← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37680

الجوانب الصوتية في كتب الاحتجاج للقراءات

عبد البديع النيرباني

Полный текст (346 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

- الإبدال - ١ - ضروب من الإبدال: آ- إبدال السين قبل حروف الاستعلاء صادا: - نحو قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة ٦]، قرأ قنبل بخلف عنه، ورويس: (السّراط) بالسين، وقرأ الباقون عدا حمزة: (الصراط) بالصاد. من قرأ بالسين فهو الأصل، وما جاء على أصله لا يسأل عنه. ومن قرأ بالصاد أبدل من السين حرفا من مخرجها يؤاخي الطاء في الإطباق، وهو الصاد، وهي أخفّ على اللسان وأحسن في السمع، لأن العرب تكره الخروج من تسفّل إلى تصعّد، وتستخفّ الخروج من تصعد إلى تسفل؛ ألا تراهم قالوا: صقت في (سقت)، كراهة الخروج من السين إلى القاف، وقالوا: قست، فلم يبدلوا لخفة الخروج من التصعد إلى التسفل؟ والقراءة بالسين مضارعة لما أجمعوا على رفضه من كلامهم؛ ألا ترى أنهم تركوا إمالة (واقد) ونحوه كراهة أن يصعدوا بالمستعلي بعد التسفل بالإمالة؟ إلا أنهم احتملوا هذا الثقل لأنه أصل «١». وقال الأزهري: «والسين والصاد يتعاقبان في كل حرف فيه غين أو قاف أو طاء أو خاء. فالطاء مثل: بَسْطَةً وبَصْطَةً [البقرة ٢٤٧]، ومثل: مسيطر وبِمُصَيْطِرٍ [الغاشية ٢٢]، والخاء مثل: سلخ الجلد، وصلخه؛ والغين مثل:

стр. 107

مصدغة ومسدغة؛ والقاف مثل: الصّقر والسّقر، وصقع الديك وسقع. روى ذلك الثقات عن العرب.» «١» - ونحو قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان ٢٠]، قال ابن جني في قراءة من قرأ: (وأصبغ) بالصاد: «أصله السين، إلا أنها أبدلت للغين بعدها صادا، كما قالوا في سالغ «٢»: صالغ، وفي سالخ: صالخ، وفي سقر: صقر، وفي السّقر: الصّقر. وذلك أن حروف الاستعلاء تجتذب السين عن سفالها إلى تعاليهن، والصاد مستعلية، وهي أخت السين في المخرج، وأخرى حروف الاستعلاء. وهذا التقريب بين الحروف مشروح الحديث في باب الإدغام، ومنه قولهم في سطر: صطر، وفي سويق: صويق، وحكى يونس عنهم في السّوق: الصّوق، وروينا عن الأصمعي قال: تنازع رجلان في السّقر، فقال أحدهما: بالصاد، والآخر: بالسين، فتراضيا بأول من يجتاز بهما، فإذا راكب يوضع «٣»، فسألاه فقال: ليس كما قلت، ولا كما قلت، إنما هو الزّقر.» «٤» «٥» ب- خلط الصاد الساكنة قبل الدال بالزاي: - ويسمّى الإشمام، وهو إشراب الصاد صوت الزاي «٦». نحو قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء ٨٧]، قرأ حمزة

стр. 108

والكسائي وخلف ورويس بخلف عنه: (أصدق) بإشمام الصاد زاء، وقرأ الباقون بصاد خالصة. قال مكي: «قرأه حمزة والكسائي في الصاد إذا أسكنت وأتت بعدها الدال ... بين الصاد والزاي، لأن الصاد حرف مهموس، وبعدها الدال حرف مجهور، فقرّبت الصاد من الدال بأن خلط لفظها بالزاي، لأنه حرف مجهور مثل الدال، فصار اللسان يعمل في حرفين مجهورين، وحسن ذلك لأن الصاد والزاي من مخرج واحد، ومن حروف الصفير.» «١» - ومن العرب من يخلص الصاد زاء، فيقول في (أصدرت): أزدرت، وفي (القصد): القزد «٢»، وأنشد ابن دريد «٣»: ولا تهيّبني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأزداء بالسّحر «٤» جعلها زاء خالصة، وهي لغة «٥». - ومنهم من يبدل السين هذا الإبدال، وذلك قولهم في (يسدل ثوبه): يزدل ثوبه، لكنه في الصاد أعرف منه في السين «٦» «٧».

стр. 109

ج- إبدال الواو همزة: - نحو قوله تعالى وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ [المرسلات ١١]، قرأ أبو عمرو: (وقّتت) بواو، وقرأ الباقون عدا أبا جعفر بخلف عن ابن الجمّاز: (أقّتت) بهمزة. من قرأ بالواو فهو الأصل، لأنه مأخوذ من الوقت «١»؛ ومن قرأ بالهمز، فلأن كل واو ضمّت ضمة لازمة يجوز إبدالها على الاطّراد همزة، استثقالا للضمة عليها «٢»، نحو قولهم في (وجوه): أجوه؛ وصلّى القوم أحدانا «٣»، أي: وحدانا جمع واحد؛ وفلان بن أدّ، وإنما هو ودّ (فعل) من الودّ «٤»؛ وقولهم في (أدور): أدؤر؛ وفي (أسوق): أسوق؛ وقال الراجز «٥»: لكلّ دهر قد لبست أثؤبا «٦» أراد: أثوبا. - فإذا التقت في أول الكلمة واوان لزم البدل في الأولى، كرهوا الجمع بينهما «٧»، نحو: أواع جمع واعية، والأصل: وواع، وقرأ سعيد بن جبير: (هب لي أويرثا) «٨»، أراد: وو يرثا، تصغير وارث.

стр. 110

- «فأما بدل الهمزة من الواو إذا كانت مكسورة، فإن أبا عمر «١» يزعم أن ذلك لا يجاوز به المسموع، وغيره «٢» يذهب إلى أن بدل الهمزة منها مطّرد كاطّراد البدل من المضمومة.» «٣» ومنه قولهم في (وشاح): إشاح، وفي (وعاء): إعاء، وفي (وجاح): إجاح «٤». - وأما الواو المفتوحة فإبدالها همزة نادر «٥»، قال ابن خالويه: «والأحد بمعنى الواحد، يقال: أحد ووحد وواحد، وامرأة أناة، والأصل: وناة «٦». وليس في كلام العرب واو مفتوحة قلبت همزة إلا هذان عند سيبويه «٧»، وزاد غيره: أين أخيهم؟ يريد: أين سفرهم، والأصل وخيهم «٨»؛ وواحد الآلاء: ألى، والأصل ولى؛ [و] كل مال زكّي ذهبت أبلته، أي: وبلته.» «٩» - فإذا كانت ضمة الواو عارضة لم يجز إبدالها همزة، على أن قوما أبدلوا منها الهمزة، فقالوا: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ [البقرة ١٦]، قال أبو علي:

стр. 111

«وليس إبدال هذه الواو همزة بالقياس، لأن تحريكها بالضم إنما هو لالتقاء الساكنين، والتحريك لالتقاء الساكنين في تقدير السكون. فإذا كان كذلك، فكأنه قد أبدل الهمزة من واو ساكنة، والهمزة لا تبدل من الواو الساكنة. وقد شبّهوا غير اللازم باللازم في مواضع ... » «١» - وشبّهوا الياء بالواو في هذا الإبدال، قال ابن جني في قراءة من قرأ: تَرَيِنَّ [مريم ٢٦] بالهمز: «الهمز هنا ضعيف، وذلك لأن الياء مفتوح ما قبلها، والكسرة فيها لالتقاء الساكنين، فليست محتسبة أصلا، ولا يكثر مستثقله، وعليه قراءة الجماعة: (ترينّ) بالياء لما ذكرنا. غير أن الكوفيين قد حكوا الهمزة في نحو هذا، وأنشدوا: كمشترئ بالحمد أحمرة بترا «٢» نعم، وقد حكي الهمز في الواو التي هي نظيرة الياء في قول الله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ [آل عمران ١٨٦]، فشبّه الياء لكونها ضميرا وعلم تأنيث بالواو من حيث كانت ضميرا وعلم تذكير. وهذا تعذّر ما وليس قويا ... » «٣» «٤»

стр. 112

د- إبدال أحد حرفي التضعيف حرف علة: - نحو قوله تعالى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة ٢٥٩]، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف بحذف الهاء وصلا وإثباتها وقفا، وقرأ الباقون بإثباتها ساكنة وصلا ووقفا. يحتمل (لم يتسنه) وجهين: إما أن يكون مأخوذا من السنة، والمعنى لم تأت عليه السنون فتغيره، و (السنة) يجتذبها أصلان: الواو والهاء، يقال: اكتريت غلامي مساناة ومسانهة، فإن كان من (س ن هـ)، فالهاء لام الفعل، وسكونها علامة الجزم؛ وإن كان من (س ن و)، فالهاء للسكت، ولام الكلمة حذفت للجزم. وإما أن يكون مأخوذا من حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر ٢٦]، أي: متغيّر، يقال: سنّ اللحم إذا تغيّر ريحه، فيكون أصل (يتسنه): يتسنّن، أبدلوا من النون الأخيرة ياء لاجتماع ثلاث نونات، وقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت للجزم، والهاء للسكت «١». - وجاء من هذا الإبدال قدر صالح، نحو (دينار) لقولهم: دنانير، و (قيراط) لقولهم: قراريط، و (ديماس) فيمن قال: دماميس «٢»، و (ديباج) فيمن قال: دبابيج «٣»، و (شيراز) فيمن قال: شراريز «٤»، وقال الشاعر «٥»:

стр. 113

يا ليتما أمّنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنّة أيما إلى نار «١» أراد: أمّا. وأنشد أبو زيد «٢»: «٣» فآليت لا أشريه حتى يملّني ... بشيء ولا أملاه حتى يفارقا «٤» أراد: ولا أملّه. وقالوا في (تقضّض): تقضّى، قال العجّاج «٥»: تقضّي البازي إذا البازي كسر «٦» وفي (تظنّن): تظنى «٧»، قال الشاعر «٨»:

стр. 114

وهذا إذ سمعت تجيب عنه ... ولم تمض الحكومة بالتظني وحكى ثعلب «١»: لا وربيك «٢» لا أفعل، أي: لا وربّك. وقرئ: فذانيك [القصص ٣٢]، والوجه أنه شدّد النون من (ذانك) تعويضا عن حذف ألف (ذا)، ثم أبدل من النون الثانية ياء لثقل التضعيف. وقال تعالى: ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى [القيامة ٣٣]، أي يتمطّط من المطيطاء «٣». وقال تعالى: وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس ١٠]، أي: دسّسها. - غير أن أبا علي جعل هذا الإبدال منوطا بالسماع، قال: «وليس كل المضاعف يبدل من حروف التضعيف منه، وإنما يبدل فيما سمع.» «٤» «٥» «٦»

стр. 115

٢ - أثر المجاورة في الإبدال: - كثير من الإبدال يكون عن مجاورة صوت لآخر يتأثر به في بعض صفاته طلبا للتشاكل، نحو قوله تعالى: حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ [القصص ٢٣]، قرأ حمزة والكسائي ورويس وخلف بإشمام الصاد زاء، قال ابن أبي مريم: «والوجه أن الصاد حرف مهموس، وقد جاور الدال، وهو حرف مجهور، فتباعدا، فأرادوا المقاربة بينهما، فأشموا الصاد الزاي، والزاي حرف مجهور، ليحصل بينهما تقارب من جهة الجهر.» «١» - فإذا حجز بين الصوتين حاجز بطل الإبدال أو ضعف، وقد يكون الحاجز صائتا أو صامتا أو أكثر. وضعّف أبو علي قراءة من أخلص الصاد زاء في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة ٦] بأن من أبدل الصاد زاء في نحو: (أصدرت) إذا تحركت الصاد نحو: (صدر) لم يبدل، لحجز الحركة، فألا يبدل مع طول الفصل بالحرف والحركة في (الصراط) أولى. قال: «فأما القراءة بالزاي فليس بالوجه، وذلك أن من قال في (أصدرت): أزدرت، وفي (القصد): القزد، فأبدل من الصاد الزاي، فإنه إذا تحركت الصاد في نحو: صدرت وصدقت، لم يبدل. فإذا لم يبدلوا الصاد زاء إذا تحركت مع الدال، وكانت الطاء في (الصراط) مثل الدال في (القصد) في حكم الجهر، فكذلك ينبغي ألّا تبدل من السين الزاي في (سراط) من أجل الطاء، لأنها قد تحركت كما تحركت في (صدقت)، مع أن بينهما في (سراط) حاجزين، وقد قال سيبويه «٢»: إذا قال: مصادر، فجعل

стр. 116

بينهما حرفا، ازداد التحقيق حسنا وكثرة. يريد: يزداد التحقيق للصاد كثرة إذا وقع الفصل بالحرف على التحقيق إذا وقع الفصل بحركة نحو: صدق. وإنما لم تبدل في الموضعين لمّا فصلت الحركة أو الحرف، لأن التبيين وتصحيح الصاد في (قصد) و (أصدرت) قد كان يجوز ولا حاجز بينهما، فلما وقع الفصل وحجزت الحركة أو الحرف امتنع ما كان يجوز من قبل. ألا ترى أن المتقاربين إذا وقعا في كلمة واحدة ففصل بينهما الحركة بيّن، وذلك نحو وتد، ومن أدغم قدّر فيه الإسكان، مثل فخذ، فأدغم على ذلك؟ فكما لم يقو الإدغام ولم يكثر مع حجز الحركة، كذلك لا يقوى البدل مع حجز الحركة، لاجتماع الموضعين في أن القصد فيهما تقريب حرف من حرف.» «١» ٣ - غايتا الإبدال: - يأتي الإبدال لتحقيق إحدى غايتين، هم ا: المماثلة ، والمخالفة. آ- المماثلة «٢»: - قال أبو علي في الاحتجاج لمن أبدل السين صادا في (الصراط) من قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة ٦]: «وجه قول من أبدل من السين الصاد في هذه المواضع أن الطاء حرف مستعل يتصعّد من مخرجها إلى الحنك، ولم يتصعد السين تصعدها، فكره التصعّد من التسفّل، فأبدل من السين حرفا من مخرجها في تصعد الطاء، فتلاءم الحرفان، وصار كل واحد منهما وفق صاحبه في التصعد، فزال بالإبدال ما كان يكره من التصعد عن التسفل.» «٣» - وقال في الردّ على من قد يعترض عليه في تفضيله القراءة بالصاد على

стр. 117

القراءة بالسين بأن السين الأصل: «فإن قلت: إن السين الأصل ... قيل: الألف أيضا أصلها ألّا تمال، ولكن لمّا وقعت مع الكسرة والياء فأريد مجانسة الصوتين وملاءمتهما أميلت، وترك الأصل الذي هو التفخيم والتحقيق لها. فكذلك في باب صراط وصويق وصالخ وصالغ، لما أريد فيه ذلك ترك الأصل إلى تشاكل الصوتين وتجانسهما. وقد تركوا في غير هذا لما ذكرت لك ما هو أصل في كلامهم إلى ما ليس بأصل، طلبا لاتفاق الصوتين.» «١» - وقال مكي في نحو هذا الإبدال عند قوله تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ [البقرة ٢٤٥]: «وحجة من قرأ بالسين أنه الأصل ... وحجة من قرأ بالصاد أن السين حرف مستفل غير مطبق. فلما وقعت بعده الطاء، وهي مطبقة مستعلية، صعب أن يخرج اللافظ من تسفّل إلى تصعّد ... فأبدل منها حرف يؤاخي السين في المخرج والصفير، ويؤاخي الطاء في الإطباق والاستعلاء، وهو الصاد، فكأن السين التي هي الأصل لم تزل، إذ قد خلفها حرف من مخرجها ومن صنفها في الصفير، فعمل اللسان بذلك عملا واحدا، متصعدا منطبقا بالحرفين معا ... » «٢» ب- المخالفة «٣»: - نحو قوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ [آل عمران ٦٦]، قرأ قنبل بخلف عنه: (هأنتم) بوزن (هعنتم). ذكر في الاحتجاج لهذه القراءة وجهان: الأول: أن يكون الأصل: ها أنتم، فتكون (ها) حرف تنبيه دخلت على (أنتم)، ثم حذفت الألف من (ها) لكثرة الاستعمال.

стр. 118

والآخر: أن يكون الأصل: أأنتم بهمزتين الأولى منهما للاستفهام، أبدلت هاء لكراهة الجمع بينهما، كما قيل في (أرقت): هرقت ١، وفي (إياك): هيّاك «١»، وفي (أهل): آل «٢» «٣». - وقال ابن خالويه: «فإن قيل: كيف تجمع واعية؟ فقل: أواعي، والأصل: وواعي، فكرهوا الجمع بين واوين، فجعلوا الأولى همزة.» «٤» - وقال أبو علي: «وجه ما روي من قوله تعالى: فذانيك [القصص ٣٢] أنه أبدل من النون الثانية الياء كراهية التضعيف، وحكى أحمد بن يحيى: لا وربيك ما أفعل، يريد: لا وربّك، وأنشد أبو زيد «٥»: فآليت لا أشريه حتى يملّني ... بشيء ولا أملاه حتى يفارقا يريد: لا أملّه، فأبدل من التضعيف الألف، كما أبدل منه الأول الياء، وقيل في قوله تعالى: ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى [القيامة ٣٣]، أي: يتمطّط، من المطيطاء ... » «٦» ٤ - شرط الإبدال: - شرط الإبدال أن يكون فيما تقارب من الأصوات في المخارج أو الصفات «٧»، وأمن فيه اللّبس، لذا كرهوا الإبدال بعد الإبدال.

стр. 119

قال ابن جني في قراءة من قرأ: عتّى حين [يوسف ٣٥] بإبدال الحاء من (حتّى) عينا: «العرب تبدل أحد هذين الحرفين من صاحبه لتقاربهما في المخرج، كقولهم: بحثر ما في القبور [العاديات ٩] «١»، أي: بعثر؛ وضبعت الخيل، أي: ضبحت؛ وهو يحنظي ويعنظي: إذا جاء بالكلام الفاحش. فعلى هذا يكون (عتى) و (حتى) ... » «٢» وقال أبو البقاء في قوله تعالى: ثَجَّاجاً [النبأ ١٤]: «يقرأ بخاء مكان الجيم بعد الألف، ولا أعرف لها وجها في لغة، فإن جعلت الخاء بدلا من الجيم، كان بعيدا، لبعد ما بين الخاء والجيم.» «٣» فهذا تقارب الأصوات في المخارج، وقد يكون هذا التقارب في الصفات: قال ابن جني في قراءة من قرأ: فشرّذ بهم من خلفهم [الأنفال ٥٧] بالذال: «لم يمرر بنا في اللغة تركيب (ش ر ذ)، وأوجه ما يصرف إليه ذلك أن تكون الذال بدلا من الدال، كما قالوا: لحم خرادل وخراذل «٤»، والمعنى الجامع لهما أنهما مجهوران ومتقاربان.» «٥» ونقل أبو علي عن أبي بكر بن السراج في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة ٦]، قوله: «والاختيار عندي الصاد، للخفة، والحسن في السمع، وهو غير ملبس، لأن من لغته هذا إذا كان يتجنب السين مع الطاء لم يقع عليه لبس، لأن السين كأنها مهملة في الاستعمال عنده مع الطاء، وإنما يقع الإلباس لو التبست كلمة بالسين بكلمة بالصاد في معنيين مختلفين.» «٦»

стр. 120

وقال أبو علي في الموضع نفسه: «ومما يحتجّ به من أخلص الصاد وحقّقها على من ضارع بها الزاي أن يقول: الحرف قد أعلّ مرة بالقلب، فلا تستقيم المضارعة، لأنها إعلال آخر، وقد رأيتهم كرهوا الإعلال في الحرفين إذا تواليا «١»، فإذا لم يوالوا بين إعلالين في حرفين مفترقين، فألّا يوالوا بين إعلالين في حرف واحد أجدر. ويقوّي ذلك أنهم حذفوا النون من نحو: بلعنبر «٢»، وبلحارث «٣»، ولم يحذفوا من (بني النجّار) مع توالي النونات، حيث كانت اللام قد اعتلت بالقلب، لئلا يتوالى إعلالان: الحذف، والقلب، وإن كانا من كلمتين مفترقتين «٤». فإذا كره في هذا النحو، كان توالي إعلالين في حرف واحد أبعد.» «٥» ٥ - الأصل والفرع في الإبدال: - يعرف الأصل من الفرع في الإبدال بأن الآخر أخفّ من الأول، وأنه يحقّق من التجانس ما لا يحققه الأول. قال المهدوي: «فإن قال قائل: ما الدليل على أن أصل (السراط) السين، وهلا قلت: إن أصله الصاد؟ قيل له: الدليل على ذلك أنه قد استعمل بالسين في الكلام والقرآن، فلو كان أصله الصاد لم تقلب الصاد إلى السين، لأن العرب إنما تستعمل القلب وما أشبهه إرادة الخفة والتجانس، فلم يكونوا ليتركوا الصاد التي هي مجانسة للطاء وهي الأصل، ويجعلوا موضعها السين وهي حرف مهموس،

стр. 121

فيكون الأصل على هذا أخف مما قلب الحرف إليه؛ ألا تراهم يميلون في قولك: مررت بقارب لما كان المستعلي أولا فيتصعدون به ثم يتسفلون بالإمالة، ولا يميلون في قولك: مررت بناتق كراهة أن يتسفلوا بالإمالة ثم يخرجوا إلى التصعد بالمستعلي. فهذا يدلّك على أن أصل (الصراط) السين، وأنهم إنما قلبوها صادا إرادة الخفة والتجانس. ومثل قلبهم السين صادا للخفة إمالتهم الألف نحو الياء إذا جاورها ياء أو كسرة، أو كانت منقلبة عن ياء أو مشبهة بذلك.» «١» - ويعرف الأصل من الفرع في الإبدال أيضا بسعة تصرف الأول إذا ما قورن بالآخر. قال ابن جني: «يقال: الثوم والفوم بمعنى واحد، كقولهم: جدث وجدف، وقام زيد ثم عمرو، ويقال أيضا: فمّ عمرو «٢». فالفاء بدل فيهما جميعا؛ ألا ترى إلى سعة تصرف الثاء في (جدث)، لقولهم: أجداث، ولم يقولوا: أجداف، وإلى كثرة (ثمّ) وقلة (فمّ)؟» «٣» - وقد يكثر البدل حتى يتوهمه أهل اللغة أصلا، قال أبو علي: «وقالوا: الدّكر بالدال، حكاه سيبويه «٤»، والقياس: الذّكر بالذال المعجمة، وكذلك روي بيت ابن مقبل «٥»:

стр. 122

. ... ... ... ... من بعض ما يعتري قلبي من الدّكر «١» لمّا كثر تصرف الكلمة بالدال، نحو: (ادّكر)، و (هل من مدّكر)، وقال «٢»: ... ... ... ... ... وبدّلت شوقا بها وادّكارا «٣» أشبهت تقوى وتقيّة وتقاة وهذا أتقى من هذا، وفي التنزيل: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف ٤٥]، وفيه: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر ١٥].» «٤»

стр. 123

- القلب المكاني - ١ - توطئة: - يكون في النّفس قبل نطق الكلمة تصور للحركات التي على اللسان أن يقوم بها مرتبة على ترتيب الأصوات في تلك الكلمة، لكن اللسان قد يتعثر في التزام هذا الترتيب، لاضطرابات عضوية أو نفسية، فيقدم بعض الأصوات على بعض، وهذا ما يعرف عند اللغويين بالقلب المكاني، وهو شائع في لغة الأطفال. على أن من هذا القلب ما تتقبّله الجماعة اللغوية، فيتجاوز الخطأ الفردي، ليمسي تغيّرا سائغا يضاف إلى متن اللغة «١». ٢ - ما قيل فيه بالقلب: آ- الأفعال: - بضّ- ضبّ «٢». - جذب- جبذ «٣». - حجا- حاج «٤». - رأى- راء، ومنه: استراء «٥».

стр. 124

- ساء- سأا، ومنه: مسائية «١». - شأا- شاء «٢». - شذّر- شرّذ «٣». - صرى- صار «٤». - ما أطيبه- ما أيطبه «٥». - عثى- عاث «٦». - قفا- قاف «٧». - كان- وكن «٨». - نأى- ناء «٩». - واخذ- خاوذ «١٠». - يئس- أيس، ومنه: استأيس «١١».

стр. 125

ب- الأسماء: * بين النقص والصحة: - البازي- الباز «١». - الجواري- الجوار (الجوائر) «٢». - أدون- أدنى «٣». - السائر- الساري «٤». - الشائع- الشاعي «٥». - الشائك- الشاكي «٦». - الصالي- الصال (الصائل) «٧». - العائد- العادي «٨». - الغواشي- الغواش (الغوائش) «٩». - النّسى- النّاس «١٠».

стр. 126

- النائع- الناعي «١». - الهائر- الهاري «٢». * في أسماء لم تستعمل أصولها: - أيائم- أيامى «٣». - حنووت- حانوت «٤». - طغيوت أو طغووت- طاغوت «٥». - قووس- قسيّ «٦». - كيلة- ليكة «٧». - أنوق- أينق «٨».

стр. 127

* في أسماء مركبة: - لعمرك- رعملك «١». - كأيّ- كائن «٢». * في غير ما مضى: - أنا- آن «٣». - أبآر- آبار «٤». - حجر- حرج «٥». - أدور- آدر «٦». - رئي- ريء «٧». - الصّقع- الصّعق «٨». - ضياء- ضئاء «٩».

стр. 128

- تهيورة (تفعولة) - تيهورة ١. - هيوورة (فيعولة) - ويهورة- تيهورة «١». - وجه- جاه «٢». ٣ - في فقه القلب: - ما جاء في كتب الاحتجاج من فقه القلب قليل نادر، ومنه أن الأصل في القلب يعرف بسعة تصرفه «٣»، قال أبو علي: «ومن قال: استأيس الرّسل [يوسف ١١٠] قلب العين إلى موضع الفاء فصارت: استعفل، ولفظه: استأيس، ثم خفف الهمزة وأبدلها ألفا ... وقد قلب هذا الحرف في غير هذا الموضع، قالوا: أيس يأيس، وهذا مقلوب من يئس ييأس، وهو الأصل، يدلّك على ذلك أن المصدر لا نعلمه جاء إلا على تقديم الياء ... » «٤» - ومنه أيضا أن القلب يكون في الكلمة الواحدة، أو فيما هو كالكلمة الواحدة إذا كثر استعمالها، قال أبو علي: «فأما قوله: كَأَيِّنْ [الطلاق ٨] وقراءة من قرأ

стр. 129

بذلك، فالأصل: كأيّ، كما أن الأصل في (كذا) أنه كاف دخلت على الاسم، إلا أنه لما لزم الاسم، وكثر الكلام به، صارت الكلمتان بمنزلة كلمة واحدة، كما أن (لعمري) لما لزمت فيه الاسم اللام، وصارت معه كالكلمة الواحدة- استجازوا فيها القلب، فقالوا: لعمري ورعملي، فقلبت كما قلب (قسيّ) ونحوه من المفرد، قلب على هذا الحدّ أيضا (كأيّ)، فقالوا: كائن ... » «١» - وتجدر الإشارة إلى أن أغلب ما قال فيه أصحاب الاحتجاج بالقلب جاء عندهم بصيغة الظنّ لا القطع، كقول أبي البقاء: «قوله تعالى: وَلا تَقْفُ [الإسراء ٣٦] ... ويقرأ بضم القاف وسكون الفاء، وماضيه قاف، قيل: هو مقلوب من (قفا يقفو) إذا تتبّع ... » «٢» وقول ابن جني: «وقد وكن يكن وكونا فهو واكن، وجمعه وكون، كقاعد وقعود ... وكأنه من مقلوب الكون، لأن الكون الاستقرار، وعليه قالوا: قد تكوّن في منزله واستقر.» «٣» وقول أبي البقاء: «قوله: غَواشٍ [الأعراف ٤١] ... ويقرأ بضم الشين، وهو بعيد، لأنه الآن فواع، وكأنه جعله اسما تاما على (فعال)، ويجوز أن يكون مقلوبا، أي: غوايش، كما قالوا: جُرُفٍ هارٍ [التوبة ١٠٩] وهاير، ثم حذف الياء.» «٤» وقول ابن أبي مريم: «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ [الذاريات ٤٤] بالألف، مكسورة العين، قرأها القراء جميعا إلا الكسائي ... وقرأ الكسائي وحده: (الصّعقة) بإسكان العين من غير ألف ... ويمكن أن يكون الأصل في الكلمتين مقلوب الصّقع، وهو ضرب له صوت شديد.» «٥»

стр. 130

- الحذف - - أكثر ما جاء فيه الحذف في كتب الاحتجاج: المضعّف، وإحدى التاءين المبدوء بهما المضارع، والتنوين. ١ - المضعّف: - نحو قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [آل عمران ٢٧]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة: (الميت) بالتخفيف في الموضعين، وقرأ الباقون: (الميّت) بالتضعيف. من شدّد فهو على أصل الكلمة «١»، ومن خفّف استثقل تشديد الياء مع كسرها، فحذف إحدى الياءين، وهي الثانية «٢»، إذ كان حذفها لا يخلّ بلفظ الكلمة ولا يحيل معناها. ونحوه قولهم في (أيّم): أيم، وفي (أيّن): أين «٣»، وفي (ضيّق): ضيق، وفي (طيّف): طيف، وفي (ليّن): لين، وفي (هيّن): هين. ولا فرق في المعنى بين (الميّت) مثقلا و (الميت) مخففا. قال الشاعر «٤»:

стр. 131

ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء «١» فأوقع المخففة والمشددة على شيء واحد «٢» «٣» «٤». - ونحو قوله تعالى: قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ [الأنعام ٨٠]، قرأ نافع وابن ذكوان وهشام بخلف عنه وأبو جعفر: (أتحاجّوني) بالتخفيف، وقرأ الباقون: (أتحاجّونّي) بالتشديد. الأصل عند من خفف النون أو شددها: (أتحاجّونني) بنونين، فمن شدّد فإنه أدغم إحدى النونين في الأخرى، ومن خفّف حذف إحدى النونين «٥»،

стр. 132

استثقالا للجمع بينهما وكراهة التضعيف. ومثله: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ «١» [الحجر ٥٤]، وتشاقّون فيهم «٢» [النحل ٢٧]، وتَأْمُرُونِّي «٣» [الزمر ٦٤]. وهما لغتان أجودهما تشديد النون، والتخفيف لغة لغطفان «٤» «٥». - ونحو قوله تعالى: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ [الأعراف ١٩٦]، قرأ السوسي بثلاثة أوجه: الأول: (وليّ الله) بالتخفيف والفتح. والثاني: (وليّ الله) بالتخفيف والكسر. والثالث: (وليّي الله) بالثقيل كقراءة الباقين. الأصل: (وليّي) بثلاث ياءات، الأولى ياء فعيل، والثانية أصلية، وهي لام الكلمة، والثالثة ياء الإضافة إلى النفس. ومن قرأ: (وليّ الله) حذف الياء الوسطى، كما يحذف من (عطيّ) تصغير (عطاء) «٦»، شبّه المنفصل بالمتصل، وكما يحذف من قولهم: ما باليت بالة،

стр. 133

والأصل: بالية «١»؛ وأدغم الأولى في الثالثة وفتحها كما قالوا: إليّ وعليّ ولديّ بفتح الياء. ومن قرأ: (وليّ الله) أسقط ياء الإضافة لأنه أسكنها ولقيت ساكنا آخر، والكسرة دالّة عليها «٢». - ونحو قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب ٣٣]، قرأ نافع وعاصم وأبو جعفر: (وقرن) بفتح القاف، وقرأ الباقون: (وقرن) بكسرها. من قرأ بالفتح فالأصل: (أقررن) بفتح الراء الأولى، من (قررت بالمكان أقرّ)، وهي لغة في (قرّ يقرّ)، حكاها الكسائي والأخفش «٣» وأنكرها المازني «٤»، فاستثقل التضعيف في الكلمة، فحذفت الراء الأولى ونقلت فتحتها إلى القاف، فاستغني عن ألف الوصل، فبقي: (قرن)، كما قيل: ظلت ومست، والأصل: ظللت ومسست «٥».

стр. 134

قال الشاعر «١»: خلا أنّ العتاق من المطايا ... أحسن به فهنّ إليه شوس «٢» أراد: أحسسن. ومن قرأ بالكسر احتمل وجهين: الأول: أن أصله: (أقررن) بكسر الراء الأولى، من (قررت بالمكان أقرّ)، وهي اللغة المشهورة، فاستثقل التضعيف في الكلمة، فحذفت «٣» الراء الأولى ونقلت كسرتها إلى القاف، فاستغني عن ألف الوصل، فبقي: (قرن). والآخر: أنه من (وقر يقر قرن)، من الوقار، مثل: (وعد يعد عدن) «٤» «٥». ٢ - إحدى التاءين المبدوء بهما المضارع: - نحو قوله تعالى: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [الأعراف ٣]، قرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف: (تذكّرون) بالتخفيف، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة وأبو جعفر ويعقوب: (تذّكّرون) بالتشديد.

стр. 135

الأصل في التخفيف والتشديد: (تتذكرون) بتاءين، فمن شدّد الذال فإنه أدغم التاء الثانية في الذال للمقاربة «١»، ومن خفّف فإنه حذف إحدى التاءين استثقالا للجمع بينهما مع قرب الذال منهما، وكراهة الإدغام وثقله. ومثله قوله تعالى: تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ [البقرة ٨٥]، وتساءلون به [النساء ١]، وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ [الفرقان ٢٥]. - واختلف في التاء المحذوفة، فقال سيبويه: الثانية «٢»، وقال هشام «٣»: الأولى «٤»، وقال الفراء: إحداهما بلا تعيين. لكن الأكثر على أن المحذوفة الثانية، لأن الأولى تدل على معنى الاستقبال فلا يجوز حذفها، والثانية من جملة الكلمة، فإذا حذفت دلّ ما بقي من الكلمة عليها «٥». وكلا الوجهين العلة فيهما واحدة، وهي الخفة، غير أن الحذف أخفّ من الإدغام، والدلالة على المعنى قائمة، فلهذا كان الحذف في مثل هذه الكلمة أكثر من الإدغام «٦» «٧».

стр. 136

وشبهوا الياء والنون من أحرف المضارع بالتاء في حذف ما بعدها، قال ابن جني في قراءة من قرأ: يُوقَدُ [النور ٣٥]: «وذلك أن أصله يتوقّد، فحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين في أول الفعل، وهما الياء والتاء المحذوفة، والعرف في هذا أنه إنما تحذف التاء إذا كان حرف المضارعة قبلها تاء، نحو: (تفكرون) و (تذكّرون)، والأصل: تتفكرون، وتتذكرون، فيكره اجتماع المثلين زائدين، فيحذف الثاني منهما طلبا للخفة بذلك، وليس في (يتوقد) مثلان فيحذف أحدهما، لكنه شبّه حرف مضارعة بحرف مضارعة ... «١» ونحو من هذا من قرأ «٢»: نجي المؤمنين [الأنبياء ٨٨]، وهو يريد: ننجّي المؤمنين، فحذف النون الثانية وإن كانت أصلية، وشبهها لاجتماع المثلين بالزائدة «٣»، فهذا تشبيه أصل بزائد لاتفاق اللفظين، والأول تشبيه حرف مضارعة بحرف مضارعة، لا لاتفاق اللفظين، بل لأنهما جميعا زائدان.» «٤» ٣ - التنوين: - نحو قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة ٣٠]، قرأ عاصم والكسائي ويعقوب: (عزير ابن الله) بالتنوين، وقرأ الباقون: (عزير ابن الله) بحذفه.

стр. 137

من قرأ بالتنوين جعل (عزير) مبتدأ، و (ابن) خبره؛ ومن قرأ بحذفه احتمل وجهين «١»: الأول: أن يكون (ابن) نعتا ل (عزير)، وهو مبتدأ أو خبر، أي: صاحبنا عزير بن الله، أو عزير بن الله صاحبنا. والآخر: أن يكون (عزير) مبتدأ، و (ابن) خبره، كالقراءة الأولى، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، تشبيها له بحروف المدّ. ومثله قول الراجز «٢»: لتجدنّي بالأمير برّا ... وبالقناة مدعسا مكرّا إذا غطيف السّلميّ فرّا «٣» أراد: غطيف السلمي. وقول الشاعر «٤»: تذهل الشّيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء «٥»

стр. 138

أراد: عن خدام العقيلة «١» «٢». - ونحو قوله تعالى: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ [يس ٤٠]، قال ابن جني: «وأخبرنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس، قال: سمعت عمارة يقرأ: (ولا الليل سابق النهار)، فقلت له: ما أردت؟ فقال: أردت: سابق النهار، فقلت له: فهلّا قلته! فقال: لو قلته لكان أوزن. يريد: أقوى وأقيس.» «٣» - ونحو قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص ١ - ٢]، روي عن أبي عمرو وغيره: (أحد الله) بحذف التنوين. قال أبو علي: «فأما من قال: (أحد الله) فحذف النون، فإن النون قد شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن، وفي أنها تدغم فيهن كما يدغم كل واحد من الياء والواو في الأخرى، وفي أنها قد أبدلت منها الألف في الأسماء المنصوبة، وفي الخفيفة «٤»، وأبدلت من الواو في صنعاني «٥». فلما شابهت حروف اللين ضروبا من هذه المشابهات، أجريت مجراها في أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين، كما حذفت الألف والواو والياء لذلك في نحو: رمى القوم، ويغزو القوم، ويرمي القوم؛ ومن ثم حذفت ساكنة في الفعل كما حذف من نحو: لَمْ يَكُ [الأنفال ٥٣]، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ [هود ١٠٩]، فحذف في (أحد الله) لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف.» «٦» «٧»

стр. 139

ثانيا- التغيرات الخاصة: - الهمزة - - ولها حالان: التحقيق، والتخفيف. ١ - التحقيق: - وهو إعطاؤها حقّها في النطق، وهو الأصل. وقد يزاد على التحقيق، فيهمز ما ليس أصله الهمز، نحو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً [يونس ٥]، قرأ قنبل عن ابن كثير: (ضئاء) بهمز وأصلها واو. قال ابن خالويه: «وكأن ابن كثير شبّه (ضئاء) حيث قرأ بهمزتين بقوله: رِئاءَ النَّاسِ [البقرة ٢٦٤].» «١» «٢» وقوله تعالى: وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها [النمل ٤٤]، قرأ قنبل: (سأقيها) بهمز الألف وأصلها واو. قال ابن خالويه: «وذلك أن العرب تهمز بعض ما لا يهمز تشبيها بما يهمز، فيقولون: حلّأت السّويق، والأصل: حلّيت، تشبيها ب (حلّأت) الإبل عن الماء «٣»؛ [و] يقولون: رثأت الميت، والأصل: رثيت، تشبيها بالرّثيئة، وهي اللّبن «٤»؛ ويقولون: لبّأت لفلان، والأصل: لبّيت، تشبيها

стр. 140

باللّبأ «١»؛ ويقولون: نشئت ريحا «٢»، وأصله ترك الهمزة؛ وقرأ أبو جعفر: اهتزّت وربأت [الحج ٥]، تشبيها بالربيئة، وهو من ربأت القوم، إذا كنت لهم حافظا وعينا.» «٣» «٤» وتحدّث د. رمضان عبد التواب عن هذه الظاهرة تحت ما سمّاه (الحذلقة) في اللغة «٥»، ورأى أنه: «بعد أن صار الهمز شعار العربية الفصحى، تسابق العرب في النطق به، فأدى ذلك إلى همز ما ليس أصله الهمز، مبالغة في التفصّح، لأنه إذا كانت (فقأت عينه) فصيحة و (فقيت) غير فصيحة، و (وجأت بطنه) فصيحة و (وجيت) غير فصيحة- فإنه لا مانع من تحوّل: (حلّيت السويق) و (لبّيت بالحج) و (رثيت زوجي) إلى: حلّأت ولبّأت ورثأت، عن طريق القياس الخاطئ، مبالغة في التفصح.» «٦» ٢ - التخفيف: - تخفيف الهمز لغة أهل الحجاز «٧». - وأما اختصاص الهمز بالتخفيف من بين سائر الحروف، فلثلاثة أشياء: - ثقل الهمزة: قال ابن أبي مريم: «اعلم أن الهمزة لمّا كانت خارجة من أقصى الحلق، استحبت العرب تخفيفها استثقالا لإخراج ما هو

стр. 141

كالتهوّع «١».» «٢» «٣» - وكثرتها في الكلام «٤». والشيء إذا كثر استعماله كان بالتخفيف أولى من غيره «٥». - وأن تخفيفها لا يخلّ باللفظ، وذلك لأنه يكون في غالب الأمر بإقامة ما يدل عليها، من حرف مدّ أو نقل حركة ... «٦» - وتخفيف الهمز إما واجب أو جائز، فالواجب نحو: (آمن) و (أوتي) و (آتنا)، ولا اختلاف فيه بين القراء، بخلاف الجائز «٧»، والحديث هنا عنه. - وخصّ بعض القراء تخفيف الهمز بالوقف، وخصّه بعضهم الآخر بإدراج القراءة: - فوقف حمزة على الهمز بالتخفيف، ووافقه هشام في المتطرفة خاصة. قال المهدوي: «علة حمزة وهشام في تخفيفهما الهمزة المتطرفة في الوقف دون الوصل، أن الوقف موضع استراحة، ومن شأن الواقف في أغلب الأمر ألا يقف إلا بعد فتور صوته وانقطاع نفسه. فإذا كانت الهمزة طرف الكلمة [و] وقف عليها، وقد فتر صوته- حاول أن يخرج حرفا قويا جلدا بعيد المخرج بصوت فاتر ضعيف منقطع، وذلك متعذر، فأخذا حينئذ بلغة أصحاب التخفيف لما

стр. 142

دعتهما الضرورة إليه. فإذا وصلا الكلمة بما بعدها، فالصوت يقتدر بقوته وجريانه على إخراج الهمزة من مخرجها، فاستغنيا حين لم تدع الضرورة إلى التخفيف، وجريا على أصلهما في تحقيق الهمزة. هذه العلة في الهمزة إذا كانت طرف الكلمة. فإذا كانت في وسط الكلمة نحو: مَآرِبُ [طه ١٨]، وتَؤُزُّهُمْ [مريم ٨٣]، فلحمزة في تخفيفها علتان: إحداهما: أن الصوت يفتر عندها بعض الفتور لقربها من الطرف، فأجراها مجرى المتطرفة لذلك. والأخرى: أنه لمّا حكم في المتطرفة بحكم التخفيف، أتبعها المتوسطة لقربها منها.» «١» - وخفف أبو عمرو كل همزة ساكنة «٢» إذا أدرج القراءة، أو قرأ في الصلاة. قال المهدوي: «علة أبي عمرو في تركه الهمزة الساكنة إذا أدرج القراءة أو

стр. 143

قرأ في الصلاة، أنه أراد التخفيف، إذ درج القراءة والصلاة لا يستحسن القراء استعمال ما ثقل من القراءة فيهما. وخصّ بذلك الهمزة الساكنة دون المتحركة، لأنها أثقل من المتحركة؛ ألا ترى أنهم أجمعوا على إبدالها إذا اجتمعت مع همزة أخرى متحركة نحو: آدم وآخر، ولم يجمعوا على الإبدال إذا كانتا متحركتين نحو (أئمة)؟ فذلك لأن الساكنة أثقل من المتحركة. وقد قيل المتحركة أثقل، وخصّ [الساكنة ب] التسهيل، لجريها في التسهيل على سنن واحد وهو البدل.» «١» - ولتخفيف الهمز ضربان: الأول: قياسي، وهو ما يجري على أصول مطّردة. والآخر: سماعي، وهو بخلافه. . التخفيف القياسي: - وله ثلاثة أوجه: الإبدال، والنقل، والتسهيل بين بين. - الإبدال: - إذا كانت الهمزة ساكنة سكونا لازما أو عارضا للوقف، فتخفيفها بإبدالها حرف مدّ من جنس حركة الحرف الذي قبلها، نحو: اقرأ- اقرا، هيّئ- هيّي، لم يسؤ- لم يسو؛ امرؤ- امرو، الملأ- الملا، يبدئ- يبدي. - وإذا كانت بعد واو أو ياء ساكنتين زائدتين، فتخفيفها بإبدالها حرفا من مثل ما قبلها مع الإدغام، نحو: قروء- قروّ، بريء- بريّ. - وإذا كانت بعد واو أو ياء ساكنتين أصليتين، فأحد وجهي تخفيفها

стр. 144

بإبدالها حرفا من مثل ما قبلها مع الإدغام، نحو: سوء- سوّ، شيء- شيّ. - وإذا كانت مفتوحة بعد ضم، فتخفيفها بإبدالها واوا مفتوحة، نحو: فؤاد- فواد؛ أو بعد كسر، فتخفيفها بإبدالها ياء مفتوحة، نحو: مائة- مية. - النقل: - إذا كانت الهمزة بعد ساكن: صحيح، أو علة ليس ألفا ولا زائدا، فتخفيفها بحذفها ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، نحو: القرآن- القران، قد أفلح- قد فلح، خلوا إلى- خلو لى. - وإذا كانت بعد واو أو ياء ساكنتين أصليتين، جاز في تخفيفها وجهان: أحدهما: بالإبدال، وقد تقدم. والآخر: بحذفها ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، نحو: سوء- سو، شيء- شي. - التسهيل بين بين: - إذا كانت الهمزة متحركة وقبلها ألف أو حرف متحرك (ما عدا المفتوحة بعد ضم أو كسر)، فتخفيفها بتسهيلها بينها وبين حرف المدّ الذي حركتها منه، نحو: جاءوا- جاووا، سأل- سال، بارئكم- باريكم «١» «٢». - قال مكي: «ونذكر جملة مختصرة تحفظ في تخفيف الهمزة. اعلم أن الهمزة في التخفيف تجري على ثلاثة أوجه: الأول: البدل، وذلك في الساكنة، وفي المفتوحة التي قبلها ضمة أو كسرة، وفي المتحركة التي قبلها حرف مدّ ولين زائد غير الألف، أو غير زائد، أو حرف لين؛ فهذا كله يجري على البدل.

стр. 145

والثاني: إلقاء الحركة، وذلك إن كان قبل الهمزة ساكن غير ألف، وغير حرف مدّ ولين زائد؛ فهذا تلقى فيه حركة الهمزة على ما قبلها، فيتحرك ما قبلها بحركتها وتحذفها. والثالث: بين بين، وذلك في كل همزة متحركة قبلها ألف أو حرف متحرك؛ إلا المفتوحة التي قبلها ضمة أو كسرة، فإنها تجري على البدل.» «١» - التخفيف السماعي: - نحو قوله تعالى: أَرَأَيْتُمْ [الأنعام ٤٦]، وقوله تعالى: أَرَأَيْتَ [الكهف ٦٣]، قرأ الكسائي: (أريتم) و (أريت) بغير همز. قال أبو علي: «وأما قول الكسائي: (أريتم) و (أريت)، فإنه حذف الهمزة حذفا على غير التخفيف؛ ألا ترى أن التخفيف القياسي فيها أن تجعل بين بين كما قرأ نافع، وهذا حذف للتخفيف، كما قالوا: ويلمّه «٢»، وكما أنشد أحمد بن يحيى «٣»: إن لم أقاتل فالبسوني برقعا ... ... ... ... ... «٤» وكقول أبي الأسود «٥»:
следующие страницы →