← Акыда

Акыда · id 37673

شرح لمعة الاعتقاد - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (222 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تأويل أهل البدع لصفة العلو لله والرد عليهم أهل البدعة والضلالة أيضاً عطلوا هذه الصفة العظيمة الجليلة وقالوا: لا يتصف الله بالعلو، قلنا: لم تنكرون علينا ذلك وقد قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ قالوا: عندنا من الكتاب من الأثر والنظر ما يدل على أن العلو هنا ليس مقصوداً، قلنا: ما هو؟ قالوا: قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] إلى آخر الآيات قال: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] فهذه دلالة على أنه معنا في كل مكان، وأن الله في كل مكان. والدليل الثاني الذي استدلوا به قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] فهذه دلالة على أن الله في كل مكان وليس بالعلو كما تقولون. وهذا الكلام ليس محدثاً، هذا الكلام من قديم الأزل ونحن نعايشه الآن، وكثير ممن يقول بالعقيدة الصحيحة عنده هذه الشبهة، فمن الناس من يقول: إن الله في كل مكان كعقيدة الصوفية، ومنهم الجفري وغيره يقولون بذلك، وكذلك الأستاذ زغلول النجار قال ذلك، وفسر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بأنه تقريبي وأن الله في كل مكان، فصرح أن الله في كل مكان، أي: أنَّ العقيدة الفاسدة موجودة فلا بد من الرد عليها، فاعتقادهم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] أنه إن كنت في البيت فهو معك، وإن كنت في البحر فهو معك، وإن كنت في السماء فهو معك، وإن كنت في الأرض فهو معك؛ لأن الله قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]. والرد على هذه الشبهة: أن القاعدة عند العلماء تقول: السياق والسباق واللحاق من المفسرات والمقيدات، ففي السابق أي: في أول الآية قال: (يعلم)، وفي اللاحق: أي: في آخر الآية ختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] فالله ختمها بالعلم وابتدأها بالعلم فالسياق هنا ذكر أنه يعلم أولاً ويعلم آخراً، إذاً: هو معكم بهذا الذي ابتدأه وهذا الذي ختم به، أي: بعلمه، فالسياق يثبت لنا قرينة تجعلنا نقول: التقدير: (وهو معكم) أي: بعلمه أينما كنتم، والذي يعضد ذلك قول الله تعالى بالجزم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقول النبي ﷺ : (ربنا الذي في السماء تقدست أسماؤك) فهو يقر ويعضد ذلك أنه يثبت جزماً دون تأويل أن الله في السماء. ونحن نعلم أنَّ السباق واللحاق من المفسرات، وهي القرينة التي صرفت اللفظ عن ظاهره، فهو ابتدأ السياق بالعلم وختم الآية بالعلم، فدل ذلك على أنَّ قوله: (وهو معكم) أي: بعلمه، فلما ذكر العلم أولاً وختم بالعلم ثانياً وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] أي: رابعهم بعلمه، ويعلم ما هم عليه، والذي يعضد ذلك أن النبي ﷺ أثبت جزماً دون احتمال أن الله فوق العرش، وأن الله في السماء، وهذا الجزم دون أي احتمال دل على أن الآية الأخرى ثبتت بالتأويل أنه بعلمه، وهو معكم بعلمه. وكذلك: لغة العرب تحتمل ذلك، أقول: سرت ليلاً ومعي القمر، أو سرت مع القمر، فهل رأيتم أحداً معه القمر في يده يمشي ويسير بين الناس؟ فكل إنسان يسلم على أنَّ القمر ليس في يده، وإنما أسير ومعي القمر وهو في السماء، فالمعية معيتان: معية خلطة، ومعية مصاحبة، ومعية الخلطة منفية عن الله، ولا يقول بها إلا أهل الاتحاد والحلول، فقولهم: إن الله في كل مكان يسمى معية الخلطة، وهذا لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون لله جل في علاه، والمعية الثانية: معية مصاحبة، ومعية المصاحبة كأن تقول: سرت والنيل، والواو هنا اسمها واو المعية أو واو المصاحبة، أي: سرت مع النيل، فهل النيل تجسد ومشى مع الرجل؟ لا، وكأن تقول: سرت والقمر، فالقمر لا ينزل من عليائه ولم يمش مع الرجل، بل التقدير: سرت مع القمر، أي: كنت في الأرض وهو معي، أينما أمشي أنظر فوقي فأجد القمر، كذلك كأن الله فوق عرشه يرى ما عليه عباده وهو معهم بعلمه، والذي يقرب لك هذا الأمر أن الكون كله في يد الله جل في علاه كحبة خردل في يد أحدنا، وهذا ليس ببعيد. الله: اسم من أسماء الله يتضمن صفة الإلهية فقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الأنعام:٣] أي: هو المألوه في السماوات، وهو الله في الأرض، أي: المألوه في الأرض، والمألوه يعني: المعبود الذي تألهه القلوب، أي: تحبه القلوب وتعظمه، فهذا أول تفسير لهذه الآية: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] يعني: هو المألوه في السماوات، والمألوه في الأرض. هذه بالنسبة للإلهية، ومن الممكن أن تفسر بالربوبية، فقوله: (هو الله في السماوات) أي: أمره في السماوات، وهو الله في الأرض أي: أمره في الأرض، والأوامر هذه من لوازم الرب: أنه السيد الآمر الناهي المطاع فيكون أمره في السماء وأمره في الأرض، كما ورد في بعض الآثار: الله في السماء، أي: أمره في السماء وأمره في الأرض، فهذه الآية تفسر أيضاً بالربوبية. أيضاً من باب الرد عليهم: جاء في بعض القراءات أنهم يقفون وقفاً لازماً عند قوله تعالى: (وهو الله في السماوات) فلا تستمر في القراءة لزوماً ووجوباً ثم تكمل: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣] إذاً: لزوماً تقف عند قوله: (وهو الله في السماوات) فأثبتنا هنا أن الله في السماوات، ثمَّ نبدأ جملة جديدة فنقرأ: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]، وهو وقف لازم في بعض القراءات السبع، فالوقف اللازم أن تقف عند قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الأنعام:٣]، ثم تبدأ جملة جديدة: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]. وأما الرد على الآية الثانية: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] فهو نفس الرد في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] بمعنى: أن المألوه في السماء هو المألوه في الأرض، وكذلك أن أمر الله في السماء وأمره في الأرض سبحانه.

стр. 72

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة الرؤية لله رؤية الله في الجنة هي الأمنية التي يتمناها الصالحون، وهي ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، غير أن فريقاً من أهل البدعة والضلال أنكروا هذه الصفة لله تعالى وردوها بشبهات أوهى من بيت العنكبوت.

стр. 73

صفة الرؤية لله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن شرف العلم يعرف من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل في علاه. ونحن نتكلم عن صفة من الصفات التي لا بد أن نتعبد بها لله، وهي رؤية الله جل في علاه في الآخرة. فنقول: لقد اشرأبت أعناق المحسنين والمتقين لهذه الرؤية؛ فمن أجل رؤية وجه الله الكريم شمر عن ساعد الجد المتقون والمجتهدون، وهذه الصفة لا ينالها إلا المحسنون.

стр. 74

رؤية الله في الدنيا وإن رؤية الله جل في علاه في الدنيا بالعين البصرية مستحيلة، ولا يمكن أن تحدث ولا لمحمد ﷺ ، وأما الرؤية القلبية فجائزة لمحمد ﷺ ولغير محمد ﷺ ، والمراد برؤية القلب أي: في المنام فالرؤية رؤيتان: رؤية بصرية، ورؤية قلبية. أما الرؤية البصرية فمستحيل على أي أحد أن يرى الله جل في علاه في الدنيا. والدليل على ذلك قول الله تعالى في مجيء موسى لميقاته: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقد اختلف العلماء في رؤية محمد لربه في الدنيا على قولين: القول الأول: ذهب ابن عباس ﵁ وأرضاه إلى أن محمداً قد رأى ربه ليلة المعراج. واستدل على ذلك بقوله ﷺ : (نور أنى أراه) وأيضاً قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والرؤية لمحمد، وهذا لم يثبت عن ابن عباس ﵁. والقول الثاني: ذهب ابن عباس أيضاً في رواية أخرى عنه إلى أنه: رآه مرتين بقلبه. وهذه الرواية توافق رواية عائشة والجمهور. وقد انتصر الحافظ ابن حجر لقول ابن عباس وهو خلاف الراجح. إذ إن الراجح: أن محمداً ﷺ لم ير ربه بعينه البصرية أبداً؛ وذلك لما تقرر في علم الأصول أن خطاب النبي ﷺ لأمته يدخل هو فيه، وقد قال النبي ﷺ : (لن تروا ربكم حتى تموتوا). فهذا فيه دلالة قاطعة على أنه لا أحد يرى الله حتى يموت، ومنهم محمد ﷺ . أما الرؤية القلبية، أو في المنام فهذه قد حصلت له ﷺ بأبي هو وأمي، وحصلت لآحاد الناس؛ لأن الأحكام على العموم لا على الخصوص. ففي الترمذي بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (رأيت ربي في المنام، فقال لي: يا محمد! أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أعلم، قال: فوضع يده على صدري فوجدت برد أنامله). فالشاهد أنه قال: (رأيت ربي في المنام) فهذه دلالة على رؤية الله في المنام بلا كيفية، ولآحاد الأمة أن يرى ذلك، وهذا هو الذي رجحه الإمام أحمد، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 75

رؤية الله في الآخرة وأما الرؤية في الآخرة فأسعد الناس بها من اتبع شرع الله جل في علاه، وأذل أهل الأرض لله جل في علاه، وإن العبد المؤمن أسعد ما يسعد به ويتنعم به في الجنة هو رؤية وجه الله الكريم جل في علاه، وكذلك المزاورة، فإن المؤمن يزور ربه ويسعد بلقائه، وذلك في اليوم الذي يقابل يوم الجمعة في الدنيا، فالمؤمن إذا دخل الجنة ورأى ما فيها من نعيم يكشف الحجاب، فما يتنعم بنعمة مثل نعمة النظر إلى وجه الله الكريم.

стр. 76

أدلة الكتاب على رؤية الله يوم القيامة والأدلة كثيرة جداً على رؤية الله يوم القيامة، وهذه الأدلة من الكتاب ومن السنة ومن النظر. فأما الأدلة من الكتاب فدلالات كثيرة، منها قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فهذه النضرة في الوجوه لأمر ولعلة؛ وهي أنها لربها ناظرة. والفعل (نظر) يتعدى بنفسه، ويتعدى بفي، ويتعدى بإلى. فإذا تعدى بنفسه فيكون بمعنى: الانتظار. وذلك كقول الله تعالى عن المنافقين عندما يعبر أهل الإيمان الصراط فيقف المنافقون ويقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]. فـ (انْظُرُونَا) بمعنى: انظروا إلينا أو انتظرونا حتى نستنير بهذه الأنوار، وهذه غير مرادة هنا. ويتعدى بفي ويكون بمعنى: الرؤية القلبية، أو التدبر في مخلوقات الله، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]. فقوله: ﴿يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ﴾ [الأعراف:١٨٥] يعني: ألا يتدبرون في عظيم خلق الله، ليعلموا عظمة ربهم جل في علاه، فتزداد الرهبة في قلوبهم والرغبة والرجاء في الله جل في علاه. ويتعدى بإلى ويكون معناه بالاتفاق: الرؤية البصرية. وذكرنا الاتفاق لأن أهل البدعة قد يقولون: هو الانتظار، أو يقولون: هو التدبر في نعائم الله وثواب الله. فقال الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] أي: تنظر إلى الله بهذه الأعين، كما قال تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، أي: حتى يستطيع أن ينظر إلى وجه الله الكريم الذي لو كشف الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. الدليل الثاني من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والقاعدة عند أهل التفسير: أن أفضل التفسير تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم باللغة. وهنا النبي ﷺ لم يترك الآية إلا وقد فسرها، وهذا أفضل التفسير فقال في قول الله تعالى: (((للذين أحسنوا الحسنى وزيادة))، قال: الزيادة: النظر إلى وجه الله). وفي الحديث عنه ﷺ : (أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال لهم ربهم: تريدون شيئاً؟ فيقولون: ألم تكن أكرمتنا وأدخلتنا الجنة؟ فيقول: لكم عندنا شيء، -أو كما قال النبي ﷺ فيكشف الحجاب، فما تنعموا بنعمة مثل هذه النعمة) وهي نعمة النظر إلى وجه الله الكريم. الدليل الثالث: من الأدلة على رؤية الله يوم القيامة من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]. فقال أبو هريرة، وأنس، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود قول الله تعالى: (لهم ما يشاءون فيها) أي: من الحور العين، ومن الأنهار، ومن اللبن، والخمر، والعسل. وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]: إنها النظر إلى وجه الله الكريم. رزقنا الله وإياكم النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة. الدليل الرابع: قول الله تعالى في سورة الإنسان: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٣ - ٢٤]، فنضرة النعيم حصلت لهم لأنهم ينظرون إلى وجه ربهم. والقاعدة عند العلماء: نفي المعمول يؤذن بالعموم، فحذف مفعول ينظرون أشعرت بالعموم، أي: ينظرون إلى الحور العين وإلى الجنات والنهر وإلى الخمر وإلى اللبن وإلى العسل، وينظرون إلى وجوه بعضهم البعض، وينظرون إلى وجه الله. فهم ينظرون بالعموم، فنفي المعمول يؤذن بالعموم. وهذا فيه دلالة على أنهم ينظرون إلى وجه الله الكريم. رزقنا الله وإياكم ذلك. خامساً: قول الله تعالى عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]. قال الإمام الشافعي ﵀: لما حجب هؤلاء في الغضب، كان لهؤلاء في الرضا النظر إلى وجه الله الكريم. وهذا ظاهر جداً؛ لأن الله اشتد غضبه عليهم فلم يروا وجه الله الكريم، فكانت المكافأة للذين تذللوا له وأطاعوه أنهم ينظرون إلى وجهه الكريم.

стр. 77

أدلة السنة على رؤية الله يوم القيامة وأما من السنة فالأدلة التي تدل على رؤية الله يوم القيامة كثيرة، منها: ما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ يرفعه: (جنتان من ذهب -أي: لكل رجل جنتان- آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء)، فإذاً رداء الكبرياء إذا كشفه الله نظر الناس إلى وجه الله الكريم. والأصرح من ذلك في السنة ما جاء في الصحيحين: (أن النبي ﷺ جلس مع أصحابه، فنظر إلى الشمس وقال: هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: هل تضامون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. قال: كذلك ترون ربكم). هو هنا يشبه الرؤية بالرؤية؛ لأنه قال: (لا تضامون) أي: لا يحدث ضيم عليكم. ولا تضارون: أي: ولا ضرر يقع عليكم عندما تنظرون إلى القمر، فكذلك عندما تنظرون إلى وجه الله الكريم فإنكم لا تضارون ولا تضامون. فقال: كذلك ترون ربكم وهذا فيه تصريح عظيم من النبي ﷺ على رؤية الله جل في علاه، ودائماً كان النبي ﷺ يجتهد في دعائه ويقول: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم). فإذاً: في الأدلة من الأثر الكتاب والسنة دلالة قاطعة على رؤية الله جل في علاه يوم القيامة.

стр. 78

أدلة النظر على رؤية الله يوم القيامة وأما الأدلة من النظر: فإن موسى ﵇ عندما سمع صوت الله طمع فيما هو أكثر، وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]. فمن هذه القصة نستشعر بأن رؤية الله ممكنة يوم القيامة لا في الدنيا. وذلك من وجهين: أولاً: أن موسى ﵇ قد سأل ربه سؤالاً، وكان هذا السؤال الذي سأله موسى عن علم؛ لأنه كان في زمانه أعلم الخلق بالله، وعندما يسأل أعلم الخلق بالله عندما يسأل سؤالاً مثل هذا فإن فيه دلالة على أنه يعتقد برؤية الله، وقد أقره الله على هذا الاعتقاد. لأنه لا يمكن لموسى أن يتجرأ على ربه فيسأله ما ليس له به علم، وإنما سأل عن علم. وجه الدلالة الثاني: أن الله أقر موسى ﵇، ولكن قال: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]. ولو كان هذا السؤال تعدياً من موسى لأنكر عليه ربه كما أنكر على نوح ﵇ عندما قال: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] فقال له الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، ثم قال: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]. فهذا إنكار من الله تعالى على نوح ﵇، فلما أقر الله موسى على هذا السؤال دل ذلك على أن رؤية الله ممكنة. لكن ليس ذلك في الدنيا؛ لأن القوة البشرية لا تطيق ذلك. ولذلك قال تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] فهذا هو الدليل من النظر الذي يدل أيضاً على رؤية الله يوم القيامة.

стр. 79

حفظ النظر عن الحرام في الدنيا شرط لرؤية الله يوم القيامة إن العبد الذي يعتقد برؤية الله يوم القيامة فهنيئاً له، ثم السعادة كل السعادة لهذا المرء لا ؤلئك التعساء السفهاء الذين أنكروا رؤية الله جل في علاه؛ لأن الذي يعتقد أنه سيرى ربه يوم القيامة لا بد له من أن يستعد استعداداً تاماً لرؤية الله جل في علاه، فإن البهاء والنور والنضرة تكون له برؤية ربه جل في علاه، والسعادة كل السعادة عندما ينظر إلى وجه ربه الكريم. فكفاه في الجنة النظر إلى وجهه الكريم. اللهم ارزقنا ذلك يا رب العالمين، فعلى المرء أن يستعد أتم الاستعداد لرؤية ربه يوم القيامة، بأن يحفظ بصره من كل سوء فلا ينظر إلى محرم، وإن نظر رجع وآب وتاب لربه جل في علاه. فهو يستعد استعداداً تاماً حتى يحظى بهذه المكانة بأن ينظر إلى وجه الله. وإن الله يغار، فلن يمكن لأحد استمر أو أصر على الحرام أن ينظر إليه، فعلى المرء أن يتفقد نفسه، ويحفظ بصره وسمعه وقلبه مما يغضب الله جل في علاه، حتى يفوز بهذه السعادة، وهي النظر إلى وجه الله الكريم.

стр. 80

بيان تفاوت العباد في رؤيتهم لله إن النظر إلى وجه الله يتفاوت بين العباد كتفاوت الطاعات والمنازل. فالذي ينظر إلى وجه ربه في الفردوس ليس كالذي ينظر إلى ربه في الدرجة الأدنى من الجنة. فكل إنسان يتمتع بقدر ما هو فيه من الطاعة، فالذي في الفردوس الأعلى تعلو متعته وهو في الفردوس الأعلى مصاحباً لرسول الله ﷺ وهو يزور الله، وينظر إلى الله جل في علاه. والذي في الأدنى يكون أقل متعة منه؛ لأن الإنسان الذي له همة عالية لا يرضى بالدون، بل يقول: لم أنزل عن هذه المتعة؟ بل لم لا أرتقي لأصاحب النبي ﷺ في الفردوس الأعلى، فينظر رسول الله ﷺ وأنظر كما ينظر، وينظر أبو بكر ﵁ وأنظر كما ينظر، وينظر عمر ﵁ وأنظر كما ينظر. وأزور ربي كما يزوره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر؟ اللهم اجعلنا مخلصين لك يا رب العالمين، واجعلنا نعمل بدينك ولرضاك وابتغاء وجهك الكريم. هذه الصفة الجليلة لا يصل إليها إلا المحسنون، ولا يصل إليها إلا المجدون، وقد منع منها قوم لا خلاق لهم، والله جل في علاه يكافئهم بهذا العطب الذي في قلوبهم على ما يشوشون به على أهل السنة والجماعة.

стр. 81

موقف أهل البدع من صفة الرؤية إن أهل البدعة يقولون: لا يمكن رؤية الله جل في علاه، وعندنا أدلة على ذلك منها: أولاً: عندما طلب موسى من ربه الرؤية قال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولن في اللغة للتأبيد، يعني: لن تراني أبداً. ثانياً: قال الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] وهذه فيها دلالة واضحة على أننا لن نرى الله، ولن ندرك الله جل في علاه. فقال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] هذه هي الشبهات التي تمسك بها المعتزلة وأمثالهم من الأشاعرة، وإن كان كلامهم خفي لكن هؤلاء أهل البدعة والضلالة الذين يضللون أهل السنة والجماعة، ويبعدون أنفسهم عن هذا الخير العميم، ويضلون غيرهم من العوام بهذه الأدلة.

стр. 82

الرد على أهل البدع فيما استدلوا به على نفي الرؤية ولا بد للإنسان الذي يتعلم العقيدة السديدة من أن يكون راسخاً فيها، حتى يرد على أهل البدعة والضلالة فيما استدلوا به. ونقول في الرد عليهم: أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فنقول: بأن (لن) ليست للتأبيد، والدليل على ذلك: أن الله حكى لنا عن خصال أهل الكتاب، فقال تعالى: ﴿َلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥] يعني: الموت. وقال الله تعالى مبيناً أنهم يتمنون الموت يوم القيامة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] وأيضاً: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، فهذا تمنٍ للموت. فقول الله تعالى: ((لَنْ يَتَمَنَّوْهُ)) ليست للتأبيد؛ لأنهم يتمنونه في الآخرة. فإن قالوا: فكيف تجيبون عن الآية؟ فنقول: نجيب عن الآية بقولنا: إن قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، يعني: لن تراني في هذه الدنيا، بهذه الهيئة وهذه الكيفية التي أنت عليها؛ لأن قوتك البشرية لا تستطيع أن تحتمل أنوار وجه الله جل في علاه. اللهم ارزقنا النظر إلى وجهك الكريم فإن من عظمة وجه الله وأنواره جل في علاه ما حكاه تعالى في القرآن بقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]، الجبل الراسخ الشم الشامخ، فكأن الله يقول: لن تراني بهذه الكيفية، وهذه القوة البشرية في هذه الدنيا، ولكنك في الآخرة ستراني بهذه الأدلة الكثيرة الوفيرة. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] فنقول: إن المنفي في هذه الآية هو الإدراك. والعلاقة بين الإدراك والرؤية: أن بينهما عموماً وخصوصاً، فالرؤية من الإدراك من جهة المرئي، فالإدراك أخص والرؤية أعم. مثال ذلك: لو أن إنساناً في داخل المسجد ونظر في جميع نواحي المسجد فقد أدرك المسجد، وأحاط بكل صغيرة وكبيرة فيه، واستطاع أن يصف لك ما في المسجد كله، ومثل ما حصل للنبي ﷺ بعدما أسري به وهو في بيت الله الحرام وكان نائماً، فجاءوا إليه وقالوا: أنت زرت بيت المقدس! فصفه لنا؟ فاغتم النبي ﷺ لذلك، فجاءه جبريل بصورة بيت المقدس، فجلس يحكي لهم كل جزئية في بيت المقدس، فهذا قد أدرك البيت. وأما الرؤية فهي أعم، ولا تكون كل رؤية إدراكاً؛ لأن الإدراك هو: النظر أو رؤية كل دقيق وجليل في المسألة. وأما الرؤية فهي على العموم. فالرؤية هنا تكون أعم من الإدراك، والله جل وعلا إنما نفى في كتابه الإدراك، ولم ينف الرؤية، فقال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وهذا حق فإننا لا نقيس بالله شيئاً ، ولا نحيط به علماً، وأيضاً لا ندرك صفات الله جل في علاه. إذاً: فنفي الإدراك يدل بالاستلزام على وجود الرؤية؛ لأن نفي الأخص يستلزم وجود الأعم، فإذا نفي الإدراك فلا بد أن تكون الرؤية موجودة. إذاً: هذه الآية ليست محل النزاع؛ إذ إننا نتفق معكم أننا لا ندرك صفات الله جل في علاه. لكننا نقول: إننا سنرى وجه الله جل في علاه؛ لأن الآية والحديث أثبتا لنا رؤية الله يوم القيامة.

стр. 83

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة الكلام لله والقرآن كلام الله صفة الكلام لله تعالى، وأنه سبحانه يتكلم أثبتها أهل السنة والجماعة، من غير تأويل ولا تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه، إلا أنه لم تطب أنفس أهل البدع بإثبات هذه الصفة، فنفوها عن الله منزهين له -بزعمهم- عن مشابهة المخلوقين، ولقد وقعوا في شر مما هربوا منه، حيث شبهوا الله بالعجماوات، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

стр. 84

صفة الكلام لله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إن صفة الكلام صفة ثبوتية فعلية، وهي قديمة النوع حادثة الأفراد. والصحيح الراجح: أن صفة الكلام صفة فعلية ثبتت لله بالكتاب وبالسنة وإجماع أهل السنة.

стр. 85

الأدلة من الكتاب على إثبات صفة الكلام لله أما الأدلة من الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ووجه الدلالة من هذه الآية على أن الله يتكلم، أن الكلام أضيف لله، والمضاف إلى لله نوعان: إضافة معان، وإضافة أعيان. وإضافة المعاني: إضافة صفة للموصوف، والكلام معنى. وأما إضافة العين: كالكعبة بيت الله، وكعيسى روح الله. وأما الكلام فهو: معنى مضاف، ونقول: إن المعنى إذا أضيف إلى الله فهو إضافة صفة إلى الموصوف. ومن الأدلة من الكتاب على أن الله يتكلم: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، ((وَإِذْ قَالَ)) والقول كلام. وأيضاً: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء:١٠]، والنداء من الكلام. وأيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]. فهذه كلها دلالات على كلام الله جل في علاه.

стр. 86

الأدلة من السنة على إثبات صفة الكلام لله وأما الأدلة من السنة، فمنها: قول النبي ﷺ في خطبة الحاجة بين يدي كلامه ﷺ ، فقد كان يقول فيها: (إن أصدق الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، فأضاف الكلام إلى الله جل في علاه. وأيضاً قول النبي ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فهذا الحديث فيه دلالة على أن الله يتكلم، وفيه دلالة على أن الكلام صفة من صفات الله، ووجه الدلالة من الحديث وجهان: الوجه الأول: أنه أضاف الكلام إلى الله، والكلام ليس بعين، وإنما هو معنى، وإضافة المعنى هو إضافة صفة للموصوف. والثاني: أن الاستعاذة عبادة، ولا يمكن لرسول الله ﷺ وهو الذي علم هذه الأمة التوحيد أن يستعيذ بمخلوق، فلو كان كلام الله مخلوق لما استعاذ به النبي ﷺ ؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، والنبي ﷺ منزه عن الشرك، فكان ﷺ يقول: (أعوذ بكلمات الله)، يعني: أستعيذ بصفة من صفات الله وهي صفة الكلام. فإذاً: الله يتكلم بصوت مسموع وبحرف سبحانه جل في علاه.

стр. 87

الأدلة على أن كلام الله بصوت مسموع أما الدليل على أن الله: يتكلم بصوت مسموع فقد دل الكتاب والسنة على ذلك. أما من الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]، والنداء في اللغة معناه: الكلام بصوت، والمناداة لا يمكن أن تكون إلا بصوت. وأيضاً قال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢]، فهذه أيضاً فيها نداء من الله جل في علاه. والنداء لا يكون إلا بصوت مسموع. وأما من السنة: فقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحشر الخلائق من أول آدم إلى آخر الخليقة فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)، فهذا أيضاً فيه دلالة على سماع صوت الله يوم القيامة، إذاً: فهو يتكلم بصوت. وأيضاً يتكلم بحرف؛ لأن الكلمات تتكون من حروف. وقد بينه الله في كتابه عندما قال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١]. وقال الله تعالى: ﴿حم﴾ [غافر:١]. وقال تعالى: ﴿عسق﴾ [الشورى:٢]. وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]. فكل هذه حروف تدل على أن الله يتكلم بصوت وبحرف. فكلام الله جل في علاه ثابت بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة.

стр. 88

كلام الله قديم النوع حادث الأفراد إن صفة الكلام قديمة النوع، أي: أن الله جل وعلا يتكلم من الأزل وقتما يشاء أن يتكلم؛ لأننا لا نستطيع أن نقول أنه كان يقول في الأزل: ﴿يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١١ - ١٢] فما قال ذلك حتى جاء موسى ﵇ عند الشجرة، فقال الله جل في علاه: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢] فهي قديمة النوع حادثة الأفراد، أو حادثة الآحاد، يعني: يتكلم الله بما شاء وقتما يشاء. وقد ضرب بعض العلماء لذلك مثلاً فقال: إنك إذا دخلت على رجل وقد سكت ثم في لحظة تكلم، فإنك لا تستطيع أن تصف هذا الرجل بأنه ما كان يستطيع الكلام، وأنه أخرس، بل تقول: إنه كان ساكتاً ثم تكلم حيث شاء، أو وقتما شاء أن يتكلم. ولله المثل الأعلى، فكلامه يتعلق بالمشيئة، ولكن الصفة قديمة النوع وحادثة الأفراد.

стр. 89

اعتقاد أهل البدع في صفة الكلام، وشبهاتهم حولها والرد عليهم إن بعض أهل البدعة والضلالة لم يقروا بهذه الصفة لله، وقالوا: إن الله لا يتكلم. ثم أوردا شبهة شديدة جداً، فقالوا: لو قلتم بأن الله يتكلم فإن ذلك يستلزم لوازم باطلة. وهي: أنه لا كلام إلا بمخرج، فتكونون قد شبهتم الخالق بالمخلوق، ولذلك قالوا: إن الله لا يتكلم. والجواب على ذلك بأن نقول: إن الأصل أنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ولا يستلزم من الكلام المخرج. وأيضاً: لم يرد في الشرع أن لله فماً، ونحن لا نثبت لله صفة إلا إذا أثبتها لنفسه، فنحن نسكت عن هذا. وأما ما أوردوه من إلزام فنقول: إن هذا اللازم باطل؛ لأننا لو قلنا بقولكم فقد كيفنا الصفة، والكيف مجهول بالنسبة لنا، ونحن نفوض الكيفية. بل إن في المخلوقات ما يتكلم ونحن لا نعرف كيفية كلامه. مثال ذلك: السماوات والأراضين، فعندما خلقهما الله قال لهما: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. وأيضاً: تكلمت الجنة وتكلمت النار، ففي الصحيحين: (أن الجنة والنار احتجتا عند الله جل في علاه، فقالت النار: يدخلني المتكبرون، وقالت الجنة: يدخلني الضعفاء). فتكلمت الجنة وتكلمت النار. ولا نعرف كيفية كلامهما، وإن كان هذا في المخلوق فمن باب أولى ألا نعلم كيفية كلام الله جل في علاه، لكنه يتكلم، ويسمع من يشاء بكلامه، فقد أسمع الملائكة، فجبريل ﵇ سمع صوت الله، بل وملائكة السماء سمعوا صوت الله جل في علاه كما في الحديث الصحيح: (أن الله إذا أراد أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، فيسمعون صوت الله، وتأخذ السماء منه رجفة أو رعدة شديدة)، فهذه دلالة على أنهم يسمعون صوت الله جل في علاه، وجبريل قد سمع صوت الله بتلاوة القرآن، وأخذ القرآن ونزل به إلى محمد ﷺ . إذاً: الله يتكلم، ولا نعلم كيفية كلام الله جل في علاه، فنحن نثبت الصفة بلا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل. ويزيد من بطلان إلزامهم بأن الكلام يستلزم المخرج، أن هذا تكييف، والكلام في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم إنكم أيها المبتدعة خالفتم ظاهر القرآن وظاهر السنة وإجماع الصحابة، وهذا يلزم منه لوازم باطلة لا يمكن أن نقر بها. إذاً فنقول في الرد عليهم: إن هذا اللازم الذي قلتم عليه أنه لازم باطل وليس بلازم، فإن هناك مخلوقات تتكلم ولا يستلزم من وجود الكلام وجود المخرج، ولا نعلم كيفية هذا الكلام، فمن باب أولى نقول: إن الله جل في علاه يتكلم ولا نعرف كيفية هذا الكلام.

стр. 90

القرآن كلام الله غير مخلوق إن القرآن من كلام الله جل في علاه؛ فهو صفة من صفات الله، فقد تكلم الله بالقرآن. وهناك آيات وأحاديث تثبت أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق. لأن بعض المبتدعة قالوا: كلام الله مخلوق. والآن كثير من هؤلاء يزعمون بأن الله جل وعلا لم يتكلم بالقرآن، وأن هذا القرآن مخلوق كالسماء والأرض والشجر والحجر. ومن هؤلاء: سيد قطب رحمة الله عليه، فإن من الأخطاء الفادحة التي وقع فيها في كتابه الظلال، أنه لما كان يتكلم عن القرآن يصور بديع القرآن كبديع خلق الله السماء والأرض، فقال: والقرآن كالسماء وكالأرض وكالشجر. فعندما يشبه القرآن بالسماء فقد شبه صفة من صفات الله بمخلوق. فكأنه يقول: القرآن مخلوق، وإن كنا لا نأخذ عليه هذا لأنه ليس بعالم، وإنما هو أديب. ولكن هذا الكلام هو كلام المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن القرآن خلقه الله في الشجرة، والشجرة قالت لموسى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢].

стр. 91

الأدلة على أن الكلام صفة ثابتة لله فالمقصود: أن القرآن كلام الله، والكلام صفة من صفات الله جل في علاه، دل على ذلك آيات كثيرات. منها: قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق:٥]، والأمر هو من قول الله تعالى. وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ﴾ [التوبة:٦]. فأضاف الكلام لله جل في علاه. وقول الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، إلى أن قال في الآية الأخرى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق:٥]. وأيضاً من السنة: أن النبي ﷺ قال: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، والقرآن يدخل في عموم الكلام.

стр. 92

اعتقاد أهل البدع في القرآن وأدلتهم والرد عليها أما أهل البدع والضلالة فقد نظروا إلى كتاب الله وقرآن الله، فقالوا: هذا ليس من كلام الله؛ لأن الأصل عندهم أن الله لا يتكلم. فإذا قلت: إن الله تكلم بالقرآن. قالوا: الأصل أن الله لا يتكلم. وأن هذا القرآن مخلوق وليس بكلام الله. واستدلوا على ذلك بأن قالوا: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، والجعل أصله: الخلق، فيكون الجعل هنا أصله: الخلق. فقوله تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً)، يعني: خلقناه قرآناً عربياً. فقالوا: هذا دليل واضح جداً على أن القرآن مخلوق، وليس بكلام الله جل في علاه. وعندنا الأدلة الكثيرة التي أثبتنا بها أن القرآن هو كلام الله، قال تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:٨٠] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]. وأيضاً الأدلة الكثيرة من السنة على أن القرآن هذا وحي من الله، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥]. وعندما أنكر النبي ﷺ على الشبعان الجالس على أريكته بقوله: (يأتيه الأمر من أمري، فيقول: ننظر في كتاب الله) كأن المبتدع هذا يرى أن هذا كلام الله وهؤلاء لا يقرون بهذا، فيقول: ننظر في كتاب الله فإن وافق الحكم ما في كتاب الله أخذنا به، وإلا لم نأخذ به، فقال النبي ﷺ : (ألا وإني قد أتيت القرآن)، يعني: وحياً من الرب (ألا وإني قد أتيت القرآن ومثله معه)، يعني: السنة التي هي قرينة أو صنو القرآن. إذاً: فالأدلة من الكتاب والسنة تثبت أن القرآن كلام الله، وهم يعاندون رسول الله، ويقولون: إن الله لا يتكلم، وإن القرآن ليس بكلام الله، وهو مخلوق. والرد عليهم أولاً: قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]، فهذه الآية ظاهرة جداً في أن الكتاب من الله جل في علاه، سمعه جبريل، ونزل به لمحمد ﷺ . وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [يس:٨٢]، والأمر من قول الله جل في علاه. وقال النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن، فإن لكم بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: ألم حرف، ولكن أقول: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف). وأيضاً ورد عن الصحابة بأسانيد صحيحة أنهم كانوا يصفون الله بالكلام، ويقولون: القرآن كلام الله. كما جاء عن أبي بكر وعمر ﵂ وأرضاهما، فـ عمر ﵁ كان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. وأيضاً أبو بكر ﵁ عندما رأى أن الروم ستغلب الفرس، قالوا: هذا من كلامك أم من كلام شاعر؟ أي: النبي ﷺ . فقال: بل هو من كلام الله، فنسب الكلام لله جل في علاه. وعائشة ﵂ عندما قالت: (والله إن شأني في نفسي لأحقر من أن يتكلم الله بي)، أي: بقرآن من فوق سبع سماوات. ويقول عثمان بن عفان ﵁ كما في شعب الإيمان للإمام البيهقي ﵀ بسند صحيح: لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله جل في علاه. وأيضاً روي عن ابن مسعود ﵁ بسند صحيح أنه كان يقول: من أراد أن يختبر حبه لله فليعرض نفسه على كلام الله، فإن أحب كلام الله فقد أحب الله جل في علاه؛ لأنه قد أحب صفة من صفات الله جل في علاه. وقال بعض السلف: لا يتعبد لله بأفضل مما خرج منه، والذي خرج منه هو القرآن، فهذا إثبات بأن القرآن كلام الله جل في علاه. وأما الرد على شبهتهم بأن الجعل هو الخلق، فنقول قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، فهل خلق منها زوجها؟!! وأيضاً إن جعل: تحتمل الخلق وتحتمل التحويل، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥] فهل خلقهم كعصف مأكول، أم خلقهم بشراً مثل سائر بني آدم؟ فجعلهم هنا ليست بمعنى: خلقهم. إذاً: فقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، أي: جعل هذا الكلام عندما أنزل به جبريل باللسان العربي المبين، فإن الله تكلم مع موسى بالعبرية، وتكلم مع عيسى بالسريانية، وتكلم مع كل نبي بلغة قومه. فلما تكلم بالقرآن تكلم باللغة العربية، قال تعالى: (فجعلناه قرآناً عربياً)، يعني: تكلمنا به بلغة العرب لا باللغة العبرانية، ولا باللغة السريانية. فهذه فيها دلالة واضحة على أن الجعل أيضاً يكون بغير الخلق وهذا رد على هذه الشبهة. فالقرآن ليس بمخلوق وإنما هو كلام الله. ومن قال بأن القرآن مخلوق، فنقول له: لقد خالفت ظاهر القرآن، وخالفت ظاهر السنة، وخالفت إجماع أهل السنة والجماعة. وأيضاً نقول له: لقد رددت القول على الله؛ لأن الله فرق بين الخلق والكلام وأنت جمعت بينهما، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فعطف الخلق على الأمر بالواو العاطفة، والأصل في العطف: المغايرة. فعلمنا أن الخلق غير الأمر، فالأمر صفة من صفاته، والخلق فعل من أفعاله جل في علاه، فإذا أضيف الخلق إلى الله فتكون الإضافة إضافة تشريف، وأما بالنسبة للأمر فهو صفة من صفات الله، تكلم به جل في علاه. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٣]، فغاير بين تعليم القرآن وبين خلق الإنسان، ولو كان القرآن مخلوقاً لقال الله تعالى: الرحمن خلق القرآن وخلق الإنسان. ولكن قال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٣] فغاير بين تعليم القرآن وبين خلق الإنسان. أيضاً نقول: يلزم من قولكم بأن القرآن مخلوق لوازم باطلة، وهي: أولاً: أن موسى ﵇ عندما جاء لميقات ربه إلى الشجرة قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]، وهل المخلوق يتجرأ ويقول لموسى: إني أنا ربك؟ وهل الله جل وعلا يأمر موسى أن يعبد غيره؟ وهل يصح هذا في الأذهان؟ فهذا لازم باطل، فلو كان القرآن مخلوقاً فالمخلوق هو الذي يأمر موسى، ويقول له: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢] وهذا لازم باطل؛ لأن الله لا يأمر بالكفر، وإنما يأمر بالإيمان وبالتوحيد. وأيضاً من اللوازم الباطلة: أن موسى ﵇ لما جاء لميقات ربه قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]، فهل المخلوق يحجب عن موسى ويقول: ((لَنْ تَرَانِي))؟ هذه هي الردود على أهل البدعة والضلالة الذين يقولون: بأن القرآن مخلوق. ونحن نقول لهم: القرآن كلام الله، وصفة من صفات الله جل في علاه، وقد تكلم الله بهذا القرآن، وسمعه جبريل، ونزل به إلى النبي محمد ﷺ وحياً.

стр. 93

الفرق بين إضافة القرآن إلى الله وإضافته إلى جبريل وإلى نبينا محمد يبقى إشكال لا بد من حله وهو أن الله أضاف القرآن لجبريل ﵇، وأضاف القرآن لمحمد؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٠]، فأضاف القول للرسول الكريم الذي له القوة عند ذي العرش، وهو جبريل ﵇، وأضاف أيضاً القول للنبي ﷺ في بعض الآيات، فالإشكال هو: هل محمد هو الذي تكلم بهذا الكلام، كما قال طه حسين: بأن الكلام هو من الشعر الجاهلي، وهو من كلام محمد ﷺ ؟ أم هو من كلام جبريل؟ أم هو من كلام الله؟ ولا بد علينا لزاماً أن نجيب على إضافة القول لجبريل، وإضافة القول للنبي ﷺ . ونقول: إن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، فأضاف القول للرسول الملكي وهو جبريل ﵇، فالآية تحتمل أمرين، الأمر الأول: أن مبدأ الكلام من هذا الرسول الكريم، وتحتمل أيضاًًًً: أن يكون إضافة القول للرسول إضافة تبليغ. كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]. فإذاً: قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير:١٩]، إضافته لهذا الرسول الكريم إضافة تبليغ، ويكون القول أصالةً مبدؤه من الله جل في علاه، فهو تكلم به، وسمعه جبريل، فلما بلغه جبريل أضيف إليه إضافة تبليغ. كما تقول: بنا الفسطاط عمرو بن العاص، أو بنا مصر عمرو بن العاص، وليس هو الذي بناها، وإنما بنيت بأمر منه. فهنا أمر الله جبريل أن يبلغ هذا لمحمد، فأضافه إليه إضافة تبليغ. وبهذا يحل الإشكال، وتصفو الأدلة، ويكون الله جل في علاه يتكلم بكلام، وبصوت مسموع وحرف، والله جل في علاه يتكلم حيثما شاء، وبما شاء، وقتما شاء، والقرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: بأن القرآن مخلوق فقد كفر كما قال الإمام أحمد بن حنبل. وليس هذا المجال مجال تفصيل الكلام على الذين قالوا برد القرآن من المبتدعة.

стр. 94

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - فصل في القضاء والقدر القدر من لوازم ربوبية الله ، ولا يستقيم لعبد إيمان ما لم يؤمن بالقضاء والقدر، ومسألة القدر ضل فيها كل من القدرية والجبرية، والمنهج الأسلم والسبيل القويم في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة والجماعة الذين يثبتون لله قدراً كونياً وقدراً شرعياً، كما يثبتون للمخلوقين إرادة واختياراً لا تنفك عن إرادة الله تعالى وقدره.

стр. 95

مقدمة في أهمية الإيمان بالقضاء والقدر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. انتهينا بفضل الله وبمنه وكرمه وبحوله وقوته من الكلام عن الأسماء والصفات، وهنا سنتكلم عن باب مهم جداً وأنا هنا سأجمل الكلام عنه، لكن من أراد التفصيل فعليه بأسطوانة شرح أصول أهل السنة والجماعة، ففيها تفصيل كبير في مسألة القدر، والقدر هو قدرة الله، وهو من لوازم ربوبية الله، ولا يستقيم إيمان عبد بحال من الأحوال إلا بالإيمان بالقدر، ولا يمكن أن تطلق الإيمان على رجل لا يعتقد الاعتقاد الصحيح بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فلا يمكن أن يستقيم إيمان عبد إلا به، ومسائل القدر دحض مزلة، قد ضلت فيه أفهام كثيرة، وضل فيه أناس كثيرون حتى ممن ينتسب للسنة، وسأبين لكم أخطاء فادحة يقع فيها المرء حتى إن المؤلف وقع منه الخطأ فيه وهماً منه؛ لأن باب القدر باب ليس بالهين، بل هو سر من أسرار الله، وسر من أسرار الغيب، وهو من أفعال الله جل في علاه. فإذا أردت أخي الكريم أن تؤمن بالقدر فعليك أن تعلم أن الله قدر كل شيء قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، وأن الله كتب كل شيء قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، والقدر ركن ركين من أركان الإيمان، ودليل ذلك قول النبي ﷺ في حديث عمر بن الخطاب عندما دخل عليه جبريل معلماً الناس وقال: يا محمد! ﷺ بأبي هو وأمي (أخبرني ما الإيمان؟)، فأجاب النبي بأهم ما في الإيمان، ولم يعرف الإيمان لغة، ولكنه أعطاه أهم شيء فيه، فعرف الإيمان بأركانه، وهذه تثبت لك بأن الإيمان كل جزئية منه هي ركن من أركانه، وفيه دلالة على أن الركن الواحد منها إذا نزع نزع الإيمان، فالإيمان له أركان، وهي كما قال النبي ﷺ : (أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، فهذه أركان الإيمان ومنها القدر.

стр. 96

القدر من أركان الإيمان والقدر ركن من أركان الإيمان، والذي لا يؤمن بالقدر فقد كفر وخرج من الملة؛ وهذا هو ما قاله أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد ورد في صحيح مسلم أنه جاء رجلان من أهل الكوفة إلى ابن عمر ﵁ وأرضاه، وكانا يريدان التعلم، فقالا: لو صادفنا أحداً من أصحاب رسول الله كي نتعلم منه، فطافا فوجدا ابن عمر فاكتنفاه رجل عن يمينه ورجل عن يساره فقال: أرأيت من يتكلم في القدر ويقول: إن الأمر أنف، -يعني: انقضى- وكأنهما يريدان أن يقولا لـ ابن عمر: أرأيت أناساً عندنا يدعون العلم، يقولون: الأمر أنف. فقال الراسخ في العلم ابن عمر ﵁ وأرضاه: أبلغهم أني منهم بريء وهم مني برآء، فهنا البراءة الكلية من الكفرة، ثم استدل على تكفيرهم بكفرهم بالقدر فقال: سمعت أبي أي: عمر بن الخطاب وذكر حديث جبريل الطويل. ومن الدلالة على أن القدر ركن من أركان الإيمان، وأن من لم يؤمن به فقد خرج من الملة ولا يستقيم إيمانه إلا بذلك، حديث الصحابي الجليل في مسلم عندما نصح لابنه فقال له: يا بني! إنه لا يستقيم إيمانك حتى تعلم أنه ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ثم قال: يا بني! -وهذا وجه الشاهد- إن لم تمت على هذا كنت من أصحاب النار. فهذه دلالة قوية جداً على أن من لم يمت على هذا الاعتقاد كفر وخرج من الملة، وكان من أصحاب النار خالداً فيها. والقدر هو قدرة الله جل في علاه، وهو تقديره لخلق الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقد بين الله ذلك جلياً في كتابه وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]، وقال جل في علاه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال جل في علاه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:٢٢]، ووجه الشاهد هو قوله: (من قبل أن نبرأها). وقال الله جل في علاه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢ - ٥٣]، يعني: مكتوب في اللوح المحفوظ، وكل هذه أدلة على أن الله جل وعلا كتب كل شيء قبل أن يخلق الخلق، ويدل على أن ذلك كان قبل خلق الخلائق بخمسين ألف سنة الحديث الذي سيأتي تفسيره في احتجاج آدم وموسى، حيث قال موسى: (أنت آدم خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه أكلت من الشجرة وأخرجتنا ونفسك من الجنة، فقال آدم ﵇: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وبرسالته فقال: نعم. فقال: أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، أو قال: أترى أن الله قد كتب ذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فقال النبي: حينها حج آدم موسى)، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، والإمام المبين: هو الكتابة في اللوح المحفوظ. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، والزبور: هو الذي أنزل على داود ﵇، والدليل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣] إذاً: فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] يعني: كتب في الذكر -وهو اللوح المحفوظ- كل شيء من الشقاء، أو السعادة، وأهل الجنة والنار، حتى ابتسامتك ونومك وزواجك، ورزقك، فكل ذلك قد كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله الخلق بخمسين ألف سنة، ودليل ذلك ما في مسند أحمد بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه: (خرج على الناس بكتابين فقال: هذا كتاب وهذا كتاب، هذا كتاب أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم. وختم على ذلك -يعني: لا يزاد فيه ولا ينقص- ثم قال للذي في شماله: وهذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم، ثم قال: ختم على ذلك -يعني: لا يزاد فيه ولا ينقص- ثم قال: فرغ ربكم من العباد). يعني: كتب أهل الجنة بعملهم وأهل النار بأعمالهم، وهذه الكتابة لا تجعل المرء يتقاعس عن العمل بل تزيده همة في العمل كما سنبين.

стр. 97

مراتب القدر نذكر هنا بياناً لمراتب القدر الأربع، فهي محور إتقان المرء لاعتقاد القدر، وهذه المراتب الأربع: علم، فكتابة، فإرادة، فخلق، أو نقول: علم فكتب فأراد فخلق، وهذه المراتب من لم يؤمن بها فلا يستطيع الإيمان الكلي بالقدر ولا إتقان مسائل القدر، فتراه يتسخط على القدر ويجهل جهلاً عظيماً بهذا الباب، وإن كان لا يخرج من الملة؛ لأن الخروج من الملة إنما يكون إذا كان لا يؤمن أصالة بالقدر.

стр. 98

من مراتب القدر العلم فالمرتبة الأولى هي: أن تعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله علم كل شيء صغيراً أو كبيراً سراً أو علناً، كلاماً أو صمتاً. قال : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، وقال الله تعالى: ﴿لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، فالله يحيط بكل شيء علماً ، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٠٧]، وقال جل في علاه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، يعني: يعلمها الله جل في علاه وكتبها، وقد ختم الله الكثير من الآيات بتسمية نفسه (العليم الحكيم) قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٤ - ٥]، ثم قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف:٦]، فذكر العلم وذكر معه الحكمة، فالله يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فكل ما كان يعلمه الله جل في علاه قبل أن يقع، وقد كتبه في اللوح المحفوظ عن علمه جل في علاه، ويعلم ما حدث بين آدم وإبليس وما حدث بين آدم وحواء، وما حدث بين محمد وأصحابه، ويعلم الله أيضاً ما يكون -كما سنبين في أشراط الساعة- في زمننا هذا من نطق الرويبضة، وأيضاً نزول عيسى بن مريم ﵇، وظهور المسيح الدجال والدابة وغيرها. جاء في مسند أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (بين يدي الساعة سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: الفاسق، أو قال -يقلل من شأنه-: الفويسق يتكلم في أمر العامة)، وما أكثر الرويبضات في هذه العصور. وقد ثبت أن النبي ﷺ بين لنا أننا سنموت ثم نحشر حفاة عراة غرلاً، وأن الله جل وعلا يحشرنا على أرض غير هذه الأرض ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، فكل ذلك أخبرنا الله به وسيقع. وكذلك فإن الله يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، فالشيء الذي ليس موجوداً بحال من الأحوال لو وجد فإن كيفيته يعلمها الله ونحن لا نعلم، ويدخل في هذا الممكن والمستحيل، فمن الممكن مثلاً أن الصف المنافق لو خرج مع الصف المؤمن فإنه سينشر في الصف المؤمن الخبال والفتن، وقد قال الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ﴾ [التوبة:٤٧]، فالمنافقون لم يخرجوا، ولكن لو خرجوا فإن الله يعلم ماذا سيحدث، فهو يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون. أيضاً أهل الكفر يقول الله عنهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣]، ولم يحدث أن الله أسمع الكافرين، ولكن لو أسمعهم كيف سيكون الحال؟ قال: ﴿لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]، وهذا في الدنيا. وكذلك في الآخرة ذكر الله ما هو أعظم من ذلك، وهو أهل النار، فهم عندما يقفون على النار وينظرون إلى حق اليقين وعين اليقين يقولون ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧]، فهم تمنوا الرجعة إلى الدنيا، ولكن لو ردوا إلى الدنيا فماذا سيكون حالهم؟ هل سيؤمنون على زعمهم؟ إذ قالوا: (نؤمن ولا نكذب بآيات ربنا) الجواب يأتي من الذي يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]، فهذا بيان من الله جل في علاه لما لم يكن لو كان كيف سيكون، وهذا بالنسبة للشيء الممكن والمتاح. أما الشيء المستحيل، فيقول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، وهذا مستحيل أن يكون فليس للكون رب سوى الله جل في علاه، فلو قال أحد بأن للكون ربين أو إلهين لقلنا له: كذبت وخسئت، فإن هذا من المستحيل. ولكن بين لنا الله جل في علاه أن ذلك لو كان فإن الدنيا كلها ستكون خراباً، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] فسيذهب كل إله بما خلق وسيعلو بعضهم على بعض، فصاحب الشمس يتمسك بشمسه وصاحب القمر كذلك، وصاحب الأنهار يتمسك بأنهاره، فتفسد الأرض ولا تكون ثمة حياة في هذه الدنيا.

стр. 99

تنبيه على تمثيل خاطئ عند بعض العلماء فيما يتعلق بعلم الله وهنا ننبه على خطأ فادح يقع فيه كثير من الدعاة وكثير من أهل العلم، وهذا الخطأ الفادح هو في ضرب المثل على علم الله، فيقول بعضهم: إذا أردت أن تؤمن بالقدر فتقريب القول في ذلك: أن المدرس في الفصل ينظر إلى التلاميذ ويقول: هذا التلميذ سيأتي في الامتحان بالدرجة النهائية، والثاني أقل منه والثالث أقل منهما ويحدد درجة كل منهم؛ لأنه يعرف البليد من الذكي، فكتب المدرس في كتاب عنده: درجة محمد ثلاثون من ثلاثين، ودرجة زيد خمسة وعشرون، ودرجة عبيد صفر، وفي نهاية الامتحانات جاءت نتيجة الطلاب مطابقة لما كتبه المدرس عنده في ورقة قبل الامتحان. ثم يقولون: كذلك القدر ولله المثل الأعلى، وهذا القول اعتزال محض، وهذا المثل ضربه الشيخ الشعراوي رحمة الله عليه، والشيخ الشعراوي كان في فكرة شيء من عقيدة الأشاعرة وشيء من عقيدة المعتزلة، وإن كانت هذه إن شاء الله تغمر في بحر حسناته، ويغفر الله له زلاته، ولكن هذا اعتزال محض، إذ إن المعتزلة الذين ينفون القدر منهم من ينفي العلم كلية، ومنهم من يثبت العلم، لكن ينفي الإرادة، فالمعتزلة أصل في نفي القدر -وهم القدرية الذين قال عنهم النبي ﷺ : (إنهم مجوس هذه الأمة) - يقولون: نحن نؤمن بالقدر لكنهم ينفون علم الله أصالةً فيقولون: لا يعلم الله ما يفعل العباد إلا حين يفعلونه، وهم في هذا قد وافقوا اليهود حينما قالوا: بكى الله وحصل الرمد لعينه عندما رأى الفساد في الأرض متفشياً. ويعنون: أن الله خلق الخلق ولا يعرف أنهم سيفسدون فلما وجد الفساد بكى أنهاراً. قاتلهم الله على إفكهم هذا وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فاليهود يقولون: الله لا يعلم، وهؤلاء المعتزلة يقولون: الله لا يعلم والعياذ بالله، وعندما وجدوا رماح الحق والسيوف البتارة من أهل السنة والجماعة تلاحقهم قالوا: رقابنا ستطير إذا قلنا بإنكار العلم؛ لأن الشافعي الفقيه المجتهد المحدث قال: ناظروا المعتزلة بالعلم فإن أقروا فقد خصموا، يعني: لو قالوا: إن الله يعلم، نقول: انتهى الأمر، فإن الله يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وإن أنكروا كفروا، فانظروا إلى دقة هذا العالم كيف يأتي بالمبتدع ويجعله في مكان لا يقدر على الهرب منه، ويقول له: ليس لك إلا أن تقر بما نقر به أو تخرج عن دائرة الإسلام، فإن أقروا بعلم الله ذهبت بدعتهم، وإن أنكروا علم الله كفروا؛ لأنهم سينكرون علم الله جل في علاه بعدما قامت الحجة عليهم، فيقتلون بذلك، فقدماء المعتزلة يقولون بنفي العلم، أما المتأخرون منهم فلما خشي كل واحد منهم على نفسه من السيف البتار من أهل السنة قالوا: نسكتهم بإثبات العلم ونقول: إن الله يعلم، ثم ننفي الإرادة والقدرة، فنقول: إن الله لا يستطيع أن يضل أحداً ولا يستطيع أن يهدي أحداً، وهذا هو نتيجة هذا المثال الذي يخطئ بعض الدعاة في ضربه لبيان القدر، فهذا المثال كأنه معتزلي محض؛ لأن نتيجة المثال أن الذي حصل على ثلاثين حصل عليها لأنه ممتاز، والذي حصل على خمسة وعشرين حصل عليها لأنه متوسط، والذي حصل على صفر حصل عليه لأنه بليد، فالمدرس ما حرك إرادة وذكاء التلميذ حتى يأخذ الثلاثين ولا حرك إرادة البليد حتى يأخذ صفراً، إذاً: هو ليس له إرادة ولا يتحكم بذلك، وهذا هو الاعتزال، لأن ربنا يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو الذي يتحكم في إضلال الكفار، وهو الذي يتحكم في هداية المؤمنين، لكنه يفعل كل ذلك بالحكمة والعلم.

стр. 100

حكمة الله في الهداية والإضلال إن الله يضل الكافر على علم عنده؛ لأنه يعلم أن هذا الكافر لا يستحق إلا الكفر، وأن هذا الظالم لا يستحق إلا الظلم، وذلك قول الله جلياً: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ [النحل:٣٦] بمحض فضل ونعمة، ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦] يعني: هو لا يريد الهداية. وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ [الصف:٥]، إذاً: هم الذين يريدون الزيغ، ولما علم الله من قلوبهم الظلم والعتو والطغيان والزيغ والكفر يسر لهم أبواب الكفر، وهذا هو الفارق بينه وبين المدرس تعالى الله، فالمدرس لا يقدِّر شيئاً على الطالب، لكن الله يتحكم في إرادة الكافر ليكفر، فسد عليه كل منافذ الخير، وفتح عليه كل أبواب الشر؛ لأنه يعلم من يستحق الهداية ممن لا يستحقها. والآن نتكلم عن معنى الحكمة فالحكمة: هي أن تضع الشيء في موضعه المستحق له، وعلى هذا فهل الله تعالى سيأخذ أبا جهل ويدخله الفردوس الأعلى، ويأخذ عثمان ويدخله نار جهنم؟ تعالى الله عن ذلك، فالحكمة إذاً: هي أن يأخذ الظالم الجهول أبا جهل ويجعله في الدرك الأسفل من النار، ويأخذ عثمان التقي المؤمن ويجعله في الفردوس. ومن قال بعكس ذلك نقول له: قدحت في حكمة الله، فتكفير الله للكافر كان نتيجة لحكمته؛ لأن الله يغار أن يضع اللؤلؤ بين البهائم، فالله يغار أن يضع الخير في غير موضعه، وحتى البشر يغارون من وضع الشيء النفيس في غير مكانه، فقد كان الإمام مالك يقول: أربأ بعلمي أن يذهب لمن لا يستحقه، لما سأله رجل فقال: أجبني فلم يجبه، فقال الرجل لـ مالك: من كتم علماً ألجمه الله بلجام من النار، فقال مالك: نح نفسك عني ائتني بمن يفقه ما أقول، ثم حدثني عن حديث اللجام، ولذلك قال الإمام الشافعي: أأنثر درراً وسط سارحة النعم. وكذلك الإمام البخاري حدثت له قصة وإن كان فيها كلام، ولكن العلماء يذكرونها للاعتبار بسعة علم الإمام البخاري وذلك أنه عندما اختبره المحدثون وقلبوا عليه الأسانيد والمتون، فكلما يقولون له: حديث أنس بسند كذا، فيقول البخاري: لا أعرفه هكذا حتى ذكروا له مائة حديث، وقد كان الناس أتوا ليسمعوا للبخاري جبل الحفظ، فالجهال لما رأوا ذلك قالوا: أهذا البخاري؟ إنه لا يعرف حديثاً، فقد ذكروا له أحاديث وهو لا يعرفها، وكلما ذكروا له حديثاً يقول: لا أعرفه، ولكن العلماء فطنوا لقوة ودقة نظر البخاري وشدة حفظه، فاتهموه وقالوا: إن هذا يأخذ دواء يذهب النسيان، فإذا بـ البخاري يأخذ المائة حديث عشرة عشرة، فقال للأول: أما أنت فأسانيدك كذا ومتونها كذا فأخرج الإسناد المركب على غير متنه وأعاده إلى متنه حتى وصل إلى المائة، فطارت عقول المحدثين، وأذعنوا جميعاً بقوة علم البخاري. والمقصود أن الجهلة يضيعون أهل العلم، فيضع الله الهداية لأهلها، ويضع الكفر لأهله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠] فمن الذي ييسر لليسرى ومن الذي يغلق أبواب الخير عن غير أهلها؟ الجواب صريح في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وهذه الآية فيها رد على المثل السابق الذي لا يمكن أن يقوله إلا المعتزلة، وقد قال لي بعض الأفاضل: إن من يقول هذا ربما وهم وروجع فرجع وهذا محتمل، لكنني أحببت أن أبين ذلك.

стр. 101

من مراتب القدر الكتابة المرتبة الثانية من مراتب القدر هي: مرتبة الكتابة، يعني: أن الله كتب كل شيء كما قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الأنعام:٥٩] وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، فقد كتبت الأقدار في هذا الكتاب، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، يعني: كتبناه في الإمام المبين وهو اللوح المحفوظ، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢ - ٥٣]، يعني: مكتوب. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (أول ما خلق الله القلم فلما خلقه قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة).

стр. 102

فوائد من حديث أول ما خلق الله القلم ونستدل بهذا على عدة مسائل في العقيدة، فنستدل به على أن القلم يتكلم وفائدة ذلك أنه لا يلزم من إثبات الكلام أن يكون له فم ولسان وأسنان وإلا قلنا: أين فم القلم وأسنانه ولسانه؟ مع أننا نعلم أنه لا مخرج له، فهذه دلالة على أن هناك مخلوقات تتكلم ولا نعلم كيفية كلامها ولا مخرج كلامها أيضاً، فمن باب أولى أن الله جل وعلا يتكلم ولا نعلم كيفية كلامه، فهذه هي المسألة الأولى. المسألة الثانية: أن الله تعالى تكلم بحرف وصوت مسموع؛ لأنه قال: قال للقلم: اكتب. المسألة الثالثة: أن جعل جماداً يتكلم، إذاً لا تقولون بالمجاز، ولا تقولون: إن الجبل يحب أي: أهل الجبل، ولا تقولون: إن الجدران في القرية تريد، أي: أهل القرية يريدون، فلا مجاز في القرآن على الراجح الصحيح. وأما قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧]، فهذا بالصريح الصحيح هو الجدار، وقد أفهم الله الخضر ذلك، ولم لا، وقد قال النبي ﷺ : (أحد جبل يحبنا ونحبه)، فإن الجبل يحب النبي ﷺ ، ولا يلزم أن يكون له قلب، كما أن الجذع بكى وسمعه النبي ﷺ وسمعه الصحابة عندما كان يخطب النبي ﷺ ويده على الجذع، فلما اعتلى المنبر أنّ الجذع أنيناً شديداً، ولم يسكت حتى وضع النبي ﷺ يده عليه. أيضاً الطعام تكلم بالتسبيح، فنحن لا نقول بالمجاز، بل نقول: قد يتكلم الجماد ويشعر كما ورد في النصوص، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]. إذاً: الكتابة هي: أن الله كتب كل شيء قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، وقد فرغ ربنا من أهل الجنة، ومن أهل النار، نقول هذا إجمالاً، أما التفصيل: فإن على المؤمن أن يؤمن بأربع كتابات: الكتابة الأولى: الكتابة الأزلية. الكتابة الثانية: الكتابة السنوية. الكتابة الثالثة: الكتابة العمرية. الكتابة الرابعة: الكتابة اليومية. والكتابة العمرية هي الكتابة التي تكتب في الرحم بعد مرور الأربعة أشهر للجنين في الرحم، حيث يأتي الملك فيقول: أي رب! ذكر أم أنثى؟ أي رب! شقي أم سعيد؟ أي رب! كم أجله؟ أي رب! ما رزقه؟ فيكتب كل ذلك بأمر الله جل وعلا، والمرء لا يزال في بطن أمه. وقد قال ابن مسعود: (السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه) جاء أن بعض الناس طرقوا الباب على إبراهيم بن أدهم فوجدوه يبكي، فقالوا: ما يبكيك؟ إنك رجل على صلاح إنك تفعل كذا وكذا وكذا، قال: إليكم عني، فإني لا أعلم كتبت في بطن أمي شقياً أم سعيداً. فهذه هي الكتابة الأزلية وأصلها حديث ابن مسعود ﵁ وأرضاه. الكتابة الثانية: الكتابة السنوية، وهذه تكون في ليلة القدر من كل سنة كما قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، قال ابن عباس: يكتب أهل الحجيج، ويكتب من يموت في هذا العام، ويكتب من يحيا ومن يولد، ويكتب الرزق ويكتب كل شيء في هذه الليلة، وهذه الكتابة على قول ابن عباس اسمها: كتابة عامية. الكتابة الثالثة: الكتابة اليومية، والكتابة اليومية على أقسام: كتابة الملكين اللذين لا يفارقان ابن آدم بحال من الأحوال، كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] يعني: يكتب هذا الحسنات، ويكتب هذا السيئات، وهناك قسم آخر وهم ملائكة يكتبون الطاعات، ويسيحون في الأرض بحثاً عن مجالس العلم، فيكتبون أسماء من يجلس فيها بأسمائهم وأسماء آبائهم ويصعدون إلى الله، فيقول الملك: يا رب إن فلاناً هذا جاء لغرض، ولم يأت لطلب العلم، فيقال: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم). وأيضاً يقول النبي ﷺ كما في الصحيح: (يتعاقبون فيكم ملائكة يتقابلون في العصر، ويتقابلون في الفجر)، فالذين كانوا في الفجر يصعدون في العصر، فتخلفهم ملائكة يصعدون في الفجر يكتبون ما يفعل ابن آدم، فهذه كتابة يومية. ومما يجدر التنبيه إليه في هذه المرتبة أن الكتابات لا تتغير في اللوح المحفوظ، فما كتب في اللوح المحفوظ لا يتغير بحال من الأحوال، ولكن هل يمكن أن يتغير شيء من الكتابة في غير اللوح المحفوظ؟ الجواب نعم، فهذا هو الراجح، وقد بين المؤلف الأدلة التي تدل على ذلك، وبهذا فلا إشكال في القدر. ولذلك فإن الناس يسألون الله تعالى ما يريدون، فإذا بالدعاء والقدر أقواهما يرفع الآخر، يعني: أنه يمكن للدعاء أن يرفع القدر، ولكن كيف يرفع القدر وقد قلنا: إن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ؟ نقول: نعم الدعاء يرفع القدر المكتوب في أيدي الملائكة لا المكتوب في اللوح المحفوظ. أما الإشكال الثاني: فهل يكتب رجل في بطن أمه شقياً ويكون سعيداً؟ الجواب: نعم، فقد يكتب في بطن أمه شقياً، ولكن في اللوح المحفوظ يكون الله قدر أنه سيختم له بالصالحات فيكون سعيداً، فالذي يغير هو ما في يد الملك فقط، والدليل على ذلك. حديث (الدعاء والقدر يعتلجان)، يعني: يتعارضان؛ وأيضاً كلام عمر بن الخطاب بسند صحيح أنه طاف حول الكعبة فكان يبكي ويقول: اللهم إن كنت قد كتبتني شقياً -يعني: في بطن أمه- فامحها واكتبني عندك سعيداً. فهو طلب تغيير ما كتب عليه في بطن أمه فقط؛ لأن اللوح المحفوظ لا يتغير أبداً، والدليل على أن عمر يريد ذلك نهاية قوله، إذ قال في نهايته: فاكتبني عندك سعيداً، ثم يقرأ قول الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]. والمعنى: يمحو الله ما يشاء مما في يد الملك، وعنده ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾، يعني: اللوح المحفوظ فإنه لا يتبدل ولا يتغير، فالآية هنا ظاهرة جداً في أن الذي يمحي هو ما في يد الملائكة. وكذلك لو أن رجلاً سرق وستقطع يده، فإذا كان ذلك مكتوباً في اللوح المحفوظ فلن يتغير ذلك، وأما إذا كتب في يد الملائكة فقط بأنه سارق، فإنه سيمحى من كتاب الملائكة إن قدر الله ذلك. فإذاً الكتابات أربع: كتابة في اللوح المحفوظ وهذه لا تتبدل ولا تتغير، وكتابة عمرية، وكتابة سنوية، وكتابة يومية، والتغيير والتبديل يكون في هذه الكتابات لا في اللوح المحفوظ.

стр. 103

من مراتب القدر الإرادة والإرادة بمعنى: أن تعتقد اعتقاداً جازماً بأنه لا شيء في هذا الكون إلا وهو تحت إرادة الله جل في علاه فقد عمت مشيئته وإرادته على الخلق أجمعين سبحانه جل في علاه، ولن يستقيم إيمان عبد بالقدر حتى يعلم أن كل صغير وكبير، ودقيق وجليل قد تم بإرادة الله جل في علاه، لا كما يقول بعضهم: إن في الكون أشياء لم يردها الله جل في علاه، وهؤلاء خلطوا بين المحبة والإرادة فما من شيء يقع في الأرض إلا وهو مراد لله جل في علاه كوناً أو شرعاً.

стр. 104

الإرادة الشرعية والكونية إن كل شيء يقع فهو تحت إرادة الله جل في علاه. فالزنا، والسرقة، والفواحش، والبذاءة كلها مرادة لله، لكنها مرادة إرادة كونية، وما أراده الله كان، وما لم يرده لم يكن، (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]. وهناك آية ظاهرها مشكل وهي قول الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، وذلك لأن (أتى) فعل ماض، والفعل (تستعجلوه) فعل مضارع، فكيف نوفق بين أول الآية وآخرها؟ الجواب أن الفعل (أتى) بمعنى: أن الله إذا أراد شيئاً فسيقع لا محالة، فلا مرد لقضاء الله ولا لإرادته جل في علاه، فكأن الله يخبرنا بأنه وإن لم يأت حتى الآن، لكن إذا أراده الله فكأنه قد وقع لتحقق وقوعه؛ لأن الله قضاه وإذا قضى الله أمراً كان وقوعه محتماً. والمراد: أن المؤمن لابد أن يعلم أن الإرادة إرادتان: إرادة كونية، وإرادة شرعية، أما الإرادة الكونية فهي المشيئة، وأما الإرادة الشرعية فهي المحبة وبينهما تفاوت، وهذا مما يجعل طالب العلم عند تعلمه مسائل القدر لا يتشوش باله ويوسوس لجهله بالفرق بين الإرادتين. وضابط الإرادة الكونية أنها تقع لا محالة، فما أراده الله كوناً فلا يمكن أن يرد وضابط آخر للإرادة الكونية وهو أنها تقع فيما يحبه الله وما لا يحبه الله، فالله جل في علاه أراد وجود الشيطان ووسوسة الشيطان لابن آدم، وهذه الإرادة كونية؛ لأنها وقعت، ولأنها فيما لا يحبه الله. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ﴾ [الأنعام:١٢٥]، والإرادة هنا كونية؛ لأن الإضلال غير محبوب لله، ولأن الله لما أراد إضلال فرعون ضل لا محالة. أما الإرادة الشرعية وهي المحبة فضابطها أنها قد تقع وقد لا تقع وهي محصورة فيما يحبه الله فقط، فلا يمكن أن تكون فيما يبغضه الله، إذاً: وجود إبليس أراده الله إرادة كونية وليس إرادة شرعية، وكذلك الزنا والسرقة وسب الوالدين. وكذلك الإذن قد يكون إذناً كونياً وقد يكون إذناً شرعياً، وكذلك القضاء قد يكون قضاء كونياً وقد يكون قضاء شرعياً، وأيضاً البغض منه ما هو كوني وما هو شرعي. قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت:١٢]، فهذا القضاء قضاء كوني؛ لأن السماوات موجودة لا محالة. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧] والإذن هنا إذن كوني؛ لأنه وقع حقيقة، فقد بعث الله عليهم من سامهم سوء العذاب، وهو بختنصر ووقع فيما لا يحبه الله؛ ولكن قدره لحكمة أرادها، وهي رد الظالم عن ظلمه. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، والقضاء هنا قضاء شرعي، لأنه قد يقع وقد لا يقع، فقد يوجد من يعبد الله، وقد يوجد من يعبد غير الله. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، والإرادة في هذه الآية إرادة كونية.

стр. 105

الإراداة الإلهية وأقسام الموجودات الموجودات في الكون أقسام:- الأول: مراد كوناً وشرعاً. والثاني: غير مراد كوناً ولا شرعاً. والثالث: مراد كوناً لا شرعاً. والرابع: مراد شرعاً لا كوناً. أما المراد كوناً وشرعاً فإيمان المؤمن، فإن إيمان المؤمن مراد لله شرعاً، لأن الله يحبه، وذلك كإيمان أبي بكر فلما أحبه الله كان مراداً شرعياً، وهو أيضاً مراد كوني من حيث أنه يقع لا محالة فالله قد كتبه في اللوح المحفوظ مؤمناً وأودع في قلبه حب الإيمان، وأراده شرعاً بأن بعث الرسول محمداً ليهدي أبا بكر، فيكون سيد المؤمنين. أما الذي لا يراد شرعاً ولا كوناً فكفر المؤمن، فإنه غير مراد لأنه لم ولن يقع لا كوناً ولا شرعاً؛ لأن الله لا يحب كفر المؤمن ولا يحب كفر أهل الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧]، وقال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَِ﴾ [الزمر:٧]، أي: لا يحب لهم الكفر، ولذلك فإن الله أرسل الرسل ليهدوا الناس، ولكن منهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة، قال الله عنهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]. وأما المراد كوناً لا شرعاً فهو كفر الكافر؛ لأن الله يبغض الكفر، لكنه أراده كوناً وذلك لحكمة علمها الله، فقد علم الله أن الكافر لا يريد الإيمان، ولا يمكن أن يريده، وأجلى ما يكون مثالاً لهذا الأمر قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]، فكانت عاقبتهم الكفر والعياذ بالله. وأما ما هو مراد شرعاً لا كوناً فهو إيمان الكافر، فهو غير مراد كوناً، لكنه مراد شرعاً؛ لأن الله أرسل الرسل لإيمان البشر، فإيمان أبي جهل مراد شرعاً؛ لأن الإيمان يحبه الله، وإن رسول الله ذهب إليه، وذهب إلى أبي طالب وقال: (يا عم قل كلمة أحاج بها لك عند الله، قل لا إله إلا الله)، لكن أراد الله كفرهما كوناً فقط.

стр. 106

من مراتب القدر الخلق أما المرتبة الرابعة من مراتب القدر: فهي مرتبة الخلق، فإن الله علم فكتب فأراد فخلق، والله جل وعلا خلق كل شيء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، ويندرج تحت هذا عموم الخلق. والخلق خلقان: خلق إيجاد من عدم، وخلق تحويل من صورة إلى صورة، وبهذا نزيل شبهة المتكلمة عندما يقولون: أنتم تقولون: الله خالق كل شيء، يعني: لا خالق مع الله؟ فنقول: نعم. فيقولون: ماذا تقولون في قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، فظاهر الآية يدل على أن هناك مشاركة؟ فنقول جواباً عليهم: إننا عندما ننظر في الخلق، ونقسمه إلى قسمين: خلق إيجاد من عدم، وخلق تحويل من صورة إلى صورة، فإننا نخرج من هذه الشبهة، وذلك أن خلق الإيجاد من عدم هو مما ينفرد الله به. فلا يمكن لأحد أن يخلق من العدم إلا الله تعالى، فقد كنا عدماً ثم خلقنا الله، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]. وأما الخلق المقيد: وهو تحويل الصورة إلى صورة أخرى، فهذا قد يشترك فيه البشر، كما في تحويل الحديد إلى سيارة، أو تحويل الخشب إلى باب أو نافذة، فإن هذا التحويل يسمى خلقاً، فيقال: إن هذا الرجل صنع باباً من الخشب أي: خلق باباً من الخشب؛ لأن الخلق قد يأتي بمعنى الصناعة، فيكون محل الآية: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، إنما هو في خلق التحويل من صورة إلى صورة. ومن المهم في مرتبة الخلق بيان الرد على القدرية، وذلك بأن الله خلق أفعال العباد كلها، ومنها: فعل الزنا، والسرقة فإنها مخلوقة، لكنها تنسب إلى الله خلقاً وإيجاداً، وتنسب إلى العبد كسباً وفعلاً، يعني: أن الزاني والسارق منسوب إليه الزنا والسرقة، ولكن العبد كله مع فعله مخلوق لله جل في علاه.

стр. 107

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - القدر الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان المؤمن إلا به، وله مراتب منها: مرتبة الإيمان بأن الله هو خالق الإنسان وخالق أفعاله، وبهذا القول يخالف أهل السنة والجماعة القدرية الذين يقولون: إن البشر يخلقون أفعال أنفسهم، والمؤمن يرضى بقضاء الله وقدره ولا يتسخط، فإن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء رضي وصبر، وإن حزن فالحزن لا ينافي الرضا.

стр. 108

مسألة خلق أفعال العباد والرد على شبهات القدرية فيها الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. القدر قدرة الله وهو سر من أسرار الغيب، وهو من لوازم الربوبية، ولا يستقيم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بخمس مراتب: علم، فكتابة، فمشيئة، فإرادة، فخلق. ومن المعلوم أن لله مشيئة، ومن قال: إن الإرادة هي المشيئة فهذا خطأ؛ لأن الإرادة إرادتان: إرادة كونية، وهي المشيئة، وإرادة شرعية وهي المحبة. فمن مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بأن الله قد خلق كل شيء، ومن هذه الأشياء أفعال العباد، فأفعال العباد مخلوقة لله جل في علاه، هذا على العموم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، فأفعال العباد تدخل في هذا العموم، وفي هذا رد على القدرية -مجوس هذه الأمة- الذين ينكرون خلق أفعال العباد، وجعلوا مع الله خالقاً آخر فقالوا: هم أنفسهم يخلقون أفعالهم؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (مجوس هذه الأمة القدرية).

стр. 109

وجه الشبه بين قدرية هذه الأمة والمجوس القدرية تقول: للكون خالقان: الخالق الأول هو الله جل في علاه، ثم إن البشر يخلقون أفعال أنفسهم، فشابهوا المجوس بهذا التقسيم حيث إن المجوس قالوا: هناك خالق للظلمة وخالق للنور، وهم يفصلون خالق النور، والمجوس يفضلون الله جل في علاه، لكن يشركون مع الله خالقاً آخر وهو أنفسهم، فيقولون: هم خلقوا أفعال أنفسهم، وإن الله لم يخلق أفعال العباد، والرد عليهم بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، وهذا على العموم، أما على الخصوص فقد قال الله جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وهذه الآية فيها دلالة على خلق الله لأفعال العباد تصريحاً في كتابه، وأيضاً من أدلة السنة قوله ﷺ : (إن الله خلق كل صانع وصنعته)، ووجه الدلالة من هذا الحديث -عن طريق اللزوم رداً على القدرية- أن صنعته من فعله، فإن كان خلق صنعته التي هي من فعله، فمن باب أولى أن يكون خلق فعله الذي صنع هذه الصنعة، وأيضاً من ناحية الأثر أن الله جل في علاه خلق أفعال العباد، ومن النظر نقول: فعل العبد ناشئ عن إرادة العبد، وإرادة العبد مخلوقة لله جل في علاه، فإن كانت الإرادة مخلوقة لله فالناتج عن الإرادة أيضاً يكون مخلوقاً لله جل في علاه. فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، يدخل تحته أفعال العباد، رداً على القدرية الذين يقولون: إن الله لا يتحكم في أفعال العباد، بل إن الجنة من عمل الإنسان يدخلها بعمله أجرة، فهم لا ينظرون إلى فضل الله ولا إلى رحمته، ولا يعترفون بحديث النبي ﷺ : (ليس أحد منكم يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)، أما القدرية فقالوا: الجنة مقابل العمل الصالح، والنار مقابل العمل السيئ ولا فضل لله على العباد؛ لأنه لا يتحكم في أفعال العباد، فنحن نرد عليهم بأن مبتدأ الخير كله من الله، والأفعال الحسنة كلها من الله، فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]، فالله جل في علاه أيضاً يقول: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].

стр. 110

مشروعية الاحتجاج بالقدر على المصائب الاحتجاج بالقدر على نوعين أو نقول: أقدار الله مصائب ومعائب، فالله لم يخلق شراً محضا لكن خلق معائب، وللإنسان عبودية في قدر المصائب وعبودية في قدر المعائب، أما المصائب وهي التي تنزل وتطرأ على العبد فيبتلى بها ولا يد له في دفعها، كمرض أو موت قريب أو حبس أو ضنك أو فقر، كل هذا قدر لا يستطيع الإنسان أن يدفعه، وهذا القدر يسمى قدر مصيبة، فقدر المصيبة لك فيه عبادة بأن تقر أولاً بأن هذا قدر الله، وأنه قد كتب في اللوح المحفوظ فتؤمن بذلك، ولك أن تقول لأي أحد: إنا لله وإنا إليه راجعون، قد قدر الله علينا ذلك، وتحتج بالقدر على هذه المصيبة. ثانياً: من التعبد بأقدار الله في المصائب أن ترضى بهذه المصيبة، وهذا أرقى المنازل تحت هذه المنزلة، فليس لازماً أن ترضى وليس واجباً عليك، بل هو من باب الكمال فقط، لكن من باب اللزوم والوجوب الصبر على المصيبة، ومعنى الصبر على المصيبة: ألا تتسخط على أقدار الله، ولذلك (لما مر النبي ﷺ على المرأة التي تبكي على القبر قال: اتقي الله واصبري)، يعني: حتى لا تتسخطي على أقدار الله قالت: (إليك عني إنك لم تصب مصيبتي)، وكادت أن تتسخط على أقدار الله؛ ولذلك لما خرجت نفس إبراهيم ابن النبي ﷺ ، قال النبي ﷺ : (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، ثم قال في رواية أخرى: (ولا نقول إلا ما يرضي ربنا) أي: لا نقول ما يغضب ربنا. فلك في أقدار المصائب التعبد بأن تحتج بالقدر وكذلك تصبر عليها وهذه العبادة الثانية، وأكمل من ذلك أن ترضى بها، وفعل السلف فيه كل العجب من الرضا بقضاء الله جل في علاه وقدره، وقد نقل بسند صحيح عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: أفرح ما أفرح به أقدار الله جل في علاه، يعني: أسعد في صباحي أو مسائي؛ لأني أنا تحت قدر الله يلقيني حيث يشاء، إن كان في السراء فله الشكر، وإن كان في الضراء فله الصبر، وهذا محض التسليم والتوكل على الله جل في علاه.
следующие страницы →