الفصل الأوّل قاعدة الحاكم الفكريّة ومحوره في تفسيره
أولا: قاعدته الفكرية العامة
يتصل منهج الحاكم في تفسير القرآن بمذهبه في التوحيد والعدل، بل إنه في أسسه وقواعده ينبني على هذا المذهب وينطلق منه، وهذه هي حال جميع المعتزلة على حد سواء، ولو جاز لأحد غيرهم أن يهمل النظر في أصوله الفكرية وهو يشرع في تفسير كتاب الله تعالى، لما قدر واحد من المعتزلة على ذلك، لأن تقديم القول بالعدل والتوحيد عندهم ليس ضروريا للتفسير فحسب، بل لا بد منه لمعرفة النبوات والشرائع جميعا، قال الحاكم: «يجب أولا أن يعرف الله تعالى بصفاته وعدله، ثم تعلم النبوات، ثم يعلم الفقه والشرائع والحديث والتفسير، لأن معرفة الشرع لا تتم إلا بمعرفة الكتاب والسنن. فعلى هذا الترتيب تجب هذه العلوم» «١». وهذا معنى قوله أيضا: «وشيء
من العلوم لا يصح إلا بعد معرفة الله وتوحيده وعدله» «٢» وإلى ذلك أشار القاضي عبد الجبار من قبل، وهو يتحدث عن
стр. 177
ضرورة علم المفسر لكتاب الله باللغة والنحو وأصول الفقه، فقال: «ولن يكون- أي المفسر- عالما بهذه الأحوال إلا وهو عالم بتوحيد الله وعدله وما يجب له من الصفات وما يصح وما يستحيل، وما يحسن منه فعله وما لا يحسن» «١».
ومن هنا جاء نعي الحاكم على الذين يقدمون على تفسير كتاب الله تعالى من غير معرفة عندهم بصفاته وعدله، ومن غير تحصيلهم علم الكلام الذي عده بمثابة الأصل، فقال فيهم «إنهم اشتغلوا بالفرع من غير إحكام الأصل فكانوا كالقابضين على الماء» وإنهم «قنعوا بالاسم وطلبوا الرئاسة ورضوا بأن يكونوا متبوعين» وقد حكم على عملهم هذا بأنه ضرب من المحال! في حين جعل المرجع في التفسير إلى قومه من المعتزلة، ووصفهم بأنهم «في الحقيقة الفقهاء المفسرون» «٢» وأشار إليهم ببراعة في آخر صفحة في تفسيره فقال: «وأسأل كل من نظر في كتابي هذا من إخواني من أهل العدل والتوحيد إصلاح ما يجدونه فيه من غلط، فالعبد لا يخلو منه، وأوصيهم بالدعاء والاستغفار لمصنفه وتقديم ما ينفعه، فالأخوة في الدين فوق الأخوة في النسب» «٣» فكأنه بذلك لم يعتد بتخطئة من يخطئه من غيرهم ممن يتهمه بأنه يضيع الأصل ويصرف عنايته إلى الفرع!
بل إن الحاكم ليرى في هذا المنهج الذي يقدّم فيه القول بالتوحيد
стр. 178
والعدل على أي شيء آخر أنه منهج الأنبياء في دعوتهم إلى الله، كما استدل على ذلك بآيات كثيرة من كتاب الله الكريم، قال في قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) «١»:
إن الآية تدل على أن القوم كانوا كفارا، فلذلك بدأ بالتوحيد والدعاء إليه. ثم قال: «وهذا دأب الرسل يدعون إلى أهم الأمور، وهو التوحيد الذي لا يصح شيء من العلوم إلا بعده، ثم بعد قبوله يبينون الشرائع».
وقال في قوله تعالى: (ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً). إنها تدل على وجوب تعظيم الله وإثبات توحيده وعدله، ثم عبادته.
وقال في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) «٢» «إن دعوة الأنبياء- ﵈ على نسق واحد، تبدأ بالتوحيد والعدل والنبوات، ثم يأمر بالتقوى وينهى عن المنكرات، ثم يبين الشرائع»، ولهذا استدل الحاكم بهذه الآيات على «أن الأهم الذي يبدأ به: الدعاء إلى التوحيد والعدل».
стр. 179
وفسر تصديق القرآن للذي بين يديه، في قوله تعالى: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) «١» بأنه موافق لما تقدمه من الكتب المنزلة في التوحيد والعدل، وإن خالفها في الشرائع.
وقد عد الحاكم المنع من إظهار التوحيد والعدل من أعظم الذنب، فقال في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها ... ) «٢»: «وإذا كان المنع من المساجد ظلما عظيما، فالمنع من إظهار التوحيد والعدل ودين الحق أعظم!».
ولا ينازع الحاكم في أن العدل والتوحيد منهج الأنبياء، ولكنه هو وقومه قد فلسفوا هذا الأصل فلسفة خاصة امتازوا بها من سائر الفرق.
ونكتفي هنا في بيان هذا الأصل بالوقوف على المعنى الاجمالي لكل من «التوحيد» و «العدل» وما يندرج تحتهما من سائر الأصول الاعتزالية التي تحكم تفسير الحاكم! كلّ ذلك بالقدر الذي يمهد لنا السبيل لفهم أهم المسائل التي أثارها في تفسيره، ولنقف- بالدرجة الأولى- على الأساس الذي يركن اليه باستمرار في «التأويل» والحمل على المجاز، وفي التفريق بين المحكم والمتشابه، كما سنرى ذلك في الفصول القادمة.
١ - التوحيد: قال الحاكم: إن المعتزلة أجمعوا في مقدمات التوحيد على أن العالم وكلّ موجود سواه تعالى محدث، وأنه تعالى يعرف بالنظر والدليل، وأن دليل إثباته فعله
الذي لا يدخل تحت مقدور العباد ... وأن
стр. 180
صنع العالم لا يجوز كونه بالطباع، ولا من تأثير النجوم، ولا من تأثير شيء من الأشياء.
كما أجمعوا في «التوحيد» - كما ينص الحاكم- على أنه تعالى «واحد في صفاته التي لا يشاركه فيها غيره، نحو كونه قديما قادرا عالما حيا غنيا» قال: وبالقدم باين المحدثات من الأجسام والأعراض، وبكونه قادرا لذاته، باين سائر القادرين العالمين الأحياء- وأجمعوا على أنه تعالى «لا نظير له ولا شبيه، وليس بجسم ولا عرض، ولا يجوز عليه المكان والحركة والسكون والجوارح والأعضاء» - قال: وبهذه الجملة باينوا الثنوية والنصارى والمشبهة والصفاتية «١».
وقد عرّف القاضي «التوحيد» بقوله: «العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيا وإثباتا، على الحد الذي يستحقه، والإقرار به» «٢».
وذهب الحاكم في دعواه إجماع المعتزلة على تفسيره السابق للتوحيد- الذي يمكن اعتباره شرحا لتعريف القاضي- إلى نفي أن يكون رأى ثمامة في المتولد، ومعمر في الطباع، وقول البغدادية- في الصفات- «إنه ليس بسميع ولا بصير» ينقضه أو ينقصه، على الرغم من رده الدائب- في تفسيره- على البغدادية في مسألة السمع والبصر، قال في قوله تعالى:
(أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) «٣» إنه يدل على أنه تعالى «يرى الأشياء،
стр. 181
وحقيقته جائز فلا معنى للعدول عن الظاهر، خلاف ما تقوله البغدادية بأن معناه يعلم».
وقال في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) «١» إنه يدل على «أن السمع صفة زائدة على العلم، خلاف ما تقوله البغدادية».
وقال في قوله تعالى: (الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) «٢» إن قوله «يراك» يدل على أنه تعالى يرى الأشياء، ويدل قوله «السميع العليم» على أنه سميع، إذ لو أن السميع معناه العالم لكان تكرارا، وذلك يبطل قول البغدادية.
٢ - العدل: ويعني المعتزلة بقولهم إن الله عدل- كما يذكر القاضي- أن أفعاله تعالى كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما أوجبه على نفسه «٣». وذكر الحاكم أن قومه أجمعوا في باب العدل على أنه تعالى منزه من كل قبيح، وأن كل قبيح فهو من فعل غيره من العباد،
стр. 182
وأنه لا يريد القبيح ولا يرضاه، وأن أفعال العباد حادثة من جهتهم، وأنه يكلف العباد لنفعهم لأنه عرّضهم للثواب، وأنه أزاح عللهم بإعطاء الآلة والقدرة قبل الفعل، وأنه لا يكلف العباد ما لا يطيقون، وأنه يثيب من أطاعه ويعذب من عصاه- ولا يعذب من غير ذنب- وأن القرآن كلامه، وهو المتلو السور والآيات بلغة العرب، وأنه محدث غير قديم «١».
ولقد تفرع على هذين الأصلين الكبيرين اللذين أصبحا عنوانا على مذهب المعتزلة- أو على أحدهما- سائر أصولهم الخمس المعروفة، وهي:
«الوعد والوعيد» و «المنزلة بين المنزلتين» و «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وقد قال بعضهم إن الذي حملهم على هذا التفصيل، على الرغم من دخول هذه الأصول الثلاثة في باب «العدل»، هو «ظهور الخلاف بين الناس في كل واحد من هذه الأصول» «٢» وإن كانت مسألة «المنزلة بين المنزلتين» في الواقع هي أول المسائل ظهورا، ومن أكثرها أهمية كذلك.
ونعرض فيما يلي لرأي الحاكم في هذه الأصول الثلاثة، مشفوعة ببعض الأمثلة والشواهد القرآنية التي استدل بها على صحة مذهبه في هذه الأصول، أما شواهده التي لا
تكاد تحصى على صحة مذهبه في «العدل والتوحيد» فسوف تعرض عند الكلام على محوره في تفسيره في الفقرة التالية، لأن العدل والتوحيد- بحدهما السابق- وإن كانا يشكلان القاعدة الفكرية.
стр. 183
العامة للحاكم، إلا أنه أقام من خصومته مع المجبرة- كما سنرى- الذين ناقضوا العدل والتوحيد، محور تفسيره الكبير، والآيات الدالة عنده على العدل والتوحيد هي بعينها الدالة على نقض الجبر والتشبيه، ولهذا آثرنا عرض هذه الآيات بالتفصيل من الوجهة الأخرى من خلال الكلام على نقضه على المجبرة، ومن خلال أمور أخرى رأينا أنها تشكل محور تفسيره، وربما تفكيره كذلك.
على أنه كان يستدل على هذين الأصلين في مواطن أخرى ظاهرة، وإن كان لا يزيد في استدلاله هذا على كلماته السابقة التي قدمها في شرحهما، قال في قوله تعالى: (إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) «١» إن هذه الآيات تدل على صانع حكيم، قال: «ووجه الدلالة من وجهين: أحدهما:
ما يختلف من الأحوال ويتجدد ولا يقدر عليها الواحد منا، فلا بد من صانع حكيم، والثاني: أن هذه الأشياء محدثة لأنه لا تخلو من المحدثات وما يتقدمها، وإذا كان محدثا فلا بد له من محدث قادر عالم حي سميع بصير قديم، ليس بجسم ولا عرض، ولا يشبهه شيء، ولا يجوز عليه ما يختص الجسم كالجوارح والأعضاء، ولا يدرك بشيء من الحواس، وأنه واحد ليس معه قديم. وأنه حكيم لا يفعل إلا الحسن، ولا يفعل القبيح،
стр. 184
فيعلم أن القبيح فعل غيره، وإذا كلّف فلا بد أن يجازي، وإذا علم أن الشريعة لطف فلا بد أن يبين. فأفعاله بما ذكر تدل على جميع صفاته إما بنفسه أو بواسطة، وتفصيل ذلك يطول، وهو مذكور في كتب المشايخ».
خلق القرآن:
ولعل المسألة الوحيدة من مسائل العدل التي نأى بها عن جو المناقشة والجدل- ولم يكثر من الوقوف عندها- والتي يحسن تقديمها هنا قبل أن نورد آراءه في الأصول الثلاثة الأخرى السابقة، هي مسألة خلق القرآن:
قال في قوله تعالى: (حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) «١»:
يدل قوله «تنزيل» على حدوث القرآن من وجهين: أحدهما: أن الإنزال على القديم لا يجوز. والثاني: أن قوله «من الله» يقتضي الفعلية، كقولهم:
الإحسان والنعم منه.
وقال في قوله تعالى: (حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيراً وَنَذِيراً) «٢» إنه يدل على حدوث القرآن من حيث وصفه بأنه «فصلت» وبالآيات، وبالقرآن، وبأنه عربي، وبأنه بشير ونذير، قال: «وكل ذلك دلالة على حدوثه».
واستدل على ذلك أيضا بقوله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ
стр. 185
مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) «١» «لأن كل هذا لا يليق بالقديم لا حقيقة ولا مجازا».
وذكر في قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها .. ) «٢» أن الآية تدل على حدوث النداء «لأن ظاهره يقتضي أن النداء بعد المجيء، فإذا كان النداء كلامه وهو محدث بطل قول من قال إنه قديم.
ولعل الحاكم لم يقف أمام الآيات الدالة على مذهبه في خلق القرآن بأكثر مما فعل شيخه القاضي عبد الجبار الذي صنف هذه الآيات في بعض القواعد الجامعة، منها قوله: «وكل ما ورد في كتاب الله مما يدل على أن الله تعالى يغيّر القرآن أو بعضه، أو يقدر عليه، أو يبدله بغيره، أو يقدر على مثله، أو يأتي بمثله، أو يجتزئ منه، يدل على حدوثه ... » «٣».
٣ - الوعد والوعيد: الوعد هو كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير أو دفع ضرر عنه في المستقبل. والوعيد هو كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى الغير أو تفويت نفع عنه في المستقبل. وقد وعد الله تعالى المطيعين بالثواب، وتوعد العصاة بالعقاب، فلا بد أن يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف «٤».
стр. 186
ولهذا ذهب جمهور المعتزلة إلى أن مرتكب الكبيرة من أهل النار أبدا، ونقض الحاكم على جماعة منهم ذهبوا إلى الارجاء لأنه- كما يقول الحاكم- لا يجوز أن يكون في عمومات الوعيد شرط واستثناء لم يبينه الله تعالى، لأن الحكيم لا يجوز أن يخاطبنا بخطاب لا يريد به ظاهره، تم لا يبين مراده «١» قال الحاكم في تفسيره قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ، يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ، وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) «٢»: إن الفجار العصاة المرتكبين للكبائر في النار، والفجور اسم للعصيان، ولهذا يقال للزاني: فاجر ومعنى «يصلونها» أي يلازمونها للتعذيب، وقال أبو مسلم: يصيرون صلاءها، أي حطبها. قال الحاكم:
«وتدل الآية على قولنا في الوعيد من جهات: أحدها أنه فصل بين البر والفاجر، فدل على أن الفجار ليسوا من الأبرار، بخلاف قول المرجئة.
ومنها: أنه عم جميع الفجار ولم يخص، فلا فاجر إلا ويدخل تحت الآية، خلاف قولهم. ومنها قوله (لَفِي جَحِيمٍ) فلم يثبت لهم مكانا غيره. ومنها قوله (وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) فدل على الدوام» ثم قال: «ومتى قيل:
أراد بالفجار الكفار! قلنا: عنه أجوبة، أحدها: أنه لو صح لدخل بعض الفجار الجنة ولكانوا من الأبرار، وهذا خلاف الآية. وثانيها: أن الآية عامة. وثالثها: أن أهل القبلة مخاطبون بالاتفاق، ولو تناول الكفار لما كانوا مخاطبين لأن الفجور اسم لجميع المعاصي». وذكر أبو مسلم أن
стр. 187
من يدعي التخصيص في مثل هذا لا يبعد قوله، لأن ما تقدم كلام في المكذبين، وإن كان الأصل هو العموم، قال الحاكم: «وجوابنا أن المعتبر عموم اللفظ لا ما تقدم».
وقال في قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ، لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) «١» أنه يدل على أن كل مجرم في عذاب جهنم، والفاسق مجرم، ويدل على أن الفساق يكونون في النار.
قال: «ومتى قيل: أراد به الكفار، لذلك قال: (وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ) وقال: (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً) قلنا: اللفظ عام، والفاسق يكره الحق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والفاسق يكيد المؤمنين أيضا، فلا مانع من حمل الآية على عمومها».
وذكر في تفسير قوله تعالى: (قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) «٢» أن وعده ووعيده لا يتبدل، وأنه تعالى لا يعاقب بغير ذنب ولا يجازي بالحسنة سيئة، ولا يمنع الثواب من استحقه. ثم قال: «ويدل قوله (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) أن وعيده لا خلف فيه، خلاف قول بعض المرجئة. وبهذه الآية احتج عمرو بن عبيد على أبي عمرو بن العلاء بمكة لما ناظره في الوعيد» قال الحاكم: «ومتى قيل: من أوعد غيره ثم خالف يعد إحسانا، قلنا: فينا ذلك، لأنا نعلم العواقب فنخبر عن عزمنا، والله تعالى عالم
стр. 188
بالعواقب فيخبر عنه كما يكون، وإلا كان كاذبا! تعالى الله عن ذلك».
وقال في قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) «١» إنها تدل على أن العصاة يخلدون في النار خلاف قول المرجئة.
ولا يستثنى من عمومات الوعيد عند الحاكم إلا التائب وصاحب الصغيرة، لأن القديم تعالى إذا توعد العصاة فإنما يتوعدهم بالعقاب الحسن، ولا يحسن معاقبة التائب ومرتكب الصغيرة، وقد قال تعالى في شأن التائب: (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) «٢» قال الحاكم إن الآية تدل على أمور، منها: زوال الوعيد والعقاب بالتوبة.
ومنها: أن التوبة لا تتكامل في نيل الثواب إلا بانضمام فعل الواجبات اليها واتقاء المعاصي ... ومنها: دلالة قوله (أتوب) على أنه تعالى يقبل التوبة.
قال الحاكم: «ومتى قيل: هل يجب قبولها أم لا؟ قلنا: عندنا واجب!! وعند بعضهم تفضل. والأول الوجه لأنه بمنزلة العذر، ولأنه أتى بما في وسعه، ولأنه لولا ذلك لما كان له طريق إلى إزالة العقوبة عن نفسه مع بقاء التكليف، وهذا لا يجوز»!!
أما انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، فقد أشير إليه بقوله تعالى:
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) «٣» قال الحاكم:
стр. 189
«تدل الآية أن في الذنوب صغائر وكبائر، ولولا السمع لجوزنا أن تكون كلها كبائر إلا ذنوب الأنبياء، فالكبائر لا تجوز عليهم. وتدل على أن الصغائر تصير مكفّرة عند اجتناب الكبائر. وتدل على أنه إذا لم يجتنب الكبائر يعاقب عليها، فلهذا قلنا: الكافر والفاسق يعاقب على جميع ذنوبهم».
وقال في قوله تعالى: (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى، الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ) «١»:
«والصحيح عندنا أن الكبير ما يزيد عقابه على ثواب صاحبه، كالقتل والزنا ونحو ذلك. وقيل: ما لا يكفره إلا التوبة. والفواحش: كل قبيح فاحشة، وهو الوجه» وعرف الصغير بأنه ما يصغر عقابه عن ثواب صاحبه، وقال إن الذي عليه مشايخه في تفسير «اللمم» إنه الصغائر من الذنوب عمدا أو سهوا، وان هذه الآية نظير الآية السابقة، قال: وهو قول أبي علي وأبي مسلم والقاضي.
وذكر أن قوله تعالى: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) «٢» يدل على أن في الذنوب صغيرا وكبيرا، وأن جميع ذلك مكتوب محفوظ للجزاء، خلاف ما قاله قوم إن الصغائر لا تثبت. قال الحاكم: «ومتى قيل: أليس الصغائر مغفورة؟ قلنا: لا صغير للكافر والفاسق- لأن استحقاق الثواب مرهون باجتناب الكبائر «٣» - وانما الصغائر للمؤمن، فتثبت للموازنة».
стр. 190
ولعل هذا لا ينافي عند الحاكم أن يحط عن الكافر والفاسق من سيئاته بمقدار ما له من الحسنات، فتثبت فيه نوع من الموازنة، وإن كان ذلك لا يجعله من أهل الثواب، أو يسقط عنه العقوبة. وإلا فان مذهبه في الموازنة- التي تابع فيها أبا هاشم وخالف أبا علي- لا يخلو من اضطراب، قال في قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) «١» قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر إلا أراه الله عمله، فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته فيغفر له سيئاته ويثيبه على حسناته، وأما الكافر فيحبط حسناته ويعذبه بسيئاته. ونقل عن بعض المعتزلة أن معنى قوله: «خَيْراً يَرَهُ» أنه يجد جزاء ما عمل من الخير وإن قلّ على الرؤية لا على الجزاء، لأن المحبط والمكفر لا يجازى عليه، فأما «المؤمن والتائب فيرى السيئات مكفرة، ويثاب على الحسنات من غير بخس! وأما الكافر فيرى حسناته محبطة، وذنوبه يعاقب عليها أجمع!» قال الحاكم: «فأما عند مشايخنا فيجازى على جميع أفعاله لا يضيع شيء، فإن كان مؤمنا يجازى على حسناته، وما كان من سيئاته فيحبط بقدره من ثوابه. وإن كان كافرا يعاقب على ذنوبه، وما كان من سيئاته فيحبط بقدره من عقابه بقدره، فيكون قد وجد جزاء جميع أفعاله» ثم قال: «وهذه هي الموازنة التي ذهب إليها شيخنا أبو هاشم وأصحابه، وعليه يدل الظاهر».
وقال في قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ... ) الآية، إنها تدل على صحة الموازنة كما يقوله أبو هاشم «٢».
стр. 191
ولعل أهم مسألة تتصل بباب الوعيد هي الشفاعة التي طعن بها المرجئة على المعتزلة قولهم بدوام عقاب الفاسق، وقد عرّف الحاكم الشفاعة بأنها «مسألة الطالب الحاجة لغيره» قال: «وهي على وجهين: عفو عن ذنب، وتبليغ منزلة أجلّ من منزلته» ولا خلاف عند المعتزلة أن النبي ﷺ يسفع لأمته على هذين الوجهين، ولكنهم إنما يثبتونها للتائبين من المؤمنين وأصحاب الصغائر، وعند المرجئة أنها للفساق من أهل الصلاة. قال القاضي:
إن المشفوع إليه إذا أجاب الشفيع يكون مكرما له، فكما تقبح الشفاعة لمن قتل ولد الغير وترصد للآخر حتى يقتله، تقبح الشفاعة للفاسق الذي مات على الفسق ولم يتب
«١»
. قال الحاكم في قوله تعالى:
(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ؟) «٢» إن الآية تدل على أنه ﷺ لا يشفع لمن في النار، فيبطل قول المرجئة في الشفاعة. وتدل على أنه تعالى لا يخلف الوعد والوعيد.
وقال في قولة تعالى: (يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) «٣» إن الآية تدل على أن أهل النار لا ناصر لهم، فلو كان يشفع النبي ﷺ لكان ذلك أعظم نصرة. قال: «فيبطل قول المرجئة في الشفاعة لأهل الكبائر».
ولمح الحاكم هذا المعنى أيضا فى قوله تعالى: «وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ
стр. 192
أَوْلِياءُ بَعْضٍ) «١» فذكر أنه يدل على أنه لا ناصر لهم ولا شفيع. وقال في قوله تعالى: (فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ) «٢» إن من يستحق العذاب في ذلك اليوم لا شفيع له ولا ناصر، ثم قال: «ولا يمكن دفعه بوجه!».
٤ - المنزلة بين المنزلتين: أما المنزلة بين المنزلتين فتعرف بمسألة الأسماء والأحكام، لأن معناها أن لصاحب الكبيرة- الفاسق- اسما بين الاسمين، وحكما بين الحكمين «٣» فهو ليس بمؤمن ولا كافر، ولا تجري عليه أحكام المؤمنين ولا أحكام الكفار، وإذا خرج من الدنيا على كبيرته من غير توبة فهو من أهل النار أبدا، كما تقدم في الوعيد، وإن كان عقابه دون عقاب الكافر، وهذا لأن «الإيمان» - والإسلام- عند المعتزلة اسم لجميع الطاعات كما يقول الحاكم «٤» وقد قال الشيخان- أبو علي وأبو هاشم- إن الإيمان عبارة عن أداء الطاعات، الفرائض دون النوافل، واجتناب المقبّحات «٥» قال الحاكم: ويدل قوله تعالى:
(لِيَزْدادُوا إِيماناً) «٦» أن الإيمان يصح فيه الزيادة والنقصان، ولا يكون كذلك إلا والطاعات من الإيمان، والإيمان اسم مدح فلا يستحقه الفاسق.
стр. 193
وقد ذهب الخوارج إلى عدّ مرتكب الكبيرة كافرا، واعتبره الأشاعرة وسائر أهل السنة من المؤمنين الفاسقين.
وقد انطلق الحاكم في تفسيره لهذه الكلمات والأسماء- الإيمان، الإسلام، الكفر، الفسق، النفاق- التي أثارت جدلا طويلا في تاريخ الإسلام، من مصطلحه الاعتزالي السابق، واستدل له بكثير من الآيات، رادا على من زعم غير ذلك، قال في قوله تعالى: (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ) «١» إنه يدل على «أن الفسق اسم ذم، والإيمان اسم مدح، وأنهما لا يجتمعان» قال: «فيدل على قولنا في انهما من أسماء الشرع، وعلى قولنا في المنزلة بين المنزلتين». وقال في قوله تعالى:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ) «٢» إن الآيات تدل على أن اسم الفسق اسم ذم ولا يجمع مع اسم الإيمان. قال: «فيصحح قولنا في المنزلة بين المنزلتين». وتدل أن الفوز للمتقين، وأن الفاسق ليس بفائز، فيبطل قول المرجئة.
وقوله تعالى: (وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ) «٣» يدل عند الحاكم على
стр. 194
أمور كثيرة، منها أن المعاصي التي هي مخالفة للإيمان ثلاث، وأن لها رتبا، فالكفر أعظمها، والفسق: هو الكبائر الذي ليس بكفر، والعصيان: الصغائر قال: «فيبطل قول
الخوارج إن جميعها كفر، وقول بعضهم إن الفسق هو الكفر وكل ذنب فسق. ولولا أن الأمر كما قلنا لم يكن للتمييز على هذا الترتيب معنى!»
وكذلك قوله تعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)؟ «١» يدل عنده على أمور كثيرة منها «أن الجنة تنال بالتقوى، خلاف قول المرجئة.
ومنها أن المسلم والمجرم اسمان شرعيان يمدح بأحدهما ويذم بالآخر.
ومنها أن هذين الوصفين كالمتنافيين. ومنها أنهما لا يستويان خلاف قول المرجئة .. ومنها أن الوعيد يتناول المجرم، وهو الفاسق خلاف قول بعضهم. ومنها أن عذابه دائم، إذ لو انقطع لصار في بعض الأوقات كالمتقي!
٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أجمعت المعتزلة- إلا الأصم- على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «٢» قال الحاكم: «وهو واجب بحسب الإمكان» «٣» باللسان واليد والسيف. واختلفوا في طريق
стр. 195
وجوب هذا الأصل، فذهب أبو علي إلى أنه العقل والسمع جميعا، وقصّره أبو هاشم على السمع، وليس في استدلال الحاكم على وجوبه ببعض الآيات الكريمة، ما يدل على ترجيحه لأحد الرأيين، لاتفاق الشيخين على وجوبه بطريق السمع. ولم يطل الحاكم الوقوف أمام هذا الأصل في تفسيره، كما أن أثره فيه مما لا يمتاز به عن سائر المفسرين، نظرا لاتفاق أغلب الطوائف والفرق الإسلامية على هذا الأصل العملي الهام. وقد استدل على وجوبه بقوله تعالى في سورة العصر: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) «١»، وقوله تعالى: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ) «٢» وقوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) «٣» - الذي أعاد فيه الكلام على الخلاف بين الشيخين.
وقال في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) «٤»:
«إن الآية تدل على عظيم حال من يأمر بالمعروف وعظيم ذنب من قتله، وأنه بمنزلة من قتل نبيا، ولذلك قرنه به. وتدل على أن الأمر
стр. 196
بالمعروف يحسن وإن خاف القتل لأنه أطلق، فتدل على صحة ما يقوله مشايخنا إنه إذا خاف على نفسه فالأولى أن يقوم بذلك لما فيه من إعزاز الدين، وقد روى الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر يقتل عليه)، وقال عمرو بن عبيد: لا نعلم عملا من أعمال البرّ أفضل من القيام بالقسط يقتل عليه!».
المنهج وهذه الأصول
وقد مضى الحاكم في تفسيره معتمدا على هذه الأصول فلم ينقضها في تفسير آية أو تأويلها، وسوف يظهر ذلك جليا عند الكلام على حدوده في التأويل- بصورة عامة-. ولعل مما تجدر الإشارة إليه أنه فسر الاستقامة في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا .. ) «١»
بما يوضح فهمه الدقيق للمنهج، والتزامه به في صورة دائمة، فنقل عن أبي بكر الصديق ﵁ تفسيرها بعدم الشرك بالله، ثم قال- أي الحاكم- «ومعنى هذا: أن يستقيم على الدين ولا ينقض أصله بفرع، فإذا قالوا لا شبيه له لم يثبتوا له مكانا وجهة، ولم يصفوه بالأعضاء الحسيّة.
وإذا قالوا إنه واحد لم يثبتوا معه قديما آخر. وإذا قالوا إنه عدل حكيم لم يضيفوا إليه القبائح. وإذا قالوا إنه صادق لم يجوّزوا عليه الخلف في الوعد والوعيد!».
وأشار إلى هذا المعنى أيضا في تفسيره لقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) «٢» قال: لئن سألتهم الملائكة
стр. 197
من خلقهم؟ اعترفوا بأن الله خلقهم، فكيف صرفوا مع ذلك إلى عبادة غيره وهو خالقهم؟! قال الحاكم: «فأشار تعالى إلى أنهم نقضوا الجملة بالتفصيل» ثم قال: «وهكذا حال كل مبطل ومبتدع» «١».
ثانيا: محوره في تفسيره
القاعدة الأساسية التي ركن إليها الحاكم، وهي مبدأ العدل والتوحيد، أقام عليها محورا هاما أدار عليه تفسيره الكبير. وهذا المحور وإن كان يعدّ جزءا من تلك القاعدة الفكرية، وأحد وجوهها كذلك، إلا أنه لهج به بصورة دائبة حتى ليجد القارئ أثره في كل صفحة من صفحات الكتاب. وهذا المحور عبارة عن أمرين: أولهما: إثبات أن المعارف مكتسبة.- وهو أقلهما شأنا- والثاني: النقض على المجبرة، وهو أبعد الأمور أثرا وأخطرها شأنا في تفسير الحاكم. ولعل الباحث لا يخطئ الحكم على الحاكم- بعامة- إذا قال فيه: إنه أغرى بشيئين: القول بأن المعارف مكتسبة، والكلام على المجبرة. كما أغرى الجاحظ من قبله بشيئين: إثبات أن المعارف ضرورة، والكلام على الرافضة. كما يقول أبو علي.
стр. 198
١ - اكتساب المعارف
أما اكتساب المعارف فقد بناه الحاكم على مذهبه في وجوب النظر، وتحريم التقليد، وصحة الحجاج في الدين.
أ- وجوب النظر وأنه تعالى إنما يعرف باكتساب: أول ما يجب على المكلف عند المعتزلة: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة فيجب أن يعرف بالتفكير والنظر، قال الحاكم في قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ) «١» إن الآية تدل على وجوب نظر الإنسان في نفسه وتراكيبه وصغورته وتنقله من حال إلى حال ليعلم أن له صانعا ومدبرا. ثم قال: «ومتى قيل: ما أول ما يجب عليه؟ قلنا: النظر في طريق معرفته تعالى، لأنه لا شيء من العلم والعمل إلا وصحته موقوفة على معرفة الله تعالى».
وقد حكم الحاكم أيضا بوجوب النظر من الآيات الكثيرة التي تأمر بالتفكر في خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان والحيوان، وتلفت النظر إلى السنن الكونية ومظاهر قدرة الله تعالى في الكون ... وقال في هذه الآيات إنها كما توجب النظر في الأدلة، فإنها تدل على النعمة، وتدل على «صانع عالم قادر منعم» «٢».
стр. 199
والذي يود الحاكم تأكيده من وقوفه الدائب أمام هذه الآيات هو أن يثبت أن الله تعالى إنما يعرف بأفعاله، وأن هذه الأفعال دالة عليه وعلى صفاته، «إما بنفسه ككونه قادرا عالما، أو بواسطة ككونه حيا سميعا بصيرا» كما قال في تفسيره لقوله تعالى: (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ) «١» وقال في قوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ) «٢» إن الآية تدل على وجوب النظر وفساد التقليد، وأنه تعالى يعرف بأفعاله.
ب- فساد التقليد: ولما قال الحاكم بوجوب النظر، حكم بفساد التقليد لأنه قد يؤدي إلى جحد الضرورة، لأن تقليد من يقول بقدم العالم مثلا ليس بأولى من تقليد من يقول بحدوثه- والقول بهما أو بغيرهما محال- إلا أنّ الحاكم هنا يشتد على الذين يذهبون إلى التقليد ويحمل عليهم حملة شعواء لا يزيد عليها إلا حملته على المجبرة، ويقف في كلا الحالتين أمام آيات كثيرة قد لا يجد غيره من المفسرين فيها ما يجده هو من الرد على هؤلاء.
ونبدأ معه بتفسيره لقوله تعالى- في مطلع سورة الجن- (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً)، فبعد أن شرح
стр. 200
معنى «الظن» وأجمل معنى الآية: قال: والآية تدل على أنهم كانوا مقلّدة قلّدوا على ظن حتى سمعوا القرآن والحجة، وانكشف لهم الحق وصحة ما قالوا، فرجعوا متعجبين مما كانوا عليه. ثم قال: «وهذا كرجل يرى شيخا على كرسي متطيلسا متعمما متحنكا! وحوله القيام من الناس وهو يبكي ويتضرع ويعلم الناس الجبر والتشبيه، فظن أنه على شيء وأنه لا يكذب على الله، فإذا ظهر له بالدليل كذبه وبهته يتعجب ويقول: ما ظننت أن مثل هذا يكذب على الله! كذلك هؤلاء» ثم قال: «وفي هذا إشارة إلى بطلان
التقليد، ووجوب اتباع الحجة» «١».
وقال في قوله تعالى: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً) - وهي الآية التي تلي الآية السابقة بآية واحدة- «إنها تدل على أن اعتقادات المبطلين تبنى على الظنون دون العلم اليقين».
ثم إنه يرى في جميع الآيات التي تنعى على الكفار وأهل الجاهلية تقليد آبائهم واتباع ما وجدوهم عليه، ما يدل على ذم التقليد وتحريمه، وأنه مفزع الجهّال من الحجة، وأنه- على الدوام- عادة الكفار وأهل البدع، قال في قوله تعالى: (بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ) «٢» إن الآيات تدل «على
стр. 201
ذم التقليد وبطلانه، وأن الواجب اتباع الدليل، لأن التقليد لا يميز الحق من الباطل. وتدل على أن الواجب التفكر ليعلم الهدى فيتبعه».
وقال في قوله تعالى: (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ، قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ)؟! «١» إن الآية تدل على فساد التقليد، لأنه تعالى بين أن اتباع الآباء بمنزلة اتباع الشيطان. قال الحاكم: «وهذا الذي يقوله المتكلمون:
لو كان التقليد صحيحا لم يكن تقليد واحد أولى من تقليد آخر!».
وقال في قوله تعالى: (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً) «٢» إنهم لما أعجزتهم الحجة فزعوا إلى تقليد الآباء. قال: «وتدل الآية على ذم التقليد وأن ذلك عادة الكفار وأهل البدع. وتدل على صحة الحجاج في الدين، والتحاكم إلى ما في العقول، وطريق معرفة الحق في الأدلة».
ج- ضرورة البرهان وصحة الحجاج في الدين: وقوله بضرورة البرهان هو الوجه الآخر لتحريمه التقليد، حتى إنه قد استدل عليه بكثير من الآيات التي استدل بها على تحريم التقليد، كما في بعض الشواهد السابقة.
ولكنه ذكره في مناسبات أخرى كثيرة أيضا، وذكر أن قبول المخاريق ليس من عادة العلماء، ولكنه عادة العوام؛ قال في قوله تعالى:
стр. 202
(قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) «١» إنه يدل على أن كل مذهب لا دليل عليه فهو باطل. وفسر قوله تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ) «٢» بأنهم قبلوا من فرعون مخاريقه، ولم يقبلوا من موسى حقائقه، ثم قال:
«وهكذا حال العوام والجهال في كل زمان».
وقال في قوله تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ. وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) «٣» إن الآية تدل على جواز المحاجة في الدين- وبطلان التقليد- لأن الله تعالى أمر عند محاجة القوم بالجواب. وشرح وجه دلالتها على ذلك بقوله:
«ووجه الاحتجاج في (أسلمت) من وجهين: أحدهما: ذكر الأصل الذي يلزم الكل الإقرار به من حيث دلت الحجج عليه. والثاني: إلزامهم ما أقروا به من أن الله تعالى خالقهم فيلزمهم اتباع أمره، فلذلك قال:
أسلمت وانقدت لأمره في إخلاص التوحيد له».
ويقف الباحث على الضيق الذي كان يستبد بالحاكم بسبب تلبيس أهل الباطل والبدع وتمويههم على العوام، حين يعوزهم الدليل والبرهان، ففي قصة موسى مع فرعون- في سورة الشعراء- حين دعي موسى إلى منازلة السحرة: (قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ. يَأْتُوكَ
стр. 203
بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ. فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ... ) «١» يقول الحاكم: وقيل إن فرعون انقطع عن الحجة فموّه على قومه بأنه- موسى- ساحر يريد الملك والمال وإخراجهم فأغرى العامة به، ثم قال: «وهكذا فعل كل مبطل، إذا أعيتهم الشبه عدلوا إلى اغراء العامة بأهل الحق».
وقال في قوله تعالى: (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) «٢» - في قصة إبراهيم ﵇ إنهم لما أعجزتهم الحجة عدلوا الى الوعيد بالقتل والحريق. ثم قال: «وهكذا حال الجاهلية والمبتدعة اذا أعيتهم الحجة عدلوا إلى السفاهة والوعيد». ومن هنا تراه يقول في تفسير الموقف في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ، فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ) «٣» إن موسى لما أظهر معجزاته، وهي اليد والعصا ضحكوا استهزاء واستخفافا، ثم يقول: «وهذا فعلوه بعد غيبة موسى تلبيسا على العوام وإلا ففي حال ما رأوا لحقهم من الخوف والدهش ما لم يمكنهم معه الاستهزاء!».
د- اكتساب المعارف: وقد جعل الحاكم قوله باكتساب المعارف مبنيا على وجوب النظر وتحريم التقليد وضرورة البرهان، ولعل من فضول القول أن يذكر أنه أكثر من الحديث عن هذه المسألة في أكثر هذه المواضع وفي مواضع أخرى من كتابه، ولم يعف نفسه من الإشارة
стр. 204
إليها في المواضع المتماثلة والمتشابهة على الرغم من قلة المخالفين لرأي الحاكم- أو الموافقين لرأي الجاحظ- فيما نعلم. ولولع الجاحظ بالحديث عن ضرورة المعارف وجه معقول إذا ثبت أنه أول من ذهب الى هذا القول، في حين أن الذين ذهبوا الى نقض «نظرية» الجاحظ قبل الحاكم كثيرون، إلا أن يقال: إن الحاكم أخذ على نفسه «استقصاء» الردود عليها حيثما وجد الى ذلك سبيلا من كتاب الله تعالى. انظر مثلا الى تعقيبه على الآيات الأولى من سورة القمر: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ، وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ، حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ) بعد أن ذكر أن الآيات تدل على ذم المعرض عن الأدلة، ووجوب التفكر، حيث قال: «وتدل أن اتباع الهوى في الدين مذموم، وليس بعده الا اتباع الأدلة، وذلك يدل أن المعارف مكتسبة!» «١» فقد وصل إلى تحقيق رأيه في كسب المعارف من وجوب اتباع الأدلة- وهذا من رأيه على الدوام- ووصل إلى وجوب اتباع الأدلة من دلالة الآية على أن اتباع الهوى مذموم!
أما النصوص القرآنية الدالة على الله تعالى وعلى حكمته، والتي نصبت أدلة ليتفكر بها، فدلالتها عنده على أن المعارف غير ضرورية كدلالتها على وجوب النظر، كلاهما لا يقبل الجدل «٢»، «لأنها لو كانت
стр. 205
ضرورة لكان نصب الدليل عبثا!» كما عقّب على الآيات الخمس الأولى من سورة الجاثية.
وقبل أن نمضي معه في بعض «النماذج» القرآنية الأخرى التي «يحقق» فيها مذهبه في اكتساب المعارف، نودر فيما يلي نصين هامين يوضحان مذهب الجاحظ في ضرورتها، أحدهما أورده الشريف المرتضى نقلا عن مقالات الكعبي. والثاني أورده الحاكم نفسه وهو بسبيل التفريق بين «أصحاب المعارف وأهل التجاهل». قال البلخي: «تفرّد الجاحظ بالقول بأن المعرفة طباع، وهي مع ذلك فعل للعباد على الحقيقة. وكان يقول في سائر الأفعال إنها تنسب إلى العباد على أنها وقعت منهم طباعا وإنها وجبت بإرادتهم. وليس بجائز أن يبلغ أحد فلا يعرف الله تعالى.
والكفار عنده بين معاند وبين عارف قد استغرقه حبّه لمذهبه وشغفه به وإلفه وعصبيته، فهو لا يشعر بما عنده من المعرفة بخلافه» «١».
وقال الحاكم: «فأما من يقول: جميع المعارف ضرورة مع إقرارهم بالتوحيد والنبوات والشرائع، كالجاحظ وأصحابه، فإنهم يثبتون النظر في الأدلة، ويزعمون أن المكلّف لا يكلّف المعرفة، ولكن يكلف النظر، ثم تقع المعارف عند النظر طباعا، فهذا وإن كان فاسدا فليس بداخل في حد التجاهل، وإنما هو بمنزلة سائر المسائل المختلف فيها، كاختلافهم في التولدات ونحوها .. » «٢».
стр. 206
والذي يعنينا هنا من هذين النصين: أن القول بأن المعرفة طباع لا يناقض القول بحرية الإرادة عند المكلف، وهو الأمر الذي لا يتصور الحاكم خلافه. كما يعنينا أيضا أن نظرية الجاحظ لا تناقض النظر، أو تمنعه، بل توجبه كما يقرر ذلك الحاكم نفسه، ولهذا كان اعتماد الحاكم على الآيات التي توجب النظر وتنهى عن التقليد، في الدلالة على
مذهبه في المعارف وفي الزراية برأي الجاحظ، أمرا يحتاج إلى المراجعة، بغض النظر عن «طريق» حصول المعرفة بعد ذلك!
ولهذا ترى أن الآيات القرآنية الكثيرة التي أسندت إلى العباد الشك والجهل والظن وعدم الفهم هي التي «حققت» للحاكم رأيه الذي دأب عليه في اكتساب المعارف، ولو كان الأمر على ما يقول الجاحظ لما جاز نسبتهم إلى غير الانكار والتكذيب والمعاندة واللجاجة. ولم يفت الحاكم بالطبع الوقوف عند هذا النوع من الآيات والتعليق عليها بإيجاز، قال في قوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ) «١» إن قوله «تمترون» يدل على بطلان قول من يقول إن لمعارف ضرورية.
وقال في قوله تعالى: (وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) «٢» إن أبا علي قال إن قوله «اشمأزت» يدل على أن المعارف مكتسبة.
стр. 207
وحقق الحاكم ذلك في موضعين من قوله تعالى: (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ، وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) «١» في قوله: «وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ» وقوله:
«إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ».
وقال في قوله تعالى: (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا، بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) «٢» إن قوله «يَفْقَهُونَ» يدل أن المعارف مكتسبة، وقال ذلك أيضا في قوله تعالى: (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) «٣» وقوله: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ) «٤» وقوله (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) «٥». وقد قال في قوله تعالى:
(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) «٦» إن الآية تدل على بطلان قول أصحاب المعارف «لأنه بين أنهم لا يعلمون الكتاب إلا قراءة وتلاوة! ثم حقق؟؟؟ ذلك بقوله (يظنون)، ولو عرفوا الحق ضرورة لما صح وصفهم بذلك».
ويبدو أن وقوفه الدائب أمام الآيات التي ورد فيها نسبة الظن إلى المكلفين هو الذي أوحى له بمثل التعقيب التالي على هذه الآيات:
стр. 208
(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ ... ) إلى قوله: (وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ) «١» قال: «وتدل الآيات أن القوم كانوا جاهلين بالله وصفاته، ولولا ذلك لما ظنوا به هذا الظن، فتدل على أن المعارف مكتسبة».
ثم قال: «ومتى قيل: أليس قد روي في حسن الظن بالله؟ قلنا: ذلك ينبني على العلم، فإن من علمه رحيما كريما ظن لعله يرحمه».
٢ - الرد على المجبرة
أما المحور الآخر لتفسير الحاكم- وهو المحور الأهم- فهو نقضه على المجبرة، ورده الدائب عليهم، وتصديه لخصومتهم في كل ما يذهبون اليه في «المحلوق والاستطاعة والإرادة» وسائر آرائهم، حتى ليخيل للقارئ أن هذ التفسير يكاد يكون وقفا على إثبات فساد مذهب لجبر ومناقضته للقرآن! في الوقت الذي لم ينس فيه مؤلفه الرد على الفرق الأخرى، لكن موقفه من هذه الفرق ليس فيه ما يستحق الإشارة الخاصة أو الوقوف الطويل.
ولعل هذا هو ما تنبه اليه من قبل يحيى بن حميد- من أعلام الزيدية في القرن السادس- حين قال في تفسير الحاكم: «وقد أودع فيه الحجج الواضحة الباهرة في الرد على الفئة المجبرة وغيرها من سائر الفرق الكفرية!» «٢».
ونستطيع أن ندرك مدى أهمية هذا المحور وخطورته بالنسبة للحاكم، إذا لاحظنا أنه يرى أن مذهب الجبر هو المذهب المقابل لمذهب العدل على
стр. 209
الدوام في فلسفته وفكرته العامة، وفي فروعه وجزئياته الكثيرة. فمذهب الحاكم وإن كان يقابله في أصوله وفروعه آراء ومذاهب متعددة إلا أن الذي لا يغيب عن ذهن الحاكم بحال- وكما يبدو ذلك جليا في تفسيره- أن المناقض الأكبر للعدل والتوحيد إنما هو مذهب الجبر، ولهذا تجد مقابلته الرئيسية في كتابه بين هذين المذهبين- ويذكرنا هذا في الواقع بما قيل من أسباب قتله ﵀ وربما حفل بالرد على المرجئة والخوارج وسائر الفرق الأخرى- كما قدمنا- في بعض الآيات، ولكنه لا ينتقل عن ذلك إلى المقابلة بينها وبين المعتزلة، وقد تكون هذه الآيات مما كثرت الإشارة اليه من علماء العدل السابقين، ولكن الحال ليست كذلك فى الآيات الدالة على فساد مذهب الجبر إن لم نقل: على التحقيق، فعلى الرأي الأرجح.
لأن الإسراف الذي وقع فيه الحاكم في هذا الباب، قلما يقع من غير دارس متبرم بمذهب الخصم، حانق عليه، ساع إلى ابطاله بكل ما يستطيع، شاعر فوق ذلك أن هذا المذهب المشوه المناقض لآيات الكتاب هو الخطر الذي يتهدد مذهبه الصحيح في العدل والتوحيد، إن لم يكن- في نظره وفي الواقع- هو المذهب الذي يهدد حياة المسلمين وحركتهم في الجهاد والحضارة بالشلل والموت. ولهذا فإن الحاكم كان، فيما نرى، يستقرئ النصوص- كلّ النصوص- أن تنطق برد مذهب الجبر!
وإذا كان من التجني على الحاكم أن ندّعي أنه لم يجد في المئات من هذه النصوص ما ينقض هذا المذهب، وما يدل في بعضها على مذهبه في العدل والتوحيد- على بعض وجوه التأويل- فإن من التجني على الحقيقة:
الحكم بصحة الطريقة التي سلكها إلى هذا الغرض، وإن كان لا يصعب
стр. 210
علينا فهم نوازعه النفسية الى سلوك هذه الطريق يوم هاله انتصار مذهب المجبرة في عصره، كما أشرنا إلى ذلك في التمهيد لهذه الرسالة. ومعلوم أن الحاكم والقاضي عبد الجبار لا يرون في كسب الأشعري غير صورة من صور الجبر، وقد أفاض القاضي في بيان أن هذه الصورة شديدة التشويه وأنها لا يصح لها معنى من الأصل!! «١» قال الحاكم: «وما تقوله المجبرة في الكسب لا يعقل، لأن عندهم أنه تعالى أحدث أفعالهم وأوجدها بجميع صفاتها، فما الكسب وما تأثير العبد؟!» «٢».
وبهذا نستطيع أن نؤيد ما ذهبنا الى ترجيحه من انفراده من بين سائر المعتزلة الذين سبقوه، بظاهرة منازلة المجبرة بعنف، ومحاولة «استقصاء» الردود عليهم في جميع القرآن الكريم.
أما نوازعه النفسية الى ذلك فنستطيع تأكيدها- فوق ما ذكرنا- ببعض مواقفه وتعليقاته العابرة في عدة مواضع من تفسيره: قال في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ... ) «٣» إن الآية تدل على أن الواجب على المرء، بعد إصلاح نفسه، النصيحة في الدين، والدعاء إلى الله، وأن يبدأ بأقاربه وأهاليه. وذكر أن ذلك يتضمن تعليم أصول الدين وفروعه، والأمر بالطاعة والنهي عن المعصية. ثم قال:
«ومتى قيل: إذا كان في زمان الجبر والتشبيه، فلا يمكنه أن يعلمهم
стр. 211
العدل والتوحيد، ولا يأمن النشوء على الجبر، فما الواجب؟ قلنا: الانتقال من تلك الديار!».
وبعد أن شرح قوله تعالى: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً) «١» وبين أن هؤلاء كانوا مقلّدة قلّدوا على ظن حتى سمعوا القرآن والحجة فرجعوا متعجبين مما كانوا عليه؛ ذكر هذه الصورة التي نقلناها في الفقرة السابقة، وهي صورة شاخصة موحية، قال: «وهذا كرجل يرى شيخا على كرسي، متطيلسا متعمما متحنكا وحوله القيام من الناس وهو يبكي ويتضرّع ويعلم الناس التشبيه والجبر!! فظن أنه على شيء، وأنه لا يكذب على الله!».
وقال في قوله تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) «٢» إن الآية تدل على عظيم موقع العلم في زمان يكثر فيه الجهال! ثم قال:
«ومتى قيل: لماذا يعظم موقعه عند كثرة الجهال؟ قلنا: لقلة الدواعي إلى العلم، ومشقة العلم، وصرف الجهال إياه عنه».
وهو في تفسيره دائم الحملة على «علماء السوء ورؤساء الضلالة» إذ لا ضرر أعظم من ضررهم «٣» وكما أكفر المشبّهة، فقد حكم أيضا بأن الجبر والإرجاء من دين اليهود كما ذكر ذلك في تفسيره لقوله تعالى:
стр. 212
خلقهم للكفر، فيبطل قول المجبرة في هذه الوجوه.
وجميع الآيات الدالة على أن الثواب والعقاب جزاء على الأعمال، نحو قوله تعالى: (وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) «٢» تدل عنده على أن أفعال العباد حادثة من جهتهم «ليصح الجزاء».
ويكاد الحاكم يبطل أهم آراء المجبرة بقوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) «٣» فقد قال إن دلالتها على أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا ينتفع أحد بعمل غيره يبطل قول المجبرة- من وجوه- في هذه المسائل:
قولهم إن أطفال المشركين يعذبون بذنوب آبائهم.
قولهم إنه يعذب العباد على فعل خلقه فيهم واضطرهم إليه.
قولهم إنه يثيب المطيع بطاعة هو الخالق لها والفاعل لها.
стр. 213
قولهم إنه يحمل ذنوب بعض العباد على بعض فيعذب الكفار بذنوب المسلمين، ويثيب المؤمنين بأعمال الملائكة!
قول بعضهم إنه يجوز أن يعذب الأنبياء ويثيب الفراعنة!
قولهم إن طاعات الظلمة تدفع الى خصومهم، فإن بقي شيء حمل عليهم من ذنوب خصومهم.
ب- الآيات الدالة على أن الكفار والعصاة يتمنون الرجوع إلى دار الدنيا، وأن أعذارهم يوم القيامة لا تقبل، قال تعالى: (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) «١» قال الحاكم: أي لا يسمع لهم عذر حتى يعتذروا إذ ليس لهم عذر صحيح، أو: لا يؤذن لهم في الاعتذار لما علم من حالهم أنه لا عذر لهم، ولو أتوا بعذر صحيح لقبل منهم، والمعنى أنه ليس لهم عذر، قال الشاعر:
فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكنّ الرماح أجرّت «٢»
وتدل الآية أنه لا عذر لأحد في معصية الله ولا حجة، قال الحاكم:
«وذلك يبطل مذهب المجبرة إذ لا عذر أوضح على مذهبهم من قولهم:
خلقت فينا العصيان والقدرة الموجبة له، ولم تعطنا قدرة الإيمان ولا مشيئته، بل منعتنا منه بكل منع فكيف تؤاخذنا بعد ذلك. فأما على مذهب العدل فالعبد مزاح العلة أتي في استحقاق العقاب من جهته فلا عذر له
стр. 214
ولا حجة» أما على مذهب المجبرة فله أعظم الحجة «١».
وقال تعالى: (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) «٢» فدلت الآية على أنهم يتمنون الرجوع الى الدنيا وقت معاينة العذاب ليطيعوا، قال الحاكم: «ولو كانت أفعال العباد من خلق الله تعالى لما صح هذا التمني، وكذلك لو لم يقدروا عليه. فيبطل قول المجبرة في المخلوق والاستطاعة».
وقال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) «٣» قال الحاكم: «ويدل قوله (فأصدق) على أشياء منها أن الفعل فعلهم لأنه لو كان خلقا لله تعالى لما كان لسؤالهم الرجوع ليتصدقوا معنى. ومنها: أنهم يقدرون على ذلك، ولولا ذلك لتمنوا القدرة، وكيف يسألون الرجعة ليفعلوا ما فرّطوا وليس اليهم شيء من ذلك، ولا قدروا عليه؟».
وقريب من هذه الآيات: تلك التي تنعى على الكفار إعراضهم عن التذكر، وتعجب من عدم إيمانهم مع ارتفاع الموانع، فقوله تعالى:
(فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) «٤» يدل- مما يدل عليه- على أن الإعراض فعلهم ولذلك ذمهم عليه، وعلى أنهم قادرون على التدبر، قال
стр. 215
الحاكم: «ولو كان الأمر كما تزعمه المجبرة في خلق الإعراض فيهم وسلبهم قدرة التدبر، وخلق القدرة الموجبة للإعراض لما صح قوله «فما لهم» لأن معناه: ما الذي منعهم؟! والعجب أنه تعالى يقول متعجّبا: ما الذي منعهم من الإيمان، وإنما أراد نفيا للمنع، والمجبرة تزعم أن هناك موانع كثيرة منها: خلق الكفر والإعراض فيه، ومنها: القدرة الموجبة له، ومنها:
الإرادة الموجبة له، ومنها: عدم القدرة على التدبر، وعدم خلق التدبر، وعدم إرادة التدبر، ومنها: كراهية التدبر منهم، وكل واحد منها مانع! فقد خالفوا كتاب الله في هذا مع مخالفتهم لكتاب الله وأوامره ونواهيه».
والآيات في هذا الباب كثيرة، نحو قوله تعالى: (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) «١»؟ وقوله: (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ... ) «٢» فلو كان هو الذي خلق الكفر لم يكن للتعجيب معنى!!
ج- جميع الآيات التي تضيف الفعل إلى الناس، والتي تأمرهم بفعل وتنهاهم عن فعل، وتعدهم الثواب وتتوعدهم بالعقاب، لأن كل ذلك لا يصح إلا والأفعال حادثة من جهتهم. والآيات من هذا النوع كثيرة جدا ولكن الحاكم لم يعف نفسه من الاستدلال بها والوقوف عند أكثرها للنقض على المجبرة، فقوله تعالى: (قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً وَمَكَرُوا مَكْراً