الحلق «١». قال أبو علي: « ... قالوا: قرأ يقرأ، وجأر يجأر، فأتبعوا الهمزة وأخواتها ما جانسها من الحركات وما كان من حيزها وهي الفتحة، ولم يفعلوا ذلك مع الحروف المرتفعة عن الحلق، حيث لم يقربن من الفتحة قرب الحلقية منها.» «٢»
- والمماثلة باعتبار جهة التأثر ضربان: مقبلة ويكون فيها الثاني تابعا للأول، ومدبرة ويكون فيها الأول تابعا للثاني «٣».
ذكر ابن جني في قراءة من قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة ٢] بضم الدال واللام، والْحَمْدُ لِلَّهِ بكسرهما: «أن هذا اللفظ كثر في كلامهم، وشاع استعماله، وهم لما كثر في استعمالهم أشد تغييرا ... فلما اطرد هذا ... أتبعوا أحد الصوتين الآخر ... إلا أن الْحَمْدُ لِلَّهِ بضم الحرفين أسهل من الْحَمْدُ لِلَّهِ بكسرهما» «٤» لأشياء منها:
«أنه إذا كان اتباعا، فإن أقيس الإتباع أن يكون الثاني تابعا للأول، وذلك أنه جار مجرى السبب والمسبب، وينبغي أن يكون السبب أسبق رتبة من المسبب «٥»، فتكون ضمة اللام تابعة لضمة الدال، كما تقول في: مدّ وشدّ، وشمّ، وفرّ: فتتبع الثاني الأول، فهذا أقيس من إتباعك الأول للثاني في (اقتل)
стр. 247
(ادخل) ... » «١» «٢».
ودونه في وضوح التعبير عن هذه القسمة قول أبي علي في قوله تعالى:
رَأى كَوْكَباً [الأنعام ٧٦] والاحتجاج لمن قرأ بإمالة فتحة الراء مع إمالة الألف:
«وأما إمالة الفتحة التي على الراء، فإنما أمالها لاتباعه إياها إمالة فتحة الهمزة، كأنه أمال الفتحة لإمالة الفتحة، كما أمال الألف لإمالة الألف في قولهم: رأيت عمادا، فأمال ألف النصب لإمالة الألف في (عماد)، والتقديم والتأخير في ذلك سواء.» «٣»
فإمالة الألف الثانية من (عمادا) مماثلة مقبلة، في حين أن إمالة فتحة الراء من (رأى) مماثلة مدبرة.
- ويشترط لقيام المماثلة بين صوتين التجاور، ويغتفر الفصل بحرف ساكن أو خفي.
قال ابن أبي مريم في الاحتجاج لقراءة ابن عامر: أَنْبِئْهُمْ [البقرة ٣٣] بكسر الهاء مع تحقيق الهمزة قبلها: «وأما وجه قراءة ابن عامر ... فهو أنه أتبع كسرة الهاء كسرة الباء في (أنبئهم)، وإن حجز الساكن بينهما، لأن حركة الإتباع قد جاءت مع حجز السكون بين الحركتين «٤»، نحو ما روي من قولهم: المرء والمرء والمرء «٥»، باتباع حركة الميم حركة الإعراب، وما روى أبو زيد عن العرب «٦»: أخذت هذا منه، بكسر الهاء اتباعا لكسرة الميم.
стр. 248
ويجوز أن يكون أجرى هذه الهاء مجرى ما تليه الكسرة نحو: بهم، ولم يعتدّ بالحاجز لسكونه، كما قلبوا الواو ياء في قولهم: ابن عمي دنيا «١»، لكسرة الدال ولم يعتدّ بالنون حاجزا لسكونه، فكأن الكسرة تلي الواو، لأن الأصل دنوا «٢».» «٣»
وقال أبو علي: «ألا ترى أن الإمالة إنما هي تقريب الألف من الياء وانتحاء بها نحوها.
والإمالة إنما تكون في الألف بأن تنحو بالفتحة التي قبل الألف نحو الكسر، فتميل الألف لذلك نحو الياء، وذلك نحو: عابد وعماد.
فإذا كان قبل الألف هاء مفتوحة، فمن العرب من يميل الحرف الذي قبل الهاء، وذلك أن الهاء لما كانت خفية لم يعتدّ بها، كما لم يعتدّ بها في نحو:
ردّها، ففتحها الجميع فيما يرويه من يسكن إليه، لأنه لخفاء الهاء كأنه قال: ردّا «٤»، وذلك قولهم: يريد أن ينزعها، ويريد أن يضربها، فيميل قبل الألف فتحتي الحرفين لخفاء الهاء.» «٥»
стр. 249
- المخالفة -
- هي الفرار من توالي الأمثال لثقل اجتماعها «١».
- والمتقاربة في ذلك كالأمثال «٢».
- وعبّرت كتب الاحتجاج عن هذا القانون بكراهة (التضعيف) «٣»، أو (اجتماع المثلين) «٤»، أو (التكرير) «٥»، أو نحوها؛ وبطلب (الاختلاف)، قال ابن جني:
«ويبدلون أيضا ليختلف الحرفان فيخفّا، وذلك قوله «٦»:
يا ليتما أمّنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنّة أيما إلى نار
وقالوا في اجلوّذ: اجليواذ «٧»، وفي دوّان: ديوان «٨».» «٩» «١٠»
стр. 250
- وتكون المخالفة بين المثلين بطرق كثيرة ذكر بعضها أبو علي في قوله:
«وأما ترك إتباع الهاء الياء في فِيهِ هُدىً [البقرة ٢] وما أشبهه في الوصل، فلكراهة اجتماع حروف فيه متقاربة، وقد كرهوا من اجتماع المتقاربة ما كرهوا من اجتماع الأمثال؛ ألا ترى أنهم يدغمون المتقاربة كما يدغمون الأمثال؟
فالقبيلان من الأمثال والمتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالإدغام، وتارة بالقلب، وتارة بالحذف.
فما خفف بالإدغام فنحو: ردّ وودّ في (وتد) «١».
وما خفف بالقلب فنحو: تقضّيت وتقصّيت، ونحو: ظلت ومست «٢»، ونحو «٣»:
لا أملاه حتى يفارقا
ونحو: طست «٤» وستّ «٥».
стр. 251
وما خفف بالحذف فنحو قوله: اسطاع «١»، واستخذ فلان مالا فيمن قدره استفعل من تخذت «٢».
واستحيت «٣»، وعل ماء بنو فلان «٤»، وتقيت تتقي «٥»، وما أشبه ذلك.» «٦»
стр. 252
وقد تكون المخالفة بزيادة فاصل بين المثلين، ليبعد المثل عن المثل ويزول الاجتماع، فيخف اللفظ. قال أبو علي في الاحتجاج لقراءة من أدخل ألفا بين الهمزتين في قوله تعالى: أَأَنْذَرْتَهُمْ [البقرة ٦]:
«ومن ذلك أن ناسا إذا اجتمعتا من كلمتين فصلوا بينهما بالألف في نحو:
آأنت زيد الأرانب؟ «١»
كما فصلوا بين النونات في نحو: اخشينانّ «٢».
فكما ألزموا الفصل بين النونات بالألف، كذلك يلزم في (آأنت)، لئلا تجتمع الهمزتان.» «٣» «٤»
стр. 253
وقد يترك الفصل إذا كان يؤدي إلى توالي الأمثال، قال أبو علي في قوله تعالى: قالَ آمَنْتُمْ لَهُ [طه ٧١] والاحتجاج لقراءة أبي عمرو: (أآمنتم) بهمزتين الثانية مسهلة بين بين وبعدها ألف: «وأبو عمرو إذا اجتمع هذا النحو من الهمزتين أدخل بينهما ألفا، وكأنه ترك هنا هذا الأصل لما كان يلزم من اجتماع همزتين وألفين، والهمزة الأولى
همزة الاستفهام، والألف الأولى التي بعد الهمزة الأولى هي التي يفصل بها بين الهمزتين في نحو:
آأنت أم أمّ سالم؟ «١»
والهمزة الثانية- وهي الثالثة من أول الكلمة- همزة (أفعل) في (أامن)، والألف التي بعدها هي الألف المنقلبة عن فاء الفعل من (الأمن) و (الأمان)، وأبدلت ألفا لاجتماعها «٢» مع همزة (أفعل)؛ فكان يلزم اجتماع همزتين وألفين متواليات: أاأامنتم، فترك ذلك في هذا الموضع لكراهة اجتماع الأمثال.» «٣»
- والمخالفة ليست وقفا على الصوامت، فقد تأتي في الصوائت، وتكون بالحذف أو القلب.
فمن الحذف قراءة أبي عمرو: يَنْصُرْكُمُ [آل عمران ١٦٠] وبارِئِكُمْ [البقرة ٥٤] وشبهه بخلف عنه بالإسكان. قال مكي:
«وعلة من أسكن أنه شبّه حركة الإعراب بحركة البناء، فأسكن حركة
стр. 254
الإعراب استخفافا، لتوالي الحركات، تقول العرب: أراك منتفخا «١» بسكون الفاء استخفافا، لتوالي الحركات، وأنشدوا «٢»:
وبات منتصبا وما تكردسا
فأسكن الصاد لتوالي الحركات، فشبّه حركات الإعراب بحركات البناء، فأسكنها وهو ضعيف مكروه.» «٣»
ومنه أيضا إسكان حمزة همزة (السّيّئ) الأولى دون الأخرى في قوله تعالى: اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر ٤٣]، قال ابن خالويه:
«قوله تعالى: وَمَكْرَ السَّيِّئِ أجمع القراء فيه على كسر الياء وخفض الهمزة، إلا ما قرأه حمزة بوقف الهمزة كالجزم في الفعل.
وإنما فعل ذلك تخفيفا للحرف لاجتماع الكسرات وتواليها مع الهمزة، كما خفف أبو عمرو في قوله: بارِئِكُمْ [البقرة ٥٤].
فإن قيل: فهلا فعل في الثاني كما فعل في الأول؟ فقل: لم تتوال الكسرات في الثاني كما توالت في الأول، لأنه لما انضمت الهمزة للرفع زال الاستثقال، فأتى به على أصل ما أوجبه الإعراب له من الرفع.» «٤»
стр. 255
ومن القلب قول ابن زنجلة «قرأ حفص عن عاصم: وَما أَنْسانِيهُ [الكهف ٦٣] بضم الهاء على أصل الكلمة، وأصلها الضم، وإنما عدل عن كسر الهاء إلى الضم لما رأى الكسرات من (أنسانيه) وكانت الهاء أصلها الضم، رأى العدول إلى الضم ليكون أخف على اللسان من الاستمرار على الكسرات.
ومن كسر فلمجاورة الياء كما تقول: فيه وعليه.» «١»
ومنه أيضا قول العكبري: «قوله تعالى: سُرُرٍ [الحجر ٤٧] يقرأ بفتح الراء الأولى مع ضم السين، وهي لغة فرّ فيها من الضم إلى الفتح لاجتماع الضمات.» «٢» «٣»
- السهولة والتخفيف -
- هو ميل المتكلم إلى الاقتصاد في الجهد، بتخفيف المستثقل من الكلام «٤».
- وعبّرت كتب الاحتجاج عن هذا القانون ب (التخفيف) أو (الاستثقال) غالبا، وب (السهولة) و (اليسر) نادرا، ومن هذا النادر قول مكي في نحو قوله تعالى: أَنِ اعْبُدُوا [المائدة ١١٧] في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي وأبي جعفر وخلف بضم النون:
« ... وأيضا فإنه كره الخروج من كسر إلى ضم ليس بينهما غير حرف ساكن، والساكن غير حائل لضعفه، فلا يعتدّ به، وألف الوصل لا حظّ لها في
стр. 256
الوصل ولا يعتد بها حاجزا، فلما ثقل ذلك ضم الساكن الأول ليتبع الضم الضم فيكون أيسر عليه في اللفظ وأسهل، وهي لغة.» «١»
- ونصّ ابن خالويه على أمر جامع في هذا الباب، وهو أن «الخفيف فرع على الثقيل» «٢»، ودونه في صراحة التعبير عن هذا الأمر قول المهدوي:
«فإن قال قائل: ما الدليل على أن أصل (السراط) السين، وهلا قلت: إن أصله الصاد؟ قيل له: الدليل على ذلك أنه قد استعمل بالسين في الكلام والقرآن، فلو كان أصله الصاد لم تقلب الصاد إلى السين، لأن العرب إنما تستعمل القلب وما أشبهه إرادة الخفة والتجانس، فلم يكونوا ليتركوا الصاد التي هي مجانسة للطاء وهي الأصل، ويجعلوا موضعها السين وهي حرف مهموس، فيكون الأصل على هذا أخف مما قلب الحرف إليه.» «٣»
- ومن المستثقل الذي يقع عليه التخفيف: الهمز، قال ابن أبي مريم:
«واعلم أن الهمزة لمّا كانت خارجة من أقصى الحلق، استحبت العرب تخفيفها استثقالا لإخراج ما هو كالتهوّع «٤».» «٥»
واستدل أبو علي على «أن الهمزة حرف مستثقل، بدلالة تخفيفهم لها» «٦».
стр. 257
وأثقل ما يكون الهمز إذا كان ساكنا، قال المهدوي:
«ألا ترى أنهم أجمعوا على إبدالها إذا اجتمعت مع همزة أخرى متحركة، نحو: آدم وآخر، ولم يجمعوا على الإبدال إذا كانتا متحركتين نحو: أئمة، فذلك لأن الساكنة أثقل من المتحركة. وقد قيل: المتحركة أثقل ... » «١».
وبيّن ابن زنجلة وجه ثقل الهمزة الساكنة فقال: «وذلك أنه تخرج الهمزة الساكنة من الصدر، ولا تخرج إلا مع حبس النفس؛ والهمزة المتحركة تعينها حركتها وتعين المتكلم بها على خروجها.» «٢»
وحبس النفس مع نطق الهمزة ناشئ عن انطباق الطيتين الصوتيتين، فإذا كانت ساكنة طالت مدته، وهو ما يزيدها ثقلا.
على أن تخفيف الهمز قد يكون أثقل من تحقيقه في مواضع، قال المهدوي في استثناء أبي عمرو تخفيف الهمز في تؤيه [المعارج ١٣] وتؤي [الأحزاب ٥١] من أصله في تخفيف الساكنة إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة:
«وأما علته في تؤيه وتؤي فإنه إنما همزه لأن ترك الهمز فيه أثقل من الهمز، لأنه لو ترك الهمزة الساكنة لأبدلها واوا لانضمام ما قبلها، فتجتمع واوان: واو ساكنة قبل ضمة، وبعدها واو مكسورة، وذلك أثقل من الهمز، وإنما يترك الهمز للتخفيف.» «٣» «٤»
стр. 258
- ومن المستثقل اجتماع الحروف المتقاربة فضلا عن الأمثال، فمن الأول حذف التاء في قوله تعالى: فَمَا اسْطاعُوا [الكهف ٩٧]، قال أبو العلاء الكرماني:
«أصله: فما استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالحذف. قال ابن السّكّيت «١»: يقال: ما أستطيع، وما أستتيع، وما أسطيع، وما أستيع: أربع لغات «٢».» «٣» «٤»
فإذا اجتمع مثلان أو متقاربان، فإن للتخفيف صورا شتى، منها الإدغام.
قال مكي: «واعلم أن أصل الإدغام إنما هو في الحرفين المثلين، وعلة ذلك إرادة التخفيف، لأن اللسان إذا لفظ بالحرف من مخرجه ثم عاد مرة أخرى إلى المخرج بعينه ليلفظ بحرف آخر مثله صعب ذلك. وشبّهه النحويون بمشي المقيّد، لأنه يرفع رجلا ثم يعيدها إلى موضعها أو قريب منه «٥»؛ وشبهه بعضهم بإعادة الحديث مرتين، وذلك ثقيل على السامع.» «٦»
ومنها الحذف، وهو أخفّ من الإدغام، نحو قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام ١٥٢]، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة وأبو
стр. 259
جعفر ويعقوب: (تذّكّرون) بالتشديد، وقرأ الباقون: (تذكّرون) بالتخفيف. قال أبو علي:
«والقول في ذلك أن التخفيف مثل التشديد في المعنى، إنما هو:
تتذكرون، فخفف «١» لاجتماع المتقاربة بالحذف كما خففه غيره بالإدغام.
ويمكن أن يقال: إن الحذف أولى لأنه أخف في اللفظ، والدلالة على المعنى قائمة» «٢».
ومنها الإبدال، قال ابن جني في حديثه عن أصل (ذرّيّة) وأنها تحتمل أوجها كثيرة منها «أن تكون ذرية: فعّيلة كمرّيقة «٣»، إلا أن أصلها ذريرة على هذا، فلما كثرت الراءات أبدلوا الآخرة ياء وأدغموا فيها ياء فعلية التي قبلها» «٤» - قال:
«ونحو منه مما أبدل فيه أحد الأمثال ياء هربا من تكريرها قولهم: تظنّيت وتسرّيت، وتلعّيت من اللّعاعة وهي بقلة، وقصّيت أظافري، وتفضّيت من الفضة، وكقوله «٥»:
تقضّي البازي إذا البازي كسر
وهو تفعّل من الانقضاض، وأصله: تقضّض، كما أن أصل تظنيت:
تظننت، وتسريت: تسررت ... وأصل تلعيت: تلععت، وأصل قصيت أظفاري قصصت ... وأصل تفضيت: تفضضت ... » «٦».
стр. 260
- ومن المستثقل طول الكلمة «١»، قال المهدوي:
«إسكان أبي عمرو السين في رُسُلُنا [المائدة ٣٢] ونظائره، والباء في سُبُلَنا [إبراهيم ١٢] على وجه التخفيف، لأن العرب تخفف جميع ما جاء على (فعل)، وتخفيف رُسُلِهِ [البقرة ٩٨] ورُسُلِكَ [آل عمران ١٩٤] وسُبُلَ رَبِّكِ [النحل ٦٩] ورُسُلُ اللَّهِ [الأنعام ١٢٤] وما أشبه ذلك جائز، غير أن أبا عمرو خصّ بالتخفيف ما اتصل بضمير الجماعة
دون غيره لطول الكلمة.» «٢»
وقال في موضع آخر: «وكان أبو عمرو يعتبر في أغلب الأمر طول الكلمة، فإذا طالت الكلمة أسكن الياء، نحو: لَيَحْزُنُنِي [يوسف ١٣] ولِيَبْلُوَنِي [النمل ٤٠] وتَأْمُرُونِّي [الزمر ٦٤] وما أشبه ذلك «٣».
وعلة ذلك أن الكلمة لمّا طالت ثقلت، فكره أن يزيد في طولها بحركة الياء، فخففها بالإسكان.» «٤»
- ومن المستثقل تكرر الحركات، أو كثرتها، أو تنافرها.
فأما ما يكره من تكرر الحركات فالضمة والكسرة «٥»، دون الفتحة لخفتها «٦».
стр. 261
قال الفراء: «وقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها [هود ٢٨] العرب تسكن الميم التي من اللزوم فيقولون: أنلزمكموها، وذلك أن الحركات قد توالت فسكنت الميم لحركتها وحركتين بعدها وأنها مرفوعة، فلو كانت منصوبة لم يستثقل فتخفف، إنما يستثقلون كسرة بعدها ضمة، أو ضمة بعدها كسرة، أو كسرتين متواليتين، أو ضمتين متواليتين ...
فإنما يستثقل الضم والكسر لأن لمخرجيها مئونة على اللسان والشفتين:
تنضم الرفعة بهما فيثقل الضمة، ويمال أحد الشدقين إلى الكسرة فترى ذلك ثقيلا، والفتحة تخرج من خرق الفم بلا كلفة.» «١»
فمن تكرر الضمة قوله تعالى: عُرُباً [الواقعة ٣٧]، قال ابن خالويه:
«إجماع القراء على ضم الراء، إلا ما تفرد به حمزة وأبو بكر عن عاصم من إسكانها ... والحجة لمن أسكن أنه استثقل الجمع بين ضمتين متواليتين، فخفف بإسكان أحدهما.» «٢»
ومن تكرر الكسرة قوله تعالى: وَمَكْرَ السَّيِّئِ [فاطر ٤٣]، قرأ حمزة بإسكان الهمزة وصلا، قال الكرماني: «ويحتمل أنه خفف آخر الاسم لاجتماع الكسرتين والياءين كما خففوا الباء من (إبل) لتوالي الكسرتين، ونزّل حركة الإعراب بمنزلة غير حركة الإعراب.» «٣» «٤»
وتخفيف ما تكرر من الضمة والكسرة يكون بالفتحة كما يكون بالسكون، قال ابن جني:
стр. 262
«وقد دللنا في كتابنا (الخصائص) «١» على تقاود «٢» الفتح والسكون، ولأنهما «٣» يكادان يجريان مجرى واحدا في الفم في عدة أماكن.
منها أن كل واحد منهما قد يفزع ويستروح إليه من الضمة والكسرة؛ ألا تراهم قالوا في غرفات ونحوها تارة: غرفات بالفتح، وأخرى: غرفات بالسكون؛ كما قالوا في سدرات تارة: سدرات بالفتح، وأخرى: سدرات بالسكون.» «٤» «٥»
وأما ما يكره من كثرة الحركات، فحدّه أبو علي بما زاد على ثلاث حركات، قال:
«وقد كرهوا الحركة فيما تتوالى فيه الحركات، وإن كانت للإعراب، فزعم أبو الحسن «٦» أن بعضهم قال: رُسُلُهُمْ [إبراهيم ١٠] «٧»، ونحو هذا ما أنشده سيبويه من قوله «٨»:
إذا اعوججن قلت صاحب قوّم «٩»
стр. 263
ونحوه قول جرير «١»:
سيروا بني العمّ فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى ولا تعرفكم العرب
فأما حدّ المستخفّ والمستثقل، فإن جعل ما زاد على الثلاثة غير مستخف كان مذهبا، وإن جعل المستثقل ما توالى فيه أربع حركات كان مذهبا، لأنك قد علمت استثقالهم له برفضهم إياه في الشعر، إلا في موضع الزحاف.
وإذا لم يستخف الأربعة، فالخمسة أجدر بألا تستخف «٢».» «٣»
فممّا أسكن لكثرة الحركات لام الأمر في قوله تعالى: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم ١١]، قال ابن جني في قراءة من قرأ بكسرها: «هذا لعمري الأصل في لام الأمر، أن تكون مكسورة، إلا أنهم أقروا إسكانها تخفيفا. وإذا كانوا يقولون: مره فليقم، فيسكنونها مع قلة الحروف والحركات، فإسكانها مع كثرة الحروف والحركات أمثل، وتلك حالها في قوله: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، لا سيما «٤» وقبلها كسرة الهاء «٥»؛ فاعرف ذلك، فإن مصارفة الألفاظ باب معتمد في الاستثقال والاستخفاف.» «٦»
وقد تحذف الفتحة على خفتها لكثرة الحركات، نحو قوله تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر ٣٠]، قرأ أبو جعفر: (تسعة عشر)، قال ابن جني:
«أما (تسعة عشر) بفتح هاء (تسعة) وسكون عين (عشر)، فلأجل كثرة الحركات، وأن الاسمين جعلا كاسم واحد، فلم يوقف على الأول منهما فيحتاج إلى الابتداء بالثاني.
стр. 264
فلما أمن ذلك أسكن تخفيفا أوله، وجعل ذلك أمارة لقوة اتصال أحد الاسمين بصاحبه.» «١» «٢»
وأما ما يكره من تنافر الحركات، فهو الخروج من كسر إلى ضم، قال المهدوي:
«فَمَنِ اضْطُرَّ [البقرة ١٧٣] وما أشبهه، من كسر الساكن الأول من الساكنين الملتقيين إذا كانا من كلمتين، وكان أول الكلمة الثانية ألف وصل تبتدأ بالضم، فإنه جاء به على أصل الساكنين، وهو أن يكسر الأول منهما نحو قولك:
قل الحقّ، واضرب الرجل، وما أشبهه ...
ومن ضم الساكن الأول ... فإنه استثقل أن يكسره وبعده ضمة، والخروج من كسر إلى ضم ثقيل، فضم لالتقاء الساكنين، ليخرج من ضم إلى ضم.
ويقوي ذلك أنهم ضموا ألف الوصل في قولك: اخرج وما أشبهه، وكرهوا أن يكسروها لثقل الضم بعد الكسر.» «٣» «٤»
والخروج من ضم إلى كسر على ضربين: لازم وعارض، والأول مرفوض في حين أن الآخر جائز، لأنه لا حكم لعارض. قال أبو علي:
«إن الضم بعد الكسر على ضربين:
стр. 265
أحدهما: أن يكون في بناء الكلمة وأصلها، كالضم بعد الفتح في (عضد).
والآخر: أن يكون عارضا في الكلمة غير لازم لها.
فما كان من الضرب الأول فهو مرفوض في أبنية الأسماء والأفعال كما كان (فعل) في أبنية الأسماء مرفوضا، وما كان من الضرب الثاني فمستعمل، نحو قولهم: فرق، ونزق في الرفع ...
وقد أعلمتك ... أن كثيرا مما لا يلزم الكلمة لا يقع الاعتداد به «١».» «٢»
وذهب د. عبد الصبور شاهين إلى «أن اللغة تستثقل دائما أن تتوالى في النطق ضمة وكسرة، أو كسرة وضمة، والسبب في ذلك واضح من الناحية العضوية، لأن الكسرة هي أضيق الحركات وأكثرها تقدما، والضمة أضيق الحركات وأكثرها تراجعا، والناطق يصعب عليه أن ينقل لسانه من وضع معين إلى نقيضه تماما، مع التزام السرعة العادية في الأداء.
ولذلك تجنب العربي أن يعاني هذه الصعوبة في الأبنية الثابتة، أما بناء الفعل للمفعول فهو حالة عارضة تعبّر عن وظيفة لغوية يقصد إليها المتكلم، فهو يعمد إلى التتابع الصعب في هذه الحالة وحدها.» «٣»
على أن في توالي (كسرة فضمة) زيادة ثقل ليست في توالي (ضمة فكسرة)، وذلك لأن الضمة أثقل من الكسرة «٤»، ففي الصورة الأولى خروج من ثقيل إلى أثقل، وهو غاية الثقل، وليس كذلك في الأخرى.
- ومن المستثقل التصعّد بعد التسفّل، قال ابن أبي مريم:
стр. 266
«ولو أمال الألف في نحو (ناشط) و (واقد) لصوّب لسانه بإمالة الألف ثم صعّده «١» بالحرف المستعلي، فكان في ذلك تصعد بعد تسفل، وكان يثقل، فهذا بعيد؛ ألا ترى أنهم قالوا: صقت في (سقت)، وصويق في (سويق)، والصّراط في (السّراط)، فأبدلوا من السين حرفا مستعليا ليوافق المستعلي ولا يقع تصعد بعد تسفل، وقالوا: قست وقسوت وقسور «٢»، فلم يبدلوا من السين الصاد، لأن فيه التسفل بعد التصعد، وهذا لا يستثقل، لأن الانحدار بعد التصعد غير ثقيل، فلهذا لا يستنكر، وإنما المستنكر عكسه، وهو التصعد بعد التسفل.» «٣» «٤»
- كثرة الاستعمال -
- هي أن يكثر دور الكلمة، فتكون أولى بالتخفيف من غيرها «٥».
ولا تكون هذه الكثرة سببا لاستعمال التغيير في الكلمة، وإنما تعضد سببا ضعيفا لا يقوم وحده، فيقوى بها.
وهذه التغييرات التي تنشط أسبابها بفعل كثرة الاستعمال قد تكون صوتية، أو صرفية، أو نحوية، أو دلالية.
- فمن التغييرات الصرفية التركيب المزجي في قوله تعالى: قالَ ابْنَ أُمَ
стр. 267
[الأعراف ١٥٠] بفتح الميم «١»، قال ابن أبي مريم: «والوجه أنهما اسمان جعلا اسما واحدا، وبنيا على الفتح كبناء خمسة عشر، لكثرته في كلامهم، وكما قالوا: لقيته كفّة كفّة «٢»، وهو جاري بيت بيت.
والفتحة في (ابن) فتحة بناء وليست بنصب، كما في الاسم المضاف إذا نودي، قال سيبويه «٣»: إنما بني هذا، لأنه أكثر في كلامهم من: يا ابن أبي ويا غلام غلامي. أشار إلى أن كثرة استعمالهم له دعتهم إلى أن طلبوا فيه الخفة، فجعلوا الاسمين اسما واحدا.» «٤» «٥»
- ومن التغييرات النحوية سلب المصادر عملها، قال أبو علي:
« ... إذ لم يعملوا من المصادر ما كثر استعمالهم له، كما ذهب «٦» إليه في قولهم: لله درّك، وتمثيله إياه بقولهم: لله بلادك. فإذا قال: رهنت زيدا رهنا وارتهنت رهنا، فليس انتصابه انتصاب المصدر، ولكن انتصاب المفعول به كما تقول: رهنت زيدا ثوبا، ورهنته ضيعة.» «٧»
- ومن التغييرات الدلالية تعميم معنى كلمة (تعال)، قال ابن خالويه:
«والأصل: ارتفع، ثم كثر في كلامهم حتى صار من في البئر يقول للذي فوق: تعال.» «٨»
стр. 268
- وأما التغييرات الصوتية فكثيرة، منها حذف النون في قوله تعالى: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ [النحل ١٢٧]. قال ابن خالويه:
«فإن قيل: لم سقطت النون في قوله: وَلا تَكُ؟ فالجواب في ذلك أن الأصل: (ولا تكون)، فاستثقلوا الضمة على الواو فنقلوها إلى الكاف فالتقى ساكنان: الواو والنون، فحذفوا الواو لالتقاء الساكنين، فصار: (لا تكن).
والموضع الذي حذفت النون مع الواو، فلأن النون يضارع حرف المد واللين، وكثر استعمال (كان، يكون)، فحذفوها لذلك؛ ألا ترى أنك تقول: لم يكونا، والأصل: لم يكونان، فأسقطوا النون للجزم، فشبهوا (لم يك) في حذف النون ب (لم يكونا)؛ فاعرف ذلك.» «١» «٢»
- ومنها حذف الهمزة في اسمي التفضيل: خير وشرّ، قال ابن جني في قراءة من قرأ: الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [القمر ٢٦]: «(الأشرّ) بتشديد الراء هو الأصل المرفوض، لأن أصل قولهم: هذا خير منه، وهذا شرّ منه- هذا أخير منه، وأشرّ منه؛ فكثر استعمال هاتين الكلمتين، فحذف الهمزة منهما.» «٣»
- ومنها إدغام لام التعريف في أربعة عشر حرفا، هي: الشين، والضاد، واللام، والنون، والراء، والطاء، والدال، والتاء، والصاد، والزاي، والسين، والظاء، والذال، والثاء.
قال ابن أبي مريم:
«وإنما أدغمت لام المعرفة في هذه الحروف لمقاربتها «٤» لها، ولم يدغم
стр. 269
سواها من اللامات فيها كلها، لكثرة استعمالهم لام التعريف في الكلام.» «١» «٢»
- ومنها إمالة أبي عمرو ألف (النار) دون (الجار) مع اتفاقهما في الوزن وانقلاب الألف عن واو. قال ابن خالويه:
«فإن سأل سائل: لم أمال أبو عمرو أَصْحابُ النَّارِ [البقرة ٣٩] ولم يمل الْجارِ الْجُنُبِ [النساء ٣٦]، وألفهما منقلبتان من الواو، ووزنهما سيّان، والأصل فيهما: نور، جور، فقلبوا من الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها؟
فالجواب في ذلك: أن (النار) كثر دورها في القرآن فأماله تخفيفا، و (الجار) لمّا قلّ دوره في القرآن تركه على أصله، والدليل على ذلك أن أبا عمرو يميل بِالْكافِرِينَ [البقرة ١٩] في موضع الجرّ والنصب لكثرة دوره في القرآن، ولا يميل (الجبارين) في موضع النصب، لأنه في القرآن في موضعين:
إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ [المائدة ٢٢]، وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء ١٣٠].» «٣»
- ومنها قلب حمزة والكسائي الضمة كسرة في (أمّ) إذا سبقت بكسرة أو ياء ساكنة، قال المهدوي: «من كسر الهمزة إذا كان قبلها ياء أو كسرة، فإنه استثقل أن يأتي بالهمزة مضمومة وقبلها ياء ساكنة أو كسرة، فغيّر الهمزة اتباعا لما قبلها كما غيّرت بالبدل والتخفيف، وخصّ بذلك همزة (أمّ) دون غيرها من الهمزات نحو همزة (أفّ) ونظائره لكثرة استعمالهم (أم) و (أمهات).» «٤» «٥»
стр. 270
- ومنها ما يكون مركبا، أي فيه أكثر من تغيير، نحو قولهم: أيش؟ قال أبو علي:
«ومن ذلك قولهم: أيش تقول؟ حكاه أبو الحسن والفراء «١».
والقول فيه أنه كان: أيّ شيء؟ فخففت الهمزة وألقيت كسرتها على الياء، وكثر الكلام بها، فكرهت حركة الياء بالكسرة، كما كرهت في: قاضين وغازين ونحوه، فأسكنت والتقت مع التنوين، وكل واحد منهما ساكن، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فإذا وقفت عليها قلت: أيش، فأسكنت «٢».» «٣»
- أمن اللبس -
- أمن اللبس في الكلام: سلامته من الاشتباه بغير المراد، وهو شرط لحدوث التغييرات اللغوية، صوتية كانت أو غير ذلك.
- فمن غير الصوتية القلب في قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى «٤» بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء ٤٢]، قال أبو علي:
«وفي هذا الوجه اتساع، لأن الفعل مسند إلى الأرض، وليس المراد: ودّوا لو تصير الأرض مثلهم، إنما المعنى: ودّوا لو يصيرون يتسوون بها، لا تتسوى هي بهم، وجاز ذلك لأنه لا يلبس. وقالوا: أدخل فوه الحجر لمّا لم يلتبس «٥».» «٦»
стр. 271
- ومن الصوتية حذف الواو وإسكان الميم في نحو (عليهم)، قال المهدوي:
«وعلة من أسكن الميم أنه أراد التخفيف، إذ لا يقع في حذف الواو لبس، وذلك أنك تقول في الواحد المذكر: عليه، وفي المؤنث: عليها، وفي الاثنين:
عليهما، وفي جمع المؤنث: عليهن، فلم يبق (عليهم) إلا لجماعة المذكر.
فلما كانت إحدى العلامتين تنوب عن الأخرى بغير لبس يقع في الكلمة، اختار ما هو أخفّ.» «١»
- ومنها الإشمام في نحو: (قيل)، قال أبو علي:
«حجة من قال: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ [البقرة ١١] فأشم الضمة الكسرة وأمال بها نحوها: أن ذلك أدلّ على (فعل)؛ ألا ترى أنهم قد قالوا: كيد زيد يفعل، وما زيل يفعل، وهم يريدون (فعل) «٢»؟ فإذا حركوا الفاء هذه التحريكة أمن بها التباس الفعل المبني للفاعل بالفعل المبني للمفعول.» «٣»
- ومنها إمالة أبي عمرو ألف (ها) و (يا) من قوله تعالى: كهيعص [مريم ١]، قال ابن خالويه: «وحدثني محمد بن الحسن الأنباري عن ابن فرج عن أبي عمر عن اليزيدي عن أبي عمرو أنه قرأ: (كهيعص) بكسر الهاء والياء. قال: قلت لأبي عمرو: لم كسرت الهاء؟ قال: لئلا تلتبس بالهاء التي للتنبيه. قلت: فلم كسرت الياء؟ قال: لئلا تلتبس بالياء التي للنداء إذا قلت: يا رجل، ويا زيد.» «٤»
- ومنها استثناء أبي عمرو تخفيف همزة: رئيا [مريم ٧٤] من أصله في تخفيف الساكنة إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة. قال المهدوي:
стр. 272
«وأما علته في (رئيا)، فإنه إنما همزه ... كراهة الالتباس، لأنه على قراءته مما تراه العين، ولو ترك همزه فقال: (وريّا)، لصار من ريّ الشارب.» «١»
- ومنها امتناع إدغام النون في الواو والياء- وكذلك الراء واللام- إذا كانتا في كلمة واحدة. قال مكي: «ولو وقعت النون قبل الواو والياء في كلمة، لم يكونا إلا مظهرين، لأنك لو أدغمت لالتبس بالمضاعف، فتقول: الدُّنْيا [البقرة ٨٥]، وبُنْيانٌ [الصف ٤]، وقِنْوانٌ [الأنعام ٩٩]، وصِنْوانٌ [الرعد ٤]: بالإظهار.» «٢» «٣»
- ومنها سكتات حفص الأربع، قال المهدوي:
«ووجه سكوت حفص على قوله : عِوَجاً «٤» ومَرْقَدِنا «٥» أنه أراد زوال اللبس الواقع عند اتصال قوله: عِوَجاً بقوله: يُقِيما «٦»، وكذا سكت على قوله: مَرْقَدِنا ليبين أن هذَا «٧» ابتداء، وليس متعلقا بقوله: مَرْقَدِنا.
فأما سكوته على النون من قوله: مَنْ راقٍ [القيامة ٢٧] واللام من قوله بَلْ رانَ [المطففين ١٤]، فإنه- والله أعلم- فرّ من الإدغام.» «٨»
- ومنها أن الكسر أصل لالتقاء الساكنين «٩»، قال مكي:
«فإن قيل: من أين كان الكسر أصلا لالتقاء الساكنين؟
стр. 273
فالجواب: أنه لما وجب تحريك الأول لالتقاء الساكنين، كان الكسر أولى به في الأسماء، إذ ليس فيه كسر يراد به الإعراب إلا ومعه تنوين، فأمنوا أن يلتبس بالمعرب، إذ لو ضموا أو فتحوا لالتقاء الساكنين لالتبس بالمعرب الذي لا ينصرف، لأن الضم والفتح يكونان إعرابا بغير تنوين في الأسماء، ولا يكون الكسر إعرابا في الأسماء إلا بالتنوين، فدلّ الكسر بغير تنوين أنه ليس بإعراب وأنه بناء، إذ لو كان إعرابا لاتبعه التنوين.
فأما علة الكسر لالتقاء الساكنين في الأفعال، فإنه لما كان الخفض لا يدخل الأفعال حركوها لالتقاء الساكنين بحركة لا تشكل بالإعراب، إذ لا خفض فيها، ولو حركت بالفتح أو الضم لالتبس بالإعراب، لأن الفتح والضم من إعراب الأفعال.» «١»
- طرد الباب -
- هو أن يستحق بعض أمثلة يجمعها معنى ما (باب) تغييرا، فيحمل (يطرد) سائرها عليه، لتجري على سنن واحد.
- فمنه أنهم حذفوا الهمزة في نحو: (أكرم)، إذ أصله: أؤكرم، لثقل اجتماع الهمزتين، وحذفوها في (يكرم، وتكرم، ونكرم) ولم تجتمع فيها همزتان، حملا على حذفها في (أكرم)، ليجري مضارع (أفعل) على طريقة واحدة في حذف الهمزة مع أحرف المضارعة «٢» «٣».
стр. 274
- ومنه أنهم حذفوا الواو في نحو: (يعد)، إذ أصله: يوعد، لوقوعها بين ياء وكسرة، وحذفوها في (أعد، وتعد، ونعد) ولم تقع بين ياء وكسرة، حملا على حذفها في (يعد). قال مكي:
«فلما وقعت الواو بين ياء وكسرة حذفت، لغة مسموعة لا يستعمل غيرها، وجرت التاء والنون والألف مجرى الياء في الحذف معهن لئلا يختلف الفعل.» «١» «٢»
- ومنه إسكان بعض القراء هاء (هو، وهي) إذا كان قبلها (ثم)، كما يسكنونها إذا كان قبلها واو أو فاء أو لام. قال المهدوي:
«وعلة من أسكن الهاء إذا كان قبلها واو أو فاء أو لام متصلة بها أن هذه الحروف لما اتصلت بالكلمة، وكان كل واحد منها على حرف لا يمكن أن يسكت عليها، أشبهت ما هو من نفس الكلمة، فصار قولك: (وهو) يشبه في اللفظ: (عضدا) و (سبعا)، وصار قولك: (وهي) يشبه في اللفظ: (كتفا) و (فخذا)، والعرب تسكن وسط ذلك تخفيفا، فكذلك أسكنت الهاء من (هو) و (هي) تخفيفا إذا اتصل بها أحد هذه الحروف الثلاثة.
وعلة تفريق أبي عمرو بين هذه الحروف الثلاثة وبين (ثم) من قوله: ثُمَّ هُوَ [القصص ٦١] أن (ثم) منفصلة من (هو)، ويجوز أن يسكت عليها، فصارت الهاء في حكم الابتداء، والعرب لا تبتدئ بساكن.
стр. 275
وعلة قالون والكسائي في تسويتهما بين (ثم) وغيرها أن (ثم) تجتمع مع الواو والفاء في النسق، فأشبهتهما لذلك فحكما لها بحكمها ... » «١»
وقال مكي: «فأما من أسكن مع (ثم)، فإنه لمّا كانت كلها حروف عطف «٢»، حملها محملا واحدا.» «٣»
- ومنه ما اعتلّ به أبو علي لورش في قصره تخفيف الهمز على التي تكون فاء الكلمة، نحو قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ [البقرة ٣]، قال:
«وحجة من لم يهمز أن يقول: إن هذه الهمزة قد لزمها البدل في مثالين من الفعل الماضي والمضارع، فالماضي نحو: آمن، وأومن، والمضارع نحو:
أومن، ولم يجز تحقيقها في هذه المواضع.
وهذا القلب الذي لزمها في المثالين إعلال لها، والإعلال إذا لزم مثالا أتبع سائر الأمثلة العارية من الإعلال، كإعلالهم (يقوم) ل (قام)، وإعلالهم (يكرم) من أجل (أكرم)، و (أعد) ل (يعد)؛ فوجب على هذا أن يختار ترك الهمز في (يؤمنون)، اعتبارا لما أرينا من الإعلال ليتبع قولهم (يؤمنون) في الإعلال المثالين الآخرين لا على التخفيف القياسي في نحو جونة في (جؤنة) «٤» وبوس في (بؤس) «٥».» «٦»
стр. 276
- التعويض -
- هو جبر الحذف بالزيادة.
- وليس بلازم، فقد يكون حذف ولا يكون معه تعويض. قال ابن زنجلة:
«ومن العرب من إذا حذف عوّض، ومنهم من إذا حذف لم يعوّض.
فمن عوّض آثر تمام الكلمة، ومن لم يعوض آثر التخفيف، ومثل ذلك في تصغير (مغتسل): منهم من يقول: (مغيسل) فلم يعوض، ومنهم من يقول:
(مغيسيل) فعوض من التاء ياء «١».» «٢»
- فمن ذلك مجيء مصدر (فعّل) على (تفعيل)، وقياسه أن يجيء على (فعّال)، حذفوا التضعيف وعوضوا عنه بالتاء. قال مكي في قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً [النبأ ٣٥]: «قوله: (كذّابا) قرأه الكسائي بالتخفيف، جعله مصدر (كذب) ك (الكتاب) مصدر (كتب).
وقرأ الباقون بالتشديد، أتوا به على قياس مصدر (كذّب) المشدد، لأن الأصل في مصدر ما زاد على ثلاثة أحرف أن يأتي بلفظ الفعل منونا مكسور الأول بزيادة ألف رابعة، فتقول: كذّب كذّابا، وأكرم إكراما، ودحرج دحراجا ...
فأما قولهم: (التكذيب)، فسيبويه يقول «٣»: إن التاء عوض من زوال لفظ التضعيف من المصدر، والياء التي قبل الآخر عوض من الألف الرابعة في (كذابا).» «٤»
стр. 277
- ومنه قراءة ابن كثير: اللذانّ [النساء ١٦]، وهذانِ [طه ٦٣]، وهاتَيْنِ [القصص ٢٧] مشددة النون. قال أبو علي:
«من قرأ: (اللذانّ) و (هذانّ) و (هاتينّ)، فالقول في تشديد نون التثنية أنه عوض من الحذف الذي يلحق الكلمة؛ ألا ترى أن قولهم: (ذا) قد حذف لامها، وقد حذفت الياء من (اللذان) في التثنية ... «١»
فإن قال قائل: هلا وجب عوض المنقوص في التثنية نحو: يد ودم وغد؟
فإن ذلك ليس بسؤال؛ ألا ترى أنهم عوّضوا في أسطاع وأهراق «٢»، ولم يعوضوا في أجاد وأقام ونحو ذلك؟
وأيضا فإن الحذف لمّا لم يلزم هذه المتمكنة، كان الحذف في حكم لا حذف ... وليست المبهمة كذلك.» «٣»
- ومنه جمع (إسوار) على (أساورة)، وقياسه أن يجمع على (أساوير).
قال مكي: «حكى أبو زيد: إسوار المرأة وسوارها، وكان القياس في جمع إسوار: أساوير، كإعصار وأعاصير، ولكن جعلت الهاء بدلا من الياء وحذفت الياء، كما جعلوا الهاء بدلا من الياء في (زنادقة).» «٤» «٥»
ومنه قراءة من قرأ: المشئمة [البلد ١٩] بحذف الهمزة وتشديد
стр. 278
الشين، قال ابن خالويه: «وذلك أن من العرب من إذا أسقط الهمزة شدد الحرف الذي قبل الهمزة عوضا مما حذف، كقول أبي جعفر: ثم اجعل على كل جبل منهن جزّا [البقرة ٢٦٠] حذف وعوّض.» «١»
وكأن التشديد هنا للمحافظة على إيقاع الكلمة.
- ضعف الطّرف -
- هو أن آخر الكلمة أكثر عرضة للتغيير من سواه، قال سيبويه: «فآخر الحروف أضعف لتغيّره» «٢»، وقال فندريس: «والقطعة النهائية من الكلمة خائرة القوى من حيث هي نهائية، بصرف النظر عن قيمة الكلمة الصوتية وأبعادها ونبرها ... » «٣»
- وذكر هذا القانون في كتب الاحتجاج قليل، ومنه قول ابن خالويه في احتجاجه لحذف الواو وإسكان الميم في نحو (عليهم):
«فحجة من حذف قال: لأن الواو متطرفة، فحذفتها إذ كنت مستغنيا عنها، لأن الألف دلّت على التثنية، ولا ميم في الواحد إذا قلت: عليه.
فلما لزمت الميم لجمع «٤» حذفتها اختصارا. فإن حلّت هذه الواو غير طرف لم يجز حذفها، كقوله تعالى: أَنُلْزِمُكُمُوها [هود ٢٨].» «٥»
стр. 279
ومنه قول ابن زنجلة في قراءة أبي عمرو بحذف إحدى الهمزتين المتفقتين في نحو قوله تعالى: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها [محمد ١٨] واحتجاجه لمن ذهب إلى أنها الأولى:
«وحجة من يقول: الأولى هي المحذوفة هي أن الأولى وقعت في الكلمة آخرا، والثانية وقعت في كلمتها أولا، والأواخر أحق بالإعلال من الأوائل.» «١»
ومنه قول المهدوي: «والأطراف مواضع الحذف» «٢»، وقوله في موضع آخر:
«والإمالة بالطرف أولى منها بالوسط، لأن الإمالة تغيير، والأطراف مواضع التغيير.» «٣»
ومنه قول ابن أبي مريم: «والتغيير إلى الأواخر أسبق منه إلى الأوائل» «٤».
ومنه قول العكبري في قراءة من قرأ: يستحي [البقرة ٢٦] بحذف إحدى الياءين، واحتجاجه أن المحذوفة الثانية: «والتغيير باللامات أولى» «٥».
ثانيا. المصادر:
١ - النصوص اللغوية:
آ- القرآن الكريم وقراءاته.
ب- الحديث الشريف.
ج- الشعر.
د- كلام العرب.
هـ- الأمثال.
٢ - الآراء العلمية:
آ- مصادر خارجية.
ب- مصادر داخلية.
ثالثا. السمات:
١ - غلبة الجوانب التشكيلية على الجوانب النطقية.
٢ - غلبة التحليل على التركيب.
٣ - الوضوح والبعد عن التعقيد.
стр. 282
- لا بدّ، وقد بلغ البحث غايته، من أن نرسم الخطوط العامة للجوانب الصوتية في كتب الاحتجاج للقراءات: في المناهج، والمصادر، والسمات «١».
أولا- المناهج:
١ - التنظير والتطبيق:
- الأصل في كتب الاحتجاج أنها تنحو منحى تطبيقيا يقوم على شرح معاني القراءات وبيان وجه كلّ منها، على أنا لا نعدم فيها وقفات تنظيرية يكون مدار الكلام فيها على القاعدة، ولا سيما في الجوانب الصوتية، وقد اتخذت شكلين:
الأول: فصول صدّرت بها بعض كتب الاحتجاج كالكشف وشرح الهداية والموضح، احتجّ فيها لأصول القراء، وهي اختلافهم فيما يكثر دوره في القرآن ويندرج تحت ضوابط مطّردة، كالإظهار والإدغام، والمدّ والقصر، والفتح والإمالة ...
والآخر: شذرات كانت تعرض في بعض كتب الاحتجاج، كقول أبي علي:
«حروف المعجم على ضربين: ساكن ومتحرك، والساكن على ضربين:
أحدهما: ما أصله في الاستعمال السكون مثل راء برد وكاف بكر.
стр. 283
والآخر: ما أصله الحركة في الاستعمال فيسكّن عنها.
وما كان أصله الحركة يسكن على ضربين:
أحدهما: أن تكون حركته حركة بناء.
والآخر: أن تكون حركة الإعراب.
وحركة البناء التي تسكن على ضربين:
أحدهما: أن يكون الحرف المسكن من كلمة مفردة، نحو: فخذ وسبع وإبل، وضرب وعلم؛ يقول من يخفف: سبع وفخذ، وعلم وضرب.
والآخر: أن يكون هذا المثال من كلمتين، فيسكن على تشبيه المنفصل بالمتصل، كما جاء ذلك في مواضع من كلامهم نحو الإمالة والإدغام، وذلك قولهم: أراك منتفخا، وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور ٥٢]، ومن ذلك قول العجاج «١»:
فبات منتصبا وما تكردسا
ألا ترى أن (تفخا) من (منتفخ) مثل (كتف)، وكذلك (تقه) من (يتّقه)، وكذلك ما أنشده أبو زيد من قوله «٢»:
قالت سليمى اشتر لنا سويقا
فنزّل مثل كتف.
فأما حركة البناء فلا خلاف في تجويز إسكانها في نحو ما ذكرنا من قول العرب والنحويين، وأما حركة الإعراب فمختلف في تجويز إسكانها ... » «٣»
стр. 284
٢ - الاستدلال:
- جاء في كتب الاحتجاج من طرق الاستدلال مما يستحقّ الوقوف عنده طريقتان:
التجربة الذاتية، واستثمار علم العروض.
آ- التجربة الذاتية:
- على أنها نادرة، وكلّها مما سبق إليه متقدمو النحويين، نحو قول المهدوي:
«والغنة: الصوت الذي في الخياشيم، تعرفه إذا أمسكت إصبعك على أنفك، فينقطع الصوت. فالصوت المنقطع في تلك الحال هو الغنة.» «١» «٢»
ونحو قوله أيضا: «فإذا أردت معرفة حقيقة المخرج من الفم وغيره، فإنما تنطق بالحرف ساكنا وتدخل عليه همزة الوصل، فتقول: ان، ام،، فيظهر لك مخرج الحرف من الفم وغيره.
وكذلك تعتبر سائر الحروف، فاعلم ذلك إن شاء الله.» «٣»
ونحو قول ابن أبي مريم: «وبيان ذلك أنك إذا قلت في المجهور: إد، فلا تجد معه نفسا، وإذا قلت في المهموس: اس، فتجد نفسا جرى معه.» «٤»
ب- استثمار علم العروض:
- ميزان العروض، كما قال ابن جني، عيار الحسّ وحاكم الطبع «٥»، وكان قد تنبّه على صلة علم الأصوات بالموسيقى (والعروض منها) حين قال:
стр. 285
«ولكن هذا القبيل من هذا العلم- أعني علم الأصوات والحروف- له تعلّق ومشاركة للموسيقا، لما فيه من صنعة الأصوات والنّغم.» «١»
- وأكثر أصحاب الاحتجاج استثمارا للعروض فيما تناولوه من جوانب صوتية هو أبو علي، ومنه قوله تعالى: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة ٢٤٧]، قرأ قنبل بخلف عنه: (بصطة) بالصاد، وقرأ الباقون: (بسطة) بالسين.
قال أبو علي: «فأما من لم يبدل السين في (بسطة) وترك السين، فلأنه أصل الكلمتين، ولأن ما بين الحرفين «٢» من الخلاف يسير، فاحتمل الخلاف لقلته، ولأن هذا النحو من الخلاف لقلته غير معتدّ به؛ ألا ترى أن الحرفين المتقاربين قد يقعان في رويّ فيستجيزون ذلك كما يستجيزونه في المثلين، كقوله «٣»:
إذا ركبت فاجعلوني وسطا ... إني كبير لا أطيق العندا «٤»
فكما جعل الدال مثل الطاء في جمعهما في حرف الروي ولم يحفل بما بينهما من الخلاف في الإطباق، كذلك لم يحفل بما بين السين والصاد فلم يقرّبها منها كما فعل الآخرون.» «٥»
- ونحو قول المهدوي في الاحتجاج لابن كثير في إثباته صلة هاء الكناية