المبحث الأول دوافع توحيد المصاحف ونسخها
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: كثرة الأسباب والدوافع
اتسعت الفتوحات الإسلامية، وامتدت في عهد عثمان بن عفان ﵁، وسمح عثمان للقريشيين أن ينتشروا في الأمصار، وكان عمر ﵁ قد منعهم من ذلك، وأبقاهم في المدينة، وتفرق القراء في الأمصار، وأخذ أهل كل مصر عن من وفد إليهم من القراء، ووجوه القراءات التي يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل بها القرآن الكريم الذي هو أهم شيء حمله المسلمون إلى البلاد التي بلغتها حركة الفتح المستمرة في كل اتجاه.
وكان تعلم القرآن وقراءته أهم ما يشغل بال الداخلين في الدين الجديد، فظهرت لذلك في الأمصار الإسلامية مدارس لتعليم القرآن وقراءته، وإن حركة نسخ المصاحف في الأمصار كانت في اتساع مستمر، وكان ذلك يتم في ظل رخصة الأحرف السبعة التي أذن بها النبي ﷺ في قراءة القرآن تيسيرا على المسلمين.
ويبدو أن آثار تلك الرخصة قد ظهرت في الأمصار الإسلامية بصورة أكثر وضوحا منها في المدينة، وذلك بسبب البعد عن مهبط الوحي، ومكان الحفاظ، وبسبب الامتزاج اللغوي سواء بين العرب أنفسهم أم بينهم وبين غيرهم من الداخلين في الإسلام «١».
стр. 177
وكما قلنا عند ما تفرق المسلمون في الأقطار، وكان أهل كل إقليم من الأقاليم يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة.
واستفحل الداء حتى كفّر بعضهم بعضا، أو كادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير حتى أن الرجل ليقول لصاحبه: إن قراءتي خير من قراءتك، ولم يقف هذا العمل عند حد، بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية حتى الحجاز، والمدينة، وأصاب الصغار والكبار على السواء «١».
أخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق أبي قلابة أنه قال: لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بعضا، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: (أنتم عندي تختلفون، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا) «٢».
وصدق عثمان ﵁، فقد كانت الأمصار النائية أشد اختلافا ونزاعا من المدينة والحجاز، وكان الذين يسمعون اختلاف القراءات من تلك الأمصار إذا جمعتهم المجامع أو التقوا على جهاد أعدائهم، يعجبون من ذلك، وكانوا يمعنون في التعجب والإنكار كلما سمعوا زيادة في اختلاف طرق أداء القرآن، وتيقظت الفتنة التي كادت تطيح فيها الرءوس، وتسفك فيها الدماء، وتقود المسلمين إلى مثل اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، كما ورد في الحديث الذي يرويه
стр. 178
الإمام الزهري عن أنس بن مالك- سيأتي بعد قليل- والذي يشير إلى اختلاف أهل العراق وأهل الشام في القراءة، وهم في غزوة في بقاع إرمينية وأذربيجان، مما دفع حذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ) إلى التوجه إلى دار الخلافة يدعو إلى وضع حد لذلك الخلاف.
وساق لنا ابن أبي داود عدة روايات عن أبي الشعثاء، منها: أنه قال:
(كنا جلوسا إلى المسجد وعبد الله يقرأ، فجاء حذيفة فقال: قراءة ابن أم عبد، وقراءة أبي موسى، والله إن بقيت حتى آتي أمير المؤمنين- يعني عثمان- لأمرته بجعلها قراءة واحدة) «١».
ولعل أسبابا أخرى للجمع لم تذكرها الروايات، وإن عرفت من بين القرائن هي جهل الجمهور الجديد بنزول القرآن على سبعة أحرف، وهم حتى إن عرفوا الحديث الذي ينص على نزول القرآن على هذه الأحرف فإنهم يجهلون القراءات الصحيحة التي يحتكمون إليها عند الاختلاف «٢»، وبذلك تضافرت الأسباب والدوافع التي من خلالها رأى عثمان ﵁ بثاقب عقله، وصادق نظره، أن يتدارك الخلاف، وأن يستأصل الداء، بجمعهم على قراءة واحدة، القراءة العامة التي كان يقرؤها عامة الصحابة في المدينة وفي غيرها من الأمصار، وهي القراءة التي كتب عليها زيد ﵁ القرآن في زمن النبي ﷺ وفي خلافة الصديق «٣».
المطلب الثاني: ثمرة العمل واللجنة القائمة به:
شرع عثمان ﵁ في تنفيذ هذا القرار الحكيم، وكان أول ما بدأ به
стр. 179
لتحقيق ذلك، أن خطب الناس في المدينة، وفيهم كثير من الصحابة، يستشيرهم ويدعوهم إلى القيام بهذه المهمة، والرواية المشهورة التي بينت خطوات ذلك العمل الكبير هي التي يرويها أبو عبيد في فضائله «١»، والبخاري في صحيحه «٢»، وابن أبي داود في المصاحف «٣»، وغير ذلك من المصادر «٤»، عن ابن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ) عن أنس بن مالك (ت ٩٣ هـ).
وإليك نص رواية البخاري: (حدثنا موسى، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب: أن أنس بن مالك حدثه: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق).
قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال: (فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع
стр. 180
رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ «١»، فألحقتها في سورتها في المصحف) «٢».
والمتأمل لهذا الحديث والنصوص الواردة في موضوعه يخرج بنتائج عدة، منها:
إن جمع عثمان ﵁ المصحف كان بمشورة حذيفة بن اليمان.
والروايات الأخرى تفيد أن عثمان ﵁ جمعه لما رأى اختلاف القراء بالمدينة، وكان عثمان ﵁ توقع أن يكون قراء الأمصار أشد اختلافا، فلما جاء حذيفة ﵁ تأكد لديه ما توقعه، فأمر بجمع القرآن «٣».
ثم أن الجمع في عهد عثمان ﵁ اعتمد أساسا على الجمع الذي كتب في عهد أبي بكر ﵁، وقد حظي الجمع الأول بعناية الصحابة وموافقتهم، وتظافرت له جهود متعددة، وعلى رأس من تولى العمل به زيد بن ثابت، وقد اجتمع لزيد بن ثابت من الصفات ما يؤهله للقيام بذلك العمل خير قيام، فقد تربى في كنف الوحي، ويروي الذهبي أن ابن عمر قال يوم مات زيد بن ثابت:
(يرحمه الله، فقد كان عالم الناس في خلافة عمر وحبرها، فرقهم عمر في البلدان ونهاهم أن يفتوا برأيهم، وحبس زيد بالمدينة يفتي أهلها) «٤».
وقد ظل زيد ﵁ مترئسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض في عهد عمر وعثمان وعلي ﵁ أجمعين، حتى توفي سنة خمس وأربعين «٥».
стр. 181
يقول القاضي أبو بكر الباقلاني: ويدل على صحة اختيار زيد أن أحدنا اليوم إذا أراد أن يكتب مصحفا يتخذه إماما لا يلتمس له أقدم أهل عصره حفظا وأفهمهم وأشجعهم،
وإنما يلتمس أحسنهم ضبطا وخطا وأحضرهم فهما، دون من كانت تلك صفاته «١».
ويبدو من الطبيعي- بعد ذلك- أن يولي الصديق زيد بن ثابت ﵄ كتابة القرآن، اقتداء بالنبي ﷺ ، وأن يولي عثمان زيد بن ثابت ﵄ أمر الجماعة التي قامت بنسخ المصاحف الموحدة، لأنه كان أعلم من غيره وأكثر ممارسة في هذا المجال «٢».
ومن ثم يبدو طبيعيا أيضا أن لا يشترك عبد الله بن مسعود ﵁ الذي كان في الكوفة وقت نسخ المصاحف في ذلك العمل، إضافة إلى أنه لم يكن من بين كتبة الوحي، الذين كتبوا للنبي ﷺ «٣»، وربما كان يعرف الكتابة، ولكن تلك ميزة يقدم بها من اتصف بها في عمل مثل كتابة المصحف ولا يعني ذلك تجهيلا لابن مسعود ﵁ في علم القرآن، فقد كان من أوائل الذين أسلموا بمكة، (وقد أخذ من في رسول الله بضعا وسبعين سورة) «٤»، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ حين سمعه يقرأ القرآن: (من أحب أن يقرأ غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم
стр. 182
عبد) «١»، لكن زيدا كان إماما في الرسم، إضافة إلى حفظه، وابن مسعود كان إماما في الأداء «٢».
قال أبو بكر الأنباري: (ولم يكن الاختيار لزيد من جهة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ على عبد الله بن مسعود في جمع القرآن، وعبد الله أفضل من زيد وأقدم في الإسلام، وأكثر سوابق، وأعظم فضائل، إلا لأن زيدا كان أحفظ للقرآن من عبد الله، إذ وعاه كله ورسول الله ﷺ حي، والذي حفظ منه عبد الله ﵁ في حياة الرسول ﷺ نيفا وسبعين سورة، ثم تعلم الباقي بعد وفاة الرسول ﷺ ، فالذي ختم القرآن وحفظه ورسول الله ﷺ حي، أولى بجمع المصحف وأحق بالإيثار والاختيار، ولا يظن جاهل أن في هذا طعنا على عبد الله بن مسعود ﵁؛ لأن زيدا إذا كان أحفظ للقرآن منه فليس ذلك موجبا لتقدمه عليه؛ لأن أبا بكر وعمر ﵄ كان زيد أحفظ منهما للقرآن، وليس هو خيرا منهما ولا مساويا لهما في الفضائل والمناقب، وما بدا من عبد الله بن مسعود من نكير ذلك فشيء نتيجة الغضب ولا يعمل به ولا يؤخذ به، ولا يشك في أنه ﵁ قد عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ وبقي على موافقتهم وترك الخلاف لهم ... ) «٣».
أما الثلاثة الذين تشير الرواية إلى اشتراكهم مع زيد فهم:
١ - عبد الله بن الزبير بن العوام أبو بكر القرشي الأسدي ﵁، كان أول مولود في الإسلام في المدينة من المهاجرين، ولي الخلافة تسع سنين إلى أن قتل سنة
стр. 183
ثلاث وسبعين من الهجرة «١».
٢ - سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية ﵁، كان لسعيد عند موت النبي ﷺ تسع سنين وذكر في الصحابة، وولي أمر الكوفة لعثمان ﵁، وإمرة المدينة لمعاوية ﵁، مات سنة ثمان وخمسين من الهجرة «٢».
٣ - عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ﵁، قيل: كان ابن عشر سنين حين قبض رسول الله ﷺ ، له رؤية، وكان من كبار ثقات التابعين «٣».
وقال الذهبي في الميزان: تابعي شهير ثقة من كتاب المصحف العثماني لا صحبة له «٤»، وذكره ابن حبان في تابعي المدينة «٥».
فكان هؤلاء الثلاثة وهم في ذروة الشباب يعملون مع زيد بن ثابت الذي كان أكثرهم ممارسة لذلك العمل، والذي يعد رئيس اللجنة، فجلس هؤلاء النفر الأربعة يكتبون القرآن نسخا وإذا اختلفوا في موضع الكتابة على أي لغة، رجعوا إلى عثمان، كما اختلفوا في التابوت، أيكتبونه بالتاء أو الهاء؟ قال زيد بن ثابت: إنما هو التابوة، وقال الثلاثة القريشيون: إنما هو التابوت، فتراجعوا إلى عثمان، فقال: (اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم) «٦».
وفي رواية: (قال عثمان ﵁: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال عثمان:
стр. 184
فليمل سعيد وليكتب زيد) «١».
ولعل عثمان ﵁ أمد اللجنة بعدد آخر من الصحابة لمساعدتها في نسخ المصاحف التي أرسلها إلى الأمصار كما تشير إلى ذلك رواية ابن سعد، وابن أبي داود: أن محمد بن سيرين قال: إن عثمان جمع اثني عشر رجلا من قريش، والأنصار، فيهم: أبي بن كعب «٢»، وأبو عامر جد مالك بن أنس، وكثير بن أفلح، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ «٣».
إلا أن ابن حجر لم يذكر إلا أسماء تسعة منهم، وقد أسقط في عدده عبد الله بن عمرو بن العاص، ولكن ذكره السيوطي في الإتقان «٤» فنحن لا نعرف من كتبة الصحف سوى عشرة، أما الاثنان الباقيان، فلم نعرف اسمهما، ولم يطلع على اسمهما الحافظ ابن حجر، ولذا لم يطلع ابن حجر وهو المحقق البارع على اسم الشخص فمن العسير العثور عليه «٥». ولذلك سنعتبر لجنة المصحف لجنة عشرية.
وواضح من تكوين هذه اللجنة لإتمام هذا العمل أن نصفها من قريش، وهم ﵃ جميعا:
стр. 185
١ - عبد الله بن الزبير.
٢ - سعيد بن العاص.
٣ - عبد الله بن الحارث بن هشام.
٤ - عبد الله بن عمرو بن العاص.
٥ - عبد الله بن عباس.
ونصفها من غير قريش، وهم:
١ - زيد بن ثابت.
٢ - أبي بن كعب.
٣ - أنس بن مالك.
٤ - أفلح بن كثير مولى أبي أيوب الأنصاري.
٥ - مالك بن أبي عامر، جد مالك بن أنس، وهو حميري يماني.
فيكون التكوين قد روعي فيه أن يكون النصف من قريش، والنصف تقريبا من الأنصار، وواحد من اليمن «١»، وواضح من تكوين هذه اللجنة أنها من العرب الخلص، ما عدا أفلح بن كثير، فهو مولى أبي أيوب الأنصاري ﵁، والموالي كثيرون في الصحابة، فلعل عثمان ﵁ راعى في تكوينه اللجنة أن تمثل المهاجرين والأنصار واليمن من جهة، وأن تمثل الموالي من جهة أخرى، فهذا من حسن الاختيار وكان موفقا كل التوفيق «٢».
أما ما قاله الدكتور غانم قدوري في كتابه رسم المصحف: (من أن مشاركة أبي بن كعب في نسخ المصاحف كانت مثار تساؤل من الباحثين قدماء ومحدثين. ذلك أن الروايات تضطرب في تحديد سنة وفاته ... ) «٣».
стр. 186
أقول: إن الدكتور غانم اعتمد بكلامه على ما قاله الإمام الذهبي، الذي اعتمد على رواية ابن أبي داود عن ابن سيرين، قال: جمع عثمان للمصحف اثني عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، منهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وسعيد بن العاص) «١»، وهذه الرواية كما قال عنها الإمام الذهبي: (هذا إسناد قوي لكنه مرسل) «٢»، وقال: (والظاهر وفاة أبي في زمن عمر، حتى أن الهيثم بن عدي وغيره ذكر موته سنة تسع عشرة، وقال محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو عبيد، وأبو عمر الضرير: مات سنة اثنتين وعشرين، فالنفس إلى هذا أميل) «٣».
أقول: ولكن ثمة رواية أخرى رواها ابن أبي داود إسنادها صحيح أفادت أن أبي بن كعب ﵁ كان مع اللجنة المنتخبة في نسخ المصاحف زمن عثمان ﵁، ويبدو أن الإمام الذهبي لم يطلع عليها، أو أنها لم تصح عنده، وكذا موقف من قلده كالدكتور غانم قدوري، وهذا يعني أن وفاة أبي بن كعب كانت سنة ثلاثين من الهجرة في زمن عثمان ﵁ وليست في زمن عمر ﵁، وهذا ما رجحه الواقدي كما نقله عنه الذهبي في موضع آخر.
قال الواقدي: (وقد سمعنا من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، قال: وهو أثبت الأقوال عندنا، وذلك أن عثمان أمره أن يجمع القرآن) «٤».
أما رواية ابن أبي داود التي يرويها بسنده عن ابن سيرين عن كثير بن أفلح قال: (لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف، جمع له اثني عشر رجلا من
стр. 187
قريش والأنصار، فيهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة «١» التي في بيت عمر فجيء بها. قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه، قال محمد: فقلت لكثير- وكان فيهم فيمن يكتب-: (هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت ظنا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الآخرة. فيكتبونها على قوله) «٢».
المطلب الثالث: عدد المصاحف التي تم نسخها
بعد أن أتم عثمان ﵁ نسخ المصحف، رد الصحف إلى حفصة، ثم أرسل إلى كل أفق من الأقطار بمصحف مما نسخوا، وأمر أن يحرق كل ما عداها مما يخالفها، سواء كانت صحفا أو مصاحف؛ وذلك ليقطع عرق النزاع من ناحية، وليحمل المسلمين على الجادة في كتاب الله من ناحية أخرى، فلا يأخذون إلا بتلك المصاحف التي توافر فيها من المزايا ما لم يتوافر في غيرها «٣».
والفرق بين المصحف والمصاحف: (أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سورا مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفا) «٤».
стр. 188
ورواية الإمام الزهري عن أنس التي هي في الصحيح لا تشير في ظاهرها إلى عدد المصاحف التي تم نسخها، ولا أسماء الأمصار التي أرسلت إليها، وإنما تكتفي بالإشارة إلى عدد إرسال المصاحف إلى كل أفق من آفاق الدولة الإسلامية آنذاك. وهي عبارة توحي بأن عدد تلك المصاحف كان كبيرا، ولا سيما أن الهدف منها هو توحيد المصاحف وقراءة القرآن في كافة الأمصار، فمن المتوقع، إذن إرسال نسخة إلى كل إقليم أو مصر. ولكن وردت روايات عن الأجيال التي تلت جيل الصحابة تشير إلى عدد تلك المصاحف. وينقل ابن أبي داود روايتين في ذلك:
الأولى: عن حمزة الزيات (ت ١٥٦ هـ)، والتي تجعل عدد المصاحف: أربعة، يقول حبيب الزيات القارئ: (كتب عثمان أربعة مصاحف، فبعث بمصحف منها إلى الكوفة. فوضع عند رجل من مراد، فبقي حتى كتبت مصحفي عليه) «١».
وقال الداني: بأن أكثر العلماء على أن عثمان بن عفان ﵁ لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية من النواحي بواحدة منهن. فوجه إلى الكوفة إحداهن، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة. ثم قال: وهو الأصح وعليه الأئمة «٢».
أما الرواية الثانية: التي تجعل عدد المصاحف سبعة، والتي أوردها ابن أبي داود عن أبي حاتم السجستاني، قال: لما كتب عثمان المصاحف حين جمع القرآن كتب سبعة مصاحف، فبعث واحدا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة
стр. 189
واحدا) «١».
ونقل الزركشي القولين في كتابه البرهان، وعزاهما إلى ابن أبي عمرو الداني في المقنع وقال: (أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعله على أربع نسخ، وبعث كل ناحية واحدا: الكوفة والبصرة والشام، وترك واحدا عنده، وقد قيل: إنه جعله سبع نسخ، وزاد: إلى مكة، وإلى اليمن، وإلى البحرين، قال: والأول أصح وعليه الأئمة) «٢».
وفي رواية للقرطبي: أن عثمان وجه للعراق والشام ومصر بأمهات «٣»، وقال ابن حجر والسيوطي وكذا القسطلاني: المشهور أنها خمسة «٤».
إلا أن ابن كثير نراه يرجح الرواية التي تجعل عدد المصاحف سبعة.
ويستغرب من قول القرطبي بأنها أربعة مصاحف. قال في فضائل القرآن: (ثم إن عثمان ﵁ رد الصحف إلى حفصة ﵄، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم يطلبها، فلم تعطه حتى ماتت، فأخذها من عبد الله بن عمر، فحرقها لئلا يكون فيها شيء يخالف المصاحف الأئمة، التي نفذها عثمان إلى الآفاق، مصحفا إلى مكة، ومصحفا إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وترك عند أهل المدينة مصحفا، وصحح القرطبي أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف، وهذا غريب) «٥».
لذلك نميل إلى أن الرأي القائل: إن اللجنة استنسخت سبعة مصاحف،
стр. 190
فأرسل عثمان بستة منها إلى الآفاق، واحتفظ لنفسه بواحدة منها. والله أعلم.
وأيا ما يكن عدد تلك المصاحف على وجه اليقين، فإنها جميعا تماثلت في اشتمالها على القرآن كله «١».
وإتماما للخطوة التي بدأت بنسخ المصاحف الموحدة، فقد أمر الخليفة عثمان ﵁ بإحراق كل القطع والمصاحف التي كتب فيها القرآن من لدن الصحابة ليضع بذلك حدا لأي اختلاف يقع، سواء في الرسم أم في القراءة، وقد سارع من لديه شيء من ذلك إلى إحراقه، ثقة منه بالمصحف الذي تمتد أصوله إلى ما كتب بين يدي النبي ﷺ ، والذي ارتضته جموع الصحابة والتابعين في المدينة وغيرها من الأمصار. ولم يتخلف عن ذلك- في بادئ الأمر- إلا عبد الله بن مسعود ومن تبعه من أهل الكوفة، وأمر الصحابة بغل مصاحفهم «٢».
ولا يشك في أنه ﵁ قد عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ ، وبقي على مواقفهم وترك الخلاف لهم «٣». وقال الباقلاني: (وقد وردت الروايات أن عثمان وعظه وحذره الفرقة.
فرجع واستجاب إلى الجماعة وحث أصحابه على ذلك) «٤».
وقد أشرنا من قبل إلى أسباب اختصاص زيد بن ثابت بمهمة جمع القرآن وكتابته في خلافة الصديق، وتوليته أمر المجموعة التي قامت بنسخ المصاحف في خلافة عثمان.
ولا بد من الإشارة- بعد ذلك- إلى أن نسخ المصحف الذي اجتمعت
стр. 191
عليه الأمة كان قد خضع للمراجعة والتمحيص، على نحو ما كان النبي ﷺ يطلب من زيد إعادة قراءة ما كتبه، فيقيم ما به من سقط- كما مر ذلك- مع أن زيدا ومن معه اعتمدوا على الصحف التي جمع فيها القرآن في خلافة الصديق، إذ أنهم- حرصا منهم على الاتفاق في هجاء بعض الكلمات- كانوا يرفعون ذلك إلى الخليفة عثمان- الذي كان أحد كتبة الوحي- على نحو ما حدث في كلمة (تابوت)، أو يستشيرون كبار الصحابة من حفاظ القرآن وكتبة الوحي، ليجتمعوا على رأي واحد في ذلك.
ويروي أبو عبيد في فضائل القرآن قوله: (حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك، قال: حدثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن عن هانئ البربري مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف إلى أبي بن كعب «١» فيها (لم يتسن) وفيها (لا تبديل للخلق)، وفيها (فأمهل الكافرين)، قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين وكتب (لخلق الله)، ومحا (فأمهل) وكتب: (فمهل)، وكتب (لم يتسنه) ألحق فيها الهاء) «٢».
وينقل أبو عبيد في رواية أخرى، ولكن فيها زيد بن ثابت بدل أبي بن كعب: ( ... فقال زيد: سله عن قوله (لم يتسن)، فقال عثمان: اجعلوا فيها الهاء) «٣».
وهاتان الروايتان توضحان أنه قد كانت هناك مراجعة واستشارة في إثبات صورة كلمة ما، وتبيان مدى الحرص على أن يأتي المصحف دقيقا في
стр. 192
رسمه، حين يتوقف الكتبة عن إلحاق لام أو هاء أو حذف ألف حتى يستشار كبار الصحابة من كتبة الوحي وحفظة القرآن في إثبات ذلك أو حذفه.
ورضي الله عن عثمان، فقد أرضى بذلك العمل الجليل ربه، وحافظ على القرآن، وجمع كلمة الأمة، وأغلق باب الفتنة، ولا يبرح المسلمون يقطفون من ثمار صنيعه هذا إلى اليوم وما بعد اليوم «١».
ولن يقدح في عمله هذا أنه حرق المصاحف والصحف المخالفة للمصاحف العثمانية. فقد علمت وجهة نظره في ذلك، على أنه لم يفعل هذا الأمر الجليل إلا بعد استشارة الصحابة واكتساب موافقتهم، بل وظفر بمعاونتهم وتأييدهم وشكرهم.
وقد أورد ابن أبي داود بسنده عن أبي مجلز قال: (لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرءون الشعر) «٢».
ولفظه عند البغوي: (يرحم الله عثمان لو لم يجمع الناس على قراءة واحدة لقرأ الناس القرآن بالشعر) «٣».
وأورد أبو عبيد في فضائله بسنده عن شعبة عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد قال: (أدركت الناس حين شقق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعب ذلك أحد) «٤».
стр. 193
وأورد ابن أبي داود بسنده عن سويد بن غفلة يقول: سمعت عليا يقول:
(رحم الله عثمان لو وليته لفعلت ما فعل بالمصاحف) «١»، وفي رواية أخرى: (لو لم يصنعه عثمان لصنعته) «٢».
وأورد السيوطي في الإتقان رواية أخرى قال: (أخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: نعم ما رأيت) «٣».
فسيدنا عثمان ﵁ لم يقدم على إحراق المصاحف الفردية إلا بعد مشورة وتأييد من الصحابة الكرام، فهذا سويد بن غفلة يقول- في الرواية التي يرويها عنه أبو
بكر الأنباري- قال: (سمعت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: اتقوا الله وإياكم والغلو في عثمان، وقولكم: حراق مصاحف، فو الله ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب رسول الله ﷺ «٤».
فهذه الخصال من أكبر القربات عند الله ﵎ لسيدنا عثمان ﵁، ولهذا جاء في الأثر عن ابن أبي داود بسنده عن عبد الرحمن بن مهدي يقول: (خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبي بكر ولا لعمر: صبره نفسه
стр. 194
حتى قتل مظلوما، وجمعه الناس على المصحف) «١». وبذلك تمت كلمة الأمة كلها على مصحف سيدنا عثمان ﵁.
وقال القاضي عياض ﵀: (وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمع الدفتان من أول الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) «٢» إلى آخر: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) «٣» إنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا أنه كافر) «٤».
وربما يسأل سائل ويقول: ما الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان ﵄؟
من خلال ما سبق نستطيع أن نقول- وكما قال ابن التين «٥» وغيره-:
(الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان، أن جمع أبي بكر كان لخشية أن
стр. 195
يذهب من القرآن شيء بذهاب جملته، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد.
فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لآيات السورة، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة) «١».
المطلب الرابع: أقوال العلماء في معنى الأحرف السبعة ومناقشتها
لقد أجمع العلماء على تواتر روايات حديث الأحرف السبعة، والتي جاءت في صور متقاربة مؤكدة على معنى واحد، وهو: (إن هذا القرآن على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه) «٢»، فقد ورد إلينا هذا الحديث عن طريق أربعة وعشرين صحابيا، وستة وأربعين سندا «٣»، وأورده البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث. ومن الذين نص على تواتره أبو عبيد القاسم بن سلام والإمام السيوطي «٤».
ومن الأحاديث التي يرويها الإمام البخاري بهذا الخصوص: أن عمر بن
стр. 196
الخطاب ﵁ يقول: (سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه فقلت:
من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت:
كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ : أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : كذلك أنزلت، ثم قال اقرأ يا عمر: فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه) «١».
إن روايات الحديث لا تكاد توضح طبيعة الخلاف الذي كان يقع بين الصحابة في قراءة القرآن، فكانوا يرفعون أمره إلى النبي ﷺ ، فيجيز قراءة الجميع على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، رغم أنها تشير إلى أن ذلك الخلاف كان لا يتجاوز ألفاظ التلاوة إلى معاني الآيات «٢».
وقد حظي حديث الأحرف السبعة باهتمام كبير حتى كثرت فيه الأقوال وتعددت الآراء واختلفت وجهات النظر، ويرجع ذلك إلى أمور أهمها:
أولا: أنه وثيق الصلة بالقرآن الكريم، وهو أساس الدين الذي قام عليه أمر الأمة ومصدر التشريع الذي تصوغ عليه حياتها.
وثانيا: أن الأحاديث الواردة في نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف مع كثرتها
стр. 197
وتعدد رواياتها جاءت مجملة لا تكشف عن حقيقة المراد بهذه الأحرف «١».
وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الأحرف اختلافا كثيرا، حتى قال أبو حاتم بن حبان البستي «٢»: اختلف الناس فيها على خمسة وثلاثين قولا ووقفت منها على كثير «٣». ونقل الإمام القرطبي عنه ذلك في مقدمة تفسيره «٤». لذا فإني سأورد أهم تلك الآراء:
الرأي الأول:
ذهب أكثر أهل العلم «٥» إلى أن المراد بالأحرف السبعة: سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد. أي أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل وتعال وهلم، وقال الطحاوي «٦»: .... ، أبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة فقال: (جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ على حرف، قال ميكائيل: استزده: فقال اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، فقال: اقرأ فكل كاف شاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، نحو هلم وتعال وأقبل، واذهب وأسرع
стр. 198
وعجل) «١».
(قال الطحاوي وغيره: وإنما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس على سبع لغات، وذلك لما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش. وقراءة رسول الله ﷺ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، وقد ادعى الطحاوي والقاضي الباقلاني والشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ذلك كان رخصة في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة) «٢».
وقال ابن كثير: (وقال بعضهم: إنما كان الذي جمعهم على قراءة واحدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ... ، وإنما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم في القراءة
المفضية إلى تفرق الأمة، وتكفير بعضهم بعضا، فرتب لهم مصاحف الأئمة على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان كان من عمره ﷺ ، وعزم عليهم أن لا يقرءوا بغيرها، وأن لا يتعاطوا الرخصة التي كانت لهم فيها سعة) «٣».
إذن ... فالأحرف السبعة هي: أوجه من اللغات- أي أوجه من المعاني المتقاربة- في المعنى الواحد بألفاظ مختلفة.
الرأي الثاني:
إن المراد بالأحرف السبعة: سبع لغات من لغات العرب، نزل عليها القرآن، على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم، فأكثره بلغة قريش ومنه ما بلغة هذيل أو ثقيف أو هوازن أو كنانة أو
стр. 199
تميم أو اليمن، فهو يشمل في مجموعه اللغات السبع.
وهذا الرأي يختلف عن سابقه؛ لأنه يعني أن الأحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن إلا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة مع اتفاق المعاني «١».
قال القرطبي: (ذهب إلى هذا القول أبو عبيد واختاره ابن عطية، قال أبو عبيد: وبعض اللغات أسعد من بعض، وقال القاضي الباقلاني: ومعنى قول عثمان أنه نزل بلغة قريش، أي معظمه، ولم يقم دليل على أن جميعه بلغة قريش كله، قال الله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا «٢»، ولم يقل: قريشيا، قال: واسم العرب يتناول جميع القبائل تناولا واحدا، يعني حجازها ويمنها؛ ولأن لغة غير قريش موجودة في صحيح القراءات كتحقيق الهمزات فإن قريشا لا تهمز) «٣».
ولعل من أقدم ما تعرض لبيان المراد من حديث الأحرف السبعة- ممن وصلت إلينا آراؤهم- هو أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه: فضائل القرآن- وهو مطبوع- يقول أبو عبيد بعد أن أورد عشرا من روايات حديث الأحرف السبعة: قال أبو عبيد: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة إلا حديثا واحدا يروى عن سمرة بن جندب. (قال أبو عبيد: حدثنا عفان عن حماد «٤» بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه
стр. 200
قال: نزل علي القرآن على ثلاثة أحرف) «١».
قال أبو عبيد أيضا: (والأحرف لا معنى لها إلا اللغات مع أن تأويل كل حديث منها بين في الحديث نفسه، ألا ترى أن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ الفرقان على غير ما أقرأ ... ) «٢».
نفهم من هذا أن أبا عبيد لم يأخذ برأي من قال: إن قراءة القرآن على سبع لغات كان رخصة في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر، وعند ما اختلفوا بالقراءة وكادت تفترق الأمة، جمعهم عثمان ﵁ على العرضة الأخيرة، بل نراه خالف هذا الرأي وقال في موضع آخر: (ولا نرى المحفوظ إلا سبعة أحرف لأنها المشهورة، وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، هذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف منها بلغة قبيلة، والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة سواهما، وكذلك إلى السبعة) «٣».
وقال صاحب الكلمات الحسان: (وإن المصاحف قد اشتملت بالفعل على كل ما تواتر من الأحرف السبعة، ولم تترك منه شيئا، وهذا هو الذي جمع عثمان الناس عليه، ومنعهم عما سواه، ووافقه على ذلك الأصحاب وأجمعوا
стр. 201
عليه ... ) «١».
وقال: (وإن عثمان لم يجمع الناس على حرف واحد مما تواتر، وإنما جمعهم على كل ما تواتر من الأحرف السبعة) «٢».
ونسب الزرقاني هذا الرأي إلى أكثر أهل العلم، وقال: هذا أصح الأقوال وأولاها بالصواب، وهو الذي عليه أكثر العلماء «٣».
الرأي الثالث:
وحكاه الباقلاني عن بعض العلماء، وهو أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء، منها ما لا تتغير حركته، ولا تتغير صورته، ولا معناه، مثل:
وَيَضِيقُ صَدْرِي «٤»، ويضيق «٥»، ومنها ما لا تتغير صورته ويختلف معناه، مثل: (فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا) «٦»، وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بأحرف مثل (ننشزها وننشرها) «٧»، وهكذا مثل اختلاف الكلمة والمعنى أو بالتقديم والتأخير أو بالزيادة «٨».
стр. 202
الرأي الرابع:
إن المراد بالأحرف السبعة معاني القرآن، وهي أمر، ونهي، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال. قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأن هذه لا تسمى حروفا «١».
ولعل من المناسب أن نقول هنا: إن القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف.
وكان محمد بن جرير الطبري قد نص على أن المصحف العثماني قد كتب على حرف واحد، يقول: (فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية) «٢».
وهو بناء على فهمه للأحرف بأنها لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني.
وقال العسقلاني وغيره: (ليس المقصود بالأحرف السبعة قراءة معينة من القراءات التي صارت تنسب إلى قارئ معين، بل إن الأحرف السبعة جاءت لتشير إلى الرخصة التي نجد آثارها في وجوه القراءات- عامة- والتي ثبت نقلها. أما ما يسمى بالقراءات السبع فإنها لم توجد إلا على رأس المائة الرابعة من الهجرة حيث اختار الإمام أبو بكر بن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) سبعة من أئمة القراءة في الأمصار ووضع كتاب السبعة في القراءات المروية عنهم) «٣».
стр. 203
والنتيجة التي توصلنا إليها هي أن المصحف العثماني قد كتب على حرف واحد- أي على قراءة معينة واحدة «١» - فالمراد بالأحرف السبعة: هي الأوجه من اللغات، أي سبعة أوجه من المعاني المتقاربة في المعنى الواحد بألفاظ مختلفة، وهذا هو الرأي الراجح، والله أعلم.
المطلب الخامس: ترتيب السور والآيات وعددها
القرآن الكريم سور وآيات، منها القصار ومنها الطوال.
فالسورة في اللغة: بمعنى المنزلة والشرف، والسور جمع سورة، ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى كما في قوله تعالى:
... فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ... «٢»، فالله جل ثناؤه جعلها سورا، مثل غرفة وغرف، ورتبة ورتب، فدل ذلك على تمييز سورة من سور القرآن عن سور من سور البناء
«٣».
وفي الاصطلاح: أنها طائفة مستقلة من آيات القرآن ذات مطلع ومقطع، وهي مأخوذة من سور المدينة، وذلك إما لما فيها من وضع كلمة بجانب كلمة، وآية بجانب آية، وإما لما في السورة من معنى العلو والرفعة المعنوية الشبيهة بعلو السور ورفعته الحسية، وإما لأنها حصن وحماية لمحمد ﷺ ، وما جاء به كتاب الله القرآن، ودين الحق الإسلام، باعتبار أنها معجزة تخرس كل مكابر، أشبه بسور المدينة يحصنها ويحميها من غارة الأعداء «٤».
стр. 204
أما سوره فعددها مائة وأربع عشرة سورة باتفاق أهل الحل والعقد «١».
وبإجماع من يعتد به «٢»، كما هي في المصحف العثماني، أولها الفاتحة وآخرها الناس. وقيل: مائة وثلاث عشرة سورة، بجعل الأنفال والتوبة سورة واحدة لاشتباه الطرفين وعدم البسملة. ويرده تسمية النبي ﷺ كلا منهما «٣».
وقسم العلماء سور القرآن إلى أربعة أقسام، أعطوا كلا منها اسما معينا، وهي: الطوال، والمئون، والمثاني، والمفصل. وسوف نوجز أرجح الآراء فيها.
١ - الطوال: سبع، وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، واختلفوا في السابعة، أهي الأنفال وبراءة معا لعدم الفصل بينهما بالبسملة، أم هي سورة يونس «٤»؟
٢ - المئون: هي السور التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها.
٣ - المثاني: هي التي تلي المئين في عدد الآيات، وقال الفراء: هي السور التي آيها أقل من مائة آية، لأنها لا تثنى (أي تكرر) أكثر مما تثنى الطوال والمئون.
٤ - المفصل: هو أواخر القرآن، واختلفوا في تعيين أوله، فقيل: أوله (ق)، وقيل غير ذلك، وصح النووي أن أوله الحجرات، وسمي بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة.
والمفصل ثلاثة أقسام: طوال، وأوساط، وقصار. فطواله من أول (الحجرات) إلى سورة (البروج)، وأوساطه من سورة (الطارق) إلى سورة (لم يكن)، وقصاره من سورة (إذا زلزلت) إلى آخر القرآن على خلاف ذلك «٥».
стр. 205
عدد آيات القرآن وطريقة معرفتها.
قبل أن نعرف عدد آيات القرآن لا بد أن نعرف ما معنى الآية.
آيات القرآن جمع آية، وتطلق الآية- وكما جاء في لسان اللغة- على عدة معان منها:
١ - المعجزة: كقوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ... «١»، أي معجزة واضحة.
٢ - العلامة نحو قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ... «٢»، أي علامة ملكه.
٣ - العبرة، كقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ... «٣»، أي عبرة لمن يعتبر.
٤ - الجماعة: ومثال ذلك كما تقول العرب: خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم «٤».
٥ - الأمر العجيب: كقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ... «٥».
٦ - البرهان والدليل: نحو قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ ... «٦»، والمعنى: إن من براهين وجود الله تعالى واقتداره واتصافه بالكمال، خلق عوالم السماوات والأرض، واختلاف الألسنة والألوان «٧».
стр. 206
وقيل: إن الآية إنما سميت آية لانفصالها من الآية الأخرى، وأنها في القرآن بمثابة البيت من القصيدة «١».
أما طريقة معرفة الآية:
فلا سبيل إلى معرفة آيات القرآن إلا بتوقيف من الشارع، لأنه ليس للقياس والرأي مجال فيها «٢»، وعلى سبيل المثال: فقد اخرج الإمام مسلم والترمذي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ «٣»، فضرب في صدري، وقال: (ليهنك العلم أبا المنذر) «٤».
فذكر رسول الله ﷺ كلمة آية.
وفي حديث آخر: قال ﷺ : (ثلاثون آية شفعت لرجل من عذاب القبر، ألا وهي سورة الملك) «٥».
وأما معنى الآية في الاصطلاح: (حد الآية قرآن مركب من جمل ولو تقديرا، ذو مبدأ ومقطع مندرج في سورة، وأصلها العلامة، لأنها علامة للفصل
стр. 207
والصدق أو الجماعة) «١».
وقيل: الآية: طائفة من القرآن، منقطعة عما قبلها وما بعدها، ليس بينها شبه بما سواها «٢».
أما تعداد الآيات، فستة آلاف ومائتا آية، واختلفوا فيما زاد عن ذلك «٣».
قيل: وأربع عشرة آية، وقيل: وتسع عشرة آية، وقيل: وخمس وعشرون آية، أو ست وعشرون آية، وقيل: ست وثلاثون آية، وهذا ما قال به الأكثرون، فهو الراجح والله أعلم «٤».
وأما كلماته، (فقال الفضيل بن شاذان عن عطاء بن يسار: سبع وسبعون ألف كلمة، وأربعمائة وسبع وثلاثون كلمة [٧٧٤٣٧]) «٥»، (وقيل:
وسبب الاختلاف في عد الكلمات أن الكلمة لها حقيقة ومجاز، ولفظ ورسم، واعتبار كل منها جائز ... ) «٦».
وأما حروفه: فقال عبد الله بن جبير عن مجاهد: ثلاثمائة ألف حرف، وأحد وعشرون ألف حرف (٣٢١٠٠٠) «٧»، وقيل غير ذلك.
(قال سلام أبو محمد الحماني: إن الحجاج جمع القراء والحفاظ والكتاب، فقال: أخبروني عن القرآن كله، كم من حرف هو؟ قال: فحسبناه، فأجمعوا على أنه ثلاثمائة وأربعون ألف وسبعمائة وأربعون حرفا (٣٤٠٧٤٠)، وقال:
стр. 208
لما أخبروني عن نصفه، فإذا هو الفاء من قوله في الكهف وَلْيَتَلَطَّفْ «١») «٢».
أما أطول الآيات فآية الدين، وأطول السور سورة البقرة، وهذه التجزئة تيسر على الناس الحفظ وتحملهم على الدراسة، وتشعر القارئ لسورة من السور بأنه قد أخذ قسطا وافيا وطائفة مستقلة من أصول دينه وأحكام شريعته «٣».
وسبب هذا الاختلاف: أن النبي ﷺ كان يقف على رءوس الآي، تعليما لأصحابه أنها رءوس آي، حتى إذا علموا ذلك وصل ﷺ الآية بما بعدها طلبا لتمام المعنى، فيظن بعض الناس أن ما وقف عليه النبي ﷺ فاصلة، فيصلها بما بعدها معتبرا أن الجميع آية واحدة، والبعض يعتبرها آية مستقلة، فلا يصلها بما بعدها، وقد علمنا أن الخطب في ذلك سهل، لأنه لا يترتب عليه في القرآن زيادة ولا نقص «٤».
أما حكم ترتيب السورة والآيات القرآنية:
بالنسبة للآيات، فقد انعقد الإجماع على أن ترتيب آيات القرآن على هذا النمط الذي نراه اليوم بالمصاحف، كان بتوقيف النبي ﷺ عن الله تعالى «٥».
وأنه لا مجال للرأي والاختيار فيه، بل كان جبريل ينزل بالآيات على الرسول ﷺ ويرشده إلى موضع كل آية من سورتها، ثم يقرأها النبي ﷺ على أصحابه، ويأمر كتاب الوحي بكتابتها معينا لهم السورة التي تكون فيها الآية، وموضع الآية من هذه السورة، وكان ﷺ يتلوه عليهم في صلاته وعظاته، وفي حكمه
стр. 209
وأحكامه، وكان يعارض به جبريل كل عام مرة وعارضه به في العام الأخير مرتين، كل ذلك كان على الترتيب المعروف لنا في المصاحف، وكذلك كان كل من حفظ القرآن أو شيئا منه من الصحابة حفظه مرتب الآيات على هذا النمط، وشاع ذلك وذاع وملأ البقاع والأسماع، يتدارسونه فيما بينهم، ويقرءونه في صلاتهم، ويأخذه بعضهم عن بعض، ويسمعه بعضهم عن بعض بالترتيب القائم الآن، فليس لواحد من الصحابة والخلفاء الراشدين يد ولا تصرف في ترتيب شيء من آيات القرآن الكريم «١».
ومن الأدلة على أن وضع الآيات في المصاحف على هذا النمط هو توقيفي ما أخرجه البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً [البقرة: ٢٤٠] قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها ولم تدعها؟ قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئا منه من مكانه.
ومنها ما رواه مسلم، عن عمر قال: ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: «تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء».
وأما ترتيب السور فهل هو توقيفي أيضا، أو هو باجتهاد من الصحابة؟
خلاف.
فجمهور العلماء على الثاني، منهم مالك «٢»، والقاضي أبو بكر الباقلاني «٣»، وقال الزرقاني: وينسب هذا القول إلى جمهور العلماء «٤».
الثالث: إن ترتيب بعض السور كان بتوقيف من النبي ﷺ وترتيب بعضها الآخر
стр. 210
كان باجتهاد من الصحابة.
قال الزرقاني: (وقد ذهب إلى هذا الرأي فطاحل من العلماء، ولعله أمثل الآراء) «١».
قال السيوطي نقلا عن البيهقي: (كان القرآن على عهد النبي ﷺ مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان السابق) «٢».
ومال محمد بن عطية إلى أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها في حياته ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وأن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده «٣».
وهذا ما رجحه الإمام السيوطي بقوله: (والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي، وهو: أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال) «٤».
إلا أنه سواء كان ترتيب السور توقيفيا أو اجتهاديا، فإنه ينبغي احترامه، خصوصا في كتابة المصاحف؛ لأنه عن إجماع الصحابة، والإجماع حجة، ولأن خلافه يجر إلى الفتنة، ودرء الفتنة وسد الذرائع واجب «٥».
فالرأي الراجح والله أعلم هو القول الأول: إن ترتيب السور كلها توقيفي بتعليم الرسول ﷺ ، والأدلة على ذلك كثيرة، منها أن الله ﵎ أنزل القرآن إلى السماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين سنة، فكانت السورة
стр. 211
تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر، ويوقف جبريل النبي ﷺ على موضع السورة والآيات والحروف، فمن قدم سورة أو أخرها، أفسد نظم القرآن «١».
قال أبو جعفر النحاس: (المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ لحديث واثلة: (أعطيت مكان التوراة السبع الطوال)) «٢».
وروى البخاري عن ابن مسعود أنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: (إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي) «٣»، فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها.
وروي من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: (سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة مكية، وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه به، ثم قال:
فهذا مما ينتهي إليه ولا يسأل عنه) «٤».
وقال الزركشي: (لترتيب وضع السور في المصحف أسباب تطلع على أنه توقيفي صادر عن حكم: بحسب الحروف كما في الحواميم، وثانيها لموافقة أول السورة لآخر ما قبلها، كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة. وثالثهما:
للوزن في اللفظ: كآخر (تبت) وأول الإخلاص، ورابعها: لمشابهة جملة السورة لجملة أخرى، مثل: (والضحى)، و (ألم نشرح)) «٥».
стр. 212
المبحث الثاني روايات جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁ ودراستها
أولا:
حدّثنا موسى حدّثنا إبراهيم حدّثنا ابن شهاب: أن أنس بن مالك حدّثه:
أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشّام في فتح إرمينيّة وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنّصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك،
فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزّبير وسعيد بن العاص وعبد الرّحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثّلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنّما نزل بلسانهم، ففعلوا حتّى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف ردّ عثمان الصّحف إلى حفصة وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق) «١».
دلالة الحديث:
قال ابن حجر: المراد أن إرمينية فتحت في خلافة عثمان ﵁، وكان
стр. 213
عثمان قد أمر أهل الشام والعراق أن يجتمعوا على ذلك، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم، وكان هو على أهل المدائن، وهي من جملة أعمال العراق «١».
وأما إرمينية- بكسر أوله، وإسكان ثانيه، بعده ميم مكسورة وياء، ثم نون مكسورة-: بلد معروف، فهي مدينة عظيمة من نواحي خلاط، أي أول أذربيجان، وتشمل على بلاد كثيرة، وهي من ناحية الشمال.
قال ابن السمعاني: هي من جهة بلاد الروم، وقيل: إنها من بناء أرمين من ولد يافث بن نوح «٢»، و (أذربيجان) بفتح الهمزة والذال المعجمة، وسكون الراء، وقيل: بسكون الذال، وفتح الراء، وبكسر الوحدة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم جيم خفيفة، وآخره نون، (أذربيجان) وهي الآن في تبريز وقصباتها- من مدن إيران- وهي تلي كور إرمينية من جهة المغرب «٣».
وكانت هذه القصة في سنة خمس وعشرين في بداية السنة الثالثة من خلافة عثمان ﵁، هذا ما تبينه رواية ابن أبي داود: أن سيدنا عثمان قال: (عهد نبيكم منذ ثلاث عشرة سنة ... ) «٤»، قال ابن كثير: إسناد صحيح «٥».
قوله: (فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة)، قال القرطبي: (تفرق الصحابة في البلدان واشتد الأمر في ذلك وعظم اختلافهم، وتثبتهم ووقع بين
стр. 214
أهل الشام والعراق ما ذكره حذيفة ﵁، وذلك أنهم اجتمعوا في غزوة إرمينية كل طائفة بما روي لها، فاختلفوا، وأظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة منه وتلاعنوا، فأشفق حذيفة مما رأى منهم. فلما قدم حذيفة المدينة فيما ذكره البخاري «١» والترمذي «٢»، ودخل إلى عثمان ﵁ قبل أن يدخل إلى بيته، فقال:
(أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك) «٣».
كان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة بقراءة أبي موسى الأشعري، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة، بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن، أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف.
بل كان هذا الشقاق أشد، وذلك لبعد هؤلاء بالنبوة، وعدم وجود الرسول ﷺ بينهم يطمئنون إلى حكمه، ويصدرون جميعا عند رأيه، مما أدى إلى أن يكفر بعضهم بعضا. وكادت أن تكون فتنة في الأرض وفساد كبير «٤». إضافة إلى ذلك فإن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن لم تكن معروفة لأهل تلك الأمصار، ولم يكن من السهل أن يعرفوها كلها حتى يتحاكموا إليها، لأن كل صحابي في إقليم يقرئهم بما يعرف فقط من الحروف التي نزل عليها القرآن.
قوله: (فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف). بعد أن قال حذيفة ﵁ لعثمان ﵁ ذلك أفزعه، وأرسل إلى
стр. 215
حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التي عندها مما جمعه أبو بكر الصديق ﵁، وليكتب ذلك في مصحف واحد، ثم يرد تلك الصحف إلى حفصة ﵂.
والصحف هي: الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سورا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفا «١».
قوله: (فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصحف)، فجلس هؤلاء النفر يكتبون بالقرآن نسخا. وفي رواية أخرى من طريق محمد بن سيرين: (جمع عثمان اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، منهم أبي بن كعب ... ) «٢»، وإذا اختلفوا في موضع الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان ﵁ مثلما اختلفوا في (التابوت) أيكتبوه بالتاء أو الهاء؟ فكتبوه بالتاء بعد أن رجعوا إلى عثمان ﵁، قال: اكتبوه بلغة قريش «٣».
وقد بينا في المبحث الأول من هذا الفصل عدد المصاحف التي أرسلها سيدنا عثمان ﵁ إلى الآفاق، وأمره ﵁ بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
ثانيا:
حدّثنا موسى بن إسماعيل. حدّثنا إبراهيم بن سعد. حدّثنا ابن شهاب:
أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: أنّه سمع زيد بن ثابت ﵁ يقول: (فقدت