بيان حال الرواة:
١ - محمد بن بشار:
(،؛) ثقة، تقدمت ترجمته.
٢ - يحيى بن سعيد بن فروخ أبو سعيد القطان:
(،؛) روى عن: حماد بن سلمة، والثوري، وعوف الأعرابي.
(،؛) روى عنه: أحمد بن حنبل، وزهير بن حرب، ومحمد بن بشار.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، متقن، حافظ، إمام قدوة، من كبار التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين وله ثمان وسبعون «١».
٣ - محمد بن جعفر أبو عبد الله الهذلي البصري المعروف ب (غندر):
(،؛) روى عن: الثوري، وشعبة بن الحجاج، وعوف الأعرابي.
(،؛) روى عنه: أحمد بن حنبل، وزهير بن حرب، ومحمد بن بشار.
(،؛) قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال العجلي: ثقة، وكان من أثبت الناس في حديث شعبة، وقال ابن مهدي: غندر أثبت في شعبة مني، قال أبو حاتم: كان صدوقا وكان مؤديا في حديث شعبة ثقة، وذكره ابن
стр. 247
حبان في الثقات، وقال: كان من خيار عباد الله.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، صحيح الكتابة إلا أن فيه غفلة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين بعد المائة، رووا عنه أصحاب الكتب الستة «١».
٤ - ابن أبي عدي:
(،؛) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي السلمي البصري.
(،؛) روى عن: شعبة بن الحجاج، وعوف بن أبي جميلة، وسعيد بن أبي عروبة.
(،؛) روى عنه: أحمد بن حنبل، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن بشار.
(،؛) قال عنه أبو حاتم والنسائي والعجلي وابن سعد: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) وقال ابن حجر: ثقة من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح «٢».
٥ - سهيل بن يوسف الأنماطي أبو عبد الرحمن البصري:
(،؛) روى عن: الحجاج بن أرطأة، وشعبة بن الحجاج، وعوف بن أبي جميلة.
(،؛) روى عنه: أحمد بن حنبل، وخليفة بن خياط، ومحمد بن بشار، وابن معين.
стр. 248
(،؛) وثقه يحيى بن معين، والنسائي، والدارقطني، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات.
(،؛) قال ابن حجر: ثقة، رمي بالقدر من كبار التاسعة، مات سنة تسعين ومائة «١».
٥ - عوف بن أبي جميلة الأعرابي البصري:
(،؛) ثقة، رمي بالقدر، تقدمت ترجمته في مرويات الفصل الثاني.
٦ - يزيد الفارسي:
(،؛) هو يزيد بن الفارسي البصري.
(،؛) روى عن: عبد الله بن عباس ﵄، وعبيد الله بن زياد.
(،؛) روى عنه: عوف بن جميلة الأعرابي، وعبد الله بن فيروز.
(،؛) قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن حجر: مقبول، روى له أبو داود والترمذي والنسائي «٢».
الحكم على الرواية:
فيها يزيد الفارسي، وقد قال فيه ابن حجر: مقبول، وقال أبو حاتم: لا بأس به، فنتيجة الرواية: إسنادها ضعيف إلا إذا هناك متابع فيرتقي بها إلى الحسن.
ومن دلائل هذه الرواية: أن ترتيب الآيات في كل سورة كان توقيفيا
стр. 249
متلقى عن النبي ﷺ ، ولما لم يفصح النبي ﷺ بأمر براءة أضافها عثمان ﵁ إلى الأنفال اجتهادا منه ﵁ «١».
وقد توسعت بالحديث عن حكم ترتيب الآيات والسور في المطلب الخامس من المبحث الأول من هذا الفصل.
أما البسملة في أوائل السور: فقد قال ابن حجر: كان من علامة ابتداء السور نزول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أول ما ينزل شيء منها «٢». يدل على ذلك ما أخرجه البيهقي في سننه من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: (كان النبي ﷺ لا يعلم ختم السورة حتى ينزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) «٣». وفي رواية: (فإذا نزلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ علموا أن السورة قد انقضت) «٤». يعني هذا بأن البسملة هي دلالة على انقضاء ما قبلها وعلى ابتداء سورة بعدها، وذكر السيوطي في الإتقان عن القشيري «٥» أنه قال: الصحيح أن التسمية لم تكن فيها- أي في سورة براءة- لأن جبريل
стр. 250
عليه السّلام لم ينزل بها فيها «١»، وفي المستدرك عن ابن عباس قال: (سألت علي بن أبي طالب ﵁: لم لم تكتب في براءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؟ قال: لأنها أمان، وبراءة نزلت بالسيف) «٢»، قال الزركشي: البسملة نزلت مع السورة في بعض الأحرف السبعة، فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها، ومن قرأ بغير ذلك لم يعدها «٣».
стр. 251
الفصل الرابع شبهات حول جمع القرآن
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: شبهات المستشرقين.
المبحث الثاني: شبهات غير المستشرقين.
[تصوير]
стр. 252
المبحث الأول شبهات المستشرقين
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: شبهات المستشرقين حول جمع القرآن في عهد الرسول ﷺ
كان القرآن الكريم ولا يزال هدفا لأعداء الإسلام، يسددون إليه سهام المطاعن، ويتخذون من علومه مثارا للشبهات، يلفقونها زورا وكذبا. وقبل أن نبدأ بدراسة شبهات المستشرقين حول جمع القرآن، لا بد أن نبين- ولو باختصار- ما معنى الاستشراق؟
فالاستشراق هو: دراسة غير الشرقيين لحضارات الشرق وأديانه ولغاته وتاريخه وعلومه واتجاهاته النفسية وأحواله الاجتماعية، ولا سيما الحضارة الإسلامية وأحول المسلمين في مختلف العصور «١».
واختصر هذا التعريف الدكتور الساموك فقال: الاستشراق هو: علم يدرس لغات الشرق وتراثهم وحضارتهم ومجتمعاتهم وماضيهم وحاضرهم «٢».
والاستشراق كان وما يزال جزءا لا يتجزأ من قضية الصراع الحضاري بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، فقد كان للاستشراق أكبر الأثر في صياغة التصورات الأوربية عن الإسلام، وفي تشكيل مواقف الغرب إزاء الإسلام على
стр. 253
مدى قرون عديدة «١».
هناك شبه يثيرها أهل الأهواء لتوهين الثقة بالقرآن، والتشكيك في دقة جمعه، وسوف نورد أهم هذه الشبه، ونرد عليها إن شاء الله تعالى.
الشبهة الأولى وردها:
قالوا: إن في طريقة كتابة القرآن وجمعه دليلا على أنه قد سقط منه شيء لم يكتب في المصاحف التي بين أيدينا «٢».
واعتمدوا في هذه الشبهة على المزاعم الآتية:
١ - أن محمدا قال: (رحم الله فلانا لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا).
وفي رواية: (أسقطتهن من آية كذا وكذا) وفي رواية: (كنت أنسيتها) «٣».
٢ - أن ما جاء في سورة الأعلى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ «٤»، يدل بطريق الاستثناء الواقع فيه على أن محمدا قد أسقط عمدا أو نسي آيات لم يتفق له من يذكره إياها «٥».
أما احتجاجهم الأول: فيجاب عنه: بأن تذكير الرسول ﷺ بآية أو آيات قد أنسيها أو أسقطها نسيانا لا يشكك في جمع القرآن، فإن الرواية التي جاء فيها التعبير بالإسقاط تفسرها الرواية الأخرى (أنسيتها)، وإليك الروايات بنصها من صحيح البخاري، وبيان ما قاله العلماء في مدلولها:
стр. 254
أ- عن عائشة ﵂ قالت: (سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ في المسجد، فقال: ﵀، لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا)، وزاد عباد بن عبد الله «١»: عن عائشة: (تهجد النبي ﷺ في بيتي، فسمع صوت عباد يصلي في المسجد، فقال: يا عائشة أصوت عباد هذا؟ قلت: نعم، قال:
اللهم ارحم عبادا) «٢».
ب- حدثنا أحمد بن أبي رجاء حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (سمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ في سورة بالليل، فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا) «٣».
إن احتجاجهم بهذا الحديث وبجميع ألفاظه لا ينهض حجة لهم فيما زعموا من الشك في الأصل الذي قامت عليه كتابة القرآن وجمعه، بل الأصل سليم قويم وهو وجود هذه الآيات مكتوبة في الوثائق التي استكتبها الرسول ﷺ ووجودها محفوظة في صدور أصحابه الذين تلقوها عنه، والذين بلغ عددهم مبلغ التواتر، وأجمعوا جميعا على صحته- كما بينا في ثنايا البحث من الفصل الأول
стр. 255
والثاني من هذه الرسالة- إنما قصارى هذا الخبر أنه يدل على أن قراءة ذلك الرجل- عباد بن بشر- ذكرت النبي ﷺ إياها، وكان قد أنسيها، أو أسقطها أي أسقطها نسيانا لا عمدا «١».
وهذا النوع من النسيان لا يزعزع الثقة بالرسول ﷺ ، ولا يشكك في دقة جمع القرآن ونسخه، فإن الرسول ﷺ كان قد حفظ هذه الآيات من قبل أن يحفظها ذلك الرجل، ثم استكتبها كتاب الوحي، وبلغها الناس محفوظة عنه.
وليس في الحديث الذي احتجوا به أن هذه الآيات لم تكن بالمحفوظات التي كتبها كتاب الوحي، وليس فيه ما يدل على أن أصحاب الرسول كانوا قد نسوها جميعا، حتى يخاف عليها الضياع، أو السقوط عند الجمع الأول، واستنساخ المصحف الإمام «٢».
قال ابن حجر: (النسيان من النبي ﷺ يكون على قسمين:
أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قرب وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله ﷺ في حديث ابن مسعود في السهو: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون) «٣».
والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه إرادة نسخ تلاوته. وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ «٤».
فأما القسم الأول فعارض سريع الزوال لظاهر قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ
стр. 256
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «١».
وأما الثاني فداخل في قوله تعالى:* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ... «٢») «٣».
قال الإمام النووي: (قوله ﷺ : (كنت أنسيتها) يدل على جواز النسيان عليه ﷺ فيما قد بلغه إلى الأمة) «٤».
وقال القاضي عياض، وتابعه ابن حجر: جمهور المحققين على جواز النسيان عليه ﷺ ابتداء فيما ليس طريقه البلاغ واختلفوا فيما طريقه البلاغ «٥».
قال ابن حجر: وكذا فيما طريقه البلاغ لكن بشرطين: أحدهما: أنه بعد ما يقع منه تبليغه، والآخر: أنه لا يستمر على نسيانه بل يحصله له تذكرة إما بنفسه وإما بغيره «٦».
وأما احتجاجهم الثاني: وهو الاستثناء الذي في قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ «٧»، وممن قال بهذا المستشرق شاخت «٨» الذي حاول الطعن في قطعية ثبوت القرآن الكريم، وزعم أن النبي ﷺ أسقط عمدا أو
стр. 257
أنسي آيات من القرآن الكريم «١».
قال الإمام الباقلاني: (وقوله فَلا تَنْسى، أورد على وجه الإخبار لا على وجه الأمر، لأن النسيان لا يفعل ولا ينزل) «٢».
وقال الزرقاني: إن هذا الاستثناء صوري لا حقيقي، فلا يدل على ما زعموا، والحكمة فيه أن يعلم الله عباده أن نسيانه ﷺ الذي وعده إياه في قوله:
فَلا تَنْسى، وإنما هو محض فضل من الله وإحسان، ولو شاء سبحانه أن ينسيه لأنساه، وفي ذلك الاستثناء فائدتان: إحداهما ترجع إلى النبي ﷺ حيث يشعر دائما أنه مغمور بنعمة الله وعنايته ما دام متذكرا للقرآن لا ينساه، والثانية تعود إلى أمته حيث يعلمون أن نبيهم ﷺ فيما خصه الله به من العطايا والخصائص لم يخرج عن دائرة العبودية فلا يفتنون فيه كما فتن النصارى في المسيح ابن مريم «٣».
والدليل على أن هذا الاستثناء صوري لا حقيقي أمران:
الأول: أن النبي ﷺ كان يتعب نفسه بكثرة قراءة القرآن حتى وقت نزول الوحي مخافة أن ينساه، فاقتضت رحمة الله بحبيبه ﷺ أن يطمئنه من هذه الناحية، وأن يرحمه من هذا العناء، فقال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) «٤»، وفي آية أخرى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ
стр. 258
أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً «١».
والثاني: إن قوله تعالى: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ يعلق وقوع النسيان على مشيئة الله إياه، والمشيئة لم تقع بدليل ما ذكرناه من قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧). إذن فالنسيان لم يقع «٢».
وثمة رأي آخر لمعنى الاستثناء، وهو: أنه استثناء حقيقي، غير أن المراد به منسوخ التلاوة دون غيره، ويكون معنى الآية: أن الله تعالى يقرئ نبيه ﷺ فلا ينسيه إلا ما شاءه. وهو ما نسخت تلاوته لحكمة من الحكم، بدليل قوله تعالى:
* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها «٣»، والمعنى: أن كل آية نذهب بها على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل
أو غير بدل نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أي نوع آخر هو خير للعباد بحسب الحال في النوع والثواب.
وأيا ما كان معنى الاستثناء في آية سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فإنه لا يفهم منه أن الرسول ﷺ نسي حرفا واحدا مما أمر بتلاوته وتبليغه للخلق «٤».
ويقول السيد محمد رشيد رضا عن الاستثناء في هذه الآية: فهو يؤكد عدم نسيان النبي ﷺ لأن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن
стр. 259
للدلالة على الثبوت والاستمرار كما في قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ «١»، وكما في قوله:
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ «٢». والنكتة في الاستثناء في هذه الآيات هي بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى لا بطبيعتها نفسها، فليس امتناع نسيان الوحي طبيعة لازمة للنبي ﷺ ، وإنما هو تأييد ومنحة من الله، وليس خلود أهل الجنة في الجنة واجبا عقليا أو طبيعيا، وإنما هو بإرادة الله ومشيئته «٣».
الشبهة الثانية وردها:
المستشرق آرثر جفري الذي حقق كتاب المصاحف لابن أبي داود قبل أن يحققه الدكتور محب الدين عبد السبحان تحقيقه العلمي، قال المستشرق جفري في مقدمته لكتاب المصاحف: (لما قبض النبي ﷺ لم يكن في أيدي قومه كتاب) «٤». ثم بين وجهة نظر المستشرقين حول جمع القرآن في عهد النبي ﷺ حيث يقول: (قيل إن النبي ﷺ كان كلما نزلت عليه آيات أمر بكتابتها، وكان يعرض على جبريل مرة في كل سنة ما كتب من الوحي في تلك السنة، وعرضه عليه مرتين سنة موته ... ثم قال: وهكذا جمع القرآن كله في حياة النبي ﷺ في مصحف وأوراق، وكان مرتبا كما هو الآن في سوره وآياته إلا أنه كان في صحف لا في مصحف).
ثم يعقب فيقول: (وهذا الرأي لا يقبله المستشرقون، لأنه يخالف ما جاء
стр. 260
في أحاديث أخرى: أنه قبض ﷺ ولم يجمع القرآن في شيء)، ودليل آخر لرأيه يقول: وهذا يطابق من خوف عمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق، لما استحر القتل بالقراء يوم اليمامة، قالا: نخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير، ويتبين من هذا أن سبب الخوف هو قتل القراء، ولو كان القرآن قد جمع وكتب لما كانت هناك علة لخوفهما.
ويضيف قائلا: وفضلا عن ذلك فإن علماء الغرب لا يوافقون على أن ترتيب نص القرآن كما هو اليوم في أيدينا من عمل النبي ﷺ «١».
أقول: إن المنهج الذي درج عليه المستشرقون هنا في الأخذ بالأحاديث التي يتبين من ظاهرها عدم جمع القرآن في عهد النبي ﷺ ورفض الأحاديث التي تفيد جمعه في عهده ﷺ ، هذا المنهج يجافي المنهجية العلمية السديدة، فهناك بعض الأحاديث تحتاج إلى فهم دقيق ودراسة عميقة وتوفيق بينها وبين الأحاديث الأخرى لإزالة هذا الغموض. والتوصل بعد ذلك إلى نتيجة علمية، فعلماء المسلمين لهم تعليقات وتوضيحات حول هذه الأحاديث كحديث زيد بن ثابت عند ما قال: (قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء) «٢».
أما ما ذكره المستشرق في بداية هذه الشبهة عن جمع القرآن، وأن النبي ﷺ كان يأمر بكتابته حين نزوله، هذا أمر مشهور ومتواتر بين المسلمين.
ثم يعقب فيقول: (وهذا الرأي لا يقبله المستشرقون)، فلا يهمنا قبولهم وموافقتهم لهذه القضية بعد عدم قبولهم ما هو أهم من ذلك ألا وهو وحدانية الله تعالى «٣».
стр. 261
وأما ما استشهد به المستشرق آرثر جفري، مما اعترى أبا بكر وعمر ﵄ من خوف ضياع القرآن بقتل حفاظه، للتدليل على وجهة نظرهم بعدم كتابة القرآن في عهد الرسول ﷺ ، فهذا دليل على قصوره وجهله، وأمر غير مسلم به لهذا التدليل؛ لأن المنهج الذي عليه زيد بن ثابت في كتابة المصحف والذي وصفه أبو بكر وعمر ﵄. كان يستلزم الاعتقاد في جمعه على المحفوظ في الصدور والمكتوب في السطور. فكانت الطريقة أن يأتي كل صحابي بما لديه من القرآن مكتوبا ليوافق ما كان يحفظه زيد بن ثابت وعمر بن الخطاب وغيرهما من الصحابة حين نسخ القرآن في المصحف. وهذا زيادة في الإتقان، وللتأكد من المطابقة بين المكتوب والمحفوظ، ولهذا انتابهما الهلع والخوف حينما قتل عدد من الحفاظ، فخافا في المستقبل أن يذهب الآخرون، فيفقد المحفوظ منه، والذي هو أحد مصدري النص القرآني «١».
ثم يقول المستشرق آرثر جفري في آخر هذه النقطة: (وفضلا عن ذلك فإن علماء الغرب لا يوافقون على أن ترتيب نص القرآن كما هو اليوم في أيدينا من عمل النبي ﷺ «٢».
قلت: ترتيب نص القرآن أمر لا خلاف فيه- كما بينا في الفصل الثالث
стр. 262
من الرسالة- وأنه توقيفي من عمل النبي ﷺ «١»، وهذا الترتيب مشهور لا ينكره أحد إلا جاهل معاند أو جاحد «٢»، وسنذكر دليلا واحدا على ذلك، لكي لا نكرر ما ذكرناه في ثنايا البحث.
روى الإمام البخاري عن ابن الزبير ﵁ قال: (قلت لعثمان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً «٣»، وقد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها، أو تدعها؟! قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا من مكانه) «٤». وفي جواب عثمان ﵁ دليل على أن ترتيب الآي توقيفي «٥».
أشرت قبل قليل إلى حديث زيد بن ثابت الذي يقول فيه: (قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء) «٦». هذا الأثر استشهد به المستشرق على أن القرآن الكريم لم يكن يجمع في شيء في حياة النبي ﷺ ، فتمسك بهذا الأثر للطعن بجمع القرآن وترك الأحاديث الأخرى التي تبين كيف أن النبي ﷺ كان يأمر بكتابة القرآن الكريم كلما نزلت عليه آيات حتى جمع في السطور والصدور، إلا أنه لم يكن مرتبا في مصحف واحد.
ولكن الدكتور محب الدين أراد أن يعالج هذه المسألة من خلال رده على آرثر جفري، وقد أخطأ ولم يوفق فيها- والله أعلم- لأنه أنكر هذه الرواية
стр. 263
أصلا، بل وطعن بمن يقول بها ولم يعالجها معالجة علمية، فلا أدري لماذا لم يدرس الدكتور محب الدين هذه الرواية ويرد على المستشرق ردا علميا كما رد عليه في مسائل أخرى؟
ومن كلام الدكتور محب الدين حول هذه المسألة قال: (وما أورده- أي المستشرق- من أن النبي ﷺ قبض ولم يجمع القرآن في شيء، فهذا لا يقوله من لديه أدنى دراية بعلوم القرآن للأحاديث الواردة الثابتة الدالة على أنه كان هناك كتّاب للوحي يكتبون القرآن عقب نزوله بأمر الرسول ﷺ وقوله: (شيء) نكرة في سياق النفي، يدل على أن القرآن لم يجمع قط، فهذه دسيسة عدائية ظاهرة، وأوائل أحاديث الكتاب ترد عليه ذلك) «١».
أقول: لا أدري لماذا هذا التحامل على هذا الحديث من الدكتور محب الدين، هل الحديث لم يصح عنده أو أنه لم يطلع عليه في الكتب المعتمدة؟ على أن هذا الحديث مشهور وموجود في بعض كتب الحديث وعلوم القرآن والتي تناولت موضوع جمع القرآن، فذكره الإمام ابن حجر في الفتح، والسيوطي في الإتقان «٢». إلا أن ذلك المستشرق
استشهد بهذا الحديث كي يشكك ويطعن في صحة نقل القرآن، وأنه لم يجمع في حياة الرسول ﷺ ، وقد درست هذا الأثر في الفصل الأول من هذه الرسالة وتوصلت إلى أن إسناده حسن، كما أشرت إلى ذلك قبل قليل، إلا أن الخلاف هو حول فهم هذا الحديث ومعناه. وحتى لا أكرر ما ذكرته سابقا وباختصار أقول: إنما لم يجمع القرآن في المصحف زمن النبي ﷺ لما كان يترقبه ﵊ من ورود ناسخ لبعض
стр. 264
أحكامه أو تلاوته، قال الزركشي: وإنما لم يكتب في عهد النبي ﷺ في مصحف لئلا يفضي إلى تغييره في كل وقت. فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته ﷺ «١».
قال مناع القطان بعد أن ذكر قول الزركشي: وبهذا يفسر الأثر المروي عن زيد بن ثابت: (قبض رسول الله ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء). أي: لم يكن جمع مرتب الآيات والسور في مصحف واحد «٢».
الشبهة الثالثة وردها:
المستشرق ريجي بلاشير «٣» الذي يعد في طليعة المستشرقين المعنيين بالدراسات القرآنية، قال في كتابه (القرآن نزوله وتدوينه): (يبدو أن فكرة تدوين مقاطع الوحي الهامة التي نزلت في السنوات السالفة على مواد خشنة من الجلود واللخاف، لم تنشأ إلا بعد إقامة محمد في المدينة) «٤».
ويمضي بلاشير في ذكر شبهاته حول كتابة القرآن، بل حول حفظه في عهد الرسول ﷺ ، فقد شك في حرص النبي ﷺ على كتابة الآيات فور نزولها، وأن خوفه كان شديدا لما نزل عليه؛ ولأن المسلمين كانوا في صراع مع يهود المدينة الذين كانوا يسيطرون على وسائل الكتابة، واستخلص أن النص القرآني لم يكتب بأكمله في عهد الرسول ﷺ ، وهو لا ينافي اختلاط النص الأصلي ببعض الزيادات الطفيفة التي أدخلت عليه في العهود المتأخرة «٥».
стр. 265
أقول: لقد بينت في الفصل الأول من الرسالة أن الرسول ﷺ قد اتخذ له كتابا من خيرة صحابته، وبينت الرأي الراجح في عددهم وأشهرهم لكتابة الوحي، والنبي ﵊ لم ينه عن كتابة الحديث في البداية إلا لتوجيه العناية الكلية إلى القرآن الكريم وحده فالرسول ﵊ لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد تحفيظه كله في الصدور، وكتابته في السطور- كما ذكرت هذا سابقا-. ففكرة تدوين مقاطع الوحي كانت بالمدينة، فلا نجد في متناول يد بلاشير ما يستند إليه من أدنى دليل فيما يذهب إليه إلا مجرد تكهن وتخمين.
وإن حقائق التاريخ ووقائعه تؤكد مسايرة كتابة الوحي وحفظه في العهد المكي كما كان في العهد المدني «١».
الشبهة الرابعة وردها:
قال المستشرق جولد سهر «٢» في بداية بحثه في كتابه (مذاهب التفسير الإسلامي): (لا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافا عقديا على أنه نص منزل أو موحى به يقدم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات كما نجد في النص القرآني) «٣».
جولد سهر الذي نصب نفسه قاضيا وأصدر حكمه المزعوم بالاضطراب المنقطع النظير في القرآن والذي لم يوجد مثله في أي كتاب تشريعي آخر، نقول: أين رأى جولد سهر عن كتب الشرائع السابقة في
стр. 266
نصوصها الأصلية حتى تصح له المقارنة والحكم على الاضطراب بالقرآن، فالتوراة والإنجيل والكتب المتداولة اليوم لدى اليهود والنصارى نسخ مختلفة ومحرفة في نصوصها، فتاريخ التوراة والإنجيل وصحة نسبتهما أبعد ما يكون من الصحة والوثوق، وهذا أمر لا يخفى على المعنيين بدراستهما، لذا فلا نسلم لجولد سهر إجراء مثل هذه المقارنة بين نصر القرآن الذي لا يرقى إلى صحته شك كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١»، وبين التوراة والإنجيل المتداولة لدى اليهود والنصارى والتي لا شك في تحريفها وعدم صحتها، والفضل بما شهدت به الأعداء، فهذا موريس بوكاي الذي ينتهي من المقارنة بين نص القرآن وبين نص التوراة والإنجيل إلى القول: (صحة القرآن التي لا تقبل الجدل تعطي النص مكانة خاصة بين كتب التنزيل ولا يشترك مع نص القرآن في هذه الصحة لا العهد القديم ولا العهد الجديد) «٢».
ويمضي موكاي قائلا: (أما ما يخص العهد القديم، فإن تعدد كتاب نفس الرواية بالإضافة إلى تعدد المراجعات لبعض الكتب على عدة فترات قبل العصر المسيحي، هو من أسباب الخطأ والتناقض، وأما فيما يخص الإنجيل، فلا يستطيع أحد أن يجزم أنها تحتوي على رواية أمينة لرسالة المسيح .. ويختلف الأمر بالنسبة إلى القرآن، فهو فور تنزيله، وأولا بأول كان النبي ﷺ والمؤمنون من حوله يتلونه عن ظهر قلب، وكان الكتبة من صحبه يدونونه، إذا فالقرآن يتمتع منذ البداية بعنصري الصحة- الحفظ والتدوين- هذين اللذين لا تتمتع بهما الأناجيل ... ) «٣».
يقول جولد سهر: إن معنى الاضطراب وعدم الثبات في النص، يعنيان
стр. 267
أن النص ورد على صور مختلفة أو متضاربة لا يعرف الثبات منها، فأين موجود هذا الاضطراب وعدم الثبات؟ أفي القرآن أم في التوراة والإنجيل؟ فكما يقال:
فمن فمك أدينك، فهل تحتوي التوراة والإنجيل نصا أمينا غير محرف وغير مضطرب، إنها كلها محرفة وكلها مضطربة. وقد اطلعت على نسخة مكونة من العهد القديم والعهد الجديد، وقرأت فيها بعض النصوص، فلا يليق هذا الكلام أن ينسب إلى رب العالمين أو إلى نبي من الأنبياء «١».
أما القرآن الكريم فنصه موحد منذ نزوله على الرسول الكريم ﷺ ، وليس فيه شيء من الاضطراب البتة، أما القراءات المشهورة التي أشار إليها المستشرق سهر، فهي متواترة ومقطوع بصحة نسبتها إلى مصدرها الأصلي، وهو النبي الكريم ﷺ ، والذي كان على بينة من اختلافها في النص الواحد، على أن هذا الاختلاف لا يتناول كلمة كلمة وآية آية «٢»، وقد تناولت مسألة القراءات في المبحث الأول من الفصل الثالث، فلا داعي لتكراره والحديث عنه هنا بأكثر من الذي أشرنا إليه، فليس هناك أي تضارب أو اضطراب في النص بسبب القراءات، بل إن هذه القراءات قد شدت المسلمين على الحفاظ على النص القرآني الموحد أكثر فأكثر.
стр. 268
المطلب الثاني: شبهات المستشرقين حول جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁
هناك شبه أثيرت من قبل المستشرقين حول جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁، حاول المستشرق هنري ماسيه التشكيك في تثبيت النص القرآني، إذ قال: (عند وفاة محمد لم يكن هناك أية مجموعة للنصوص القرآنية فرزت بشكل نهائي، وما من شك في أن عددا من مجموعة الوحي الأول لم تكن قد حفظت، ولكن شذرات هامة كانت قد سجلت كتابته على عظام مسطحة وأوراق نخيل أو حجارة) «١».
لقد تعود هؤلاء المستشرقون على إصدار أحكامهم حول الإسلام ورسوله وكتابه من غير دليل من الواقع، بل على محض ما تجود به أخيلتهم الخصبة، وكذلك تعودوا على رفض الأخبار والروايات الصحيحة ما دامت تأتي مناقضة لتلك الأحكام المسبقة، ومخيبة آمالهم في التشكيك في مصداقية الإسلام، وأنه دين الله اختاره للإنسانية جمعاء.
فهنري كغيره يضرب بعرض الحائط تلك الأخبار التي تفيد بشكل قاطع أن القرآن كان محفوظا في صدور المئات من الحفاظ، وأنه لم يفتهم شيء منه، والتي تؤكد كتابة القرآن كله في عهد الرسول ﷺ ، بل إن تلاوته كانت شغلهم الشاغل في الصلوات وغيرها، يتقربون بها إلى الله، وأن الرسول ﷺ كان يبعث بالحفاظ لتعليمه خارج مكة والمدينة من المسلمين الجدد «٢».
وقد رد أبو بكر الباقلاني على مثل هذه المزاعم حيث قال: إن الصدر
стр. 269
الأول ومن بعدهم من المسلمين كانوا يعظمون القرآن تعظيما ما بعده من تعظيم، فكانوا يتقربون إلى الله بالحياطة والعناية منه والحفظ له، فكيف يكون هذا موقفهم من القرآن، واهتمامهم به، وهم لا يحفظونه ولا يضبطونه، فكيف يصح ذلك وقد مكث الصحابة نيفا وعشرين سنة ينزل فيهم القرآن على النبي ﷺ ، وينقلونه عنه ويحضهم على حفظه، وقد ثبت في أحاديث كثيرة للنبي ﷺ مبينا جزاء وثواب من تعلمه وحفظه وعمل به «١».
كقوله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) «٢»، وقوله: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه له أجران، أجر القراءة وأجر المشقة) «٣»، وقوله: (تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان) «٤». إلى غيرها من الأحاديث الأخرى التي يحثهم بها على تلاوة القرآن وحفظه والعمل به. فكيف يصح أن يقال على جميع الأمة من الصحابة وغيرهم بتضييع القرآن؟!
ويدل على بطلان ما يدعونه من اضطراب نقل القرآن، أن جميع السلف والخلف وهم خلق لا يجوز على مثلهم التراسل والتطابق ينقلون أن القرآن الذي في مصاحفنا هو جميع القرآن الذي نزل على محمد ﷺ «٥».
ويدل على صحة نقل القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا
стр. 270
لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «١»، وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) «٢».
أما المستشرق بلاشير، فحاول زرع الشكوك حول عملية جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، وذلك حين رجح أن نسخ المصحف الذي بدأ في حياته لم ينته إلا في عهد عمر، إذ كان قد بدأ قبل موت أبي بكر بخمسة عشر شهرا.
ثم تساءل- بلاشير-: (هل كان عمل هذا المصحف حلا للموقف الذي خشيه عمر؟ وأجاب قائلا: لقد كان المجتمع بحاجة إلى مجموعة مكتوبة من الوحي معترف بها من الجميع، ليطبقها الجميع، فهل كانت هذه صحف أبي بكر؟ كلا، إذ أن هذه الصحف كانت ملكا خاصا لأبي بكر وعمر بصفتهما الشخصية، لا للخليفة رئيس الجماعة، ولقد دل كل شيء على أن الخليفة الأول وصاحبه حين أحسا مغبة أن لا يكون لديهما نص كامل للوحي، كلفا أحد كتاب الوحي ممن سبق أن استخدمهم محمد في هذه الوظيفة بأن يهيئه لهما، ولنا أن نتساءل عن إمكانية أن تصدر محاولة عمر عن سبب آخر: هو الرغبة في تملك نسخة شخصية من الوحي كما كان يملكها صحابة آخرون للنبي، فإن الأمر لم يكن في ذهن أبي بكر وعمر أمر فرض مصحف إمام على جماعة المؤمنين، وإنما يبدو أنه من المستحسن ألا يكون رئيس الجماعة في وضع أقل من بعض الصحابة ممن هم أحسن حالا) «٣».
وقد تابعه في هذه الادعاءات تلميذه الدكتور مصطفى مندور، فإذا قال
стр. 271
بلاشير عن محاولة عمر في تملك نسخة شخصية من الوحي، وإنها كانت مليكة شخصية، فقد قال مندور: إن حفصة ورثتها على أنها ذمة مالية شخصية «١».
نقول: ماذا عن انتقالها إلى عمر بعد أبي بكر ﵄، ثم ما القيمة لنسخة من القرآن الكريم لدى رجل- كعمر بن الخطاب ﵁ جمعه حفظا على عهد رسول الله ﷺ «٢»، وفي عصر كان المحفوظ فيه أوثق ثبوتا وأعظم حياة في وجدانه وعلى لسانه، إن لم يكن ذلك من أجل الأمة بأسرها «٣»، فأبو بكر وعمر ﵄ لم يقوما بما قاما به معا إلا بدافع الإخلاص لكتاب الله تعالى والخشية عليه من أن يطرأ عليه ما يكدر صفاءه كما تلقاه المسلمون من فم رسول الله ﷺ ، وما أن انتهى زيد ﵁ من جمعه لقي عمله استحسان ورضا جميع الصحابة وتواتر ما فيه «٤».
وقد وقع بلاشير في مغالطة أخرى عند ما قال: بأن جمع أبي بكر للقرآن كان مسبوقا ومصحوبا بمحاولات أخرى فردية، وهو يشير إلى أسماء عدد من الصحابة منهم
معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي زيد بن السكن، كما يستدل على ذلك بخبر أبي السباق، ذكره في جمع القرآن، نعم لقد حصلت محاولات فردية سبقت وصحبت جمع أبي بكر للقرآن، ولكنها لم تكن لجمع القرآن، بل لتقييد محفوظ كل منهم، وكان ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، وكان ذلك بعده مخافة النسيان أو الخطأ «٥».
стр. 272
أما ما ادعاه بلاشير بأن جمع القرآن الذي بدأ في حياة أبي بكر قد كمل في خلافة عمر، فغير مسلم به؛ لأن جمع القرآن قد تم في خلافة أبي بكر ﵁ وبالتحديد بعد واقعة اليمامة، وقبل وفاة أبي بكر الصديق ﵁، وكانت العملية قد استمرت سنة وليس كما ادعى بلاشير بأنه تم خلال خمسة عشر شهرا «١».
إن هدف بلاشير من هذا الادعاء هو التقليل من قيمة العمل العظيم الذي أمر به أبو بكر ﵁، وتجريده من كونه نتيجة جهود جبارة تضافرت مجتمعة فأفرزته، وبالتالي إضفاء الشخصية والمصلحة الذاتية عليه مما يجعله فاقدا لصفة التواتر المطلوبة في القرآن «٢».
المطلب الثالث: شبهات المستشرقين حول جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁
حاول بعض المستشرقين التشكيك في مصحف عثمان ﵁، فمنهم من زعم- كالمستشرق هنري- بأنه لا يتضمن الوحي كله، وبأنه قد أضيفت إليه بعض الإضافات التفسيرية والتذييلات، مع تغيير أماكن بعض الجمل «٣».
ومنهم من زعم- كبلاشير وجفري- بأنه فرض على المسلمين فرضا وجوبه بمقاومة، ولم يعتمد في جمعه على مصاحف الصحابة كمصحف ابن مسعود وغيره، والتي كانت مختلفة معه «٤»، دعوى ومزاعم كثيرة لا أساس لها
стр. 273
ولا سند من حقيقة الأمر وواقع الحال.
فأما ما ذكره هنري فلا يخلو من كونه إقامة دعوى بدون دليل، إذ لو كان صادقا في ادعائه لأتى بدليل ولوضع يده على بعض تلك الإضافات التي ضمت إلى القرآن، وسكت عنها العلماء المسلمون على حد زعمه، ولبين لنا أماكن تغيير تلك الجمل حتى يكون لنا موقف من مناقشته على ضوء ذلك. أما إطلاقه الكلام من غير تبيان، فيعد خلافا واضحا للمسلك العلمي الذي ينبغي اتباعه في مثل هذه الدراسات «١»، وأنه ليس هناك أي قول لأحد المسلمين بتجويز وضع كلمة ما في مصحف بدل كلمة في المصحف العثماني المنسوخ قطعا عن مصحف أبي بكر المأثور يقينا عن النبي ﷺ ، ولا يجوز قراءة كلمة ما مغايرة لما في ذلك المصحف، أو إغفال حرف ما حتى ولو لم يختل المعنى.
أما ما يخص تعدد القراءات مما يسمى بالسبع أو العشر، فليس هو في صدد اختلاف في الألفاظ، أو نقص أو زيادة فيها، وإنما هو في صدد اختلاف الأداء في القراءة «٢».
أما ما جاء في ادعاء بلا شير وآرثر جفري، فيمكن تفنيد هذا الادعاء بأن مصاحف الصحابة لم تكن تختلف فيما بينها، كما لم تكن مختلفة في مجموعها مع المصحف الإمام كما زعم بلاشير وجفري اللذان يبدو أنهما استندا في إصدار حكمهما على تلك القراءات التي رويت بطرق الآحاد أو القراءات الشاذة أو القراءات التفسيرية المنسوبة إلى أصحاب تلك المصاحف، تلك القراءات التي لم تثبت قرآنيتها.
وليس أدل على هذه الحقيقة من أن القراء الذين تلقوا قراءاتهم على
стр. 274
أصحاب تلك المصاحف لم ينقلوا عنهم قراءة تخالف ما يحتمله رسم المصحف الإمام الذي كتب في عهد عثمان ﵁، والذي حظي بإجماع الصحابة وتواتر ما فيه،
والذي جاء كاملا من غير زيادة ونقص فيه، وقد توسعنا بالحديث عن رسم المصحف الإمام في الفصل الأول من الرسالة «١».
يقول الدكتور عبد الله دراز: نظرا لغيرة المسلمين الأوائل وهم بطبيعة الحال أكثر تحمسا لكلام الله تعالى من خلفائهم يستحيل علينا أن نعلل قبول الكافة لمحصف عثمان دون منازعة أو معارضة بأنه راجع إلى انقياد غير متبصر من جانبهم. ولقد قرر المستشرق (نولدكه) في كتابه (تاريخ القرآن): أن ذلك يعد أقوى دليل على أن النص القرآني على أحسن صورة من الكمال والمطابقة «٢».
قال الآمدي «٣»: (إن المصاحف المشهورة في زمن الصحابة كانت مقروءة عليه ﷺ ومعروضة، وكان مصحف عثمان بن عفان ﵁ آخر ما عرض على النبي ﷺ وكان يصلي به إلى أن قبض) «٤»؛ ولأن زيد بن ثابت ﵁ كان قد قرأ العرضة الأخيرة على النبي ﷺ قبل انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وزيد بن ثابت كان عليه الاعتماد الأكثر من الكتاب في نسخ مصحف الإمام في زمن سيدنا عثمان ﵁.
أما فيما يتعلق بترتيب الآيات والسور، فقد ادعى لويس جارديه، والأب قنواني في كتابيهما (فلسفة الفكر الديني بين المسيحية والإسلام)، قالا: (إن
стр. 275
عثمان بن عفان أقبل إلى القرآن في خلافته، فقسمه إلى سور وآيات، ورتب السور وراء بعضها حسب طولها، فأطولها أولا ثم ما دونها طولا وهكذا) «١».
أما المستشرق بلاشير فزعم: (أن إعادة ترتيب السور الذي اقترحه فولدكه ومدرسته ينال هنا كامل أهميته أنه يلقي على المصحف أضواء مطمئنة ويرد وضع النصوص إلى آفاق سهلة الإدراك، لكونها مقرونة إلى السياق التاريخي المعقول) «٢».
أما المستشرق ريجرد بيل، فقد ذهب أبعد من بلاشير ونولدكه حينما زعم: (أن الترتيب الحالي والمعروف لدى المسلمين ترتيب خاطئ، وضع كيفما اتفق، فسور وآيات وضعت في الآخر، وكان عليها أن تكون في الأول، والعكس صحيح) «٣».
وما هذه الأقوال إلا ادعاءات وافتراءات ومزاعم مخالفة للحقيقة والواقع، وليس هناك أدنى دليل في دعمها وتبريرها، فها هو دأب المستشرقين لم يتركوا جانبا من الجوانب المتعلقة بالقرآن الكريم إلا وقد وجهوا مطاعنهم إليه، لذا كان أمرا طبيعيا لهم أن يطعنوا في ترتيب الآيات والسور في المصحف العثماني، ظنا منهم أنه تم باجتهاد جامعيه.
فيما يتعلق بهذا الأمر، فقد عقدت مطلبا خاصا في الفصل الثالث حول ترتيب الآيات والسور «٤»، ولا أريد أن أكرر ما ذكرت، ولكن أقول باختصار:
إن ترتيب الآيات في السور هو بتوقيف من النبي ﷺ ، وبتوجيه من الوحي، لأن
стр. 276
ترتيب الآيات في سورها يعد ذاته مظهرا من مظاهر إعجاز القرآن الكريم، والنبي ﷺ ، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) «١».
إن ترتيب الآيات في السور بهذا الشكل العجيب البديع، وبهذا الترابط بين الآيات بعضها ببعض، والذي يبدو لمتأمله وكأنها حلقات مترابطة في سلسلة من ناحية اللفظ والمعنى فيه، فيجد الترابط والتلاحم التامين بين الآية وسابقتها ولاحقتها. على الرغم من أن هذه الآيات كان نزولها متفرقا، واستمر أكثر من عشرين عاما، فترتيب الآيات إنما هو وجه آخر من وجوه الإعجاز القرآني.
إن عثمان ﵁ لم يكن مستبدا برأيه في جمع القرآن، وإنما كل خطوة يخطوها أقدم عليها في جمع القرآن كان نتيجة استشارة الصحابة ﵃، حملة القرآن وحفاظه، وكانت اللجنة برئاسة زيد بن ثابت وسعيد بن العاص هي التي قامت بجمع القرآن، وكان لعثمان ﵁ دور الإشراف المباشر على تنفيذ المشروع، وإقرار ما يتوصل القائمون به، بعد عرضه على الصحابة والإجماع عليه «٢».
أما دعوى بلاشير وغيره من المستشرقين إلى إعادة ترتيب السور في المصحف الشريف بالشكل الذي يريدونه، فليس من ورائها إلا محاولة تحقيق هدف سياسي، وهو ضرب وحدة المسلمين إذ من المعلوم تاريخيا أن مصحف عثمان ﵁ بشكله وترتيبه المعروف إنما جسد وحدة المسلمين ووحدة كلمتهم عليه، فعليه فإن أي
محاولة للمساس به بأي شكل من الأشكال، إنما تستهدف ضرب وحدة المسلمين وما اجتمعت عليه إرادتهم وكلمتهم مهما كانت الحجج الواهية التي حاول المغرضون التستر من ورائها، فلو كان بلاشير ونولدكه
стр. 277
وغيرهما صادقين في ادعائهما لبينوا لنا الغموض المزعوم الناجم من الترتيب العثماني للسور القرآنية «١».
إن أي مساس بالمصحف في شكله وترتيبه يعد خرقا صارخا لما تم عليه إجماع المسلمين في عهد عثمان ﵁، والإجماع هو من الأدلة الواجب اتباعها من وجهة النظر الإسلامية.
وخلاصة القول مما سبق في هذا المطلب:
إن النتائج التي توصل إليها المستشرقون في دراساتهم عن المصحف نتائج خاطئة؛ لأنها متمخضة عن روايات ضعيفة أو موضوعة، أو قائمة على محض خيالهم وأوهامهم، فكانت مجافية للحقيقة والواقع، وبعيدة عن النتائج العلمية التي توصل إليها العلماء المسلمون من دراساتهم حول المصحف الشريف بالاستناد إلى الروايات الصحيحة الواردة حوله، والتي اشتملت على:
المصحف المتداول اليوم الذي هو مرتب على وفق ترتيب النبي ﷺ لآياته وسوره، وبتوجيه من الوحي، واشتمل على كل ما ثبت أنه قرآن غير مرفوع وغير منسوخ التلاوة حين وفاة الرسول الكريم ﷺ ، وكذلك فإن التواتر لم ينقطع بين المسلمين على أن هذه المصاحف المتداولة اليوم إنما هي نسخة طبق الأصل في النص والترتيب لتلك المصاحف العثمانية التي تم نسخها بأمر من الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁. وكما مر في الفصل الثالث بأن المصاحف العثمانية قد تم نسخها نصا وترتيبا عن المصحف المحرر زمن الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق ﵁ على ملأ من أصحاب رسول الله ﷺ ، والذي اشتمل على كل ما ثبت أنه قرآن غير مرفوع وغير منسوخ التلاوة حين وفاة الرسول ﷺ «٢».
стр. 278
المبحث الثاني دراسة روايات في كتب أهل السنة يساء فهمها في صحة نقل القرآن
لقد أثيرت شبهة في شكل روايات فيها آيات منسوخة التلاوة، أو قراءات شاذة، وهذه الروايات موجودة عند أهل السنة ولكن أسيء فهمها.
على أن هذا النوع من النسخ حصل فيه خلاف عند أهل السنة، فمنهم من أجازه شرعا وعقلا، ومنهم من أجاز وقوعه عقلا، ولكنه لم يقع في كتاب الله، لأن روايات أحاديثه آحاد، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر «١»، وسيأتي توضيح هذه المسألة عند دراسة هذه الروايات بعد قليل إن شاء الله تعالى.
إن معرفة الناسخ والمنسوخ أمر مهم في فهم الإسلام، وفي الاهتداء إلى صحيح الأحكام، وإن الإلمام بهذا النوع من علوم القرآن يكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي، ويطلع الإنسان على حكمة الله في تربيته للخلق وسياسته للبشر، والنسخ من أهم قضايا القرآن، والمفسرون عموما يهتمون بالناسخ والمنسوخ، حتى قال أحد العلماء: لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف الناسخ والمنسوخ «٢».
ومن الآثار الواردة التي تدل على أهمية هذا العلم، ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁: أنه مر على قاص فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال له: هلكت وأهلكت «٣».
стр. 279
أما معرفة النسخ في اللغة والاصطلاح:
ففي اللغة: يطلق على عدة معان، منها: الإزالة، والإبطال، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته «١»، وقوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ... «٢»، أي يزيله ولا يجعل له شيئا عوضا عنه «٣».
أما النسخ في الاصطلاح، فلقد عرف بتعريفات كثيرة، ولعل أدق تعريف للنسخ منها هو ما اختاره ابن الحاجب «٤»: (رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر) «٥».
فجمهور العلماء قالوا بجواز النسخ عقلا ووقوعه شرعا، وذلك لأن نصوص الكتاب والسنة دالة على جواز النسخ ووقوعه «٦»، منها قوله سبحانه
стр. 280
وتعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ... «١»، وقوله :
* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ... «٢».
ومن أدلة وقوع النسخ من السنة النبوية، ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄، قال: (قال عمر ﵁: أقرأنا أبي وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي، وذلك أن أبيا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله ﷺ وقد قال الله تعالى* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها) «٣».
أما أنواع النسخ في القرآن، فقد ذكر العلماء المثبتون للنسخ أن النسخ في القرآن على ثلاثة أنواع:
الأول: نسخ التلاوة والحكم معا.
الثاني: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة.
الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم «٤».
وسنبدأ الآن بدراسة بعض الروايات في كتب أهل السنة يساء فهمها.
واتخذت مطعنا على أهل السنة بتحريف القرآن:
الرواية الأولى:
روي عن ابن عبّاس عن عمر ﵁ أنه قال: (إنّ الله بعث محمّدا ﷺ بالحقّ وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل إليه آية الرّجم، فرجم رسول الله ﷺ
стр. 281
ورجمنا بعده، ثمّ قال: كنّا نقرأ: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم)، أو (إنّ كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) «١».
وفي رواية الحاكم من طريق كثير بن الصلت قال: (كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان المصحف، فمرا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فقال عمر: لما نزلت أتيت النبي فقلت: أكتبها، فكأنه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم) «٢».
إن آية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا) هي آية نسخت تلاوتها، (قال ابن حجر: السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها، قلت- أي الإمام السيوطي-: وخطر لي في ذلك نكتة حسنة، وهو أن سبب التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وإن كان حكمها باقيا لأنه أثقل الأحكام وأشدها وأغلظ الحدود، وفيه الإشارة إلى ندب الستر) «٣».
وأورد آية الرجم الإمام الباقلاني بلفظ قريب من الرواية الأولى، وقال:
(روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ بالحق،
стр. 282
وأنزل عليه الكتاب، وكان فيما أنزل الله آيتا الرجم، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، وأن آية الرجم في كتاب الله حق، (والشيخ والشيخة فارجموهما البتة جزاء بما قضيا من الشهوة نكالا من الله والله عزيز حكيم)، قالوا- أي الرافضة-: وهذا تصريح بنقص القرآن.
وهذا الحديث بأن يكون حجة عليهم أولى؛ لأنه آية الرجم لما كانت قرآنا منزلا لم يذهب حفظها على عمر ولا على غيره، وإن كانت منسوخة التلاوة باقية الحكم، والدليل على أنها منسوخة أن جميع الرواة وكل من تكلم في الناسخ والمنسوخ ذكروا نسخها، وذلك حجة قاطعة، ويدل على ذلك أيضا قول عمر بن الخطاب ﵁ في الملأ من الصحابة: لولا أن يقال زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لأثبتها، فلو كانت ثابتة التلاوة لم يقل هذا) «١».
وإن قيل: كيف يقع النسخ إلى غير بدل، وقد قال تعالى:* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها «٢»، وهذا إخبار لا يدخله خلف؟
فالجواب أن تقول: كل ما ثبت الآن في القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته، فكل ما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن فقد أبدله بما علمناه وتواتر إلينا لفظه ومعناه «٣».
إذن إن آية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا)، هي آية نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد ذكرها الإمام السيوطي في الضرب الثالث- في تقسيماته للنسخ- (ما نسخ تلاوته دون حكمه) «٤»، أما ما ذكره الخوئي باتهامه أهل السنة
стр. 283
بحذف آية الرجم ولأنهم يقولون بنسخ التلاوة، فهو مردود «١»، وبدليل ما أوردناه من أدلة على جواز نسخ التلاوة، وكذلك فقد اعترف بهذا النسخ واستدل بهذه الآية كبار علماء الشيعة منهم:
١ - أبو علي الفضل الطبرسي، إذ قال: النسخ في القرآن على ضروب، ومنها ما يرتفع اللفظ ويثبت الحكم كآية الرجم «٢».
٢ - أبو محمد الطوسي الملقب بشيخ الطائفة، إذ قال: النسخ في القرآن من أقسام ثلاثة: منها ما نسخ لفظه دون حكمه كآية الرجم، وهي قوله: (والشيخ والشيخة إذا زنيا) «٣».
٣ - كمال الدين عبد الرحمن العتائقي الحلي، إذ قال: المنسوخ على ثلاثة ضروب: منها ما نسخ خطه وبقي حكمه، فما روي منه: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله) «٤».
٤ - محمد باقر المجلسي، صحح رواية آية الرجم التي بالكافي، وقال: وعدت هذه الآية مما نسخت تلاوتها دون حكمها «٥».
فهذه الآية (الشيخ والشيخة إذا زنيا ... ) غير موجودة في المصحف
стр. 284
العثماني مع أن حكمها معمول به حتى قيام الساعة، وثابت في الشريعة بفعل النبي ﷺ «١».
الرواية الثانية:
عن عمرة «٢» عن عائشة ﵄ أنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرمن)، ثم نسخن (بخمس معلومات) فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن) «٣».
ولا يهمنا ما قاله الخوئي لأن كبار علماء الشيعة أقروا هذا النسخ وقالوا به، منهم أبو جعفر الطوسي الملقب بشيخ الطائفة، إذ قال: ( ... نسخ التلاوة والحكم معا مثل ما روي عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل الله عشر رضعات يحرمن ثم نسخن) «٤».
إذن فبما أن هذه العبارة (عشر رضعات) غير موجودة في المصحف
стр. 285
حتى تتلى كذلك العمل بها غير موجود، فثبت وقوع نسخ التلاوة والحكم جميعا «١».
قال الباقلاني: (وقولها: لقد كانت تقرأ إلى أن مات رسول الله إنما تعني به أنه كان مما يحفظه كثير من الناس، ولم تقل أنه كانت قراءته واجبة، وقد قال الله تعالى:* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها «٢»، فنص أنه ينسخ الآية ويزيلها، وقد ينسخ التلاوة ويبقى الحكم، وينسخ الحكم وتبقى التلاوة، وربما نسخا جميعا) «٣».
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: (ومعناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدا، حتى أنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنا متلوا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى) «٤».
وكذا قال الإمام السيوطي، عند قولها: (فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن)، قال: بأن المراد قارب الوفاة، أو أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فتوفي وبعض الناس يقرؤها) «٥».
وقد يراد من هذا أيضا أنه كان فيما أنزل من شرح القرآن وبيانه، ولا شك أن السنة شارحة للقرآن ومبينة له، قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ