← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37682

الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير

عدنان زرزور

Полный текст (498 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولدينا اليوم من تفسير الرماني الجزء السابع «١»، وقطعة من الجزء الثاني عشر تقع في خمسين ومائة ورقة مصورة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية عن مكتبة المسجد الأقصى بالقدس رقم (٢٩). وتبدأ بالكلام على قوله تعالى: (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) - الآية ١٧ من سورة إبراهيم- وتنتهي بتفسير قوله تعالى: (قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ) - الآية ٣٧ من سورة الكهف- أي أنها تشتمل على تفسير جزءين. بتجزئة القرآن الكريم «٢» نموذج من الكتاب: «القول في قوله : (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ) - سورة إبراهيم ٤٠ - يقال: ما الدعاء؟ الجواب: طلب الفعل بدلالة القول، وما دعا الله إليه فقد أمر به ورغّب فيه، وما دعا العبد به ربه فالعبد راغب فيه، ولذلك لا يجوز أن يدعو بلعنه أو عقابه، ويجوز أن يدعو [على] غيره به. «ويقال: ما التقبل؟ الجواب أخذ العمل على طريق إيجاب الحق به، مقابلة عليه، ولذلك لا تتقبل طاعات الفاسق لأنها محبطة لا يستحق بها الثواب. (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) - إبراهيم ٤١ - يقال: لم لا يجوز الدعاء بالمغفرة للفاسق؟ الجواب: لأنه لا يجوز أن يسأل الله ما ليس من حكمه أن يفعله، لما في ذلك من

стр. 142

التحكم بالدعاء إلى فعل ما قد دل أنه لا يفعله ولا يريده، وليس كالدعاء بما في معلومه أنه يفعله لا محالة، لما في هذا من موقف الخاضع الراضي بحكمه. «ويقال لم وجب أن الايمان هو الاسلام؟ الجواب: لقوله جل وعز: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) - آل عمران ٨٥ - فلو كان الايمان غير الاسلام لكان من ابتغى الايمان دينا لا يقبل منه! «ويقال: لم جاز أن يدعو لأبيه مع كفره؟ الجواب: لأنه على شرائط الحكمة بأنه إن كان ممن [له] لطف يفعل معه التوبة، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) - التوبة ١١٤ - وقد قال (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) - الشعراء ٨٦ - وقد قال أبو علي: إنما دعا لوالديه من المؤمنين، وهذا عدول عن الظاهر لا يسوغ مع ما بينا من قبل. «وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه طلب المغفرة على شرائط الحكمة من الاجابة واليأس مع الاقامة على الكبيرة، لتوعد الظالم بما يصير إليه من العذاب الدائم». وقد جرى في سائر تفسيره، كما يدل عليه هذا الجزء الذي بين أيدينا، على هذه الطريقة من السؤال والجواب بعبارة فائقة، ولعله لم يسبق في التفسير إلى مثل هذا العدد الكبير الذي لا يحصى من التعاريف اللغوية الدقيقة التي مزجها بفكر المعتزلة ومصطلحاتهم.

стр. 143

١٥ - تفسير أبي القاسم الأسدي، عبيد الله بن محمد النحوي الموصلي من معتزلة بغداد المتوفى سنة ٣٨٧، أخذ عن الفارسي والرماني وغيرهما، وكان عارفا بالقراءات والعربية. صنف (تفسير القرآن) وذكر في «بسم الله الرحمن الرحيم» - كما قيل- مائة وعشرين وجها «١» ولم نقف من تفسيره على شيء. ١٦ - تفسير القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، عماد الدين أبي الحسن المتوفى ٤١٥ من معتزلة البصرة ومن أصحاب أبي هاشم الجبائي، جعله الحاكم «أول رجال الطبقة الحادية عشرة من المعتزلة وأقدمهم فضلا» وقال فيه: «وليس تحضرني عبارة تنبئ عن محله في الفضل وعلو منزلته في العلم، فإنه الذي فتق الكلام ونشره، ووضع فيه الكتب الكثيرة الجليلة التي سارت بها الركبان وبلغت المشرق والمغرب، وضمّنها من دقيق الكلام وجليله ما لم يتفق لأحد مثله، وظلّ عمره مواظبا على التدريس والاملاء حتى طبق الأرض بكتبه وأصحابه، وبعد صوته وعظم قدره وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على كتبه ومسائله حتى نسخ كتب من تقدم من المشايخ» «٢» وقد عد الحاكم من كتبه في علوم القرآن: التنزيه، والمتشابه والمحيط، والأدلة «٣» وقد وصل إلينا الكتابان الأولان، وما زلنا نفتقد

стр. 144

الآخرين. وحديثنا هنا عن تفسيره الكبير الموسوم بالمحيط الذي أشار اليه كذلك ابن العربي وابن تيمية والداودي وغيرهم «١» وقد ذكر ابن العربي أنه يقع في مائة مجلد وأنه قرأه في خزانة المدرسة النظامية ببغداد، وعرّفه ابن تيمية ب «التفسير الكبير». وسنعرض لهذا التفسير عند الكلام على مدى إفادة الحاكم من آراء القاضي عبد الجبار في تفسير القرآن. ١٧ - التفسير الكبير لأبي الفتح الديلمى: الامام الشهيد الناصر بن الحسين من أولاد الحسن بن علي بن أبي طالب، آخر أئمة الزيدية باليمن في القرن الخامس، الذي قتله الصليحي سنة ٤٤٤ كما قدمنا. كان خروجه من الديلم سنة ٤٣٠ ودعا بها في اليمن وحارب الصّليحي في بلاد مذحج وكان في الجهاد حتى قتل. وفي الحدائق الوردية أن تفسيره في أربعة أجزاء «أورد فيها من الغرائب المستحسنة والعلوم العجيبة النفيسة». وله كذلك: البرهان في تفسير غريب القرآن. ورسالة في الرد على المطرفية، وكتب أخرى «٢».

стр. 145

والذي بين أيدينا اليوم من تراثه في التفسير! جزء واحد يقع في ثمان وثلاثين ومائتي ورقة، عرض فيه لجميع سور القرآن، واقفا عند كل سورة أمام ما يرى أنه بحاجة إلى شرح وتفسير، قال في سورة المعراج: «بسم الله الرحمن الرحيم: قوله تعالى: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ) يعني: طلب طالب بعذاب واقع، وهذا الطالب كان النضر بن الحارث، وكان صاحب لواء المشركين يوم بدر، سأل ذلك في قوله: «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» وإنما طلب تعجيل عذاب الآخرة في دار الدنيا فقتل يوم بدر أسيرا. (مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ) يعني ذي النعم والفواضل ودرجات الخير. (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ) أي تصعد الملائكة إلى أمره وإلى مواضعهم ومقاماتهم المرتبة لهم. والروح عنى به جبريل ﵇، وخصه بالذكر تشريفا. (فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) يعني يوم القيامة لأن طوله خمسون ألف سنة من سنيّ الدنيا، وهو ضياء يستديم إلى أن يجاب الخلق فيستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار» «١». وختم هذا التفسير في آخر سورة الناس، بقوله: «وروينا عن آبائنا ﵈ أن سيدنا رسول الله كان يعوّذ الحسن والحسين ﵉ فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامه». ونحن نستعيذ بالله مما عوذ ... وفقنا الله وقارئه لتدبر ما فيه،

стр. 146

وتفهم معانيه، فيه توفيقنا، وعليه توكلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير «١». وقد تم نسخ هذه النسخة رابع عشر رمضان سنة ست وأربعين وألف. ١٨ - تفسير الماوردي: أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب المتوفى سنة ٤٥٠ «٢». وقد أسماه (النكت والعيون) وقال في مقدمته: « ... ولما كان الظاهر الجليّ مفهوما بالتلاوة، وكان الغامض الخفي لا يعلم إلا من وجهين، نقل أو اجتهاد، جعلت كتابي هذا مقصورا على تأويل ما خفى علمه، وتفسير ما غمض تصوره وفهمه، جامعا بين أقاويل السلف والخلف، وموضحا عن المؤتلف والمختلف، وذاكرا ما سنح به الخاطر من معنى محتمل، وعدلت عما ظهر معناه من فحواه اكتفاء بفهم قارئه وتصور تاليه، ليكون أقرب مأخذا وأظهر مطلبا .. » «٣» وهذا ما حمله فيما يبدو على تسميته بالنكت والعيون، ليدل على أنه أقرب إلى تفسير المشكل والمتشابه، وأنه جمع فيه من عيون أقاويل السلف والخلف، وإن كان هذا لم يمنعه في الواقع من الشرح والتعليق السريع على سائر آيات الكتاب الكريم تقريبا. والناظر في هذا التفسير قد لا يقف فيه سريعا على أثر واضح لمذهب المصنف الذي كان لا يجاهر بالاعتزال فيما يبدو، ولكنه كان ينتصر

стр. 147

فيه لمذهب المعتزلة على التحقيق، مرة بالإشارة العابرة، وأخرى بوضع القارئ أمام وجوه كثيرة في تفسير الآية الواحدة، يوردها موجزة ملخصة وليس من بينها ما يناقض مذهب المعتزلة بحال، قال في قوله تعالى: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) - البقرة ٢ - «وفي المتقين ثلاثة تأويلات: أحدها: الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما افترض عليهم، وهذا قول الحسن البصري. والثاني: أنهم الذين يحذرون من الله العقوبة ويرجون رحمته، وهذا قول ابن عباس. والثالث: أنهم الذين اتقوا الشرك وبرءوا من النفاق، وهذا فاسد لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق. وإنما خص به المتقين وإن كان هدى لجميع الناس لأنهم آمنوا به وصدّقوا بما فيه» «١» وقال في قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) - البقرة ٧ - «والختم: الطبع، ومنه ختم الكتاب. وفيه أربع تأويلات: أحدهما- وهو قول مجاهد- أن القلب مثل الكف فاذا أذنب العبد ينضم جميعه ثم يطبع عليه بطابع. والثاني: أنها سمة تكون علامة فيهم تعرفهم الملائكة بها من بين المؤمنين. والثالث: أنه إخبار من الله تعالى عن كفرهم وإعراضهم عن سماع ما دعو إليه من الحق، تشبيها بما قد سدّ وختم عليه فلا يدخله خير. والرابع: أنها شهادة من الله على قلوبهم بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحق، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إليه. والغشاوة: تعاميهم عن الحق. وسمي القلب قلبا لتقلبه بالخواطر، قال الشاعر:

стр. 148

ما سمّي القلب إلا من تقلّبه والرأي يصرف والإنسان أطوار والغشاوة: الغطاء الشامل» «١» وقد عقد السبكي في ترجمته للماوردي فصلا مقتضبا حول تفسيره، نقل فيه عن ابن الصلاح قوله: «هذا الماوردي عفا الله عنه يتهم بالاعتزال، وقد كنت لا أتحقق ذلك عليه وأتأول له وأعتذر عنه، في كونه يورد في تفسيره في الآيات التي يختلف فيها أهل التفسير، تفسير أهل السنة وتفسير المعتزلة غير متعرض لبيان ما هو الحق منها، وأقول: لعل قصيده إيراد كلّ ما قيل من حق أو باطل، ولهذا يورد من أقوال المشبهة أشياء مثل هذا الإيراد!! حتى وجدته يختار في بعض المواضع قول المعتزلة وما بنوه على أصولهم الفاسدة ومن ذلك مصيره في «الأعراف» إلى أن الله لا يشاء عبادة الأوثان. وقال في قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) - الأنعام ١١٢ - وجهان في «جعلنا» أحدهما معناه حكمنا بأنهم أعداء، والثاني: تركناهم على العداوة فلم نمنعهم منها» «٢» ثم حمل على تفسيره حملة شديدة فقال: «وتفسيره عظيم الضرر لكونه مشحونا بتأويلات أهل الباطل تلبيسا وتدسيسا على وجه لا يفطن له غير أهل العلم والتحقيق، مع أنه تأليف رجل لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة!! بل يجتهد في كتمان موافقهم فيما هو لهم فيه موافق» «٣» وختم

стр. 149

كلامه بقوله إن الماوردي ليس معتزليا مطلقا! لأنه لا يوافق المعتزلة في جميع أصولهم مثل خلق القرآن، ويوافقهم في القدر، قال: «وهي البلية التي غلبت على البصريين وعيبوا بها قديما». وأيا ما كان الأمر فإن الماوردي وضع تفسيره على أصول المعتزلة ومنهجهم في التفسير، سواء أخالفهم في بعض المسائل أم لا، وسواء أجاهر فيه بالاعتزال أم لا، وإن كنا لا ندري ما هو «حد» الجهر عند ابن الصلاح «١»! ولدينا اليوم من هذا التفسير أكثره: ١ - جزء يبدأ من أول القرآن، مع مقدمة المؤلف وفصول أخرى صدر بها الكتاب، منها فصل في مسألة نزول القرآن على سبعة أحرف، وفصل في اعجاز القرآن، وينتهي هذا الجزء بانتهاء سورة الأنعام «٢». ٢ - جزء آخر من نسخة أخرى ناقص من أوله، ويبدأ بالكلام على قوله تعالى: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) - البقرة ٣٦ - وينتهي بآخر سورة الكهف «٣» ٣ - جزء ثالث من نسخة ثالثة

стр. 150

أيضا، كتب عليه أنه الجزء الخامس من تفسير القرآن للماوردي، ويبدأ بسورة لقمان وينتهي بآخر سورة ق «١» ٤ - جزء رابع من أول سورة السجدة إلى آخر القرآن من نسخة كتبت سنة ١٠٧٠ هـ، ويقع في واحد وثمانين ومائتي ورقة، وهذا الجزء من مصورات معهد إحياء المخطوطات بجامعة الدول العربية (فلم رقم ١٥٤ تفسير). ١٩ - تفسير أبي يوسف القزويني: عبد السلام بن محمد بن يوسف المتوفى سنة ٤٨٨ عن ست وتسعين سنة «٢»، وهو يعد في الطبقة الثانية عشرة من المعتزلة لأنه ممن قرأ على القاضي عبد الجبار ومن هو في طبقته «٣». وهو أقرب مفسري المعتزلة وفاة من مصنفنا الحاكم «٤»، وأشهر رءوس المعتزلة في النصف الثاني من هذا القرن، وكان يدعو إلى الاعتزال ويفتخر به ويتظاهر به حتى على باب نظام الملك- كما ذكر السبكي- فيقول لمن يستأذن عليه: قل أبو يوسف القزويني المعتزلي. «٥»

стр. 151

وكان يقول: لم يبق من ينصر هذا المذهب غيري «١». قال السمعاني: «وكان أحد المعمرين والفضلاء المتقدمين، جمع التفسير الكبير الذي لم ير في التفاسير أكبر منه ولا أجمع للفوائد، لولا أنه مزجه بكلام المعتزلة وبث فيه معتقده، وهو في ثلاثمائة مجلد، منها سبع مجلدات في الفاتحة» «٢» وقال ابن النجار: «كان طويل اللسان، ولم يكن محققا إلا في التفسير فإنه لهج بالتفاسير حتى جمع كتابا بلغ خمسمائة مجلد حشا فيه العجائب حتى رأيت منه مجلدا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ... ) «٣» - الآية ١٠٢ سورة البقرة- والذي أخذه عليه ابن النجار عبر السبكى بقوله: «وكان عنده قوة نفس، وربما نال من بعض أهل العلم بلسانه» «٤». ويبدو أنه كان كثير الاعتماد على تفاسير المعتزلة قبله، حتى لكأنه احتواها في تفسيره الكبير، كما أشار إلى ذلك ابن النجار في عبارته عنه «إنه لهج بالتفاسير» وكما أوضح السبكي فيما نقله عن القزويني نفسه أنه كان يقول: ملكت أشياء نفيسة منها تفسير ابن جرير الطبري في أربعين مجلدا، وتفسير أبي القاسم البلخي، وأبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم

стр. 152

وأبي مسلم بن بحر وغيرهم. وقد كان لأبي يوسف القزويني عناية فائقة بكتب العلم بعامة حتى إنه دخل بغداد بعد أن رجع إليها من مصر- التي أقام فيها أربعين سنة- «ومما معه عشرة جمال عليها كتب بالخطوط المنسوبة في فنون العلم» وقد أهدى لنظام الملك بعض هذه النفائس. وقد سمى تفسيره: حدائق ذات بهجة. ولم نقف من هذا التفسير على شيء. ٢٠ - يضاف إلى كل هذه التفاسير: أمالي المرتضى علي بن الحسين المتوفى سنة ٤٣٦. التي اشتملت على مجالس كثيرة في تأويل عدد من الآيات المشكلة والمتشابهة «١»، وهي التي يظهر فيها بوضوح أثر اختلاف المناهج بين المفسرين، وقد كان الشريف المرتضى من أصحاب قاضي

стр. 153

القضاة درس عليه ببغداد، وعده الحاكم من رجال الطبقة الثانية عشرة من المعتزلة، وكان إماميا يميل إلى الإرجاء «١»، ونقل الذهبي أن ابن حزم جعل الشريف المرتضى ثاني اثنين من الإمامية ليس على إيمانهما مطعن، لذهابهما إلى أن القرآن لم يدخله زيادة أو نقصان أو تحريف، وقال إنهما وافقا في ذلك عامة المسلمين في حين حكم على باقي الإمامية بالكفر لهذه البدعة «٢» وللشريف في التفسير غير أماليه القيمة: تفسير سورة الحمد وقطعة من البقرة، ويبدو أنه شرع في تفسير القرآن ولكنه لم يكمله. وبعد، فهذا عرض لمصنفات المعتزلة في التفسير قبل الحاكم، أتينا فيه على أهم هذه المصنفات وأبعدها ذكرا عند المؤرخين وكتاب التراجم «٣»، وسوف نجد أثر هذا العرض- الذي حددنا فيه ما وصل إلينا من هذه التفاسير- عند الكلام على مصادر الحاكم في الفصل التالي. والكلمة التي نختم بها هذا الفصل هي أن للمعتزلة في علوم القرآن بعامة كتبا أخرى كثيرة لم يكن من شأننا الوقوف عندها، مثل كتب النظم والإعجاز، وكتب معاني القرآن، وكتب المجاز والمشكل والغريب ونحو ذلك.

стр. 154

الفصل الثاني مصادر الحاكم في التفسير أولا: الحاكم وتفاسير المتقدمين أشرنا إلى أن من أهم مزايا كتاب الحاكم نقوله الكثيرة من تفاسير اعتزالية لم تصل إلينا، ولكنه في الواقع لم يقتصر في تفسيره على أقوال شيوخ الاعتزال، بل احتفى فيه- إلى حد كبير- بآراء أئمة التفسير من السلف المتقدمين. وقد جعل لهؤلاء جميعا «فضل السبق وتأسيس الأمر» كما قال في صدر كتابه. وقال إن «للآخرين حسن الترتيب وجودة التهذيب وزيادة الفوائد» «١» وقد جرى في كتابه على تلخيص آراء السابقين وتقديمها على أحسن وجوه الترتيب، قال: «وقد جمعت في كتابي هذا جملا وجوامع في علم القرآن، من غير تطويل ممل وإيجاز مخل، أرجو أن تكون تبصرة للمبتدي وتذكرة للمنتهي» ولعل هذا هو ما حمله على تسمية كتابه ب «التهذيب في التفسير». ونشير في هذا الفصل إلى هؤلاء «المتقدمين» أو «الأولين» الذين

стр. 155

كان ينقل عنهم ويلخص آراءهم، سواء أكانوا من السلف أم من شيوخ الاعتزال، كما نبين كيفية إفادته من كتبهم وعرضه لآرائهم. وسوف نحدد بذلك موقفه من تفاسير المعتزلة التي تحدثنا عنها آنفا، ومن تفاسير أخرى لعله انفرد بذكرها والإفادة منها. أما أساس ترجيحه بين الآراء وطريقته في النقد وسائر ما يتصل بمنهجه ويكشف عن شخصيته في التفسير، فندعه لمحله من هذا البحث وكل ما نود الإشارة إليه هنا: هو أنه درج في شرح الآية أو الآيات على أن يفصل فيها القول على الترتيب التالي: القراءة، اللغة، الإعراب، النزول، المعنى، الأحكام. مع زيادة بعض الفقرات في بعض المواطن. وتظهر لنا «مصادره في التفسير» في حديثه عن «المعنى» في المقام الأول، ثم عن «الأحكام» في مواطن كثيرة، ويكشف لنا كلامه على «المعنى» أيضا عن طريقته في التهذيب والعرض. ثانيا: مصادره السلفية تطالعنا في مجال نقوله الكثير عن السلف الأسماء التالية: ابن عباس، وابن مسعود، وعلى بن أبي طالب، وزيد بن أسلم، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والكلبى، وسعيد بن المسيب، وعطية العوفي، والضحاك، والسدّي، والشعبي، وابن زيد، والربيع، وابن كيسان، والمؤرج، ومقاتل. كما ينقل في مجال الشرح والتفسير أيضا عن الزجاج، والفراء، وأبي عبيدة، وابن قتيبة. وهو بذلك ينقل عن جميع أئمة التفسير من الصحابة والسلف ورجال القرون الأولى.

стр. 156

ولعل من غير المبالغ فيه أن نقول إنه يكاد يكون قد احتوى خلاصة وافية لتفسير الطبري، الذي عنى كما نعلم، بلم شعث التفسير بالمأثور من جميع الروايات والطرق، وأثبته بإسناده إلى أصحابه، وإن كان صاحبنا الحاكم لم يسند من الآراء- فيما وراء أسباب النزول غالبا- إلا ما لا يذكر، كما أنه لم يعرض لذكر الطبري، فيما ينقله الطبري أو يراه، إلا في مواضع قليلة من الكتاب يقع أكثرها في سور القرآن الأولى «١». ١ - عمده من هذه المصادر: وجل نقله في مجال التفسير بالمأثور عن أربعة، هم: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن البصري، وتكاد نقوله عنهم تضارع نقوله عن شيوخ الاعتزال، وإن كان الحاكم والقاضي وغيرهما من المعتزلة يذهبون إلى عد هؤلاء المفسرين الأربعة مع القائلين بالعدل والتوحيد، ويسلكونهم في طبقات المعتزلة: أ- أما ابن عباس فتفسيره مشهور، ومكانته في التأويل والتفسير معروفة، وقد عده القاضي في الطبقة الأولى من طبقات المعتزلة، وقال فيه إنه «كان يذهب إلى التوحيد والعدل» وإن مناظراته مع مجبرة الشام مشهورة «٢» ويكاد الحاكم ألا يصحح من رواياته إلا ما يوافق مذهب أهل العدل، فقد ذكر أنه روي عنه وعن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ

стр. 157

أَصْحابِ الْجَحِيمِ) «١» أنها نزلت في أبوي الرسول ﷺ حين قال: ليت شعري ما فعل أبواي؟! قال: فنزلت الآية، قال الحاكم: وهذا الخبر من أخبار الآحاد، ويبعد أن يصح ذلك عن ابن عباس! «٢» ب- ومجاهد بن جبر عدّه الحاكم ممن ذهب إلى العدل من رواة أهل مكة «٣»، وتفسيره مشهور «٤» وهو أحد مآخذ الطبري الرئيسية. ح- وقتادة بن دعامة السّدوسي، عده القاضي من رجال الطبقة الرابعة من طبقات المعتزلة، وقال: «لم يختلف فيه أنه من أهل العدل» أخذ عن الحسن البصري وكان له مناظرات بالبصرة والكوفة، قال بعضهم: قتادة كان قدريا، قال القاضي: «وهكذا المخالفون يسمون أصحابنا بالقدري وهم أولى بهذا الاسم» «٥» د- أما الحسن بن أبي الحسن البصري فهو من رجال الطبقة الثالثة، وله رسالة في العدل والتوحيد بعث بها إلى عبد الملك بن مروان حين كتب إليه عبد الملك يقول: بلغنا عنك في القدر شيء فاكتب إلينا بقولك، وقد أورد القاضي طرفا من هذه الرسالة في الطبقات، ووصف الحسن بأنه سيد التابعين، وأن محله في الفضل والعلم والزهد ودعاء

стр. 158

الناس إلى الدين مشهور «١» وقال بعض المجبرة: لا نعلم أحدا ممن ينسب إلى القدر أجلّ من الحسن ومكحول «٢» وذكر ابن النديم في ترجمته أن له «كتاب تفسير القرآن» قال رواه عنه جماعة «٣» وذكر في ترجمة عمرو بن عبيد أن له من الكتب «كتاب التفسير عن الحسن» «٤» وهذا يدل على أن عمروا كان من رواة هذا التفسير، وأنه لم يكتب لنفسه تفسيرا خاصا. هؤلاء هم المقدّمون من مفسّري السلف عند الحاكم، الذين يديم النقل عنهم وقد عدهم القاضي جميعا من رجال الاعتزال كما رأينا، وطبقات الاعتزال الأولى و «رجالات» المعتزلة قبل واصل بن عطاء موضع نظر، ويقول القاضي نفسه في صدر الطبقات «واعلم أن اسم الاعتزال وإن كان وقع أولا على من يقول بالوعيد والمنزلة بين المنزلتين، فقد صار في العرف اسما لمن يقول بالتوحيد والعدل وينفي التشبيه والجبر، سواء وافق في الوعيد أو خالف، وسواء خالف في مسائل الإمامة أو وافق وكذلك في فروع الكلام ... » «٥» وقد لا يكون لهؤلاء المفسرين من

стр. 159

الاعتزال إلا القول بقدرة العبد وأنها هي التي توجد الفعل، أو بعبارة أخرى: ليس لهم إلا رفض مذهب الجبر والنقض على المجبرة- ولذلك وسم بعضهم بالقدري- وهو الاسم الذي أطلق على المعتزلة أولا- ولهذا تغاضينا عن عد تفاسيرهم مع تفاسير المعتزلة في الفصل السابق. والذي يفسّر اعتماد الحاكم لآراء هؤلاء المفسرين الاربعة، فيما نرى، ولعه الشديد بالرد على المجبرة، ومحاولته الدائبة استنباط الأحكام الدالة على فساد مذهبهم من آيات جدّ كثيرة، كما سنرى عند الكلام على منهجه في التفسير. ٢ - أمثلة وشواهد: ونورد فيما يلي فقرة واحدة من تفسيره توضح عنايته بآراء السلف، وتمهد للحديث عن مصادره الأخرى، وطريقته في الإفادة منها. قال في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) «١»: «المعنى: لما بين تعالى دين الحق «٢» حثّ على إظهاره ونهى عن كتمانه فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ): قيل أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن والربيع والسدي والأصم وأبي علي، وقيل إنه كلام مستأنف في كل من كتم ما أنزل الله، عن أبي القاسم وأبي مسلم والقاضي، قال: ونزوله على سبب لا يوجب قصره عليه، ولا

стр. 160

مانع من حمله على العموم، وروى عن عائشة وأبي هريرة ما يدل على أنهما حملاه على العموم قال أبو هريرة: لولا آيتان من كتاب الله تعالى ما حدثتكم، وتلا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ... (ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى) قيل: من الحجج المنزلة في الكتب، والهدى: الدلائل والأول علوم الشرع، والثاني أدلة العقل، فعم الوعيد في كتمان جميعها. (مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ) قيل: في التوراة والانجيل من صفته ﷺ من الأحكام، وقيل: في كل كتاب أنزله الله. وقيل: أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين، وبالثاني ما في القرآن. (أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ) يعني يبعدهم من رحمته (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) قيل: الملائكة والمؤمنون، عن قتادة والربيع وأبي علي، وقيل: دواب الأرض وهوامها يقولون: منعنا القطر لمعاصي ابن آدم، عن مجاهد وعكرمة وإنما عبر عنهم بعبارة ما يعقل لأنه أضيف اليهم فعل ما يعقل فعبر عنهم بعبارتهم، كقوله: (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ). وقيل: كل شيء سوى الثقلين الجن والإنس، عن ابن عباس. وقيل: من آمن به، عن الأصم وأبي مسلم. وقيل إن أهل النار يلعنونهم أيضا حيث كتموهم الدين، فهو على العموم. وعن ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق حقت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله. وروي عن ابن عباس أن لهم لعنتين لعنة الله ولعنة الخلائق، قال: وذلك إذا وضع الرّجل في قبره فيسأل: ما دينك ومن ربك؟ فيقول ما أدري!

стр. 161

فيضرب ضربة فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين، ولا يسمع شيء إلا لعنه، ويقول له الملك: لا دريت! كذلك كنت في الدنيا. ومتى قيل: كيف يصح هذا وما روى عن مجاهد وعكرمة؟ قلنا: لا وجه له إلا أن يحمل على وجهين: أحدهما أنه يكون في الآخرة فيكمل عقولهم حتى يلعنوهم. والثاني: أن يحمل على أنه يلهمهم اللعنة، عن القاضي، وفيه تعسف. والصحيح الوجه الأول «١». ثالثا: مصادره الاعتزالية أما مصادره الاعتزالية- التي ذكر قسم كبير منها في هذا النص- فما تزال ترد في سائر الكتاب، ونقف في كتابه من أسماء شيوخ الاعتزال على الأسماء التالية: أبو علي الجبائي، أبو هاشم الجبائي، علي بن عيسى الرماني، أبو بكر الزبيري، محمد بن المستنير، أبو بكر الأصم، أبو مسلم الأصفهاني، أبو بكر أحمد بن علي، الجاحظ، أبو القاسم البلخي، القاضي عبد الجبار، أبو حامد النجاري، أبو بكر الأخشيد، أبو جعفر بن مبشر، كما ينقل عن عمرو بن عبيد، وغالبا ما يذكره مع الحسن البصري، ولعل هذا يرجح ما ذكره ابن النديم أن لعمرو بن عبيد «كتاب التفسير عن الحسن» فقد رواه عنه وذهب إلى موافقته فيما يبدو. ١) بين هذه التفاسير والتفاسير السابقة: وبمقارنة هذه الأسماء بأسماء أصحاب التفاسير الاعتزالية التي ذكرناها

стр. 162

في الفصل السابق، تتضح عناية الحاكم بالنقل عن أهم تفاسير المعتزلة، من جهة، كما تتضح لنا- من جهة أخرى- الملاحظات الهامة التالية: أ- ينقل الحاكم عن تفسيرين يبدو أنهما من أهم تفاسير المعتزلة وإن لم يرد لهما ذكر في الطبقات وفي كتب التراجم، وهما تفسير أبي بكر الرازي، وتفسير أبي بكر الزبيري: أما الرازي فهو أحمد بن علي ترجم له الحاكم فيمن ذهب إلى الاعتزال من الفقهاء، وقال فيه «إنه لم يكن قبله ولا بعده من الفقهاء مثله علما وورعا وتصنيفا وزهدا» «١» والزبيري هو محمد بن إبراهيم من ولد الزبير بن العوام، عده القاضي في الطبقة الثامنة، وذكر أن له ثلاثة وثلاثين كتابا في الدقيق والجليل، وأنه أخذ المذاهب عن يحيى بن بشير الأرجاني، وإن كان يميل دائما إلى آراء أبي الهذيل العلاف بخاصة «٢». ونقول الحاكم الكثيرة عنهما ترجح أن كلا منها كان له كتاب في التفسير، وإن لم يصرح الحاكم بالنقل عنه، لأنه جرى على عدم الإشارة إلى اسم أي تفسير، وإنما كان يكتفي بذكر الرأي وبذكر قائله فقط، على أن نقوله عن أبي بكر الزبيري أكثر، وقد نسب الحاكم إليه في تفسير فواتح السور قوله إن الله تعالى علم أن أناسا من هذه الأمة

стр. 163

سيقولون بقدم القرآن، أو سوف لا يقرّون بحدوثه فأنزل هذه الفواتح ليعلمهم أن القرآن مؤلف من هذه الحروف التي تواضع عليها العرب، وليدل بذلك على حدثه! وليس وراء هذه الحدة مغالاة متعصب!! ب- نقول الحاكم الكثيرة عن محمد بن المستنير (الشهير بقطرب) ترجح أنه كان ينقل عنه بطريق مباشر، وأنه كان ينقل عنه من كتابه (معاني القرآن) الذي ذكره ابن النديم «١». ح- نقوله القليلة والنادرة عن شيخه أبي حامد وعن الجاحظ، تدل على سماعه تفسير بعض الآيات من شيخه، أو الوقوف على تفسيرها في بعض كتبه وكتب الجاحظ، وجلّ نقله عن الجاحظ في مسائل البلاغة والكلام. وليس هناك ما يدل على أن أحدهما ألّف في تفسير القرآن. د- نقوله الكثيرة عن أبي هاشم الجبائي ترجح أن له كتابا كبيرا في التفسير وإن لم يذكره القاضي في ترجمته في الطبقات، وقد مرت الإشارة إلى تفسير أبي هاشم فيما نقله السبكي عن أبي يوسف القزويني أنه ملك أشياء نفسية عد منها «تفسير أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم» «٢» حتى ليمكننا إضافته إلى التفاسير الاعتزالية السابقة، وإن كان من المؤكد أنه كان في وضعه يديم النظر في كتاب أبيه. هـ- لم يرد في كتاب الحاكم ما يدل على أنه اطلع على أي من تفاسير الأئمة السالفة أو أفاد منه، وإن كان ينقل كثيرا عن الإمام

стр. 164

الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين في مسائل الفقه. وإذا اعتبرنا القاضي عبد الجبار المتوفى سنة ٤١٥ - والذي عمّر حتى جاوز التسعين- من أعلام القرن الرابع، فإن الحاكم لم يحفل بتفسير أحد من أعلام الاعتزال في القرن الخامس، وليس في كتانة ذكر لأبي الفتح الديلمي أو الماوردي أو القزويني، ولعل طريقة هؤلاء في التفسير طريقة الحاكم نفسه، وإن كان كتاب الحاكم أغنى من كتابي الديلمي والماوردي، وأقرب ما يكون- من حيث القدر ومن حيث الجمع والتهذيب- إلى تفسير القزويني، وقد مرّ ما ذكره ابن النجار أنه رأى من تفسير القزوينى مجلدا- من خمسمائة- في آية واحدة «١» وهي من قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) «٢» ويبدو أن موافقة الحاكم له في المنهج- الاعتزالي- والطريقة جعلته أيضا يطيل الوقوف أمام هذه الآية، ويتبع الكلام عليها ب «الكلام في أحكام السحر» الذي اشتمل على ستة فصول «٣». ٢ - عمده الرئيسية من هذه التفاسير، وموقفه من تفسير القاضي: أ- ويعتمد الحاكم من هذه التفاسير بالدرجة الأولى، على تفاسير أبي علي الجبائي، وأبي مسلم الاصفهاني، وأبي القاسم البلخي «٤»، وأبي

стр. 165

بكر الأصم، بحيث يمكن عد هذه التفاسير الأربعة عمده الأساسية ومصادره التي لم يغفل عن النقل عنها في الأعم الأغلب. وقد تحدثنا عن كلف الجبائي بتفسير الأصم وعنايته بالوقوف على آرائه في التفسير، ولكن يبدو أن الجبائي كان كثير المخالفة له كما تدل نقول الحاكم عنهما، بحيث يصبح الاعتماد عليهما اعتمادا على مصدرين كبيرين غنيين، لا على مصدر واحد مكرر كما هي الحال في كتب بعض المعتمدين على المتقدمين والمعاصرين، وقد كان بين الرجلين مناظرات طويلة، على كل حال، كما ذكر القاضي عبد الجبار. وكما أشرنا إلى ذلك عند الكلام على تفسير الأصم. أما أبو مسلم الأصفهاني فقد كانت عناية الحاكم بالنقل عنه تفوق عناية الشريف المرتضى وأبي جعفر الطوسي والقاضي عبد الجبار، وإن كانت شهرة أبي مسلم عند القاضي تحمله دائما عند النقل عنه على الاكتفاء بقوله: قال أبو مسلم، أو قال أبو مسلم في تفسيره «١» ولعلنا لا نغالي إذا قلنا إن تفسير أبي مسلم كان أبعد التفاسير أثرا عند الحاكم وعند كثير من المفسرين، وإن وجوه التأويل الكثيرة التي كان يذكرها أبو مسلم لقيت أوسع الصدى عندهم. ويلمح المتتبع لآرائه في تفسير الحاكم بعض الخطوط الخاصة لمنهجه في التفسير- الذي كان متفقا مع منهج المعتزلة في خطوطه العامة بالطبع- ولعل هذا، إلى جانب ما ذكرناه، هو ما جعله من أهم مصادر الحاكم.

стр. 166

ب- ويعترضنا هنا إشكال لا يسعنا التغاضي عنه، هو قلة نقول الحاكم عن تفسير القاضي عبد الجبار إذا قيست بنقوله عن التفاسير الثلاثة السابقة، في حين كان من المتوقع أو المفروض أن يكون دائم النقل عنه كثير الاستشهاد بآراء القاضي فيه وتأويلاته، نظرا لمكانة القاضي عنده، وأخذه عن تلامذته، واعتداده بآرائه في كثير من مسائل الفقه والكلام. والجواب عن ذلك: أن القاضي نفسه إنما اعتمد في تفسيره على تفسير شيخه أبي علي الجبائي، ولم يخالفه فيما يبدو مخالفة تذكر، يدل على ذلك- بعد أن افتقدنا تفسير القاضي- ما نجده في كتابه «اعجاز القرآن» - أحد أجزاء المغنى- من النقول عن مقدمة تفسير أبي علي، وإحالته فيه على كتب شيخه في علوم القرآن، منها كتابه: نقض الدامغ «١»، الذي رد فيه أبو علي على ابن الراوندي طعنه على القرآن بالتناقض، قال القاضي: «وقد تقصّى شيخنا أبو علي القول في ذلك- أي في بيان فساد ما يتعلقون به من التناقض في القرآن- في نقض كتاب الدامغ، وشفى الصدر ﵀ بما أورده، وقد نبهنا على الأصل في ذلك، ولولا أن الكلام يطول لذكرنا بعضه ... » ثم قال: «ونحن نورد اليسير مما أورده ابن الراوندي وادعى به المناقضة، ليعرف به

стр. 167

سخفه فيما ادعاه، وتمرده وتجرؤه، فالقليل يدل على الكثير. ونحيل في الباقي على ما نقض به شيخنا أبو علي ﵀ كلامه ... » «١» هذا إلى جانب نقول القاضي الكثيرة عن تفسير شيخه أبي علي في كتابه المتشابه «٢»، وعنايته الفائقة والمعروفة بكتب شيخيه- كما يحب أن يدعوهما- أبي علي وأبي هاشم رحمهما الله. وأوضح من هذا في الدلالة على إفادة القاضي من كتاب أبي علي واعتماده له- حتى إن الحاكم لم يجد في تفسير القاضي ما يركن إليه من آرائه الخاصة إلا القليل- اتهام أبي بكر بن العربي القاضي عبد الجبار أنه أخذ كتابه في التفسير من تفسير أبي الحسن الأشعري!! قال ابن العربي: «وانتدب أبو الحسن الأشعري إلى كتاب الله فشرحه في خمسمائة مجلد، وسماه بالمختزن، فمنه أخذ الناس كتبهم، ومنه أخذ عبد الجبار الهمذاني كتابه في تفسير القرآن، الذي أسماه «المحيط» في مائة سفر، قرأته في خزانة المدرسة النظامية بمدينة السلام» «٣» وهذا اتهام باطل سبق لنا أن ناقشناه مطولا في دراستنا السابقة لكتاب القاضي عبد الجبار «متشابه القرآن» ولكن دلالته على اعتماد القاضي لتفسير شيخه أبي علي صحيح فيما نرجح، لأن الأشعري إنما وضع تفسيره

стр. 168

- أصلا- للرد على تفسير شيخه أبي علي والنقض عليه، وذلك بعد أن اعتزل الاعتزال- وكما أشرنا إلى ذلك عند الكلام على تفسير الجبائي. ويبدو أن الأشعري قد تتبع تفسير شيخه في المواضع التي اعتقد أنه أوّلها على رأيه أو على ما وسوس له به شيطانه- على حد قوله- قال ابن عساكر: «ثم ذكر- أي الأشعري- بعض المواضع التي أخطا فيها الجبائي في تفسيره وبين ما أخطا فيه من تأويل القرآن» «١» ولا بد أن هذه المواضع هي الآيات المشكلة والمتشابهة التي أقامها الأشعري على مذهبه الجديد، في حين ترك القول في سائر الآيات إلى ما ينقله أبو على فيها من وجوه اللغة والإعراب والنزول والقراءة .. أو لما يقارب كلامه في تفسيرها، حتى إن بعض المؤرخين يذكر أن الأشعري قد ألف تفسيره على طريقة المعتزلة!! وبهذا فإن تفسير الأشعري يقارب- على وجه- تفسير شيخه أبي علي، فإذا صح ما ذكره ابن العربي من تشابه تفسير القاضي لتفسير الأشعري- وهو صحيح وإن لم يكن القاضي فيه عالة على أبي الحسن- صح لنا القول إن القاضي اعتمد في تفسيره على كتاب شيخه أبي علي- فعل الأشعري، وإن كان اعتماد كل منهما كان على وجه مغاير للآخر- ونستطيع بعد ذلك أن «نتهم» الحاكم بأنه لم يعرض لذكر القاضي أو للنقل عنه إلا حين وجده ينفرد بوجه من وجوه التأويل أو الترجيح، أو حين يرغب الحاكم نفسه في «مظاهرة» رأي ذهب هو إلى

стр. 169

ترجيحه، فتجده يقرن القاضي بأبي علي في أغلب المواطن، فيقول: «عن أبي علي والقاضي» أو «عن أبي علي، واختاره القاضي»، أو «وهو قول الحسن وأبي علي واختيار القاضي» ... الخ «١» رابعا: نقوله العامة أو المبهمة والحاكم، بعد، يورد كثيرا من الأقوال دون أن ينسبها إلى أحد، وإنما يكتفي بذكرها مسبوقة بكلمة «قيل»، كما اعتاد أن ينسب بعض الأقوال الى «أهل التفسير» أو الى «علماء التفسير». وأن يقول في بعض الأحيان: «قال علماؤنا» أو قال علماؤنا وعلماء التفسير، وهؤلاء

стр. 170

هم الذين ينسب إليهم أيضا كثيرا من الأقوال ويسميهم «أهل العدل» أو مشايخه أو «مشايخ العدليين» - كما سنجد كل ذلك في شواهده التي ننقلها عنه- وغالبا ما تكون المواطن التي ينقل فيها عن أهل التفسير أو أهل العدل- جملة- موطن اتفاق بين أولئك، أو بين هؤلاء. خامسا: حول طريقته في الافادة من المصادر وطريقة الحاكم التي جرى عليها في وضع كتابه، والتي ألمح إليها في مقدمته حين قال إن للأولين فضل السبق، وللآخرين جودة التهذيب وزيادة الفوائد، وإنه قد جمع في كتابه جملا وجوامع من علوم القرآن قد أعفي معها- إلى حد بعيد- من ذكر أدلة الأقوال التي يوردها، وبخاصة أقوال مفسري المعتزلة الذين يأتي على رأسهم: الثلاثة الذين تحدثنا عنهم، وفي مقدمتهم أبو مسلم الذي انفرد بكثير من الآراء ووجوه التأويل، وبعض الأدلة الموجزة العارضة التي كان يذكرها لبعض الأقوال لا يمكنها أن تثبت للمناقشة والجدل، سواء أكان ذلك من الحاكم نفسه- كما كان يفعل في بعض الأحيان- أم من غيره. وبالرغم من أننا خسرنا بذلك الكثير، إلا أن حشد مثل هذا العدد الكبير من «التفاسير» على صعيد واحد، والموازنة بين آراء أصحابها والترجيح بين أدلتهم، لم يكن من هم الحاكم في شيء، بل لعله لو فعل ذلك لزاد حجم تفسيره على حجم كتاب الرازي، ولصعب علينا الوقوف على معالم شخصيته في التفسير والتأويل من وراء ركام الردود والمناقشات. ونورد فيما يلي- في سبيل إيضاح مدى طريقته في التهذيب والاختصار- بعض الشواهد، مقارنة بنقول بعض المفسرين الآخرين في نفس الآيات:

стр. 171

قال الحاكم في تفسير قوله تعالى: (وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً ... ) «١»: «قيل: هي جنة الخلد، عن جماعة من المفسرين، وهو قول الحسن وواصل وعمرو وأبي علي. وقيل هي جنة من جنان السماء غير جنة الخلد لأن جنة الخلد أكلها دائم ولا تكليف فيها، عن أبي هاشم. وقيل: جنة من جنان الدنيا في الأرض، وقوله (اهبطوا) لا يقتضي أن تكون في السماء، كقوله (اهبطوا مصرا) عن أبي مسلم، وليس بالوجه لظهور الأمر أنه كان في السماء، ولقوله (اهبطوا)، وما ذكر مجاز فلا يقاس عليه غيره» «٢» فلم يزد في النقل عن أبي مسلم على ذكر قوله إن الجنة كانت في الأرض، وإن قوله (اهبطوا) لا يقتضي نقيضه، ثم رد عليه ذلك، في حين أن الرازي ينقل أبي مسلم في التدليل على ما ذهب إليه كلاما طويلا نثبته فيما يلي: قال: «تأويل الآية: هذه الجنة كانت في الأرض، والإهباط: الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى (اهْبِطُوا مِصْراً) واحتج عليه بوجوه: أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله: (هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) ولما صح قوله:

стр. 172

(ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ). وثانيهما: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ). وثالثها: أن إبليس لما امتنع من السجود لعن، فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد! ورابعها: أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى: (أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها) ولقوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها) إلى أن قال (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم ﵇ لما فنيت لكنها تفنى لقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) ولما خرج منها آدم ﵇، لكنه خرج منها، وانقطعت تلك الراحات. وخامسها: أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلّدهم فيها ولا تكليف، لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل، ولأنه لا يهمل عباده، بل لا بد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد. وسادسها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم ﵇ في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر، لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل. وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) جنة أخرى غير جنة الخلد» «١». وبالرغم من أن الحاكم قد يجزئ النقل عن المفسرين والاستشهاد

стр. 173

بتأويلاتهم في الآية الواحدة- أو الآيات- تبعا لتقسيمه لها إلى جمل ومقاطع «تفسيرية» حتى يظن أنه أسرف في الاختصار والتلخيص، أو أنه- على العكس من ذلك- لم يصل في اختصاره إلى الحد الذي ألمحنا اليه، فإنه في الواقع لم يخالف طريقته المعهودة في «التهذيب» في جميع الأحوال، ولنا أن نضرب على ذلك مثالا آخر من نقوله عن أبي مسلم أيضا، وهو تفسيره لآية (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ ... ) «١» التي ألمحنا إلى اطالته القول فيها فيما تقدم، فنقوله المبعثرة فيها عن أبي مسلم قد تتجاوز ما نقله الرازي عنه في نفس الآية، ولكن الحاكم لم يزد في النقل عنه في تفسير قوله تعالى: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) على القول: قال أبو مسلم: «أي لم ينزل السحر على الملكين- وكان الحاكم قد قدم في إعراب الآية أن أبا مسلم يذهب إلى أن «ما» نافية- لأن ما ينزل عليهما ينزله الله تعالى، والسحر لا يضاف اليه، ولهذا أضافه إليهم وكفّرهم به، ويعلمون الشياطين دون الملكين» «٢». في حين أن الرازي ينقل عن أبي مسلم في إنكاره أن يكون السحر نازلا عليهما الوجوه الآتية: «الأول: أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث، ولا يليق بالله

стр. 174

تعالى إنزال ذلك. الثاني: أن قوله: (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) يدل على أن تعليم السحر كفر، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر، وذلك باطل. الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بطريق الأولى. الرابع: أن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، فكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟ وهل السحر إلا الباطل المموّه؟! وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله كما قال في قصة موسى ﵇: (ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) «١». وبعد، فإن في نقول الحاكم والرازي عن أبي القاسم وأبي مسلم والقاضي مزيدا من الأمثلة «٢»، وفي نقول الشريف المرتضى عنهما وعن الجبائيين والرماني وأبي القاسم، ما يصلح لمزيد من المقارنات والشواهد، وإن كانت طريقة الشريف المرتضى في الأعم هل طريقة الحاكم نفسه.

стр. 175

الباب الثالث منهج الحاكم في تفسير القرآن

стр. 176

الفصل الأوّل قاعدة الحاكم الفكريّة ومحوره في تفسيره أولا: قاعدته الفكرية العامة يتصل منهج الحاكم في تفسير القرآن بمذهبه في التوحيد والعدل، بل إنه في أسسه وقواعده ينبني على هذا المذهب وينطلق منه، وهذه هي حال جميع المعتزلة على حد سواء، ولو جاز لأحد غيرهم أن يهمل النظر في أصوله الفكرية وهو يشرع في تفسير كتاب الله تعالى، لما قدر واحد من المعتزلة على ذلك، لأن تقديم القول بالعدل والتوحيد عندهم ليس ضروريا للتفسير فحسب، بل لا بد منه لمعرفة النبوات والشرائع جميعا، قال الحاكم: «يجب أولا أن يعرف الله تعالى بصفاته وعدله، ثم تعلم النبوات، ثم يعلم الفقه والشرائع والحديث والتفسير، لأن معرفة الشرع لا تتم إلا بمعرفة الكتاب والسنن. فعلى هذا الترتيب تجب هذه العلوم» «١». وهذا معنى قوله أيضا: «وشيء من العلوم لا يصح إلا بعد معرفة الله وتوحيده وعدله» «٢» وإلى ذلك أشار القاضي عبد الجبار من قبل، وهو يتحدث عن

стр. 177

ضرورة علم المفسر لكتاب الله باللغة والنحو وأصول الفقه، فقال: «ولن يكون- أي المفسر- عالما بهذه الأحوال إلا وهو عالم بتوحيد الله وعدله وما يجب له من الصفات وما يصح وما يستحيل، وما يحسن منه فعله وما لا يحسن» «١». ومن هنا جاء نعي الحاكم على الذين يقدمون على تفسير كتاب الله تعالى من غير معرفة عندهم بصفاته وعدله، ومن غير تحصيلهم علم الكلام الذي عده بمثابة الأصل، فقال فيهم «إنهم اشتغلوا بالفرع من غير إحكام الأصل فكانوا كالقابضين على الماء» وإنهم «قنعوا بالاسم وطلبوا الرئاسة ورضوا بأن يكونوا متبوعين» وقد حكم على عملهم هذا بأنه ضرب من المحال! في حين جعل المرجع في التفسير إلى قومه من المعتزلة، ووصفهم بأنهم «في الحقيقة الفقهاء المفسرون» «٢» وأشار إليهم ببراعة في آخر صفحة في تفسيره فقال: «وأسأل كل من نظر في كتابي هذا من إخواني من أهل العدل والتوحيد إصلاح ما يجدونه فيه من غلط، فالعبد لا يخلو منه، وأوصيهم بالدعاء والاستغفار لمصنفه وتقديم ما ينفعه، فالأخوة في الدين فوق الأخوة في النسب» «٣» فكأنه بذلك لم يعتد بتخطئة من يخطئه من غيرهم ممن يتهمه بأنه يضيع الأصل ويصرف عنايته إلى الفرع! بل إن الحاكم ليرى في هذا المنهج الذي يقدّم فيه القول بالتوحيد

стр. 178

والعدل على أي شيء آخر أنه منهج الأنبياء في دعوتهم إلى الله، كما استدل على ذلك بآيات كثيرة من كتاب الله الكريم، قال في قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) «١»: إن الآية تدل على أن القوم كانوا كفارا، فلذلك بدأ بالتوحيد والدعاء إليه. ثم قال: «وهذا دأب الرسل يدعون إلى أهم الأمور، وهو التوحيد الذي لا يصح شيء من العلوم إلا بعده، ثم بعد قبوله يبينون الشرائع». وقال في قوله تعالى: (ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً). إنها تدل على وجوب تعظيم الله وإثبات توحيده وعدله، ثم عبادته. وقال في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) «٢» «إن دعوة الأنبياء- ﵈ على نسق واحد، تبدأ بالتوحيد والعدل والنبوات، ثم يأمر بالتقوى وينهى عن المنكرات، ثم يبين الشرائع»، ولهذا استدل الحاكم بهذه الآيات على «أن الأهم الذي يبدأ به: الدعاء إلى التوحيد والعدل».

стр. 179

وفسر تصديق القرآن للذي بين يديه، في قوله تعالى: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) «١» بأنه موافق لما تقدمه من الكتب المنزلة في التوحيد والعدل، وإن خالفها في الشرائع. وقد عد الحاكم المنع من إظهار التوحيد والعدل من أعظم الذنب، فقال في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها ... ) «٢»: «وإذا كان المنع من المساجد ظلما عظيما، فالمنع من إظهار التوحيد والعدل ودين الحق أعظم!». ولا ينازع الحاكم في أن العدل والتوحيد منهج الأنبياء، ولكنه هو وقومه قد فلسفوا هذا الأصل فلسفة خاصة امتازوا بها من سائر الفرق. ونكتفي هنا في بيان هذا الأصل بالوقوف على المعنى الاجمالي لكل من «التوحيد» و «العدل» وما يندرج تحتهما من سائر الأصول الاعتزالية التي تحكم تفسير الحاكم! كلّ ذلك بالقدر الذي يمهد لنا السبيل لفهم أهم المسائل التي أثارها في تفسيره، ولنقف- بالدرجة الأولى- على الأساس الذي يركن اليه باستمرار في «التأويل» والحمل على المجاز، وفي التفريق بين المحكم والمتشابه، كما سنرى ذلك في الفصول القادمة. ١ - التوحيد: قال الحاكم: إن المعتزلة أجمعوا في مقدمات التوحيد على أن العالم وكلّ موجود سواه تعالى محدث، وأنه تعالى يعرف بالنظر والدليل، وأن دليل إثباته فعله الذي لا يدخل تحت مقدور العباد ... وأن

стр. 180

صنع العالم لا يجوز كونه بالطباع، ولا من تأثير النجوم، ولا من تأثير شيء من الأشياء. كما أجمعوا في «التوحيد» - كما ينص الحاكم- على أنه تعالى «واحد في صفاته التي لا يشاركه فيها غيره، نحو كونه قديما قادرا عالما حيا غنيا» قال: وبالقدم باين المحدثات من الأجسام والأعراض، وبكونه قادرا لذاته، باين سائر القادرين العالمين الأحياء- وأجمعوا على أنه تعالى «لا نظير له ولا شبيه، وليس بجسم ولا عرض، ولا يجوز عليه المكان والحركة والسكون والجوارح والأعضاء» - قال: وبهذه الجملة باينوا الثنوية والنصارى والمشبهة والصفاتية «١». وقد عرّف القاضي «التوحيد» بقوله: «العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيا وإثباتا، على الحد الذي يستحقه، والإقرار به» «٢». وذهب الحاكم في دعواه إجماع المعتزلة على تفسيره السابق للتوحيد- الذي يمكن اعتباره شرحا لتعريف القاضي- إلى نفي أن يكون رأى ثمامة في المتولد، ومعمر في الطباع، وقول البغدادية- في الصفات- «إنه ليس بسميع ولا بصير» ينقضه أو ينقصه، على الرغم من رده الدائب- في تفسيره- على البغدادية في مسألة السمع والبصر، قال في قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) «٣» إنه يدل على أنه تعالى «يرى الأشياء،
следующие страницы →