١٠ - إمالة ألف لشبهها بألف تمال، نحو: معزى وقصارى، وبلى ومتى «١» «٢».
١١ - الفرق، ومن ذلك إمالة بعض الأحرف المقطعة في فواتح السور، نحو: طه [طه ١]، قال مكي: «وعلة الإمالة في ذلك كله أن هذه الحروف ليست بحروف معان ك (ما) و (لا)، إنما هي أسماء لهذه الأصوات ... فلما كانت أسماء أمالها من أمالها، ليفرق بالإمالة بينها وبين الحروف التي للمعاني ...
ليفرق بين الحرف والاسم.» «٣» «٤»
١٢ - كثرة الاستعمال، نحو: الناس، والحجّاج علما، «لأنهما كثرا في الكلام واستجيز ذلك فيهما للكثرة.» «٥» «٦»
- علل الإمالة:
- أوردت كتب الاحتجاج ثلاث علل للإمالة، ثنتان صوتيتان، والأخرى دلالية:
١ - تبيين الألف وإزالة خفائها.
٢ - التناسب بين الأصوات.
٣ - الدلالة على أن أصل الألف ياء.
ذكر أبو علي العلة الأولى في احتجاجه لقراءة الكسائي بإمالة الألف المتطرفة من تراءى [الشعراء ٦١] وقفا بقوله:
«وفي الألف خفاء شديد من حيث لم تعتمد في إخراجها على موضع،
стр. 177
فصارت لذلك بمنزلة النفس من أنه لا يعتمد له على موضع، فبيّنها بأن نحا بها نحو الياء وقرّبها منها.
ويدلك على حسن هذا أن قوما يبدلون منها الياء المحضة في الوقف، فيقولون: أفعي، وحبلي «١»؛ وآخرون يبدلون منها الهمزة، فيقولون: هذه حبلأ، ورأيت رجلأ «٢»، فكذلك نحا بالألف بإمالتها نحو الياء ليكون أبين لها ... » «٣» «٤»
وذكر ابن أبي مريم العلتين الثانية والثالثة بقوله:
«الإمالة أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة لتميل الألف التي بعدها نحو الياء، ليتناسب الصوت بمكانها ويتجانس ولا يختلف، فهذا غرضهم من الإمالة.
وأما إمالتهم الألف المنقلبة عن الياء والتي في حكم المنقلب عنها، فهي أيضا لإرادة التناسب، وذلك لأنهم اعتقدوا وجود الياء في الكلمة، فكرهوا أن يقع مكانها ما هو مخالف لها، فأمالوا الألف لما ذكرنا من إرادة التناسب لما في وهمهم من حصول الياء؛ وليدلوا بذلك أيضا على أن الألف منقلبة عن الياء أو في حكم ما هو منقلب عن الياء.» «٥»
وألمّ مكي بالعلة الثانية في حديثه عما أميل لكسرة بعد الألف على الراء، نحو: النَّارِ [البقرة ٣٩] وَالنَّهارِ [البقرة ١٦٤]، فقال:
«وعلة من أماله أنه لما وقعت الكسرة بعد الألف قرّب الألف نحو الياء، لتقرب من لفظ الكسر، لأن الياء من الكسر ... فحسن ذلك ليعمل اللسان عملا
стр. 178
واحدا متسفلا، فذلك أخف من أن يعمل متصعدا بالفتحة والألف، ثم يهبط متسفلا بكسرة الراء ... » «١»
- موانع الإمالة:
- يمنع من الإمالة: حروف الاستعلاء، والراء إن لم تكن مكسورة، وتلتقي جميعا في صفة التفخيم.
فأما حروف الاستعلاء فتمنع الإمالة إذا وقعت بعد الألف، ولم يفصل بينهما شيء، أو فصل بينهما حرف أو حرفان، نحو: ناصر، وهابط، ومنافيخ.
أو وقعت قبل الألف ولم يفصل بينهما شيء، نحو: صابر، أو فصل بينهما حرف واحد ولم تكن مكسورة، أو ساكنة بعد كسر، نحو: ضباب، وقفاف، طلاب؛ ومقلات، ومطعان، ومطعام.
فإذا كان سبب الإمالة في ذات الألف من ياء أو كسرة مقدرتين أو عارضتين، أو شبهها بألف تمال- قوي جانب الإمالة، وصار الحرف المستعلي غير مؤثر.
قال ابن أبي مريم: «وأما ما يمنع الإمالة فمنه الحروف المستعلية، وهي سبعة أحرف: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والغين، والقاف، والخاء ...
فهذه الحروف تمنع الإمالة «٢» إذا وقعت قبل الألف وهي تلي الألف، أو وقعت بعد الألف سواء وليها الألف أو وقعت بعده بحرف أو حرفين نحو: صابر وناصر وهابط ومنافيخ.
وإنما امتنعت الإمالة مع الحروف المستعلية، لأن هذه الحروف صاعدة إلى الحنك الأعلى كما صعدت الألف، فغلبت على الألف فمنعتها عن أن تصير إلى جهة الياء، فلا يتناسب الصوت فيها.
стр. 179
فلحرصهم على تناسب الصوت امتنعوا عن إمالة الألف مع الحروف المستعلية، كما أمالوها مع الكسرات والياءات إرادة لتناسب الصوت.
فإذا كان الحرف المستعلي قبل الألف بحرف وكان مكسورا، فإنه لا يمنع الإمالة، نحو: ضباب وقفاف وصفاف وطلاب «١»، وإنما لم يمنع الحرف المستعلي الإمالة
هاهنا، لأنه مكسور، ولأنه قبل الألف ولا يلي الألف، فيقع اللسان على موضع المستعلي فيصوّبه بالكسرة، ثم ينحدر بالإمالة، وهذا غير مستبعد.
ولو أمال الألف في نحو ناشط وواقد، لصوّب لسانه بإمالة الألف ثم صعّده بالحرف المستعلي، فكان في ذلك تصعّد بعد تسفّل، وكان يثقل، فهذا بعيد ...
ثم اعلم أن الأفعال لما كان بابها التصرف جوّز في بعض منها الإمالة مع وجود الحرف المستعلي فيما يلي الألف منه، وذلك نحو: طاب وخاب وصار، وإنما جوّزوا الإمالة في هذه الأفعال لأجل الكسرة في: خفت وطبت وصرت، ووقوع هذه الكسرة في هذه الحالة غلب الحرف المستعلي كما غلبت- أعني الكسرة- أيضا كون الألف من الواو في (خاف). فلهذه الكسرة صار الحرف المستعلي غير مؤثر، لأن جانب الكسرة قوي فيها حتى صار غالبا للحرف المستعلي، كما أن الاسم الذي على أربعة أحرف قوي جانب الياء فيه حتى غلب الحرف المستعلي، فقالوا: معطى ومرخى، فأمالوهما مع المستعلي.» «٢»
وأما الراء فتمنع الإمالة بشرطين:
الأول: ألا تكون مكسورة.
стр. 180
والآخر: أن تتصل بالألف قبلها نحو (راشد) ويتعين الفتح، أو بعدها نحو (جدار) مفتوحة كانت أو مضمومة «١».
فإذا كانت مكسورة جلبت الإمالة، وغلبت الحرف المستعلي، كإمالة الألف في نحو: قارب.
قال ابن أبي مريم: «ومما يمنع الإمالة أيضا الراء إذا وقعت مفتوحة قبل الألف أو بعدها، نحو: راشد ورادف ومقارب ومطارد ورأيت حمارا.
وإنما منعت الراء المفتوحة الإمالة، لأن الراء فيها تكرير، فالفتحة فيها تجري مجرى فتحتين، كما أن الكسرة في الراء تجلب الإمالة، لأن الكسرة فيها تجري مجرى كسرتين، فتغلب الحرف المستعلي في نحو: صارم وطارد ...
وأما قولهم: في قرارك بالإمالة، فقد غلبت الراء المكسورة الراء المفتوحة، كما غلبت الحرف المستعلي في: قارب، لأن الراء المفتوحة لا تكون أقوى من الحرف المستعلي، وقد غلبته الراء المكسورة.
وينبغي أن يعلم أن الراء المفتوحة إنما تمنع الإمالة إذا وليت الألف نحو:
راشد، كما أن المكسورة إنما تجلب الإمالة إذا وليتها الألف نحو: حارث.» «٢»
- الإمالة في رءوس الآي:
- قال المهدوي في قراءة أبي عمرو ما توالى في رءوس الآي من ذوات الياء بإمالة متوسطة: « ... فإن رءوس الآي مشبّهة بالقوافي، والإمالة وما قرب منها تغيير، ورءوس الآي «٣» والقوافي «٤» مواضع التغيير، لأنهن مواضع الوقف،
стр. 181
والوقف يقع فيه «١» التغيير؛ ألا ترى أنهم قالوا في الوقف على أفعى: أفعو، وقال بعضهم: أفعي، فغيّروا الألف بالقلب، وهم لا يفعلون ذلك في الوصل إلا على الشذوذ من بعضهم ممن حمل الوصل على الوقف «٢».
فإذا كان الوقف موضع التغيير والإعلال، وكانت رءوس الآي مواضع الوقف كما أن القوافي «٣» مواضع الوقف- حسنت الإمالة، والقراءة بين اللفظين ضرب من الإمالة، لأنه تقريب منها.» «٤»
- الوقف على الممال:
- قال مكي: «وإذا كانت الإمالة لكسرة بعد الألف ثم وقفت بالروم، ضعفت الإمالة قليلا لضعف الكسرة التي أوجبت الإمالة، نحو: النَّهارِ [البقرة ١٦٤] والنَّارِ [البقرة ٣٩].
فإن كنت تقف بالإسكان زالت الإمالة عند بعض القراء لزوال الكسرة ...
وبعضهم يبقي الإمالة في ذلك كله على ما كانت عليه في الوصل، لأن الوقف عارض، ولأن الإمالة سبقت إلى لفظ الحرف الممال قبل الوقف، فبقي على حاله. وعلى هذا القول العمل.» «٥» «٦»
стр. 182
- تنبيهات:
١ - نسب جمهور أصحاب الاحتجاج إلى الإمالة قيمة تمييزية، وذلك في قراءة أبي عمرو قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الإسراء ٧٢].
قال ابن خالويه: «وكان أبو عمرو أحذقهم، ففرّق بين اللفظين لاختلاف المعنيين، فقرأ: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى بالإمالة، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى بالفتح، أي: أشدّ عمى، فجعل الأول صفة بمنزلة أحمر وأصفر، والثاني بمنزلة (أفعل منك) «١» ... » «٢»
وقال أبو علي: «ويؤكد ذلك ظاهر ما عطف عليه من قوله: وَأَضَلُّ سَبِيلًا. وكما أن هذا لا يكون إلا على (أفعل)، كذلك المعطوف عليه ... » «٣»
غير أن ابن زنجلة ذكر «أن الإمالة والفتح لا يأتيان على المعاني، بل الإمالة تقريب من الياء.» «٤»
٢ - فرّق أصحاب الاحتجاج بين إمالة الألف وإمالة الفتحة قبلها، قال مكي:
«واعلم أن معنى الإمالة هو تقريب الألف نحو الياء، والفتحة التي قبلها نحو الكسرة.» «٥»
стр. 183
وقال ابن أبي مريم: «أما إذا لقي الألفات التي تقدّمها الراء ساكن نحو قوله تعالى: حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة ٥٥]، والنَّصارى الْمَسِيحُ [التوبة ٣٠]، وَيَرَى الَّذِينَ [سبأ ٦]، فإن أبا عمرو يفتح جميع ذلك، وكذلك غيره من القراء في ذلك وفي جميع ما جازت فيه الإمالة إذا لقيه ساكن، لأن الإمالة في ذلك إنما هي إمالة الألف نحو الياء. فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين، زالت الإمالة بزوال محلها، لأن الإمالة محلها الألف.
ومن العرب من يميل الفتحة التي قبل الألف مع سقوط الألف، لأن الألف وإن كانت قد سقطت، فإنها في حكم الوجود، لأن سقوطها إنما هو لالتقاء الساكنين، فهو عارض غير لازم، هذا مذهب بعض من العرب، لكن القراءة سنة متبعة.» «١» «٢»
وهذا التفريق بين إمالة الألف وإمالة الفتحة قبلها مبني على أن حروف المدّ قبل كل منها حركة من جنسه، وجمهور المحدثين على خلافه، قال د. إبراهيم أنيس:
«ولكن القدماء قد ضلوا الطريق السوي حين ظنوا أن هناك حركات قصيرة قبل حروف المدّ، فقالوا مثلا: إن هناك فتحة على التاء في (كتاب)، وكسرة تحت الراء في (كريم)، وضمة فوق القاف في (يقول).
والحقيقة أن هذه الحركات القصيرة لا وجود لها في تلك المواضع، فالتاء في (كتاب) محركة بألف المدّ وحدها، والراء في (كريم) محركة بياء المدّ وحدها، والقاف في (يقول) محركة بواو المدّ وحدها.
стр. 184
ويظهر أن الكتابة العربية في صورتها المألوفة من وضع فتحة على التاء في (كتاب) وكسرة تحت الراء في (كريم) وضمة فوق القاف في (يقول) قد جعلت القدماء يتوهمون وجود حركات قصيرة في مثل هذه المواضع.» «١»
- على أني وإن كنت أوثر التوقف في المسألة لنقص الأدلة، لا أعدم وجها لما ذهب إليه القدامى.
فقلب الواو ياء في نحو ميقات، والأصل موقات (بميم مكسورة فواو ساكنة)، يدلّ على أن الكسرة شيء، والياء المنقلبة عن واو للكسرة قبلها شيء آخر، فقد كانت ولم تكن الياء.
وميزان العروض، وهو كما قال ابن جني: عيار الحسّ وحاكم الطبع «٢»، يشهد أن نحو (ما) بمنزلة (من)، يتألف من حرفين الأول متحرك والثاني ساكن.
٣ - ربط المهدوي إمالة الكلمة بتصرفها، وهو تقلّب صيغها، قال:
«واعلم أن الإمالة إنما تقع في الأسماء والأفعال، ولا تمال حروف المعاني، لأن حروف المعاني لا تستحق التصريف نحو الذي يدخل في الأسماء والأفعال.
فالتصريف في الأسماء ما يدخلها من التكسير والتصغير، والتصريف في الأفعال نحو قولك: رمى يرمي وما أشبه ذلك.» «٣» «٤»
стр. 185
٤ - ذكر أبو علي أن العرب قد تميل ما لا وجه له في القياس، وأنه لا ينبغي للقراء أن تميل كلما كانت الإمالة جائزة في العربية، فالقراءة سنة متبعة.
قال في إمالة الألف من قوله تعالى: تُقاةً [آل عمران ٢٨] مع سبق حرف الاستعلاء: «وحجة من أمال أن سيبويه زعم «١» أن قوما قد أمالوا من هذا مع وجود المستعلي ما لا ينبغي أن يمال في القياس. قال: وهو قليل، وذلك قول بعضهم: رأيت عرقا وضيقا.» «٢»
وقال أيضا: «والإمالة في مالِكِ [الفاتحة ٤] في القياس لا تمتنع، لأنه ليس في هذا الاسم مما يمنع الإمالة شيء.
وليس كل ما جاز في قياس العربية تسوغ التلاوة به حتى ينضم إلى ذلك الأثر المستفيض بقراءة السلف له وأخذهم به، لأن القراءة سنة.» «٣»
- إمالة الفتحة قبل هاء التأنيث في الوقف:
- قرأ الكسائي بإمالة الفتحة قبل هاء التأنيث في الوقف لشبهها بألف التأنيث لفظا ومعنى، فإذا وصل فتح، لأنها تعود تاء، ولا شبه بينها وبين الألف.
وروي عن العرب: أخذت أخذه، وضربت ضربه «٤».
قال مكي: «اعلم أن هاء التأنيث أشبهت الألف التي للتأنيث من خمس جهات:
إحداها: قرب المخرج من الألف.
والثانية: أنها زائدة كألف التأنيث.
стр. 186
والثالثة: أنها تدلّ على التأنيث كالألف.
والرابعة: أنها تسكن في الوقف كالألف.
والخامسة: أن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحا كالألف ...
فلما تمكّن الشبه في الوقف بالسكون أجراها الكسائي مجرى الألف في الوقف خاصة، فأمال ما قبلها من الفتح، فقرّبه من الكسر كما يفعل بألف التأنيث، إلا أن ألف التأنيث تقرّب في الإمالة نحو الياء، وليست كذلك الهاء.
فإن وصل فتح، لأنها تصير تاء، فلا تشبه حينئذ الألف، فلذلك حسن الوقف بالإمالة، وذلك نحو: حَبَّةٍ [البقرة ٢٦١] ودَابَّةٍ [البقرة ١٦٤] وشبهه.» «١»
- «فإن وقع قبل هاء التأنيث ألف منقلبة عن واو، فلا سبيل إلى الإمالة، نحو: الزَّكاةَ [البقرة ٤٣]، والصَّلاةَ [البقرة ٣]. وعلة ذلك أنك لو أملت ما قبل هاء التأنيث في هذا لأملت الألف ... وهذا غير جائز.» «٢»
- «وأما هاء السكت، فلا تجوز فيها الإمالة، لأنه لا نسب بينها وبين ألف التأنيث، ولا شبه لها بها، وإنما هي زائدة لبيان الحركة ... » «٣»
стр. 187
- إمالة الفتحة نحو الضمة -
- وهي ألف التفخيم، قال ابن جني في قراءة من قرأ: ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة ٢٧٨] مضمومة الباء ساكنة الواو: «والذي ينبغي أن يتعلّل به في نحو (الرّبو) بالواو هو أنه فخّم الألف انتحاء بها إلى الواو التي الألف بدل منها على حدّ قولهم: الصَّلاةَ [البقرة ٣] والزَّكاةَ [البقرة ٤٣] وكَمِشْكاةٍ [النور ٣٥]، وكقولهم: عالم وسالم وسالف وآنف.
وكأنه بيّن التفخيم فقوي الصوت فكان الواو أو كاد ... » «١»
وقال العكبري: «قوله تعالى: كهيعص [مريم ١] يقرأ بضم الكاف ضمة غير محقّقة، بل هي بين الضم والفتح، كالإمالة بين الكسرة والفتح، وهذا على لغة من يقول في الوقف: هذه أفعو، فيجعلها واوا «٢» ... » «٣»
- إمالة الضمة نحو الكسرة -
- قال أبو علي: «ومما يقوي قول من قال: قِيلَ [البقرة ١١] أن هذه الضمة المنحوّ بها نحو الكسرة قد جاءت في نحو قولهم: شربت من المنقر «٤»، وهذا ابن عور «٥»، وابن بور «٦».
стр. 188
فأمالوا هذه الضمات نحو الكسرة لتكون أشدّ مشاكلة لما بعدها وأشبه به، وهو كسر الراء.» «١»
على أن بين الصائتين فرقا، وهو أنه في (قيل) مركب، في حين أنه في (من المنقر) ونحوه بسيط.
- الاختلاس -
- الاختلاس: إخفاء الحركة، وإضعاف الصوت بها، وليس سلبها، إذ الحرف المختلس حركته بزنة المتحرك «٢» «٣».
وبيّن د. عبد الصبور شاهين أن الحركة في الاختلاس تكون أقصر زمنا، وتكاد تفقد الجهر مثلما يحدث في الإسرار أو الوشوشة «٤».
- وقد يتجوزون فيسمون الاختلاس إشماما، قال الأزهري:
«روي عن أبي عمرو أنه كان يشمّ الباء من بِالصَّبْرِ [العصر ٣] جرة خفيفة ولا يشبع ...
قال أبو منصور: كأن هذا من اختلاس أبي عمرو ... » «٥»
وقال ابن خالويه في قوله تعالى: أَمَّنْ لا يَهِدِّي [يونس ٣٥]:
«فأما ما رواه اليزيدي «٦» عن أبي عمرو أنه كان يسكن الهاء ويشمها شيئا
стр. 189
من الفتح، فإنه وهم في الترجمة، لأن السكون ضد الحركة، ولا يجتمع الشيء وضده، ولكنه من إخفاء الفتحة واختلاسها، لا من الإسكان.» «١»
- وأكثر ما يكون الاختلاس في الضم والكسر، ويكون في الفتح على قلة.
قال أبو علي: «واعلم أن الحركات التي تكون للبناء والإعراب يستعملون في الضمة والكسرة منهما ضربين:
أحدهما: الإشباع والتمطيط.
والآخر: الاختلاس والتخفيف.
وهذا الاختلاس والتخفيف إنما يكون في الضمة أو الكسرة، فأما الفتحة فليس فيها إلا الإشباع، ولم تخفف الفتحة بالاختلاس، كما لم تخفف بالحذف في نحو: جمل وجبل، كما خفف نحو: سبع وكتف؛ وكما لم يحذفوا الألف في الفواصل والقوافي من حيث حذفت الياء والواو فيهما ... وكما لم يبدل الأكثر من التنوين الياء ولا الواو في الجر والرفع، كما أبدلوا الألف في النصب.» «٢» «٣»
غير أن مما جاء باختلاس الفتح قراءة أبي عمرو قوله تعالى: أَمَّنْ لا يَهِدِّي، وقد مرّ بنا من قبل قول ابن خالويه فيه.
- والاختلاس وإن كان لا يبلغ أن يكون سكونا، فهو قريب منه قربا جعله يمتنع حيث يمتنع السكون. قال المهدوي: «وعلة امتناع الاختلاس إذا سكن ما
стр. 190
قبل الحركتين [الضمة والكسرة] نحو: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ [لقمان ٢٨] أنه لو اختلس بعد الساكن لأشبه الجمع بين الساكنين، لأن الحرف المختلس الحركة مقرّب من الساكن.
فإذا كان الحرف الذي يستحقّ الاختلاس في أول الكلمة لم يجز اختلاس حركته أيضا، نحو: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ [غافر ٩]، لأن الاختلاس يقرب من الساكن، فإذا كان الحرف الذي تختلس حركته في أول الكلام لم يجز كون الاختلاس فيه، لئلا يبتدأ بما قرب من الساكن، وذلك يمتنع كما يمتنع الابتداء بالساكن.» «١»
حتى إن سيبويه ردّ قول من روى عن أبي عمرو الإسكان في بارِئِكُمْ [البقرة ٥٤] ونحوه، بأنه ظن الاختلاس إسكانا، لقربه منه. قال المهدوي:
«بارِئِكُمْ علة إسكان الهمزة ذكرها اليزيدي عن أبي عمرو، قال:
العرب تستغني بإحدى الحركتين عن الأخرى ...
قال سيبويه: لم يكن أبو عمرو يسكن شيئا من هذا، وإنما كان يختلس الحركة، فيظن من سمعه يختلس أنه أسكن «٢».
وليس قول سيبويه مما يعارض به رواية من روى الإسكان لثبوت الرواية، ولأنه مستعمل في كلام العرب.» «٣»
- وإنما تختلس الحركة لأحد شيئين:
الأول: للدلالة على أنها عارضة غير لازمة.
والآخر: لكراهة تتابعها في الكلمة الواحدة.
стр. 191
فمن الأول قوله تعالى: لا تَعْدُوا [النساء ١٥٤]، قال مكي:
«قرأ قالون باختلاس حركة العين، لأنها حركة عارضة عليها، لأن أصلها:
تعتدوا، فأصلها السكون، ثم أدغمت التاء في الدال بعد أن ألقيت حركتها على العين، فاختلس حركة العين ليخبر أنها حركة غير لازمة، ولم يمكنه أن يسكن العين، لئلا يلتقي
ساكنان: العين وأول المدغم، وكره تمكين الحركة، إذ ليست بأصل فيها، وحسن ذلك للتشديد الذي في الكلمة ولطولها.» «١»
ومن الآخر قوله تعالى: نُطْعِمُكُمْ [الإنسان ٩]، قال الأزهري:
«القراءة: (نطعمكم) بضم الميم، وما روي عن أبي عمرو فهو من اختياره الاختلاس عند تتابع الحركات.» «٢»
- والاختلاس أحسن وأجود في العربية من الإسكان، لأنه يجمع التخفيف والدلالة على الإعراب، ولأنه يؤمن معه اجتماع الساكنين في نحو: لا تَعْدُوا [النساء ١٥٤] «٣» «٤».
- ونطق الحركات مختلسة يحتاج إلى لطافة يجفو عنها كثير من ألسنة الحضريين، ولا تتأتى لهم إلا بالدربة والمران. قال الأزهري:
« ... لأن العربي يختلس الحركات اختلاسا خفيا، إذا سمعه الحضري ظنه جزما، وذلك الظن منه وهم.» «٥»
стр. 192
وقال في قراءة أبي عمرو: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [البقرة ٥٤] وترجيحه قراءة الاختلاس على الإسكان: «وليس كل لسان يطوع ما «١» كان يطوع له لسان أبي عمرو، لأن صيغة لسانه صارت كصيغة ألسنة العرب الذين شاهدهم وألف عادتهم.» «٢»
- الرّوم -
- في معنى (الروم) خلاف بين القراء واللغويين، فهو عند القراء: النطق ببعض الحركة، وعند اللغويين: نطق الحركة بصوت خفي.
وتظهر فائدة الخلاف بين الفريقين في الفتح، فعلى قول القراء لا يدخل الروم عليه، لأنه حركة خفيفة، إذا خرج بعضها خرج سائرها، لأنها لا تقبل التبعيض كما يقبله الكسر والضم بما فيهما من الثقل، والروم عندهم بعض الحركة.
وعلى قول اللغويين يدخل على الفتح كما يدخل على الكسر والضم، لأن الروم عندهم إخفاء الحركة، وذلك لا يمتنع في الحركات الثلاث.
قال المهدوي: «فمعنى الروم: إضعاف الصوت بالحركة وذهاب معظمها والنطق ببعضها، فهو يسمع، ويستوي فيه الأعمى والبصير، وهو يقع في المرفوع والمخفوض عند القراء، ويقع في المفتوح عند النحويين ... سوى أبي حاتم «٣» فإنه لم يجز الروم في المفتوح، قال: لأن الفتح خفيف لا يتبعض لخفته،
стр. 193
فخروج بعضه كخروج كله، فإذا رمت الفتحة التبس الروم بالحركة المشبعة.
وقال غيره من النحويين: لا يمتنع الروم في المفتوح من حيث يقدر على إضعاف الصوت بالحركة فيتبين الروم من الإشباع.» «١» «٢»
- وبيّن د. عبد الصبور شاهين أن الحركة في الروم، كما هي في الاختلاس، تكون أقصر زمنا وتكاد تفقد الجهر، مثلما يحدث في الإسرار أو الوشوشة «٣».
«والروم يشارك الاختلاس في تبعيض الحركة، ويخالفه في أنه لا يكون في فتح ولا نصب، ويكون في الوقف فقط، والثابت فيه من الحركة أقل من الذاهب.
والاختلاس يكون في كل الحركات ... ولا يختص بالوقف، والثابت من الحركة فيه أكثر من الذاهب، وقدّره الأهوازي «٤» بثلثي الحركة، ولا يضبطه إلا المشافهة.» «٥»
стр. 194
- الإشمام -
- الإشمام هنا الإشارة بالشفتين إلى الضمة من غير تصويت «١».
قال أبو علي: «وذلك أن الإشمام عند النحويين ليس بصوت ... وإنما هو تهيئة العضو لإخراج الصوت الذي هو الضم ليدل عليه، وليس بخارج إلى اللفظ.» «٢» «٣»
- واختصاص الإشمام بالضمة دون غيرها من الحركات يعود إلى أنها من الواو، والواو تخرج من بين الشفتين وبهما تعالج. قال ابن أبي مريم:
«لأن الإشمام تهيّؤ اللفظ بالضمة وضم الشفتين استعدادا لإخراج ما كان من جنس الواو، وهذا لا يمكن مع الإشارة إلى الكسرة» «٤» أو الفتحة «٥» «٦».
- ويكون الإشمام في المدغم كما يكون في الموقوف عليه، نحو قوله تعالى: لا تَأْمَنَّا [يوسف ١١]، وذلك «أن الحرف المدغم بمنزلة الحرف الموقوف عليه من حيث جمعهما «٧» السكون.
стр. 195
فمن حيث أشموا الحرف الموقوف عليه إذا كان مرفوعا في الإدراج، أشموا النون المدغمة في تَأْمَنَّا ... » «١»
- وأما غرض العرب من الوقف بالروم والإشمام، فهو حرصهم على إبانة ما للحرف من الحركة. قال مكي: «اعلم أن الروم والإشمام إنما استعملتهما العرب في الوقف لتبيين الحركة كيف كانت في الوصل.» «٢»
وقد يؤتى به لغرض دلالي، قال أبو علي: «ألا ترى أنهم قالوا: إن روم الحركة يفصل به بين المذكر والمؤنث، نحو: رأيتك ورأيتك؟» «٣»
ولا يبعد أن يكون للإشمام مثل ذلك من الدلالة على الفصل.
على أن سيبويه ذهب إلى أن غرض من رام الحركة أو أشموا: الفصل بين ما كان سكونه لازما، وما كان عارضا للوقف، قال:
«وأما الذين راموا الحركة، فإنهم دعاهم إلى ذلك الحرص على أن يخرجوها من حال ما لزمه إسكان على كل حال، وأن يعلموا أن حالها عندهم ليس كحال ما سكن على كل حال. وذلك أراد الذين أشموا، إلا أن هؤلاء أشدّ توكيدا.» «٤»
стр. 196
ثانيا- مدّ الصوائت:
- هو في اصطلاح القراء: إطالة الصوت بحرف من حروف المدّ «١».
١ - حروف المدّ:
هي على ضربين:
الأول- حروف المدّ واللين: وهي ثلاثة:
الألف ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها «٢».
قال المهدوي: «ولا يمكن أن يدخل المد في غير هذه الحروف. وإنما كان ذلك لأن هذه الحروف أصوات والحركات مأخوذة منها، فامتداد الصوت بها ممكن، ويسوغ فيه التطويل والتوسط والتقصير، ولا يسوغ ذلك في شيء من الحروف سواهن.» «٣»
والآخر- حرفا اللين: وهما الواو والياء الساكنتان المفتوح ما قبلهما، نحو: سوء وشيء «٤».
غير أن المد فيهما أنقص من المد في حروف المد واللين، قال المهدوي:
«وعلة ورش في مده الياء والواو إذا انفتح ما قبلهما أن فيهما شيئا من المد واللين، وإن كان أنقص في الرتبة مما في الياء إذا انكسر ما قبلها، والواو إذا انضم ما قبلها.
стр. 197
ويقوي ذلك جواز وقوع الساكن المدغم بعدها كما يقع بعد الواو المضموم ما قبلها، والياء المكسور ما قبلها، نحو قولك: هذا ثوب بّكر، وقوم مّالك ... » «١»
٢ - درجة المدّ:
- ترتبط درجة المد بنوع القراءة، قال مكي:
« ... فإن أنسا سئل عن قراءة النبي ﵇، فقال: كان يمدّ صوته مدا «٢» ... وقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل ٤] يدلّ على التمهل، والتمهل يعطي المدّ، وهو الاختيار، لإجماع أكثر القراء على ذلك، ولما فيه من البيان، ولما ذكرنا من الحديث ...
والقراء في إشباع المد وتطويله على قدر قراءتهم وتمهلهم أو حدرهم، فليس مدّ من يتمهل ويرتل كمدّ من يحدر ويسرع.» «٣»
ونحو من هذا قول برتيل مالمبرج: «فأول ما يجب أن نلاحظه هو أن كمية كل صوت تتوقف على سرعة الإلقاء، وأنه كلما ازدادت سرعة الكلام ازداد كل صوت في القصر، والعكس صحيح.» «٤»
стр. 198
٣ - أسباب المدّ:
وهي على أربعة أضرب: لفظية، وموسيقية، ودلالية، واضطرارية.
آ- أسباب لفظية:
وهي اثنان: الهمزة ، والسكون. قال مكي:
«وإنما يكون المد في هذه الحروف عند ملاصقتهن لهمزة أو ساكن مشدد أو غير مشدد.» «١» «٢»
- الهمزة:
- ذكر مكي أن حروف المد واللين «حروف خفية، والهمزة حرف جلد بعيد المخرج صعب في اللفظ. فلما لاصقت حرفا خفيا، خيف عليه أن يزداد بملاصقة الهمزة له خفاء، فبيّن بالمد ليظهر. وكان بيانه بالمد أولى، لأنه يخرج من مخرجه بمد، فبيّن بما هو منه.» «٣»
- والمد إذا كان حرف المد واللين قبل الهمزة وهما في كلمة واحدة، آكد منه إذا كانا في كلمتين. قال المهدوي: «وبقي أن يفرق بين إجماعهم على المد إذا كان الحرف والهمزة في كلمة نحو: شاءَ [البقرة ٢٠]، واختلافهم فيما كانت المدة فيه من كلمة والهمزة من كلمة أخرى نحو: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة ٤].
стр. 199
فعلة إجماع القراء على مد المتصل نحو: شاء وجاءَ [النساء ٤٣] ونظائرهما أن الهمزة قد لزمت الكلمة، وصار اجتماعها مع الحرف الممدود لازما لا يفارقها، إذ لا يمكن الوقوف على حرف المد واللين فينفصل من الهمزة فلزم المد لذلك، وأجمعوا عليه.
فإذا انفصلت المدة من الهمزة وكان حرف المد واللين في آخر الكلمة والهمزة في أول الأخرى، ضعف المد ولم يلزم لزومه في المتصل، إذ ليس بلازم في الوصل والوقف كما كان في المتصل؛ ألا ترى أنك تقف على قالُوا [البقرة ١٤] فتنفصل الواو من همزة آمَنَّا [البقرة ١٤] فيزول المد، وكذلك ما أشبهه.
فلما ضعف المد للعلة التي ذكرناها اختلفوا فيه، فمن ترك المد فعلى ما ذكرناه من علة الانفصال، ومن مد فإنه نظر إلى الموضع الذي يتصل فيه حرف المد واللين بالهمزة فمده، فإذا وقف على الحرف وفصله من الهمزة ترك المد فراعى اللفظ.» «١»
- السكون:
- المد عند لقاء الساكن نحو: الطَّامَّةُ [النازعات ٣٤]، والصَّاخَّةُ [عبس ٣٣]، وما أشبه ذلك- لا بد منه لالتقاء الساكنين، ليكون المد عوضا من الحركة «٢». وذلك أن الممدود عندهم نظير المتحرك في الطول، فصار المد في الفصل بين الساكنين كالحركة «٣».
стр. 200
- وفرّق مكي بين المد لسكون لازم، والمد لسكون عارض للوقف، بأن الأول يلزم فيه المد المشبع، في حين أن الآخر لما كانت الحركة فيه منوية، فإن إشباع المد ضعف لذلك «١».
- ونبّه مكي على أن زيادة المد للمشدد أقوى منها للساكن غير المشدد، قال:
«وزيادة المد للمشدد أقوى، وذلك أن الذي أجمع على جوازه من التقاء الساكنين هو أن يكون الأول حرف مد ولين، والثاني حرفا مشددا، فهو الأصل، ثم قيس عليه في الجواز فرع الساكن غير المشدد بعد حرف المد واللين.
وسيبويه لا يجيزه «٢»، وكثير من أصحابه على منع جوازه إلا مع المشدد، والمشدد هو الأصل، والأصل له مزية على الفرع، والمشبّه بالشيء ليس كمثل ذلك الشيء في قوته وتمكنه.» «٣»
- وأورد مكي للسكون مزية ليست للهمزة في المد، وهي أن المد للسكون لا بد منه ضرورة، في حين أن المد للهمزة يجوز ترك إشباعه في الكلام دون القرآن.
قال: «واعلم أن المد مع الساكن بعد حرف المد واللين، والمشدد بعد حرف المد واللين أقوى منه مع الهمزة بعد حرف المد واللين.
وعلة ذلك أن حرف المد واللين إذا وقع بعده ساكن مشدد أو غير مشدد، لا بد فيه من المد ضرورة، ليصل بالمدة إلى اللفظ بالساكن؛ والهمزة إذا وقعت بعد حرف المد واللين لك أن تدع إشباع المد في الكلام، فتقول: صائم وقائم، بغير إشباع، قد تثبت الألف والهمزة ولا تشبع المد، فأما في القرآن فلا بد من إشباع المد اتباعا للرواية، وإلا فترك إشباع المد جائز فيه في الكلام.
стр. 201
فما كان المد فيه لازما لا بد منه، أقوى في المد مما يجوز فيه ترك إشباع المد.» «١»
- وتوقف د. إبراهيم أنيس عند علة المد، فرأى أنها تكمن في الحرص على ألا يتأثر صوت اللين بمجاورة الهمزة أو الإدغام، «لأن الجمع بين صوت اللين والهمزة كالجمع بين متناقضين، إذ الأول يستلزم أن يكون مجرى الهواء معه حرا طليقا وأن تكون فتحة المزمار حين النطق به منبسطة منفرجة، في حين أن النطق بالهمزة يستلزم انطباق فتحة المزمار انطباقا محكما يليه انفراجها فجأة.
فإطالة صوت اللين مع الهمزة يعطي المتكلم فرصة ليتمكن من الاستعداد للنطق بالهمزة التي تحتاج إلى مجهود عضوي كبير، وإلى عملية صوتية تباين كل المباينة الوضع الصوتي الذي تتطلبه أصوات اللين.
وهذا هو نفس السر في إطالة صوت اللين حين يليه صوت مدغم، لأن طبيعة اللغة العربية ونسجها تستلزم قصر أصوات اللين الطويلة حين يليها صوتان ساكنان.
فحرصا على صوت اللين وإبقاء على ما فيه من طول، بولغ في طوله لئلا تصيبه تلك الظاهرة التي شاعت في اللهجات العربية قديمها وحديثها من ميل صوت اللين إلى القصر حين يليه صوتان ساكنان.» «٢»
ب- أسباب موسيقية:
- نحو قوله تعالى: لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى [طه ٧٧]، قرأ حمزة:
(لا تخف) بالجزم، ويحتمل إثبات الألف في (تخشى) على هذه القراءة وجهين:
الأول: أن تكون الواو حرف استئناف، و (لا) بمعنى (ليس)، نحو قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى ٦].
стр. 202
والآخر: أن «تقدّر أنك حذفت الألف المنقلبة عن اللام ثم أشبعت الفتحة لأنها فاصلة، فأثبتّ الألف الثانية عن إشباع الفتحة. ومثل هذا مما ثبت في الفاصلة قوله: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب ٦٧]، وقد جاء إشباع هذه الفتحة في كلامهم، قال «١»:
فأنت من الغوائل حين تلقى ... ومن ذمّ الرجال بمنتزاح «٢»» «٣» «٤»
- وحكى أبو علي عن أبي الحسن قوله في المد: «والعرب تفعل هذا في حال التطريب، وإذا أراد أحدهم الرقة والترتيل.» «٥»
ج- أسباب دلالية:
- الدلالة على الحذف:
- قال ابن جني: «وعلى هذا قال سيبويه «٦»: إنهم يقولون: سير عليه ليل، يريدون: ليل طويل، وهذا إنما يفهم عنهم بتطويل الياء، فيقولون: سير عليه ليل، فقامت المدّة مقام الصفة.» «٧»
стр. 203
قال أبو سعيد السّيرافي (ت ٣٦٨ هـ): «يعني أنك إذا قلت: (سير عليه ليل طويل)، فهو إلى الرفع وإقامته مقام الفاعل أقرب، لأنه كلما نعت قرب من الأسماء، وبعد من الظروف. وإذا قلت: (سير عليه ليل) وأنت تريد هذا المعنى رفعت أيضا، إلا أن ذكر النعت أجود، لأنه يبيّن بها قربه من الاسم، وإن نصبت جاز أيضا، فقلت: (سير عليه ليلا طويلا)، كما تقول: (سير عليه الدهر).» «١»
- الدلالة على التوكيد:
- قال ابن جني « ... وذلك أن العرب إذا أخبرت عن شيء غير معتمدته ولا معتزمة عليه أسرعت فيه، ولم تتأنّ على اللفظ المعبّر به عنه ... ويكفي في ذلك قول الله سبحانه: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ [البقرة ٢٢٥]، قالوا في تفسيره: هو كقولك: لا والله، بلى والله «٢». فأين سرعة اللفظ بذكر اسم الله تعالى هنا من التثبت فيه والإشباع له والمماطلة عليه من قول الهذلي «٣»:
فو الله لا أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض «٤»
أفلا ترى إلى تطعّمك هذه اللفظة في النطق هنا بها وتمطّيك لإشباع معنى القسم عليها؟ وكذلك أيضا قد ترى إلى إطالة الصوت بقوله من بعده:
стр. 204
بلى إنها تعفو الكلوم، وإنما ... نوكّل بالأدنى، وإن جلّ ما يمضي «١»
أفلا تراه لمّا أكذب نفسه، وتدارك ما كان أفرط فيه لفظه- أطال الإقامة على قوله (بلى)، رجوعا إلى الحق عنده، وانتكاثا عما كان عقد عليه يمينه؟
فأين قوله هنا: (فو الله) وقوله (بلى) منهما في قوله: لا والله، وبلى والله؟» «٢»
- التفريق بين المعاني عند فقد القرينة:
- قال ابن جني: «وعلى ذكر طول الأصوات وقصرها لقوة المعاني المعبّر بها عنها وضعفها ما يحكى أن رجلا ضرب ابنا له، فقالت له أمه: لا تضربه، ليس هو ابنك.
فرافعها إلى القاضي فقال: هذا ابني عندي، وهذه أمه تذكر أنه ليس مني.
فقالت المرأة: ليس الأمر على ما ذكره، وإنما أخذ يضرب ابنه فقلت له:
لا تضربه، ليس هو ابنك؟ ومدت فتحة النون جدا. فقال الرجل: والله ما كان فيه هذا الطويل الطويل!» «٣».
د- أسباب اضطرارية:
- وهو التذكّر، ويراد به: مدّ الصوت بالصائت الأخير ريثما يتذكر المتكلم ما نسيه من كلام فينطق به، فإن لم يكن صائتا حرّك تحريكه لالتقاء الساكنين ومطلت تلك الحركة.
стр. 205
قال ابن جني: «وحكى صاحب الكتاب «١» أن بعضهم قال في الوقف: قالا، وهو يريد: قال. وحكى أيضا: هذا سيفني، كأنه استذكر بعد التنوين، فاضطر إلى حركته فكسره، فأحدث بعده ياء.» «٢»
وقال أيضا: «ومن ذلك ما روي عن أبي عمرو: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا [الأعراف ٣٨]، وروي عنه أيضا: حَتَّى إِذا يقف ثم يقول: تداركوا ...
قال أبو الفتح: قطع أبي عمرو همزة ادَّارَكُوا في الوصل مشكل، وذلك أنه لا مانع من حذف الهمزة، إذ ليست مبتدأة كقراءته الأخرى مع الجماعة.
وأمثل ما يصرف إليه هذا أن يكون وقف على ألف (إذا) مميّلا بين هذه القراءة وقراءته الأخرى التي هي (تداركوا)، فلما اطمأن على الألف لذلك القدر من التمييل بين القراءتين لزمه الابتداء بأول الحرف، فأثبت همزة الوصل مكسورة على ما يجب من ذلك في ابتدائها. فجرى هذا التمييل في التلوّم عليه وتطاول الصوت به مجرى وقفة التذكر في نحو قولك: قالوا- وأنت تتذكر- الآن من قول الله سبحانه: قالُوا الْآنَ [البقرة ٧١]، فتثبت الواو من (قالوا) لتلوّمك عليها للاستذكار ثم تثبت همزة (الآن)، وأعني همزة لام التعريف.
ومثله اشترووا إذا وقفت مستذكرا ل الضَّلالَةَ [البقرة ١٦]، فتضم الواو من (اشتروا) على ما كانت عليه من الضم لالتقاء الساكنين، ثم تشبع الضمة لإطالة صوت وقفة الاستذكار، فيحدث هناك واوا تنشأ عن ضمة واو الضمير، ثم تبتدئ فتقول: (الضلالة)، فتقطع همزة الوصل لابتدائك بها، فهذا أمثل ما يقال في هذا.» «٣»
стр. 206
ثالثا- إضافة الصوائت:
- إضافة الصوائت على ضربين:
الأول: لازمة لالتقاء الساكنين، والاختلاف بين القراءات عندئذ في الصائت المضاف، نحو قوله تعالى: أَنِ اقْتُلُوا [النساء ٦٦]، قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب بكسر النون، وقرأ الباقون بضمها.
وذلك أنه إذا التقى ساكنان من كلمتين، وكان أول الثانية همزة وصل مضمومة لضم الثالث منها- جاز تحريك الساكن الأول بالكسر على أصل التقاء الساكنين، وبالضم للإتباع «١»، لئلا يخرجوا من كسر إلى ضم، وأما الحرف بينهما فهو ساكن، والساكن ليس بحاجز حصين، فلا يعتدّ به، فكأن الكسرة تلي الضمة.
ألا ترى أنهم قالوا: اشرب واضرب، وقالوا: اقتل، فضموا الهمزة في (اقتل)، وكسروها في المثالين الآخرين؛ فكذلك ضم النون في (أن اقتلوا).
وإنما استجازوا الكسر في (أن اقتلوا) ونحوه دون (اقتل)، لأن الساكن الأول منفصل من الفعل المضموم الثالث، والهمزة متصلة به، فلم يجروا المنفصل مجرى المتصل «٢».
وما أجروه من المنفصل في كلامهم مجرى المتصل أكثر من أن يقتصّ.
فإذا كان الساكن الأول واوا مفتوحا ما قبلها، وهي ضمير جماعة، فالجمهور على الضم، وإن لم تكن همزة الوصل بعدها مضمومة، نحو قوله تعالى: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ [البقرة ١٦]، لأنهم لما احتاجوا إلى حركة الواو حركوها بحركة هي منها، لأن الضم فيها أسهل من الكسر.
стр. 207
وإذا لم تكن الواو ضمير جماعة، فالأكثر أن تحرّك بالكسر، نحو: أَوِ اخْرُجُوا [النساء ٦٦]، فرقا بين الواوين، وقد تحرّك بالضم حملا على واو الضمير، وقد تحرّك واو الضمير بالكسر حملا عليها «١» «٢» «٣».
والآخر: جائزة، وهي على ثلاثة أضرب:
الأول: أن ينزع الصامت إلى صائت يناسبه، وهي أصوات الحلق تنزع إلى صوت الفتح، نحو قوله تعالى: يَوْمَ ظَعْنِكُمْ [النحل ٨٠]، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب: (ظعنكم) بفتح العين، وقرأ الباقون بسكونها.
وذلك أن حرف الحلق إذا كان ساكن الأصل تاليا للفتح، فأهل الكوفة يجيزون فيه الفتح قياسا، وأهل البصرة يرون الفتح لغة، ولا يجاوز فيه المسموع.
وحجة أهل الكوفة أن حروف الحلق كثيرا ما تفتح هي أو الحروف المجاورة لها، وإنما حرّك الساكن من حروف الحلق بالفتح، لأن الفتحة من الألف، والألف في حيّز حروف الحلق «٤» «٥».
стр. 208
ووافق ابن جني الكوفيين في هذه المسألة، فقال في قراءة من قرأ:
جَهْرَةً [البقرة ٥٥] وزَهْرَةَ [طه ١٣١] بفتح الهاء في كلّ:
«مذهب أصحابنا في كل شيء من هذا النحو مما فيه حرف حلقي ساكن بعد حرف مفتوح: أنه لا يحرك إلا على أنه لغة فيه، كالزّهرة والزّهرة، والنّهر والنّهر، والشّعر والشّعر، فهذه لغات عندهم كالنّشز والنّشز، والحلب والحلب، والطّرد والطّرد.
ومذهب الكوفيين فيه أنه يحرك الثاني لكونه حرفا حلقيا، فيجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه، كالبحر والبحر، والصّخر والصّخر.
وما أرى القول من بعد إلا معهم، والحقّ فيه إلا في أيديهم. وذلك أنني سمعت عامة عقيل تقول ذاك ولا تقف فيه، سائغا غير مستكره، حتى لسمعت الشجري «١» يقول: أنا محموم بفتح الحاء، وليس أحد يدّعي أن في الكلام (مفعول) بفتح الفاء.
وسمعته مرة أخرى يقول- وقد قال له الطبيب: مصّ التفاح وارم بثفله «٢» - والله لقد كنت أبغي مصه وعليته تغذو «٣» بفتح الغين، ولا أحد يدّعي أن في الكلام (يفعل) بفتح الفاء.
وسمعت جماعة منهم، وقد قيل لهم: قد أقيمت لكم أنزالكم من الخبز، قالوا: فاللّحم؟ يريدون اللّحم بفتح الحاء.
وسمعت بعضهم وهو يقول في كلامه: ساروا نحوه بفتح الحاء، ولو كانت الحاء مبنية على الفتح أصلا لما صحت اللام لتحركها وانفتاح ما قبلها؛
стр. 209
ألا تراك لا تقول: هذه عصو ولا فتو؟ ولعمري إنه هو الأصل لكن أصل مرفوض، للعلة التي ذكرنا.
فعلى هذا يكون جهرة وزهرة، إن شئت، مبنيا في الأصل على فعلة، وإن شئت كان اتباعا على ما شرحنا الآن.» «١» «٢»
وعلل برجشتراسر ميل حروف الحلق إلى الفتح بأن اللسان في نطق هذه الحروف يجذب إلى وراء، مع بسط وتسطيح له، وهذا هو عين وضعه في نطق الفتح «٣».
والثاني: أن ينزع الصامت إلى صائت يشاكل به ما قبله، نحو قوله تعالى: مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف ٦٦]، قرأ ابن عامر: (رشدا) مضمومة الراء والشين «٤».
قال ابن خالويه: «فأما قراءة ابن عامر، فإنه أتبع الضم الضم، مثل:
السّحت والسّحت، والبخل والبخل ... » «٥»
وقال أبو علي: «قال أبو الحسن: زعم عيسى «٦» أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فمن العرب من يثقّله، ومنهم من يخفّفه، نحو: العسر، واليسر، والحكم، والرّحم ... » «٧»
стр. 210
والثالث: أن ينزع الصامت الذي قبل الصامت الموقوف عليه إلى الصائت الذي استهلكه الوقف، وهو ما يدعى بالنقل.
ويشترط في الحركة المنقولة أن تكون ضمة أو كسرة لا فتحة، قال ابن أبي مريم:
«وإن كان الموقوف عليه ما قبل آخره ساكن، فإنهم يجوّزون فيه حالة الوقف نقل حركة الإعراب إلى الساكن الذي قبل آخره في الرفع والجر دون النصب، فيقولون: هذا بكر، ومررت ببكر، والأصل: بكر وبكر، فنقلت حركة الراء إلى الكاف.
وأما في النصب فلا ينقلونها، لأن الحركة غير زائلة حالة النصب في الاسم المنوّن.» «١» «٢»
وذكر ابن جني في علة النقل شيئين:
الأول: الشّحّ على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقف «٣».
والآخر: الاستراحة من اجتماع ساكنين «٤».
قال أبو علي في قراءة أبي عمرو: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر ٣] بكسر الباء كسرة خفية: «أما إشمام أبي عمرو الباء الكسر، فهو مما يجوز في الوقف، ولا يكون في الوصل إلا على إجراء الوصل مجرى الوقف، ولا يكون في
стр. 211
القراءة، وعلى هذا قول الشاعر «١»:
فقرّبن هذا وهذا أزحله «٢»
وأنشد سيبويه أيضا «٣»:
أنا ابن ماويّة إذ جدّ النّقر «٤»
وأنشد «٥»:
عجبت والدّهر كثير عجبه ... من عنزيّ سبّني لم أضربه
فعلى هذه الأشياء قوله: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ.» «٦»
وذهب د. إبراهيم أنيس إلى أن النحاة سمعوا ظاهرة الوقف بالنقل، غير أن استقراءهم لها كان ناقصا، فأخطئوا تفسيرها وضلّوا السبيل في شرحها، في حين أن أمرها يسير لا يعدو أن بعض العرب شقّ عليهم النطق بالساكنين في آخر الكلمة، فتخلصوا من التقائهما بتحريك الأول منهما بحركة تنسجم مع ما يجاورها من الحركات «٧».
وهذا هو عين ما قاله النحاة، سوى أنهم فصّلوا في هذا الانسجام كيف يكون.
стр. 212
رابعا- حذف الصوائت:
وهي على ضربين: قصيرة، وطويلة.
١ - حذف الصوائت القصيرة:
- إسكان المتحرك سواء أكان حرف إعراب أم لا: لغة تميم، قال ابن جني في قراءة من قرأ: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة ١] بإسكان الراء:
«هذه اللغة تميمية، يقولون في (رسل): رسل، وفي (كتب): كتب، وفي (دجاج بيض): دجاج بيض، وذلك أنه صار إلى فعل، فجرى مجرى جمع أبيض إذا قلت: بيض «١».» «٢»
وقال أيضا: «ومن ذلك قال ابن مجاهد: قال عباس «٣»: سألت أبا عمرو عن يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ [البقرة ١٢٩]، فقال: أهل الحجاز يقولون: يُعَلِّمُهُمُ ويَلْعَنُهُمُ [البقرة ١٥٩] مثقلة، ولغة تميم: (يعلّمهم) و (يلعنهم).» «٤» «٥»
ورأى د. أحمد علم الدين الجندي أن اللهجة التميمية في حذف الحركات فرع على اللهجة الحجازية، وأن هذا الحذف يلائم عادات البدو في سرعة
стр. 213
النطق، لميلهم إلى الاقتصاد في الجهد العضلي، ولا شك أن حذف الحركات فيه تيسير واقتصاد، وهو ما يسعى إليه التميمي البدوي، بخلاف الحجازي المتحضر الذي يسعى إلى إعطاء كل صوت حقه من البيان «١».
- والإسكان يكون في الضم والكسر، ولا يكون في الفتح إلا شاذا لخفته «٢» «٣».
أورد ابن خالويه أن الأصمعي قال لأبي عمرو: أنت تميل في قراءتك إلى التخفيف، فلم لم تقرأ: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [الأنبياء ٩٠] بالإسكان؟ فقال له: ويلك! أجمل أخفّ أم جمل؟ «٤»
وقال ابن جني: «وما جاء عنهم من ذلك في المفتوح، فشاذ لا يقاس عليه، نحو قوله «٥»:
وما كل مبتاع ولو سلف صفقه ... يراجع ما قد فاته برداد «٦»
يريد: سلف، فأسكن مضطرا.» «٧»
стр. 214
على أن د. عبد الصبور شاهين من أجل بضعة أحرف رويت عن أبي عمرو أكثرها يقبل التأويل ذهب إلى أنه- يعني أبا عمرو- لم يلتزم القاعدة التي تقول بجواز إسكان عين الفعل مضمومة أو مكسورة دون المفتوحة، وأنه لم يرد عنه، وهو الإمام اللغوي الحجة، ما يفيد التزامه بما قرره بعد ذلك سيبويه لا قراءة ولا نصّا «١».
ثم استدرك فذكر «أن نظرة القدماء إلى الفتحة تجد من الدراسة الصوتية ما يساعدها، إذ إن الفتحة أكثر قوة ووضوحا من الكسرة والضمة «٢»، وهو ما تصوره القدماء (خفة) تمتاز بها على أختيها، فكان من المنطقي عدم إجازة حذفها لقوة وجودها في موقعها، ولكن المنطق شيء والواقع الذي سجلنا بعض شواهده شيء آخر ... » «٣»
- وإنما تسكن العرب لثقل الضم والكسر مع توالي الحركات «٤».
- وقد أجروا الإسكان في المنفصل مجراه في المتصل، فأسكنوا لام الأمر إذا سبقت بواو أو فاء أو ثم بخلف، وأسكنوا هاء (هو) و (هي) إذا سبقت بواو
стр. 215
أو فاء أو لام أو ثم بخلف أيضا، كما أسكنوا العين من (عضد) و (كتف) «١» «٢».
قال أبو علي في إسكان لام الأمر: «أصل هذه اللام الكسر، يدل على ذلك أنك إذا ابتدأت بها فقلت: ليقم زيد، كسرتها لا غير، فإذا ألحقت الكلام الذي فيه اللام الواو أو الفاء أو ثمّ، فمن أسكن مع الفاء والواو، فلأن الفاء والواو يصيران كشيء من نفس الكلمة، نحو: كتف، لأن كل واحد منهما لا ينفرد بنفسه، فصار بمنزلة كتف وفخذ، فقلت: (وليقضوا).
فإذا كان موضع الفاء والواو (ثم)، لم يسكنه أبو عمرو، لأن (ثم) ينفصل بنفسه ويسكت عليه دون ما بعده، فليست في هذا كالفاء والواو.
ومن قال: ثُمَّ لْيَقْضُوا [الحج ٢٩]، شبه الميم من (ثم) بالفاء والواو، فجعل (مليقضوا) «٣» من ثُمَّ لْيَقْضُوا بمنزلة الفاء والواو، وجعله كقولهم:
أراك منتفخا «٤»، فجعل (تفخا) من (منتفخا) مثل (كتف)، فأسكن اللام، وعلى هذا قول العجاج «٥»:
فبات منتصبا وما تكردسا «٦»