Полный текст (222 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الشفاعة العامة وأنواعها
والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة النبي ﷺ في أهل الكبائر الذين استحقوا النار ألا يدخلوها، والحق أن أهل المعاصي من المسلمين يشفع فيهم الأنبياء والمرسلون والمؤمنون، فيقبل الله الشفاعة فلا يدخلهم النار، وهذه شفاعة عظيمة جداً في أهل الكبائر.
والدليل العام في هذه المسألة قول النبي ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من نبي إلا وكانت له دعوة مستجابة، وأردت أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة) فيدخل تحتها العصاة، ويدخل تحتها الأبرار الذين هم على التقى، فهذه شفاعة عظيمة جليلة.
ويستدل لها خاصة بحديث النبي ﷺ : (ما من رجل يصلي عليه أربعون إلا شفعهم الله فيه)، ووجه الدلالة أن قوله: (رجل) نكرة، فيدخل تحته المؤمن البار، والفاجر الطالح، والفاجر الطالح بمعنى: أن سيئاته تغلب على حسناته، فيشفِّع الله فيه الذين صلوا عليه ويقبل شفاعتهم فيه، فهذه فيها دلالة على الشفاعة لأهل الكبائر.
الشفاعة الثانية التي تعم: الشفاعة في أناس جعل الله لهم منزلة في الجنة فيشفع النبي ﷺ أن تكون لهم منزلة أرقى وأعلى من هذه المنزلة، كرجل منحه الله منزلة عليا وأبوه في منزلة دنيا، فالنبي ﷺ يشفع ليصل هذا الأب إلى منزلة الابن.
ويمكن أن يستدل لهذه الشفاعة بقول الله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] وهذه أيضاً بالاتفاق.
والشفاعة الأخيرة: الشفاعة في أناس قد صاروا فحماً، وهم أناس من أهل الكبائر غلبت سيئاتهم على حسناتهم -نعوذ بالله أن نكون منهم- ودخلوا النار وهم موحدون، فصاروا فحماً، فيأتي النبي، ويأتي الملك، ويأتي المؤمن، يشفع في هؤلاء فيخرجون من النار، ويسمون الجهنميون، ثم تأخذهم الملائكة فتلقي كل واحد منهم في نهر الحياة، فيحيا فيدخل الجنة بهذه الشفاعة.
وهذه الشفاعة اتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على أنها حاصلة للنبي وللأنبياء والملائكة والمؤمنين، غير أن المعتزلة والخوارج أنكروا هذه الشفاعة، وممن علا صوته واشتهر بين الناس بإنكار هذه الشفاعة في هذه الأيام هو مصطفى محمود، وهذا طبعاً نتاج لفكر الاعتزال؛ لأن المعتزلة يرون أن صاحب الكبيرة لا يمكن أن يخرج من النار، بل هو مخلد فيها؛ لأن تأصيل الإيمان عند المعتزلة والخوارج تأصيل واحد لكن يفترقان في الاسم، فالمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، أي: لا نقول مؤمن ولا نقول كافر، والخوارج أشجع منهم وأقوى فقالوا: الذي يصنع الكبيرة ويفعلها كافر، فالمغتاب مثلاً يقولون عنه: كافر، لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يمكن أن يشفع فيه أحد؛ لأنه يعتبر خالداً مخلداً في نار جهنم والعياذ بالله.
والمعتزلة يقولون: هو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، أما في الآخرة فهو خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله، فهؤلاء أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر؛ لأنهم لو أقروا بها لهدمت الأصول التي بنوها؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد، وهم أخرجوهم من دائرة أهل التوحيد.
والدليل على هذه الشفاعة قول النبي ﷺ في الحديث الطويل حديث القبضة، يقول الله جل في علاه: (شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط) وهذا تمام الكلام عن الشفاعة، نسأل الله جل وعلا أن يؤهلنا لشفاعة نبينا فينا.
стр. 177
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - خصائص النبي وفضائل الصحابة والشهادة بالجنة أو النار
الرسول ﷺ هو خير خلق الله أجمعين، وصحابته من بعده هم خير الناس، وقد حملوا لنا السنة ورووها عن النبي ﷺ ، ومن طعن فيهم أو انتقص منهم فإنما يطعن في هذا الدين وينتقص من السنة.
стр. 178
فضل نبينا محمد ﷺ على الخلق أجمعين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: إن محمداً رسول الله هو سيد الخلق أجمعين، وهو إمام المرسلين ﷺ ، بأبي هو وأمي، أكرم الخلق على الله، خير من وطئ التراب هو رسول الله ﷺ ، والشمس ما طلعت على رجل خير من رسول الله ﷺ ، فهو سيد المرسلين، وإمام الأنبياء والصالحين، بل هو خطيب الأنبياء والمرسلين يوم القيامة.
ويكفي أن الله جل في علاه لم يقسم بحياة أحد من خلقه إلا بحياة نبينا ﷺ ، تشريفاً وتعظيماً وتكريماً لهذا الرسول الكريم، فقال الله تعالى: ((لَعَمْرُكَ)) [الحجر:٧٢] أي: لحياتك، والمعنى: أن الله جل وعلا يقسم بحياة النبي ﷺ فيقول: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] والله جل في علاه قد أدبه فأحسن تأديبه؛ ولذلك وسمه ووصفه بأرقى الصفات وأغلى السمات، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ﷺ .
فرسول الله ﷺ سيد ولد آدم ولا فخر، وهو إمام الدنيا بأسرها وإمام الخلق أجمعين، وقد صح عنه أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) فهو أكرم خلق الله على الله، وهو سيد البشر أجمعين.
стр. 179
حكم المفاضلة بين الأنبياء
سمع رجلٌ من المسلمين يهودياً يقسم فقال: ورب موسى، فقال له المسلم: ورب محمد، فقال له: ورب موسى، فغضب لذلك المسلم ولطمه على وجهه، فلما مر النبي ﷺ اشتكى له اليهودي، فقال: (لا تخيروا بين الأنبياء) أي: أن اليهودي كان يتفاخر بموسى ﵇ فتفاخر المسلم بمحمد، وكان المسلم له الفخر بنبيه على أنه خاتم النبيين، فصفع اليهودي على وجهه، فقال له النبي ﷺ زاجراً إياه (لا تخيروا بين الأنبياء)، وأوضح من ذلك أن النبي ﷺ قال: (لا تخيروني على يونس بن متى).
والإشكال هنا: هو أنه ﷺ سيد ولد آدم وأفضل الخلق أجمعين، فكيف ينهى الصحابة عن أن يخيروه على يونس بن متى، وأن يخيروا بين الأنبياء؟ يجاب على هذا الإشكال بثلاث إجابات: الإجابة الأولى: أن الجمع بين النهي عن التخيير وبين قوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم) هو أن النهي عن التخيير بين الأنبياء لا يجوز إذا كان على سبيل التنقيص، كأن يقال مثلاً: محمد خير من يونس، أما رأيت يونس ماذا فعل؟ تعجل أمر ربه فابتلعه الحوت، أو بين موسى ومحمد ﷺ أيضاً، فيكون التخيير المنهي عنه هو التخيير الذي مآله إلى التنقيص.
الإجابة الثانية: أن نهي النبي ﷺ عن التخيير: (لا تخيروني على يونس) كان قبل أن يوحى إليه أنه سيد البشر أجمعين، وأنه سيد المرسلين، فإنه ﷺ لم يكن أوحي إليه أنه سيد الخلق، ثم أوحي إليه بعد ذلك فقال: (أنا سيد الخلق يوم القيامة ولا فخر).
الإجابة الثالثة: أن النهي عن التخيير إذا كان على سبيل التفاخر بينهم، لا على سبيل التبيين، وترجع هذه أيضاً إلى الإجابة الأولى.
стр. 180
الخصائص التي اختص بها رسول الله على الأنبياء قبله
إن الرسول ﷺ هو سيد البشر أجمعين، وقد خصه الله جل في علاه بخصائص لم يؤتها لنبي قبله.
من هذه الخصائص: أنه خاتم النبيين ﷺ ، فلا نبي بعده، وبهذا يتبين كذب وزور وبهتان من ادعى النبوة بعد رسول الله ﷺ ، وقد تنبأ الرسول ﷺ بهم حيث يقول: (يأتي بعدي ثلاثون كذابون كلهم يدعي النبوة، ولا نبي بعدي) فالنبي ﷺ بين أنه لا نبي بعده، وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠].
إن البهائية والقاديانية من الفرق الضالة الكافرة التي ظهرت في عصورنا هذه يقولون: إن معنى خاتم الأنبياء أي: زينة الأنبياء، وأئمتهم في ذلك القادياني والبهائي من الذين يدعون النبوة، بل إن القادياني ادعى النبوة ثم ادعى الربوبية في الهند وباكستان وهذه البلاد، فهو من الذين بين النبي ﷺ أنه من الكذابين.
ولكنهم أولوا وشوشوا على أهل السنة والجماعة بشبهتين: الأولى: قالوا: معنى قول الله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] أي: زينة الأنبياء.
والثانية: قالوا: إن محمداً ﷺ خاتم النبيين، ولكن ليس بخاتم المرسلين، وهم يدعون أنهم رسل.
والجواب على الشبهة الأولى: أولاً: أنهم خالفوا إجماع السلف.
ثانياً: حتى لو افترضنا أن خاتم النبيين بمعنى الزينة -وهذا تنزل مع الخصم- فقد قال النبي ﷺ حاسماً للمادة: (لا نبي بعدي) ففسر معنى خاتم النبيين: أنه آخر الأنبياء، فهو خاتم الأنبياء، وهو زينة الأنبياء، وهو سيد الأنبياء ﷺ .
والجواب على الشبهة الثانية: أنه لا يمكن أن يكون الرسول رسولاً حتى يكون نبياً، فإذا قالوا: خاتم النبيين فمن باب أولى أن يكون خاتم المرسلين.
إذاً: أول خصيصة اختص الله بها نبيه ﷺ : أنه خاتم النبيين.
ومن الخصائص التي خص الله بها نبيه ﷺ : أن له الشفاعة يوم القيامة, فالشفاعة لا تكون إلا للنبي ﷺ ، وهذه الشفاعة هي المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، والمقام المحمود: هو الذي يحمد عليه النبي ﷺ ، ويحمده عليه الناس، فيحمدونه في الدنيا بالأعمال الجميلة ونشر الدعوة، وفي الآخرة بمقام الشفاعة في أهل الموقف حتى يقضى بين العباد، فهذا هو المقام المحمود، وهذا خاص بالنبي ﷺ ، كما بينا ذلك في حديث الشفاعة.
ومن الخصوصيات التي خص الله بها نبيه ﷺ : أنه أول من يمر على الصراط، وأمته أول الأمم التي تمر على الصراط، كما قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون السابقون) أي: سابقون في القضاء، وسابقون في المرور، وسابقون في دخول الجنة.
أيضاً من الخصائص التي اختص بها النبي ﷺ : أن الجنة لا تفتح إلا له، ولا يمكن لأحد أن يدخل الجنة إلا به ومن خلفه، كما قال ﷺ في البخاري: (أنه يأتي الجنة فيقال: من؟ فيقول: محمد، فيقال: بك أمرت) أي: لا أفتح لغيرك.
ومن الخصائص التي اختص بها النبي ﷺ : أنه صاحب لواء الحمد يوم القيامة، فلواء الحمد ينزل تحته كل الرسل وكل الأنبياء، وهذه منة من الله، وكرم وتعظيم لهذا النبي، كما قال النبي ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر) ففي هذا دلالة على خصوصيات اختص بها النبي ﷺ .
ومن الخصائص التي اختص بها النبي ﷺ في الدنيا: أن الله جل وعلا جعل له الأرض مسجداً وطهوراً، كما قال النبي ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فهذا النبي هو أفضل الخلق أجمعين.
نسأل الله جل في علاه أن يشفعه فينا، وأن يجعلنا ممن يكون معه في الفردوس الأعلى، وألا ننزل عن هذه الدرجة أبداً.
стр. 181
فضل صحابة رسول الله
بعد ذلك انتقل المصنف إلى بيان أفضلية صحابة رسول الله ﷺ ، فإذا كان النبي ﷺ هو أفضل الخلق أجمعين، وهو سيد المرسلين، فصحابته من بعده أفضل الخلق أجمعين، فإنه ما صاحب نبياً خير من صحابة رسول الله ﷺ ، كما ورد في سنن الدارمي بسند صحيح عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد خيرها وأصفاها وأنقاها قلب رسول الله ﷺ ، فاختاره نبياً مرسلاً رسولاً، ثم نظر إلى قلوب العباد فوجد خير قلوب العباد قلوب صحابة رسول الله ﷺ ، فاختارهم الله جل في علاه صحبةً لنبيه ونصرة لدينه ونشراً لدعوته، فإنهم -كما يصف ابن مسعود - أعمق الناس علماً، وأبر الناس قلوباً، وأحسنهم خلقاً، فمن أراد أن يتأسى فليتأس بصحابة رسول الله ﷺ .
ولما سئل ابن المبارك: من الجماعة؟ قال: أبو بكر وعمر، فيبين أن جماعة الحق هم: أبو بكر وعمر.
قال الله تعالى مبيناً فضل هؤلاء: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] وهذا أعظم ثناء، ولا يمكن أن تجده على أحد غير صحابة رسول الله، وهو أن الله جل في علاه أثنى عليهم بأنهم أحق بكلمة: (لا إله إلا الله)، وأحق بدين الإسلام؛ لأن الله يغار أن يضع الشيء في غير موضعه، أو يعطي هذه المنة وهذه النعمة لأحد لا يستحقها، فبين الله أن صحابة رسول الله هم الذين يستحقون هذه الكلمة فقال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، وهذه الآية استدل بها الإمام مالك استدلالاً رائعاً على كفر من يبغض الصحابة ﵃، ووجه الشاهد: هو قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩].
قال: إذاً: من تغيض على الصحابة فهو من الكفار.
والله جل في علاه يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] فمدح المهاجرين ومدح الأنصار، وبين أن الذين آووا ونصروا أنهم هم المؤمنون حقاً، والنبي ﷺ بين فضل هؤلاء، ونشر فضل هؤلاء عندما قال: (أصحابي أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وهذا فيه دلالة على فضل صحابة رسول الله ﷺ .
ومن فضائل الصحابة: ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي -هنا محل شاهد التفضيل- أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد) فعليهم رضوان الله.
وكان النبي ﷺ يقول: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، وفي مسند أحمد بسند صحيح قال: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر).
فهذه كلها تفصيلات من النبي ﷺ يبين فيها خيرة الناس من أصحابه، ويبين فضلهم.
стр. 182
فضل أبي بكر وعمر
أما ترتيب الأفضلية: فـ أبو بكر هو أفضل هذه الأمة بالإجماع، وقد بين الله أن أبا بكر أفضل هذه الأمة فكلمه وخاطبه تعظيماً له وهو الفرد العبد المربوب، يقول الله جل في علاه: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُلِي القُرْبَى﴾ [النور:٢٢] إلى آخر الآيات، فقد اتفق المفسرون أن هذا خطاب خاص بـ أبي بكر ﵁ وأرضاه، فالله جل في علاه بجبروته وهو فوق عرشه يخاطب أبا بكر بالتعظيم والتبجيل والتكريم ويقول: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢] وأبو بكر ﵁ وأرضاه هو الذي قال فيه النبي ﷺ : (سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، كذبتموني وصدقني، وواساني بأهله وماله) وكان النبي ﷺ يقول: (لو كنت متخذاً منكم خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن).
إذاً: أبو بكر بالاتفاق هو خير هذه الأمة، وخير الناس بعد الأنبياء؛ ولذلك في سقيفة بني ساعدة كان أبو عبيدة بن الجراح مع عمر بن الخطاب، فقام أبو عبيدة فقال: يا عمر! ابسط يدك لأبايعك، فقام عمر بن الخطاب كأنه كالأسد الثائر فقال: تقول ذلك لي وفيكم أبو بكر؟ لأن يضربوا عنقي خير لي من أن أتقدم على أبي بكر ﵁، أو أتأمر على أناس فيهم أبو بكر ﵁ وأرضاه.
وقال عبد الرحمن بن عوف كما روي عنه بسند صحيح: ما سبق أبو بكر الناس بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه.
وخلافة أبي بكر ﵁ مشهورة متفق عليها، إلا أن العلماء اختلفوا: هل كانت خلافته بنص من النبي ﷺ الله عليه وسلم، أم كانت بالإشارة؟ والصحيح الراجح أنها إشارة تنزل منزلة النص؛ لأن النبي ﷺ قال: (ائتوني بكتاب أكتب كتاباً لا يطمع طامع أو يقول قائل: أنا أولى)، ثم قال: (يأبى الله ويأبى رسوله ويأبى المؤمنون إلا أبا بكر)، فهذه دلالة على أنهم يأبون أن يتقدم أحد على أبي بكر ﵁ وأرضاه.
والذين قالوا: إنها بالإشارة قالوا: إن النبي ﷺ وضعه إماماً للناس في الصلاة، فرضيه إماماً لصلاتنا أفلا يرضاه لدنيانا؟! فاستنبطوها بقياس الأولى أو القياس الجلي، وهذا الذي جعل بعضهم يقول: إنها منصوص عليها.
إذاً: فالصحيح الراجح أنها إشارة، وأن استخلاف أبي بكر ﵁ وأرضاه كان من أهل الحل والعقد، وهذا النص الذي قاله عمر بن الخطاب فاصل في النزاع، حيث قال: لأن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يقصد أبا بكر - وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني ومن أبي بكر، وهو رسول الله ﷺ .
لكن النبي ﷺ لم يستخلف؛ لأنه أشار للناس إشارة واضحة لا تحتاج لإمعان نظر على أن أبا بكر هو الذي يستحق هذه الخلافة، وكأن القدر ظهر لرسول الله فقال: (لا، يأبى الله ويأبى رسوله ويأبى المؤمنون إلا أبا بكر) ﵁ وأرضاه.
فـ أبو بكر هو الخليفة بعد رسول الله؛ ولذلك لقب بخليفة رسول الله ﷺ .
وبعده عمر بن الخطاب، فهو بالاتفاق، وبلا منازعة أفضل هذه الأمة بعد نبيها وبعد أبي بكر، ولا سيما وقد قال النبي ﷺ لـ عمر: (إذا سلكت فجاً سلك الشيطان فجاً غير فجك) ﵁ وأرضاه، وأيضاً قال النبي ﷺ : (لو كان في الأمة ملهم لكان عمر بن الخطاب) ﵁ وأرضاه، وهناك رواية عن النبي ﷺ أنه قال: (لو كان نبي بعدي لكان عمر)، وهي رواية صحيحة، صححها الشيخ الألباني، ورواية أخرى عنه ﷺ أنه قال: (لو كان في هذه الأمة محدث لكان عمر).
стр. 183
فضل عثمان وعلي
اختلف أهل العلم في عثمان وعلي: أيهما أفضل؟ ثم اتفقت كلمة أهل العلم بعد ذلك على تفضيل عثمان على علي، وفي الصحيح عن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: (كنا نفضل في عصر رسول الله ﷺ بين الصحابة فنقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت) فيقر النبي ﷺ ذلك.
وقد اتفقت كلمة الأمة على أفضلية علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، ذلك الأسد المغوار الذي نافح عن رسول الله، وعن دين الله جل في علاه، فهو أفضل الصحابة على الإطلاق بعد موت الثلاثة.
والخلاف كان ناشئاً بين العلماء في عثمان وعلي، فـ أبو حنيفة وغيره من العلماء كانوا يقدمون علياً على عثمان، وعلي بن أبي طالب لم يقدم نفسه على عثمان، ولما قال له عبد الرحمن بن عوف في قضية الشورى: يا علي بن أبي طالب! لو لم تتول أنت الخلافة فمن يتولاها؟ قال: عثمان، يبين بذلك فضل عثمان ﵁ وأرضاه، وهذه دلالة على أن أفضل اثنين في هذه الأمة بعد موت الاثنين هما: عثمان وعلي، ثم ذهب إلى عثمان فقال: إني أقول لك قولاً وأريد التصريح: لو لم تتول أنت الخلافة فمن يتولاها؟ قال: علي بن أبي طالب، فـ عثمان يبين فضل علي وعلي يبين فضل عثمان.
ولذلك لما خطب علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه بالكوفة قال على المنبر: من فضلني على أبي بكر وعمر جلدته حد المفتري، أي: الكذاب؛ لأن أبا بكر وعمر هم خير هذه الأمة، ثم قال: أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر، ثم الله أعلم بعد ذلك، فلم يخير عثمان عليه ﵄ وعن الصحابة أجمعين.
ولكن بعد ذلك اتفقت كلمة أهل العلم على الترتيب الأولي وهو ترتيب الخلافة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ وأرضاهم.
стр. 184
مدة الخلافة الراشدة
الخلافة على منهاج النبوة ثلاثون سنة، وهي التي ينحصر فيها قول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ)، ولذلك سميت الخلافة: خلافة راشدة، وبعدها ملك عضوض، كما بين النبي ﷺ أن الخلافة ستكون على منهاج النبوة ثلاثون، ثم يأتي بعد ذلك ملك عضوض، ثم بعد ذلك الحكم الجبري، ثم تأتي بعد ذلك في النهاية خلافة على منهاج النبوة، وهذا مصداق لقول النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم).
فخلافة أبي بكر ﵁ وأرضاه كانت سنتين وثلاثة أشهر وتسع ليال، من السنة الحادية عشرة إلى ثلاثة عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة هجرية، وخلافة عمر ﵁ وأرضاه كانت عشر سنوات وستة أشهر وثلاثة أيام، من ثلاثة وعشرين جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة هجرية إلى ستة وعشرين ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين هجرية.
وخلافة عثمان ﵁ وأرضاه كانت اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً، من واحد محرم سنة أربع وعشرين هجرية إلى ذي الحجة سنة خمس وثلاثين هجرية.
أما خلافة علي ﵁ وأرضاه فكانت أربع سنوات وتسعة أشهر، من تسعة عشر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين هجرية إلى تسعة عشر رمضان سنة أربعين هجرية.
فمجموع خلافة هؤلاء هي: تسع وعشرون سنة وستة أشهر إلا أربعة أيام، وهذه الستة الأشهر كانت من نصيب الحسن ﵁، إذاً فـ الحسن يدخل في الخلافة الراشدة عند بعض العلماء؛ لأنها ثلاثون سنة، فتمام الثلاثين يكون هذه الستة الأشهر، وبعض العلماء لم يقل بذلك؛ لأنه تنازل عن الخلافة.
فالخلافة الراشدة: هي خلافة أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ وأرضاهم.
стр. 185
العشرة المبشرون بالجنة
الأفضلية بعد ذلك للذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وهم العشرة المبشرون بالجنة، والحديث الذي يجمع هؤلاء العشرة جاء في المسند عن سعيد بن زيد عندما سمع رجلاً يسب أبا بكر وعمر، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وسعد في الجنة -أي: سعد بن أبي وقاص -
طلحة في الجنة - أي طلحة الخير - وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ثم قال: ولو شئت لأخبرتكم عن العاشر، قالوا: أنت؟ قال: نعم أنا)، فالعشرة هؤلاء هم المبشرون بالجنة.
стр. 186
أفضلية المهاجرين على الأنصار
إن الأفضلية لهؤلاء الذين بشروا بالجنة وهم من المهاجرين، والمهاجرون أفضل من الأنصار، وإن كان للأنصار فضيلة عظيمة، فإن النبي ﷺ في غزوة حنين لما فر عنه الناس قال: يا للأنصار، قالوا: ها نحن يا رسول الله.
وأما المهاجرون فقد قال أبو بكر ﵁: منا الأمير ومنكم الوزير، أي: أن الخلافة لا تكون إلا في المهاجرين من قريش، والدلالة الصريحة على تقديم المهاجرين على الأنصار: هي أن المهاجرين قد قرنوا بين الهجرة وبين النصرة، ولذلك فهم يسمون أنصاراً، ويسمون مهاجرين؛ لأنهم جمعوا بين الخيرين: هاجروا، ونصروا الرسول ﷺ بأموالهم وأنفسهم وذواتهم، وهذه تأتي على الصادقين، أما الأنصار فهم ناصروا الرسول ﷺ في مدينتهم، فلذلك فضل المهاجرون على الأنصار.
إذاً: يقدم المهاجرون في الأفضلية، ثم الأنصار، ثم باقي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 187
حكم الشهادة لإنسان بالجنة أو النار
الشهادة لإنسان أنه في الجنة أو في النار فيها تفصيل: فيصح أن نشهد لمن شهد الرسول ﷺ له بالجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة، وكذلك عكاشة بن محصن فقد شهد له النبي ﷺ بالجنة، وذلك عندما تحدث النبي ﷺ عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فقام عكاشة وقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال له النبي ﷺ : أنت منهم)، فهذه بشارة بالجنة، وكذلك ثابت بن قيس، فقد قال النبي ﷺ : (هو من أهل الجنة).
وكذلك المرأة السوداء، فقد قال لها النبي ﷺ : (وإن شئت صبرت ولك الجنة).
وبلال ﵁ قال له النبي ﷺ : (إني سمعت خشخشة نعليك في الجنة).
وكذلك عمرو بن الجموح عندما قال: إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال النبي ﷺ : (قد رأيته وطأ بعرجته الجنة).
وكذلك عامر الأكوع عندما رجع سيفه على نفسه وهو يبارز مرحباً اليهودي فقالوا: قتل نفسه، فقال ﷺ : (كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين).
وكذلك سعد بن معاذ، فقد قال فيه النبي ﷺ : (منديل من مناديل سعد في الجنة خير من الدنيا وما فيها).
وكذلك أهل بدر فقد قال عنهم ﷺ : (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
إذاً: لا يجوز أن تقول لمعين: هذا في الجنة إلا بدليل، ولكن ظن بالناس خيراً، ولا يجوز كذلك أن تقول لأحد معين: هو في النار إلا بدليل، فلا تقل: هو في النار للمعين إلا بدليل، كـ أبي لهب مثلاً، فإن الله قد أخبر أنه في النار، فقال سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣]، وزوجته كذلك، قال الله : ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٤ - ٥]، وكذلك عمرو بن لحي، فقد قال النبي ﷺ : (رأيته يدور مع أقتابه في النار).
وكذلك الوليد بن المغيرة، قال الله عنه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر:٢٦ - ٢٧] وكذلك أبو طالب فقد أخبر ﷺ أنه يعذب في النار.
وكذلك أبو الرسول ﷺ فهو في النار، والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ قال لمن جاء يسأل عن أبيه: (إن أبي وأباك في النار).
وأيضاً أم النبي ﷺ هي في النار، والدليل على ذلك: أنه ﷺ قال: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)، وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣].
وكذلك العاص بن وائل فقد قال النبي ﷺ عن عمرو بن العاص وأخيه: (مؤمنان أبوهما كافر).
وكذلك أبو جهل في النار، والدليل على ذلك: هو عندما وقف النبي ﷺ على قليب بدر قال: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف:٤٤]، وقد وعد الله الكافرين بالنار، وأبو جهل منهم، وكان ممن قتل ورمي في القليب.
стр. 188
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - تكفير أهل القبلة بالمعاصي
يعتقد أهل السنة أن من مات موحداً لله تعالى فمآله إلى الجنة، ولا يكفر أحد من أهل المعاصي إلا بما دل الدليل على أنه كفر، وبشروط معلومة ذكرها أهل العلم، وقد خالف المعتزلة والخوارج فكفروا فاعل الكبيرة، وأهل السنة يعتقدون أنه مؤمن ناقص الإيمان، وهو تحت مشيئة الله، وإن عذب فمآله إلى الجنة.
стр. 189
فضل علم العقيدة وشرفه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: علم العقيدة هو أهم العلوم وأشرفها، وشرف العلم من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل في علاه.
وبعض علماء الأصول، كـ الجويني وغيره فإنهم تكلموا على التقليد في الفروع للمذاهب الفقهية، وبينوا الخلاف بين العلماء في مسألة التقليد، وهذا في باب الاجتهاد والتقليد، وهو آخر باب في علم الأصول.
والشيء المستغرب أن العلماء تكلموا في أصول الفقه كما في النهاية فقالوا: هل يصح تقليد المذاهب في الفروع أو لا يصح؟ فنشأ خلاف طويل بين العلماء، فبعض العلماء قالوا: يجب تقليد النبي ﷺ لا غيره من أئمة المذاهب كـ الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما.
ولذلك سألت امرأة عجوز رجلاً عن مسألة فقال لها: إن أبا حنيفة يقول كذا والشافعي يقول كذا، فقالت: والنبي على أي مذهب من المذهبين؟ تعني: هل النبي شافعي أو حنفي؟ فربط الناس بالمذاهب دون ربطهم بقال الله وقال الرسول يعتبر مشكلة معضلة؛ فلذلك اختلف العلماء في التقليد، والراجح للذي لا يعلم طرق استنباط الحكم أنه يجب عليه أن يقلد عالماً مجتهداً ورعاً تقياً ديناً.
أما بالنسبة للعقيدة فلا يجوز التقليد فيها، وقد تكلم بعض علماء الأصول في مسألة التقليد في التوحيد، فنربأ بأنفسنا لا سيما ونحن ندعي السلفية التي هي أم العقيدة، فالسلفية هي العقيدة الصحيحة الصافية التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه الكرام والسلف الصالح؛ فطالب العلم لا يتنزل عن مكانة العلم بأن يكون مقلداً، ويرضى لنفسه أن يجر الناس رقبته فينجر معهم.
وذكر الشيخ محمد عطية تلميذ الشيخ الألباني أن الشيخ الألباني تكلم في مسألة: هل تصح عقيدة المقلد أو لا؟ وطبعاً علماؤنا جميعاً يقرون بأن المقلد يصح توحيده وتصح عبادته ويصح ما هو فيه، لكن طالب العلم لا بد أن تعلو همته فيتعلم علم العقيدة ولا يكون مقلداً لأحد إلا لقال الله قال رسوله ﷺ ، مسألة تكفير الناس بالمعاصي مسألة شائكة جداً.
стр. 190
حكم تكفير أهل المعاصي
وقد نقل عن الإمام أحمد بأسانيد صحيحة أنه قال: من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، أي: القرآن مخلوق مثل السماء والأرض، ومن المآخذ الشديدة والشنيعة على الأستاذ سيد قطب أنه كان يقول: القرآن كالسماء وكالأرض.
فالأستاذ سيد قطب أديب ليس بعالم ولا فقيه، وله أخطاء قاتلة في كتابه الظلال، فلا يقال عنه أنه كافر، فلا يتجرأ على هذه المسألة بحال من الأحوال إلا جريء أو جاهل لا يستقيم إيمانه ولا يستقيم علمه، فالخطر أعظم مما يتصوره المكفر، وهو أن النبي ﷺ قال: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) وقال في الرواية الأخرى: (فإن كانت فيه وإلا حارت عليه) أي: رجعت عليه كلمة الكفر والعياذ بالله؛ لأنه قطع على أخيه باب الخير.
فهذه المسألة ليست بالهينة؛ فإن النبي ﷺ ذكر أن رجلاً في بني إسرائيل مر على أخيه وهو يعصي الله، فنصحه فلم ينتصح، ثم قال له: والله لا يغفر الله لك أبداً، فقال الله: (من ذا الذي يتألى عليَّ فقد غفرت له وأحبطت عملك).
وما من عبد إلا ويقع في كبيرة، ويتعدى حدوده، ويحوم حول الحمى فيقع فيه؛ ولذلك فإن النبي ﷺ لم يشتد نكيره على الخطائين، إنما اشتد نكيره على المصرين على الخطأ، قال الله تعالى واصفاً الذين لم يصروا على الخطأ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] فهؤلاء الذين غفر الله لهم؛ لأنهم لم يصروا على ما فعلوا، وفي مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (ويل للمصرين الذين يصرون على المعاصي).
والنبي ﷺ يقول: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (كتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها البطش، والأذن تزني وزناها السمع، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه).
стр. 191
خطأ قول الطحاوي: لا نكفر أحداً بذنب ما لم يستحله
قال صاحب الطحاوية: وإنا لا نكفر أحداً بذنب ما لم يستحله، ومعنى هذا أنَّ التكفير يدور على الاستحلال القلبي فقط وهذا إرجاء محض، والذي ينصر هذا الكلام لا بد له أن يراجع؛ لأن القول بأن التكفير محله القلب فقط لم يقله أحد من أهل السنة والجماعة؛ لأن معنى ذلك أن من سب الله ورسوله لا يكفر حتى يستحل ذلك بقلبه.
وقولنا بأن هذا القول قول كفر، أو هذا الفعل فعل كفر، وقولنا أن فلاناً كافر، فهذا مندرج تحت الفرق بين تكفير النوع والعين، فيمكن أن أقول: هذا الفعل فعل كفر أو القول كذلك، وأثبت ذلك بالدليل أن الله أو رسوله سماهما كفراً، فأنا أسميهما كما سماهما الله ورسوله، لكن تكفير القائل نفسه لا يمكن أن يتجرأ أحد ويخرجه من الملة، فهذه جرأة لا يمكن أن تغتفر للمرء، فإنه قد يتقحم النار على بصيرة، إلا إذا كان عالماً مجتهداً يعلم بالمسألة ويقيم عليها الحجة ويزيل عنها الشبهة.
فالغرض المقصود أنه من قال: إن التكفير لا يقع إلا على القلب فقط، فهذا الكلام غير مقبول بحال من الأحوال، فنحن لا نكفر أحداً استقبل قبلتنا، وأكل من ذبيحتنا إلا إذا استحل ذنباً أو وقع في فعل أجمع عليه العلماء مستندين بذلك للنص أن هذا الفعل أو القول كفر، كالذي يسجد لصنم مثلاً، أو الذي يسب الله أو يسب الرسول، أو يستهزئ بهما أو بأحدهما، فكل ذلك كفر يخرج صاحبه من الملة، إذا أقيمت عليه الحجة كما في مسائل معينة، ومسائل أخرى لا تقام عليه الحجة إن كانت من باب المعلوم من الدين بالضرورة.
стр. 192
من كان موحداً لله فمآله إلى الجنة
ما من امرئ وحد ربه جل في علاه إلا ومآله إلى الجنة لا محالة، إذا توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع.
فشروط كلمة التوحيد لا إله إلا الله، ليست منحصرة في سبعة شروط أو ثمانية، فهذا الكلام على التغليب فقط، وإلا فالعلماء لم يذكروا من الشروط التوكل، والتوكل ركن من أركان الإيمان، فشروط لا إله إلا الله.
هي: العلم المنافي للجهل.
واليقين المنافي للشك.
والانقياد والإذعان المنافيان للعناد والإباء.
والإخلاص المنافي للرياء والنفاق.
والمحبة المنافية للكره، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
والصدق.
والقبول.
فمن حقق هذه الشروط فقد انتفع بكلمة التوحيد في الآخرة، أما في الدنيا فإذا قال: لا إله إلا الله فقد أصبح واحداً منا له ما لنا وعليه ما علينا، لأننا ما أمرنا أن نشق عن القلوب، إنما أمرنا أن نأخذ بالظاهر.
والتوكل أيضاً من أركان لا إله إلا الله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣] ووجه الدلالة هي مفهوم المخالفة، أي: فإن لم تتوكلوا فلستم من المؤمنين؛ لأنه اشترط الإيمان بالتوكل على الله جل في علاه.
ولم يذكر العلماء أن التوكل من الشروط، فنقول: هذا على التغليب.
فإذا توفرت الشروط التي اشترطناها في لا إله إلا الله، وأتى بمانع كأن يقع في شرك من الشركيات، فينذر لغير الله أو يذبح لغير الله -على تفصيل عند العلماء- فإن ذلك يمنعه من دخول الجنة؛ لأنه أتى بشرك.
إذاً: القاعدة عند العلماء أن كل موحد قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه حبة خردل من إيمان فإن مآله إلى الجنة لا محالة إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع؛ بخلاف المنافقين فإنهم يقولون: لا إله إلا الله ولا يعتقدون أن الله هو رب هذا الكون، وأنه سيعاقبهم، بل منهم من كان يقول: جل من لا يسهو، سخرية على الله جل في علاه.
стр. 193
الأدلة على أن الموحد مآله إلى الجنة
إذاً: كل موحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان وتوفرت الشروط وانتفت الموانع فهذا مآله إلى الجنة ولو وقع في أكبر الكبائر دون الشرك، والأدلة على ذلك ما يلي: أولاً: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهذه الآية فيها دلالة على أن كل فاعل كبيرة دون الشرك فهو في مشيئة الله جل في علاه، وكل ما كان في المشيئة لا يمكن أن يخلد في النار، بل هو أقرب إلى المغفرة.
وفي مسند أحمد بسند صحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : (لله ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفره أبداً، وديوان لا يتركه أبداً، وديوان في مشيئته) ثم بين الديوان الذي في مشيئته وهو ديوان المعاصي والكبائر وهذا إلى الله جل في علاه.
وإذا كان إلى الله فإن البشارة كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: (رحمتي سبقت غضبي) فرحمة الله أرجى لنا وأرجى لكل أحد.
ثانياً: حديث أبي ذر الصحيح عن النبي ﷺ قال: (جاءني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك على قول: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال أبو ذر -: يا رسول الله! يدخل الجنة وإن زنى وإن سرق؟! -كأنه يقول: وهذه الكبائر أين تذهب؟ - فقال: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق وعلى رغم أنف أبي ذر) أي: على رغم أنف أبي ذر أن من قال كلمة التوحيد ومات عليها فمآله إلى الجنة.
ثالثاً: قول النبي ﷺ في الصحيح: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة).
رابعاً: حديث في السنن بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من الدهر)، ومعنى الحديث: أن من دخل النار بمعاصيه فإن لا إله إلا الله تخرجه من النار وتدخله الجنة.
خامساً: حديث القبضة وفيه أن الله جل في علاه يقول: (شفع الأنبياء، وشفعت الملائكة، وشفع المؤمنون، ما بقي إلا أرحم الراحمين سبحانه جل في علاه فيقبض قبضة -ما يعلم عظم هذه القبضة إلا الله جل في علاه- فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، ويدخله الجنة).
فكل هذه الأحاديث تثبت أن أهل القبلة من أهل الجنة بإذن الله إن لم يأت بشرك، فإن أتى بشرك فإنه يخلد في النار.
стр. 194
قول الخوارج والمعتزلة أن فاعل الكبيرة مخلد في النار وأدلتهم
استدل الخوارج والمعتزلة بأدلة تثبت أن فاعل الكبيرة من أهل النار وخالد مخلد فيها، وهي ما يلي: أولاً: الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا).
ثانياً: قال النبي ﷺ : (من حمل عينا السلاح فليس منا) وهذان الحديثان فيهما براءة المرء من دينه.
ثالثاً: قول النبي ﷺ : (برئت الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين).
رابعاً: قال النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) والفسوق والكفر سواء، فإن الله تعالى قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤].
فهذه الآية تدل على أن الفسق من الظلم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] فقرن الكفر مع الفسوق، وإن كان الفسوق أخف درجة منه.
خامساً: قول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يستشرف لها الناس وهو مؤمن) فهذا الحديث فيه دلالة على أن من عمل هذه الأعمال فإنه كافر، لانتفاء الإيمان عنه.
سادساً: قول النبي ﷺ : (اثنتان في أمتي هما بهم كفر) وذكر منها النياحة على الميت، فهذا الحديث فيه دلالة قوية على أن هذه المعاصي كفرية، وهذا بالاتفاق عند الخوارج والمعتزلة.
стр. 195
الفرق بين الخوارج والمعتزلة في حكم فاعل الكبيرة
فالخوارج والمعتزلة اتفقا في المجمل واختلفا في التعريف، فأما الخوارج فقالوا: من اغتاب شخصاً فهو كافر، ومن نهب نهبة فهو كافر، ومن شرب الخمر مرة فهو كافر، أي: هو كافر في أحكام الدنيا، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، أما في أحكام الآخرة فهو خالد مخلد في نار جنهم.
وأما المعتزلة فقالوا: ليس بكافر، بل هو بمنزلة بين المنزلتين، أي: لا هو مؤمن ولا هو كافر، أما في يوم القيامة فيكون خالداً مخلداً في نار جهنم، فاتفقوا بهذا مع الخوارج.
стр. 196
عقيدة أهل السنة فيمن ارتكب كبيرة وردهم على أدلة الخوارج والمعتزلة
وأهل العقيدة السديدة يعتقدون بأنه لا يمكن أن يكفر أحد من المسلمين قال: لا إله إلا الله، مهما فعل من الذنوب، ولا يكفره إلا جاهل جريء.
أما الرد على أدلة الخوارج والمعتزلة، فهو ما يلي: أولاً: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فكل ما كان دون الشرك فهو تحت مشيئة الله، والكافر لا يدخل تحت المشيئة؛ لأن الكافر مآله إلى النار خالداً مخلداً فيها.
وهنالك قاعدة وهي: كل كفر ذكر نكرة في حديث أو في آية يحمل على الكفر الأصغر، وكل شرك ذكر منكراً في حديث أو آية فلا بد أن يحمل على الشرك الأصغر، إلا ما كان معرفاً.
والقاعدة هذه لها أدلة كثيرة جداً والشرح طويل.
ثانياً: قال النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إلخ.
فالتفريق الشرعي والتأصيل العلمي الذي أصله الله لنا في التفريق بين درجة الإسلام ودرجة الإيمان، من قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسلَمنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فيحتمل معنى قول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) أنه ليس بمؤمن لكنه مسلم لم يخرج من دائرة الإسلام، والدليل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص عندما قال للنبي ﷺ : (لم لم تعط فلاناً؟ والله ما أراه إلا مؤمناً، قال: أو مسلم) ففرق بين المؤمن وبين المسلم.
إذاً: الرد على استدلالهم بحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إلخ أن من عمل هذه الأعمال فهو ليس بمؤمن؛ لأن المؤمن له رقي ومرتبة عليا عند الله جل في علاه، بل هو قد نزل من درجة الإيمان إلى درجة الإسلام؛ ولذلك قال ابن عباس (الذي يزني أو يشرب الخمر يكون الإيمان فوقه كالظلة، فإن تاب نزل الإيمان إلى قلبه مرة ثانية، وإن لم يتب صعد عنه الإيمان وبقي على الإسلام) يعني: أن معه أصل الإيمان لا الإيمان المطلق.
إذاً: الزاني لا يدخل في دائرة الإيمان المطلق لكنه ينزل إلى مطلق الإيمان، والفرق بينهما: أن مطلق الإيمان هو أصل الإيمان، والإيمان المطلق هو الإيمان الكامل.
إذاً: الرد عليهم أن المسلم حين يزني ليس مؤمناً إيماناً مطلقاً، لكن معه أصل الإيمان.
ثالثاً: حديث أبي ذر السابق قال فيه: (يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) يعني: أنه من أهل الجنة، فإذا قلنا باستدلالهم بحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فيكون مآله إلى النار خالداً مخلداً فيها.
ويرد عليهم بأن رسول الله بشر من قبل جبريل، وجبريل بشر من قبل الله جل في علاه علام الغيوب بأن الزاني والسارق إن ماتا على ذلك فهما في مشيئة الله جل في علاه ومآلهما إلى الجنة.
رابعاً: حديث عبادة ﵁ قال: (بايعنا النبي ﷺ على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نزني، ولا نسرق، ثم قال النبي ﷺ : فمن أتى من هذه القاذورات شيئاً فأقيم عليه الحد فهو كفارة له، وإن لم يقم عليه الحد فهو تحت مشيئة الله) فجعله في المشيئة دليل على أنه من أهل الإيمان.
خامساً: قوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، أن الكفر ذكر نكرة فيدل على أنه كفر دون الكفر الأكبر.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩].
وقول النبي ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ووجه الدلالة: أن الكفر المذكور في هذا الحديث ليس هو الكفر الذي يخرج من الملة؛ لأن الله تعالى لم ينف الإيمان عن الطائفتين المتقاتلتين بل سماهما به، وشهد لهما بالإيمان مع أنهما تقتتلان، ويوجد في إحداهما بغي وظلم.
وأيضاً: حديث الحسن قال ﵊: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين من المسلمين) وعلي ومعاوية وهما من الإيمان والإسلام بمكان، ولا يمكن أن يسمى مسلماً من انخلع عن دائرة الإسلام.
وكذلك قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] وجه الدلالة من هذه الآية هو قوله تعالى: ((مِنْ أَخِيهِ))، فإن الله تعالى أثبت لهم الأخوة في الدين ولا يمكن أن تكون أخوة بين مؤمن وكافر بحال من الأحوال، إلا إذا كانت أخوة النسب، أما أخوة الإنسانية فلا تجوز بحال من الأحوال أن تكون بين المؤمن والكافر، فهي ملغية؛ لأن الله جل في علاه قال عن الكفار: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤].
سادساً: قول النبي ﷺ : (من غشنا فليس منا) وقوله: (برئت الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين) فالمعتزلة والخوارج يقولون: إن الذي يغش في البيع فهو كافر، لكنه عند أهل السنة والجماعة مسلم عاص، أو مؤمن ناقص الإيمان، فهو مؤمن بتوحيده، عاص أو فاسق بمعصيته.
أما قوله ﷺ : (برئت الذمة ممن جلس بين أظهر المسلمين) فالبراءة براءتان: براءة من الشخص، وبراءة من العمل، والبراءة من العمل لا تخرج صاحبها من الملة، أما البراءة من الشخص فكقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ [الممتحنة:٤] فهنا البراءة منهم لأنهم أشركوا بالله، وبين الله أن إبراهيم قد تبرأ أيضاً من أبيه عندما رأى أنه عدو لله جل في علاه، فهنا براءة من الشخص نفسه لكفره.
والبراءة من العمل فقط كالرجل المؤمن الذي عمل عملاً خالف فيه الشرع فيتبرأ من هذا العمل، مثل قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:٢١٦] ويوضح هذه الآية ويفسرها حديث النبي ﷺ وذلك أن خالداً قتل مجموعة من المشركين عندما قالوا: صبأنا صبأنا، فقال النبي ﷺ : (اللهم إني أبرأ إليك من فعل خالد) فـ خالد سيف من سيوف الله، فهذا التبرؤ ليس تبرؤاً بالكلية، بل هو تبرؤ من فعل؛ لأن هذا الفعل خرج عن دائرة طاعة الله جل في علاه.
وقول النبي ﷺ : (من غشنا ليس منا) يعني: ليس على هدينا، وذلك أن النبي ﷺ دخل السوق فرأى صبرة طعام فأدخل يده فيها فوجد بللاً فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: هلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا) وهذا دليل واضح جداً على أن هذا العمل ليس بكفر، ووجه الدلالة أنه لو كان كفراً لقال له ﷺ : قد كفرت، فقل: لا إله إلا الله وارجع إلى دينك واغتسل، كما أمر بعض الكفار الذين أسلموا، أو لقال له: هذه ردة يا صاحب الطعام، وقد تخلد في نار جهنم بهذه الردة.
فمعنى قوله ﷺ : (ليس منا): ليس على هدينا، وليس على ما يرضي الله ويرضي رسوله ﷺ .
سابعاً: قول النبي ﷺ : (اثنتان في أمتي هما بهم كفر: النياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم) فالنياحة على الميت ليست بكفر، فالمرأة التي تلطم الخدود وتشق الجيوب ليست كافرة، وهذا كفر دون كفر.
فهذه المسألة شائكة، وقد وسعت الكلام فيها جداً في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بالتقعيدات والتأصيلات التي لا أقصر في أن أبينها لكم فقط؛ لأن طالب العلم الجيد هو الذي يؤصل علمياً ويسير بعد ذلك على غرار هذا التأصيل، فهذا آخر ما نتكلم عنه في هذه المسألة الشائكة، حتى أجلي لكم كيف أن أهل السنة والجماعة يخالفون أهل البدع الذين يتمسكون بطرف من أطراف الحديث.
وأهل السنة والجماعة لا يستخلصون إلى المسألة إلا إذا أحاطوا بكل الروايات التي تبين لنا منهجهم، وهو أنهم لا يكفرون أحداً بأي معصية إلا إذا استحلها.
والإصرار وحده لا يدل على الاستحلال بالقلب، بل لا بد من النطق باللسان، لقول النبي ﷺ : (لم أؤمر أن أشق عن قلوب الناس).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 197
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - الصحابة وزوجات النبي ﷺ
صحابة النبي ﷺ لهم مكانة عظيمة في الإسلام، هم الذين نصروا رسول الله ﷺ ، وجاهدوا معه، وأنفقوا في سبيل ذلك النفس والنفيس، ثم نشروا الإسلام بعده إلى أرجاء المعمورة، فيجب معرفة حقهم، والثناء عليهم، والترضي عنهم، وعدم سبهم أو الخوض فيما حدث بينهم، وكذلك يجب معرفة حق زوجات النبي ﷺ ؛ فهن أمهات المؤمنين، وزوجات خير المرسلين، ومن آل بيته الطاهرين، فلابد من الترضي عنهن، ومعرفة قدرهن، والتحدث بمحاسنهن ﵅ وأرضاهن.
стр. 198
حقوق الصحابة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: الصحابة هم خير خلق الله جل في علاه، وهم أفضل من صاحب نبياً.
ومن أهم حقوق هؤلاء الصحابة: أولاً: الترضي عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
ثانياً: معرفة قدرهم؛ فنعرف قدر أبي بكر وعلي وعثمان ومعاوية ﵃ وأرضاهم.
فيوم واحد من أيام معاوية كتب فيه الوحي، أو نظر إلى وجه رسول الله ﷺ يعدل بعبادة عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين.
ولذلك بعض المتخلفين الذين لا يفقهون هذا الأمر فقهاً جيداً، ولا يعرفون للصحابي قدره يقدمون عمر بن عبد العزيز على معاوية، وهذا تقديم أعمى جاهل لا يفقه.
فالترضي يكون للصحابة دون المنافقين كـ عبد الله بن أبي بن سلول، فإنه من أهل النار، وهو ملعون، لأن الله تعالى قال فيه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].
ولما مات وصلى عليه النبي ﷺ أنزل الله إقراراً لـ عمر بن الخطاب: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].
وعبد الله بن أبي بن سلول من المنافقين، فإن الله تعالى ذكر في سورة المنافقين قوله أنه الأعز ومحمد ﷺ الأذل، حتى همَّ الصحابة رضوان الله عليهم أن يقتلوه، لولا أن النبي ﷺ قال: (أخشى أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه).
قال تعالى حاكياً عن قول المنافق عبد الله بن أبي: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، وكذلك قال الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون:٦] وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١].
ثالثاً: عدم الخوض فيما حدث بينهم: فلا يصح لمؤمن يتقي الله جل في علاه ويتأدب بأدب رسوله ﷺ أن يخوض فيما حدث بين أصحاب الرسول ﷺ ، فلا يتكلم عن معاوية أو علي أو الزبير أو طلحة أو عائشة.
قال الإمام ابن كثير في هذه المعارك: الله جل في علاه برأ سيوفنا منها فلنبرئ ألسنتنا من الكلام عليها.
فلا نتكلم عليها بحال من الأحوال، ونترضى عنهم أجمعين؛ فإن منهم المجتهد المصيب فله أجران، ومنهم المجتهد المخطئ فله أجر، والنبي ﷺ مات وهو راض عنهم، وكفى فخراً لهم أن الله جل في علاه اصطفاهم لصحبة نبيه ﷺ .
والصحابي: هو من لقي رسول الله ﷺ وأسلم على يديه ومات على ذلك.
فلو ارتد ثم أسلم في حياة النبي ثم مات على الإسلام فهو من الصحبة بمكان.
رابعاً: أن لا نسب أحداً منهم، لقول النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
стр. 199
أنواع سب الصحابة وحكم كل نوع
سب الصحابة على ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يقدح في دين الصحابة، كقول غلاة المعتزلة: بأن الصحابة ارتدوا جميعاً بعد موت رسول الله إلا أربعة عشر نفراً فقط.
القسم الثاني: أن يقدح في بعض أمور دينهم، ولا يخرجون من الملة، كمن يقول: إنهم فيهم نفاق وإنهم يحبون الدنيا وكانوا يقاتلون عليها.
القسم الثالث: أن يقدح في أشخاصهم، كمن يقول: هذا خطير، أو هذا يأكل كثيراً، أو هذا فيه كذا وكذا.
فالإمام مالك يرى أن القدح في الصحابة كفر، ويستدل بقول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] إلى أن قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] فقال: من تغيظ على الصحابة في أي شيء فهو كافر، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة فإنهم قالوا: من أخرج الصحابة من الدين فإنه كافر يخرج من الملة؛ لأنه كذَّب الله جل في علاه في تعديله لهم، قال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠].
فمن أخرج الصحابة من الدين، فإنه كافر بالاتفاق.
أما النوع الثاني: وهي أن يقدح في بعض دينهم، كمن يقول: يريدون دنيا ولا يريدون الآخرة، فقد اختلف العلماء في ذلك: فبعض أهل العلم شدد في مكانة صحابة رسول الله ﷺ وكفر من فعل ذلك، ودليله في ذلك عندما قال أحد الركب وهم يتسامرون: ما نرى أصحابنا إلا أنهم أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء، فأنزل الله جل في علاه: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] فذهب الرجل يعتذر للنبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦].
والاستهزاء نوعان: استهزاء بالدين، كمن يقول: اللحية كالمكنسة، فالدين هو الذي أمر بها، فالاستهزاء بالدين نفسه يكفر صاحبه بالاتفاق.
واستهزاء بالشخص: والصحيح الراجح أنه لا يكفر لكنه على خطر عظيم.
أما حكم القسم الثالث: أنه لا يكفر بالاتفاق لكنه يعزر بأن يحبس أو غير ذلك.
стр. 200
حقوق زوجات النبي ﷺ
زوجات النبي ﷺ هن البريئات من كل ذنب وخطيئة واتهام، العفيفات اللاتي اختارهن الله جل في علاه زوجات للنبي ﷺ ، والله جل في علاه قعد لنا قاعدة: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] فلا يمكن أن يختار الله لنبيه غير الطيبة.
стр. 201
ذكر أسماء زوجات النبي وتاريخ وفياتهن
وأولهن: خديجة بنت خويلد، وهي أم أولاد النبي ﷺ ما عدا إبراهيم، تزوجها الرسول ﷺ بعد زوجين ودخل بها وكان يحبها حباً جماً، واختلف العلماء في فضلها: هل هي أفضل النساء أم عائشة؟ فـ خديجة لها الفضل في السبق، وعائشة لها الفضل في نشر دين النبي ﷺ ، ماتت خديجة سنة عشر من البعثة قبل الهجرة.
وعائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ وأرضاها أريها النبي ﷺ مرتين أو ثلاثاً، فقيل: هذه امرأتك، فعقد عليها وهي بنت ست، ودخل بها وهي بنت تسع.
فلو قيل: لا يمكن للنبي الشفوق الرحيم بأمته أن يتزوج بامرأة عمرها تسع سنين.
فنقول له: عقلك الخرب هذا لا يصادم حديث النبي ﷺ ، فإذا جاءك الحديث وجاءك فيه إسناد كالشمس، فلا بد أن تقول: سمعت وأطعت.
توفيت ﵂ سنة ثمان وخمسين هجرية.
وسودة بنت زمعة: فـ سودة وعائشة تزوجهما النبي ﷺ وهو في مكة، ودخل بـ عائشة في المدينة، لكن هو تزوج لما جاءته المرأة فقالت: (ألك في بكر ولك في ثيب؟ قال: من الثيب ومن البكر؟ فقالت: أما الثيب فهي سودة، وأما البكر فهي عائشة فقبل النبي ﷺ الزواج منهما) وسودة ﵂ لها مسألة فقهية عظيمة جداً ألا وهي مسألة في البيوع، وهي: مسألة المصالحة، كأن أكون أنا لي عندك دين ألف درهم وأصالحك على أن تعطيني نصفها.
فـ سودة تركت ليلتها لـ عائشة من أجل ألا يطلقها النبي ﷺ ، حتى تكون زوج النبي ﷺ في الآخرة، توفيت آخر خلافة عمر وقيل: سنة أربع وخمسين.
وحفصة بنت عمر بن الخطاب، كانت ثيباً، وتزوجها النبي ﷺ عندما عرضها عمر على عثمان وعلى أبي بكر، وكان أبو بكر لا يجيب عمر لأن النبي قد ذكرها.
ماتت سنة إحدى وأربعين هجرية.
وزينت بنت خزيمة الهلالية تكنى بـ أم المساكين ﵂ وأرضاها، ماتت سنة أربع هجرية.
وأم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، وعندما تقدم لها النبي ﷺ رفضته لعلتين اثنتين: الأولى: قالت: يا رسول الله! إني امرأة أغار، أي: غيرتي شديدة جداً، ما أستطيع أن تكون أنت زوجي لغيرتي.
والثانية: أن لها أيتام، فقال النبي ﷺ : (أما أولادك فهم عليَّ، وأما غيرتك فندعو الله جل وعلا أن يذهب عنك الغيرة) فتزوجها رسول الله ﷺ .
ماتت سنة إحدى وستين.
وزينب بنت جحش الأسدية ﵂ وأرضاها، وهي بنت عمته، تزوجها النبي ﷺ بعد زيد ﵁ وأرضاه، وماتت سنة عشرين.
وجويرية بنت الحارث الخزاعية ﵂ وأرضاها، ماتت سنة تسع وخمسين.
وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ﵂، ماتت سنة أربع وأربعين.
وصفية بنت حيي بن أخطب ﵂، ماتت سنة خمسين.
وميمونة بنت الحارث، خالة ابن عباس ﵂ وأرضاها، ماتت بسرف سنة إحدى وخمسين، ﵂ وأرضاها.
وهناك من النساء اللاتي لم يدخل بهن النبي ﷺ : الأولى: أسماء بنت النعمان، وقد ورد حديث أن النبي ﷺ قال لها: (الحقي بأهلك) لأنه رأى بكشحها بياضاً، أي: وجد عيباً وهو البرص.
واستنبط الفقهاء من ذلك أن الزواج يمكن أن يفسخ بالعيب، فمن تزوج امرأة وكتموا عليه عيباً فيها فله أن يفسخ العقد، ولو دخل بها ووجد العيب فله أن يرضى بها وله أن يفسخ العقد بهذا العيب؛ ودليل ذلك الحديث السابق إن صح، لكنه ضعيف، فهذه قاعدة معمول بها بالأصول الشرعية التي توافقها.
والثانية: بنت أبي الجون، وكانت من أجمل نساء العرب، فغيرة عائشة كانت شديدة، فدخلت عليها يوماً فقالت: إن أردت أن يحبك النبي ﷺ حباً جماً فعندما ترينه قولي: أعوذ بالله منك، -غررت بها- فلما دخل عليها النبي ﷺ قالت: أعوذ بالله منك -تحسب أنها ستنال حبه- فقال: (استعذت بمعاذ الحقي بأهلك).
وهنا استنبط العلماء فائدة عظيمة جداً ألا وهي: إن استعاذ المرء بالله أمامك فأنت لا بد أن تعيذه، ولذلك مريم قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨] فجعلت علامة التقوى أنه إذا استعاذ بالله أمامه فإنه لا يرضخ لهذه الاستعاذة.
стр. 202
معنى المحرمية لأمهات المؤمنين وعدم جواز الخلوة بهن
كل امرأة تزوجها النبي ﷺ ومات وهو عنها راض فهي أم المؤمنين، والأم هنا متضمنة لمعنى المحرمية، لكن هل المحرمية كلية أم جزء من كل؟ بمعنى: هل أم المؤمنين أم لكل مؤمن بحيث تحرم عليه ولا تكون أجنبية عنه فيجوز له أن يخلو بها أو يسافر بها ويكون محرماً لها، أم أنها تعتبر أجنبية عنه؟
الجواب
أن هذه المحرمية وعدم جواز الزواج بأمهات المؤمنين مأخوذة من قول الله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣]، فالمحرمية هنا محمولة على التوقير والتبجيل والتعظيم وعدم الزواج منهن، بخلاف الخلوة بهن فإنها لا تجوز، كما أنه لا يجوز التحدث معهن إلا من خلف ستار، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وكذلك لا يجوز السفر بهن دون محرم، وهذا هو الصحيح الراجح.
стр. 203
حكم من قال بمقالة الشيعة في حق عائشة ﵂
ومن حقوق أمهات المؤمنين أيضاً: أنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتبنى المذهب الشيعي الضال الذي يقول بقذف أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها؛ لأن من قال بأن عائشة فعلت الفاحشة فقد كفر.
فإن قيل: فما وجه تكفير من قال بهذه المقالة؟ ف
الجواب
لأنه مكذب لله جل في علاه؛ لأن الله برأها من فوق سبع سماوات، وقد دخل عليها النبي ﷺ وهي مسرورة بذلك عندما قال لها: (أبشري يا عائشة! فإن الله قد برأك من فوق سبع سماوات، فقالت لها أمها: اذهبي فاشكري رسول الله ﷺ ، فقالت: لا والله ما أشكر إلا الله)، تعني: المنعم الأول ، فمن افترى على الله الكذب بهتاناً وزوراً فقد كذب الله، والقاعدة عند العلماء تقول بكفر من كذب الله جل في علاه.
فالصحيح الراجح: أنه لا يجوز لأحد أن يتكلم في أمهات المؤمنين ولا أن يقذف واحدة منهن.
стр. 204
فضل معاوية ﵁ وعدم جواز القدح فيه
معاوية بن أبي سفيان هو خال المؤمنين، وكاتب وحي الله جل في علاه، وهو أحد خلفاء المسلمين، وقد قال العلماء: إن يوماً واحداً من أيام معاوية لا يقارن ولو بـ عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين، لا سيما وأنهم قد رأوا النبي ﷺ وتنزل عليهم الوحي، ولقد قالت أمه: إن ابني هذا سيد وسيبلغ الثريا، وحق لها أن تقول ذلك؛ ولقد كان أفضل ما يتحلى به معاوية من الأخلاقيات السامية: هو الحلم العظيم؛ فلقد أوصله حلمه إلى أسمى المراتب وأعلاها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 205
شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - حقوق أولياء الأمور وهجران أهل البدع
من منهج أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين بالمعروف، إلا إذا أمروا بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن منهج أهل السنة هجر أهل البدع، وينظر في ذلك إلى المصلحة، فإن وجدت المصلحة من هجرهم فبها، وإلا لم يهجروا، خاصة إذا كانت المفسدة ستقع بسبب ذلك.
стр. 206
من حقوق أولياء الأمور
أيضاً: من السنة -كما قال المصنف هنا-: السمع والطاعة لولاة الأمور، وولاة الأمور على أصناف ثلاثة: أولها: ولي أمر قد تولى الإمارة بالاستخلاف، والاستخلاف: هو أن يموت الخليفة أو الحاكم فيستخلف أو يولي بعده شخصاً ما، فهذا يجب له السمع والطاعة، ومثاله: عمر بن الخطاب.
ثانيها: أمير قد عين بتعيين أهل الحل والعقد له، كـ أبي بكر وعثمان.
والمقصود بأهل الحل والعقد: أهل العلم والدين والتقى والورع، فهؤلاء هم الذين يختارون واحداً منهم يرون فيه أهلية الحكم والإمارة فيؤمرونه عليهم، هذا الصنف الثاني.
ثالثها: رجل تأمر بالنار والحديد كما يقولون، أي: تأمر بالسيف أو بالإرث أو بالقتال، كما أمر معاوية ﵁ وأرضاه، فإنه نازع بالسيف والقتال حتى أمر على المسلمين، إذاً: الصف الثالث هم الذين يتولون الإمارة بالتغلب على الناس.
стр. 207
وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية
ويجب على المسلمين تجاه هذه الأصناف الثلاثة السمع والطاعة لهم، وهذا واجب بالكتاب والسنة، وهو منهج السلف الصالح، ولا يجوز الخروج عليهم إلا إذا عصوا ربهم جل في علاه؛ لأن الطاعة مقيدة بالمعروف، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وفي هذه الآيات العظيمات لفتة مهمة، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٥٩]، فجعل الطاعة مستقلة لله، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩]، وجعل الطاعة مستقلة لرسول الله، وقد بينت قبل ذلك كثيراً بأن التوحيد توحيدان: توحيد العبادة لله، وتوحيد الاتباع للنبي ﷺ ، فالله جل في علاه قد جعل الطاعة مستقلة له ومستقلة لرسوله ﷺ .
لا سيما وأن الرسول إما أن يكون مشرعاً، وإما أن يكون ناقلاً للشرع، وقد بينت قبل ذلك الخلاف الأصولي بين العلماء بأن الرسول إما أن يكون ناقلاً للشرع وإما أن يكون مشرعاً أصالة، وبينا الراجح أصولياً.
فإن قيل: فما معنى كونه ﷺ مشرعاً أو ناقلاً للشرع؟ وما هو الراجح في حقه ﷺ ؟ ف
الجواب
أن معنى كونه مشرعاً أي: محللاً محرماً من تلقاء نفسه، وأما كونه ناقلاً للشرع فمعناه: أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه جل وعلا، ودليل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، ففيها دلالة على أن النبي ﷺ مبلغ عن الله جل في علاه ما يأتيه من الوحي.
إن الله سبحانه قد جعل لنبيه طاعة مستقلة، ثم جعل لولاة الأمور طاعة تابعة لطاعة الله وطاعة الرسول ﷺ فعلى كل امرئ أن يسمع ويطيع لولي الأمر؛ سواء كان هذا الولي قد تولى مستخلفاً، أو تولى بتولية أهل الحل والعقد له، أو تولى بالسيف أو الحديد والنار كما يقولون، فلا بد من السمع والطاعة، وهذا منهج السلف رضوان الله عليهم، قال تعالى: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، لكن الله جل في علاه لم يجعل طاعة ولاة الأمور طاعة مستقلة، بل جعل طاعتهم تابعة لطاعة رسول الله ﷺ ، ففيه إشارة إلى السمع والطاعة لهم إلا أن نؤمر بمعصية أو بمخالفة لله أو لرسوله ﷺ ، فإذا أمرنا بذلك فلا سمع ولا طاعة، والأدلة على ذلك كثيرة من السنة، كما في الصحيحين عن ابن عمر ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وأيضاً قال: (إنما الطاعة في المعروف).
إذاً: فالصحيح الراجح وهو منهج السلف: السمع والطاعة في المنشط والمكره، وهذا أمر النبي ﷺ ، فإن الصحابة قالوا: (بايعنا النبي ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره وعلى أثرة علينا).
وأيضاً: فلا بد أن نضع في الحسبان أمر النبي ﷺ بأنه (ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك فعليك بالسمع والطاعة).
والسمع والطاعة لولاة الأمور لها فوائد عظيمة منها: عدم الاختلاف في الأمة، وعدم حصول المفاسد التي تحصل بسبب الخروج عليهم، وتحقيق الائتمار بأمر النبي ﷺ ، فإذا أحسن ولي الأمر فإحسانه له عند ربه جل في علاه، وإن أساء فإساءته عليه عند ربه جل في علاه، لا سيما وقد بين النبي ﷺ في الحديث: (ما من راع يسترعيه الله رعية يموت حين يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة)، أي: أنه لا يشتم رائحة الجنة بحال من الأحوال، وقد دعا النبي ﷺ على من هذا حاله فقال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)، وهذا دعاء محقق الإجابة، فعلى المرء أن يعلم بأن قلوب ولاة الأمور بيد الله جل في علاه، وعليه أن يلزم نفسه بالطاعة وأن يلتزم بدين الله، وأن يسمع ويطيع في الطاعة دون المعصية، فما عليك إلا البلاغ والله سريع الحساب.
أما أنت فيجب عليك أن تتقي الله قدر استطاعتك، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر قدر استطاعتك، وبالآداب التي أدبك الله بها وأدبك بها رسوله ﷺ حتى لا تأتي بالمفاسد، ولقوله ﷺ أيضاً: (السمع والطاعة على كل مسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة).
стр. 208
هجران أهل البدع
مسألة هجران أهل البدع مسألة مهمة جداً، فنقول: الهجران: مصدر هجر، وهو لغة: الترك، والمراد من هجران أهل البدع: هو الابتعاد عنهم.
والحقيقة: أن البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لأن صاحب البدعة قد يضطر إلى النفاق أو القتال في سبيل إظهار بدعته عند الخاصة والعامة، بل إنه يلوي أعناق النصوص حتى يستدل بها على بدعته التي ابتدعها والتي يعمل بها، فالبدعة كما قال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية، وقال بعض السلف: لأن أدخل مسجداً أجد فيه بدعة فأحرقه أولى من أن أكون صامتاً عليها، وكفى بأهل البدعة سوءاً وبشارة بالسوء قول الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]، فلن يقبل الله جل في علاه العبادة أو الاجتهاد فيها طالما أنها خرجت عن دائرة السنة والشريعة.
يقول النبي ﷺ : (لعن الله من آوى محدثاً)، فكيف بالمحدث نفسه؟ ويقول النبي ﷺ أيضاً: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، يعني: فهو باطل يرجع على صاحبه، ولا يقبل عند الله جل في علاه، أما أشد ما ورد بخصوص أهل البدع فهو قوله ﷺ : (إن الله حبس التوبة عن صاحب البدعة)، وهذا يعني الزجر الشديد من الله جل في علاه ومن رسوله لهذه البدعة؛ لأن البدعة في الحقيقة بريد الكفر.
стр. 209
أقسام البدع وأنواعها
البدعة بدعتان: بدعة مكفرة، وبدعة مفسقة.
فالبدعة المكفرة: هي البدعة التي يشوبها الشرك، كالإلحاد في أسماء الله وصفاته، وكالتوسل بالأموات بأن يجعلهم وسطاء بينه وبين الله جل في علاه، فهذه البدع مكفرة تقدح في توحيد المرء.
أما البدعة المفسقة: فهي البدعة التي تخالف طريقة النبي ﷺ ، وفي كلتيهما ذم، إلا أن البدع المكفرة أشد ذماً؛ لأن صاحبها يخلد في نار جهنم، أما البدعة المفسقة فإن صاحبها لا يزال على التوحيد ومآله بإذن الله إلى الجنة، لكنه على شفير كفر فلا بد أن يرجع إلى صوابه.
стр. 210
منهج السلف في هجر أهل البدع
وقد تعامل أهل السنة والجماعة مع أهل البدع بالهجران والتحذير منهم، وهذا على الإجمال، أما التفصيل فيها فهو أن نقول: إن الأصل الذي أصله السلف: هو هجران أهل البدع حتى يرجعوا عنها ويلتفوا حول أهل السنة والجماعة، وحول علمهم الواسع، فإن كان هذا الهجران سيأتي بمفسدة أكبر، كاستمراره على بدعته أو نحوه فلا هجران حينئذ، بل يسلم عليه وينصح ويدعى له لعل الله جل في علاه أن يهديه، فلا يعدل إلى الهجران إلا إذا علم منه أنه سيرجع عن بدعته وإلا فلا؛ لأن العلة في هجران السلف الصالح لأهل البدع هي: رجاء رجوع أهل البدع عن بدعتهم، فعليك أن تنصحهم أو تناظرهم إن كنت مجتهداً؛ حتى ترجع بهم إلى الطريق القويم طريق الله جل في علاه، كما فعل ابن عباس ﵁ وأرضاه عندما خرج الخوارج على علي بن أبي طالب وأرادوا قتله، فقال علي بن أبي طالب: اذهب يا ابن عباس! ولا تناظرهم بالقرآن، فإن القرآن حمال، أي: أن له وجوهاً كثيرةً، فيمكن لهم أن يستدلوا ببعض متشابهه مما يقوون به بدعتهم، قال: ولكن ناظرهم بالسنة، فلما ناظرهم بالسنة وبين بدعهم المميتة التي كانوا عليها رجع أكثر هؤلاء الخوارج واصطفوا بجانب علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، ولم يبق إلا من ختم الله على قلبه.
إذاً: الشرط في مناظرة أهل البدع: هو إتقان المسألة التي تناظر فيها، وأشهر من شهر سيف السنة أمام وجه البدعة: هو شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد شهر سيف السنة على وجوه المبتدعة وقمعهم بفضل الله عليه؛ لأنه كان يناصر الحق، وأشهر المناصرين للسنة من السلف: هو الشافعي؛ لأن الشافعي لقب بناصر السنة، فقد كان أحمد بن حنبل يشير إليه ويقول: هذا هو ناصر السنة؛ لأنه كان يتصدى لأهل الرأي والقياس، ويعارضهم بالسنن، ولذلك كان يقول: القياس وإن كان حجة لكن في مضايق الأمور، يعني: لا تتسع مسألة القياس عنده.
والغرض المقصود: أنهم رفعوا راية السنة وحاربوا من أجلها، أما طالب العلم المبتدئ أو المقلد فإنه لا يجوز له أن يقف أمام مبتدع ويناقشه؛ لأنا رأينا -واقعاً مشاهداً- كثيراً من المنتسبين للعلم غرر بهم وسقطوا في أوحال البدع لأنهم غير أقوياء وغير راسخين في العلم، والله المستعان.
أما في هذا الزمان فلا بد لطالب العلم المتقن أن يتصدى لشمس البدعة التي بزغت، وأن يطفئ نارها، بل وأن يفرق بين السنة والبدعة، فقد كان ابن سيرين يقول: يا بني! إذا اجتمعت مع مبتدع في مسجد فاصنع مثلي، فيضع إصبعه في أذنيه حتى لا يسمع من أهل البدعة كلمة يأثم بها، وكان كثير من السلف -منهم أحمد بن حنبل - إذا سار في الطريق فوجد فيه من يسير من المبتدعة أخذ الطريق الآخر ولم يقابله؛ ولذلك سألوا الشافعي عن أهل الكلام فقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، وقد جاء أن عمر بن الخطاب -وما أدراك ما عمر! الذي إذا سلك فجاً سلك الشيطان فجاً آخر فكيف بالمبتدع؟! - فقد جاء أنه بعث إليه أبو موسى الأشعري فقال: يا أمير المؤمنين! إن عندنا رجلاً يتكلم في القدر ولأن عمر يعلم أنه مسئول عن كل شيء سواء كان صغيراً أو كبيراً دقيقاً أو جليلاً، وكان يقول: لو عثرت بغلة في العراق لسئلت عنها، فلما وصلته هذه الرسالة اشتد غضبه وبعث إلى أبي موسى يقول: إن وصلتك رسالتي فليأتني الرجل في الحين واللحظة، فلما وصلت الرسالة بعث إليه أبو موسى بهذا الرجل، فلما جاءه الرجل قام عمر بن الخطاب إليه بالعصا وأخذ يضربه على رأسه حتى سالت الدماء على وجهه وجسده حتى قال: والله انتهيت! والله انتهيت! فقال له عمر: هل تجد في رأسك ما كنت تجد؟ فقال: لا أجد شيئاً.
وهذا الذي لا بد أن يحدث مع أهل البدع إن كان لك سلطة عليهم، فعلى الإنسان أولاً: أن ينظر لهذه البدع بعين الشرع، فيتبرأ من فعلهم، ويبغضهم على هذه الفعلة الشنيعة، ويناظرهم ويناصحهم إن كان طالب علم متقناً، وينظر إليهم بالعين الأخرى: وهي عين القدر، فيحمد الله أنه لم يكن على طريقتهم، ويحمد الله جل في علاه أن ثبته على السنة، ويدعو لهم لعل الله أن يهديهم إلى سنة سيد المرسلين.
стр. 211
من علامات أهل البدع
بين المصنف هنا بعضاً من علامات أهل البدع: وأنهم يتصفون بغير الإسلام والسنة؛ بل بما يحدثونه من البدع القولية والفعلية والعقدية، وأنهم يتعصبون لآرائهم؛ لأنهم يتبعون الأهواء، أما قاعدة أهل السنة فهي تقول: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه فلا تقل: قال الشيخ الفلاني ولا الشيخ العلاني، ولا تقل: قال الفقيه الفلاني أو المحدث العلاني، بل قل: قال رسول الله ﷺ ، وما أبدع وما أروع ما أجاب به الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين فقيه العصر عندما سئل: هل يجب على المرء أن يقلد مذهباً معيناً؟ فقال: نعم، يجب أن يقلد مذهب الرسول ﷺ .
ولا يفهم من هذا الكلام أننا لا نعرف قدر علمائنا ومشايخنا، بل نحن نعرف قدرهم وما هم عليه من العلم والفضل، ولكننا نمنع من الانجرار خلف من لا يعلمون بداعي الهوى والتعصب، بحيث نتنازل عن النعمة العظيمة التي وهبنا الله إياها، نعمة التدقيق والنظر في الأدلة والترجيح بين أقوال أهل العلم، فنحن نعرف لكل إنسان قدره، وننزل كل إنسان منزلته، عملاً بقول عائشة ﵂ وأرضاها، وعملاً كذلك بقول النبي ﷺ : (لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل)، وقول الله تعالى: ﴿َيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣]، ولذلك وصف أهل السنة أهل البدعة بأنهم يتعصبون لآرائهم، وأنهم لا يرجعون إلى الحق وإن تبين لهم، كما فعل الكوثري حديثاً، فقد كان يطعن في أبي هريرة، مع أنه محدث بارع، وما حمله على ذلك إلا التعصب المذهبي لمذهب الأحناف، فكان يسب أبا هريرة ناقل الشريعة؛ لأنه نقل حديثاً يخالف مذهب الأحناف، وكان يشتد على الكثير من الصحابة من أجل التعصب لمذهب الأحناف.
ومن علامات أهل البدعة أيضاً: أنهم يكرهون أئمة الإسلام والدين، فلا تكاد تجلس مع المبتدع إلا وأخذ يطعن في شيخ الإسلام ابن تيمية؛ زاعماً أن لا شيخ للإسلام؛ وأنه مجسم مشبه كما يزعمون، بل إن بعضهم يكفره، وهذا من منطلق عداوتهم لأهل السنة والجماعة، ويتكلمون ويغمزون أيضاً في ابن حجر والنووي، فهم يعلنون الحرب الضروس على منهج وأئمة أهل السنة والجماعة؛ ولذلك تجد أن أكثر من ناله السب والقدح هو شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وذلك لأنه أشهر سيفه البتار في وجوه أصحاب البدع، فما ترك أحداً منهم إلا وأطاح برأسه بعلمه الغزير وحجته البليغة، فقد كان صاحب نظر ثاقب في الأدلة.
إذاً: فمن أهم العلامات التي يتصف بها المبتدع: حقده على أهل السنة والجماعة، وبغضه لهم، وأعلى هذه الطوائف: الرافضة، وهم الذين غلوا في آل البيت وكفروا من دونهم من الصحابة أو فسقوهم، وهم فرق شتى، فمنهم الغلاة الذين ادعوا أن علياً إله، ومنهم دون ذلك، ولذلك ذكر ابن عباس ﵁ وأرضاه على علي إحراقه لهؤلاء بالنار وقال له: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يعذب بالنار إلا الله)، ولذلك افتتنوا به لما أحرقهم، فكانوا يصيحون وهم يحترقون قائلين: لا يعذب بالنار إلا الله، وهذه دلالة على أنك الله، والعياذ بالله! وقد أراد الله جل وعلا أن يجعلهم يموتون على الكفر فتكون خاتمة السوء عليهم، وكان أول ظهور بدعتهم في خلافة علي بن أبي طالب حين قال له عبد الله بن سبأ: أنت الإله، فأمر علي بن أبي طالب بإحراقهم، وهرب هذا الضال المبتدع ابن سبأ، وعبد الله بن سبأ هذا يهودي الأصل، فهو يريد أن يخرب دين المسلمين كما هو شأن اليهود الذين خربوا دين النصارى من قبل.
стр. 212
مذهب أهل البدع في الصفات
قال الشارح: ومذهبهم في الصفات مختلف: فمنهم المشبه، ومنهم المعطل، ومنهم المعتدل.
والتعطيل نوعان: أحدهما: تعطيل الاسم والصفة، وهذا رأي الغلاة من الجهمية والمعتزلة.
الثاني: تعطيل الصفة دون الاسم، فيقولون: الله سميع بلا سمع، بصير لا بصر، قدير بلا قدرة، عليم بلا علم، قوي بلا قوة، وهذا رأي المعتزلة، وكأنهم يعبدون عدماً لا وجود له؛ ولذلك لم يشعروا بحلاوة الإيمان والتعبد بصفات الله وأسمائه.
أما التشبيه: فهو تشبيه صفات الخالق بصفات المخلوق، والنوع الثاني من التشبيه: هو التمثيل: وهو أن يقال: إن عين الله كعين محمد بقصد المطابقة والمساواة، أما التشبيه فكأن تقول: عين الله تشبه عين محمد، تعالى الله وتقدس! بل عينه تليق بجلاله وكماله وعظمته وبهائه، وعين محمد تليق بنقصه وعجزه، فلا وجه للمقارنة والعياذ بالله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
стр. 213
من طوائف المبتدعة
стр. 214
الرافضة
ثم قال: وسموا رافضة لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حين سألوه عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما.
وزيد بن علي هذا هو الإمام زيد ﵁ وأرضاه، ومنهجه هو تفضيل علي على أبي بكر وعمر، وأن علياً أحق بالخلافة ومقدم على أبي بكر وعمر وعثمان، لكنه أيضاً يقول: إن أبا بكر وعمر وعثمان من الأكارم الفضلاء، لكن علياً أفضل منهم، وهذا هو مذهب الشوكاني أيضاً، فهو يتبنى مذهب الزيدية القائل بتقديم علي على عثمان فقط وليس على أبي بكر وعمر، فلذلك رفضوا زيد بن علي فسموا بالرافضة.
أما تسميتهم بالشيعة؛ فلأنهم يزعمون أنهم يتشيعون لآل البيت وينتصرون لهم، وما دروا أنهم أشد الناس حرباً لأهل البيت، فقد زعموا أنهم ينصرونهم وهم في الحقيقة يخذلونهم طوال التاريخ، فلو راجعت التاريخ الإسلامي لعلمت أن كل هزيمة وكل نكبة نزلت على آل البيت فهي بسببهم، فهم الذين أخرجوا الحسين للقتال بعد أن وعدوه بالمؤازرة والمبايعة، ثم تركوه مقتولاً لم يشرب جرعة ماء ﵁ وأرضاه، والآن يضربون أنفسهم بالسلاسل والسكاكين وكأنهم يردون ما فعلوا، ووالله إنهم لفي تيه وتخبط إن لم يرجعوا إلى منهج أهل السنة والجماعة، والويل كل الويل لمن يقول بالتقارب بين السنة والشيعة، فكيف نتقارب مع أناس نقضوا كلمة التوحيد، وزعموا أن علياً إله من دون الله جل في علاه؟! وكيف نتقارب مع رجل يسب أبا بكر وعمر علناً، ويقذف أم المؤمنين عائشة بالزنا والعياذ بالله؟ والأنكى من ذلك والأخزى أن بعضهم سئل عن سب أبي هريرة فقال: لا تسبه علناً، بل سبه في بيتك!! وهذا الكلام ضلال مبين، نسأل الله جل وعلا أن يهدينا جميعاً إلى سواء السبيل.
стр. 215
الجهمية
قال: ومنهم أيضاً الجهمية، نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي قتله سالم أو سلم بن أحوز سنة ١٢١هـ، ومذهبهم هذا من أخبث المذاهب، فمذهبهم في الصفات: التعطيل والنفي، وفي القدر: القول بالجبر، فهم يقولون: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء وهم كذلك يرون أن كفر إبليس مثل إيمان جبريل؛ لأن إبليس تحت إرادة الله يفعل ما أراده الله جل في علاه، وجبريل أيضاً يفعل ما أراده الله جل في علاه، فاستويا في ذلك، نعوذ بالله من الخذلان! أما في الإيمان: فمذهبهم الإرجاء، والحقيقة أن الإرجاء قد انتشر في الآونة الأخيرة وأصبح مذهباً معلناً عنه بجرأة، ومذهب الإرجاء هو مذهب ضال في الإيمان، فهم يرون أن الإيمان محله القلب فقط، فهو مجرد الإقرار بالقلب وليس القول والعمل من الإيمان، ففاعل الكبيرة عندهم كامل الإيمان.
إذاً: فالجهمية معطلة في الصفات، جبرية في القدر، مرجئة في الإيمان، في هذه العصور مبلغه، ولن يتصدى لهذه البدعة إلا طالب العلم المتقن، فهم الآن يتبنون نشرها باسم منهج السلف، ومنهج أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث، بل وجد منهم من كتب كتاباً يبلغ تسعمائة صفحة يبين فيه مذهب الإرجاء وأنه مذهب أهل السنة والجماعة.
следующие страницы →