لوقع الناس في حرج عظيم والتبس عليهم أمر السنة والكتاب «١».
وبقي أن نقول: كيف نوفق بين أحاديث النهي عن كتابة السنة والإذن فيها؟
* فقد روى الإمام البخاري في صحيحه: أن النبي ﷺ قال: (اكتبوا لأبي شاه) «٢»، يعني الخطبة التي سمعها من النبي ﷺ يوم فتح مكة.
* وفي حديث أبي هريرة أيضا أنه قال: (ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب) «٣».
على غير ذلك من الآثار الدالة على إباحته ﷺ كتابة الحديث عنه، وهي بظاهرها تتعارض مع حديث أبي سعيد في النهي عن ذلك: (لا تكتبوا عني ... ) «٤».
والجواب على هذا التعارض: أن النهي كان خاصا بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن بالكتابة كان في غير ذلك الوقت، أو أن النهي كان عن كتابة غير القرآن مع القرآن في صحيفة واحدة، والإذن كان بكتابة ذلك متفرقا يؤمن الالتباس، أو يقال: كان النهي عن الكتابة متقدما لخوف التباس القرآن بالحديث أو لخوف الاتكال على الكتابة- كما ذكرنا- وإهمال الحفظ أو غير ذلك، وكان الإذن متأخرا ناسخا للنهي السابق عند أمن اللبس أو عدم
стр. 107
الخوف من الاتكال على المكتوب «١».
والدليل على أن النبي ﷺ أذن لهم بالكتابة: ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده .. الحديث) «٢».
فقد هم النبي ﷺ أن يكتب لأصحابه كتابا حتى لا يختلفوا من بعده، والنبي ﷺ لا يهم إلا بحق، فهذا منه ﷺ نسخ للنهي السابق في حديث أبي سعيد «٣»، والله أعلم.
تاسعا:
أ- حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز عن أنس ﵁ قال:
(كان رجل نصرانيا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيا فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له فأعمقوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه فحفروا له واعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه) «٤».
قال ابن حجر عن الرجل النصراني: لم أقف على اسمه «٥».
стр. 108
ولكن في رواية الإمام مسلم- التي ستأتي- من طريق ثابت عن أنس:
(كان منا رجل من بني النجار ... ) «١»، أي هو من أقارب أنس بن مالك، ترك دينه والتحق بأهل الكتاب وتنصر، وهذا غير عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري الذي أيضا قد كتب للنبي ﷺ ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم أسلم في فتح مكة وحسن إسلامه، وقد ذكرته فيمن كتب للنبي ﷺ في المبحث الأول «٢».
ب- حدثني محمد بن رافع حدثنا أبو النضر حدثنا سليمان وهو ابن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: (كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال:
فرفعوه، قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذا) «٣».
لم يصرح لنا أنس بن مالك ﵁ باسم الرجل الذي ارتد عن الإسلام وكان من قبيلته، وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، إلا أنه هرب والتحق بأهل الكتاب.
قوله: (نبذته الأرض) أي طرحته على وجهها عبرة للناظرين بعد أن أهلكه الله ﵎ «٤».
ج- ووردت هذه الرواية عن أبي داود في كتاب المصاحف إلا أن فيها تصريح بما كان يملى عليه: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا
стр. 109
أبو داود، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك: (أن رجلا كان يكتب لرسول الله ﷺ فكان إذا أملى عليه: سَمِيعاً بَصِيراً، كتب:
(سميعا عليما)، وإذا أملى عليه: سَمِيعاً عَلِيماً، كتب: (سميعا بصيرا)، وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان من قرأهما قد قرأ كثيرا فتنصر الرجل، وقال:
إنما كنت أكتب ما شئت عند محمد، قال: فمات، فدفن فلفظته الأرض، ثم دفن، فلفظته الأرض، فقال أبو أنس: قال أبو طلحة: فأنا رأيته منبوذا على وجه الأرض) «١».
بيان حال الرواة في هذه الرواية:
١ - عبد الله:
(،؛) هو المصنف صاحب كتاب المصاحف عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر السجستاني.
(،؛) روى عن: أبيه وعمه وأبي طاهر بن السرج.
(،؛) حدث عنه خلق كثير، منهم: ابن حبان، والحاكم، والدارقطني.
(،؛) قال الذهبي: الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد، صاحب التصانيف، صنف السنن والمصاحف وغيرها، مات سنة ٣١٦ هـ «٢».
٢ - يونس بن حبيب:
(،؛) هو يونس بن حبيب بن عبد القاهر، أبو بشر الأصبهاني.
(،؛) روى عن: ابن أبي بكر بن أبي داود، وعبد الرحمن بن جعفر بن فارس.
(،؛) وحدث عنه: أبو بكر بن أبي داود، وعبد الرحمن بن جعفر بن فارس.
(،؛) قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه، وهو ثقة، وقال الذهبي: المحدث الحجة،
стр. 110
مات سنة سبع وستين ومائتين «١».
٣ - أبو داود:
(،؛) هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشر أبو داود السجستاني.
(،؛) روى عن: إبراهيم بن بشار الرمادي، وأحمد بن حنبل.
(،؛) وروى عنه: الترمذي، وابنه أبو بكر عبد الله بن أبي داود.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، حافظ، مصنف السنن وغيرها، من كبار العلماء، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وسبعين «٢».
٤ - حماد بن سلمة:
(،؛) هو حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري.
(،؛) روى عن: أيوب السختياني، وثابت البناني، وحجاج بن أرطأة.
(،؛) روى عنه: خليفة بن خياط، وسفيان الثوري، وأبو داود الطيالسي.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومائة «٣».
٥ - ثابت:
(،؛) هو ثابت بن أسلم، أبو محمد البناني.
(،؛) روى عن: أنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃.
(،؛) روى عنه: حماد بن سلمة، وسليمان الأعمش، وشعبة بن الحجاج.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين، وله
стр. 111
ست وثمانون «١».
٦ - أنس بن مالك:
(،؛) هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم النبي ﷺ ، خدمه عشر سنين، مشهور، مات سنة اثنتين، وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة «٢».
الحكم على الرواية:
الرواية رجالها ثقات، فإسنادها صحيح.
عاشرا:
قال: حدثنا عبد الله بن سليمان السجستاني- ابن أبي داود-: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو صالح، حدثني الليث عن أبي عثمان الوليد بن أبي الوليد، عن سليمان بن خارجة بن زيد، عن خارجة بن زيد، قال: دخل نفر على زيد بن ثابت، فقالوا: حدثنا بعض حديث رسول الله ﷺ ، فقال: (ماذا أحدثكم، كنت جار رسول الله ﷺ ، فكان إذا نزل الوحي أرسل إلي فكتبت الوحي، وكان إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عنه) «٣».
بيان حال الرواة:
١ - محمد بن يحيى:
(،؛) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس أبو عبد الله الذهلي.
стр. 112
(،؛) روى عن: أحمد بن حنبل، وأبي صالح عبد الله بن صالح المصري.
(،؛) روى عنه: الجماعة سوى مسلم.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، حافظ جليل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين على الصحيح، وله ست وثمانون سنة «١».
٢ - أبو صالح:
(،؛) هو عبد الله بن صالح بن محمد أبو صالح المصري.
(،؛) روى عن: الليث بن سعد، وعطاء بن خالد المخزومي.
(،؛) روى عنه: إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ومحمد بن يحيى الذهلي.
(،؛) قال ابن حجر: كاتب الليث بن سعد صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابته، وكانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين، وله خمس وثمانون سنة «٢».
٣ - الليث:
(،؛) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي.
(،؛) روى عن: عبد ربه بن سعد الأنصاري، والزهري، والوليد بن أبي الوليد.
(،؛) وروى عنه: أبو صالح عبد بن صالح، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، ثبت، فقيه، إمام مشهور، من السابعة، مات في سنة خمس وسبعين «٣».
٤ - الوليد بن أبي الوليد:
(،؛) واسمه عثمان أبو عثمان القرشي.
стр. 113
(،؛) روى عن: أبان بن عثمان، وأنس بن مالك، وسليمان بن خارجة بن زيد بن ثابت.
(،؛) روى عنه: الليث بن سعد، وحيوة بن شريح، وسعيد بن أبي أيوب.
(،؛) ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما خالف على قلة روايته.
(،؛) وقال ابن حجر: لين الحديث من الرابعة «١».
٥ - سليمان بن خارجة:
(،؛) هو سليمان بن خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري.
(،؛) روى عن: أبيه خارجة بن زيد.
(،؛) روى عنه: الوليد بن أبي الوليد.
(،؛) ذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) وقال ابن حجر: مقبول، من السادسة «٢».
٦ - خارجة بن زيد:
(،؛) هو خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري أبو زيد.
(،؛) روى عن: أسامة بن زيد، وأبيه زيد بن ثابت، وسهل بن سعد الساعدي.
(،؛) روى عنه: ابنه سليمان بن خارجة، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، والزهري.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة فقيه من الثالثة، مات سنة مائة، وقيل قبلها «٣».
الحكم على الرواية:
إسنادها ضعيف بسبب حال الوليد بن أبي الوليد، قال عنه ابن حجر:
стр. 114
لين الحديث، وكذلك سليمان بن خارجة، قال عنه ابن حجر: مقبول، وعبد الله بن صالح قال عنه ابن حجر: صدوق، وبقية الرجال ثقات، وهذه الرواية موقوفة على زيد بن ثابت.
الحادي عشر:
قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى: أخبرنا قتيبة بن سعيد قال:
حدثنا المفضل عن ابن جريح عن عبد الله بن أبي مليكة عن يحيى بن حكيم بن صفوان عن عبد الله بن عمرو قال: (جمعت القرآن، فقرأت به في كل ليلة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال لي: اقرأ به في كل شهر، فقلت: أي رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: اقرأ به في كل عشرين، قلت: أي رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فقال: اقرأ به في كل عشر، قلت: أي رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: اقرأ به في كل سبع، قلت: أي رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى) «١».
بيان حال الرواة:
١ - قتيبة بن سعيد:
(،؛) هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف أبو رجاء الثقفي.
(،؛) روى عن: إسماعيل بن علية، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب.
(،؛) روى عنه: الجماعة سوى ابن ماجة، وأحمد بن حنبل.
стр. 115
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، ثبت، من العاشرة، مات سنة أربعين ومائتين عن تسعين سنة «١».
٢ - المفضل:
(،؛) هو المفضل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة أبو معاوية المصري.
(،؛) روى عن: عبد الملك بن جريج، ومعمر بن راشد.
(،؛) روى عنه: قتيبة بن سعيد، وحسان بن عبد الله الواسطي.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، فاضل، عابد، أخطأ ابن سعد في تضعيفه، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين «٢».
٣ - ابن جريج:
(،؛) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو الوليد القرشي.
(،؛) روى عن: إسماعيل بن أمية القرشي، وعبد الله بن أبي مليكة.
(،؛) روى عنه: إسماعيل بن علية، والمفضل بن فضالة المصري.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة فقيه، فاضل، وكان يدلس ويرسل، من السادسة، مات سنة خمسين أو بعدها، وقد جاوز السبعين، وقيل: جاوز المائة ولم يثبت «٣».
٤ - عبد الله بن أبي مليكة:
(،؛) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسمه زهير بن عبد الله أبو بكر التميمي.
(،؛) روى عن: ذكوان مولى عائشة ﵂، ويحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية.
(،؛) روى عنه: أيوب السختياني، وعبد الله بن جريج.
стр. 116
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة «١».
٥ - يحيى بن حكيم بن صفوان:
(،؛) هو يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية القرشي.
(،؛) روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(،؛) روى عنه: عبد الله بن أبي مليكة.
(،؛) ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: مقبول، من الثالثة «٢».
٦ - عبد الله بن عمرو:
(،؛) هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل أبو محمد السهمي، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح «٣».
الحكم على الرواية:
رجالها ثقات سوى يحيى بن حكيم، فقد وثقه ابن حبان وقبله ابن حجر، فالحديث إسناده ضعيف والله أعلم، ولكن هناك أحاديث أخرى صحيحة تبين مدى حرص الصحابة على مدارسة القرآن وحفظه، منها:
أ- روى الإمام البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(إني لأعرف رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوها بالنهار) «٤».
ب- وجاء في رواية أخرى أيضا في البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: (لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك، لقد أعطيت
стр. 117
مزمارا من مزامير داود) «١»، وفي رواية الإمام مسلم: (لو علمت والله يا رسول الله إنك تسمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا) «٢».
فهذه الأحاديث هي من الشواهد الصحيحة لرواية عبد الله بن عمرو التي تبين مدى حرص الصحابة واهتمامهم بقراءة القرآن وحفظه، وكان رسول الله ﷺ يمر على بيوتهم ويستمع إلى ندى أصواتهم، كما بينا ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل.
стр. 118
الفصل الثاني جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: بيان كيفية الجمع ونتائجه.
المبحث الثاني: روايات جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁.
стр. 119
المبحث الأول بيان كيفية الجمع ونتائجه
المطلب الأول: فكرة الجمع وسببه
تولى أبو بكر الصديق ﵁ الخلافة بعد انتقال الرسول الكريم ﷺ إلى الرفيق الأعلى، في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة «١»، فبعد تسلمه مهام الخلافة واجه أخطارا عظيمة وأحداثا جسيمة، وكان أول ما واجهه- في خلافته- ارتداد قبائل من العرب عن الإسلام لأسباب مختلفة منها منعهم الزكاة، التي هي ركن من أركان الإسلام والأصل الذي اعتمد عليه أبو بكر ﵁ فيما يرويه أبو هريرة ﵁ حين قال: (لما توفي رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر من بعده، وكفر من كفر من العرب، وأنكر بعضهم الزكاة، عزم أبو بكر على قتالهم، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف نقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله)، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق) «٢». فكان موقفه حازما من هذه الفتنة التي أخذت تعصف بأطراف الدولة الإسلامية، وانضم كثير من المرتدين إلى مدعي النبوة مسيلمة الكذاب، وكان جيش مسيلمة قريبا من مائة ألف، فجهز الصديق لقتال هؤلاء- جميعا- الجيوش التي كان في طليعتها صحابة رسول الله ﷺ بقيادة
стр. 120
خالد بن الوليد، وكانوا قريبا من ثلاثة عشر ألفا، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة ما فيه من الأعراب، فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالد خلصنا، يقولون ميزنا من هؤلاء الأعراب، فتميزوا منهم وانفردوا، فكانوا قريبا من ثلاثة آلاف «١»، ثم صدقوا الحملة وقاتلوا قتالا شديدا، وجعلوا يتنادون:
يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم حتى فتح الله عليهم، وولى جيش الكفار فارا، وأتبعتهم السيوف المسلمة في أقفيتهم قتلا وأسرا، وقتل الله مسيلمة الكذاب وفرق شمل أصحابه، ثم رجعوا إلى الإسلام «٢». ولم تمض إلا فترة يسيرة حتى عادت شبه الجزيرة العربية كلها إلى الإسلام، لكن عددا كبيرا ممن شارك في إخماد تلك الفتنة قد قتلوا في سبيل الله، ومن بينهم عدد من حفاظ القرآن، وتشير الروايات إلى أن معركة اليمامة التي أذل الله فيها مسيلمة الكذاب وجمعه، كانت من أعظم الغزوات في حروب الردة، كما كانت أجلها خطرا، وأبعدها أثرا، قد استشهد من المسلمين يومئذ مائتان وألف، ومن بينهم ثلاثمائة وستون من المهاجرين والأنصار من أهل قصبة المدينة وحدها، حتى أوصل بعض المؤرخين عدد الحفاظ إلى الخمسمائة، كما أشار إلى ذلك ابن كثير وابن الجزري «٣». فلهذا أشار عمر ﵁ على أبي بكر الصديق ﵁ بأن يجمع القرآن لئلا يذهب بسبب موت من يحفظه من الصحابة بعد ذلك في مواطن القتال «٤»، ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود بسنده عن فضالة عن الحسن: أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة،
стр. 121
فقال: إنا لله، ثم أمر بالقرآن، فكان أول من جمعه بمصحف «١». قال ابن كثير:
وهذا منقطع فإن الحسن لم يدرك عمر، ومعناه أنه أشار بجمعه فجمع «٢».
وأشهر روايات جمع القرآن في خلافة الصديق هي التي يرويها الإمام الزهري عن عبيد بن السباق، في صحيح البخاري: (أن زيد بن ثابت ﵁ قال:
أرسل إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى إن استحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير.
فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسيب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة، لم أجدها مع أحد غيره:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ «٣»، حتى خاتمة
стр. 122
براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر في حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵄ «١».
وقد روى الإمام البخاري هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ورواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي من طرق عن الزهري به «٢».
وهذه الرواية تشير إلى جملة قضايا هامة في تاريخ جمع القرآن في هذه الفترة، فهي:
أولا: تبين السبب الذي دفع إلى جمع القرآن، وهو: الخوف من ذهاب شيء منه بذهاب حفظته، وهذا الموقف الذي عرضه عمر بن الخطاب ﵁ بضرورة جمع القرآن، كان تجربة من نوع جديد.
ثانيا: توضح أن القرآن لم يجمع من قبل بهذه الصورة، وذلك مفهوم من تردد الصديق وزيد بن ثابت، وقولهم: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ،
فبعد أن اطمأن الصديق وشرح الله صدره لذلك، عرض الفكرة على زيد بن ثابت، ورغب إليه أن يقوم بتنفيذها، تردد زيد أول الأمر، ولكن أبا بكر ما زال به يعالج شكوكه، ويبين له وجه المصلحة حتى اطمأن واقتنع بصواب ما ندب إليه «٣».
شرع زيد في جمع القرآن بطريقة محكمة، وضعها له أبو بكر وعمر ﵃ أجمعين، فيها ضمان لحياطة كتاب الله بما يليق به من تثبت بالغ وحذر دقيق، وتحريات شاملة، فلم يكتف بما حفظ في قلبه، ولا بما كتب بيده،
стр. 123
ولا بما سمع بأذنه، بل جعل يتتبع ويستقصي آخذا على نفسه أن يعتمد في جمعه على مصدرين اثنين:
أحدهما: ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ .
والثاني: ما كان محفوظا في صدور الرجال.
وبلغ من مبالغته في الحيطة والحذر، أنه لم يقبل شيئا من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان أنه كتب بين يدي رسول الله ﷺ «١».
فقام زيد بن ثابت ﵁ بجمع تلك القطع ونسخها في مصحف، كما قال زيد في رواية البخاري: (فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال) «٢». وفي رواية: من العسب والرقاع والأضلاع، وفي رواية: من الأكتاف والأقتاب وصدور الرجال.
ويدل على ذلك أيضا: ما قاله الحارث المحاسبي في كتابه فهم السنن:
(كتابة القرآن ليست محدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، فإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشرا، فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء) «٣».
ومن هنا كان قرار أبي بكر فيما نرى هو أخطر قرار اتخذه في حياته، وأعظم الخطوات التي تمت في تاريخ هذه الأمة، لأنه حل أساس مشكلة أصولية
стр. 124
ترتب على حلها سلامة النص القرآني من التحريف «١». وهو الأساس الذي انطلقت منه حركة الحضارة الإسلامية في التاريخ، مطمئنة إلى دستورها المنزل، وهذا من أحسن وأعظم ما فعله الصديق ﵁، فإن الله تعالى أقامه بعد النبي ﷺ مقاما لا ينبغي لأحد من بعده، فقد قاتل الأعداء من مانعي الزكاة، والمرتدين، والفرس والروم، ونفذ الجيوش، وبعث البعوث والسرايا، ورد الأمر إلى نصابه، بعد الخوف من تفرقه وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة، حتى تمكن القارئ من حفظه كله، وكان هذا من سر قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «٢»، فجمع الصديق ﵁ الخير وكف الشرور ﵁ وأرضاه «٣». ولذلك قال علي ﵁: (أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر أول من جمع القرآن بين اللوحين) «٤».
المطلب الثاني: لجنة جمع القرآن
تشير رواية جمع القرآن السابقة إلى الصفات والمؤهلات التي جعلت أبا بكر الصديق ﵁ يخص زيد بن ثابت ﵁ بهذا العمل الجليل، فذكرت له أربع خصال كونه شابا، فيكون أنشط لما يطلب منه، وكونه عاقلا، فيكون أوعى له، وكونه لا يتهم، فتركن النفس إليه، وكونه كان يكتب الوحي، فيكون أكثر ممارسة له «٥».
فهذا الحديث يدل على جدارة زيد بهذه الثقة، لتوافر تلك المناقب التي
стр. 125
ذكرها فيه الصديق، ويؤيد ورعه ودينه وأمانته، قوله: (فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن) «١».
بدأ زيد بن ثابت صاحب العقل الخصب، والورع الشديد، والأمانة العظيمة، والحفظ الدقيق، الموافق للعرضة الأخيرة بجمع القرآن، قال الزركشي:
(وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها، حتى مات ولذلك اعتمده الصديق في جمعه، وولاه عثمان كتابة المصحف) «٢».
ولكن عمل عظيم مثل جمع القرآن في الصحف من القطع التي كان قد كتب عليها في حياة النبي ﷺ ، لا بد أنه احتاج إلى جهود كبيرة وهو ما يدعو إلى الاعتقاد أن بعض الصحابة قد وقف إلى جانب زيد في إنجاز هذا العمل الكبير «٣»، ولعل في مقدمة من أسهم في ذلك عمر بن الخطاب، الذي كان ضمن كتاب الوحي، كما تقدم. ويدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: (قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان) «٤». وذلك عن أمر الصديق له في ذلك.
ويدل عليه ما أخرجه ابن أبي داود أيضا، ولكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه، أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: (اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه) «٥».
стр. 126
وهو حديث رجاله ثقات، مع انقطاعه، قال ابن حجر: (المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة) «١».
وقال السخاوي في جمال القراء: إن المراد بهما رجلان عدلان إذ يقول ما نصه: (المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ «٢». ولذلك قال في الحديث الذي رواه البخاري والذي ذكر سابقا: أنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة، أي لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أن زيدا كان يحفظها، وكان كثير من الصحابة يحفظونها، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة زيادة في التوثق، ومبالغة في الاحتياط، واتبع زيد بن ثابت وأعضاء اللجنة معه هذه الطريقة الدقيقة المحكمة لجمع القرآن «٣».
وقد استغرق إنجاز ذلك العمل ما يقرب سنة، فقد كان بين غزوة اليمامة- التي وقعت في الأشهر الأخيرة من السنة الحادية عشرة أو الأولى من السنة الثانية عشرة «٤» - وبين وفاة الصديق ﵁ التي كانت في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة «٥».
ولا شك في أنه اكتمل العمل قبل وفاة الصديق إذ أن الروايات تشير إلى أن الصحف أودعت عنده بقية حياته، ثم أخذها عمر بعده، فكانت عنده محروسة معظمة مكرمة، فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين، لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته، حتى أخذها أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، لتكون رهن تصرفه «٦».
стр. 127
وامتاز الجمع بما يأتي:
١ - جمع القرآن في مصحف واحد، ومرتب الآيات على الوضع الذي نقرؤه اليوم، وكانت كل سورة مستقلة في الكتابة بنفسها في صحف. ثم جمعت هذه الصحف وشدت بعضها إلى بعض.
٢ - جمعه على أدق وجوه البحث العلمي.
٣ - أنه ظفر بإجماع الأمة عليه.
٤ - حوى الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن «١».
٥ - ثبت نص القرآن بالتواتر، وروته جموع غفيرة يؤمن تواطؤها على الكذب.
وتكفل الله بحفظه وتمت كتابته على أوثق وجه، فهو أصدق وثيقة عرفها التاريخ، لم يدخله تبديل ولا تغيير لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ «٢».
ومما ينبغي أن يعلم أن الجمع بهذه الدقة الفائقة والتثبت البالغ والاشتمال على هذه المميزات لم يكن لغير صحف أبي بكر ﵁، فهي النسخة الأصلية الموثوق بها، التي يجب الاعتماد عليها.
نعم، قد كانت هناك صحف ومصاحف لبعض الصحابة كتبوا فيها القرآن، إلا أنها لم تحظ بما حظيت به صحف أبي بكر الصديق ﵁ من الدقة والميزات، فبعض الصحابة كان يكتب المنسوخ، وما ثبت برواية الآحاد وبعض التفسيرات والتأويلات، ويكتب بعض الأدعية والمأثورات «٣»، كما سيأتي
стр. 128
توضيح هذه المسألة في المبحث الأخير من الرسالة.
وقال الزرقاني: وعلى هذا الدستور تم جمع القرآن بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وإجماع الأمة عليه دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، وللصحابة في المعاونة والإقرار «١».
стр. 129
المبحث الثاني روايات جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵃
أولا:
قال عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان عن السدي عن عبد خير عن علي ﵁ قال: (رحم الله أبا بكر هو أول من جمع بين اللوحين) «١».
بيان حال الرواة:
١ - يعقوب بن سفيان:
هو يعقوب بن سفيان أبو يوسف الفارسي الفسوي.
روى عن: أبي نعيم الفضل بن دكين، وقبيصة بن عقبة.
روى عنه: الترمذي، والنسائي.
قال الذهبي: ثقة مصنف، خير، صالح، وقال ابن حجر: ثقة، حافظ، مات سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل بعد ذلك «٢».
٢ - أبو نعيم:
هو الفضل بن دكين، ثقة، تقدمت ترجمته.
٣ - سفيان:
هو سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوري.
стр. 130
روى عن: جعفر بن محمد الصادق، وأيوب السختياني.
روى عنه: وكيع بن الجراح، وأبو نعيم الفضل بن دكين.
قال ابن حجر: ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة، وكان ربما دلس، مات سنة إحدى وستين بعد المائة وله أربع وستون «١».
٤ - السدي:
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة أبو محمد، السدي الكبير، القرشي.
روى عن عبد خير، وعمرو بن ميمون.
روى عنه: سفيان الثوري، والحكم بن ظهير.
قال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وقال أحمد بن حنبل: مقارب الحديث صالح، وقال النسائي: صالح، وقال ابن حجر: صدوق يهم، رمي بالتشيع، مات سنة سبع وعشرين ومائة «٢».
٥ - عبد خير:
(،؛) هو عبد خير بن يزيد أبو عمار الهمداني.
(،؛) روى عن: علي بن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن مسعود ﵁.
(،؛) روى عنه: السدي، وعامر الشعبي.
(،؛) قال ابن معين والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: ثقة مخضرم، لم تصح له صحبة «٣».
الحكم على الرواية:
رجالها ثقات سوى إسماعيل السدي الكبير، فهو صالح عند الإمام أحمد
стр. 131
و ا لنسائي وصدقه ابن حجر، فالحديث: إسناده حسن، إلا أنه له متابعات، ولكن هذه المتابعات لا تخرجه عن الحسن بسبب حال السدي، والله أعلم،
ومن هذه المتابعات:
أ
- حدثنا عبد الله، قال: حدثنا عمر بن شيبة، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن السدي عن عبد خير عن علي، قال: (أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، فإنه أول من جمع بين اللوحين) «١».
بيان حال الرواة:
١ - عمر بن شبة:
هو عمر بن شبة بن عبيدة بن زيد الشمري، أبو زيد البصري.
روى عن: أبي أحمد الزبيري، ومحبوب بن موسى.
روى عنه: ابن ماجة، وأحمد بن يحيى النحوي.
قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث، قال الدارقطني: ثقة. وقال الخطيب: ثقة عالم بالسير وأيام الناس. وقال ابن حجر: صدوق مات سنة اثنتين وستين ومائتين، وقد جاوز التسعين «٢».
٢ - أبو أحمد الزبيري:
محمد بن عبد الله بن الزبيري بن عمرو بن درهم، أبو أحمد الزبيري.
روى عن: سفيان الثوري، وعيسى بن عمر.
روى عنه: عمر بن شيبة، ونصير بن علي الجهضمي.
قال ابن معين والعجلي: ثقة، وزاد العجلي: يتشيع، وقال النسائي وابن معين:
ليس به بأس، وقال ابن سعد: صدوق، وكان كثير الحديث، وقال أحمد بن
стр. 132
حن ب ل: كان كثير الخطأ في حديث سفيان، قال ابن حجر: ثقة، ثبت، إلا أنه يخطئ في حديث الثوري، مات سنة ثلاث ومائتين «١».
أما بقية رجال الإسناد فقد تقدمت ترجمتهم في الرواية السابقة.
الحكم على الرواية:
إسنادها حسن، بسبب حال السدي وعمر بن شيبة اللذان صدقهما ابن حجر.
ب
- حدثنا أحمد بن عبد الجبار الدارمي، قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن السدي عن عبد خير، قال: سمعت عليا يقول: (رحمة الله على أبي بكر، كان أول من جمع بين اللوحين) «٢».
بيان حال الرواة:
١ - أحمد بن عبد الجبار:
هو أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عمير أبو عمر الكوفي الدارمي.
روى عن وكيع بن الجراح، وحفص بن غياث، وأبي بكر بن عياش.
روى عنه: ابن أبي داود، وأبو داود، وأبو سهل أحمد بن محمد بن زياد القطان.
قال أبو حاتم: ليس بإسناده قوي، وقال ابنه ابن أبي حاتم: كتبت عنه وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: لا بأس به، أثنى عليه أبو كريب.
قال ابن حجر: إسناده ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح. مات سنة اثنين وسبعين ومائتين «٣».
стр. 133
٢ - وكيع:
(،؛) هو وكيع بن الجراح بن مليح، أبو سفيان الرواسي.
(،؛) روى عن: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة.
(،؛) روى عنه: أحمد بن عبد الجبار، وهارون بن إسحاق، وعمر بن عبد الله.
(،؛) قال أحمد بن حنبل: كان وكيع مطبوع الحفظ، كان حافظا حافظا. وكان وكيع أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيرا كثيرا.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، حافظ عابد، مات في آخر سنة ست وأول سنة سبع وتسعين ومائة «١».
أما بقية رجال الإسناد تقدمت ترجمتهم في الروايات السابقة.
الحكم على هذه الرواية:
(،؛) قال ابن حجر في الفتح بعد أن أورد هذه الرواية، قال: إسنادها حسن «٢».
وقال ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية في كتابه فضائل القرآن: هذا إسناد صحيح «٣».
(،؛) وذكر هذه الرواية أيضا أبو عبيد بسنده في كتابه فضائل القرآن «٤».
(،؛) وأوردها السخاوي بسنده عن ابن أبي داود «٥».
стр. 134
(،؛) وكذا أوردها أبو شامة في المرشد الوجيز «١».
(،؛) وأوردها السيوطي في الإتقان عن ابن أبي داود وحكم على إسنادها بالحسن «٢».
(،؛) وأوردها الهندي في كنز العمال، وحسن إسنادها «٣».
هذه الرواية إسنادها حسن، والله أعلم. وكل هذه الروايات موقوفة على الإمام علي بن أبي طالب ﵁.
إذن .. فالرواية الأولى يبقى إسنادها حسنا، بسبب حال السدي الكبير الذي لم يتابعه أحد عليها، والله أعلم.
ثانيا:
حدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدثنا عبدة عن هشام عن أبيه: (أن أبا بكر هو الذي جمع القرآن بعد النبي ﷺ ، يقول ختمه) «٤».
بيان حال الرواة:
١ - هارون بن إسحاق:
(،؛) هو هارون بن إسحاق بن محمد بن مالك الهمداني، أبو القاسم الكوفي.
(،؛) روى عن: عبدة بن سليمان، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن فضيل.
(،؛) روى عنه: ابن أبي داود، وروى عنه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، والترمذي.
(،؛) قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال في أسماء شيوخه: نعم الشيخ كان، وذكره ابن حبان في الثقات.
стр. 135
(،؛) قال ابن حجر: صدوق، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين «١».
٢ - عبدة:
(،؛) هو عبدة بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي.
(،؛) روى عن: سفيان الثوري، وهشام بن عروة، وسعيد بن أبي عروبة.
(،؛) روى عنه: هارون بن إسحاق، ومحمد بن سوار، وعبد الله بن سعيد الأشج.
(،؛) قال أحمد بن حنبل: ثقة ثقة وزيادة مع صلاح في بدنه، وقال ابن حجر:
ثقة ثبت، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل بعدها «٢».
٣ - هشام:
(،؛) هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر الأسدي.
(،؛) روى عن: أبيه عروة، ومحمد بن سيرين- مرسلا- وأبي بكر بن أبي مليكة.
(،؛) روى عنه: عبدة بن سليمان، وحماد بن سلمة، وابن أبي الزناد، والليث بن سعد.
(،؛) قال أبو حاتم: ثقة إمام في الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا كثير الحديث حجة، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، ربما دلس، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة «٣».
стр. 136
٤ - أبوه (عروة بن الزبير):
(،؛) هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد أبو عبد الله المدني.
(،؛) روى عن: أبي بكر الصديق، ولم يلقه، وعائشة أم المؤمنين ﵂، ومروان بن الحكم.
(،؛) روى عنه: هشام بن عروة، وابن شهاب الزهري، وابن أبي مليكة.
(،؛) قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث فقيها عالما مأمونا ثبتا، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: وكان من أفاضل أهل المدينة وعلمائهم.
(،؛) وقال ابن حجر: ثقة، فقيه، مشهور، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، وكانت ولادته سنة ثلاث وعشرين وقيل غير ذلك «١».
الحكم على الرواية:
فيها هارون بن إسحاق، قال عنه ابن حجر: صدوق، والحديث مقطوع، لأن عروة بن الزبير لم يلق أبا بكر الصديق ﵁ إذ كانت ولادة عروة سنة ثلاث وعشرين على الراجح، ووفاة أبي بكر سنة ثلاث عشرة من الهجرة «٢».
وأورد هذه الرواية أيضا السخاوي بسنده عن ابن أبي داود هكذا منقطعا «٣»، فالرواية إسنادها منقطع، والله أعلم.
فهذه الرواية تكون أيضا من الشواهد للحديث الأول: بأن أبا بكر أول من جمع بين اللوحين.
وكما بينا في الفصل الأول بأن القرآن الكريم كان كله قد كتب في عهد
стр. 137
النبي ﷺ ولكن غير مجموع في موضع واحد. ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، وأمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشرا، فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء «١».
فعلي بن أبي طالب بين للناس أن أبا بكر الصديق ﵁ أعظمهم أجرا في المصاحف، لأن هذا العمل هو من أكبر المصالح الدينية وأعظمها، من حفظه لكتاب الله في مصحف واحد لئلا يذهب منه شيء بموت من تلقاه عن رسول الله ﷺ «٢».
وإذا تأملنا ما فعله أبو بكر الصديق ﵁ في جمع القرآن، فإن هذا يعد في فضائله وعظيم مناقبه، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ... ) «٣». فما جمع القرآن أحد بعده إلا وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة.
ولهذا قال أبو بكر الصديق لزيد بن ثابت: (هو والله خير ... )، قال هذا عند ما سأله زيد: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ - كما سيأتي في الحديث الصحيح القادم-.
ثالثا:
حدثنا موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن عبيد بن السباق: (أن زيد بن ثابت ﵁، قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني، فقال: إن
стр. 138
القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، لم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبو بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ «١»، حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر في حياته ثم عند حفصة بنت عمر ﵃ «٢».
دلالة الحديث:
ذكرنا هذا الحديث في المبحث الأول من هذا الفصل، وتحدثنا عنه من الناحية التاريخية، عن فكرة الجمع وسببه وعلى ماذا استندوا، وكذلك عن لجنة الجمع وعن الصفات والمؤهلات التي جعلت أبا بكر الصديق ﵁ يخص زيد بن ثابت ﵁ بهذا العمل، وبماذا امتاز هذا الجمع.
وحتى لا يكون تكرار سوف أقتصر في هذا الحديث هنا على الدلائل
стр. 139
والمسائل التي لم نتحدث عنها هنالك من خلال هذا الحديث الصحيح.
قوله: (أرسل إلي أبو بكر): قال ابن حجر: لم أقف على اسم الرسول إليه بذلك «١». أي اسم الرجل الذي أرسله أبو بكر الصديق ﵁ إلى زيد بن ثابت.
قوله: (قد استحر): أي اشتد وكثر، وهو استفعل من الحر، لأن المكروه غالبا يضاف إلى الحر، كما أن المحبوب يضاف إلى البرد، يقولون: أسخن الله عينه، وأقر عينه «٢».
قوله: (كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟): قال الخطابي: يحتمل أن يكون إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه ﷺ من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ﷺ ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء لوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية زادها الله شرفا، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق ﵁ بمشورة عمر «٣».
قوله: (حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري)، وقع في رواية شعيب عن الزهري: (مع خزيمة الأنصاري) «٤»، ووقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد: (مع خزيمة بن ثابت) «٥».
стр. 140
وكذا أخرج الأخير ابن أبي داود من طريقين: من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري، ومن طريق يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري (مع خزيمة بن ثابت) «١».
قال ابن حجر: (وقول من قال: عن إبراهيم بن سعد (مع أبي خزيمة) أصح. وأن الذي وجد معه آخر سورة التوبة غير الذي وجد معه الآية التي في الأحزاب «٢»، وهي قوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ «٣».
قال ابن حجر: (فالأول اختلف الرواة فيه عن الزهري، فمن قائل: (مع خزيمة)، ومن قائل: (مع أبي خزيمة)، ومن شك يقول: (خزيمة أو أبو خزيمة)، والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة: أبو خزيمة بالكنية، والذي وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة «٤».
وأبو خزيمة قيل هو: ابن أوس بن يزيد بن أصرم، مشهور بكنيته دون اسمه، وقيل: هو الحارث بن خزيمة «٥»، وزاد أبو شامة: من بني النجار، شهد بدرا وما بعدها، توفي في خلافة عثمان «٦»، إلا أن القرطبي لم يقف على اسمه، وقال: أبو خزيمة لا يوقف على صحة اسمه، وهو مشهور بكنيته «٧».
стр. 141
أما خزيمة: فهو ابن ثابت ذو الشهادتين «١».
قال أبو شامة: خزيمة بن ثابت بن الفاكه من الأوس، شهد أحدا وما بعدها، وقتل يوم صفين، وقيل غير ذلك «٢»، وقد صرح الإمام البخاري به عند الحديث عن آية الأحزاب، كما جاء في الصحيح: عن خارجة بن زيد: أن زيد بن ثابت ﵁ قال: (نسخت الصحف في المصاحف ففقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين ... ) الحديث «٣».
وقوله- في أصل الحديث الثالث-: (لم أجدها مع أحد غيره) - والحديث عن الآية التي في نهاية سورة التوبة-: أي لم يجدها مكتوبة، وكان زيد بن ثابت لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقاها من النبي ﷺ ، وإنما كان زيد ﵁ يطلب التثبت عمن
تلقاها بغير واسطة، ولعلهم لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكروها كما تذكرها زيد ﵁ «٤».
قال الخطابي: هذا مما يخفى معناه، ويوهم أنه كان يكتفي في إثبات الآية
стр. 142
بخبر الشخص الواحد، وليس كذلك فقد اجتمع في هذه الآية: زيد بن ثابت وأبو خزيمة وعمر ﵃ «١».
وحكى ابن التين «٢» عن الداودي قال: لم يتفرد بها أبو خزيمة، بل شاركه زيد بن ثابت، فعلى هذا تثبت برجلين «٣».
لم يعلق ابن حجر على قوليهما فيقول: وكأنه ظن أن قولهم: لا يثبت القرآن بخبر الواحد، أي الشخص الواحد، وليس كما ظن، بل المراد بخبر الواحد خلاف الخبر المتواتر، فلو بلغت رواة الخبر عددا كثيرا وفقد شيئا من شروط المتواتر لم يخرج عن كونه خبر الواحد، والحق: أن المراد بالنفي نفي وجودها مكتوبة لا نفي كونها محفوظة «٤».
وقول ابن حجر هذا أولى من قول مكي بن أبي طالب: من أن زيدا وغيره كانوا يحفظون الآية، لكنهم نسوها، فوجدوها في حفظ ذلك الرجل، فتذاكروها واستيقنوها وأثبتوها في المصحف لحفظهم لها «٥».
قال أبو شامة: إن زيدا كان يتطلب نسخ القرآن من غير ما كتب بأمر النبي ﷺ ، فلم يجد كتابة تلك الآية إلا مع ذلك الشخص، وإلا فالآية محفوظة عنده وعند غيره، وهذا المعنى أولى مما ذكره مكي وغيره «٦».
стр. 143
رابعا:
حدثنا عبد الله، قال: حدثنا أبو الطاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: (لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت:
اقعدا على باب المسجد فمن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه) «١».
بيان حال الرواة:
١ - أبو الطاهر:
(،؛) هو أحمد بن عمرو بن عبد الله أبو الطاهر المصري.
(،؛) روى عن: عبد الله بن وهب، وسفيان بن عيينة.
(،؛) روى عنه: ابن أبي داود، وأبو زرعة، وبقي بن مخلد.
(،؛) قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة خمس وخمسين بعد المائتين «٢».
٢ - ابن وهب:
(،؛) هو عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد المصري.
стр. 144
(،؛) روى عن: ابن أبي الزناد، ومالك بن أنس، ويونس بن يزيد الأيلي.
(،؛) روى عنه: أبو الطاهر، وعيسى بن إبراهيم بن مشرود، ومحمد بن سلمة المرادي.
(،؛) قال أحمد بن حنبل: صحيح الحديث، يفصل السماع عن العرض والحديث من الحديث، ما أصح حديثه وأثبته.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، حافظ، عابد، مات سنة سبعين وتسعين ومائة، وله اثنان وسبعون «١».
٣ - ابن أبي الزناد:
هو عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القريشي مولاهم المدني.
روى عن: هشام بن عروة، وأبيه عبد الله بن ذكوان.
روى عنه: عبد الله بن وهب، ومحمد بن بشر.
قال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفا.
وقال ابن حجر: صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيها، مات سنة أربع وستين ومائة، وله أربع وسبعون سنة «٢».
٤ - هشام بن عروة، وعروة بن الزبير:
(،؛) ثقات، تقدمت ترجمتهما في الحديث الثاني من هذا المبحث.
الحكم على الرواية:
إسنادها منقطع، لأن عروة بن الزبير لم يلق أبا بكر الصديق ﵁.
стр. 145
وقال ابن حجر بعد أن أورد هذا الأثر: رجاله ثقات مع انقطاعه «١».
ومعنى هذا الحديث كما قال الإمام السخاوي: (من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، وإلا كان زيد جامعا للقرآن)، قال: (ويجوز أن يكون معناه: من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى، أي من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن، ولم يزد على شيء مما لم يقرأ أصلا، ولم يعلم بوجه آخر) «٢».
وذكر هذا عنه أبو شامة المقدسي «٣»، وكذا السيوطي في الإتقان «٤».
وقال ابن حجر: (وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة، أو المراد:
أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ لا مجرد الحفظ) «٥».
وزاد السيوطي فقال: (أو المراد: أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي ﷺ عام وفاته) «٦».
خامسا:
حدثنا عبد الله، قال: حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري، عن الزهري عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت قال: (دعاني أبو بكر فقال: إنك رجل شاب كنت تكتب الوحي بين