والاختصار» «١» وإن كان قد جاء هذا الشرح وافيا كبيرا في الواقع، وقد جرت عادته على ذكر (المتن) باسم: الأصل، يورده ثم يقول بعد ذلك: الشرح، ويبدو من نصوص هذا «الأصل» أنه صغير الحجم، كما أنه لا ذكر له في بعض أقسام الكتاب «٢».
وقد جعل المؤلف هذا الشرح الجامع في سبعة أقسام: القسم الأول في ذكر الفرق الخارجة عن الإسلام، والثاني في الكلام في فرق أهل القبلة، والثالث في «ذكر المعتزلة ورجالهم وأخبارهم وما أجمعوا عليه من المذهب وذكر فرقهم» والقسم الرابع في الكلام على التوحيد، والخامس في التعديل والتجوير، والسادس في الكلام في النبوات، والقسم الأخير في أدلة الشرع. ويبدو اعتماد المؤلف على كتب القاضي عبد الجبار واضحا في هذا الكتاب، بل إنه في القسم الثالث منه، وهو المتصل برجال المعتزلة، يعتمد اعتمادا كاملا على كتاب القاضي (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة) «٣» الذي تحدث القاضي فيه في قسمه المتصل بفضل الاعتزال عن أسماء المعتزلة وألقابهم، وعن فضل الاعتزال وسند المعتزلة، وناقش فيه من يتهم المعتزلة بأنهم القدرية، ومن يحرم الخوض في الكلام، وأن المعتزلة أبدعوا في
стр. 107
الإسلام حدثا جديدا ... إلى أمور كثيرة أخرى عقد لها فصولا موجزة، والذي رتب المعتزلة في قسمه الثاني في عشر طبقات أولها طبقة الصحابة، كعلي وأبي بكر وعمر وأبي ذر الغفاري، وآخرها طبقة الذين أخذوا عن أبي هاشم وعمن هو في طبقته «مع اختلاف درجاتهم وتفاوت أحوالهم».
وقد ضمّن الحاكم القسم المذكور من كتابه جميع ما كتبه القاضي في كتابه (فضل الاعتزال ... ) فأخذ الطبقات العشر المذكورة فوضعها في هذا القسم مع تصرف يسير في العبارة وعدم الالتزام بالإشارة إلى النقل عن القاضي- بقوله المعهود قال قاضي القضاة- حتى حين يكون الكلام بحروفه من كتاب القاضي ﵀، كما أخذ القسم الأول المتصل بفضل الاعتزال فقدم به- فعل القاضي- لهذه الطبقات وإن كان قد اختصر منه بعض الفصول الهامة في الواقع، والتي تتجاوز ثلث هذه الفصول الفريدة «١».
والجديد الذي قدمه الحاكم في هذا القسم، أو في موضوع طبقات المعتزلة، هو ما أضافه إلى طبقات القاضي العشر السابقة، وهي إضافات هامة في الواقع بما أكملت من حلقات الاعتزال إلى عصره، وبما أضافت وأوضحت من أعلام الأدب والشعر والفقه والقضاء الذين ذهبوا إلى الاعتزال، أضاف الحاكم أولا طبقتين أخريين: الطبقة الحادية عشرة والطبقة الثانية عشرة، وقد جعل على رأس الطبقة الأولى قاضي القضاة عبد الجبار ابن أحمد ومن هو في منزلته، وخص الثانية «بأصحاب قاضي القضاة» وهم تلامذته ومن أخذ عنه، ومنهم بعض شيوخ الحاكم نفسه كما رأينا.
стр. 108
ثم عقد فصولا كثيرة فيمن ذهب مذهب العدل من العترة، وممن بويع له بالخلافة، وممن كان من الأمراء والرؤساء، وفصولا أخرى فيمن ذهب مذهب العدل من الفقهاء ورواة الأخبار والزهاد «١» أعقبها بذكر من أدركه من أهل العدل، وذكر من ذهب إلى الاعتزال من الشعراء وأئمة اللغة.
وختم هذه الفصول بالحديث عن خروج أهل العدل، متى خرجوا ومع من من الأئمة والدعاة، ويبين هذا الفصل الموجز الهام مدى صلة المعتزلة بالشيعة، ومدى مشاركة المعتزلة في الحياة العامة، وأنهم لم يسموا معتزلة لاعتزالهم الناس كما يرى بعضهم. ويقرب هذا القسم الذي أضافه الحاكم في الطبقات من أربعين ورقة في حين لا تزيد طبقات القاضي خاصة عن ستين.
ومما تجدر الإشارة إليه بعد ذلك أن ابن المرتضى (المتوفى سنة ٨٤٠) قد أخذ طبقات المعتزلة على هذه الصفة التي تركها عليها الحاكم، وجعلها
стр. 109
في صدر كتابه (المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل) وأسقط منها بعض الفصول الأخيرة، واختصر بعضها الآخر اختصارا مخلا، وقدم وأخر في بعض الفصول والتراجم، كما أضاف إلى بعض التراجم إضافات قليلة لا تكاد تذكر. وقد جرى على سنّة الحاكم في طبقات القاضي حيث لم يلتزم الإشارة إلى الحاكم فيما ينقله عنه، ولو كان الكلام بحروفه من كلام الحاكم ﵀، والراجح أن يكون اطلاعه على جميع الطبقات إنما كان من كتاب الحاكم على الرغم من قوله في آخر الطبقة العاشرة إنه لما فرغ من الطبقات التي ذكرها القاضي ذكر طبقتين أخريين ذكرهما الحاكم، وذلك لنقله عنه في طبقات القاضي بعبارة قال الحاكم، ولأن ما ورد عنده من كلام القاضي- مما تصرف فيه الحاكم في بعض الأحيان- وصدره بقوله: قال القاضي، موافق لما في شرح عيون المسائل لا لما في فضل الاعتزال للقاضي ﵀، ولأسباب أخرى لا مجال للحديث عنها في هذه العجالة «١».
стр. 110
وقد رجعنا إلى «شرح عيون المسائل» في مواطن كثيرة من هذا
стр. 111
البحث، ونقلنا منه أكثر من نص بما يغنينا عن ذكر نموذج منه هنا في ختام التعريف به.
ثالثا: في الحديث
وله في الحديث كتاب «جلاء الأبصار في متون الأخبار» ذكره ابن شهراشوب والاسفندياري وابن المطهّر الحلّي «١» والجنداري ويحيى بن الحسين وإبراهيم بن القاسم. ووصفه الجنداري بأنه «مسند» وقال في الحاكم إنه «ليس بذاك في الحديث» والكتاب بين أيدينا اليوم وليس «مسندا» كما قال الجنداري، كما أن الحاكم لم يتعقب فيه الأحاديث بالنقد والترجيح وذكر الروايات وطرق الحديث حتى يمكن للجنداري أن يحكم عليه أيضا.
والكتاب موضوعي مرتب بحسب الأبواب وإن كان ترتيبا خاصا لم يراع فيه المؤلف أبواب الفقه، أو الأبواب التي درج عليها المحدّثون. وقد قسمه إلى ستة وعشرين بابا أولها في الإيمان وفضله، وآخرها في ذكر الجنة والنار وما يتصل بذلك. وقد جعل الباب الثاني في فضل الدعاء والثناء على الله والفزع اليه عند النوائب. والباب الثالث في فضل العلم والعلماء، والرابع في القرآن وفضله وما يتصل به، وخص الباب السادس
стр. 112
بالحديث عن فضل أمير المؤمنين علي ﵇ وسائر أهل البيت. وتحدث في أبواب أخرى عن التوبة، والصلاة، والصيام، والزهد، والحج، والسفر، والجهاد،
والشعر، والخطب والمواعظ، وأمور أخرى.
وقد صدر الحاكم الباب الأول- وهذا من الأمور الهامة- بإسناده إلى علي بن موسى الرضا عن آبائه، عن علي ﵇، قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح» قال الحاكم ﵁: معنى هذا الخبر أن المؤمن من اجتمعت فيه هذه الخصال. وهذا مذهب أهل العدل ... الخ.
وهو في كتابه هذا كثير الاستطراد، وبخاصة إلى مسائل التفسير والكلام وهو بسبيل الشرح والتعليق على بعض الأحاديث، ففي الباب الثاني مثلا يتعرض للحديث عن أنواع العلم وفنونه، ويستفيض في الكلام على حديث العرض، وعلى حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، ويشير إلى صحة العمل بالقياس، ويناقش مسألة الرؤية بكلام طويل، يضارعه بحث آخر في القدر والصفات ... إلى أبحاث أخرى كثيرة.
وفي الباب الخامس الذي خصه للكلام على فضل النبي ﷺ وذكر أشياء من معجزاته وأخباره، يبدأ الكلام بتفسير قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى) مع بيان سبب النزول، ثم يتكلم عن حديث انشقاق القمر، يتبع ذلك بسرد النسب الشريف، والوقوف عند كل فرد من أفراده بتعريف عابر، ثم يذكر الأحاديث المتعلقة بالسيرة الشريفة من المولد إلى الوفاة.
стр. 113
وقد قال قاضي اليمن العالم المعاصر الشيخ حسين السياغي في هذا الكتاب: «إنه يتضمن فصولا ثقافية قيمة تشتمل على تفسير كثير من آيات الله من كتابه العزيز، وعلى تفسير جمل من الأحاديث من السنة النبوية، وعلى جمل من أقوال العلماء والزهاد مع الاستشهاد بكثير من أقوال الأدباء والشعراء، ويتعرض مؤلفه في كل مناسبة لمذهب الاعتزال كمثل القدر وخلق القرآن والصفات ونحو ذلك، ويذكر المختار بصورة وجيزة» «١» وقال في موضع آخر: «والمؤلف يؤيد الاعتزال في كل مناسبة، وهو شيعي إلا أنه لا يتعدى مذهب أهل السنة والجماعة في شأن الصحابة ﵃، وآخر كلام له في كتابه يدل على ذلك، حيث يقول: وبإسناده إلى أبي سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله ﷺ : إن أهل عليين ليراهم من هو أسفل منهم كما ترون الكواكب في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم. وفي رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إن أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كما ترون الكواكب في الدنيا من أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم. قال الحاكم الإمام ﵁: الخبر يدل على فضل أبي بكر وعمر وأنهما من أهل الجنة، وهذا مثل، وأراد بعد المنازل في الثواب لا بعد المكان» «١».
ويذكّر كتاب الحاكم بكتاب القاضي عبد الجبار في الحديث: (نظام الفوائد وتقريب المراد للرائد) الذي جاراه الحاكم في ترتيب أكثر أبوابه فيما يبدو، أو الذي رتب على قريب من كتاب الحاكم، لأن كتاب
стр. 114
إمامته ومن اختلف فيه، وفيها فنون أخر) «١» وقال ابن الحسين إنها القاضي عبد الجبار- الذي وضعه بطريقة الإملاء- إنما رتبه من بعد القاضي شمس الدين جعفر بن أحمد بن عبد السلام المتوفى سنة ٥٧٣. وأياما كان الأمر فان عناية الحاكم بالحديث لم تكن بأفضل من عناية القاضي أو غيره من شيوخ الاعتزال.
والنسخة التي بين أيدينا اليوم من «جلاء الأبصار» منسوخة سنة سبع وخمسين وألف هجرية برسم مالكها القاضي العلامة صفي الدين أحمد ابن صالح بن أبي الرجال، وتقع في خمسين وأربعمائة صفحة.
وفي طبقات الزيدية لابن القاسم، في ترجمة أحمد بن سعد الدين بن الحسين المسوري المتوفى سنة ١٠٧٩، أن له مختصرا لجلاء الأبصار للحاكم «٢» ولكننا لم نقف عليه.
رابعا: في التاريخ
وله في التاريخ أكثر من مؤلف كما ذكر صاحب شرح الأزهار، ولكن كتب التراجم مجمعة على أن له في التاريخ كتابا كبيرا يبلغ أربعة مجلدات، أسماه: (السفينة) فقد ذكره الجنداري ويحيى بن حميد وأبو الرجال الصنعاني ويحيى بن الحسين وإبراهيم بن القاسم، ووصف اكثرهم هذه (السفينة) بأنها مشهورة.
وقد تحدث كل من الجنداري وابن الحسين عن مضمون هذا الكتاب، فقال الجنداري: (وليس مثله في كتب الأصحاب، جمع سيرة الأنبياء وسيرة النبي ﷺ وسيرة الصحابة والعترة إلى زمانه، وذكر من اتفق على
стр. 115
«جمعت بين الزهد والفقه والتاريخ للأئمة السابقين إلى عصره، وللأنبياء منذ آدم الى نبينا ﷺ ، لكنه في التاريخ باختصار وهو من أجلّ الكتب» «١» وقال كل منهما إنها تقع في أربعة مجلدات «٢».
ويبدو أن أثر هذه السفينة عند الزيدية كان كبيرا، وقد أكثروا من النقل عنها، وبخاصة فيما يتصل بتراجم الأئمة والدعاة التي عنى فيها الحاكم فيما يبدو عناية كبيرة،
وهو ما أشار إليه الجنداري كما رأينا، وفي كتاب (المقصد الحسن والمسلك الواضح السنن لأحمد بن يحيى بن حابس الصعدي) أحد مشاهير علماء الزيدية (المتوفى سنة ١٠٦٧) نقول كثيرة عن هذه السفينة، حتى إن ترجمة واحدة من تراجم المشهورين الذين ذكرهم ابن حابس لا تخلو من النقل عن الحاكم، وإن كان ابن حابس يختلف معه في عد بعضهم في الدعاة أو الأئمة، قال في ترجمة محمد بن القاسم صاحب الطالقان، ينقل عن الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة:
إنه معدود في الزيدية الجارودية، وان له وقعات كثيرة مع جنود المعتصم، وانه قتل بواسط الكوفة، ثم قال: «قال الحاكم: ولم يوقف منه على قتال مشهور كان قتله فيه، وقد قيل انه مات، وقيل هرب» ثم نقل عن المهدي- ابن المرتضى- قوله: والصحيح أنه دعا
стр. 116
وقتل. قال ابن حابس: وعده الحاكم في الدعاة، والصحيح أنه من الأئمة ... » «١» وتبين نقوله عن الحاكم مدى وضوح عبارته ودقته في تراجم الأئمة والدعاة وسائر السير، ومدى اعتداده برأيه واجتهاده، نقل عنه في ترجمة الامام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين قوله: «وكان جامعا لشروط الامامة، ويضرب به المثل في الشجاعة، وابتلي بحرب القرامطة، وكان له معهم ثلاث وسبعون وقعة. ومات ﵇ مسموما بصعدة،- ومشهده في مسجده الجامع فيها مشهور- سنة ثمان وتسعين ومائتين عشية الأحد لعشر بقين من ذي الحجة، وكانت مدة خلافته ثماني عشرة سنة، وعمره ثلاث وخمسون سنة» «٢»
خامسا: في الفقه
وله في الفقه على المذهب الزيدي كتاب كبير لعل اسمه «المنتخب» أو «المنتخب في الفقه» على طريقته في تسمية كتابه في تفسير القرآن:
التهذيب في التفسير، لأن يحيى بن حميد يقول: «وله كتاب في فقه الزيدية» «٣» ويقول الصنعاني: ومن كتبه: «المنتخب في كتب الزيدية «٤»»، وعد يحيى بن الحسين من كتبه «كتابا في فقه الهدوية «٥»»
стр. 117
وقال ابن القاسم: «وله المنتخب» «١» ولعل صواب عبارة الصنعاني:
المنتخب في فقه الزيدية، بدليل التسميات الأخرى، ولأنه لو كان مجموعا من كتب الزيدية- أي كتاب من أي لون، لو صح ذلك- لأسماه: المنتخب «من» كتب الزيدية. فالراجح أن الكتاب اسمه «المنتخب» كما ذكر ابن القاسم، وأنه في فقه الزيدية. وأيا ما كان الأمر فإننا لم نقف من هذا الكتاب على شىء!
سادسا: في العلوم الأخرى
١ - ترغيب المهتدي
٢ - تذكرة المنتهى
ذكرهما يحيى بن حميد والصنعاني وابن الحسين وابن القاسم.
٣ - الشروط والمحاضرة: ذكره هكذا ابن حميد وابن الحسين وابن القاسم، وأسماه الصنعاني: (الشروط والمحاضر)
٤ - بستان الشرف: ذكره ابن حميد وابن الحسين.
٥ - نصيحة العامة: ذكره ابن حميد والصنعاني وابن الحسين.
وربما كان بعض هذه الكتب في الفقه أو في علم الكلام، ولكن من كتب التراجم لم تشر الى موضوع أي كتاب منها، ولم نقف من هذه الكتب على شيء!
стр. 118
سابعا: تعقيب عام حول ما وصل الينا من كتب الحاكم ﵀
ونختم هذا الفصل بكلمة سريعة حول كيفية وصول بعض كتب الحاكم وسائر كتب الاعتزال الينا عن طريق حفظها في اليمن، وهي غير البيئة التي عاش فيها الحاكم
والقاضي عبد الجبار وتلامذته الذين وصل الينا طرف من تراثهم. ولعل من حقنا أن نذكر هذه الكلمة هنا بعد أن بقي الحاكم نفسه- بالاضافة الى كتبه- مجهولا تماما في ميدان الدراسات القرآنية والكلامية، على الرغم من جهوده في حفظ خلاصة قيمة لتفاسير المعتزلة في تفسيره- كما سنرى- وعنايته بطبقات المعتزلة واكمالها الى عصره: «١»
يعود السبب في حفظ هذه الكتب كما ألمحنا في التمهيد عند الكلام على دولتي الزيدية في اليمن والديلم، الى الصلات التي كانت بين هاتين الدولتين، وإلى تبادل العلماء وهجرتهم بينهما لدواع كثيرة وقد ذكرنا سابقا أن اليمن بعد أن قتل فيها الامام أبو الفتح الديلمي سنة ٤٤٤، استولى الصليحي على صنعاء، وخرج الأمر من أيدي الزيدية للصليحيين والهمدانيين حتى سنة ٥٣٢ حين قام ودعا لنفسه الامام أحمد بن سليمان واسترد صنعاء، وكان لهذه المدة الطويلة التي غاب فيها الزيدية وفكرهم، أثرها الكبير في سعة انتشار المذاهب الباطنية والمنحرفة التي أدخلها الصليحي، فلما عاد الزيدية إلى صنعاء بعد خروج الإمام أحمد بن سليمان ودعوته لنفسه بالإمامة كان لا بد لهم من العمل على إعادة سلطان المذهب
стр. 119
الزيدي ودعمه بالكتب والمصنفات والعلماء الأعلام، ومن هنا تبدأ القصة فيما يبدو:
١) ذكر إبراهيم بن القاسم في طبقاته أن الشريف الزيدي علي بن عيسى السليماني استدعى من خراسان الشيخ زيد بن الحسن بن علي البيهقي الروقني- بلد الحاكم- «لما ظهر مذهب البطريق باليمن» «١» قال:
«فخرج أنفة للشرع وحمية له وغضبا لله جل وعلا» «١» فوصل بعض بلاد اليمن في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقدّم الشريف السليماني للإمام أحمد بن سليمان كتابا يخبره فيه بقدوم الشيخ وبالثناء عليه وأن مقدمه من خراسان، فسر به الإمام وتلقاه بالبشر والاتحاف، قال ابن القاسم: «وكان معه كتب غريبة وعلوم عجيبة»، وذكر أنه لقى في طريقه بعض الشدائد وأن «أكثر كتبه قد نهب ما بين مكة والمدينة» «٢».
٢) كما ذكر في ترجمته أيضا أنه لما قدم الري سنة أربعين وخمسمائة «أخذ عنه القاضي أحمد بن أبي الحسن الكنّي» الأردستاني، الذي وصفه بعض الأئمة- فيما ينقله ابن القاسم في محل آخر في الطبقات- بأنه كان «من أساطين الملة، وسلاطين الأدلة، وأنه الغاية في حفظ المذهب، وأن بعض شيوخ اليمن قد لقيه بمكة» «٣».
стр. 120
٣) ونقل ابن القاسم أيضا في ترجمة زيد بن الحسن البيهقي عن السيد صارم الدين، قال: «هو شرف الأمة، حافظ الآثار، ناقل علوم الأئمة الأطهار، وهو الذي يذكر في أسناد مجموع الإمام زيد بن علي ﵇» ونقل عنه أنه كان يجلس للإملاء في المشهد المقدس بصعده- قبر الإمام الهادي- وأنه كان يملي في كل خميس وجمعة مدة سنتين ونصف، قال:
وهو الذي يذكر في التعاليق في صفة صلاة التسابيح، وليس بالبيهقي الشافعي كما توهم بعض الناس «١».
٤) كان من الذين تلقوا عن زيد بن الحسن في اليمن بعد وصوله إليها القاضي شمس الدين جعفر بن أحمد بن عبد السلام المتوفى سنة ٥٧٣، وكان القاضي جعفر يرى رأي التطريف- كان من شيوخ المطرفيّة- حتى قرأ على الشيخ زيد بن الحسن فرجع إلى «مذهب الزيدية العترية» ولما أراد زيد الرجوع إلى خراسان رحل معه القاضي جعفر «لتمام سماع» فمات زيد بن الحسن بتهامة راجعا من اليمن، فرحل القاضي إلى العراق إلى حضرة العلامة أحمد بن أبي الحسن الكني- الذي تقدمت الاشارة إليه- «فقرأ عليه كتب الأئمة ومنصوصاتهم، من جملة ذلك «الزيادات» للمؤيد بالله، ومجموع زيد بن علي، ونظام الفوائد للقاضي عبد الجبار، وأمالي السيد أبي طالب ... » وكتبا أخرى كثيرة «٢»، ثم سمع على الشيخ العدل المحسن بن علي الأسدي كتبا أخرى كثيرة ذكرها ابن القاسم «٣»
стр. 121
قال: «وسمع جلاء الأبصار للحاكم المحسن بن كرامة، وغيره من كتبه على السيد علي بن الحسن بن وهاس، وأجازه إجازة عامة، من جملة ذلك الكشاف لجار الله الزمخشري، وسمع كتاب التهذيب للحاكم بن كرامة أيضا على أبي جعفر الديلمي عن ولد الحاكم عن أبيه، وأجازه في بقية كتب الحاكم المذكور، كالسفينة، والتهذيب،
وتنبيه الغافلين، ومصنفات عدة منها موضوع بالفارسية» «١» ثم سمع على بعض العلماء الآخرين في العراق ومكه وغيرهما، رجع بعدها إلى اليمن، ووصلها- كما يقول الامام المنصور بالله عبد الله بن حمزة (ت ٦١٤) - «بالعلوم التي لم يصل بها سواه من الأصول والفروع، والمعقول والمسموع، وعلوم القرآن العظيم، والأخبار الجمة عن النبي ﵌، وعن فضلاء الأئمة من العترة الطاهرة وسائر العلماء» قال ابن القاسم: «ارتحل إلى العراق وهو أعلم من باليمن، ثم انقلب عنه وليس فيه أعلم منه» فأكمل بذلك المهمة التي بدأها شيخه زيد بن الحسن، حتى عده الزيدية أشهر رجالات اليمن بعد الإمام الهادي يحيى بن الحسين، فقالوا: على أهل اليمن نعمتان في الإسلام والإرشاد إلى مذهب الأئمة: الأولى للهادي ﵇، والثانية للقاضي جعفر «فإن الهادي استنقذهم من الباطنية والجبر والتشبيه، والقاضي له العناية العظمى في إبطال مذهب البطريق، ونصرة البيت النبوي الشريف»، وقد وصف بأنه «كان من أعضاد الإمام أحمد بن سليمان وأنصاره» «٢».
стр. 122
٥) وهكذا يحمل القاضي جعفر من كتب القاضي عبد الجبار والحاكم وأبي طالب وغيرهم ما سمعه وأجيز فيه- على الأقل- مما عساه أن يكون فقد من زيد بن الحسن في رحلته إلى اليمن، أو أن يكون لم يحدّث به أثناء مقامه الطويل في اليمن، وإن كان الفضل في الحالين للعلامة زيد بن الحسن البيهقي الروقني الذي ترك القاضي جعفر على يديه مذهب التطريف، وللشريف علي السليماني، وللظروف السياسية والفكرية التي كانت قائمة في اليمن.
٦) ويبدو أن القاضي جعفر ﵀ قد عكف على الكتب التي حملها معه في هذه الرحلة العجيبة- كما وصفت- يرتب بعضها ويعلق على بعضها الآخر- عدا ما صنفه من الكتب الكثيرة التي كانت عماد الزيدية في وقته كما قال ابن القاسم- فرتب أمالي الإمام أبي طالب على هذا الترتيب المعروف، وسماه تيسير المطالب إلى أمالي أبي طالب «١» ورتب أمالي القاضي عبد الجبار في الحديث- الفوائد- وأسماه: نظم الفوائد وتقريب المراد للرائد «٢» كما أتاح للعلماء والنساخ فرصة الإفادة من هذه الكتب. وقد وقفت على نسخة من كتاب (متشابه القرآن) للقاضي عبد الجبار في إحدى مكتبات اليمن الخاصة- وهي إحدى النسختين التي حققت عنهما هذا الكتاب- عورضت على نسخة فرغ من كتابتها سنة
стр. 123
(٤٧٨) قال المقابل: «وهي نسخة القاضي شمس الدين رحمة الله عليه» ولعلها مما احتمله معه من كتب العراق، لأنها نسخت قبل رحلته هذه بنحو خمس وسبعين سنة. وذكر صاحب نزهة الأنظار في ترجمة الإمام شرف الدين (ت ٩٦٥) الذي كان معاصرا له «١» أنه قد صح له رواية كتب كثيرة، عد منها للحاكم: تفسيره كله، وجلاء الأبصار، وتنزيه الأنبياء، وكتاب السفينة، كما عد منها كتبا أخرى للطوسي والإمام المرشد بالله يحيى بن الموفق، والمنصور بالله عبد الله بن حمزة، وغيرهم «٢»، ثم قال: قال الامام شرف الدين: «فهذه الكتب صح لي روايتها من الفقيه عفيف الدين عبد الله بن علي الأكوع من خزانة والده إلا تفسير الحاكم فعينه لي أنه كتاب القاضي شمس الدين جعفر بن أحمد، تسعة أجزاء، في خزانة الامام المتوكل على الله المطهر بن يحيى، وهو- أي الفقيه عفيف الدين- يرويها عن والده بطريق القراءة والمناولة وغيرها» «٣».
ومن الجدير بالذكر أن الامام أحمد بن سليمان، الذي نقلت هذه الكتب والعلوم في عصره، درس الفقه وأصول الاعتقاد على الفقيه زيد بن الحسن البيهقي الوارد إلى اليمن، وله منه إجازة، كما درس على الفقيه عبد الله بن علي العنسي «الواصل من جهة الجبل والديلم بكتب آل محمد
стр. 124
عليهم السلام سنة إحدى وخمسمائة» «١» وكأن هذا الفقيه أقام باليمن أو أطال فيه المكث، لأن الامام ابن سليمان ولد سنة (٥٠٠) وكانت دعوته سنة ٥٣٢، ووفاته سنة ٥٦٦، وهذا يدل على أن «رحلة» هذه الكتب القيمة بدأت في أوائل القرن السادس- بحكم الصلات بين زيدية اليمن وزيدية الديلم- واستوت على سوقها في منتصف هذا القرن، وآتت أكلها على يد القاضي شمس الدين، الذي تذكّر رحلته العلمية القيمة بالبعثات العلمية وبعثات دور الكتب في العالم.
...
стр. 125
الباب الثاني مدخل الى تفسير الحاكم
стр. 126
الفصل الأوّل تفاسير المعتزلة قبل الحاكم
حفل القرنان الثالث والرابع السابقان لعصر الحاكم بتفاسير اعتزالية كثيرة، ولا سيما القرن الرابع الذي شهد عدة «موسوعات» اعتزالية في التفسير، وقد عني المعتزلة بتفسير القرآن في وقت مبكر نوعا بعد اكتمال نشأتهم وأصول مذهبهم، وإن كان المتقدمون منهم إنما عنوا في المقام الأول بتفسير الآيات المتشابهة بخاصة حتى أفردوها بالتصنيف وقدّموا القول في تأويلها على القول في سائر آيات الكتاب الكريم، ويبدو أن الذي حملهم على هذا أن الخلاف في فهمها وتأويلها هو أساس الخلاف بينهم وبين سائر الفرق الأخرى- التي كانوا يتعرضون لجدالها بصورة دائمة- إلى جانب ما عرفوا به من الدفاع عن الاسلام «إزاء الدهريين ومنكري النبوة والنصارى واليهود والصابئة وأصناف الملاحدة» «١» الذين كانوا يرمون الكتاب بالاختلاف، ويتتبعون المتشابه طلبا للفتنة وابتغاء التأويل بالباطل، ومن هنا
стр. 127
نجد أن مؤلّفا اعتزاليا قديما في تفسير المتشابه- لعله أقدمها كذلك- يحمل في عنوانه طابع الرد على هؤلاء المنكرين، وهو كتاب: (الرد على الملحدين في متشابه القرآن) لمحمد بن المستنير النحوي، الشهير بقطرب المتوفى سنة ٢٠٦ «١».
وأيا ما كان دافع المعتزلة إلى الكتابة في هذا الباب الذي سبقوا إليه فيما يبدو، فقد قدموا التصنيف فيه- ولو لوقت قصير- على التصنيف في التفاسير الكاملة والمطولة، فكتب فيه بشر بن المعتمر رئيس معتزلة بغداد المتوفى في حدود سنة ٢١٠ «٢»، ومحمود بن حسن الورّاق، الذي عده الحاكم فيمن ذهب إلى العدل من الشعراء وأئمة اللغة، والذي توفي في حدود سنة ٢٣٠ «٣» وأبو الهذيل العلاف رأس الطبقة السادسة من طبقات المعتزلة المتوفى سنة ٢٣٥ «٤» وجعفر بن حرب المتوفى سنة ٢٣٦ «٥»،
стр. 128
كما أفرده بالتصنيف فيما بعد أبو علي الجبائي (ت ٣٠٣) والقاضي أبو بكر ابن الخلّال من رجال أواخر القرن الرابع «١» والقاضي عبد الجبار (ت ٤١٥) وغيرهم. ولكن المعتزلة من متأخري رجال طبقة أبي الهذيل نفسه لم يلبثوا أن أقدموا على وضع المصنفات المطولة في تفسير القرآن، كما فعل أبو بكر الأصم وموسى الأسواري وعمرو بن فائد، تبعهم بعد ذلك عدد كبير من رجالهم في هذا القرن والقرن الذي يليه.
ونذكر في هذا الفصل أهم مصنفات المعتزلة في التفسير قبل الحاكم، ونعرّف بإيجاز بما وصل إلينا منها، وهو عدد خطي لا بأس به، بل لعله على جانب كبير من الأهمية في الواقع، وبخاصة وأنه لما يسبق الحديث عنه. وسوف ندرك من وقوفنا على تفاسير أخرى قيمة لم تصل إلينا، مدى قيمة كتاب مصنفنا الحاكم ﵀، الذي كان يديم النقل عنها، كما سنفصل ذلك عند الكلام على مصادره في الفصل التالي.
١ - تفسير الامام القاسم بن إبراهيم الرّمّي (١٦٩ - ٢٤٦)، واضع أسس الدولة الزيدية باليمن كما تقدم، وقد نعته الحاكم بنجم آل رسول الله ﷺ والمبرّز في أصناف العلوم «٢» وينعته الزيدية بأمير المؤمنين والامام الأعظم المجدد للدين بعلمه الجم «٣» وله كتاب في تفسير القرآن، وآخر في الناسخ والمنسوخ، وكتب أخرى في الفقه وعلم الكلام ورسائل
стр. 129
كثيرة في الرد على المجبرة والنصارى، وفي تفسير العرش والكرسي، وفي الامامة وسياسة النفس وغير ذلك «١» قال الحاكم: «وكتبه مشحونة بالتوحيد والعدل، وكذلك أولاده كلهم قائلون بالعدل والتوحيد، فمنهم محمد بن القاسم، وله كتب في التوحيد ككتاب البساط وكتاب الأصول ... ) «٢».
٢ - تفسير الإمام محمد بن القاسم المذكور، وسوف نتحدث عنه وعن تفسير أبيه القاسم مع تفاسير ثلاثة من الأئمة الآخرين، نذكرها الآن، لأنه قد وصلنا من هذه التفاسير
الخمسة (مجموع) واحد على هيئة ملخص دقيق، قام بعمله بعض العلماء المتقدمين.
٣ - تفسير الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (٢٤٥ - ٢٩٨) أحد أحفاد الإمام القاسم، ويذكر بعض المؤرخين أن الإمام الهادي كتب تفسيرين: «استكمل في أحدهما القرآن، وبدأ فيه بسورة الحمد، ثم بسورة الناس، والثاني في مجلد ضخم!» إلى جانب تفسير كامل لغريب القرآن «٣» والمجموع الذي بين أيدينا اليوم من كلام الإمام الهادي في التفسير، يدل على أن صاحبه ينقل من تفسيره الكامل. والإمام الهادي في اليمن أشهر من نار على علم كما يقولون، وهو الملقب بصاحب اليمن، قال الحاكم: «وكان موصوفا من أيام صباه بفضل القوة والاشتغال بالعلم
стр. 130
والتوفر عليه، وكان بمحل عظيم من الزهد» «١» وله مصنفات كثيرة بلغت- كما أحصاها الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة- نيفا وأربعين مصنفا، وكان له مع القرامطة في اليمن أكثر من تسعين وقعة «٢» وقد جمع بعض العلماء سيرته الخاصة من أعيان أصحابه وأعاظم رجاله وقواده، في مجلد كبير «٣» وقد غلب أتباعه على الزيدية- بعد ظهوره- في الأصول والفروع، قال يحيى بن الحسين: «والهادي له مذهب مستقل لنفسه ...
وحصل الزيدية على مقتضى مذهبه ونصوصه، ولم يبق لمذهب زيد بن علي الأول في الأصول والفروع منهم متابع أصلا» «٤» ثم يقدم لنا يحيى بن الحسين هذا النص الهام فيقول: «وكان شيخ الهادي في الأصول أبا القاسم البلخي المعتزلى، فعليه أخذ الأصول وعلم الكلام، فلذلك ترى أقواله في الأصول متابعة لأبي القاسم في الغالب. وأما الفروع فاستقل باجتهاده فخالف زيد بن علي في مذهبه ولم يتقيد لأقواله التي تضمنها مجموع الفقه الكبير لزيد بن علي» «٥».
٤ - تفسير الإمام المرتضى لدين الله أبو القاسم محمد بن الإمام الهادي يحيى بن الحسين (٢٧٨ - ٣١٠) ويقع في سبعة أجزاء، نقل منها كثيرا
стр. 131
السيد أبو عبد الله الشرفي- أحد علماء الزيدية- في تفسيره المصابيح «١» وكان الإمام محمد من أزهد أهل زمانه، وله من الكتب: كتاب الرد على الروافض، وكتاب الإرادة والمشيئة، وكتاب الرد على القرامطة «٢» قال الحاكم: وله كتاب الأصول في العدل والتوحيد «٣».
٥ - تفسير الإمام الناصر لدين الله أحمد ابن الإمام الهادي أيضا ويبدو أن له في علوم القرآن أكثر من كتاب، وله من الكتب أيضا كتاب النجاة في الأصول، ثلاثة عشر مجلدا، وكتاب الرد على القدرية، وكتاب التوحيد «٤».
حول هذه التفاسير الخمسة:
ولدينا اليوم من هذه التفاسير الخمسة، أو من كلام هؤلاء الأئمة في تفسير القرآن بعامة مجموع هام يقع في حوالي أربعمائة ورقة خطية، قام بعمله أبو العباس منصور بن موسى الخطاب ﵀.
والنسخة التي بين أيدينا من هذا المجموع تبدأ هكذا: « ... بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. ثم أمر العباد بطاعتهم فقال سبحانه:
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... » إلى آخر
стр. 132
الكلام عن فضل أهل البيت، وما لهم من الحق على عامة المسلمين. وهذه الخطبة التي سقط بعضها بسقوط الورقة الأولى من الكتاب، واحدة من رسائل الإمام الهادي نفسه، قدمها جامع الكتاب بين يدي عمله فيه كما ذكر بعد ذلك. وقد اختارها فيما يبدو لما تحمله من خطوط منهج الإمام الهادي وسائر أهل البيت في تفسير القرآن «١»، فقد جاء فيها بعد الكلام السابق على أهل البيت: «فرأينا عند ما خصنا الله به وأعطانا، وفضلنا على أهل دهرنا وأولانا: أن نشرح فضائل الحكمة التي أوليناها، وأن نبين علامات الإمامة التي أعطانا الله [إياها] لنخلع حجته من رقابنا، ونثبتها لله على غيرنا، كما نظهر مما أمرنا الله بإظهاره من شرح غامض الكتاب، وتبيين تفسيره في كل الأسباب، حتى نبين بذلك الحق المبين، ونثبت فيه الصدق واليقين، وننفي عنه تأويل الفاسقين، ونميط عنه تفسير الجاهلين، الذين حملوا تأويله على تنزيله، وحكموا على محكمه بمتشابهه.
وردوا معاني الآيات المحكمات البينات، من الآيات اللواتي هن الأمهات، على معاني غيرهن من المتشابهات. واستشهدوا لمتشابهه على المحكم، فأهلكوا بذلك جميع الأمم. وشبهوا تأويلهم وتفسيرهم ربّهم بخلقه، فأبطلوا ما نفاه من بعد الشّبه بهم عن نفسه. فمثلوه تمثيلا، ونقلوه في الصور تنقيلا.
وجعلوه بذلك صورة مصورة محدودة، عندهم معدودة. فعبدوا ما وصفوا، ودانوا لهذه الصورة التي ذكروا. فكانوا بالله غير عارفين ولا مقرين
стр. 133
ولا مثبتين، بل كانوا عنه غائبين ربه في كل الأمور جاهلين ... فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) «١».
ثم قال أبو العباس: «هذا كتاب جمعته، فيه من تفسير القرآن مما فسره الإمام القاسم بن إبراهيم، ومحمد بن القاسم بن إبراهيم، والهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم، ومحمد ابن الهادي، وأحمد ابن الهادي» «٢» تحدث بعد ذلك عن طريقته في جمع هذا التفسير واختياره بعض الآيات مما يشكل تفسيره ويشتبه على العلماء، وكيف أنه كان يذكر في رأس كل آية أو سورة اسم الإمام الذي تفرد بشرحها وتفسيرها، أو الذي نقلها عنه، ثم قال: «ولقد وجدت في الأصل من هذه الآيات التي ذكروها شيئا مكررا شرحه، فأخذت ما هو المعنى الذي يراد وإليه المعاد، وأسقطت ما ليس لإعادته معنى إليه يؤول، ولا وجه تقبله العقول. وما كان بإسقاطه يقع خلل، أو يبين هنالك زلل، ويسقط معنى جلىّ معلوم، أو تأويل خفي مفهوم، لم أسقطه عن محله ولا أنزعه عن موضعه.
وكذلك ما كان من التفسير المكرر أوفى كلاما وأبلغ شرحا اخترته على ضده وأثبته في مكانه. وربما أخذت الكلمة أو الكلمتين من الذي أسقطه فأثبتها مع أخواتها في موضعها إذا وجدت لها في التأويل معنى صحيحا، أو كانت مما تزيد الحق وضوحا» ثم قال: «مع أني ما زدت في ذلك شيئا افتريته، وانتحلت تأويله وادعيته، ولا نقصت من ذلك ما هو معروف
стр. 134
وجهلته، ولا بدلت ما هو حسن وكرهته. ومعاذ الله! ولو فعلت ذلك لكنت من المفترين».
٦ - التفسير السادس من تفاسير المعتزلة قبل الحاكم- وهو أحد مصادره الرئيسية كما سنرى- هو تفسير أبي بكر الأصم (عبد الرحمن بن كيسان من رجال الطبقة السادسة التي وضع القاضي على رأسها أبا الهذيل العلاف ت ٢٣٥) وكان الأصم من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم، كما وصفه القاضي عبد الجبار، وكان لأبي الهذيل معه مناظرات. وقد وصف القاضي تفسيره بأنه «تفسير عجيب حسن» وذكر أن أبا علي الجبائي كان لا يذكر غيره وإذا ذكره قال: لو أخذ في فقهه ولغته لكان خيرا له! ونقل الحاكم أنه لما انتهى أبو علي في تفسيره إلى قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .. ) قال: ما ترى الأصم قال في ذلك؟ «١» وهذا يدل على مكانه هذا التفسير، ومدى اعتماد أبي علي الجبائي عليه في تفسيره.
٧ - تفسير عمرو بن فائد- من رجال الطبقة السادسة أيضا- وقد وصف القاضي هذا التفسير بأنه «تفسير كبير» قال: ومنه في قوله تعالى: (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) قال: هو مشيئة القهر، فأما مشيئة غير القهر فقد فعل، قال الحاكم: وقد تأوله مشايخنا أنه أراد: وما تشاءون من الاستقامة إلا أن يشاء الله. وذكر القاضي أن سليمان بن علي بلغه عن عمرو بن فائد أنه لا يقول: لا حول ولا قوة
стр. 135
إلا بالله فدعاه، فلما دخل عليه كان يرتقى إليه درجة درجة، وهو شيخ، فكلما وضع قدمه على درجة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وسليمان يسمع، فلما صعد إذا بين يديه سيف مسلول ومصحف منشور، فقال سليمان: اخرج من هذه الآية: (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)! فقال عمرو: قال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً فَآمِنُوا بِاللَّهِ .. ) فأيّ إذن أكبر من هذا؟ فقال له سلمان: أكانت في كمّك؟ قال: لا، ولكن بتأييد الله «١».
٨ - وآخر تفاسير رجال هذه الطبقة تفسير موسى الاسواري، قال القاضي: فسّر القرآن ثلاثين سنة ولم يتم تفسيره. ويقال: كان في مجلسه العرب والموالى، فيجعل العرب في ناحية، والموالى في ناحية ويفسر لكل بلغته، فما يدرى بأي لسان كان أفصح «٢»!
٩ - تفسير أبي يعقوب الشحام من معتزلة البصرة المتوفى سنة (٢٦٧) ومن الطبقة السابعة، واسمه يوسف بن عبيد الله بن الشحام، كان من رؤساء أصحاب أبي الهذيل وفقهائهم، وإليه انتهت رئاسة المعتزلة بالبصرة في وقته وعنه أخذ أبو علي الجبائي، الشيخ الأثير عند صاحبنا الحاكم ﵀.
ولا ندري من أخبار تفسيره غير ما نقله القاضي عبد الجبار، قال:
«وله كتاب في تفسير القرآن» «٣» ولعله كان صغير الحجم، وأحد مآخذ أبي علي الجبائي.
стр. 136
١٠ - تفسير أبي علي الجبائي رأس الطبقة الثامنة (ت ٣٠٣) ومن أشهر معتزلة البصرة وسائر المعتزلة في جميع الطبقات، ذكر القاضي أنه هو الذي فتق الكلام ونشره وذلّله ووضع فيه الكتب الكثيرة الجليلة، وأنه كان فقيها ورعا زاهدا جليلا نبيلا، قال: وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع، ولم يتفق لأحد من إذعان سائر طبقات المعتزلة بالتقدم والرئاسة بعد أبي الهذيل ما اتفق له «١». قال الملطي الشافعي:
«ووضع أربعين ألف ورقة في الكلام، ووضع تفسير القرآن في مائة جزء، وشيئا لم يسبق أحد بمثله، وسهّل الجدال على الناس» «٢».
وقد تحدث أبو الحسن الأشعري، التلميذ السابق للجبائي، عن تفسير أستاذه، واشتد في الحملة عليه فقال: «ورأيت الجبائي ألّف في تفسير القرآن كتابا أوّله على خلاف ما أنزل الله ، وعلى لغة أهل قريته المعروفة بجبّى- بين البصرة والأهواز- وليس من أهل اللسان الذي نزل به القرآن. وما روى في كتابه حرفا واحدا عن أحد من المفسرين، وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه ... » «٣» وقد وضع الأشعري تفسيره الكبير ردا على تفسير شيخه وتصحيحا له ونقضا عليه، على عادته في الرد على من يصفهم بأهل الزيغ والبدع، وأسماه: (تفسير القرآن والرد على من حالف الإفك والبهتان) ثم اشتهر من بعد باسم «الخازن»
стр. 137
أو «المختزن» «١». ولم نقف من تفسير أبي علي الجبائي على شيء، سوى النقول.
١١ - تفسير أبي القاسم البلخي الكعبي (عبد الله بن أحمد بن محمود) من رجال الطبقة الثامنة المتوفي سنة ٣١٩. أخذ عن أبي الحسين الخياط ودأب على نصرة مذهب البغداديين، ووصفه الحاكم نقلا عن بعضهم بأنه رئيس نبيل غزير العلم، وأن له في الذّب عن الدين وفي وصف مذاهب المخالفين وفي غير ذلك من صنوف العلم كتبا جليلة كثيرة الفوائد. قال القاضي عبد الجبار: وله كتاب التفسير وقد أحسن، وهو متقن في علم الكلام وفي علم الفقه أيضا، فأما الأدب فناهيك به! «٢» ومن كتبه المشهورة التي وصلت الينا: (المقالات) في علم الكلام، وهو الذي اعتمد عليه الأشعري في وضع كتابه المعروف بمقالات الإسلاميين. وكتاب (قبول الأخبار ومعرفة الروايات) في الحديث «٣». أما تفسيره الهام فيما يبدو، والذي كان أحد مآخذ أبي يوسف القزويني في تفسيره الكبير، فلم يصلنا منه أي جزء، وتدل نقول مصنفنا الحاكم عنه، أنه كان تفسيرا كاملا شمل جميع القرآن.
١٢ - تفسير أبي بكر النقاش (محمد بن الحسن بن محمد) من معتزلة بغداد المتوفى سنة ٣٥١ ولم يذكره القاضي في الطبقات، وكان مقدما في
стр. 138
التفسير والقراءات «١»، ومن تفسيره جزء كبير بدار الكتب وجزء آخر في المتحف البريطاني «٢» وتذكر بعض المصادر أن تفسيره يقع في اثني عشر ألف ورقة «٣»! في حين أن مجلد دار الكتب، على ضخامته وسعة أوراقه، يقع في خمس وسبعين ومائتي ورقة فقط ويشتمل على تفسير نصف القرآن تقريبا لأنه يبدأ بتفسير قوله تعالى: (وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) من سورة مريم وينتهي بسورة الناس، وإن كان به بعض الخروم. ومن المؤسف أن كثيرا من أوراقه فسدت بسبب الرطوبة «٤».
ويغلب على هذا التفسير عدم المجاهرة الشديدة بالاعتزال، وقلة العناية بآراء الخصوم، والقصد إلى الشرح على مذهب المصنف بعبارة موجزة، مع عناية ملحوظة باللغة والبلاغة والقراءات.
١٣ - تفسير أبي مسلم الأصفهاني محمد بن بحر، من رجال الطبقة الثامنة المتوفى سنة ٣٧٠. واسم كتابه (جامع التأويل لمحكم التنزيل) ويقع في أربعة عشر مجلدا «٥» وهو من أهم التفاسير الاعتزالية،- ولعله أيضا من أخطر التفاسير بإطلاق- أكثر من الاعتماد عليه كل من الشريف المرتضى
стр. 139
في أماليه وأبي جعفر الطوسي في تفسيره التبيان، وإن كان أخذ عليه الإطالة. كما نقل عنه القاضي والحاكم، وكان الرازي من بعد كلفا بالرد عليه، على ما في كتاب الرازي من النقل الكثير عنه، وبلغ من شهرة تفسير أبي مسلم أن القاضي عرفه به، فقال: «ومنهم- أي رجال الطبقة الثامنة- أبو مسلم محمد بن بحر صاحب التفسير والعلم الكثير» «١» وقد جرد بعضهم ما في تفسير الرازي من النقول الصريحة عن أبي مسلم، وجعلها في كتاب صغير ١٠٣ صفحات، أسماه: ملتقط جامع التأويل لمحكم التنزيل «٢»، ولم نقع على أي قطعة من تفسير أبي مسلم نفسه بالرغم من أننا وجدنا السيوطي في كتابه (معترك الأقران في إعجاز القرآن) «٣» ينقل عنه نصا مطولا هاما في رأي أبي مسلم في وجوه إعجاز القرآن «٤»، فلا ندري أوقع على شيء منه كما قد توحي بذلك عبارته في النقل (قال الأصفهاني في تفسيره) أم إنه نقل عنه بطريق غير مباشر!
١٤ - تفسير أبي الحسن الرماني، علي بن عيسى من رجال الطبقة العاشرة المتوفى سنة ٣٨٤. وكان يقال للرماني (علي الجامع) لأنه جمع- كما يقول الحاكم- «بين علوم يدرس فيها الكلام والفقه والقرآن والنحو واللغة» «٥»
стр. 140
وكان مع قلة ذات يده وشدة فقره يسلك طريق المروءة وكان يقول:
من قلّت مئونته سهل أمره. وعرّفه القاضي بقوله «صاحب التفسير والعلم الكثير» «١». وقد أشار إلى تفسيره أيضا القفطي في إنباء الرواة، مع كتب أخرى له في علوم القرآن، وذكر أن اسمه (الجامع في علم القرآن) «٢» كما أشار اليه الرماني نفسه في كتابه (النكت في إعجاز القرآن) فقال في باب التضمين: «وقد بينا ذلك بعد انقضاء كل آية في كتاب: الجامع لعلم القرآن» وهذا نص في اسم الكتاب. ويبدو أن هذا التفسير على درجة كبيرة من القيمة والأهمية، وأنه كان كبيرا و «جامعا» حتى قال فيه الرماني نفسه: تفسيري بستان يجتنى [منه] ما يشتهى.
وقد قيل للصاحب بن عباد: هلّا تصنف تفسيرا؟ فقال: وهل بقىّ لنا علي بن عيسى شيئا «٣» وقد أثنى عليه أبو جعفر الطوسي (ت ٤٦٠) في مقدمة كتابه: التبيان في تفسير القرآن- كما أثنى على أبي مسلم الأصفهاني- وإن كان أخذ عليهما الإطالة «٤». وقال فيه ابن قاضي شهبة: (وهو تفسير كبير وفيه فوائد جليلة) «٥».
стр. 141
ولدينا اليوم من تفسير الرماني الجزء السابع «١»، وقطعة من الجزء الثاني عشر تقع في خمسين ومائة ورقة مصورة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية عن مكتبة
المسجد الأقصى بالقدس رقم (٢٩). وتبدأ بالكلام على قوله تعالى: (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) - الآية ١٧ من سورة إبراهيم- وتنتهي بتفسير قوله تعالى: (قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ) - الآية ٣٧ من سورة الكهف- أي أنها تشتمل على تفسير جزءين. بتجزئة القرآن الكريم «٢»
نموذج من الكتاب: «القول في قوله : (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ) - سورة إبراهيم ٤٠ - يقال: ما الدعاء؟ الجواب: طلب الفعل بدلالة القول، وما دعا الله إليه فقد أمر به ورغّب فيه، وما دعا العبد به ربه فالعبد راغب فيه، ولذلك لا يجوز أن يدعو بلعنه أو عقابه، ويجوز أن يدعو [على] غيره به. «ويقال: ما التقبل؟ الجواب أخذ العمل على طريق إيجاب الحق به، مقابلة عليه، ولذلك لا تتقبل طاعات الفاسق لأنها محبطة لا يستحق بها الثواب.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) - إبراهيم ٤١ - يقال: لم لا يجوز الدعاء بالمغفرة للفاسق؟ الجواب: لأنه لا يجوز أن يسأل الله ما ليس من حكمه أن يفعله، لما في ذلك من
стр. 142
التحكم بالدعاء إلى فعل ما قد دل أنه لا يفعله ولا يريده، وليس كالدعاء بما في معلومه أنه يفعله لا محالة، لما في هذا من موقف الخاضع الراضي بحكمه.
«ويقال لم وجب أن الايمان هو الاسلام؟ الجواب: لقوله جل وعز:
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) - آل عمران ٨٥ - فلو كان الايمان غير الاسلام لكان من ابتغى الايمان دينا لا يقبل منه!
«ويقال: لم جاز أن يدعو لأبيه مع كفره؟ الجواب: لأنه على شرائط الحكمة بأنه إن كان ممن [له] لطف يفعل معه التوبة، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) - التوبة ١١٤ - وقد قال (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) - الشعراء ٨٦ - وقد قال أبو علي: إنما دعا لوالديه من المؤمنين، وهذا عدول عن الظاهر لا يسوغ مع ما بينا من قبل.
«وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه طلب المغفرة على شرائط الحكمة من الاجابة واليأس مع الاقامة على الكبيرة، لتوعد الظالم بما يصير إليه من العذاب الدائم».
وقد جرى في سائر تفسيره، كما يدل عليه هذا الجزء الذي بين أيدينا، على هذه الطريقة من السؤال والجواب بعبارة فائقة، ولعله لم يسبق في التفسير إلى مثل هذا العدد الكبير الذي لا يحصى من التعاريف اللغوية الدقيقة التي مزجها بفكر المعتزلة ومصطلحاتهم.
стр. 143
١٥ - تفسير أبي القاسم الأسدي، عبيد الله بن محمد النحوي الموصلي من معتزلة بغداد المتوفى سنة ٣٨٧، أخذ عن الفارسي والرماني وغيرهما، وكان عارفا بالقراءات والعربية. صنف (تفسير القرآن) وذكر في «بسم الله الرحمن الرحيم» - كما قيل- مائة وعشرين وجها «١» ولم نقف من تفسيره على شيء.
١٦ - تفسير القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، عماد الدين أبي الحسن المتوفى ٤١٥ من معتزلة البصرة ومن أصحاب أبي هاشم الجبائي، جعله الحاكم «أول رجال الطبقة الحادية عشرة من المعتزلة وأقدمهم فضلا» وقال فيه: «وليس تحضرني عبارة تنبئ عن محله في الفضل وعلو منزلته في العلم، فإنه الذي فتق الكلام ونشره، ووضع فيه الكتب الكثيرة الجليلة التي سارت بها الركبان وبلغت المشرق والمغرب، وضمّنها من دقيق الكلام وجليله ما لم يتفق لأحد مثله، وظلّ عمره مواظبا على التدريس والاملاء حتى طبق الأرض بكتبه وأصحابه، وبعد صوته وعظم قدره وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على كتبه ومسائله حتى نسخ كتب من تقدم من المشايخ» «٢» وقد عد الحاكم من كتبه في علوم القرآن: التنزيه، والمتشابه والمحيط، والأدلة «٣» وقد وصل إلينا الكتابان الأولان، وما زلنا نفتقد
стр. 144
الآخرين. وحديثنا هنا عن تفسيره الكبير الموسوم بالمحيط الذي أشار اليه كذلك ابن العربي وابن تيمية والداودي وغيرهم «١» وقد ذكر ابن العربي أنه يقع في مائة مجلد وأنه قرأه في خزانة المدرسة النظامية ببغداد، وعرّفه ابن تيمية ب «التفسير الكبير». وسنعرض لهذا التفسير عند الكلام على مدى إفادة الحاكم من آراء القاضي عبد الجبار في تفسير القرآن.
١٧ - التفسير الكبير لأبي الفتح الديلمى: الامام الشهيد الناصر بن الحسين من أولاد الحسن بن علي بن أبي طالب، آخر أئمة الزيدية باليمن في القرن الخامس، الذي قتله
الصليحي سنة ٤٤٤ كما قدمنا. كان خروجه من الديلم سنة ٤٣٠ ودعا بها في اليمن وحارب الصّليحي في بلاد مذحج وكان في الجهاد حتى قتل. وفي الحدائق الوردية أن تفسيره في أربعة أجزاء «أورد فيها من الغرائب المستحسنة والعلوم العجيبة النفيسة».
وله كذلك: البرهان في تفسير غريب القرآن. ورسالة في الرد على المطرفية، وكتب أخرى «٢».
стр. 145
والذي بين أيدينا اليوم من تراثه في التفسير! جزء واحد يقع في ثمان وثلاثين ومائتي ورقة، عرض فيه لجميع سور القرآن، واقفا عند كل سورة أمام ما يرى أنه بحاجة إلى شرح وتفسير، قال في سورة المعراج:
«بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ) يعني: طلب طالب بعذاب واقع، وهذا الطالب كان النضر بن الحارث، وكان صاحب لواء المشركين يوم بدر، سأل ذلك في قوله: «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وإنما طلب تعجيل عذاب الآخرة في دار الدنيا فقتل يوم بدر أسيرا. (مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ) يعني ذي النعم والفواضل ودرجات الخير. (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ) أي تصعد الملائكة إلى أمره وإلى مواضعهم ومقاماتهم المرتبة لهم. والروح عنى به جبريل ﵇، وخصه بالذكر تشريفا. (فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) يعني يوم القيامة لأن طوله خمسون ألف سنة من سنيّ الدنيا، وهو ضياء يستديم إلى أن يجاب الخلق فيستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار» «١».
وختم هذا التفسير في آخر سورة الناس، بقوله: «وروينا عن آبائنا ﵈ أن سيدنا رسول الله كان يعوّذ الحسن والحسين ﵉ فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامه». ونحن نستعيذ بالله مما عوذ ... وفقنا الله وقارئه لتدبر ما فيه،