← Акыда

Акыда · id 37673

شرح لمعة الاعتقاد - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (222 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأحكام المستنبطة من تراجع المهدي لعيسى ﵇ ليصلي بهم قلنا: فيصف المهدي الناس ليصلي بهم، فيأتي عيسى بن مريم ﵇ فيتراجع المهدي؛ لأنه يعلم أحاديث النبي ﷺ ، فيقول لعيسى: أنت إمامنا. يستنبط من هذا الفعل من المهدي عدة أمور: الأول: أن من أصول أهل السنة والجماعة تقديم الفاضل على المفضول، ولا ينبغي للمفضول أن يتقدم بين يدي الفاضل، أما في هذا الزمان فالمفضول دائماً هو المتصدر والفاضل هو خلف الشمس، وهنا يعلم أن الصحيح الراجح تصدير الفاضل والذي يصدره هو المفضول، فإن عيسى نبي، بل هو من أولي العزم من الرسل؛ فلذلك قدمه المهدي عملاً بقول النبي حيث أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وفوق كل ذي علم عليم، فلذلك يستحق الإمامة الآن سيدنا عيسى ﵇ فقدمه المهدي. الثاني: أن للإمام الراتب إذا دخل فوجد آخر غيره يصلي بالناس أن يؤخره ويدخل هو مكانه، ويستنبط ذلك من عمل المهدي حيث رجع بنفسه من غير أن يرجعه عيسى، بل وضعه في مكانه، وهناك إشارة من فعل أبي بكر ﵁ وأرضاه تعضد هذه المسألة. الثالث: شرف هذه الأمة، فالله جل وعلا شرف هذه الأمة بأن جعل أفضل الأنبياء يصليان خلف آحاد الأمة، فالنبي محمد ﷺ صلى خلف أبي بكر وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف، وعيسى من أولي العزم من الرسل صلى خلف المهدي قال: (إمامكم منكم تكرمة الله لهذه الأمة).

стр. 142

الأعمال التي يقوم بها عيسى بعد نزوله عندما ينزل عيسى ﵇ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل الجزية ويقاتل على الإسلام. وكتب الله لعيسى أنه إذا خرج فلا يتنفس نفساً فيصل إلى أحد من الكفار إلا ويموت، وهذه قوة خارقة وهبها الله جل وعلا لعيسى، فنفسه يكون مد بصره، فإذا استنشقه أو شمه كافر فإنه يموت؛ ولذلك يذهب خلف الدجال، فإذا رآه ذاب كما يذوب الملح في الماء، ثم يقتله ﵇ ويريح البشرية من هذا الشر العظيم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩] ومعنى: (قبل موته) أي: بعد نزول عيسى ﵇ حكماً عدلاً مقسطاً.

стр. 143

خروج يأجوج ومأجوج إن خروج يأجوج ومأجوج من الفتن العظيمة التي بينها النبي ﷺ ، فقد قام ﵊ من نومه فزعاً وقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، لقد فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج قدر الدرهم) وقد بين النبي ﷺ أنهم كل يوم يأتون الجدار ليهدموه، فإذا كان آخر النهار قالوا: غداً سنخرج على بني آدم. وهنا يعلم أن الله جل وعلا إذا أذن لشيء أعد له الأسباب المؤدية إليه، فهم بعد مقاربتهم هدم الجدار آخر النهار يقولون: غداً نخرج على بني آدم ولم يقولوا: إن شاء الله، فيرجعون في اليوم الثاني فيجدونه كما كان، حتى إذا أذن الله جل في علاه بخروج يأجوج ومأجوج يجعلهم يقولون: غداً إن شاء الله سنخرج على بني آدم، ولو أنهم قالوا: إن شاء الله من بداية الأمر لكان دركاً لأمرهم، لكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فيخرجون يأكلون كل أخضر ويابس؛ حتى إن أولهم يكون عند بحيرة طبرية فيشربون الماء وهم عطشى ويأتي الآخر منهم ويرى جفافاً فيقول: كان هنا ماء، فلا يأتون على أخضر ولا يابس إلا ويزيلونه من وجه البسيطة. ثم إنهم بعدما ينتهون من قتال أهل الأرض يبتلون بأن يضربوا الرمح أو النبل في السماء فيفتنهم الله جل وعلا بأن ينزل هذا النبل وفيه الدماء، فيقولون: انتهينا من أهل الأرض وقتلنا أهل السماء، نعوذ بالله من الخذلان! فيأمر الله عيسى نبيه أن يأخذ المؤمنين ويذهب بهم إلى جبل الطور، فيدعو عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم أن ينجيهم الله من هذه الفتنة العظيمة؛ لأن الله قد أوحى إليه أنه سيخرج بشر خلقهم الله لا يدان لهم أحد، أي: لا يستطيع أحد على قتالهم ولا أن يجابههم، فيقبل الله دعاء المؤمنين فيقتل هؤلاء، وتأتي طير فتأخذهم إلى البحار حتى لا يضروا بني آدم، ثم يعيش الناس في نعيم ورغد من العيش حتى يأذن الله بخراب هذه الدنيا وقيام القيامة.

стр. 144

خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها ومن علامات الساعة: خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، أما خروج الدابة فتأتي لتختم الناس على مناخرهم، فتفرق بين المؤمن وبين الكافر، حتى إن الرجل يتعامل مع الآخر في البيع والشراء، يقول: اشتريت من المنافق الفلاني كذا، واشتريت من الكافر الفلاني كذا، فيعرف بين يفرق بين المؤمن وبين الكافر، ثم بعد ذلك تطلع الشمس من مغربها، والنبي ﷺ لم يبين بالتفصيل أيهما تظهر أولاً الشمس أم الدابة؟ وإنما ذكر النبي ﷺ أن الأولى إذا خرجت فعلى إثرها تخرج الأخرى. وهذه من العلامات الكبرى؛ لأن الشمس إذا طلعت من مغربها فإنه لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.

стр. 145

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - عذاب القبر ونعيمه مذهب أهل السنة والجماعة أن للقبر عذاباً ونعيماً، فهو أول منازل الآخرة الذي إذا نجا الإنسان من عذابه فقد نجا من عذاب الآخرة، وإذا فاز الإنسان بنعيمه فاز بنعيم الآخرة، وأدلة عذاب القبر ونعيمة ثابتة بالكتاب والسنة والعقل، ومن عباد الله من يؤمنه الله من عذاب القبر، ومنهم: الشهداء والصديقون، فهي ميزة خاصة بهم؛ لظهور صدقهم في بيع أنفسهم لله .

стр. 146

القبر أول منازل الآخرة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. القبر أول منازل الآخرة، ومن سعد في قبره فالسعادة أكمل وأتم في الآخرة، ومن كان عليه الأمر شاقاً جداً فهو أشق وأشد وأنكى في الآخرة، كما وصلنا عن عثمان بسند صحيح أنه بين أن القبر أول منازل الآخرة، فإن كان يسيراً فما بعده أيسر، وإن كان شاقاً كان ما بعده أشق على الإنسان، فعلى الإنسان أن يستعد لدخول هذا المكان الضيق، فإن القبر هو البيت الذي سيكون مبيته حتى يوم القيامة، والقبر له فتنة، والكلام عن القبر من وجهين: الوجه الأول: الفتنة التي تكون في القبر، وهي ثابتة بالكتاب وثابتة بالسنة، أما بالكتاب فبالإشارة، وأما بالسنة فبالتصريح، والفتنة هي سؤال الملكين للرجل، يأتيان إليه فيقعدانه فيسألانه: من ربك؟ ما دينك؟ ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ وهي ثابتة في الكتاب، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، هذا التثبيت لا يكون إلا عند محل الفتنة، والفتنة معناها: الاختبار، والحكمة من الفتنة: هو اختبار صدق هذا المقبور الذي مات على مسمى الإسلام هل هو بحق وبصدق أسلم لله واستسلم لأوامر الله، وكان مصدقاً بوعد الله ووعيد الله وبوعد النبي وبوعيد النبي ﷺ أم لا؟ فيختبر اختباراً شديداً عندما يوضع في قبره، ويضم عليه، ويفتن فيه فتنة شديدة. قال الله تعالى: ((يُثَبِّتُ اللَّهُ))، وهذه بشارة من أهم البشارات لصحابة رسول الله ﷺ عندما علموا بفتنة القبر وارتجفت قلوبهم، بشرهم الله بالتثبيت، اللهم اجعلنا من الذين تثبتهم في القبر يا رب العالمين، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، والقبر أول منازل الآخرة، فالتثبيت في أول منازل الآخرة هو أن يطلق لسانه، وأن يقول: ربي الله ونبيي محمد ﷺ وديني الإسلام، والدلالة من السنة الصريحة على فتنة القبر حديث أسماء ﵂ وأرضاها (تفتنون في قبوركم قريباً من فتنة الدجال)، تفتنون أي: تسألون، وفسرها حديث النبي ﷺ الطويل الذي رواه البراء عندما يدفن المرء يولي عنه أصحابه ومن معه ويسمع قرع نعالهم، فإن الملكين يأتيانه فيسألانه، كما قال النبي ﷺ : (فيقعدانه فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وماذا تقول في النبي الذي بعث فيكم؟).

стр. 147

الناجون من فتنة القبر ففتنة القبر تعني السؤال في القبر، والحكمة من هذه الفتنة: اختبار صدق هذا الميت، والحكمة هذه تجعلنا نتكلم عن مسألة مهمة: هل هناك أحد يعفى من هذه الفتنة ومن هذا الاختبار الشديد؟ نقول: الاستثناءات لا تكون إلا بدليل؛ لأنها من الغيبيات، إذاً: نقول: هل هناك أحد يعصمه الله من هذه الفتنة؟ الجواب الذين عصموا من هذه الفتنة هم الشهداء، جعلنا الله جميعاً وإياكم من الشهداء الذين تراق دماؤهم تحت راية شريفة عفيفة كريمة لا تقبل إلا دماً شريفاً عفيفاً كريماً. والشهداء من الخصال التي ميزهم الله عن غيرهم بها أنهم لا يفتنون في قبورهم، فلا يأتي الملك فيسأل الشهيد: من ربك؟ ما دينك؟ ماذا تقول في هذا الرجل؟ وقد بين النبي ﷺ الحكمة من ذلك فقال: (كفى ببارقة السيوف فتنة)، فهذه دلالة على أنهم ببارقة السيوف قد باعوا أنفسهم صدقاً لله جل في علاه، فأظهروا صدقهم ببيع النفس رخيصة من أجل إعلاء كلمة الله جل في علاه، فكوفئوا جزاء وفاقاً وأجراً طباقاً أنهم لا يختبرون في قبورهم؛ لأنهم قد بينوا صدقهم في هذه الدنيا فأعقبهم خيراً عميماً وهو عدم السؤال في القبر، اللهم اجعلنا من هؤلاء الأموات. وكذلك لا يتعرض لفتنة القبر من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، وهؤلاء أيضاً من الذين يعدهم الله بالنجاة من عذاب القبر، وكذلك الصادقون. وهناك مسألة مهمة جداً وهي: أن الشهيد لا يسأل لأنه قد أظهر صدقه، وكذلك الصديق لا يسأل في قبره؛ لأنه أعلى درجة من الشهيد؛ لأن النبي ﷺ بين فضل الشهادة؛ لأنه قد أظهر صدقه لله وباع نفسه رخيصة، والصديق: هو الذي ما أتاه أمر من أوامر الله أو أمر من أوامر النبي ﷺ إلا وصدق به، فهو المقدم في أن يؤمن الفتنة ولا يسأل في قبره، نظراً للحكمة. فالحكمة في سؤال المرء الذي يختبر هو اختبار الصدق، والشهيد قد بين صدقه، فمن باب أولى ألا يسأل الصديق؛ لأنه قد أظهر صدقه في هذه الدنيا، فقياسها قياس أولى وجلي، والأسلم والأحوط أن نبقى مع الأدلة، وندور معها حيث دارت، فنقول: أبو بكر الصديق على العموم يمكن أن يسأل في القبر مع أنه صديق هذه الأمة؛ لعموم الأدلة عن النبي ﷺ ، والنبي ﷺ لما استثنى الشهيد لم يستثن الصديق، فالصحيح الراجح: أن نقف عند الأدلة، إذاً: فتنة القبر يسلم منها ستة أعلاهم أو سيدهم هو الشهيد.

стр. 148

نعيم القبر وعذابه وثبوتهما بالكتاب والسنة والعقل بالنسبة لعذاب القبر ونعيمه قد ثبت بالكتاب وبالسنة وبالعقل، أما بالكتاب فآيات كثيرات: منها قول الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ [السجدة:٢١] وهو عذاب القبر، وهذا الذي فسره كثير من المفسرين، قالوا: العذاب الأدنى هو عذاب القبر، والعذاب الأكبر هو عذاب يوم القيامة. أيضاً من الأدلة من القرآن على عذاب القبر قول الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦]، أي: النار يعرضون عليها في القبر ليل نهار، غدواً وعشياً، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. ومن الأحاديث الصريحة في ذلك حديث النبي ﷺ الطويل الذي رواه البراء وفيه أن الملك يسأل الميت فإذا قال: هاه هاه لا أدري، قلت مثلما قال الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت، وفي بعض الروايات قال: (فيضرب بمطرقة يسمعها كل مخلوق إلا الثقلين)، وهذه دلالة على عذاب القبر. وأيضاً ما ورد في قصة ابن عمر في مسند أحمد -وقد تقدم ذكر القصة- أنه بات ليلة فسمع رجلاً من الأموات يصرخ من عذاب القبر فلما سمع ابن عمر ذلك فزع، فذهب فقص على النبي ﷺ هذه القصة، فنهى النبي ﷺ عن سفر الإنسان وحده، إذ كان هذا العاتي يتبول ولا يستنزه من بوله، وأيضاً جاءه رجل يريد أن يشرب فقال: اذهب إلى هذه الشن المعلقة، وكان تحتها بئر فذهب ليشرب فوقع الرجل فمات، فلما مات عذب في قبره بهذه المصيبة وبهذه الجناية والجناية الأخرى وهي البول، فكان يصرخ صراخاً شديداً في الليل فيقول: شن وما شن؟ بول وما بول؟ أي أنه عذب بذلك، وهذا أيضاً فيه دلالة واضحة على عذاب القبر ونعيمه، وأصح من ذلك ما جاء أن المؤمن يقال له بعد السؤال ( أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة وألبسوه من لباس الجنة، فيأتيه من طيبها وريحها)، اللهم اجعلنا كذلك يا رب العالمين، وأما الفاسق والعياذ بالله فإنه يقال: (أن كذب عبدي فألبسوه من النار، ويفتح له باب من النار، فيأتيه من سمومها وحرها)، والعياذ بالله! ومن الأدلة على عذاب القبر: (مر النبي ﷺ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبي، فأما الأول فكان يمشي بين الناس الناس بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، وأيضاً حديث: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)، لأنكم ستفزعون ولا تدفنوا موتاكم بعد ذلك، وهذا أيضاً فيه دلالة من السنة الصريحة على عذاب القبر، وويل ثم ويل لمن أنكر عذاب القبر ونعيمه، فقد ورد في الصحيحين (أن النبي ﷺ كان يتعوذ من أربع، منها: عذاب القبر). ومن الأدلة على عذاب القبر ونعيمه حديث المعراج حينما صعد النبي ﷺ إلى السماء، ورأى الفظاعة كلها، ورأى أعاجيب، أما الأول فكان يضرب بالحجر حتى يشق جسده، والآخر بالكلاليب على فمه، ومنهم من كان يسبح في نهر من الدماء ورجل واقف على النهر كلما اقترب فغر فاه فألقمه حجراً فيرجع كما كان، ورأى تنوراً فيه النساء والرجال الزناة يضجون، وأصواتهم عالية، فكان النبي ﷺ يستوقف جبريل، فيقول جبريل: هذا آكل الربا، وهذا الذي كان يمشي بين الناس بالنميمة، وهذه التي كانت تفعل الفاحشة، فهذه دلالة واضحة على أن النبي ﷺ رأى هؤلاء في عذاب القبر، وفيه دلالة واضحة على أن القبر له عذاب وله نعيم.

стр. 149

هل عذاب القبر ونعيمه على الروح أم على الجسد أم عليهما تتعلق بالقبر مسألة ثالثة وهي: عذاب القبر ونعيمه هل هو على الروح أم على الجسد؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه على الروح فقط. القول الثاني: أنه على الجسد فقط. القول الثالث: أنه على الروح وعلى الجسد، أما الذين قالوا: إنه على الروح فقط فمنهم ابن حزم، وابن حزم ليس من أهل السنة والجماعة في باب العقيدة، ففي عقيدته كلام، وهو من أساطين أهل العلم، يغفر الله له ذلك، فيرى أن العذاب والنعيم يكون على الروح فقط، ومنهم من يرى أن العذاب يكون على الجسد في أول ما يدخل وانتهى الأمر. والصحيح في ذلك ما قرره شيخ الإسلام وهو منهج أهل السنة والجماعة: أن العذاب والنعيم يكون على الروح وعلى البدن، يكون على الروح تارة وعلى البدن تارة، لكن الأصل: أن يكون العذاب والنعيم على الروح لا على الجسد، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر معلقة في قناديل على العرش يسرحون أو يأوون إلى أشجار الجنة). وأيضاً أرواح المؤمنين تعلق بذلك. فالأصل في النعيم أن يكون على الروح، والأصل في العذاب أن يكون على الروح، وتارة يكون على الروح والبدن، فهو تارة يكون على الروح وتارة على البدن وتارة على الروح والبدن معاً، أما الدليل على وقوعه على الروح والبدن معاً ما جاء أن الكافر عندما ينزل إلى قبره ويسأل فيضرب بالمطرقة فيكون هذا على الروح وعلى البدن؛ لأن الله يرجع إليه الروح حتى يقعد ويجيب عن أسئلة الملكين، ويكون على الروح كما جاء في حديث الشهداء، ويكون على البدن ومنه السموم وغيره الذي يأتي البدن في القبر. إذاً: العذاب يكون على الروح تارة، وعلى البدن تارة، ويكون على الروح مع البدن تارة، والأصل: أن العذاب والنعيم يكون على الروح دون البدن، فيكون العذاب على الروح والبدن عارضاً وليس أصلياً، وبهذا نهاية الكلام على عذاب القبر. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 150

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - تابع فصل في السمعيات القبر أول منازل الآخرة كما أخبر النبي ﷺ ، وبعده يأتي النفخ في الصور، ثم الصعق، ثم البعث والنشور، ثم الحساب والقضاء بين العباد، وأول ما يقضى فيه بين العباد هو الدماء، وفي الحساب توزن الأعمال، ثم تتطاير الصحف، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله نسأل الله السلامة والنجاة.

стр. 151

إنكار بعض أهل البدع لعذاب القبر ونعيمه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فقد انتهينا من الكلام عن عذاب القبر، وبينا أن عذاب القبر واقع لا محالة ولا مرد له، وأنه ثابت بالكتاب والسنة، وبينا أن العلماء اختلفوا في عذاب القبر: هل يقع على الروح، أم على الجسد، أم على البدن والروح معاً؟ وبينا أن الراجح: أن العذاب والنعيم يقعان على الروح في الأصل، وتارة يكون على البدن وحده، وتارة على الروح والبدن.

стр. 152

أدلة القائلين بنفي عذاب القبر ونعيمه والرد عليهم وقد قال بعض أهل البدع بنفي العذاب والنعيم في القبر، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، منها: قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر:١١] قالوا: فلو قلتم بوجود عذاب القبر لخالفتم ظاهر الآية، وقالوا أيضاً: إن عندنا من النظر ما يرد هذا العذاب وهذا النعيم الذي تزعمونه، وهذا كما يحدث في كثير من المسلسلات التي يتجرءون فيها على مسائل عذاب القبر ونعيمه، بل يتغنون بالانتقاد على الإخوة الذين يحذرون من عذاب القبر أو يبشرون بنعيم القبر، والكثير من الذين أنكروا عذاب القبر ونعيمه يتعلقون بحجج واهية، ولكن لا بد من متقن يبين كيفية ضعف هذه الأدلة. فقالوا في الدليل الثاني: وكيف يسأل أو يعذب أو ينعم من أكلته السباع أو الكلاب ولم يدخل القبر أصلاً؟ وقالوا أيضاً: إننا نجلس بجانب القبر ونمكث مدة طويلةً لنسمع العذاب أو النعيم أو السؤال فلا نسمع شيئاً، وإذا كانت القبور بين منعم ومعذب أفلا يصيب عذاب الفاجر المؤمن فيكدر نعيمه وهناءه؟ فهذه شبه يطرحونها على مثبتي عذاب القبر ونعيمه، وسيكون الرد عليها في نهاية الدرس بمشيئة الله ﵎.

стр. 153

النفخ في الصور وأقسامه وسنتكلم اليوم عن اللحظات الحرجة التي يمر بها الإنسان بعد دخوله القبر، فبعد أن يدخل صاحب القبر في قبره، ويدخل الكثير من الناس إلى مقتبل الآخرة، فإن الله جل في علاه لا يبقي في هذه الدنيا إلا شرار الخلق، كما جاء في الحديث: (فلا يبقى في الأرض من يقول: الله الله!) فحينئذ يأمر الله جل في علاه إسرافيل وهو ملك من الملائكة المقربين الذي التقم القرن، والقرن: هو الصور العظيم الذي ينفخ فيه الملك فيصعق من في السماوات ومن في الأرض ويموت الجميع، فإن الله يأمر إسرافيل فينفخ في الصور نفخة واحدة يصعق منها كل إنسان. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وانتظر أن يؤذن له فينفخ في الصور)، وقد كان النبي ﷺ يخشى كل الخشية على أمته؛ لأن النفخ في الصور ليس بالهين، فهو يؤذن برحيل الدنيا والإقبال على الله جل في علاه للحساب وما فيه من الأيام العصيبة. وفي هذا دلالة على عظم خلق إسرافيل ﵇ وقوته؛ ففي صيحة واحدة يهلك من في السماوات ومن في الأرض، وفي نفخة أخرى يخرج الناس من قبورهم أحياء إلى ربهم. وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، أما بالكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] وهذه النفخة هي نفخة الصعق؛ ولذلك استثنى سبحانه فيها، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، وبعد أن يميت الله الخلق بهذه النفخة فإنه يأمر السماء أن تمطر مطراً كالطل، أي: كالمني، فتمطر مطراً كالطل وقد بليت الأجساد وبقي منها عجب الذنب فقط، فإذا نزل المطر نبتت الأجساد كما كانت -ويكون هذا المطر قبل النفخة الثانية- فإذا نفخ إسرافيل النفخة الثانية إذا هم قيام إلى ربهم ينظرون، وهذا من الكتاب. أما من السنة: فقد قال النبي ﷺ : (ثم ينفخ إسرافيل في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً) أي: يرفع عنقه ليسمع ثم يصعق فيموت، قال: (فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً) ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم ينزل الله مطراً كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا قيام ينظرون. إذاً: النفخ مرتان فقط، وهو هذا الراجح الصحيح، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية قد رجح أن النفخ في الصور ثلاث نفخات، والصحيح أنهما نفختان لظاهر الكتاب والسنة، فنفخة يصعق بها من في السماوات والأرض أموات غير أحياء، ثم النفخة الأخرى بعد أن يأمر الله السماء فتمطر هذا المطر فإذا هم قيام إلى ربهم ينظرون، ثم يبعثهم الله جميعاً، وهذا البعث ثابت أيضاً بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.

стр. 154

البعث والنشور البعث لغة: هو الإرسال والنشر. وشرعاً: هو إحياء الموتى يوم القيامة، فسيبعث الله جل وعلا الخلائق رداً على هؤلاء المكذبين لهذه الحقيقة التي لا محيد عنها، والويل كل الويل لمن يعلم أنه سيقف أمام ربه فيسأله عن كل صغيرة وكبيرة، دقيقة وجليلة، ويسأله عن ماله ونفسه، وعن ولده وزوجه وعن أبيه وأمه، وعن كل شيء حتى نفسه، وقد قال أبو موسى ﵁ وأرضاه متعجباً: ثلاث أضحكتني حتى أبكتني وذكر منها: وضاحك ملء فيه والموت يطلبه، فهل للإنسان أن يضحك ملء فيه وهو يعلم أنه سيبعث، وأنه سيقف أمام ربه، وأنه سيحاسب على كل صغيرة وكبيرة؟ فنسأل الله أن يجعلنا نعتقد هذا الاعتقاد الجازم ونعمل به وله؛ لأنه على الإنسان أن يتهيأ لهذا الموقف العظيم. والبعث ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، فلا بد من البعث والنشور، وقال الله جل في علاه: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]. وأما السنة: ففي السنن أن النبي ﷺ قال: (يحشر الله الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرص نقي ليس فيها علم لأحد). أما من الإجماع: فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن الله يعيد الخلق كما بدأه، وأن الله يجمع الخلائق يوم القيامة، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا جميعاً لله جل في علاه كرجل واحد. أما صفة الخروج والبعث: فإن الله جل في علاه يرد الخلق كما بدأهم، أي: كما كانوا في بطون أمهاتهم، فإن الله يخرجهم بعثاً جديداً على هذه الهيئة، كما بين الله جل في علاه فقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ونستنبط من هذه الآية فائدة مهمة: وهي إثبات البعث بالقياس؛ فإن الله تعالى يقيس في هذه الآية الإعادة على الابتداء، ويسمى هذا القياس: قياساً جلياً من باب الأولى؛ لأن الإعادة أهون على الله من الابتداء، فكما أن الله جل في علاه خلق الإنسان من عدم فسيعيده بعثاً يوم القيامة وهو أهون عليه، وأنت في حياتك الواقعية قد ترى النجار يصنع من الخشب مكتبة للكتب، فإذا تكسرت المكتبة أو تعثرت سهل على النجار إعادة إصلاحها؛ لأن الإعادة أهون عليه من ابتداء صنعها، ولله المثل الأعلى، فالله ﵎ يبين لنا ذلك بقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]. ويستنبط من هذه الآية العظيمة أيضاً: أن الإنسان سيبعث كما ولد، كما قال النبي ﷺ مفسراً لنا إجمال هذه الآية: (يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً) يعني: غير مختونين، فإن الجلدة التي تبعد في الختان تعود كما كانت عليه وهو أيسر على الله جل في علاه.

стр. 155

الحساب وهذا الحشر طريقه إلى الموقف العظيم ألا وهو الحساب، فإن الله يبعث الناس يوم القيامة ويحشرهم للحساب؛ ولذلك يقول الحافظ ابن كثير: إن الفقيه الأريب من يعلم أن الله جل وعلا عندما يترك الناس يتصارعون، فمنهم الظالم، ومنهم المظلوم، ومنهم السارق، ومنهم المسروق، ثم يموت المظلوم والمسروق والظالم والسارق دون أن يؤخذ حقهما، فإنه يعلم علم اليقين أن ثمة يوماً آخر وهو يوم القيامة للإنصاف والأخذ بحق المظلوم والمسروق وغيرهما؛ لأن الله الحكم العدل لا يتصور منه الظلم أبداً، فلابد أن تؤدى الحقوق إلى أصحابها، وفي هذا دلالة على حقيقة القيامة والمثول بين يدي الجبار جل في علاه، وهذا قياس بديع جداً. إذاً: فلابد من البعث والنشور، ولابد من الحساب بعدهما، فسيحاسب كل امرئ على عمله، على الكلمة، على الضحكة، على النفقة، على كل شيء، وقد بين النبي ﷺ ذلك بقوله: (لن تزول قدما عبد من أمام الله جل في علاه حتى يسأل عن أربع: عن ماله كيف اكتسبه وفيما أنفقه، وعن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به)، فلن تزول قدم عبد حتى يسأل عن هذه الأربع. وقد تكفل الله جل في علاه بعد البعث بالحساب، وليس لأحد دونه إلا البلاغ فقط، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]، وقال جل في علاه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦] فالحساب على الله جل في علاه وهو الحكم العدل.

стр. 156

كيفية الحساب وهذا الحساب الثابت في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة له أمور عديدة: الأمر الأول: كيفية محاسبة الله تعالى للخلق؛ فأقول: إن محاسبة الخلق أجمعين تكون كمحاسبة الرجل الواحد، وقد اندهش الصحابة لذلك وسألوا النبي ﷺ عن ذلك، فبين لهم وقال: (إنكم كما تسمعون صوته كرجل فسيحاسبكم كرجل واحد)، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن النبي ﷺ قد فصله بقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فيذكره ويقول: عبدي! تذكر ذنب كذا يوم كذا، تذكر فعل كذا يوم كذا) والعبد يقر ولا يستطيع أن يرد على الله جل في علاه ولا أن يكذب؛ لأن الله جل في علاه يختم على الفم فتنطق الأيدي والأرجل بما كسبت، قال: (فينظر أيمن منه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر بين عينيه فلا يرى إلا النار، فيظن أنه قد هلك، فيأتي الله جل في علاه للمؤمن الذي زل فيقول: عبدي! أنا قد سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم). ولذلك كان النبي ﷺ كثيراً ما يدعو ويقول: (اللهم حاسبني حساباً يسيراً) فلما سئل النبي ﷺ عن الحساب اليسير قال: (ينظر الله جل في علاه في الكتاب فيتجاوز عنك)، فيغفر لك الله جل وعلا هذه الزلات كما سترها عليك في الدنيا، اللهم استر علينا في الدنيا، واغفر لنا في الآخرة. إذاً: فالحساب حسابان: حساب يسير وحساب عسير، أما الحساب اليسير: فهو على المؤمنين بأن ينظر الله جل في علاه في كتب المؤمنين ثم يغفر لهم زلاتهم. أما لحساب العسير والعياذ بالله: فهي المناقشة كما قال النبي ﷺ لـ عائشة: (من نوقش الحساب عذب)، فالمناقشة: أن يناقشه الله جل في علاه على كل نعمة أنعمها عليه، كنعمة العين ونعمة اليد واللسان والبدن والمال والأهل والولد، فيحاسبه الله على كل نعمة حساباً دقيقاً، ويحاسبه أيضاً على أوقاته وأعماله وعلى كل شيء فعله في هذه الدنيا، فتخبره الأيدي والأرجل، وتطيش الصحائف، فكل إنسان ألزمه الله طائره في عنقه فهو رقيب وحسيب على نفسه، فإذا ناقشه الله الحساب علم يقيناً أنه من أهل النار، نعوذ بالله من ذلك. أما الأمر الثالث الذي يتعلق بمسألة الحساب: فهو أن أول من يحاسب من الأمم هي هذه الأمة العظيمة التي شرفها الله جل في علاه؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وهذه الخيرية عامة في الدنيا والآخرة، أما الخيرية في الدنيا: فالقيادة والريادة والسيادة إن تمسكت بهذا الدين، وأما الخيرية في الآخرة: فهي أول الأمم قضاءً بينهم، وهي أول من يحاسب تشريفاً وتعظيماً وتكريماً لهذه الأمة كما كرم الله وشرف وعظم نبيها بالمقام المحمود، وقد بينا أن لهذه الأمة ثلاث أولويات: أولها: أنها أول أمة تحاسب، كما بينا. ثانيها: أنها أول أمة تعبر الصراط، وما من نبي إلا ويقول عندها: اللهم سلم سلم. الثالثة: أنها أول أمة تدخل الجنة؛ تشريفاً وتعظيماً وتكريماً من الله جل وعلا لهذه الأمة، فهي أول من يحاسب، وأول من يمر على الصراط، كما قال النبي ﷺ : (أنا وأمتي أول من يمر على الصراط)، وأول من يدخل الجنة. وأول حساب يحاسبه المرء: هو القضاء في الحقوق، والحقوق قسمات: حقوق لله وحقوق للعباد، أما حقوق الله: فالصلاة، وهي أول هذه الحقوق بعد التوحيد؛ لأننا نتكلم عن المسلمين، وهي أول ما يحاسب عليه المرء كما بين النبي ﷺ ذلك بقوله: (إذا صلحت صلحت سائر الأعمال، إذا فسدت فسدت سائر الأعمال).

стр. 157

أول ما يقضى بين العباد وأول شيء يحاسب عليه المرء في حقوق العباد: هي الخصومات والدماء، فإذا تجاوز المرء الحساب وكان حسابه يسيراً وقد كتب الله له الجنة فإنه يقف على الصراط، ولا يعبر ولا يمر حتى يقضي الله جل في علاه في الخصومات في هذا المكان والمحل، فكل إنسان له مظلمة عند أخيه حتى الدرهم والدينار فلا بد من القصاص حتى يرى منزله من الجنة أو من النار، وقد قال النبي ﷺ : (من كان له عند أخيه مظلمة فليتحلل؛ فإنه ليس ثمة درهم ولا دينار إنما الحسنات والسيئات)، فيقف الخصم مع خصمه على الصراط ولا يمرا حتى ينظفا من هذه البلايا، فيقضي الله جل في علاه بين هؤلاء المتخاصمين سواء في الدماء، أو في الأموال أو غيرها، لكن أول شيء يقضى فيه بين العباد: هو الدماء. ولذلك جاء في مسند أحمد عن عائشة بسند صحيح قالت: لله ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفره أبداً، وديوان لا يتركه أبداً، وديوان هو في المشيئة، وإذا كان في المشيئة فهو إلى المغفرة أقرب إليه من العقاب؛ لأن الله جل وعلا اتصف بالمغفرة والرحمة. قالت: فالديوان الذي لا يغفره الله أبداً: هو ديوان الشرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. والديوان الذي لا يتركه الله أبداً: هو ديوان المظالم الذي هو حقوق العباد؛ ولذلك لا يعبر أحد الصراط حتى يقتص منه، فعلى كل إنسان له مظلمة عند أخيه أن يتحلل؛ لأن يوم القيامة ليس ثمة درهم ولا دينار كما بين النبي ﷺ ، وقد سأل النبي ﷺ الصحابة ذات يوم فقال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: من لا درهم له ولا دينار، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال، فيجيء وقد سب هذا، وشتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا لم تبق له حسنة واحدة أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) نعوذ بالله من ذلك، فمن كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلل، فإما أن تستسمحه، وإما أن يتنازل عن حقه، فعلى المؤمن أن يتحلل من أخيه بأية وسيلة؛ فعند الله تجتمع الخصوم ويقضى بين العباد.

стр. 158

وزن الأعمال ثم لابد بعد الحساب من زنة الأعمال، فإذا حاسب الله جل وعلا الناس فإن هذه الأعمال بعد المحاسبة توزن بكفة حقيقية، فكفة تكون للحسنات، وكفة تكون للسيئات، فتمام الحساب أن توزن الأعمال أو يوزن العاملون كما سنبين. قال الله تعالى مبيناً لنا حقيقة الميزان يوم القيامة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] وقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٦ - ٨]، فذكر الموازين. وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه يرفعه قال: (أثقل ما يكون في ميزان العبد بعد تقوى الله حسن الخلق)، فحسن الخلق هو أثقل ما يكون في ميزان العبد، والشاهد من الحديث قال: (في ميزان العبد) فهو إثبات لوجود الميزان. كذلك حديث البطاقة الوارد عن النبي ﷺ ، وكيف توضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة أخرى، ففيه دلالة على الميزان أيضاً. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على حقيقة الميزان، وأن الله جل في علاه سيزن أعمال العباد فيه.

стр. 159

حقيقة ما يوزن يوم القيامة وقد اختلف العلماء في حقيقة الموزون: فهل توزن الأعمال أم العباد الذين يعملون هذه الأعمال، أم هي الصحائف التي توزن؟ وهذا الخلاف منبثق عن أدلة جاءت بإثبات كل هذه الأنواع؛ أما الأدلة على وزن الصحائف: فحديث البطاقة، قال: (فتوضع سجلات بالسيئات في كفة، وسجلات الحسنات في كفة، ثم يرى المرء بأنه قد هلك؛ لأن السجلات بالسيئات قد رجحت فيقال له: لك عندنا شيء، فيقول: وما هذا الشيء؟ فيقال: هذه البطاقة، فيقول: وما تنفع هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: لا ظلم اليوم، فيأخذ البطاقة والبطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله) لكن مدار هذه البشارات على القلوب؛ لأن كثيراً من الناس يقولون: لا إله إلا الله وليست لهم هذه الحظوة، وليست لهم هذه البشارة من ثقل بطاقة لا إله إلا الله، (فيضع البطاقة على كفة الحسنات فترجح كفة الحسنات) ففيه دلالة على وزن الصحائف. أما الذين قالوا بوزن العامل نفسه فقد استدلوا بأحاديث كثيرة منها: قول النبي ﷺ : (يؤتى بالرجل السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة)، لضآلة مقداره عند الله جل في علاه، ففيه دلالة على أن الموزون هو العامل نفسه، واستدلوا كذلك بقصة: ابن مسعود ﵁ وأرضاه عندما تسلق الشجرة فنظر أصحاب رسول الله ﷺ فضحكوا من دقة ساقه، فقال النبي ﷺ : (علام تضحكون؟ قالوا: على دقة ساق ابن مسعود، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده إنهما كجبل أحد في الميزان يوم القيامة)، ففيه دلالة كذلك على أن الموزون هو العامل نفسه. وأما الذين قالوا بوزن العمل فقط فقد استدلوا بأحاديث كثيرة منها: قوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان)، وهذا وجه الشاهد؛ فقد بين أن هذه الكلمة: (سبحان الله وبحمده) ثقيلة في الميزان؛ فدل ذلك على الموزون هي الأعمال ذاتها. والصحيح الراجح في ذلك: هو الجمع بين هذه الأقوال، فنقول: إن المرء سيوزن؛ تقديراً وتعظيماً وتشريفاً للمؤمن؛ ليبين الله كرامة المؤمن عليه، ويبين أيضاً حقارة المنافق الفاسق الفاجر عليه. أما بالنسبة للأعمال والصحائف فإننا نقول جمعاً بين هذه الروايات: إن الصحائف ستوزن، فإذا وزنت الصحائف فمن باب أولى أن توزن الأعمال؛ لأن الصحائف تتضمن أعمال العباد. إذاً: الراجح: أن المرء يوزن وكذلك الصحائف المتضمنة للأعمال والله أعلم.

стр. 160

تطاير الصحف ثم لابد بعد أن يرى السعيد سعادته بتثقيل الله سبحانه لميزان حسناته ينشر الله الدواوين والكتب، فينادى على أهل اليمين فيأخذون الكتب باليمين، وينادى على أهل الشمال -والعياذ بالله- فيأخذون الكتب بالشمال، وترى الفرحة والسرور والبهجة على أهل اليمين، وترى الويل والثبور على أهل الشمال، فيقول قائل أهل اليمين: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]، اللهم اجعلنا ممن يأخذ كتابه بيمينه، قال تعالى: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:٩]، أما الآخر والعياذ بالله فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦]، وهذا الذي ينقلب بالويل والثبور فيأخذ كتابه بشماله، نعوذ بالله أن نكون منهم. وفي الحديث عن عائشة ﵂ وأرضاها -وقد ذكره الشارح على ضعف فيه لكنه يستأنس به- قالت: (سألت النبي ﷺ : هل تذكرون أهليكم؟ قال: أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟ وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه: في يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجاوز). ولذلك قال بعض السلف: ما من امرأة إلا وتقول لوليدها: أي بني! ألم تكن لك بطني وعاء؟ ألم يكن لك حجري غطاء؟ ألم يكن لك ثديي سقاء؟! أي بني! أحتاج إلى حسنة واحدة، فيقول: أي أماه! إليك عني فإني أحتاج إليها هذا اليوم، أو يقول: إني لها أحوج، وهذا مصداق لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٥] نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 161

حوض النبي ﷺ ثم يذهب أهل السعادة والشقاوة بعدها إلى حوض النبي ﷺ بسبب العطش الذي أصابهم، وقد اختلف العلماء في الترتيب بين الحوض والصراط: أيهما قبل الآخر؟ والغرض المقصود: هو الإيمان بالغيبيات؛ لأن هذا هو محل التفريق بين العباد؛ لأن الله جل وعلا أناط الخير والفلاح بالإيمان بالغيب فقال: (الم) [البقرة:١] إلى أن قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] ثم قال بعدها: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥]، فأناط الله الفلاح بالإيمان بالغيب. وتمام الإيمان بالغيب رداً على المعتزلة: الإيمان بحوض النبي ﷺ ، وهو الحوض العظيم الذي اختص الله به نبيه ﷺ ، وإن كان لكل نبي حوض، لكن هذا الحوض له من الخصوصية والكرامة والعظمة والبهاء والجمال والحلاوة، فإذا نظرت إلى حوض النبي ﷺ فستجد أن زواياه متساوية، فطوله شهر وعرضه شهر، فكأن حوض النبي ﷺ بشكل مربع، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يشرب منه، فيحصل بذلك العدل والتساوي حتى في الشرب والوقوف، فلا يحجب أحد عن رؤيته دون أحد؛ لأنه مربع متساوي الأضلاع. أما بالنسبة لكيزان وأكواب الحوض فهي كالنجوم عدداً، وعدد النجوم لا يحصى، وهي أيضاً كالنجوم بهاءً وعظمةً وتلألؤاً، فإذا سألت عن طعم الماء فهو أحلى من العسل، وإن سألت عن لون الماء فهو أبيض من اللبن، سقانا الله وإياكم من هذا الحوض الشريف شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً. وماء هذا الحوض العظيم الذي اختص الله به نبيه يصب من نهر منحه الله لنبيه في الجنة اسمه: نهر الكوثر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١ - ٢]، فعندما يصب نهر الكوثر فإنه يجتمع في حوض النبي ﷺ ، وقد قال ﷺ : (أنا فرطكم على الحوض). فإن قيل: أين حوض النبي ﷺ ؟ ف الجواب أن هناك حديثين يثبتان مكان المرور بحوض النبي ﷺ ، فأول مكان: هو منبره ﷺ ، قال النبي ﷺ : (ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي) وتفسير هذا نرجئه لكلام العلماء في ذلك، فما من منكر لأمر ثبت في السنة إلا وكان عقابه أن يصد عن هذه السنة، وهذا كالمعتزلة الذين قالوا بإنكار الحوض فسيعطشون يوم القيامة بمشيئة الله؛ لمخالفتهم هذه السنة، وقد قال النبي ﷺ : (وإني أذود على حوضي) يعني: يبعد الناس عن حوضه، قال: (وليختلجن أناس من دوني) يعني: من أمام الحوض، قال: (فأقول: رب! أصحابي أصحابي، فيقال: يا محمد! إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك) يعني: ابتدعوا والعياذ بالله، وانظروا إلى البدعة المميتة كيف تفعل بأصحابها، قال: (فأقول: سحقاً سحقاً، بعداً بعداً لمن بدل وغير) فالمحروم شديد اليأس والبؤس بحق هو الذي لا يشرب من حوض النبي ﷺ ، ويرد الأحاديث الصحيحة التي تثبت حوض النبي ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 162

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - الخلاف في الفروع ينبغي للمتعلم أن يعرف مسائل الإجماع والخلاف، وأن يعرف أنواع الخلاف، فليس كله مذموماً، فخلاف الأفهام والتنوع جائزان، وفيهما رحمة وتوسعة للأمة، وأكثر خلاف أئمة المذاهب هو من النوع الجائز، والواجب الاجتهاد في معرفة الراجح بدليله مع عذر المخالف.

стр. 163

حقيقة الخلاف وأقسامه والواجب فيه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: تكلم المصنف في آخر الكتاب عن مسألة: الخلاف في الفروع، والخلاف في الفروع معناه: عدم الاتفاق في المسألة على حكم واحد، والفروع: جمع فرع، وهو ما بني عليه غيره، والفروع اصطلاحاً: هي المسائل الفقهية التي لا تتعلق بالأصول وهي العقائد، والخلاف خلافان: خلاف تنوع، وخلاف تضاد. فخلاف التنوع: هو الخلاف السائد المعتبر، وهذا الخلاف هو الذي وقع في الأمة منذ عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا، فقد اختلف الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في مسائل كثيرة، فالاختلاف السائغ المعتبر: هو الاختلاف الذي ينبني على الدليل، بأن يكون لكل امرئ في هذا الخلاف دليل، فيسمى هذا الخلاف: خلاف تنوع، والواجب علينا تجاهه ألا ننكر على المخالف بل نناصحه، ونبين له الراجح من المرجوح، فإن أبى ذلك فقد بينا له الحق بالدليل، فإن أخذ به فلنفسه وإن لم يأخذ به فعليها، وهذا هو الأدب في التعامل مع المخالف خلافاً معتبراً. أما الخلاف غير المعتبر فهو خلاف التضاد: وهو الخلاف الذي لا ينبني على دليل، بل ينبني على الهوى والتعصب، كأن يخالف حنفي شافعياً من أجل أن أبا حنيفة قد تكلم في مسألة بكذا ولم يعلم لها دليلاً، أو أن الشافعي يفعل ذلك مع الحنبلي، أو الحنبلي مع المالكي، فهذا خلاف منبعه الهوى والتعصب، وهذا هو المذموم عند الله جل في علاه، وعند رسوله ﷺ . إذاً: المسألة الأولى من مسائل الخلاف: هي أنواع الخلاف، وقلنا: إن الخلاف المعتبر هو خلاف التنوع، وتجب في هذا النوع المناصحة بلا إنكار، كما فعل أحمد بن حنبل مع الشافعي عندما قال له الشافعي: يا أحمد! ماذا تقول فيمن ترك الصلاة؟ قال: كافر، قال: فهل خرج من الملة؟! قال: خرج من الملة، قال: فكيف يدخل في الملة مرة ثانية؟ فقال له: يقول: لا إله إلا الله، فقال الإمام الشافعي: فماذا تقول إن كان يقول لا إله إلا الله؟ فأخذ أحمد بن حنبل نعله ورحل؛ لأن النقاش الآن لم يأخذ طريقه، فكل منهما يرى أن الصواب معه، فصار من الأدب إغلاق باب النقاش لا سيما وأن الشافعي كان مناظراً بارعاً؛ وقد كان من الممكن لـ أحمد أو لغير أحمد أن يرد ويقول: يكون دخوله من الباب الذي خرج منه، فإن خرج بسبب الصلاة كان دخوله من باب الصلاة، وهو الراجح. والغرض المقصود كما قال الشافعي أن الخلاف لا يفسد للود قضية، لكن المسألة تحتاج إلى المناصحة والمناظرة لبيان الراجح والمرجوح. أما خلاف التضاد: فهو خلاف غير معتبر، وهذا الخلاف ينبني على التعصب والهوى، ولابد في هذا من الإنكار وبشدة حتى يظهر الحق ويموت الباطل. أما المسألة الثانية التي تتعلق بمسألة الخلاف: فهل يعتبر اختلاف التنوع المنطلق من الدليل رحمة للأمة أم هو نقمة؟ ف الجواب أنه ليس برحمة، أما الذين يتعلقون بقول النبي ﷺ : (خلاف أمتي رحمة)، فهذا حديث موضوع ليس بصحيح، فليس الخلاف رحمة بحال من الأحوال، لكن الرحمة موجودة في الخلاف المعتبر؛ لأن هذا الخلاف إن كان ينبني على الأدلة فلكل مجتهد نصيب وأجر، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد؛ لأن كلاً منهم قد أصاب الخير عند ربه في الخلاف المعتبر، لكنه ليس برحمة؛ لأن هناك راجحاً ومرجوحاً، أما أن تقول: إن الخلاف رحمة، وإن للإنسان أن يتخير بين قولي العلماء فيأخذ بأي القولين أحب فهذا باطل، بل هو فتح لباب الزندقة، وهو فتح لتضييع الدين، فكلما صادفته فتوى لعالم من العلماء تطابق هواه أخذ بها، فهو يتنقل بين فتاوي العلماء اتباعاً لهواه من دون الله جل في علاه، ولم يتبع التأصيل العلمي الصحيح من الكتاب أو السنة، فهو شر كله وليس برحمة. إذاً: الرحمة في الاختلاف: هي أن لكل مجتهد نصيباً من الأجر، حتى إن المقلد لو اجتهد في إيجاد المفتي الذي يستفتيه، وعلم أنه بمكان من الدين والورع والعلم فأخذ عنه، فإن له نصيباً من الأجر حتى وإن أخطأ العالم نفسه؛ لأنه اجتهد طاقته، والله جل في علاه يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].

стр. 164

الحق حقيقة واحدة لا تتعدد عند الله تعالى الأمر الثالث: هل الكل مصيب في هذا الاختلاف، أم أن هناك مصيباً ومخطئاً؟ يعني: لو قال الشافعي مثلاً: إن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر صحيحة مع الإثم، وقال أحمد: باطلة مع الإثم، فهل نقول بأن الاثنين قد أصابا الحق؟ ثم هل الحق متعدد عند الله جل في علاه؟ الصحيح الراجح: أن الحق واحد لا يتعدد، بل يكون الحق الراجح مع أحدهم والخطأ المرجوح مع الآخر، فالحق عند الله واحد لا يتعدد، والدليل على ذلك قول الله : ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢]، وهذه الآية صريحة جداً في أن الحق واحد، فنحن نقول بالراجح والمرجوح طلباً لإصابة الحق عند الله سبحانه جل في علاه. وفي حديث النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر) إشارة إلى أن الحق واحد.

стр. 165

أدلة القائلين بتعدد الحق والرد عليها استدل القائلون بتعدد الحق بقول النبي ﷺ لأصحابه: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة)، فانقسموا إلى فريقين: فقال قوم: إن النبي ﷺ قال ذلك ليحثنا على الإسراع، فوالله لا نمر حتى نصلي العصر، فنزلوا في الطريق وصلوا، أما الآخرون فلم يصلوا وذهبوا إلى بني قريظة ثم صلوا العصر هناك، ثم ذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يخطئ واحداً منهما، والإجابة على هذا الإشكال من وجهين: الوجه الأول: أن نقول: إنهما على الحق، ولا يعد هذا خلافاً؛ لأن الأوائل صلوا في بني قريظة بأمر النبي ﷺ ، وصلى الآخرون في الطريق عملاً بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] فأقرهم النبي ﷺ على هذا الفهم، وإقراره ﷺ وحي من الله بأنهما على الحق، فنقول إذاً: هما على حق؛ لأن الوحي قد نزل بذلك، وهذه من الحالات الخاصة التي نزل الوحي بإظهارها. الوجه الثاني: أن يقال: ليس كلاهما على حق؛ بل كان الفريق الأول على حق والفريق الآخر مخطئ، أما النبي ﷺ فقد أقر اجتهادهما فقط؛ لأن هذا مجال الاجتهاد، والنبي ﷺ أباح الاجتهاد ولم يمنعه، والله جل في علاه شرع باب الاجتهاد بآية عظيمة فقال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، فهنا أقر النبي ﷺ الاجتهاد ولم يقر الواقعة بأنهما على الحق. إذاً: فهذا الاجتهاد يرفع من وجهين كما بينا: الوجه الأول: أن الوحي قد جاء للنبي ﷺ أن هذا حق وهذا حق، ونحن نتبع الوحي وندور معه حيث دار. أو نقول بالوجه الثاني وهو أوجه: أن إقرار النبي لهما ليس إقراراً على قرارهما ولكنه إقرار على اجتهادهما.

стр. 166

الإجماع: ضابطه وإمكانية وقوعه ننتقل للكلام عن الإجماع وحكمه: فنقول: الإجماع لغة: العقد والاتفاق. واصطلاحاً: اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد على حكم شرعي بعد النبي ﷺ . وهو حجة لا نزاع في ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، ووجه الدلالة في الآية مأخوذ من مفهوم المخالفة لها: وهو أنكم تأخذون باجتماعكم عند الاجتماع ولا تردوه إلى الله ورسوله ﷺ ، وأيضاً: قوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة). وأيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥]، ففيها دلالة أيضاً على حجية الإجماع. ومع ذلك فإن الإجماع عزيز جداً، فقليلة هي المسائل التي يكون فيها الإجماع؛ ولذلك فالعلماء يحذرون من إجماعات النووي؛ لأن النووي لا يقصد الإجماع بمفهومه الشامل بل يقصد اتفاق الشافعية فيعتذر له بذلك. كذلك أيضاً: إجماعات ابن عبد البر وابن المنذر، ففيها الخلط الكثير كما قال العلماء، لكنهم اجتهدوا ولهم الأجر عند الله ويشكرون على ذلك؛ ولذلك استقى الإمام أحمد من الشافعي قوله: وما يدريك لعل الناس قد اختلفوا. لذلك فإن الشافعي يقول: إن الإجماع هو إجماع الصحابة؛ لأن من العزيز حصر من بعدهم، فلا يمكن أن تصل إلى إجماع التابعين ومن بعدهم؛ ولذلك كان أحمد بن حنبل بعدها إذا قيل: المسألة إجماع، قال: وما يدريك لعل الناس قد اختلفوا! لأن العلماء مشتتون في جميع الأمصار، فليس من الممكن جمع أقوالهم من المشرق ومن المغرب، لكنه أصبح من الممكن حصر أقوال العلماء المعتبرين في هذا العصر عن طريق النت أو التلفون، أو أنهم يجتمعون في مؤتمر معين على مسألة معينة فعند ذلك يسمى إجماعاً ولا يجوز لنا مخالفته، فلو أجمع العلماء الثلاثة مثلاً ابن باز وابن عثيمين والألباني على مسألة معينة فلا يجوز مخالفتها والله أعلم؛ لأن هؤلاء هم أعلم أهل الأرض الآن بفضل الله ؛ ولأن الأمة بأسرها قد شهدت لهؤلاء الثلاثة بأنهم أتقن العلماء في هذا العصر. وقد كان الألباني أيضاً يعمل بكلام أحمد بن حنبل في عزة الإجماع وندرته عندما قال بحرمة الذهب المحلق، فلا يجوز للمرأة لبس الأسورة أو السلسلة عنده، وقد عارضه العلماء المعاصرون وقالوا: إن في المسألة إجماعاً من الفقهاء الأولين على عدم حرمته، فقال الإمام الألباني متمثلاً بقول أحمد: وما يدريكم لعل الناس قد اختلفوا فلم تطلعوا على اختلافهم، ثم قال: وكيف يجمعون على مسألة قد قال بها أبو هريرة، وقال بها كذا وكذا من الصحابة، ولسنا هنا بصدد الترجيح، فالراجح الحق: هو أن الذهب المحلق حلال، لكنه اعترض على من اعترض عليه بأن الإجماع عزيز.

стр. 167

التقليد وآدابه ننتقل للكلام عن التقليد والمقلدين، والحقيقة أن المقلد كالأعمى يجر فينجر، فهو في طبقة الهمج الرعاع، كما قال علي بن أبي طالب في تصنيف الناس: عالم رباني، وطالب علم على سبيل النجاة، وهمج رعاع لم يستضيئوا بنور العلم إمعات، فالمقلد مذموم في كل أحواله إلا من رحم الله جل في علاه. والتقليد في اللغة: وضع القلادة في العنق. واصطلاحاً: هو اتباع الغير بلا حجة، بمعنى: أن تأخذ بفتوى العالم من دون حجة عليها، فهو كالببغاء ينادي بفتاوي المشايخ والعلماء فقط، وللمقلد آداب لابد أن يتأدب بها ومنها: أولاً: لا تصح منه المناظرة أو المعارضة أو الاحتجاج، بل لابد له أن يعمل بهذه الفتيا بصمت دون أن يخبر أحداً بها. الأدب الثاني: ألا يرضى لنفسه هذه المذمة وهذا التقليد، بل يجب عليه أن يجلس في مجالس العلم حتى يرفع عن نفسه الجهل، وقد قال الإمام أحمد: أفضل ما يتعبد به المرء هو العلم لرفع الجهل عن نفسه، وكفى بالجهل مذمة أن الجاهل لا يرضى أن يقال عنه: جاهل، فلا بد للمقلد أن يرتقي برفع الجهل عن نفسه. فإن قيل: فهل يجوز للمقلد أن يأخذ بالفتوى ويعمل بها؟ ف الجواب أنه يجوز للمقلد أن يأخذ بالفتوى ويعمل بها عملاً بقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].

стр. 168

الكلام على المذاهب الأربعة وبيان أقربها للسنة ثم ختم الباب بالكلام على المذاهب الأربعة المشهورة -وهذه المسألة مهمة جداً- فهل يجوز الخروج بالقول أو الفعل عن المذاهب الأربعة؟ و الجواب أن يقال: إن هذه مسألة عويصة بين العلماء، والراجح: أن الإنسان إذا ظهر له من دليل النبي ﷺ أمر وجب عليه الأخذ به ويضرب بكلام كل الناس عرض الحائط؛ لأن العلم ما قال الله وقال رسوله. فالمذهب الأول: مذهب الحنفية، وإمامه أبو حنيفة النعمان بن ثابت إمام أهل العراق، ولد سنة ٨٠ هـ وتوفي سنة ١٥٠هـ، وقد قال عنه الشافعي بعد أن نظر في كتبه وتعلم من تلاميذه كـ الشيباني وأبي يوسف: الفقهاء عيال على أبي حنيفة؛ وهذا لشدة ذكائه وتوقد ذهنه فقد كان قايساً بديعاً، حتى إن الإمام مالكاً يقول فيه: لو ناظر أبو حنيفة رجلاً على أن هذا العمود من ذهب -وهو من الخشب- لأقنعه أنه من الذهب، لشدة ذكائه وحسن مناظرته، لكن يؤخذ على المذهب الحنفي أنه بعيد عن السنة، فهو أبعد المذاهب الثلاثة عن السنة، وهذا ليس نفرة من السنة، فلم يكدر أبو حنيفة مذهبه بالقياسات الكثيرة دون الآثار إلا لعلة وجيهة؛ لأن أبا حنيفة كان في العراق، والعراق والعراقيون أهل شقاق ونفاق وكذب؛ ولذلك أخذ الشيعة يكذبون على علي بن أبي طالب ﵁، فلما رأى أبو حنيفة أن أهل العراق يندر فيهم الثقة الذي يؤخذ منه الحديث بدون شك فيه نحى هذه الأحاديث لضعفها، وأعمل فيهم القياس على الأصول الثابتة عنده، وأيضاً فقد كانت المستجدات تظهر في العراق لقربها من بلد فارس، فلعدم ورود أدلة ونصوص فيها كان لا بد من إعمال العقل والقياس حتى يظهروا حكماً في هذه المسائل. المذهب الثاني: المذهب المالكي، ورأسه وإمامه هو أبو عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ولد سنة ٩٣ هجرية وتوفي سنة ١٧٩هـ، قال عنه الشافعي: إذا ذكر الحديث فـ مالك النجم، وهو إمام دار الهجرة الذي خلط بين الفقه وبين الحديث، ومذهبه من القوة بمكان. المذهب الثالث: المذهب الشافعي، وإمامه أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ولد سنة ١٥٠هـ وتوفي سنة ٢٠٤هـ، قال فيه الإمام أحمد: الشافعي للناس كالشمس للدنيا، وهل هناك خلف عن الشمس؟! قال: والشافعي للناس كالعافية للبدن. وفي الحقيقة فـ الشافعي من أمتن وأتقن وأحفظ وأثبت علماء المذاهب، وقد قال عنه أحمد شاكر: لو أمرت مجتهداً أن يقلد مجتهداً مع أن التقليد حرام، لأمرته أن يقلد الشافعي؛ لأنه عالم نحرير له دقة في النظر، أو كما قال ﵀. أما المذهب الرابع: فهو المذهب الحنبلي، وهو أقرب المذاهب للسنة؛ ولذلك فقد تحير العلماء في أيهما أقرب للسنة؟ والصحيح الراجح الذي أتبناه وأدين الله به: أن المذهب الشافعي هو أقرب المذاهب للسنة؛ لأن أكثر علماء الشافعية من المحدثين الذين خلطوا بين الفقه وبين الحديث؛ ولذلك فقد سأل أبو إسحاق الشيخ الألباني بأي المذاهب يبدأ؟ فقال: ابدأ بالكتاب والسنة فهذا هو العلم، فقال: بأنه يريد أن يتمرس أولاً وعلمياً على مذهب معين، وهذا الذي نصح به الشيخ أحمد شاكر الأمة: أنه على طالب العلم أن يبدأ بمذهب معين فيعرف أصوله وكيفية استقاء الأحكام من الأدلة، ثم بعد ذلك ينطلق في علم الحديث؛ لأن هذا المذهب لا يخلو من السنة. فقال الإمام الألباني: إن كان لا بد فالمذهب الشافعي أو المذهب الحنبلي، ففضل البدء بالمذهب الشافعي، ولما سئل عن ذلك قال: أكثر علماء الشافعية محدثون. فالشاهد: أن مذهب الإمام أحمد بن حنبل من أقوى المذاهب وأقربها إلى السنة، وكفاه فخراً ما قاله يحيى بن معين فيه لما سئل عنه فقال: أحمد يسأل عنه؟ أحمد إمام الدنيا بأسرها، وقال بعضهم: إن الله نصر هذا الدين بـ أبي بكر في الفتنة، وبـ أحمد في المحنة، أي: محنة القول بخلق القرآن.

стр. 169

بعض المذاهب التي لم تنتشر انتشار المذاهب الأربعة وهناك مذاهب أخرى: هي مذاهب العلماء وفقهاء المدينة السبعة ولكنها لم تحمل عنهم، ومذهب الليث أيضاً، وقد غير الشافعي مذهبه عندما دخل مصر فصار فقهه يميل لفقه أهل مصر؛ ولذلك قال الشافعي: الليث أفقه من مالك إلا أنه لم يحمله أصحابه. وهناك أيضاً: مذهب سفيان الثوري، فقد كان له مذهب فقهي، وهو أمير المؤمنين في الحديث. وأيضاً: مذهب الظاهرية، ورأسه داود الظاهري، وأشهر علم من أعلام الظاهرية هو ابن حزم ﵀. والمذهب الزيدي أيضاً وهو منتشر بكثرة في اليمن، وناصر هذا المذهب هو الإمام الشوكاني فقد كانت له لمحة زيدية. فأسأل الله جل في علاه أن يعلمنا وإياكم، وأن يجعلنا ممن يتلمس خطى النبي ﷺ وخطى أصحابه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 170

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - الشفاعة يعتقد أهل السنة والجماعة بثبوت الشفاعة يوم القيامة للمؤمنين، وهي تنقسم إلى قسمين: خاصة بنبينا محمد ﷺ ، وعامة لنبينا وغيره من الأنبياء والمرسلين والمؤمنين والملائكة الكرام، وهي تعتبر من تمام رحمة الله تعالى بعباده وإحسانه إليهم.

стр. 171

الشفاعة الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: نتكلم الآن عن مسألة الشفاعة، وهي مسألة مهمة جداً، فالشفاعة لغة: أن تجعل الواحد اثنين. وشرعاً: هي التوسط للغير عند معظم لجلب منفعة أو دفع مضرة.

стр. 172

أحوال الناس في العرصات وشفاعة النبي ﷺ في القضاء بين الناس وقبل أن ندخل في الشفاعة أقول: إن الناس في قبورهم كما قال النبي ﷺ : (قد التقم صاحب القرن القرن وأصغى ليؤذن له فينفخ) فنحن على مقربة من الساعة، ونسأل الله أن يميتنا على الإسلام، فينفخ في الصور النفخة الثانية فإذا الناس قيام ينظرون، كلهم يحشرون على أرض غير الأرض، وسماء غير السماء، فيحشرون حفاة عراة غرلاً -أي: غير مختونين- فيحشرون وقد بلغ العطش مبلغه منهم، واشتد الكرب عليهم، وكما قالت عائشة ﵂ لما سمعت قول رسول الله ﷺ : (حفاة عراة، قالت عائشة مندهشة: يا رسول الله! عراة، قال: عراة، فقالت: يا رسول الله! ينظر بعضنا إلى بعض -أو ينظر الأخ إلى عورة أخيه- فقال: يا ابنة الصديق! الأمر أشد من ذلك)؛ لأن الشمس تدنو من الرءوس قدر ميل، أو قدر شبر، وكما بينت قبل ذلك: فالإنسان يغرق في عرقه، منهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل العرق إلى حقويه، ومنهم من يصل العرق إلى صدره، ومنهم من يصل العرق إلى وجهه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، فيجتمعون ويشتد الأمر عليهم وكما وصف الله جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢] وحين هم سكارى يتخبطون ويقولون: (ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا تدعون ربنا يكشف عنا هذه الكربة؟ ألا تشعرون بما نحن فيه من كرب شديد؟ فيقولون: نستشفع، فيذهبون فيقولون: من نجعله واسطة بيننا وبين ربنا؟ آدم، عبد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، فيذهبون إلى آدم فيقولون: يا آدم! أنت خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما بلغنا؟ اشفع لنا عند ربك)، ولم يطلبوا الشفاعة للتخفيف من الكرب، بل للقضاء والفصل، كما قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فكثير من الناس ينتظرون المحاكمة، والكل سينتظر المحاكمة عند الله، والفارق بعيد، فانتظار المحاكمة من البشر أمر هين، يزول في ساعة أو في ساعتين أو في دقيقة، أما المحاكمة عند الرب جل في علاه فالكل سينتظر إتيان الله جل في علاه، والكرب شديد، حتى إن آدم يقول: اللهم سلم سلم، فيقول: (ليس لي، فيقول: اذهبوا إلى نوح أول رسول، فيذهبون إلى نوح ﵇، فيقول: ليس لي ويذكر خطيئته، اذهبوا إلى إبراهيم أبي الأنبياء، فيذهبون إلى إبراهيم، فيحيلهم على موسى، وهو يحيلهم على عيسى، وكل نبي يقول: لست لها، لست لها، اذهبوا إلى فلان، ثم يقول عيسى ﵇: اذهبوا إلى محمد -بأبي هو وأمي- فيقول محمد -بأبي هو وأمي-: أنا لها أنا لها، فيذهب ﷺ عند العرش فيسجد، وهذا هو المقام المحمود تكرمةً من الله لمحمد ﷺ على رءوس الخلائق: أن الله جل في علاه أمام الخلائق أجمعين لا يقبل أحداً يشفع في القضاء بين الناس إلا محمداً ﷺ ، فيأتي كرامة لمحمد عند العرش، فيخر ساجداً، فيعلمه الله محامد يثني على الله بها، فيقال له -بأبي هو وأمي-: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيتوسط النبي ﷺ -بمعنى الشفاعة- عند الله جل في علاه ليفصل بين العباد، فيأتي الله جل في علاه فيقضي بين العباد. وأول من يفصل الله جل في علاه بينهم، أو يقضي بينهم، أو أول من يحاكمهم الله جل في علاه هي الأمة الإسلامية. وقبل الشفاعة يضرب الجسر كما قال النبي ﷺ : (فيضرب الجسر على متن جهنم) والجسر: هو الصراط الذي يعبرون عليه -اللهم اجعلنا ممن يعبر الصراط كطرفة عين يا رب العالمين- فتقف الأمة الإسلامية وتقف الأمم بأسرها يرون النار، فيها سبعون ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك -نسأل الله جل في علاه أن ينجينا منها- فتأتي النار ويضرب الجسر بين النار وبين الجنة وتقف الأمة الإسلامية على الصراط، ويصف النبي ﷺ الصراط كما ثبت ذلك عن عائشة في مسند أحمد أن النبي ﷺ وصف الصراط فقال: (أدق من الشعر، وأحد من السيف، فيه كلاليب -خطاطيف- تخطف الناس) والكلاليب كما وصفها النبي ﷺ : كشوك السعدان، فإذا أخذت بيد أحد أو برجله أو جسده فلن يفوت منها، بل لا بد من أن تنزل به إلى نار جهنم والعياذ بالله، والنبي ﷺ يقول: كل الأمم لا يتكلمون في هذا الموقف العظيم إلا الرسل فإنهم يقولون: اللهم سلم سلم، وهذه مقولة إبراهيم ونوح وموسى وعيسى أولي العزم من الرسل، ويصف النبي ﷺ عبور الناس على الصراط بأن المؤمنين الخلص الذين اتقوا ربهم وأدوا الفرائض وانتهوا عن المحرمات، وتقربوا إلى الله بالنوافل يمرون كطرفة عين، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم كالطير، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، وآخر هذه الأمة عبوراً على الصراط هو من يحبو على الصراط، ومنهم المكردس، ومنهم الذي تخطفه الكلاليب، ومنهم الذي يخدش لكن ينجو بفضل الله عليه، اللهم اجعلنا ممن يمر على الصراط كطرفة عين. وهذا الذي فسره ابن مسعود في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] قال: هو المرور على الصراط، فاللهم سلم سلم، واجعلنا ممن يمر على هذا الصراط كطرفة عين.

стр. 173

أنواع الشفاعة والتأصيل العام للشفاعة أنها كلها لله كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤] فإذا كانت الشفاعة لله جل في علاه فإنه لن يؤذن لأحد أن يشفع إلا بالشروط التي بينها الله جل في علاه، فلا يمكن لأحد أن يشفع دون إذن الله جل في علاه؛ للفارق بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق لك أن تشفع عنده دون أن تستأذنه، أما الله جل في علاه فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه. والشفاعة شفاعتان: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية. والشفاعة المنفية: هي الشفاعة لأهل الشرك، ولا يمكن أن يقبل الله شفاعة لأهل الشرك، والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، أما من الكتاب فقول الله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٧ - ٤٨] فنفى الشفاعة هنا، وهذه الآية مجملة، والدليل على أن المقصود بها الشفاعة للكافرين هو قول الله تعالى عن الكافرين: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] وقول الله على لسانهم وهم في النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]. إذاً: الشفاعة المنفية هنا هي الشفاعة لأهل الشرك، فلا يمكن أن يقبل الله جل في علاه شفاعة لأهل الشرك. وأما استغفار إبراهيم ثم إتيانه يوم القيامة ليشفع في أبيه فإنه سيتبرأ منه كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤] وهذه أظهر الآيات في الدلالة؛ فإن إبراهيم ﵇ لا يمكن أن يشفع في أبيه، فمن باب أولى غيره.

стр. 174

أقسام الشفاعة المثبتة أما الشفاعة الثانية وهي الشفاعة المثبتة، فهي تنقسم إلى شفاعة خاصة وشفاعة عامة.

стр. 175

الشفاعة الخاصة وأنواعها الشفاعة الخاصة هي شفاعة خاصة بنبينا تكرمة من الله له، فهو أكرم الخلق على الله جل في علاه. والشفاعة الخاصة به ﷺ على أنواع ثلاثة: النوع الأول: الشفاعة في أهل الموقف؛ لأن الناس عندما يشتد عليهم الكرب يذهبون إلى الأنبياء فيقول كل نبي: لست لها لست لها، حتى يأتون النبي ﷺ فيقول: أنا لها أنا لها، ثم يسجد تحت العرش فيقال: (يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) فهذا المقام المحمود، وهذه شفاعة خاصة بنبينا محمد ﷺ تكرمة الله لنبينا. النوع الثاني: الشفاعة والتوسط ليدخل أهل الجنة الجنة، وهذه تبين لنا أن الإنسان لا يمكن أن يرضي ربه، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يقبله الله إلا إذا أتى من خلف النبي ﷺ ، حتى بعد أن قضى الله بين العباد، وبعد أن قضى لأهل الجنة بدخول الجنة، ولأهل النار بدخول النار، فأهل النار يتساقطون في النار ولا يحتاجون إلى شيء، أما أهل الجنة فلا يمكن أن يدخلوا الجنة ويكمل لهم التمتع بالجنة إلا بعد شفاعة النبي ﷺ ، كما في الصحيح: (أن النبي ﷺ يأتي إلى باب الجنة فيشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة فيطرق الباب، فيقول الملك: من؟ فيقول: محمد، فيقول ألا أفتح لأحد قبلك: نعم، بك أمرت) يعني: لا أفتح إلا لك، فلا يدخل أحد الجنة حتى يشفع النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة بأبي هو وأمي، نسأل الله أن يشفعه فينا، وأن يجعلنا مؤهلين لأن يشفع فينا نبينا. النوع الثالث: شفاعته لعمه الكافر، مع أن الله قد نهى عن الشفاعة للكافرين إلا للنبي ﷺ في عمه أبي طالب فإن النبي ﷺ ذات مرة جاءه العباس فقال: (ماذا فعلت لعمك؟ كان ينافح عنك، ويناصرك ويحوطك، فماذا فعلت له؟ فقال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا -يعني: لولا شفاعتي- لكان في الدرك الأسفل من النار)، فهو بشفاعة النبي في ضحضاح من النار، أو قال: (يلبس نعلين من نار يغلي بهما دماغه)، فهذه شفاعة للنبي ﷺ ، وحتى هذه الشفاعة لم يقبلها الله كاملةً، بل قبل منه أن يخفف عنه العذاب، فهو يلبس نعلين من نار يغلي بهما دماغه والعياذ بالله. أما الأقسام الثلاثة الباقية فهي عامة، ويشترك فيها محمد ﷺ والأنبياء والمرسلون والمؤمنون والملائكة. وهذه الأنواع الثلاثة اتفق العلماء عليها إلا بعض المتصوفة الذين أنكروا أصالة أن يكون أبو طالب في النار، هؤلاء الذين ابتدعوا هذه البدعة، لكن اتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على الأقسام الثلاثة الخاصة بالنبي ﷺ .

стр. 176

الشفاعة العامة وأنواعها والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة النبي ﷺ في أهل الكبائر الذين استحقوا النار ألا يدخلوها، والحق أن أهل المعاصي من المسلمين يشفع فيهم الأنبياء والمرسلون والمؤمنون، فيقبل الله الشفاعة فلا يدخلهم النار، وهذه شفاعة عظيمة جداً في أهل الكبائر. والدليل العام في هذه المسألة قول النبي ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من نبي إلا وكانت له دعوة مستجابة، وأردت أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة) فيدخل تحتها العصاة، ويدخل تحتها الأبرار الذين هم على التقى، فهذه شفاعة عظيمة جليلة. ويستدل لها خاصة بحديث النبي ﷺ : (ما من رجل يصلي عليه أربعون إلا شفعهم الله فيه)، ووجه الدلالة أن قوله: (رجل) نكرة، فيدخل تحته المؤمن البار، والفاجر الطالح، والفاجر الطالح بمعنى: أن سيئاته تغلب على حسناته، فيشفِّع الله فيه الذين صلوا عليه ويقبل شفاعتهم فيه، فهذه فيها دلالة على الشفاعة لأهل الكبائر. الشفاعة الثانية التي تعم: الشفاعة في أناس جعل الله لهم منزلة في الجنة فيشفع النبي ﷺ أن تكون لهم منزلة أرقى وأعلى من هذه المنزلة، كرجل منحه الله منزلة عليا وأبوه في منزلة دنيا، فالنبي ﷺ يشفع ليصل هذا الأب إلى منزلة الابن. ويمكن أن يستدل لهذه الشفاعة بقول الله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] وهذه أيضاً بالاتفاق. والشفاعة الأخيرة: الشفاعة في أناس قد صاروا فحماً، وهم أناس من أهل الكبائر غلبت سيئاتهم على حسناتهم -نعوذ بالله أن نكون منهم- ودخلوا النار وهم موحدون، فصاروا فحماً، فيأتي النبي، ويأتي الملك، ويأتي المؤمن، يشفع في هؤلاء فيخرجون من النار، ويسمون الجهنميون، ثم تأخذهم الملائكة فتلقي كل واحد منهم في نهر الحياة، فيحيا فيدخل الجنة بهذه الشفاعة. وهذه الشفاعة اتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على أنها حاصلة للنبي وللأنبياء والملائكة والمؤمنين، غير أن المعتزلة والخوارج أنكروا هذه الشفاعة، وممن علا صوته واشتهر بين الناس بإنكار هذه الشفاعة في هذه الأيام هو مصطفى محمود، وهذا طبعاً نتاج لفكر الاعتزال؛ لأن المعتزلة يرون أن صاحب الكبيرة لا يمكن أن يخرج من النار، بل هو مخلد فيها؛ لأن تأصيل الإيمان عند المعتزلة والخوارج تأصيل واحد لكن يفترقان في الاسم، فالمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، أي: لا نقول مؤمن ولا نقول كافر، والخوارج أشجع منهم وأقوى فقالوا: الذي يصنع الكبيرة ويفعلها كافر، فالمغتاب مثلاً يقولون عنه: كافر، لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يمكن أن يشفع فيه أحد؛ لأنه يعتبر خالداً مخلداً في نار جهنم والعياذ بالله. والمعتزلة يقولون: هو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، أما في الآخرة فهو خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله، فهؤلاء أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر؛ لأنهم لو أقروا بها لهدمت الأصول التي بنوها؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد، وهم أخرجوهم من دائرة أهل التوحيد. والدليل على هذه الشفاعة قول النبي ﷺ في الحديث الطويل حديث القبضة، يقول الله جل في علاه: (شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط) وهذا تمام الكلام عن الشفاعة، نسأل الله جل وعلا أن يؤهلنا لشفاعة نبينا فينا.

стр. 177

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - خصائص النبي وفضائل الصحابة والشهادة بالجنة أو النار الرسول ﷺ هو خير خلق الله أجمعين، وصحابته من بعده هم خير الناس، وقد حملوا لنا السنة ورووها عن النبي ﷺ ، ومن طعن فيهم أو انتقص منهم فإنما يطعن في هذا الدين وينتقص من السنة.

стр. 178

فضل نبينا محمد ﷺ على الخلق أجمعين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: إن محمداً رسول الله هو سيد الخلق أجمعين، وهو إمام المرسلين ﷺ ، بأبي هو وأمي، أكرم الخلق على الله، خير من وطئ التراب هو رسول الله ﷺ ، والشمس ما طلعت على رجل خير من رسول الله ﷺ ، فهو سيد المرسلين، وإمام الأنبياء والصالحين، بل هو خطيب الأنبياء والمرسلين يوم القيامة. ويكفي أن الله جل في علاه لم يقسم بحياة أحد من خلقه إلا بحياة نبينا ﷺ ، تشريفاً وتعظيماً وتكريماً لهذا الرسول الكريم، فقال الله تعالى: ((لَعَمْرُكَ)) [الحجر:٧٢] أي: لحياتك، والمعنى: أن الله جل وعلا يقسم بحياة النبي ﷺ فيقول: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] والله جل في علاه قد أدبه فأحسن تأديبه؛ ولذلك وسمه ووصفه بأرقى الصفات وأغلى السمات، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ﷺ . فرسول الله ﷺ سيد ولد آدم ولا فخر، وهو إمام الدنيا بأسرها وإمام الخلق أجمعين، وقد صح عنه أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) فهو أكرم خلق الله على الله، وهو سيد البشر أجمعين.

стр. 179

حكم المفاضلة بين الأنبياء سمع رجلٌ من المسلمين يهودياً يقسم فقال: ورب موسى، فقال له المسلم: ورب محمد، فقال له: ورب موسى، فغضب لذلك المسلم ولطمه على وجهه، فلما مر النبي ﷺ اشتكى له اليهودي، فقال: (لا تخيروا بين الأنبياء) أي: أن اليهودي كان يتفاخر بموسى ﵇ فتفاخر المسلم بمحمد، وكان المسلم له الفخر بنبيه على أنه خاتم النبيين، فصفع اليهودي على وجهه، فقال له النبي ﷺ زاجراً إياه (لا تخيروا بين الأنبياء)، وأوضح من ذلك أن النبي ﷺ قال: (لا تخيروني على يونس بن متى). والإشكال هنا: هو أنه ﷺ سيد ولد آدم وأفضل الخلق أجمعين، فكيف ينهى الصحابة عن أن يخيروه على يونس بن متى، وأن يخيروا بين الأنبياء؟ يجاب على هذا الإشكال بثلاث إجابات: الإجابة الأولى: أن الجمع بين النهي عن التخيير وبين قوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم) هو أن النهي عن التخيير بين الأنبياء لا يجوز إذا كان على سبيل التنقيص، كأن يقال مثلاً: محمد خير من يونس، أما رأيت يونس ماذا فعل؟ تعجل أمر ربه فابتلعه الحوت، أو بين موسى ومحمد ﷺ أيضاً، فيكون التخيير المنهي عنه هو التخيير الذي مآله إلى التنقيص. الإجابة الثانية: أن نهي النبي ﷺ عن التخيير: (لا تخيروني على يونس) كان قبل أن يوحى إليه أنه سيد البشر أجمعين، وأنه سيد المرسلين، فإنه ﷺ لم يكن أوحي إليه أنه سيد الخلق، ثم أوحي إليه بعد ذلك فقال: (أنا سيد الخلق يوم القيامة ولا فخر). الإجابة الثالثة: أن النهي عن التخيير إذا كان على سبيل التفاخر بينهم، لا على سبيل التبيين، وترجع هذه أيضاً إلى الإجابة الأولى.

стр. 180

الخصائص التي اختص بها رسول الله على الأنبياء قبله إن الرسول ﷺ هو سيد البشر أجمعين، وقد خصه الله جل في علاه بخصائص لم يؤتها لنبي قبله. من هذه الخصائص: أنه خاتم النبيين ﷺ ، فلا نبي بعده، وبهذا يتبين كذب وزور وبهتان من ادعى النبوة بعد رسول الله ﷺ ، وقد تنبأ الرسول ﷺ بهم حيث يقول: (يأتي بعدي ثلاثون كذابون كلهم يدعي النبوة، ولا نبي بعدي) فالنبي ﷺ بين أنه لا نبي بعده، وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]. إن البهائية والقاديانية من الفرق الضالة الكافرة التي ظهرت في عصورنا هذه يقولون: إن معنى خاتم الأنبياء أي: زينة الأنبياء، وأئمتهم في ذلك القادياني والبهائي من الذين يدعون النبوة، بل إن القادياني ادعى النبوة ثم ادعى الربوبية في الهند وباكستان وهذه البلاد، فهو من الذين بين النبي ﷺ أنه من الكذابين. ولكنهم أولوا وشوشوا على أهل السنة والجماعة بشبهتين: الأولى: قالوا: معنى قول الله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] أي: زينة الأنبياء. والثانية: قالوا: إن محمداً ﷺ خاتم النبيين، ولكن ليس بخاتم المرسلين، وهم يدعون أنهم رسل. والجواب على الشبهة الأولى: أولاً: أنهم خالفوا إجماع السلف. ثانياً: حتى لو افترضنا أن خاتم النبيين بمعنى الزينة -وهذا تنزل مع الخصم- فقد قال النبي ﷺ حاسماً للمادة: (لا نبي بعدي) ففسر معنى خاتم النبيين: أنه آخر الأنبياء، فهو خاتم الأنبياء، وهو زينة الأنبياء، وهو سيد الأنبياء ﷺ . والجواب على الشبهة الثانية: أنه لا يمكن أن يكون الرسول رسولاً حتى يكون نبياً، فإذا قالوا: خاتم النبيين فمن باب أولى أن يكون خاتم المرسلين. إذاً: أول خصيصة اختص الله بها نبيه ﷺ : أنه خاتم النبيين. ومن الخصائص التي خص الله بها نبيه ﷺ : أن له الشفاعة يوم القيامة, فالشفاعة لا تكون إلا للنبي ﷺ ، وهذه الشفاعة هي المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، والمقام المحمود: هو الذي يحمد عليه النبي ﷺ ، ويحمده عليه الناس، فيحمدونه في الدنيا بالأعمال الجميلة ونشر الدعوة، وفي الآخرة بمقام الشفاعة في أهل الموقف حتى يقضى بين العباد، فهذا هو المقام المحمود، وهذا خاص بالنبي ﷺ ، كما بينا ذلك في حديث الشفاعة. ومن الخصوصيات التي خص الله بها نبيه ﷺ : أنه أول من يمر على الصراط، وأمته أول الأمم التي تمر على الصراط، كما قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون السابقون) أي: سابقون في القضاء، وسابقون في المرور، وسابقون في دخول الجنة. أيضاً من الخصائص التي اختص بها النبي ﷺ : أن الجنة لا تفتح إلا له، ولا يمكن لأحد أن يدخل الجنة إلا به ومن خلفه، كما قال ﷺ في البخاري: (أنه يأتي الجنة فيقال: من؟ فيقول: محمد، فيقال: بك أمرت) أي: لا أفتح لغيرك. ومن الخصائص التي اختص بها النبي ﷺ : أنه صاحب لواء الحمد يوم القيامة، فلواء الحمد ينزل تحته كل الرسل وكل الأنبياء، وهذه منة من الله، وكرم وتعظيم لهذا النبي، كما قال النبي ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر) ففي هذا دلالة على خصوصيات اختص بها النبي ﷺ . ومن الخصائص التي اختص بها النبي ﷺ في الدنيا: أن الله جل وعلا جعل له الأرض مسجداً وطهوراً، كما قال النبي ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فهذا النبي هو أفضل الخلق أجمعين. نسأل الله جل في علاه أن يشفعه فينا، وأن يجعلنا ممن يكون معه في الفردوس الأعلى، وألا ننزل عن هذه الدرجة أبداً.
следующие страницы →