← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37680

الجوانب الصوتية في كتب الاحتجاج للقراءات

عبد البديع النيرباني

Полный текст (346 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

القراءة، وعلى هذا قول الشاعر «١»: فقرّبن هذا وهذا أزحله «٢» وأنشد سيبويه أيضا «٣»: أنا ابن ماويّة إذ جدّ النّقر «٤» وأنشد «٥»: عجبت والدّهر كثير عجبه ... من عنزيّ سبّني لم أضربه فعلى هذه الأشياء قوله: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ.» «٦» وذهب د. إبراهيم أنيس إلى أن النحاة سمعوا ظاهرة الوقف بالنقل، غير أن استقراءهم لها كان ناقصا، فأخطئوا تفسيرها وضلّوا السبيل في شرحها، في حين أن أمرها يسير لا يعدو أن بعض العرب شقّ عليهم النطق بالساكنين في آخر الكلمة، فتخلصوا من التقائهما بتحريك الأول منهما بحركة تنسجم مع ما يجاورها من الحركات «٧». وهذا هو عين ما قاله النحاة، سوى أنهم فصّلوا في هذا الانسجام كيف يكون.

стр. 212

رابعا- حذف الصوائت: وهي على ضربين: قصيرة، وطويلة. ١ - حذف الصوائت القصيرة: - إسكان المتحرك سواء أكان حرف إعراب أم لا: لغة تميم، قال ابن جني في قراءة من قرأ: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة ١] بإسكان الراء: «هذه اللغة تميمية، يقولون في (رسل): رسل، وفي (كتب): كتب، وفي (دجاج بيض): دجاج بيض، وذلك أنه صار إلى فعل، فجرى مجرى جمع أبيض إذا قلت: بيض «١».» «٢» وقال أيضا: «ومن ذلك قال ابن مجاهد: قال عباس «٣»: سألت أبا عمرو عن يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ [البقرة ١٢٩]، فقال: أهل الحجاز يقولون: يُعَلِّمُهُمُ ويَلْعَنُهُمُ [البقرة ١٥٩] مثقلة، ولغة تميم: (يعلّمهم) و (يلعنهم).» «٤» «٥» ورأى د. أحمد علم الدين الجندي أن اللهجة التميمية في حذف الحركات فرع على اللهجة الحجازية، وأن هذا الحذف يلائم عادات البدو في سرعة

стр. 213

النطق، لميلهم إلى الاقتصاد في الجهد العضلي، ولا شك أن حذف الحركات فيه تيسير واقتصاد، وهو ما يسعى إليه التميمي البدوي، بخلاف الحجازي المتحضر الذي يسعى إلى إعطاء كل صوت حقه من البيان «١». - والإسكان يكون في الضم والكسر، ولا يكون في الفتح إلا شاذا لخفته «٢» «٣». أورد ابن خالويه أن الأصمعي قال لأبي عمرو: أنت تميل في قراءتك إلى التخفيف، فلم لم تقرأ: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [الأنبياء ٩٠] بالإسكان؟ فقال له: ويلك! أجمل أخفّ أم جمل؟ «٤» وقال ابن جني: «وما جاء عنهم من ذلك في المفتوح، فشاذ لا يقاس عليه، نحو قوله «٥»: وما كل مبتاع ولو سلف صفقه ... يراجع ما قد فاته برداد «٦» يريد: سلف، فأسكن مضطرا.» «٧»

стр. 214

على أن د. عبد الصبور شاهين من أجل بضعة أحرف رويت عن أبي عمرو أكثرها يقبل التأويل ذهب إلى أنه- يعني أبا عمرو- لم يلتزم القاعدة التي تقول بجواز إسكان عين الفعل مضمومة أو مكسورة دون المفتوحة، وأنه لم يرد عنه، وهو الإمام اللغوي الحجة، ما يفيد التزامه بما قرره بعد ذلك سيبويه لا قراءة ولا نصّا «١». ثم استدرك فذكر «أن نظرة القدماء إلى الفتحة تجد من الدراسة الصوتية ما يساعدها، إذ إن الفتحة أكثر قوة ووضوحا من الكسرة والضمة «٢»، وهو ما تصوره القدماء (خفة) تمتاز بها على أختيها، فكان من المنطقي عدم إجازة حذفها لقوة وجودها في موقعها، ولكن المنطق شيء والواقع الذي سجلنا بعض شواهده شيء آخر ... » «٣» - وإنما تسكن العرب لثقل الضم والكسر مع توالي الحركات «٤». - وقد أجروا الإسكان في المنفصل مجراه في المتصل، فأسكنوا لام الأمر إذا سبقت بواو أو فاء أو ثم بخلف، وأسكنوا هاء (هو) و (هي) إذا سبقت بواو

стр. 215

أو فاء أو لام أو ثم بخلف أيضا، كما أسكنوا العين من (عضد) و (كتف) «١» «٢». قال أبو علي في إسكان لام الأمر: «أصل هذه اللام الكسر، يدل على ذلك أنك إذا ابتدأت بها فقلت: ليقم زيد، كسرتها لا غير، فإذا ألحقت الكلام الذي فيه اللام الواو أو الفاء أو ثمّ، فمن أسكن مع الفاء والواو، فلأن الفاء والواو يصيران كشيء من نفس الكلمة، نحو: كتف، لأن كل واحد منهما لا ينفرد بنفسه، فصار بمنزلة كتف وفخذ، فقلت: (وليقضوا). فإذا كان موضع الفاء والواو (ثم)، لم يسكنه أبو عمرو، لأن (ثم) ينفصل بنفسه ويسكت عليه دون ما بعده، فليست في هذا كالفاء والواو. ومن قال: ثُمَّ لْيَقْضُوا [الحج ٢٩]، شبه الميم من (ثم) بالفاء والواو، فجعل (مليقضوا) «٣» من ثُمَّ لْيَقْضُوا بمنزلة الفاء والواو، وجعله كقولهم: أراك منتفخا «٤»، فجعل (تفخا) من (منتفخا) مثل (كتف)، فأسكن اللام، وعلى هذا قول العجاج «٥»: فبات منتصبا وما تكردسا «٦»

стр. 216

ومثل ذلك قولهم: وَهِيَ [هود ٤٢]، فَهِيَ كَالْحِجارَةِ [البقرة ٧٤] ... » «١». وقال المهدوي في إسكان هاء (هو) و (هي): «وعلة من أسكن الهاء إذا كان قبلها واو أو فاء أو لام متصلة بها، أن هذه الحروف لما اتصلت بالكلمة، وكان كل واحد منها على حرف لا يمكن أن يسكت عليها، أشبهت ما هو من نفس الكلمة، فصار قولك: (وهو) يشبه في اللفظ: (عضدا) و (سبعا)، وصار قولك: (وهي) يشبه في اللفظ: (كتفا) و (فخذا)، والعرب تسكن وسط ذلك تخفيفا، فكذلك أسكنت الهاء من (هو) و (هي) تخفيفا إذا اتصل بها أحد هذه الحروف الثلاثة. وعلة تفريق أبي عمرو بين هذه الحروف الثلاثة وبين (ثم) من قوله: ثُمَّ هُوَ [القصص ٦١] أن (ثم) منفصلة من (هو)، ويجوز أن يسكت عليها، فصارت الهاء في حكم الابتداء، والعرب لا تبتدئ بساكن. وعلة قالون والكسائي في تسويتهما بين (ثم) وغيرها أن (ثم) تجتمع مع الواو والفاء في النسق، فأشبهتهما لذلك فحكما لها بحكمها، وجعلا الميم من (ثم) مع الهاء من (هو) بمنزلة الواو والفاء واللام، والعرب تجري المنفصل مجرى المتصل؛ ألا ترى أنهم أدغموا (يد داود) «٢» وهو منفصل، كما أدغموا (وتد) «٣» وهو متصل؟ وقد أجروا المنفصل مجرى المتصل فيما هو أبعد من هذا نحو قول الشاعر «٤»:

стр. 217

قالت سليمى اشتر لنا سويقا ... واشتر وعجّل خادما لبيقا فأجرى التاء والراء من (اشتر) مع اللام من (لنا) وذلك منفصل مجرى المتصل نحو: كتف وفخذ، فأسكنوا الراء من (اشتر) كما أسكنوا التاء من (كتف).» «١» - وذهب مكي وابن أبي مريم إلى أن حذف الحركات إذا كانت علامات إعراب ضعيف، كراهة زوال علمه «٢»، في حين ذهب أبو علي إلى التسوية بين حركات الإعراب وغيره فقال: «وأما الإسكان في يَجْمَعُكُمْ [التغابن ٩] فعلى ما يجيز به سيبويه من إسكان الحركة إذا كانت للإعراب، كما يسكنها إذا كانت لغيره «٣». ومثيل ذلك من الشعر قول جرير «٤»: سيروا بني العمّ فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى ولا تعرفكم العرب «٥»» «٦» وقال أيضا: «وليس يختلّ بذلك دلالة الإعراب، لأن الحكم بمواضعها معلوم، كما كان معلوما في المعتل والإسكان للوقف.» «٧» - وذهب بعض أصحاب الاحتجاج إلى أن إسكان المتحرك إنما بابه الشعر، قال الأزهري في قراءة حمزة: وَمَكْرَ السَّيِّئِ [فاطر ٤٣] بإسكان الهمزة:

стр. 218

«ومثل هذا يسوغ للشاعر الذي يضطر إلى تسكين متحرك ليستقيم له وزن الشعر، فأما كتاب الله فقد أمر الله جل وعز بترتيله وتبيينه، وقارئ القرآن غير مضطر إلى تسكين متحرك أو تحريك ساكن». «١» - والإسكان في بعض المواضع أعذر منه في بعض:- فإسكان الراء له مزية على إسكان غيرها، لما فيها من التكرير، الذي يزيد من ثقل الحركة عليها، قال المهدوي: «بِوَرِقِكُمْ [الكهف ١٩]: من أسكن الراء، فأصلها الكسر كقراءة الجماعة، لكنه أسكن الراء تخفيفا كما يسكنون أمثال ذلك مما جاء على (فعل) فيقولون: كتف وكتف، وفخذ وفخذ. على أن الإسكان في الراء أقوى، لأنه حرف مكرر، فالكسر فيها أثقل منه في غيرها، إذ الكسر فيها ككسرتين ... » «٢» - وقد يكون الإسكان في الكلمة جائزا، فإذا طالت الكلمة باتصال الحروف أو الضمائر أو التركيب، صار الإسكان أمثل «٣». قال ابن جني في قراءة من قرأ: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم ١١] بكسر اللام الأولى: «هذا لعمري الأصل في لام الأمر، أن تكون مكسورة، إلا أنهم أقروا إسكانها تخفيفا. وإذا كانوا يقولون: مره فليقم، فيسكنونها مع قلة الحروف والحركات، فإسكانها مع كثرة الحروف والحركات أمثل، وتلك حالها في قوله: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ... » «٤»

стр. 219

وقال المهدوي: «وكان أبو عمرو يعتبر في أغلب الأمر طول الكلمة، فإذا طالت الكلمة أسكن الياء، نحو: لَيَحْزُنُنِي [يوسف ١٣] ولِيَبْلُوَنِي [النمل ٤٠] وتَأْمُرُونِّي [الزمر ٦٤] وما أشبه ذلك. وعلة ذلك أن الكلمة لما طالت ثقلت فكره أن يزيد في طولها بحركة الياء، فخففها بالإسكان.» «١» وقال العكبري: «قوله تعالى: أَحَدَ عَشَرَ [يوسف ٤]، يقرءان بإسكان العين، نزّل الكلمتين كالكلمة الواحدة، وتسكين العين لطول الاسم وكثرة الحركات.» «٢» - وقد تجتمع في الكلمة حركات يثقل تجاورها، فيزداد الإسكان حسنا. قال ابن جني في قراءة من قرأ: وَيَذَرُهُمْ [الأنعام ١١٠] بالياء وإسكان الراء: «قد تقدم ذكر إسكان المرفوع تخفيفا، وعليه قراءة من قرأ أيضا: وَما يُشْعِرُكُمْ [الأنعام ١٠٩] بإسكان الراء. وكأن يُشْعِرُكُمْ أعذر من يَذَرُهُمْ، لأن فيه خروجا من كسر إلى ضم، وهو في يَذَرُهُمْ خروج من فتح إلى ضم.» «٣» - وقد قال أبو علي قولا جامعا في الإسكان، جاء فيه: «حروف المعجم على ضربين: ساكن ومتحرك، والساكن على ضربين: أحدهما: ما أصله في الاستعمال السكون مثل راء برد وكاف بكر. والآخر: ما أصله الحركة في الاستعمال فيسكّن عنها. وما كان أصله الحركة يسكن على ضربين:

стр. 220

أحدهما: أن تكون حركته حركة بناء. والآخر: أن تكون حركة الإعراب. وحركة البناء التي تسكن على ضربين: أحدهما: أن يكون الحرف المسكن من كلمة مفردة، نحو: فخذ وسبع وإبل، وضرب وعلم؛ يقول من يخفف: سبع وفخذ، وعلم وضرب. والآخر: أن يكون هذا المثال من كلمتين، فيسكن على تشبيه المنفصل بالمتصل، كما جاء ذلك في مواضع من كلامهم نحو الإمالة والإدغام، وذلك قولهم: أراك منتفخا، وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور ٥٢]، ومن ذلك قول العجاج «١»: فبات منتصبا وما تكردسا ألا ترى أن (تفخا) من (منتفخ) مثل (كتف)، وكذلك (تقه) من (يتّقه)، وكذلك ما أنشده أبو زيد من قوله «٢»: قالت سليمى اشتر لنا سويقا فنزّل مثل كتف. فأما حركة البناء فلا خلاف في تجويز إسكانها في نحو ما ذكرنا من قول العرب والنحويين، وأما حركة الإعراب فمختلف في تجويز إسكانها ... » «٣»

стр. 221

٢ - حذف الصوائت الطويلة: - نحو قوله تعالى: فِيهِ هُدىً [البقرة ٢]، قرأ ابن كثير بصلة هاء (فيه) بياء، وقرأ الباقون بحذفها. لمّا كانت هاء الكناية اسما، على حرف واحد، وهو حرف خفي- قوّوه بزيادة واو، فقالوا: ضربهو زيد «١». فإذا جاءت الهاء بعد كسرة أو ياء، قلبت الواو ياء، نحو: (به، وعليه). وأكثر القراء على حذف صلة الهاء، إذا جاءت بعد ساكن، نحو: (منه، وفيه)، إلا ابن كثير فيقرأ بإثباتها على الأصل. وللحذف علتان: الأولى: أنهم كرهوا اجتماع حرفين ساكنين بينهما حرف خفي ليس بحاجز حصين، فحذفوا الزيادة، وبقيت حركة الهاء تدل عليها. والأخرى: أن الياء إذا كانت قبل الهاء، ووصلت الهاء بياء بعدها، اجتمعت ثلاثة أحرف متقاربة. وقد كرهوا اجتماع الحروف المتقاربة، حتى

стр. 222

خففوا بالحذف والبدل والإدغام «١» «٢». قال المهدوي: «الاسم المضمر هو الهاء وحدها، وما وصلت به من واو وياء فهو زائد. قال سيبويه «٣»: زيدت الواو على الهاء في المذكر، كما زيدت الألف على الهاء في المؤنث، ليستويا في باب الزيادة، يعني بذلك قولك: منه ومنها ونظائر ذلك. وقال أصحاب الخليل وسيبويه: إنما زيدت الواو على الهاء لخفاء الهاء، لتخرجها الواو من الخفاء إلى الإبانة ... لكن الواو إذا زيدت على الهاء وقبل الهاء كسرة قلبت الواو ياء ... وكذلك إذا كان قبل الهاء ياء ساكنة ... » «٤» وقال أبو علي: «وأما ترك إتباع الهاء الياء في فِيهِ هُدىً [البقرة ٢] وما أشبهه في الوصل، فلكراهة اجتماع حروف فيه متقاربة، وقد كرهوا من اجتماع المتقاربة ما كرهوا من اجتماع الأمثال؛ ألا ترى أنهم يدغمون المتقاربة كما يدغمون الأمثال؟ فالقبيلان من الأمثال والمتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالإدغام، وتارة بالقلب، وتارة بالحذف ... ومما يحسّن الحذف هاهنا، مع ما ذكرنا من اجتماع المتشابهة، أن الهاء حرف خفي، فإذا اكتنفها ساكنان من حروف اللين كان كأن الساكنين قد التقيا، لخفاء الهاء وأنهم لم يعتدوا بها للخفاء في مواضع ... » «٥»

стр. 223

على أن د. رمضان عبد التواب أرجع تقصير الصائت الطويل بعد هاء الغائب إذا لم يأت قبلها مقطع قصير إلى المخالفة الكمية بين المقاطع، قال: «ومن المخالفة الصوتية ... ما يسمى بالمخالفة الكمية بين المقاطع الصوتية، ومن أمثلة ذلك ما يحدث لحركة الضمير المفرد الغائب في العربية الفصحى، فالأصل في هذه الحركة هو الضمة الطويلة، وتحدث له المماثلة الصوتية مع الكسرات قبله ... وتحتفظ العربية الفصحى بالطول في حركته بعد المقاطع القصيرة، مثل: له لهو، وبه بهي، وغير ذلك. كما تقصّر حركته في العربية بعد المقاطع الطويلة، عن طريق المخالفة الكمية بين المقاطع، فيقال مثلا: (فيه) بدلا من (فيهي)، و (منه) بدلا من (منهو)، وغير ذلك.» «١» - ونحو قوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [المائدة ٤٤]، قرأ أبو عمرو وأبو جعفر: (واخشوني) بإثبات الياء وصلا، وبحذفها وقفا. قال أبو علي: «وإنما خصّ القوافي والفواصل بالحذف في أكثر الأمر، لأنها مما يوقف عليها، والوقف موضع تغيير، فجعل التغيير فيه الحذف، كما جعل التغيير فيه الإبدال وتخفيف المضعف ونحو ذلك مما يلحق الوقف من التغيير.» «٢» وقال ابن أبي مريم في نحو هذا من الياءات الزوائد: «والوجه أن الأصل أن تثبت هذه الياءات، وحذفها لأجل التخفيف، فإن الكسرة التي بقيت تدل عليها، فمعناها حاصل، والشيء إذا أفاد محذوفا ما

стр. 224

يفيده ثابتا، كان حذفه هو الأحسن.» «١» «٢» - ونحو قوله تعالى: حاشَ لِلَّهِ [يوسف ٣١]، قرأ أبو عمرو بإثبات ألف بعد الشين وصلا فقط: (حاشى لله)، وقرأ الباقون بحذف الألف، لأن الفتحة تدل عليها، مع كثرة الاستعمال. ونحوه قولك: لا أدر «٣»، وقولهم: أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة «٤»، وقول رؤبة «٥»: وصّاني العجّاج فيما وصّني «٦»

стр. 225

خامسا- قلب الصوائت: - يمكن تصنيف ما جاء في كتب الاحتجاج من قلب الصوائت في الزمر الآتية «١»: ١ - ما كان على وزن (فعيل) مما عينه حرف حلقي، جاء فيه كسر الأول للثاني، للتقريب من حركته، نحو: بئيس، وبعير، وبهيمة، ورغيف، وسعيد، وشخير، وشعير، وشهيد، وصئيّ «٢»، وضئين «٣»، وضعيف، ونخير «٤»، ونعيق، ووعيد. وسمع الكسر في كلمات ليس العين فيها حرفا حلقيا، وهي قليلة نحو: جنيّ، وصبيّ، وصديق، وغنيّ، وقسيّة، ووجيه «٥» «٦». وذهب د. إبراهيم أنيس إلى أنه «لا معنى لما يشترطه بعض اللغويين من أن الحرف الثاني في مثل هذه الكلمات يجب أن يكون من حروف الحلق. ويظهر أن الراوي قد سمع من تميم كلمات تصادف أن كانت مشتملة على حروف الحلق.

стр. 226

وليست هذه الظاهرة التميمية إلا انسجاما بين الحركات يشبه ما نسمعه الآن في بعض اللهجات الحديثة من نطق (كبير، بعيد، نظيف) بكسر أولها.» «١» وعلّق د. حسام سعيد النعيمي على هذا الرأي بقوله: «والذي أراه أن اشتراط الحرف الحلقي لم يكن لأن الراوي قد سمع من تميم كلمات اتفق أن جاءت بحرف الحلق. فهذا أمر لا تقرّه الرواية مع كثرة الكلمات الواردة عنهم في هذا، ولم يقل أحد: إنها جميعا جاءت عن راو واحد ... » «٢» ويبدو أن أصوات الحلق لما كانت صعبة على أعضاء النطق، فهي تخرج بزيادة جهد يجعل الصوائت بعدها أقوى من غيرها، وتغدو المماثلة حينئذ بين فتحة الصامت الذي قبلها وبين كسرتها أدعى وأمثل. ٢ - ما كان على وزن (فعل) مما عينه حرف حلقي، اسما كان أو فعلا، فإن بعض العرب، وهم هذيل، يكسرون الأول للثاني، للتقريب من حركته، نحو: جئز «٣»، وضحك، ولهم، ومحك «٤»، ونغر «٥»، وبئس، وشهد، ولعب، ونعم «٦» «٧». ٣ - ما كان فعلا ثلاثيا عينه أو لامه حرف حلقي، جاء في بعضه فتح

стр. 227

العين، لمجانسة حرف الحلق «١»، نحو: تنحتون وتنحتون، وسنفرغ وسنفرغ، وطغوت تطغى، وصغوت تصغى، ومحوت تمحى. ويلحق بهذه الزمرة نحو: مع ومع، والقحة والقحة، والسّعة والسّعة «٢» «٣». قال أبو علي في مجانسة الفتحة لحروف الحلق: « ... قالوا: قرأ يقرأ، وجأر يجأر، فأتبعوا الهمزة وأخواتها ما جانسها من الحركات وما كان من حيزها وهي الفتحة، ولم يفعلوا ذلك مع الحروف المرتفعة من الحلق، حيث لم يقربن من الفتحة قرب الحلقية منها.» «٤» ٤ - ما كان جمعا على وزن (فعول) مما عينه ياء، جاء فيه كسر الأول لثقل الضمات (ضمتي الفاء والعين وواو المد بعدهما)، ولقرب الكسرة من الياء، نحو: بيوت، وجيوب، وشيوخ، وعيون، وغيوب. قال المهدوي: «الْبُيُوتَ [البقرة ١٨٩]: من ضم الباء من (البيوت) وأخواته، فهو الأصل، لأنه جمع (فعل) على (فعول)، مثل صرف وصروف، وحرف وحروف. ومن كسر أوائلها، فإنه كره أن يخرج من ضمة إلى ياء، وذلك ثقيل. ويقوي ذلك قول من قال في تصغير عين: عيينة بكسر العين «٥»، وكان الأصل في بناء التصغير أن يقول: عيينة، فكره أن يضم العين، لئلا يخرج من ضم إلى ياء.

стр. 228

فإن قال قائل: فهلا كره من كسر الباء من (البيوت) أن يخرج من كسر إلى ضم؟ قيل له: لم يكره ذلك، لأن الكسرة عارضة، ولا يستثقل في العارض ما يستثقل في اللازم.» «١» ٥ - ما كان على وزن (فعول) مما لامه حرف علة، جمعا كان أو مصدرا، فإن الواو منه تقلب ياء وتدغم في اللام بعد قبلها ياء إن كانت واوا «٢»، فيلزم كسر العين، وغير بني تميم يكسرون الفاء اتباعا لكسرة العين وياءين بعدها، ليعمل اللسان عملا واحدا، ولئلا يخرجوا من ضم إلى كسر، نحو: بكيّ، وجثيّ، وحقيّ «٣»، وحليّ، ودليّ، وصليّ، وعتيّ، وعصيّ؛ فأما قسيّ فكسر الفاء فيها لازم لم يسمع غيره «٤» «٥».

стр. 229

٦ - ما كان جمعا على وزن (فعل) من المضعف، جاء في عينه الفتح، فرارا من توالي ضمتين. قال ابن جني: «وقد يجوز في (جدد) - وهي جمع جديد- الفتح، هربا من التضعيف إلى الفتح، وكذلك جميع ما كان مثله من المضاعف، كسرير وسرر وسرر، وجرير وجرر وجرر «١»، وتليل وتلل وتلل «٢»، وبئر جرور وجرر وجرائر أيضا «٣».» «٤» «٥» ويلحق بهذه الزمرة كسر الصاد من صَوَّرَكُمْ [غافر ٦٤]، عدل عن الضم لثقله مع الواو «٦»؛ وفتح الهمزة من الْأُمِّيَّ [الأعراف ١٥٧]، لثقل الضم مع اجتماع ياءي النسب، كما قالوا: أمويّ بالضم والفتح «٧». ٧ - الفعل المضارع إذا كان ماضيه على (فعل) أو كان هو على (يفعل)، لأن المضارع إذا كان على (يفعل)، فالغالب في الماضي أن يكون على (فعل)، أو كان في أول ماضيه همزة وصل مكسورة «٨»، فإن بعض العرب، وهم بنو تميم «٩»، يكسرون حرف المضارعة «١٠»، إلا الياء لثقل الكسرة عليها، نحو: اعلم، وتفهم، ونركب، وتنطلق. وسمع في الياء أيضا وهو قليل، نحو: أبى ييبى «١١».

стр. 230

وذهب د. إبراهيم أنيس إلى أن الأصل في حركة حرف المضارعة هو ما شاع في لهجات الحجاز من الفتح، وقد انحدر إليها هذا الأصل من السامية الأولى، ثم تطور إلى الكسر في معظم اللغات السامية «١»؛ في حين ذهب د. رمضان عبد التواب إلى أن «ظاهرة كسر حرف المضارعة ساميّة قديمة توجد في العبرية والسريانية والحبشية، والفتح في أحرف المضارعة حادث ... في العربية القديمة.» «٢» واستدل على ذلك بعدم وجود الفتح في اللغات السامية الأخرى، وبما بقي من الكسر في كثير من اللهجات العربية القديمة، وباستمرار الكسر حتى الآن في اللهجات العربية الحديثة كلها «٣». وأغلب الظن أن الأصل في حركة حرف المضارعة ما عليه أهل الحجاز من الفتح، لما عرف عنهم من شدة حرصهم على التزام الأصول في أكثر أمر هذه اللغة «٤». وأما الكسر فهو من عمل (المخالفة الصوتية)، لأن توالي فتحتين فأكثر هو لازم ما اشترطه اللغويون العرب لجواز كسر حرف المضارعة في غير لهجة أهل الحجاز. ومما يستأنس به في هذا أن العربية الفصحى استهوت من هذه اللهجة كلمة (إخال) «٥»، ولم تتوال فيها فتحتان فحسب، بل فتحتان وألف بعد حرف حلقي، وكل أولئك من قبيل واحد، فصارت المخالفة حينئذ أدعى.

стр. 231

٨ - هاء الضمير، الأصل فيها الضم، فإذا سبقت بكسرة أو ياء ساكنة، فإن بعض العرب، وهم غير أهل الحجاز، يكسرونها للمجاورة، ولئلا يخرجوا من كسر إلى ضم، نحو: به، وفيه، وعليهم «١» «٢». قال أبو علي: «وإنما الدلالة على أن أصل الهاء في (عليهم) و (هذه دارهم) ونحو ذلك الضم، أنها إذا لم تجاورها الكسرة ولا الياء لم تكن إلا مضمومة، وإذا جاورتها الكسرة أو الياء جاز الكسر فيها للإتباع والتقريب، وجاز الضم على الأصل، كقول أهل الحجاز في ذلك. فكل موضع جاز فيه الكسر، فالضم فيه جائز، والمواضع التي تختص باستعمال الضم فيها لا يجوز الكسر معها ... » «٣» وقال أيضا: «أما كسر الهاء مع أن أصلها الضم، فمن أجل الياء أو الكسرة اللتين تقعان قبلها، والهاء تشبه الألف لموافقتها لها في المخرج من الحلق، ولما فيها من الخفاء، فكما نحوا بالألف نحو الياء بالإمالة من أجل الكسرة أو الياء، كذلك كسروا الهاء للكسرة والياء، وذلك حسن ليتجانس الصوتان ويتشاكلا.» «٤» - وكذلك ميم الجمع، الأصل فيها أن توصل بواو ساكنة، فإذا سبقت بهاء مكسورة لكسرة قبلها أو ياء ساكنة، فمن العرب من يترك الميم على أصلها ويقرأ: عليهمو ولا [الفاتحة ٧]، ومنهم من يتبع الميم الهاء فتنقلب الواو ياء

стр. 232

ويقرأ: عليهمي ولا «١» «٢». ٩ - الهمزات في نحو قوله تعالى: فَلِأُمِّهِ [النساء ١١] وفِي أُمِّها [القصص ٥٩]، قرأ حمزة والكسائي بكسر همزة (أمّ) إذا سبقت بكسرة أو ياء ساكنة، وهي لغة قريش وهوازن وهذيل، استثقلوا الضمة بعد الكسرة؛ ونحو قول بعض العرب: أجوءك، وأنبؤك، وهذا مرء، ورأيت مرءا، ومررت بمرء. فإن الهمزة حرف يغيّر ويغيّر له «٣». قال أبو علي في كسر همزة (أمّ) بعد كسرة أو ياء ساكنة: «ووجه قول حمزة والكسائي أن الهمزة حرف مستثقل، بدلالة تخفيفهم لها، فأتبعوها ما قبلها من الياء والكسرة، ليكون العمل فيها من وجه واحد. ويقوي ذلك أنها تقارب الهاء، وقد فعل ذلك بالهاء. ويقوي ذلك أيضا أنهم قد أتبعوا غيرها من الحروف، نحو: هو منحدر من الجبل، فغيّروا البناء للإتباع. ويقوي ذلك أنهم قد أتبعوا ما قبل الهمزة الهمزة في قولهم: أجوءك وأنبؤك، كما أتبعوا الهمزة ما قبلها في نحو قوله: فِي أُمِّها ولَأَمَةٌ. فالهمزة، لما يتعاورها من القلب والتخفيف، تشبه الياء والواو والهاء، فتغيّر كما تغيّر. فإن قلت: فهلا فعلوا ذلك بغير هذا الحرف مما فيه الهمزة؟

стр. 233

قيل: إن هذا الحرف قد كثر في كلامهم، والتغيير إلى ما كثر استعماله أسرع ... » «١» «٢» ١٠ - ما جرى فيه قلب الصوائت من المنفصل مجرى المتصل، نحو قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة ٢]، قرئ: (الحمد لله) بضم الدال واللام، و (الحمد لله) بكسرهما، قال ابن جني: « ... هذا اللفظ كثر في كلامهم، وشاع استعماله، وهم لما كثر في استعمالهم أشد تغييرا ... فلما اطرد هذا ونحوه لكثرة استعماله، أتبعوا أحد الصوتين الآخر، وشبهوهما بالجزء الواحد، وإن كانا جملة من مبتدأ وخبر، فصارت (الحمد لله) كعنق وطنب، و (الحمد لله) كإبل وإطل ... » «٣» وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة ٣٤]، قرأ أبو جعفر: (للملائكة اسجدوا) بضم التاء، قال العكبري: «قوله تعالى: لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا الكسر مشهور ظاهر. ويقرأ بضم التاء، حيث كان، وهو بعيد، والوجه أنه قدّر الوقف على التاء، فلما لقيتها همزة الوصل حذفت، وجعلت التاء تبعا لضمة الجيم، والسين بينهما ساكنة، وذلك حاجز غير حصين ... » «٤» وقوله تعالى: فَيَسْقِي رَبَّهُ [يوسف ٤١]، قرئ بكسر الراء وضم الياء

стр. 234

الأولى من (يسقي)، قال العكبري: «وكأنه أتبع كسرة القاف والياء كسرة الراء.» «١» وقول العرب في النداء: يا زيد بن عمرو، قال العكبري: «فجعلوا حركة الدال كحركة النون، مع أن فيها حاجزا.» «٢» - تنبيهات: ١ - تبين من خلال الأمثلة والنصوص التي سيقت على قلب الصوائت، أنه يكون لإحدى غايتين: المماثلة والمخالفة. ٢ - قد يؤدي قلب الصوائت إلى أبنية مرفوضة في اللغة، غير أن هذا يحتمل لأنه عارض، ولا يعتدّ به. قال أبو علي: «أما من ضم الفاء من شيوخ وعيون وجيوب، فبيّن لا نظر فيه ... وأما من قال: شيوخ وجيوب، فكسر الفاء، فإنما فعل ذلك من أجل الياء، أبدل من الضمة الكسرة، لأن الكسرة للياء أشد موافقة من الضمة لها. فإن قلت: هلا استقبح ذلك، لأنه أتى بضمة بعد كسرة، وذلك مما قدمت أنهم قد رفضوه في كلامهم، فهلا رفض أيضا القارئ ل (الجيوب) ذلك؟ قيل: إن الحركة إذا كانت للتقريب من الحرف لم تكره، ولم تكن بمنزلة ما لا تقريب فيه؛ ألا ترى أنه لم يجئ في الكلام عند سيبويه على (فعل) إلا (إبل) «٣»، وقد أكثروا من هذا البناء واستعملوه على اطراد إذا كان القصد فيه تقريب الحركة من الحرف، وذلك قولهم: ماضغ لهم، ورجل محك، وجئز، وقالوا في الفعل: شهد ولعب.

стр. 235

واستعملوا في إرادة التقريب ما ليس في كلامهم على بنائه البتة، وذلك نحو: شعير ورغيف وشهيد؛ وليس في الكلام شيء على (فعيل) على غير هذا الوجه، فكذلك شيوخ وجيوب ... » «١» ٣ - قال أبو علي في تقسيم الإتباع: «والحركة التي تتبع الحركة على ضربين: أحدهما: إتباع حركة ليست للإعراب حركة ليست للإعراب، نحو: مغيرة، ومنتن، ويعفر «٢»، وظلمات. والآخر: إتباع حركة ليست للإعراب حركة إعراب، وذلك مثل: امرؤ، وابنم، وفوك «٣»، وأجوءك، وأنبؤك. والحرف المذكور في الكتاب «٤» بعكس هذه القسمة، من النادر الذي لا حكم له.» «٥»

стр. 236

الفصل الثالث الجوانب التشكيلية (٢) القوانين الصوتية - توطئة. - المماثلة. - المخالفة. - السهولة والتخفيف. - كثرة الاستعمال. - أمن اللبس. - طرد الباب. - التعويض. - ضعف الطرف.

стр. 237

الجوانب التشكيلية (٢) القوانين الصوتية - توطئة: - تطلق كلمة (القوانين) في العرف العلمي على الأصول العامة التي تبين ارتباط الأسباب بمسبباتها، والمقدمات بنتائجها «١». ولما تشي به هذه الكلمة من حتمية واطّراد تفتقدهما التغييرات الصوتية عامة، فإن أكثر اللغويين اليوم يؤثرون عليها كلمة (ميول) أو (اتجاهات) «٢». غير أن مما يشفع لاستعمال كلمة (قوانين) بهذا المعنى مجيئها عند بعض المتقدمين بنحو منه «٣». - وهدى تتبّع القوانين الصوتية في كتب الاحتجاج إلى الوقوف على ثمانية منها، وهي: ١ - المماثلة. ٢ - المخالفة. ٣ - السهولة والتخفيف. ٤ - كثرة الاستعمال. ٥ - أمن اللّبس. ٦ - طرد الباب. ٧ - التعويض. ٨ - ضعف الطّرف. - ولأن كل تغيير يكون فرعا على أصل، كان لزاما أن يمهّد للحديث عن القوانين الصوتية في كتب الاحتجاج بحديث عن (الأصل) فيها.

стр. 238

- الأصل-- درجت كتب الاحتجاج على أن تقدم بين يدي احتجاجها لأكثر أوجه القراءات ببيان الأصل فيها، ثم تذكر علل ما خرج عنه. وأما «ما جاء على الأصل فلا يحتاج إلى احتجاج» «١»، «ولا اعتراض على من تمسّك بالأصل ولم يعدل عنه إلى غيره» «٢». - «ومن شأن العرب في كثير من كلامها المحافظة على بقاء ما يدل على الأصول» «٣»، قال مكي في الاحتجاج لمن قرأ (قيل) وأخواته بالإشمام: «فمن أشم أوائلها الضم أراد أن يبين أن أصل أوائلها الضم، كما أن من أمال الألف في (رمى) و (قضى) ونحوه أراد أن يبين أن أصل الألف الياء.» «٤» - ومن الأصول ما يكون مرفوضا غير مستعمل، قال ابن أبي مريم في قراءة من قرأ: إِيلافِهِمْ [قريش ٢] بهمزتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة: «والوجه فيه بعيد، لأن تحقيق الهمزتين في مثل هذا غير مستعمل، وإن كان هو الأصل؛ ألا ترى أنه لا يستعمل إئمان وأأدم وأأدر بتحقيق الهمزتين ولا يعلم أحد قاله، وإن كان أصلا.» «٥» - على أن كون الشيء أصلا لا ينبغي من أجله أن يقدّم على غيره. قال أبو علي:

стр. 239

«فإن قال قائل: إن الضمة هي الأصل في (عليهم) و (بهم) ونحو ذلك ... وإذا كان استعمال الضم فيه أعم وكان الأصل، وجب أن يكون أوجه من الكسر. قيل: إن كون الضمّ الأصل ليس مما يجب من أجله أن يختار على الكسر مع مجاورة الكسرة أو الياء، لأنه قد تحدث أشياء توجب تقديم غير الأصل على الأصل طلبا للتشاكل وما يوجب الموافقة.» «١» غير أن مكيا يرى أن «الأصل أبدا أقوى من الفرع» «٢»، وربما رجّح وجها على آخر بالأصالة «٣». - المماثلة - - هي تقريب صوت من آخر يجاوره، ليعمل اللسان «٤» عملا واحدا «٥». - وعبّرت كتب الاحتجاج عن هذا القانون بالتقريب «٦»، والمجانسة «٧»،

стр. 240

والتناسب «١»، والموافقة «٢»، والتشاكل «٣»، والملاءمة «٤»، والتشابه «٥»: في الصوامت والصوائت عامة؛ وبالاتباع «٦»: في الصوائت خاصة. - والمماثلة باعتبار طبيعة الصوتين المتجاورين ثلاثة أضرب: تقريب صامت من صامت، وتقريب صائت من صائت، وتقريب صائت من صامت «٧» «٨».

стр. 241

قال مكي في تفخيم اللام في قراءة ورش: «وعلة من فخّم هذا النوع أنه لمّا تقدم اللام حرف مفخم مطبق مستعل، أراد أن يقرّب اللام نحو لفظه، فيعمل اللسان في التفخيم عملا واحدا، وهذا هو معظم مذاهب العرب في مثل هذا، يقربون الحرف من الحرف، ليعمل اللسان عملا واحدا، ويقربون الحركة من الحركة، ليعمل اللسان عملا واحدا، وعلى هذا أتت الإمالات في عللها، وعلى هذا أبدلوا من السين صادا إذا أتى بعدها طاء أوقاف أو غين أو خاء، ليعمل اللسان في الإطباق عملا واحدا، فذلك أخف عليهم من أن يتسفل اللسان بالحرف ثم يتصعد إلى ما بعده.» «١» وقال في قراءة من قرأ: الْبُيُوتَ [البقرة ١٨٩] وأخواته بالكسر: «ووجه القراءة بالكسر أن الكسرة مع الياء أخف من الضمة معها ... فكسر الأول لخفته مع الياء، ولتقرب الحركة من الحرف الذي بعدها ... » «٢» الضرب الأول. تقريب صامت من صامت: - قال أبو علي في إدغام الذال في التاء في قوله تعالى: اتَّخَذْتُمُ [البقرة ٥١] ونحوه: «وأما حجة من لم يدغم أَخَذْتُمْ [آل عمران ٨١] واتَّخَذْتُمُ، فلأن الذال ليس من مخرج التاء والطاء، والذال إنما هي من مخرج الظاء والثاء، فتفاوت ما بينهما، إذ كان لكل واحد من هذين القبيلين حيز ومخرج غير مخرج الآخر. وأيضا فإن الذال مجهورة والتاء مهموسة، والمجهور يقرب منه المهموس بأن يبدل مجهورا؛ ألا ترى أنهم قالوا في (افتعل) من الزين والذكر: ازدان وادّكر، ومزدان ومدّكر «٣».

стр. 242

فلما قربوا المهموس من المجهور بأن قلبوه إليه، لم يدغم المجهور في المهموس، لأنه تقريب منه، وهو عكس ما فعل في (مزدان)، لأنهم في (مزدان) إنما قربوا المهموس من المجهور، وأنت إذا أدغمت الذال في التاء، قربت المجهور من المهموس. قال سيبويه «١»: حدثنا من لا نتّهم أنه سمع من يقول: أخذت، فيبين. وحجة من أدغم أن هذه الحروف لما تقاربت فاجتمعت في أنها من طرف اللسان وأصول الثنايا، قرب كل حيز من الحيز الآخر ... » «٢» وقال المهدوي في قلب النون الساكنة والتنوين ميما عند الباء: «فأما القلب عند الباء ميما، نحو: مِنْ بَعْدِ [البقرة ٢٧]، فإن الباء من مخرج الميم فهي تناسبها، فلما امتنع الإدغام قلبت حرفا مجانسا لها في المخرج، ويجانس النون في الغنة وهو الميم.» «٣» الضرب الثاني- تقريب صائت من صائت: - فمن ذلك قراءة شعبة: لا يَهِدِّي [يونس ٣٥] بكسر الياء «٤»، أراد: يهتدي، غير أنه أسكن التاء وأدغمها في الدال فأصبحت: يهدّي، فالتقى ساكنان فكسر الهاء لالتقائهما فأصبحت: يهدّي، وأتبع الياء كسرة الهاء طلبا للتجانس،

стр. 243

ليعمل اللسان عملا واحدا في ثلاث كسرات [بعدهن ياء] فأصبحت: يهدّي «١». قال أبو علي: «وأما من قال: يَهْدِي بكسر الياء، فإنه (يفتعل)، وأتبع الياء ما بعدها من الكسر. فإن قلت: إن الياء التي للمضارعة لا تكسر؛ ألا ترى أن من قال: تعلم، لم يقل: يعلم؟ قيل: لم تكسر الياء في (يهدي) من حيث كسرت النون من نعلم، والتاء في تعلم ... ولكن لمعنى آخر؛ كما لم تكسر الياء في (ييجل) من حيث كسرت التاء في تعلم ... ولكن كسرت الياء في (ييجل) لتنقلب الواو ياء «٢»؛ فكذلك كسرت في قوله: (يهدي) للإتباع.» «٣» - ومنه أيضا باب الإمالة، فهي تقريب «٤»، قال ابن زنجلة: «قرأ أبو عمرو والكسائي وورش: عَلى أَبْصارِهِمْ [البقرة ٧] وبِقِنْطارٍ [آل عمران ٧٥] وبِدِينارٍ [آل عمران ٧٥] بإمالة الألف، وحجتهم في ذلك أن انتقال اللسان من الألف إلى الكسرة بمنزلة النازل من علو إلى هبوط، فقربوا الألف بإمالتهم إياها من الكسر، ليكون عمل اللسان من جهة واحدة.» «٥» «٦»

стр. 244

وقد يمال ما لا سبب لإمالته سوى مجاورته إمالة أخرى، قال ابن أبي مريم في أسباب الإمالة: «ومنها الإمالة للإمالة، وهي قولك: رأيت عمادى، فيميلون الألف المبدلة من التنوين في حال النصب، لإمالة ألف (عماد) التي بعد الميم، وهي التي أميلت لأجل الكسرة.» «١» «٢» وقال مكي: «فأما علة من أمال النون أيضا من نَأى [الإسراء ٨٣]، فإنه لمّا وقع بعدها حرفان ممالان، أمال النون للإمالة التي بعدها، فيكون عمل اللسان من جهة واحدة، وهذا من الإمالة للإمالة، وهو قليل.» «٣» وتمتنع إمالة الألف المستحقة لها إذا جاورت حرفا مستعليا، حرصا على تناسب الصوت. قال ابن أبي مريم: «وإنما امتنعت الإمالة مع الحروف المستعلية، لأن هذه الحروف صاعدة إلى الحنك الأعلى كما صعدت الألف، فغلبت على الألف فمنعتها عن أن تصير إلى جهة الياء، فلا يتناسب الصوت فيها؛ فلحرصهم على تناسب الصوت امتنعوا عن إمالة الألف مع الحروف المستعلية كما أمالوها مع الكسرات والياءات إرادة لتناسب الصوت.» «٤» - و «حركة الإعراب لا تستهلك لحركة الإتباع إلا على لغة ضعيفة» «٥»، منها قراءة بعض أهل البادية: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة ٢] بكسر الدال اتباعا لكسر اللام «٦» «٧»، وقراءة أبي جعفر: لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا [البقرة ٣٤] بضم التاء

стр. 245

اتباعا لضم الجيم «١». قال ابن جني: «ومثل هذا في إتباع الإعراب البناء ما حكاه صاحب الكتاب «٢» في قول بعضهم «٣»: وقال: اضرب الساقين إمّك هابل «٤» كسر الميم لكسرة الهمزة.» «٥» الضرب الثالث. تقريب صائت من صامت: - فمنه كسر الفاء من الْبُيُوتَ [البقرة ١٨٩] وأخواته لأجل الياء، قال أبو علي: « ... وأما من قال: (شيوخ) و (جيوب) فكسر الفاء، فإنما فعل ذلك من أجل الياء، أبدل من الضمة الكسرة، لأن الكسرة للياء أشد موافقة من الضمة لها.» «٦» - ومنه أيضا قلب الضمة والكسرة فتحة لحرف الحلق، فمضارع (فرغ) و (نحت): (يفرغ) و (ينحت)، وجاء: (يفرغ) و (ينحت) بالفتح «٧»، لأجل حرف

стр. 246

الحلق «١». قال أبو علي: « ... قالوا: قرأ يقرأ، وجأر يجأر، فأتبعوا الهمزة وأخواتها ما جانسها من الحركات وما كان من حيزها وهي الفتحة، ولم يفعلوا ذلك مع الحروف المرتفعة عن الحلق، حيث لم يقربن من الفتحة قرب الحلقية منها.» «٢» - والمماثلة باعتبار جهة التأثر ضربان: مقبلة ويكون فيها الثاني تابعا للأول، ومدبرة ويكون فيها الأول تابعا للثاني «٣». ذكر ابن جني في قراءة من قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة ٢] بضم الدال واللام، والْحَمْدُ لِلَّهِ بكسرهما: «أن هذا اللفظ كثر في كلامهم، وشاع استعماله، وهم لما كثر في استعمالهم أشد تغييرا ... فلما اطرد هذا ... أتبعوا أحد الصوتين الآخر ... إلا أن الْحَمْدُ لِلَّهِ بضم الحرفين أسهل من الْحَمْدُ لِلَّهِ بكسرهما» «٤» لأشياء منها: «أنه إذا كان اتباعا، فإن أقيس الإتباع أن يكون الثاني تابعا للأول، وذلك أنه جار مجرى السبب والمسبب، وينبغي أن يكون السبب أسبق رتبة من المسبب «٥»، فتكون ضمة اللام تابعة لضمة الدال، كما تقول في: مدّ وشدّ، وشمّ، وفرّ: فتتبع الثاني الأول، فهذا أقيس من إتباعك الأول للثاني في (اقتل)

стр. 247

(ادخل) ... » «١» «٢». ودونه في وضوح التعبير عن هذه القسمة قول أبي علي في قوله تعالى: رَأى كَوْكَباً [الأنعام ٧٦] والاحتجاج لمن قرأ بإمالة فتحة الراء مع إمالة الألف: «وأما إمالة الفتحة التي على الراء، فإنما أمالها لاتباعه إياها إمالة فتحة الهمزة، كأنه أمال الفتحة لإمالة الفتحة، كما أمال الألف لإمالة الألف في قولهم: رأيت عمادا، فأمال ألف النصب لإمالة الألف في (عماد)، والتقديم والتأخير في ذلك سواء.» «٣» فإمالة الألف الثانية من (عمادا) مماثلة مقبلة، في حين أن إمالة فتحة الراء من (رأى) مماثلة مدبرة. - ويشترط لقيام المماثلة بين صوتين التجاور، ويغتفر الفصل بحرف ساكن أو خفي. قال ابن أبي مريم في الاحتجاج لقراءة ابن عامر: أَنْبِئْهُمْ [البقرة ٣٣] بكسر الهاء مع تحقيق الهمزة قبلها: «وأما وجه قراءة ابن عامر ... فهو أنه أتبع كسرة الهاء كسرة الباء في (أنبئهم)، وإن حجز الساكن بينهما، لأن حركة الإتباع قد جاءت مع حجز السكون بين الحركتين «٤»، نحو ما روي من قولهم: المرء والمرء والمرء «٥»، باتباع حركة الميم حركة الإعراب، وما روى أبو زيد عن العرب «٦»: أخذت هذا منه، بكسر الهاء اتباعا لكسرة الميم.

стр. 248

ويجوز أن يكون أجرى هذه الهاء مجرى ما تليه الكسرة نحو: بهم، ولم يعتدّ بالحاجز لسكونه، كما قلبوا الواو ياء في قولهم: ابن عمي دنيا «١»، لكسرة الدال ولم يعتدّ بالنون حاجزا لسكونه، فكأن الكسرة تلي الواو، لأن الأصل دنوا «٢».» «٣» وقال أبو علي: «ألا ترى أن الإمالة إنما هي تقريب الألف من الياء وانتحاء بها نحوها. والإمالة إنما تكون في الألف بأن تنحو بالفتحة التي قبل الألف نحو الكسر، فتميل الألف لذلك نحو الياء، وذلك نحو: عابد وعماد. فإذا كان قبل الألف هاء مفتوحة، فمن العرب من يميل الحرف الذي قبل الهاء، وذلك أن الهاء لما كانت خفية لم يعتدّ بها، كما لم يعتدّ بها في نحو: ردّها، ففتحها الجميع فيما يرويه من يسكن إليه، لأنه لخفاء الهاء كأنه قال: ردّا «٤»، وذلك قولهم: يريد أن ينزعها، ويريد أن يضربها، فيميل قبل الألف فتحتي الحرفين لخفاء الهاء.» «٥»

стр. 249

- المخالفة - - هي الفرار من توالي الأمثال لثقل اجتماعها «١». - والمتقاربة في ذلك كالأمثال «٢». - وعبّرت كتب الاحتجاج عن هذا القانون بكراهة (التضعيف) «٣»، أو (اجتماع المثلين) «٤»، أو (التكرير) «٥»، أو نحوها؛ وبطلب (الاختلاف)، قال ابن جني: «ويبدلون أيضا ليختلف الحرفان فيخفّا، وذلك قوله «٦»: يا ليتما أمّنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنّة أيما إلى نار وقالوا في اجلوّذ: اجليواذ «٧»، وفي دوّان: ديوان «٨».» «٩» «١٠»

стр. 250

- وتكون المخالفة بين المثلين بطرق كثيرة ذكر بعضها أبو علي في قوله: «وأما ترك إتباع الهاء الياء في فِيهِ هُدىً [البقرة ٢] وما أشبهه في الوصل، فلكراهة اجتماع حروف فيه متقاربة، وقد كرهوا من اجتماع المتقاربة ما كرهوا من اجتماع الأمثال؛ ألا ترى أنهم يدغمون المتقاربة كما يدغمون الأمثال؟ فالقبيلان من الأمثال والمتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالإدغام، وتارة بالقلب، وتارة بالحذف. فما خفف بالإدغام فنحو: ردّ وودّ في (وتد) «١». وما خفف بالقلب فنحو: تقضّيت وتقصّيت، ونحو: ظلت ومست «٢»، ونحو «٣»: لا أملاه حتى يفارقا ونحو: طست «٤» وستّ «٥».
следующие страницы →