أما خزيمة: فهو ابن ثابت ذو الشهادتين «١».
قال أبو شامة: خزيمة بن ثابت بن الفاكه من الأوس، شهد أحدا وما بعدها، وقتل يوم صفين، وقيل غير ذلك «٢»، وقد صرح الإمام البخاري به عند الحديث عن آية الأحزاب، كما جاء في الصحيح: عن خارجة بن زيد: أن زيد بن ثابت ﵁ قال: (نسخت الصحف في المصاحف ففقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين ... ) الحديث «٣».
وقوله- في أصل الحديث الثالث-: (لم أجدها مع أحد غيره) - والحديث عن الآية التي في نهاية سورة التوبة-: أي لم يجدها مكتوبة، وكان زيد بن ثابت لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقاها من النبي ﷺ ، وإنما كان زيد ﵁ يطلب التثبت عمن
تلقاها بغير واسطة، ولعلهم لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكروها كما تذكرها زيد ﵁ «٤».
قال الخطابي: هذا مما يخفى معناه، ويوهم أنه كان يكتفي في إثبات الآية
стр. 142
بخبر الشخص الواحد، وليس كذلك فقد اجتمع في هذه الآية: زيد بن ثابت وأبو خزيمة وعمر ﵃ «١».
وحكى ابن التين «٢» عن الداودي قال: لم يتفرد بها أبو خزيمة، بل شاركه زيد بن ثابت، فعلى هذا تثبت برجلين «٣».
لم يعلق ابن حجر على قوليهما فيقول: وكأنه ظن أن قولهم: لا يثبت القرآن بخبر الواحد، أي الشخص الواحد، وليس كما ظن، بل المراد بخبر الواحد خلاف الخبر المتواتر، فلو بلغت رواة الخبر عددا كثيرا وفقد شيئا من شروط المتواتر لم يخرج عن كونه خبر الواحد، والحق: أن المراد بالنفي نفي وجودها مكتوبة لا نفي كونها محفوظة «٤».
وقول ابن حجر هذا أولى من قول مكي بن أبي طالب: من أن زيدا وغيره كانوا يحفظون الآية، لكنهم نسوها، فوجدوها في حفظ ذلك الرجل، فتذاكروها واستيقنوها وأثبتوها في المصحف لحفظهم لها «٥».
قال أبو شامة: إن زيدا كان يتطلب نسخ القرآن من غير ما كتب بأمر النبي ﷺ ، فلم يجد كتابة تلك الآية إلا مع ذلك الشخص، وإلا فالآية محفوظة عنده وعند غيره، وهذا المعنى أولى مما ذكره مكي وغيره «٦».
стр. 143
رابعا:
حدثنا عبد الله، قال: حدثنا أبو الطاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: (لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت:
اقعدا على باب المسجد فمن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه) «١».
بيان حال الرواة:
١ - أبو الطاهر:
(،؛) هو أحمد بن عمرو بن عبد الله أبو الطاهر المصري.
(،؛) روى عن: عبد الله بن وهب، وسفيان بن عيينة.
(،؛) روى عنه: ابن أبي داود، وأبو زرعة، وبقي بن مخلد.
(،؛) قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة خمس وخمسين بعد المائتين «٢».
٢ - ابن وهب:
(،؛) هو عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد المصري.
стр. 144
(،؛) روى عن: ابن أبي الزناد، ومالك بن أنس، ويونس بن يزيد الأيلي.
(،؛) روى عنه: أبو الطاهر، وعيسى بن إبراهيم بن مشرود، ومحمد بن سلمة المرادي.
(،؛) قال أحمد بن حنبل: صحيح الحديث، يفصل السماع عن العرض والحديث من الحديث، ما أصح حديثه وأثبته.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، حافظ، عابد، مات سنة سبعين وتسعين ومائة، وله اثنان وسبعون «١».
٣ - ابن أبي الزناد:
هو عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القريشي مولاهم المدني.
روى عن: هشام بن عروة، وأبيه عبد الله بن ذكوان.
روى عنه: عبد الله بن وهب، ومحمد بن بشر.
قال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفا.
وقال ابن حجر: صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيها، مات سنة أربع وستين ومائة، وله أربع وسبعون سنة «٢».
٤ - هشام بن عروة، وعروة بن الزبير:
(،؛) ثقات، تقدمت ترجمتهما في الحديث الثاني من هذا المبحث.
الحكم على الرواية:
إسنادها منقطع، لأن عروة بن الزبير لم يلق أبا بكر الصديق ﵁.
стр. 145
وقال ابن حجر بعد أن أورد هذا الأثر: رجاله ثقات مع انقطاعه «١».
ومعنى هذا الحديث كما قال الإمام السخاوي: (من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، وإلا كان زيد جامعا للقرآن)، قال: (ويجوز أن يكون معناه: من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى، أي من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن، ولم يزد على شيء مما لم يقرأ أصلا، ولم يعلم بوجه آخر) «٢».
وذكر هذا عنه أبو شامة المقدسي «٣»، وكذا السيوطي في الإتقان «٤».
وقال ابن حجر: (وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة، أو المراد:
أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ لا مجرد الحفظ) «٥».
وزاد السيوطي فقال: (أو المراد: أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي ﷺ عام وفاته) «٦».
خامسا:
حدثنا عبد الله، قال: حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري، عن الزهري عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت قال: (دعاني أبو بكر فقال: إنك رجل شاب كنت تكتب الوحي بين
стр. 146
يدي رسول الله ﷺ ، اجمع القرآن فاكتبه، فو الله لو كلفوني نقل الجبال كان أيسر علي من الذي كلفني. فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال ومن العسب ومن الرقاع ومن الأضلاع. ففقدت آية كنت أسمعها من رسول الله ﷺ ، لم أجدها عند أحد، فوجدتها عند رجل من الأنصار مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ... «١»، فألحقتها في سورتها، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم عند عمر حتى مات، ثم عند حفصة) «٢».
بيان حال الرواة:
١ - علي بن حرب:
(،؛) هو علي بن حرب بن محمد بن علي أبو الحسن الطائي.
(،؛) روى عن: جعفر بن عون، ومحمد بن فضيل، وهشام بن محمد بن السائب.
(،؛) روى عنه: ابن أبي داود، والنسائي، وابن أبي حاتم.
(،؛) قال الدارقطني، ومسلمة بن القاسم: ثقة، قال أبو حاتم وابنه: صدوق، وقال النسائي: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) وقال ابن حجر: صدوق فاضل، مات سنة خمس وستين ومائتين، وقد جاوز الستين «٣».
٢ - جعفر بن عون:
(،؛) هو جعفر بن عون بن عمرو أبو عون الكوفي.
стр. 147
(،؛) روى عن: إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري، وهشام بن سعد.
(،؛) روى عنه: علي بن حرب، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي.
(،؛) قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس، كان رجلا صالحا، ووثقه يحيى بن معين والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) وقال ابن حجر: صدوق، مات سنة ست، وقيل: سبع ومائتين «١».
٣ - إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري:
(،؛) هو إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع أبو إسحاق الأنصاري.
(،؛) روى عن: الزهري، وعمرو بن دينار.
(،؛) وروى عنه: جعفر بن عون، وابن أبي حازم.
(،؛) قال ابن معين: ضعيف ليس بشيء، وقال أبو حاتم: كثير الوهم ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو قريب من ابن أبي حبيبة، وقال البخاري: كثير الوهم، وقال ابن عون: وهو مع ضعفه يكتب حديثه.
(،؛) قال ابن حجر: ضعيف «٢».
الحكم على الرواية:
فيه إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري، قال ابن حجر عنه: ضعيف، وفي هذا الأثر أدرج إبراهيم بن إسماعيل قصة آية سورة الأحزاب مع رواية عبيد بن السباق التي فيها قصة آية سورة التوبة، والصحيح كما قال الحافظ ابن حجر:
стр. 148
إ ن قصة زيد بن ثابت مع أبي بكر وعمر عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت.
كما في الحديث الصحيح الذي ذكرناه قبل قليل- والذي يحمل رقم (ثالثا) -:
(أن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إلي أبي بكر ... الحديث) «١»، وقصة حذيفة مع عثمان ﵄ عن أنس بن مالك «٢»، كما في الحديث الصحيح: (أن
حذيفة بن اليمان قدم على عثمان .. الحديث) «٣».
سادسا:
أ
- حدثنا عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية: (أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ «٤». فظنوا أن هذا آخر ما أنزل من القرآن، فقال أبي: إن رسول الله ﷺ قد أقرأني بعدهن آيتين: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) «٥»، قال: فهذا آخر ما أنزل من القرآن، فختم الأمر بما فتح به بقول الله جل ثناؤه:
стр. 149
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥ «١») «٢».
بيان حال الرواة:
١ - عبد الله بن محمد بن النعمان:
(،؛) هو عبد الله بن محمد بن النعمان بن عبد السلام الأصبهاني المقري.
(،؛) روى عن: محمد بن سعيد بن سابق، وسعيد بن سليمان، والفضل بن دكين.
(،؛) روى عنه: ابن أبي داود، وأحمد بن الحجاج الكرخي، وأحمد بن جعفر بن معبد.
(،؛) ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو نعيم: ثقة مأمون، وكان من عباد الله الصالحين «٣».
٢ - محمد:
(،؛) هو محمد بن سعيد بن سابق الرازي.
(،؛) روى عن: أبي جعفر الرازي، وعبد الله بن المبارك.
(،؛) روى عنه: عبد الله بن محمد بن النعمان، ويعقوب بن شيبة.
(،؛) ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة ست عشرة ومائتين «٤».
стр. 150
٣ - أبو جعفر:
(،؛) هو عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، أبو جعفر.
(،؛) روى عن: الربيع بن أنس، ومغيرة بن مقسم.
(،؛) روى عنه: محمد بن سعيد بن سابق، وعبد الله بن أبي جعفر الرازي.
(،؛) قال أحمد بن حنبل: ليس بقوي في الحديث، وقال صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقة، وهو يغلط فيما يرويه عن مغيرة، وقال أيضا: يكتب حديثه، ولكنه يخطئ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث.
(،؛) وقال ابن حجر: صدوق سيئ الحفظ خصوصا عن مغيرة. مات في حدود الستين «١».
٤ - الربيع:
(،؛) هو الربيع بن أنس البكري، أو الحنفي، بصري، نزل خراسان.
(،؛) روى عن: أبي العالية رفيع بن مهران، وأبي بن كعب ﵁.
(،؛) روى عنه: أبو جعفر الرازي، والأعمش، وسليمان التيمي.
(،؛) قال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إلي في أبي العالية من أبي خلدة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن معين: كان يتشيع فيفرط، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) قال ابن حجر: صدوق له أوهام، رمي بالتشيع، مات سنة أربعين ومائة أو قبلها «٢».
стр. 151
٥ - أ ب و العالية:
(،؛) هو رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي البصري.
(،؛) روى عن: أبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود ﵃.
(،؛) روى عنه: الربيع بن أنس، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم الأحول.
(،؛) وثقة ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، كثير الإرسال، مات سنة تسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: بعد ذلك «١».
الحكم على الرواية:
في إسنادها انقطاع، وهذه الرواية موقوفة على أبي العالية، وكذلك فيها أبو جعفر- عيسى- قال عنه ابن حجر: صدوق سيئ الحفظ، والأثر من كلام أبي بن كعب، لكن أسقطه الراوي، وهذا ما توضحه الرواية الأخرى والتي ذكر في إسنادها أبي بن كعب، وهي:
ب
- قال عبد الله بن أبي داود: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثني أبو جعفر أحمد بن عمر المكي، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: (أنهم جمعوا القرآن من مصحف أبي، فكان رجال يكتبون، يملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ «٢»، أثبتوا أن هذه الآية آخر ما أنزل الله تعالى من القرآن، فقال
стр. 152
أبي بن كعب: إن رسول الله ﷺ قد أقرأني بعد هذا آيتين: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) «١» إلى آخر السورة، قال: فهذا آخر ما نزل من القرآن، قال: فختم الأمر بما فتح الله به، بلا إله إلا الله يقول الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) «٢») «٣».
بيان حال الرواة:
١ - يعقوب بن أبي سفيان:
(،؛) ثقة، تقدم في الحديث الأول من هذا المبحث.
٢ - أبو جعفر أحمد بن عمر المكي:
(،؛) لم أقف له على ترجمة.
٣ - عبد الله بن أبي جعفر الرازي:
(،؛) هو عبد الله بن جعفر عيسى بن ماهان الرازي.
(،؛) روى عن: أبيه، وعن ابن جريج، وشعبة بن الحجاج.
(،؛) روى عنه: أبو جعفر أحمد بن عمر المكي، وأحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله سعد الدشتكي.
(،؛) قال أبو زرعة: صدوق، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
стр. 153
(،؛) قال ابن حجر: صدوق يخطئ «١».
٤ - أبو جعفر الرازي:
(،؛) هو عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان الرازي.
(،؛) تقدم في الأثر السابق، وهو والد عبد الله بن أبي جعفر.
(،؛) قال عنه ابن حجر: صدوق سيئ الحفظ «٢».
٥ - الربيع بن أنس:
(،؛) تقدم في الأثر السابق، قال عنه ابن حجر: صدوق له أوهام «٣».
٦ - أبو العالية:
(،؛) هو رفيع بن مهران الرياحي، ثقة، تقدم الحديث عنه.
٧ - أبي بن كعب:
(،؛) هو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، صحابي جليل.
(،؛) روى عن: النبي ﷺ .
(،؛) وروى عنه: أبو العالية، وسعيد بن جبير، وحماد بن سلمة، والربيع بن أنس.
(،؛) وقد تقدم الحديث عنه كثيرا في الفصل الأول.
стр. 154
الحكم على الرواية:
فيها: أحمد بن عمر المكي، لم أقف له على ترجمة، وعيسى بن أبي عيسى صدوق سيئ الحفظ، فالرواية ضعيفة، والله أعلم.
سابعا:
حدثنا عبد الله، قال: حدثنا أبو الطاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال:
أخبرني مالك عن ابن شهاب عن سالم وخارجة: (أن أبا بكر الصديق كان جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك، فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل، فكانت تلك الكتب عند أبي بكر حتى توفي، ثم عند عمر حتى توفي، ثم كانت عند حفصة زوج النبي ﷺ ، فأرسل إليها عثمان فأبت أن تدفعها إليه حتى عاهدها ليردنها إليها، فبعثت بها إليه، فنسخها عثمان هذه المصاحف ثم ردها إليها، فلم تزل عندها حتى أرسل مروان فأخذها فحرقها) «١».
بيان حال الرواة:
١ - أبو الطاهر:
(،؛) ثقة تقدم الكلام عنه في الحديث الرابع من هذا المبحث.
٢ - ابن أبي وهب:
(،؛) ثقة، تقدم في الحديث الرابع أيضا.
٣ - مالك بن أنس:
(،؛) هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد
стр. 155
الله المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة.
(،؛) روى عن: ابن شهاب، وزيد بن أسلم، وجعفر بن محمد الصادق.
(،؛) روى عنه: ابن وهب، وعبد الرحمن بن مهدي، وروح بن عبادة.
(،؛) قال ابن سعد: كان ثقة، مأمونا ثبتا ورعا عالما حجة.
(،؛) قال ابن حجر: إمام دار الهجرة، رأس المتقين، وكبير المثبتين، مات سنة تسع وسبعين بعد المائة، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة «١».
٤ - ابن شهاب:
(،؛) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ثقة تقدم الحديث عنه في الفصل الأول.
٥ - سالم:
(،؛) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي.
(،؛) روى عن: أبي بكر- ولم يدركه- وعبد الله بن عمر، وأم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵄.
(،؛) روى عنه: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وجابر الجعفي، وعبد الله بن يزيد الأزدي.
(،؛) قال ابن سعد: ثقة، وكان كثير الحديث عالما من الرجال ورعا، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يشبه أباه في السمت والهدي.
(،؛) قال ابن حجر: كان ثبتا عابدا فاضلا، مات في آخر سنة ست بعد المائة «٢».
стр. 156
٦ - خارجة:
(،؛) هو خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري، أبو زيد المدني.
(،؛) روى عن: زيد بن ثابت، وعن أسامة بن زيد، وسهل بن سعد.
(،؛) روى عنه: سليمان بن خارجة بن زيد الزهري.
(،؛) قال ابن سعد: ثقة، وكان كثير الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، فقيه، مات سنة مائة، وقيل قبلها «١».
الحكم على الرواية:
رجالها ثقات، لكن سالما وخارجة لم يسمعا من أبي بكر الصديق ﵁، ولم يدركا عهده، فيكون الإسناد منقطعا.
هناك بعض الروايات تشير إلى أن الذي جمع القرآن هو عمر بن الخطاب ﵁، وبعضها تشير إلى أن الذي جمع القرآن هو علي بن أبي طالب ﵁. وإليك دراسة هذه الروايات، وبيان حال رجالها، وتأويلات العلماء لها. وقد وضعتها في هذا المبحث لعلاقتها لجمع القرآن في عهد الصديق ﵁.
ثامنا:
حدثنا عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا مبارك عن الحسن: أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان يوم اليمامة، فقال: إنا لله، وأمر بالقرآن فجمع، وكان أول من جمعه في المصحف «٢».
стр. 157
بيان حال الرواة:
١ - عبد الله بن محمد بن خلاد:
(،؛) لم أجد فيه جرحا ولا تعديلا «١»، وكذا قال د. محب الدين في دراسته لكتاب المصاحف «٢».
٢ - يزيد بن هارون بن زادان، أبو خالد السلمي:
(،؛) روى عن همام بن يحيى، ومبارك بن فضالة، وحماد بن زيد.
(،؛) روى عنه: عبد الله بن محمد بن خلاد، وإسحاق بن وهب، وأحمد بن سنان القطان.
(،؛) قال أحمد بن حنبل: كان حافظا متقنا للحديث، وقال أبو حاتم: ثقة إمام صدوق في الحديث لا يسأل عن مثله، وقال ابن معين: ثقة.
(،؛) وقال ابن حجر: ثقة، متقن عابد، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين «٣».
٣ - مبارك بن فضالة، أبو فضالة البصري:
(،؛) روى عن الحسن البصري، وبكر بن عبد الله المزني.
(،؛) روى عنه: يزيد بن هارون، ومحمد بن سيرين.
(،؛) قال العجلي: لا بأس به، وقال أبو زرعة: يدلس كثيرا، فإذا قال: حدثنا، فهو ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطئ.
(،؛) وقال ابن حجر: صدوق، يدلس ويسوي، مات سنة ست وستين ومائة على الصحيح «٤».
стр. 158
٤ - الحسن بن أبي الحسن، يسار أبو سعيد البصري:
(،؛) روى عن: عمر بن الخطاب ولم يدركه، وأبي موسى الأشعري.
(،؛) روى عنه: مبارك بن فضالة، وهشام بن حسان، وإسماعيل بن مسلم.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، فقيه، فاضل، مشهور، وكان يرسل كثيرا ويدلس، وذكره في الطبقة الثانية، مات سنة عشر ومائة، وقد قارب التسعين «١».
الحكم على الرواية:
فيها عبد الله بن محمد لم أجد فيه جرحا ولا تعديلا، وأيضا الإسناد منقطع، لأن الحسن البصري لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁، وهذا ما ذكره ابن كثير ووافقه ابن حجر، فقال: (وهذا منقطع فإن الحسن لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁ «٢».
ومعنى قوله: (كان أول من جمعه في المصحف) أي: أشار- عمر بن الخطاب- بجمعه في خلافة أبي بكر ﵁ فنسب الجمع إليه لذلك؛ ولهذا كان مهيمنا على حفظه وجمعه، حتى أنه كان ﵁ لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد له شاهدان، وذلك عن أمر الصديق له في ذلك «٣».
وقال ابن حجر: (فإن كان- الأثر- محفوظا حمل على أن المراد بقوله:
(فكان أول من جمعه) أي: أشار بجمعه في خلافة أبي بكر، فنسب الجمع إليه لذلك) «٤».
стр. 159
تاسعا:
حدثنا عبد الله، قال لنا أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمر بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام في الناس فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح، والعسب. وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك إليه فقام عثمان بن عفان فقال: من كان عنده من كتاب الله شيء فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إني قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، قالوا: وما هما؟
قال: تلقيت من رسول الله ﷺ : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) «١» ... إلى آخر السورة، قال عثمان: فأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى نجعلهما؟
قال: أختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختم بهما براءة «٢».
بيان حال الرواة:
١ - أبو الطاهر:
(،؛) هو أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرج، ثقة، تقدمت ترجمته قبل قليل.
٢ - ابن وهب:
(،؛) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القريشي، ثقة، تقدمت ترجمته قبل قليل.
стр. 160
٣ - عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص الليثي:
(،؛) روى عن: ابن عمرة محمد بن عمرو بن علقمة، وسعيد المقبري.
(،؛) روى عنه: ابن وهب، وعبد الله بن عبد الحكيم.
(،؛) قال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: صدوق «١».
٤ - محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص أبو عبد الله الليثي:
(،؛) روى عن: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
(،؛) روى عنه: عمر بن طلحة الليثي، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان.
(،؛) قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ما زال الناس يتقون حديثه، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أيضا: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) قال ابن حجر: صدوق له أوهام، مات سنة خمس وأربعين ومائة على الصحيح «٢».
٥ - يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة أبو محمد المدني:
(،؛) روى عن: عمر بن الخطاب ولم يلقه، وأبيه عبد الرحمن بن حاطب.
(،؛) روى عنه: محمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن إسحاق.
стр. 161
(،؛) قال العجلي، والنسائي، والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، مات سنة أربع ومائة «١».
الحكم على الرواية:
فيها محمد بن عمرو بن علقمة، وهو صدوق له أوهام، والإسناد أيضا منقطع، لأن يحيى بن عبد الرحمن لم يلق عمر بن الخطاب ﵁، وفيما يظهر من هذا الحديث أن المتن فيه نكارة- والله أعلم- لأنه يدل على أن عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي قام بجمع المصحف فقتل ولم يتم ذلك حتى أكمله عثمان ﵁ بعد ذلك، فأتاه خزيمة بن ثابت بخاتمة براءة، وهذا مخالف لما هو معروف وثابت. إذ الراجح: أن الذي أتى بخاتمة براءة هو أبو خزيمة- كما مر بنا قبل قليل- وأيضا كان ذلك في خلافة الصديق ﵁، إلا أن عمر ﵁ كان هو القائم على هذا الجمع بأمر الصديق له.
عاشرا:
قال لنا إسماعيل بن أسد، قال: حدثنا هوذة، قال: حدثنا عوف عن عبد الله بن فضالة، قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرا من الصحابة، وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل على رجل من مضر «٢».
بيان حال الرواة:
١ - إسماعيل بن أسد:
(،؛) هو إسماعيل بن أسد بن شاهين أبو إسحاق البغدادي.
стр. 162
(،؛) روى عن: هوذة بن خليفة، وحجاج بن محمد الأعور.
(،؛) روى عنه: ابن أبي داود، وابن ماجة.
(،؛) قال أبو حاتم: صدوق، وقال ابنه: ثقة، صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) وقال ابن حجر: صدوق، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين «١».
٢ - هوذة:
(،؛) هو هوذة بن خليفة بن عبد الله بن عبد الرحمن، أبو الأشهب الأصم البصري.
(،؛) روى عن: عوف الأعرابي، وروى عن: ابن جريج، وهاشم بن حسان.
(،؛) روى عنه: إسماعيل بن أسد، وأحمد بن حنبل.
(،؛) قال أحمد بن حنبل: ما أضبط هذا الأصم- يعني هوذة- عن عوف، وأرجو أن يكون صدوقا، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) وقال ابن حجر: صدوق مات سنة ستة عشر ومائتين «٢».
٣ - عوف:
(،؛) هو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، البصري.
روى عن: عبد الله بن فضالة، والحجاج بن يوسف.
(،؛) روى عنه: هوذة بن خليفة، والنضر بن شميل، ويحيى بن سعيد القطان.
(،؛) قال أحمد بن حنبل: ثقة، صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقة، وقال
стр. 163
النسائي: ثقة ثبت.
(،؛) وقال ابن حجر: ثقة رمي بالتشيع، مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة وله ست وثمانون سنة «١».
٤ - عبد الله بن فضالة الليثي الزهراني:
(،؛) روى عن: عمر بن الخطاب، وروى عن أبيه.
(،؛) روى عنه: عوف بن أبي جميلة، وأبو حرب بن أبي السود.
(،؛) قال ابن حبان: له صحبة، وقال ابن حجر: من أولاد الصحابة، له رؤية، ورواية مرسلة، عاش إلى زمن الوليد بن عبد الملك «٢».
الحكم على الرواية:
إسنادها حسن، لأن فيها إسماعيل بن حسن وهوذة بن خليفة، فقد صدقهما ابن حجر، وبقية الرجال ثقات، لكن في المتن ما ينكر «٣»، وهو أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يرد كتابة الإمام ولم يثبت هذا عنه، بل الذي قام بذلك الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ كما سيأتي بيان هذا في الفصل القادم إن شاء الله تعالى.
الحادي عشر:
أخرج ابن أبي داود من طريق عبد الله بن مغفل، وجابر بن سمرة قال:
(قال عمر بن الخطاب: لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف) «٤».
стр. 164
وردت هذه الرواية من طريقين: طريق عبد الله بن المغفل وجابر بن سمرة. فإليك بيان حال الرواة فيهما:
أ- طريق عبد الله بن مغفل:
حدثنا عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت عبد الله بن عمير يحدث عن عبد الله بن مغفل، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ قوله: (لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف) «١».
[بيان حال الرواة:]
١ - عبد الله بن محمد:
(،؛) هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري.
(،؛) روى عن: سفيان بن عيينة، ووهب بن جرير بن حازم، وأبي داود الطيالسي.
(،؛) روى عنه: ابن أبي داود، ومسلم، وأبو داود.
(،؛) قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) قال ابن حجر: صدوق، مات سنة ست وخمسين ومائتين «٢».
٢ - وهب بن جرير بن حازم:
(،؛) هو وهب بن جرير بن حازم بن زيد أبو عبد الله الأزدي.
(،؛) روى عن: عبد الله بن محمد الزهري، ومحمد بن يحيى بن عبد الكريم.
(،؛) ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أيضا: صالح الحديث، وقال: النسائي:
ليس به بأس.
стр. 165
(،؛) وقال ابن حجر: ثقة مات سنة ست ومائتين «١».
٣ - جرير بن حازم:
(،؛) هو جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله أبو النضر الأزدي.
(،؛) روى عن: أيوب السختياني، ومحمد بن سيرين.
(،؛) روى عنه: ابنه وهب، وعبد الله بن وهب.
(،؛) قال أبو حاتم: صدوق صالح، ووثقه ابن معين والقطان والعجلي والبزار.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعفا، وله أوهام إذا حدث من حفظه، مات سنة سبعين ومائة «٢».
٤ - عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي:
(،؛) روى عن: عبد الله بن مغفل، وجابر بن سمرة.
(،؛) روى عنه: جرير بن حازم، وشيبان بن عبد الرحمن.
(،؛) قال أبو حاتم: ليس بحافظ، وهو صالح تغير حفظه قبل موته، وقال النسائي: ثقة، فصيح عالم تغير حفظه، وربما دلس، مات سنة ست وثلاثين ومائة، وذكره في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين «٣»
٥ - عبد الله بن مغفل بن مقرن أبو الوليد المزني:
(،؛) روى عن: عمر بن الخطاب ﵁، ولعله لم يسمع منه. وروى عن علي بن أبي طالب ﵁.
وروى عنه: عبد الملك بن عمير، وأبو إسحاق السباعي، ويزيد بن
стр. 166
زياد.
(،؛) قال العجلي: ثقة، من خيار التابعين، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة ثمان وثمانين «١».
الحكم على الرواية:
إسنادها حسن، بسبب حال عبد الله بن محمد الزهري، فقد صدقه ابن حجر: وفيه أيضا، عبد الملك بن عمير وهو ثقة تغير آخر عمره.
ب- طريق جابر بن سمرة:
حدثنا عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، قال: حدثنا يزيد قال: أخبرنا شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال:
سمعت عمر بن الخطاب يقول: (لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف) «٢».
بيان حال الرواة:
١ - عبد الله بن محمد بن خلاد:
(،؛) لم أجد له ترجمة، إلا ما قاله د. محب الدين عند تحقيقه لكتاب المصاحف: لم أجد فيه جرحا ولا تعديلا «٣».
٢ - يزيد بن زادان السلمي:
(،؛) ثقة، تقدمت ترجمته قبل قليل.
стр. 167
٣ - شيبان:
(،؛) هو شيبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم أبو معاوية البصري.
(،؛) روى عن: عبد الملك بن عمير، والأعمش.
(،؛) روى عنه: يزيد بن هارون، وعبيد الله بن موسى.
(،؛) قال ابن معين، والعجلي، والنسائي، وابن سعد، والترمذي: ثقة، وزاد ابن سعد: كان كثير الحديث، وقال أبو حاتم: حسن الحديث، صالح يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) وقال ابن حجر: ثقة، صاحب كتاب، مات سنة أربع وستين ومائة «١».
٤ - عبد الملك بن عميرة:
(،؛) ثقة، تغير آخر عمره، وتقدمت ترجمته قبل قليل.
٥ - جابر بن سمرة:
(،؛) هو جابر بن سمرة بن جنادة السوائي، صحابي ابن صحابي.
(،؛) روى عن: النبي ﷺ ، وعمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص.
(،؛) روى عنه: عبد الملك بن عمير، وسماك بن حرب، وتميم بن طرفة، مات بالكوفة بعد سنة سبعين، روى له أصحاب الكتب الستة، وله مائة وست وأربعون حديثا «٢».
الحكم على الرواية:
فيها عبد الله بن محمد بن خلاد، لم أجد فيه جرحا ولا تعديلا، وفيها عبد الملك بن عمير وهو ثقة تغير آخر عمره، (لكن صرح الحافظ ابن حجر
стр. 168
بأن الشيخين أخرجا له من رواية القدماء عنه) «١». وقال الدكتور محب الدين أيضا: (الإسناد صحيح لغيره، لأن عبد الله بن محمد الزهري «٢» تابعه إسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن محمد بن خلاد «٣»، لكن في المتن ما ينكر ويخالف الواقع «٤».
أما رواية إسحاق بن إبراهيم
، والتي لم تدرس بعد، فإليك بيان حال رواتها:
حدثنا عبد الله، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثنا جرير ... الحديث نفسه «٥».
[بيان حال الرواة:]
١ - إسحاق بن إبراهيم:
(،؛) هو إسحاق بن إبراهيم بن محمد المروزي الطويل، أبو يعقوب.
(،؛) روى عن: سليمان بن أبي هوذة، ويحيى بن سليم الطائفي، وابن عيينة.
(،؛) روى عن: ابن أبي داود، وأبو حاتم، وأبو القاسم الطبراني.
(،؛) قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وأجمل القول فيه، وقال أبو الشيخ ابن حبان: شيخ صدوق صاحب أصول، من المعمرين، كان قد قارب المائة، مات سنة عشر وثلاثمائة، كثير الغرائب.
(،؛) قال الذهبي: الشيخ الثقة المعمر «٦».
стр. 169
(،؛) ٢ - سليمان بن أبي هوذة:
(،؛) روى عن: جرير بن حازم، وحماد بن سلمة.
(،؛) روى عنه: إسحاق بن إبراهيم بن محمد المروزي الطويل، وعبد الله بن محمد بن الحسن المختار.
(،؛) قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه فقال: صدوق لا بأس به «١».
٣ - جرير بن حازم بن زيد:
(،؛) وثقه ابن حجر، وقد تقدمت ترجمته قبل قليل.
الحكم على الرواية:
فيها سليمان بن أبي هوذة، وهو صدوق، فالرواية إسنادها حسن، والله أعلم.
هذا الأثر ذكره الحافظ ابن حجر وعزاه لابن أبي داود، ثم قال ناقدا له:
وليس في الذين سميناهم أحد من ثقيف، بل كلهم إما قريشي أو أنصاري «٢».
وقد روى الخطيب البغدادي الأثر بسند ضعيف مرفوعا، ثم قال: وهو محفوظ من قول عمر بن الخطاب «٣».
هذه الروايات التي تشير إلى أن عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي جمع القرآن، نرى أن في متنها ما ينكر- حتى وإن كان إسناد بعضها صحيحا- لأنه مخالف لما هو المعروف والثابت بأن الجمع قد تم في خلافة الصديق. إلا أن عمر ﵁ كان هو القائم على هذا الجمع بأمر من أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه.
стр. 170
الثاني عشر:
حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: حدثنا ابن فضيل عن أشعث عن محمد بن سيرين قال: (لما توفي النبي ﷺ أقسم علي أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام، أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا والله إلا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا لجمعة فبايعه، ثم رجع) «١».
بيان حال الرواة:
١ - محمد بن إسماعيل الأحمسي .
(،؛) هو محمد بن إبراهيم بن سمرة أبو جعفر الأحمسي.
(،؛) روى عن: ابن فضيل، وجعفر بن عون، ووكيع بن الجراح.
(،؛) روى عنه: ابن أبي داود، والترمذي، والنسائي.
(،؛) قال أبو حاتم: صدوق، وقال ابنه: صدوق ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، مات سنة ستين ومائتين، وقيل قبلها «٢».
٢ - ابن فضيل:
(،؛) هو محمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الضبي.
(،؛) روى عن: أشعث بن سوار، وحصين بن عبد الرحمن السلمي، وعاصم الأحول.
стр. 171
(،؛) روى عنه: محمد بن إسماعيل الأحمسي، وعلي بن حرب الطائي، وهارون بن إسحاق.
(،؛) قال أبو حاتم: شيخ، وقال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس.
(،؛) وقال ابن حجر: صدوق عارف رمي بالتشيع، مات سنة خمس وتسعين ومائة «١».
٣ - أشعث:
(،؛) هو أشعث بن سوار الكندي النجار.
(،؛) روى عن: ابن سيرين، والحسن البصري، والشعبي.
(،؛) روى عنه: محمد بن فضيل، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي.
(،؛) قال أحمد: هو أمثل من محمد بن سالم، ولكنه على ذلك ضعيف الحديث. وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال العجلي: ضعيف يكتب حديثه، وقال: لا بأس به، وليس بالقوي.
(،؛) قال ابن حجر: ضعيف، مات سنة ست وثلاثين ومائة «٢».
٤ - محمد بن سيرين:
(،؛) هو محمد بن سيرين الأنصاري، مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصري.
(،؛) روى عن: كثير بن أفلح، وعثمان بن عفان، ولم يدركه، وعمر بن الخطاب، ولم يدركه، ﵄.
(،؛) روى عنه: أشعث بن سوار، وهشام بن حسان، وسعيد بن عبد الرحمن.
(،؛) قال أحمد بن حنبل: من الثقات، وقال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال
стр. 172
ابن سعد: كان ثقة، مأمونا، عاليا، رفيعا، فقيها، وإماما كثير العلم، ورعا، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، عابد، كثير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، مات سنة عشر ومائة، كانت ولادته لسنتين خلت من خلافة عثمان ﵁ «١».
الحكم على الرواية:
إسنادها ضعيف، وفيها أشعث بن سوار، والإسناد أيضا معضل لسقوط اثنين بين الحادثة وابن سيرين، ويؤيد هذا رواية ابن ضريس «٢» إذ يروي فيها ابن سيرين عن عكرمة «٣» الذي لم يشهد الواقعة، ولم يحتمل حضورها لتأخر ولادته، ورواية ابن ضريس فيها زيادة قول علي كرم الله وجهه: (رأيت كتاب الله يزداد فيه) «٤».
وأشار ابن حجر إلى هذه الرواية، ثم صرح بأن إسناده ضعيف لانقطاعه «٥»، وقال ابن حجر تعليقا على هذا الأثر: (وعلى تقدير أن يكون محفوظا فمراده بجمعه: حفظه في صدره) «٦». وأورد السيوطي رواية أخرجها ابن
стр. 173
أشتة، عن ابن بريدة «١»: أن أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة، وقد استغربها السيوطي وقال: (ومن غريب ما ورد في أول من جمعه ما أخرجه ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق كهمس عن ابن بريدة قال: أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة، أقسم لا يرتدي برداء حتى يجمعه فجمعه، ثم أثمروا يسمونه فقال بعضهم: سموه السفر، قال: ذلك تسمية اليهود، فكرهوه، فقال: رأيت مثله بالحبشة يسمى المصحف، فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف. إسناده منقطع أيضا وهو محمول على أنه كان أحد الجامعين بأمر أبي بكر) «٢».
قلت: وقم وهم السيوطي عند ما ذكر أن سالما مولى أبي حذيفة كان أحد الجامعين بأمر أبي بكر، والصحيح أن أبا بكر لم يأمر سالما مولى أبي حذيفة بجمع القرآن، لأن سالما استشهد في معركة اليمامة في عهد أبي بكر الصديق ﵁، وجمع القرآن لم يكن إلا بعد انتهاء المعركة واستشهاد عدد كبير من الصحابة من حفظة القرآن بما فيهم سالم، مما أفزع ذلك عمر بن الخطاب ﵁، وقال: (إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن ... الحديث) «٣».
ومن الأدلة التي تبين أن سالما قتل يوم اليمامة، قال ابن حجر: وفي رواية سفيان بن عيينة: (فلما قتل سالم مولى أبي حذيفة خشي عمر أن يذهب
стр. 174
القرآن) «١».
إذن فالرواية الأولى التي تشير إلى أن أول من جمع القرآن علي بن أبي طالب، رواية ضعيفة الإسناد، وفي إسنادها انقطاع، والرواية الثانية والتي تشير إلى أن سالما مولى أبي حذيفة أول من جمع القرآن، فهي أيضا في إسنادها انقطاع كما ذكر الإمام السيوطي. مع أن الجمع قد حصل بعد استشهاد سالم ﵁.
إن جمع القرآن في صحف أو مصحف لم يعرف لأحد قبل أبي بكر الصديق ﵁، وهذا لا ينافي أن الصحابة كانت لهم صحف أو مصاحف كتبوا فيها القرآن من قبل، لكنها لم تظفر بما ظفرت به الصحف المجموعة على عهد أبي بكر من دقة البحث والتحري، ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، ومن بلوغها حد التواتر، ومن إجماع الأمة عليها.
إن هذه الرواية- مع كونها ضعيفة- فهي تبين لنا: أن سيدنا عليا ﵁ أو بعض الصحابة كان قد كتب القرآن في مصحف، لكنها لا تعطي هذا المصحف تلك الصفة الإجماعية، ولا تخلع عليه تلك المزايا التي للصحف أو المصحف المجموع في عهد أبي بكر ﵁، بل هي مصاحف فردية، وقد ذكر سيدنا علي ﵁ هذه الحقيقة في الحديث الذي يرويه ابن أبي داود بسند حسن- والذي مر معنا في بداية هذا المبحث- إذ قال: (أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع بين اللوحين) «٢».
فهذا بيان صريح من سيدنا علي كرم الله وجهه بالأولوية لجمع أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين.
стр. 175
الفصل الثالث جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: دوافع توحيد المصاحف.
المبحث الثاني: روايات جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁.
[تصوير]
стр. 176
المبحث الأول دوافع توحيد المصاحف ونسخها
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: كثرة الأسباب والدوافع
اتسعت الفتوحات الإسلامية، وامتدت في عهد عثمان بن عفان ﵁، وسمح عثمان للقريشيين أن ينتشروا في الأمصار، وكان عمر ﵁ قد منعهم من ذلك، وأبقاهم في المدينة، وتفرق القراء في الأمصار، وأخذ أهل كل مصر عن من وفد إليهم من القراء، ووجوه القراءات التي يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل بها القرآن الكريم الذي هو أهم شيء حمله المسلمون إلى البلاد التي بلغتها حركة الفتح المستمرة في كل اتجاه.
وكان تعلم القرآن وقراءته أهم ما يشغل بال الداخلين في الدين الجديد، فظهرت لذلك في الأمصار الإسلامية مدارس لتعليم القرآن وقراءته، وإن حركة نسخ المصاحف في الأمصار كانت في اتساع مستمر، وكان ذلك يتم في ظل رخصة الأحرف السبعة التي أذن بها النبي ﷺ في قراءة القرآن تيسيرا على المسلمين.
ويبدو أن آثار تلك الرخصة قد ظهرت في الأمصار الإسلامية بصورة أكثر وضوحا منها في المدينة، وذلك بسبب البعد عن مهبط الوحي، ومكان الحفاظ، وبسبب الامتزاج اللغوي سواء بين العرب أنفسهم أم بينهم وبين غيرهم من الداخلين في الإسلام «١».
стр. 177
وكما قلنا عند ما تفرق المسلمون في الأقطار، وكان أهل كل إقليم من الأقاليم يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة.
واستفحل الداء حتى كفّر بعضهم بعضا، أو كادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير حتى أن الرجل ليقول لصاحبه: إن قراءتي خير من قراءتك، ولم يقف هذا العمل عند حد، بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية حتى الحجاز، والمدينة، وأصاب الصغار والكبار على السواء «١».
أخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق أبي قلابة أنه قال: لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بعضا، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: (أنتم عندي تختلفون، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا) «٢».
وصدق عثمان ﵁، فقد كانت الأمصار النائية أشد اختلافا ونزاعا من المدينة والحجاز، وكان الذين يسمعون اختلاف القراءات من تلك الأمصار إذا جمعتهم المجامع أو التقوا على جهاد أعدائهم، يعجبون من ذلك، وكانوا يمعنون في التعجب والإنكار كلما سمعوا زيادة في اختلاف طرق أداء القرآن، وتيقظت الفتنة التي كادت تطيح فيها الرءوس، وتسفك فيها الدماء، وتقود المسلمين إلى مثل اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، كما ورد في الحديث الذي يرويه
стр. 178
الإمام الزهري عن أنس بن مالك- سيأتي بعد قليل- والذي يشير إلى اختلاف أهل العراق وأهل الشام في القراءة، وهم في غزوة في بقاع إرمينية وأذربيجان، مما دفع حذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ) إلى التوجه إلى دار الخلافة يدعو إلى وضع حد لذلك الخلاف.
وساق لنا ابن أبي داود عدة روايات عن أبي الشعثاء، منها: أنه قال:
(كنا جلوسا إلى المسجد وعبد الله يقرأ، فجاء حذيفة فقال: قراءة ابن أم عبد، وقراءة أبي موسى، والله إن بقيت حتى آتي أمير المؤمنين- يعني عثمان- لأمرته بجعلها قراءة واحدة) «١».
ولعل أسبابا أخرى للجمع لم تذكرها الروايات، وإن عرفت من بين القرائن هي جهل الجمهور الجديد بنزول القرآن على سبعة أحرف، وهم حتى إن عرفوا الحديث الذي ينص على نزول القرآن على هذه الأحرف فإنهم يجهلون القراءات الصحيحة التي يحتكمون إليها عند الاختلاف «٢»، وبذلك تضافرت الأسباب والدوافع التي من خلالها رأى عثمان ﵁ بثاقب عقله، وصادق نظره، أن يتدارك الخلاف، وأن يستأصل الداء، بجمعهم على قراءة واحدة، القراءة العامة التي كان يقرؤها عامة الصحابة في المدينة وفي غيرها من الأمصار، وهي القراءة التي كتب عليها زيد ﵁ القرآن في زمن النبي ﷺ وفي خلافة الصديق «٣».
المطلب الثاني: ثمرة العمل واللجنة القائمة به:
شرع عثمان ﵁ في تنفيذ هذا القرار الحكيم، وكان أول ما بدأ به
стр. 179
لتحقيق ذلك، أن خطب الناس في المدينة، وفيهم كثير من الصحابة، يستشيرهم ويدعوهم إلى القيام بهذه المهمة، والرواية المشهورة التي بينت خطوات ذلك العمل الكبير هي التي يرويها أبو عبيد في فضائله «١»، والبخاري في صحيحه «٢»، وابن أبي داود في المصاحف «٣»، وغير ذلك من المصادر «٤»، عن ابن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ) عن أنس بن مالك (ت ٩٣ هـ).
وإليك نص رواية البخاري: (حدثنا موسى، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب: أن أنس بن مالك حدثه: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق).
قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال: (فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع
стр. 180
رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ «١»، فألحقتها في سورتها في المصحف) «٢».
والمتأمل لهذا الحديث والنصوص الواردة في موضوعه يخرج بنتائج عدة، منها:
إن جمع عثمان ﵁ المصحف كان بمشورة حذيفة بن اليمان.
والروايات الأخرى تفيد أن عثمان ﵁ جمعه لما رأى اختلاف القراء بالمدينة، وكان عثمان ﵁ توقع أن يكون قراء الأمصار أشد اختلافا، فلما جاء حذيفة ﵁ تأكد لديه ما توقعه، فأمر بجمع القرآن «٣».
ثم أن الجمع في عهد عثمان ﵁ اعتمد أساسا على الجمع الذي كتب في عهد أبي بكر ﵁، وقد حظي الجمع الأول بعناية الصحابة وموافقتهم، وتظافرت له جهود متعددة، وعلى رأس من تولى العمل به زيد بن ثابت، وقد اجتمع لزيد بن ثابت من الصفات ما يؤهله للقيام بذلك العمل خير قيام، فقد تربى في كنف الوحي، ويروي الذهبي أن ابن عمر قال يوم مات زيد بن ثابت:
(يرحمه الله، فقد كان عالم الناس في خلافة عمر وحبرها، فرقهم عمر في البلدان ونهاهم أن يفتوا برأيهم، وحبس زيد بالمدينة يفتي أهلها) «٤».
وقد ظل زيد ﵁ مترئسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض في عهد عمر وعثمان وعلي ﵁ أجمعين، حتى توفي سنة خمس وأربعين «٥».