني آدم، ولو أنهم قالوا: إن شاء الله من بداية الأمر لكان دركاً لأمرهم، لكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فيخرجون يأكلون كل أخضر ويابس؛ حتى إن أولهم يكون عند بحيرة طبرية فيشربون الماء وهم عطشى ويأتي الآخر منهم ويرى جفافاً فيقول: كان هنا ماء، فلا يأتون على أخضر ولا يابس إلا ويزيلونه من وجه البسيطة.
ثم إنهم بعدما ينتهون من قتال أهل الأرض يبتلون بأن يضربوا الرمح أو النبل في السماء فيفتنهم الله جل وعلا بأن ينزل هذا النبل وفيه الدماء، فيقولون: انتهينا من أهل الأرض وقتلنا أهل السماء، نعوذ بالله من الخذلان! فيأمر الله عيسى نبيه أن يأخذ المؤمنين ويذهب بهم إلى جبل الطور، فيدعو عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم أن ينجيهم الله من هذه الفتنة العظيمة؛ لأن الله قد أوحى إليه أنه سيخرج بشر خلقهم الله لا يدان لهم أحد، أي: لا يستطيع أحد على قتالهم ولا أن يجابههم، فيقبل الله دعاء المؤمنين فيقتل هؤلاء، وتأتي طير فتأخذهم إلى البحار حتى لا يضروا بني آدم، ثم يعيش الناس في نعيم ورغد من العيش حتى يأذن الله بخراب هذه الدنيا وقيام القيامة.
стр. 144
خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها
ومن علامات الساعة: خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، أما خروج الدابة فتأتي لتختم الناس على مناخرهم، فتفرق بين المؤمن وبين الكافر، حتى إن الرجل يتعامل مع الآخر في البيع والشراء، يقول: اشتريت من المنافق الفلاني كذا، واشتريت من الكافر الفلاني كذا، فيعرف بين يفرق بين المؤمن وبين الكافر، ثم بعد ذلك تطلع الشمس من مغربها، والنبي ﷺ لم يبين بالتفصيل أيهما تظهر أولاً الشمس أم الدابة؟ وإنما ذكر النبي ﷺ أن الأولى إذا خرجت فعلى إثرها تخرج الأخرى.
وهذه من العلامات الكبرى؛ لأن الشمس إذا طلعت من مغربها فإنه لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
стр. 145
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - عذاب القبر ونعيمه
مذهب أهل السنة والجماعة أن للقبر عذاباً ونعيماً، فهو أول منازل الآخرة الذي إذا نجا الإنسان من عذابه فقد نجا من عذاب الآخرة، وإذا فاز الإنسان بنعيمه فاز بنعيم الآخرة، وأدلة عذاب القبر ونعيمة ثابتة بالكتاب والسنة والعقل، ومن عباد الله من يؤمنه الله من عذاب القبر، ومنهم: الشهداء والصديقون، فهي ميزة خاصة بهم؛ لظهور صدقهم في بيع أنفسهم لله .
следующие страницы →