← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37682

الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير

عدنان زرزور

Полный текст (498 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

العدل والتوحيد، ولا يأمن النشوء على الجبر، فما الواجب؟ قلنا: الانتقال من تلك الديار!». وبعد أن شرح قوله تعالى: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً) «١» وبين أن هؤلاء كانوا مقلّدة قلّدوا على ظن حتى سمعوا القرآن والحجة فرجعوا متعجبين مما كانوا عليه؛ ذكر هذه الصورة التي نقلناها في الفقرة السابقة، وهي صورة شاخصة موحية، قال: «وهذا كرجل يرى شيخا على كرسي، متطيلسا متعمما متحنكا وحوله القيام من الناس وهو يبكي ويتضرّع ويعلم الناس التشبيه والجبر!! فظن أنه على شيء، وأنه لا يكذب على الله!». وقال في قوله تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) «٢» إن الآية تدل على عظيم موقع العلم في زمان يكثر فيه الجهال! ثم قال: «ومتى قيل: لماذا يعظم موقعه عند كثرة الجهال؟ قلنا: لقلة الدواعي إلى العلم، ومشقة العلم، وصرف الجهال إياه عنه». وهو في تفسيره دائم الحملة على «علماء السوء ورؤساء الضلالة» إذ لا ضرر أعظم من ضررهم «٣» وكما أكفر المشبّهة، فقد حكم أيضا بأن الجبر والإرجاء من دين اليهود كما ذكر ذلك في تفسيره لقوله تعالى:

стр. 212

خلقهم للكفر، فيبطل قول المجبرة في هذه الوجوه. وجميع الآيات الدالة على أن الثواب والعقاب جزاء على الأعمال، نحو قوله تعالى: (وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) «٢» تدل عنده على أن أفعال العباد حادثة من جهتهم «ليصح الجزاء». ويكاد الحاكم يبطل أهم آراء المجبرة بقوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) «٣» فقد قال إن دلالتها على أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا ينتفع أحد بعمل غيره يبطل قول المجبرة- من وجوه- في هذه المسائل: قولهم إن أطفال المشركين يعذبون بذنوب آبائهم. قولهم إنه يعذب العباد على فعل خلقه فيهم واضطرهم إليه. قولهم إنه يثيب المطيع بطاعة هو الخالق لها والفاعل لها.

стр. 213

قولهم إنه يحمل ذنوب بعض العباد على بعض فيعذب الكفار بذنوب المسلمين، ويثيب المؤمنين بأعمال الملائكة! قول بعضهم إنه يجوز أن يعذب الأنبياء ويثيب الفراعنة! قولهم إن طاعات الظلمة تدفع الى خصومهم، فإن بقي شيء حمل عليهم من ذنوب خصومهم. ب- الآيات الدالة على أن الكفار والعصاة يتمنون الرجوع إلى دار الدنيا، وأن أعذارهم يوم القيامة لا تقبل، قال تعالى: (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) «١» قال الحاكم: أي لا يسمع لهم عذر حتى يعتذروا إذ ليس لهم عذر صحيح، أو: لا يؤذن لهم في الاعتذار لما علم من حالهم أنه لا عذر لهم، ولو أتوا بعذر صحيح لقبل منهم، والمعنى أنه ليس لهم عذر، قال الشاعر: فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكنّ الرماح أجرّت «٢» وتدل الآية أنه لا عذر لأحد في معصية الله ولا حجة، قال الحاكم: «وذلك يبطل مذهب المجبرة إذ لا عذر أوضح على مذهبهم من قولهم: خلقت فينا العصيان والقدرة الموجبة له، ولم تعطنا قدرة الإيمان ولا مشيئته، بل منعتنا منه بكل منع فكيف تؤاخذنا بعد ذلك. فأما على مذهب العدل فالعبد مزاح العلة أتي في استحقاق العقاب من جهته فلا عذر له

стр. 214

ولا حجة» أما على مذهب المجبرة فله أعظم الحجة «١». وقال تعالى: (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) «٢» فدلت الآية على أنهم يتمنون الرجوع الى الدنيا وقت معاينة العذاب ليطيعوا، قال الحاكم: «ولو كانت أفعال العباد من خلق الله تعالى لما صح هذا التمني، وكذلك لو لم يقدروا عليه. فيبطل قول المجبرة في المخلوق والاستطاعة». وقال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) «٣» قال الحاكم: «ويدل قوله (فأصدق) على أشياء منها أن الفعل فعلهم لأنه لو كان خلقا لله تعالى لما كان لسؤالهم الرجوع ليتصدقوا معنى. ومنها: أنهم يقدرون على ذلك، ولولا ذلك لتمنوا القدرة، وكيف يسألون الرجعة ليفعلوا ما فرّطوا وليس اليهم شيء من ذلك، ولا قدروا عليه؟». وقريب من هذه الآيات: تلك التي تنعى على الكفار إعراضهم عن التذكر، وتعجب من عدم إيمانهم مع ارتفاع الموانع، فقوله تعالى: (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) «٤» يدل- مما يدل عليه- على أن الإعراض فعلهم ولذلك ذمهم عليه، وعلى أنهم قادرون على التدبر، قال

стр. 215

الحاكم: «ولو كان الأمر كما تزعمه المجبرة في خلق الإعراض فيهم وسلبهم قدرة التدبر، وخلق القدرة الموجبة للإعراض لما صح قوله «فما لهم» لأن معناه: ما الذي منعهم؟! والعجب أنه تعالى يقول متعجّبا: ما الذي منعهم من الإيمان، وإنما أراد نفيا للمنع، والمجبرة تزعم أن هناك موانع كثيرة منها: خلق الكفر والإعراض فيه، ومنها: القدرة الموجبة له، ومنها: الإرادة الموجبة له، ومنها: عدم القدرة على التدبر، وعدم خلق التدبر، وعدم إرادة التدبر، ومنها: كراهية التدبر منهم، وكل واحد منها مانع! فقد خالفوا كتاب الله في هذا مع مخالفتهم لكتاب الله وأوامره ونواهيه». والآيات في هذا الباب كثيرة، نحو قوله تعالى: (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) «١»؟ وقوله: (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ... ) «٢» فلو كان هو الذي خلق الكفر لم يكن للتعجيب معنى!! ج- جميع الآيات التي تضيف الفعل إلى الناس، والتي تأمرهم بفعل وتنهاهم عن فعل، وتعدهم الثواب وتتوعدهم بالعقاب، لأن كل ذلك لا يصح إلا والأفعال حادثة من جهتهم. والآيات من هذا النوع كثيرة جدا ولكن الحاكم لم يعف نفسه من الاستدلال بها والوقوف عند أكثرها للنقض على المجبرة، فقوله تعالى: (قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً وَمَكَرُوا مَكْراً

стр. 216

كُبَّاراً ... ) «١» يدل عنده على بطلان مذهب المجبرة من وجوه: «أحدها: قوله (عصوني). وثانيها قوله (واتبعوا). وثالثها قوله (ومكروا) ... الخ». وكذلك قوله تعالى: (وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ .. ) «٢» يبطل مذهب المجبرة لأنه دل على أن القتال فعلهم، وكذلك التولي، «اذ لو كان من خلقه تعالى لكان تقدير الكلام: لو خلقت فيهم القتال لخلقت الهزيمة!!» ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) «٣» لأن ذلك لو كان خلقا له لم يكن للأمر والنهي معنى، لأن الأمر موقوف على خلقه! وربما شعر الحاكم بأن الاستدلال بهذا النوع من الآيات قد يطول- مع تكراره- في بعض الأحيان، فيدعه للقارئ المتأمل، كما ذكر ذلك في التعقيب على قصة قارون: (إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ) - الآيات ٧٦ - ٨٣ من سورة القصص- فقال إنها تدل على أن أفعال العباد حادثة من جهتهم «من وجوه كثيرة، وهي ظاهرة إن تأملتها» «٤».

стр. 217

وقال أيضا في قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ... ) - الآيات ٨ - ١١ من سورة العنكبوت- إنها تدل على بطلان قول المخالف في المخلوق، وتدل على أن أفعال العباد حادثة من جهتهم «من وجوه كثيرة ظاهرة لمن تأملها» «١». هذا عدا آيات أخرى كثيرة يجد فيها الحاكم ما ينقض أقوال المجبرة وبخاصة مما هو معروف كآيات المشيئة، والآيات التي تنتهي بنحو قوله تعالى «لعلكم تعقلون» و «لعلهم يهتدون»، والآيات التي تضيف القبائح إلى النفس وإلى الشيطان ... الخ. ونختم هذه الفقرة بهذه الدلالات الكثيرة- والدقيقة- التي حشدها الحاكم في التعقيب على الآيات التالية- والتي تتصل بالنوع الأخير وبالأنواع الأخرى السابقة- قال تعالى: (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ، أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ،

стр. 218

وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) الآيات ٥٣ - ٦١ من سورة الزمر. قال الحاكم: « ... فأما دلالات الآيات على المجبرة في المخلوق والاستطاعة والإرادة، فمن وجوه كثيرة، وتفصيلها يطول، وجملتها: دلالة قوله «لا تسرفوا» ولا يقال: أسرف، إلا وله فعل وهو يقدر على تركه! ومنها: أنه منّ على عباده بغفران ذنوبهم، ولو كان هو الخالق لجميع القبائح فما معنى الامتنان؟! ومنها قوله: «وأنيبوا» فكيف ينيبوا وقد خلق فيهم الإصرار، وقدرته، ومنعهم قدرة التوبة، وأراد الإصرار ولم يرد التوبة؟! ومنها قوله: «وأسلموا» وكيف يأمر به وبالمسابقة مع عدم القدرة، وخلق ضده فيه؟ ومنها قوله: «واتبعوا» ودلالته كدلالة قوله: أنيبوا، وأسلموا. ومنها قوله: «يا حسرتا على ما فرطت» وكيف يتحسر وليس اليه شيء ولا له قدرة؟ وإنما يصح التحسر على التفريط إذا كان التفريط منه، وهو يقدر على تركه. ومنها قوله: «لو أن لي كرة» ولو رد ألف مرة ولم يخلق فيه الإيمان وقدرة الإيمان، لما أمكنه أن يؤمن، فما معنى سؤال الرجعة؟ ومنها قوله: «فرطت» وأي تفريط من جهته، والتفريط من قبل من خلق فيه الكفر وقدرته، ومنع قدرة الإيمان، وخلق فيه التفريط! ومنها قوله: «وإن كنت لمن الساخرين» فكيف والسخرية خلق فيه؟

стр. 219

ومنها قوله: «لكنت من المتقين» فكيف ولو لم يخلق فيه لما صح منه؟ ومنها قوله: «بلى قد جاءتك آياتي» تنبيها على إزاحة العلة. ولو كان الأمر على ما زعموا لم يكن للآيات معنى، ولا كان التكذيب من جهتهم، بل جميع ذلك من خلقه، فما بال هذا التوبيخ. ومنها قوله: «كذبوا على الله» وكيف ونجهم وعندهم أنه الخالق لذلك الكذب والمريد له؟ قال الحاكم: «وكل ذلك يزيد صحة مذهب التوحيد والعدل» «١».

стр. 220

الفصل الثاني قواعده الأساسيّة في التفسير تمهيد: بين التفسير والتأويل نبدأ أولا بكلمة موجزة نوضح فيها الفرق بين التفسير والتأويل، أو الفرق الذي جرينا على اعتماده ونحن نفصل في حديثنا عن منهج الحاكم في تفسير القرآن بين منهجه في التفسير ومنهجه في التأويل، أو بين قواعده التي يعتمدها أساسا لتناوله جميع الآيات بالشرح، وحدوده التي رسمها لنفسه لا يتجاوزها وهو يأبى الأخذ بالظاهر في بعض الآيات، وإن كان «المنهج» في الحالين متفقا غير مختلف كما سنتبين ذلك من خلال هذا الفصل والفصل الذي يليه، ولم يحملنا على الأخذ بهذا التقسيم، أو الفصل بين التفسير والتأويل، إلا الرغبة في زيادة إيضاح هذا المنهج، وإظهار مدى تأثر الحاكم فيه بنزعته الكلامية المعروفة. ١) التفسير في اللغة: الاستبانة والكشف «١»، وفسّر الشيء يفسره،

стр. 221

وفسره: أبانه، قال تعالى: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) «١» أي بيانا. ولم ترد لفظة «تفسير» في القرآن في غير هذا الموضع. ولم يختلف المفسرون أن المراد من «تفسير القرآن» - على تعدد تعريفاتهم للتفسير اصطلاحا- بيان معانيه على أي وجه من وجوه البيان، قال الحاكم: «والتفسير هو علم بمعاني القرآن، وناسخه ومنسوخه، ومجمله ومبينه، ومتشابهه ومحكمه»! «٢». ٢) والتأويل في اللغة: مصدر: أوّل يؤول تأويلا، وهو من آل الشيء إلى كذا، أي رجع إليه، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: «التأويل: التفسير والمرجع والمصير» «٣» وقال أبو جعفر الطبري: «وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسير والمرجع والمصير ... وقد قيل إن قوله تعالى (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي جزاء، وذلك أن الجزاء هو الذي آل إليه أمر القوم وصار إليه» «٤». فالتأويل في اللغة يراد به- إذن- «التفسير» كما يراد به «الرجوع والمصير» - لأن أحدهما مغاير للآخر- وإن كان اشتقاق الكلمة يرجح أن يراد من التفسير ما يحتاج منه إلى النظر والفكر ليصح معنى الرجوع، ولهذا ورد لفظ التأويل في القرآن الكريم في مواطن دقيقة يحتاج فيها المعنى إلى مثل ذلك، كما في آية المتشابه، وكما في الآيات الواردة في «تأويل الأحاديث» في سورة

стр. 222

يوسف «١»، وكقوله تعالى في نفس السورة على لسان الملأ: (وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ) «٢» وكقوله حاكيا عن يوسف ﵇: (يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ) «٣» وكقوله في سورة الكهف: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) «٤» - سواء في ذلك استعملت في تأويل الكلام والمعنى كما في آية المتشابه، أم في تأويل الرؤى والأحلام كما في قصة يوسف ﵇، أو تأويل الأعمال كما في قصة موسى ﵇ مع الرجل الصالح. وعلى هذا المعنى اللغوي جرى استعمال العلماء الأولين للتأويل، فالإمام الشافعي ﵀ سمّى حمل اللفظ على معنى من المعاني التي يحتملها تأويلا، فالتأويل في هذه الحالة إرجاع اللفظ وتصييره إلى واحد من هذه المعاني المحتملة «٥». والنظر والفكر هنا في صرف اللفظ إلى أحد المعاني التي يحتملها دون سائر المعاني، لقيام دليل على ذلك. أما التأويل في الاصطلاح فهو «إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز، من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو حقه أو مقارنه .. أو غير ذلك من

стр. 223

الأشياء الى تعورفت في أصناف الكلام المجازي» «١». ويقرب من هذا التعريف الذي ذكره ابن رشد ما قاله الغزالي ﵀ من أن التأويل «عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الطاهر «٢»». وهذا التأويل الاصطلاحي هو ما قصدنا اليه حين فصلنا بين التفسير والتأويل في دراسة منهج الحاكم، وهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر- أو الحقيقي- إلى معنى مجازي، لأن الغزالي يقول بعد أن أورد تعريفه السابق: «ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز» «٣». ٣) وكأن الحاجة إلى التأويل تظهر بعد «تفسير» الألفاظ الواردة في النص لمعرفة ما يدل عليه ظاهره، فيحمل دليل ما، كدليل العقل أو الإجماع أو غير ذلك- وهنا يبدو أثر اختلاف المناهج- على التأويل، وبذلك يكون التأويل خطوة تالية لخطوة التفسير كما عبّر بعضهم «٤»، وقد جعل الراغب الأصفهاني التفسير أعم من التأويل لأن أكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني «٥». وقد أوضح أبو طالب الثعلبي هذا الفرق بين التفسير والتأويل، فقال: «التفسير: بيان وضع اللفظ إما حقيقة

стр. 224

أو مجازا، كتفسير الصراط بالطريق، والصيب بالمطر. والتأويل: تفسير باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير إخبار عن دليل المراد، لأن اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل. ومثاله قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) تفسيره: أنه من الرصد، يقال: رصدته: رقبته، والمرصاد مفعال منه، وتأويله: التحذير من التهاون بأمر الله والغفلة عن الأهبة، والاستعداد للعرض عليه. ثم قال: «وقواطع الأدلة تقتضي بيان المراد منه على خلاف وضع اللفظ في اللغة» «١». ...

стр. 225

أولا: الأصل الجامع لقواعده في التفسير أما القواعد الأساسية للتفسير عند الحاكم فيمكن إرجاعها الى أصل واحد جامع، دافع عنه الحاكم، وأشار إليه في مواضع ومناسبات كثيرة في تفسيره، وهو أن القرآن مأخذ تفسيره من اللغة، أو أن اللغة طريق معرفة القرآن، ولم يجعل الحاكم لطالب فهم الكتاب من شرط سوى «أن يعلم الله تعالى، وأنه صادق لا يجوز عليه الكذب والقبيح» - وهذا من قاعدته الفكرية العامة كما أشرنا إلى ذلك- «وأن يقف على اللغة»، فكأن اللغة هنا هي الشرط الأساسي أو الكافي لفهم خطاب الله تعالى، قال الله تعالى: (حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) «١» قال الحاكم: «تدل الآيات على أن العالم باللغة محجوج به، ويدل قوله (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أن التفسير لمن عرف اللغة جائز، ولا يحتاج إلى سماع معناه من غيره، بخلاف قول من يقول لا بد فيه من سماع. ويدل على أنه يستقل بنفسه في باب الدلالة. ويدل على وجوب التفكر فيه وذم المعرض عنه». وقال في قوله تعالى في سورة الجن (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) «٢» إن القرآن مستقل بنفسه في الدلالة.

стр. 226

وقال في قوله تعالى: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ) «١» انه يدل على أن القرآن يمكن معرفة المراد به بظاهره أو بقرينة ليصح أن يقع به الإنذار. وقال نحوا من ذلك في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ) «٢»، وقوله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) «٣» فالبرهان ما دل على غيره به، والنور ما يبصر به سواه، ولا يكون القرآن كذلك الا وهو دال بنفسه، معروف بلفظه، وقد علم أن القرآن انما نزل بلغة العرب، فلا بد أن يعرف تفسيره من عرف هذه اللغة، والا لما صح وصفه بأنه نور وبرهان!. ثم إن دلالة الكلام إنما تعتبر بأمرين: المواضعة، وحال المتكلم، فبالمواضعة يصير للكلام معنى وإلا كان في حكم الحركات وسائر الأفعال، وفي حكم الكلام المهمل. ولا بد كذلك من اعتبار حال المتكلم لأنه لو تكلم به وهو لا يعرف المواضعة، أو عرفها ونطق بها على سبيل ما يؤديه الحافظ، أو يحكيه الحاكي، أو يتلقنه المتلقن، أو تكلم به من غير مقصد، لم يدل. فإذا تكلم به وقصد وجه المواضعة فلا بد من كونه دالا «إذا علم من حاله أنه يبين مقاصده، ولا يريد القبيح ولا يفعله» «٤»

стр. 227

وهذه هي حال القرآن في دلالته على المراد، لنزوله بلغة العرب وما تواضعوا عليه من الكلام، ولصدوره من حكيم عليم بهذه المواضعة. ولا يقال: إن الكلام قد يقع منه تعالى ويعلم بدليل العقل أن مراده غير ظاهره، لأن دليل العقل كالقرينة، كما لو قارنه كلام متصل يدل على الوجه الذي يقتضيه مجموعه. فإن قيل: إذا جاز في أحدنا أن يبتدئ بالمواضعة على مثل كلام قد تقدم، فهلا جاز مثله في القديم تعالى؟ فالجواب أن ذلك قد وقع في الأسماء الشرعية لما دلّ عليها، فأما مع فقد الدلالة وكونه مخاطبا باللغة المخصوصة فلا بد من أن يريد ما وضع له، وإلا حل المخاطب للعربي بالزنجية ومعرفة المراد به متعذر عليه. ١ - ليس في القرآن ما هو غير عربي: ولا يصح أن يقال إن في القرآن ما ليس بعربي لأن الله تعالى يقول فيه (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) «١» ويقول: (إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) «٢» إلى آيات أخرى كثيرة تؤكد عربية القرآن، ولأنه ﷺ كان يتلو عليهم هذه الآيات فلو كان فيه لغة غريبة لردوا عليه. قال الحاكم: «وما يروون في قوله (القسطاس) أنه رومي، و (سجّيل) عجمي، فالمراد أنه وافق لغة العرب لغة الروم، أو كان في الاصل روميا فأدخلته العرب في لغتها فصارت لغة لهم، يبين ذلك أن «سجيل» ليس في لغة العجم وإنما في لغتهم «سنك وكل» وهذا

стр. 228

غير سجيل، فكأن تلك لغة معربة، ولا فرق بين الموضوعين في أنها لغة عربية» «١» وقد وصف الحاكم الذين يزعمون أن في القرآن ما ليس بعربي بأنهم من أهل الحشو «٢» وغالبا ما يرد رأيهم عند شرحه اللغوي للكلمات التي زعموا أنها ليست بعربية، فقد قال في شرح «الإستبرق» بأنه: الديباج، قيل له الإستبرق لشدة بريقه. قال: «وقيل اسم معرب. ولا يقال إنه فارسي لأنه ليس في القرآن غير العربي» «٣» وعلّق على كلمة «غساق» بقوله: «ومن زعم أن «غساق» ليس بعربي فقد أخطا، لان القرآن نزل بلغة العرب، ولهذه اللفظة تصرّف واشتقاق، ووردت به الأشعار» «٤» ٢ - مكانة اللغة في تفسير الحاكم: وقد جرت عادة الحاكم- كما سنفصل القول في ذلك عند الكلام على طريقته في تفسيره- على إفراد الكلام على «اللغة» في الآية أو الآيات موضع الشرح، في فقرة خاصة يظهر فيها أثر اطلاعه الواسع على اللغة العربية وقواعدها وآدابها، مما ساعده على إحكام وجوه القول في شرح الآية عند الكلام فيها على

стр. 229

«المعنى»، وحتى عند ما كان يدع الأخذ بالظاهر في بعض الأحيان، ويلجأ إلى التأويل- على أسسه الخاصة- فإن اعتماده على اللغة لا يتخلف كذلك، بل ربما بدا هنا أكثر دقة ووضوحا لكثرة ما يضطر إلى إيراده من اللغة والشعر وأصول الاشتقاق في الكلمات في سبيل تأييد رأيه ومذهبه، ونلمح إلى ذلك هنا ببعض الأمثلة والشواهد لنؤكد أن قاعدته في أن مأخذ تفسير القرآن من اللغة- كقاعدة عامة- لم يدعه على أي اعتبار، وندع الحديث عن طريقة الحاكم في إيراد اللغويات في تفسيره، وعن أسسه في التأويل إلى محله من هذا البحث. قال في «اللغة» في شرح قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) «١» إن الملاقاة: مصادفة الشيء للشيء، قال «وكل شيء صادف شيئا أو استقبله فقد لقيه، تقول: لقيت فلانا لقيا ولقيانا. والملقاة: المرة الواحدة، واللقية مثله. وليس اللقاء من الرؤية في شيء، وإنما يستعمل فيه مجازا، تقول: لقيت جهدا، ولاقيت شدة. وهاهنا الخطاب للمؤمنين والكفار، والكافر لا يرى ربه بالاتفاق!» ثم قال في «المعنى» في شرح «إنك كادح إلى ربك» قيل: عامل لله من خير أو شر، و «إلى» بمعنى اللام. وقيل معناه: إنك تعمل عملا في مشقة لتحمله إلى الله وتوصله اليه للجزاء. وقيل صائر بكسبك إلى ربك. وشرح الملاقاة هنا بأنك صائر إلى حكمه حيث لا حكم الا لله. أو بمعنى ملاقاة جزائه، فذكر السعي وأراد الجزاء.

стр. 230

وقال في قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ) «١» إن الفراغ في اللغة على وجهين: أحدهما الفراغ من شغل. والثاني القصد إلى شيء، وأصل الفراغ منه أن ينقطع عنه بعد ملامسته، والفراغ له هو التوفر عليه، ثم قال- وهو بعد في شرحه اللغوي- «والفراغ والشغل لا يجوز حقيقتهما على الله تعالى لأن ذلك من صفات الأجسام التي تحلّها الأضداد، فهو في صفته تعالى توسع بمعنى القصد أو التهديد على ما نذكره .. ». وذكر أن «الجعل» في اللغة يستعمل على أربعة أوجه، قبل أن بشرح «معنى» قوله تعالى (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ... ) «٢» منها: إحداث الشيء كقوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) وثانيهما: تغييره من حال إلى حال كما جعل النطفة علقة، وجعل الطين خزفا، وثالثها: الحكم به، كما يقال: جعله عدلا وجعله فاسقا، وجعلهم رؤساء الضلالة- وهذا هو معنى الآية عنده كما شرحها بعد- ورابعها: جعله باعتقاده أنه كذلك، كقولهم: جعله مريبا.

стр. 231

ثانيا: قواعده الأساسيّة في التفسير أما قواعده الأساسية التي يمكن إرجاعها إلى أصله اللغوي السابق، فهي: القاعدة الأولى: ليس في القرآن ما لا معنى له، أو ما لا يفهم معناه ونقل الحاكم أن هذا هو قول أصحابه المعتزلة، ونسب إلى «الحشوية» قولهم إن فيه «ما لا معنى له وإنما أنزل ليتلى» «١» ورد الحاكم هذا القول بأن الغرض بالخطاب الإفادة ومعرفة المعاني، فلا يجوز أن يخاطب ولا يريد الإفادة! ولأنه لو جاز أن يخاطب تعالى بمثل ذلك لم يكن بأن يخاطب العرب بلغتهم أولى من العجمي، ولا بالعربية أولى من الزنجية أو أي لغة أخرى! ولو جاز على الله تعالى ألا يريد بكلامه الفائدة لكان لا فرق بينه وبين التصويت، وإيراد ما لم تقع عليه المواضعة البتة، وكان لا وجه لانقسامه إلى كونه أمرا وخبرا ووعدا ووعيدا!. وقد ذكر أبو هاشم أنه لا يمكن الادعاء أن وجه حسنه التعبد بالتلاوة، لأنه كان لا ينفصل- لو كان هذا هو الغرض- حاله وهو عربي من حاله وهو بالزنجية «٢» وقال الحاكم في قوله تعالى:

стр. 232

(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ) «١» إنها تدل على أن الاعتماد يجب أن يكون على معرفة معاني الكتاب لا تلاوته. وقال في قوله تعالى: (وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ، كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) «٢» إن الآية تدل على ذنب من لا يعمل بكتاب الله مع تلاوته. ثم قال: «وهذا سبيل علماء السوء من هذه الأمة، وبين أن حالهم كحال الجهال في أن كل واحد لا ينتفع بذلك». وذكر الحاكم كذلك أن من مذهبه صحة معرفة معاني القرآن خلافا «لبعضهم» ممن يقولون إن في القرآن أشياء «لا طريق لنا إلى معرفتها» «٣» أو إن في القرآن ما لا يفهم معناه. وردّ هذا أيضا بأن المقصود من الخطاب معرفة مراد المخاطب، فوجب أن يكون له طريق إلى معرفة مراده وإلا كان عبثا! ولأنه إذا كان له فائدة بالمواضعة فإذا خاطب به فلا يخلو إما أن يريد به ما وضع له فلنا طريق الى معرفته، أو غير ما وضع له فلا بد أن يدل عليه، وإلا كان ملبّسا أو معمّيا أو ملغزا، وهذا لا يجوز! ولأنه قد ثبت عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنهم كانوا يستدلون بالقرآن ويرجعون اليه ويفسرونه من غير انكار لتفسير بعض الآيات، فدل على أن جميعه مما يعرف «٤».

стр. 233

والذي نحسبه أن محل الخلاف بين الحاكم- وسائر المعتزلة- وبين الحشوية أو بعض المفسرين: إنما هو في هذا الشق من المسألة، وهو جواز أن يكون في القرآن ما لا سبيل إلى معرفته، أما الزعم بأن في القرآن ما ليس له معنى فهو كلام فاسد لا يلتفت إليه، ولا يصح تصوير المسألة على أساسه، سواء وجد من حشوية المسلمين وسخفائهم من يقول بهذا- كما ينقل القاضي والحاكم وغيرهما- أم لم يوجد، لأن الفرق شاسع بين عدم إدراك المعنى من المخاطب، ونفى المعنى عن كلام المتكلم! ولا يصح الالتفات إلى ما نقله الحاكم من زعم هؤلاء أنه لو أراد الإفادة لما جعل فيه متشابها!! لأنه سواء قيل إن المتشابه مما يعلم المراد به أو مما لا يعلم؛ فإن الخلاف فيه فرع على الخلاف بأن في القرآن ما لا يفهم معناه، وليس فرعا عن الزعم بأن في القرآن ما ليس له معنى، فهذه مسألة لا تصح ولا يتفرع عنها شيء!. يرى الحاكم، إذن، أنه ليس في القرآن شيء لا يعرف معناه- لأن المقصود من الكلام إفهام المعنى- فإن كان للفظ معنى واحد فلا بد أن يحمل عليه، كما يقول الحاكم، وإن كان يحتمل أكثر من معنى وكله مما يجوز؛ حمل على الكل على وجه يصح «١» قال الحاكم: «ويقال: إذا كان للفظ معان ولا دليل، وكله مما يجوز، كيف تقطعون؟ قلنا: نقطع بأن الجميع مراد» «٢». وهذا يفسر كثرة التفسير بالمأثور عند الحاكم، وعدم ترجيحه بين

стр. 234

رواياته المختلفة- اختلاف تنوّع لا اختلاف تضاد- في أغلب الأحيان، لأن جميعه مما يحتمله اللفظ. فإن احتمل اللفظ عدة معان ودل دليل على أن بعضه مراد وبعضه ليس بمراد عمل بمقتضى الدليل، والدليل عنده تابع لأصوله في التأويل كما سنراه فيما بعد «١». ومن الألفاظ كذلك ما له معنى في اللغة ومعنى في الشرع، وحمله على الشرعي أولى لأنه منقول، قال الحاكم في قوله تعالى: (إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ) «٢» إن الآية تدل على أن البغي اسم ذم في الشرع، ولذلك يقال للخارج على الإمام: باغ، ولقومه أهل البغي، ولذلك قال تعالى (فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى) وإن كان أصله في اللغة الطلب، فكأنه منقول في الشرع إلى من طلب شيئا ليس له! وقال في قوله تعالى: (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) «٣» - في شرحه اللغوي للإيمان والإسلام-: الإيمان في اللغة: التصديق، ومنه: (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا) وليس باسم مدح، ولذلك يصح أن يقال لليهودي: مؤمن

стр. 235

بموسى، أي مصدق له، ويقال لقوم فرعون: آمنوا بفرعون، أي صدقوه. ثم قال: «ونقل في الشرع فجعل قولنا «مؤمن» اسم مدح، وقولنا «إيمان» اسم أداء الطاعات المفروضة واجتناب القبائح من الكبائر، ولذلك لا يطلق على الكفار والفساق، ولذلك قال تعالى: (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) بعد ذكر الطاعات، وقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) ثم بين صفاتهم». فأما الإسلام ففي اللغة الانقياد والاستسلام، وفي الشرع هو والإيمان سواء، ولذلك يقال: رجل مسلم، ويراد به المدح، كما يقال رجل مؤمن وديّن، وقال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) وقال سبحانه: (فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فذكر مرة بالإسلام، ومرة بالإيمان». فروع هذه القاعدة وأهم ما يتفرع على هذه القاعدة الأولى، وهي أن جميع القرآن معلوم المعنى، موقف الحاكم من المحكم والمتشابه، وموقفه من فواتح السور: ١ - المحكم والمتشابه: عرّف الحاكم المحكم بأنه ما أحكم المراد به فيستغنى عن البيان لوضوحه، والمتشابه ما يحتاج إلى بيان لاشتباه المراد. وهذا أول التعريفات التي ذكرها في تفسير آية آل عمران، ثم قال في الترجيح بين هذه التعاريف: «وأقرب الأقاويل ما ذكرناه أولا، وهو الذي اختاره القاضي أن المحكم ما يدل على المراد بنفسه، والمتشابه ما يحتمل الوجهين» «١». وعنده أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، وقد

стр. 236

فسر الراسخين في العلم بأنهم الثابتون فيه الضابطون له المتفنون فيه، وقال إن الواو في قوله تعالى: (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) واو العطف، يعني لا يعلم تأويله إلا الله- فإنه يعلمه- والراسخون في العلم يعلمونه، ومع ذلك يقولون آمنا به، يعني يعلمونه ويقولون آمنا، فأضمر «يقولون». «وقيل تقديره: والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا به، عن ابن عباس ومجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير وأبي مسلم، وقوله «يقولون» يكون حالا .. » «١» ثم قال: «ولولا ذلك لم يكن لذكره الراسخين معنى! ويدل على صحة هذا أن الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، وعن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين في العلم، وعن مجاهد نحوه. ولأن الغرض بالخطاب الإفهام» «١». أما الذين ذهبوا إلى أن الواو في الآية واو الاستئناف، وأن الكلام ثم عند قوله (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ثم ابتدأ: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ) - وهو القول الذي نسبه إلى عائشة ومالك والكسائي والفراء وأبي علي الجبائي- فلا يصح عنده إلا إذا فسر المتشابه بأنه ما استأثر الله بعلمه من المغيبات، نحو وقت قيام الساعة وخروج الدجال ودابّة الأرض، ويكون معنى تأويل هذه الأمور: العلم بوقت وقوعها، وذلك إلى الله تعالى لا يماري في ذلك أحد «٢»!

стр. 237

أما طريق بيان المتشابه عند الحاكم فهي بأن «يرد إلى المحكم ويرتّب عليه وعلى أدلة العقول» «١» وقد أكد هذا المعنى في آخر تفسيره فقال: إن المراد بالمحكم يعرف بظاهره «والمتشابه يحمل على أدلة العقول والمحكم» «٢» ويعني بذلك بالطبع أنه يؤول ليطابق المحكم وأدلة العقل- وسوف نشرح ذلك عند الكلام على التأويل- والذي يجدر تأكيده هنا هو: أن الحاكم لا يرى في وجود المتشابه في القرآن ما ينقض قاعدته في أن جميع القرآن معلوم المعنى، لأن المتشابه- بحسب حدّه المختار- مما يعلم معناه بحمله على المحكم- كما لا يرى فيه كذلك ما يخل بمسألة أن القرآن هدى وبيان بنفسه، وأنه يجب أن يتدبر ويعلم ولا يكتفي فيه بالتلاوة بحجة أن المتشابه ليس ببيان بل يحتاج إلى بيان كما زعم بعضهم، وذلك لأن البيان قد وقع بحمله على المحكم، وليس البيان في اللغة مقصورا على الظاهر، بل هو كذلك في المجاز. وقد أوضح القاضي عبد الجبار من قبل أن الخطاب بالمتشابه يخالف خطاب العرب بالفارسية- في زعم من زعم- لأن هذا الخطاب ليس في العقل ما يعلم معه المراد فيكون عبثا، وليس كذلك حال المتشابه لأنه لا بدّ من أن يدل على المراد به إما العقل وإما المحكم، قال القاضي:

стр. 238

«وكلاهما ثابت لمن ينظر في المتشابه» «١». بل إن مجيء القرآن مشتملا على المحكم والمتشابه يقتضي من الناظر فيه والمتأمل له إذا وقف على ما يدل بظاهره على الجبر والتشبيه، وما يدل على العدل والتوحيد أن ينظر في أدلة العقول وفي سائر ما نبه عليه تعالى في كتابه، ليعلم به أن ما يدل ظاهره على العدل فهو المحكم دون الآخر، فلا تهمل بذلك أدلة العقول، ولهذا كان كون القرآن كذلك ملجئا إلى العدول عن طريقة التقليد إلى طريقة النظر- وهو ما يحب الحاكم تأكيده على الدوام- لأنه إذا وجد القرآن مختلفا- بظاهره- لم يكن بأن يقلّد المحكم أولى من المتشابه، فيضطر إلى الرجوع الى الأدلة وتأملها، ولو كان جميع القرآن محكما لكان أقرب الى الاتكال على ظاهره وطريقة التقليد فيه! ثم انه لا يجب في القرآن أن يبلغ في «البيان» أعلى الرتب! لأن ذلك لو وجب لوجب في المعارف أن تكون ضرورية، لأن ذلك أبلغ من تكليف النظر والمعارف، لامتناع السّفه فيها وتأتيه في المكتسب! فإذا لم يجب ذلك فغير واجب في البيان أن يبلغ نهايته في الوضوح. بل لا يمتنع في المتشابه أن يكون أولى في البيان لأن أحدنا إذا خاطب غيره على عهد تقدم لا يكون ملبّسا وإن كان ظاهر الكلام منه، لو تجرد عن العهد، لم يدل على المراد، لكنه مع العهد دل على المراد لمكان التقييد والاتصال. وما مهده الله تعالى في العقول من المعارف والأدلة أوكد من العهد في هذا الباب، فيجب خروج الخطاب لأجله من أن

стр. 239

يكون تعميها وتلبيسا وعدولا عن البيان «١». ٢ - فواتح السور: أما فواتح السور فليست داخلة في حد المتشابه عند الحاكم وإن كانت كذلك عند غيره، وهي عنده مما يصح أن يوقف على معناها، وقد أورد في كتابه أهم الآراء التي قيلت في تفسيرها، وعقب على بعضها بالنقد، وذهب إلى ترجيح رأي الحسن البصري وزيد ابن أسلم والقاضي عبد الجبار وأبي علي الجبائي- في أحد روايتيه عنه- أنها أسماء للسور، لأنه قال في التعقيب على هذا الرأي وعلى رأي قتادة أنها أسماء للقرآن: «وهذا جائز لأن أسماء الأعلام منقولة للتفرقة بين المسميات، فمتى لم يرد بها معنى الأصل فهي على جهة النقل، وقد جاء في أسمائهم حارثة بن أوس بن لام» ثم قال: «ولا خلاف بين النحويين أن كل كلمة لم تكن على معنى الأصل فهي منقولة، كقولك «زيد» إذا لم ترد به الزيادة كان منقولا إلى العلم. ولا يقال: لو أريد به التسمية لم يسمّ بها سورا كثيرة، لأن هذا موجود في أسماء الألقاب فيسمى خلق زيدا ثم يتميز بشيء آخر يتصل به، كذلك هذا يتميز بما ينضم إليه فيقال: «الم ذلك» و «الم الله» قال الحسن: سمعت السلف يقولون إنها أسماء السور ومفاتيحها» «٢» وقال في تفسيره لمطلع سورة «ق»: «والصحيح أنها اسم للسورة» «٣».

стр. 240

أما الرأي القائل بأن هذه الفواتح سر لا يعلم المراد منه، فقد رده بقوله: «وهذا لا يصح لأن الغرض من الخطاب الإفهام، ولأن الصحابة والتابعين، والعلماء بعدهم تكلموا في معنى هذه الحروف، فقوله يخالف إجماعهم» وعلق على الرأي القائل بأنها حروف مقطعة ولو وصلت صارت اسما من أسماء الله تعالى كقولك: الرحمن، فهو: «الر» «حم» «ن»، بأن هذا إنما يتأتى في بعض الحروف دون جميعها. أما أهم الآراء الأخرى التي ذكرها ولم يعقب عليها، فهي: ١ - رأي المبرد وأبي مسلم الأصفهاني وجماعة أنها إشارة إلى حروف المعجم، وتنبيه على أنه تعالى أنزل كتابه من هذه الحروف وأنتم تتكلمون بها، فإذا عجزتم عن الاتيان بمثله دل على أنه كلام الله تعالى وأنه معجز. ٢ - رأى أبي بكر الزبيري- الذي سبقت الإشارة إليه عند الكلام على مصادر الحاكم في التفسير- أنه تعالى علم أن طائفة من هذه الأمة سوف تقول بقدم القرآن، فأشار تعالى بهذه الحروف إلى أن كلامه من جنسها، ليدل بذلك على أنه مسموع محدث غير قديم! .. ٣ - رأى الأخفش أنها قسم أقسم الله بها لشرفها ولأنها مباني الكتب المنزلة والألسن المختلفة وأسمائه الحسنى، وأصول كلام الأمم بها يتعارفون. ٤ - وأخيرا رأى قطرب وأبي علي- في روايته الأخرى عنه- أن الكفار لما تواطئوا على عدم سماع القرآن، وعلى أن يلغوا فيه، أحدث الله تعالى هذه الحروف التي لم يكن لهم بها عهد ليستمعوا ثم يأتي الكلام بعدها فيكون حجة عليهم، فكأنها مرادة لإثارة الدهشة والاستغراب، وما يلازم ذلك من السماع والإصغاء،

стр. 241

فيكون ذلك طريقا لسكوت اللغو وإقبالهم على سماع القرآن «١». القاعدة الثانية: لا يختص بتفسير القرآن الرسول أو السلف قال الحاكم: قال أصحابنا: لا يختص الرسول بمعرفة معاني القرآن، بل غيره يمكنه ذلك خلافا لبعضهم. ثم قال: «لنا في ذلك وجوه: منها: أن الكلام هو الدال على المراد إذا تكاملت شرائطه، فمن عرف المواضعات يمكنه أن يعرف المراد، كمن له عقل يمكنه أن يستدل بالعقليات. ولأن الرسول لا بدّ أن يبين المراد بكلام، فإذا صح أن يعرف المراد بكلامه فكلام الله تعالى كذلك. ولأن الأمة أجمعت على الرجوع إلى القرآن في الأحكام ولو كان كما قالوا لما حسن. ولأنه تعالى قال: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ) ووصفه بأنه بيان» «٢». والوجه الأول هو الذي ذكره القاضي عبد الجبار- وهو أول المقصودين عند حديث الحاكم عن أصحابه- وبناه على أن الكلام نفسه هو الدال على المراد به إذا تكاملت شرائطه من المواضعة واعتبار حال المتكلم، قال القاضي: «فإذا كان غير الرسول قد عرفه على شرائطه، فيجب أن يمكنه أن يستدل بذلك على مراده تعالى كما يمكنه صلى الله عليه، وإلّا لزم من ذلك أن يصح اختصاصه- صلى الله عليه- بأن يستدل

стр. 242

بالعقليات دون سائر المكلفين!» «١». وهذا الوجه هو الذي يوجب كذلك أن يكون حكم أهل سائر الأعصار كحكم الصحابة والتابعين، إذا عرفوا اللغة ووجه دلالة الكلام، وأن لا يكون لابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم مزية الاختصاص في صحة الاستدلال، وفي جواز تفسير القرآن وتأويله، وقد يكون لهم مزية أخرى بالطبع، قال القاضي: «وإنما يتقدم البعض على البعض من حيث يتقدم في معرفة اللغة ويبرّز فيها، فيكون بهذه الطريقة أعرف. وهذا إنما يتفاوت حال العلماء فيه إذا كان الكلام في المتشابه وما يلتبس، فأما مثل قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)، و (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) وقوله: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) فلا يجوز أن تتفاوت أحوال أهل اللغة والعلماء بها في معرفته «٢»!». وما روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: «أي أرض تقلني وأيّ سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأيي»، لا ينقض ذلك بل يدل عليه، لأنه نبه بذلك على أن الواجب أن يقال في كتاب الله بما يدل ظاهره عليه ولا يرجع فيه إلى الرأي؛ لأن هذه اللفظة- الرأي- إذا أطلقت فالمراد بها ما يرجع إلى الاجتهاد وغالب الظن، فإن صح الخبر فهذا مراده؛ لأنه قد ثبت أنه استدل بالقرآن في أشياء كثيرة، وإلا فإن ذلك ينقض القول بأن لأهل التفسير من السلف أن يفسروا القرآن،

стр. 243

كابن عباس وغيره، ولكان الواجب عليه أن ينكر على ابن عباس وغيره التفسير والاستدلال بكتاب الله تعالى، وأن يوجب الاقتصار في ذلك على المأثور عن الرسول ﷺ ، والمعلوم عنه خلافه. والسؤال الآن: ما الذي يقبله الحاكم من الأخبار والأحاديث في التفسير وأسباب النزول؟ وإلى أي حد كان اعتماده على تفسير الصحابة والتابعين و «أهل التفسير» كما يسميهم في بعض الأحيان؟ ١ - موقفه من تفسير السلف : أما موقفه من تفسير السلف فقد قدمنا القول عند الكلام على مصادره في التفسير: أن تفسيره قائم على تفسير الصحابة والتابعين، وعلى تفاسير المعتزلة قبله، وأنه أكثر من إيراد آراء السلف حتى كاد كتابه أن يكون تلخيصا لروايات الطبري، والأمثلة على ذلك- التي استشهدنا ببعضها- تملأ الكتاب، ولم يكن من عادة الحاكم أن يرجّح بين هذه الآراء حيثما كان اللفظ محتملا لها جميعا، على مذهبه في حمل المعنى علي الجميع على وجه يصح، وإلا فهي عنده على حد سواء؛ لأن الاختلاف بينها في معظم الأحيان إنما هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، باعتبار أن مأخذها من ظاهر اللغة. وعند ما كان يرجح بين هذه الآراء «المتنوعة» فإن ترجيحاته تعود إلى أمور لا صلة لها بالمنهج، سوف نعرض لها عند الكلام على طريقته في ترتيب كتابه، ومعالجة كل فقرة من فقرات التفسير في الآية عنده. ولكن موقفه من تفسير السلف يتحدد بصورة أوضح فيما فسروه- أو تأوّلوه- على وجه لا يدل الظاهر عليه، دون أن يحملهم على ذلك حمل على المحكم أو دليل العقل، وهنا نجده يفرق بين رأي قال به

стр. 244

بعضهم: واحد أو اثنان منهم، ورأي ذهب إليه أكثرهم أو جماعتهم، فإن كان تفسيرا للبعض تركه وقدم الظاهر، أو التمس له وجها من الوجوه المحتملة أو المقبولة، قال في قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ .. ) «١» إنهم اختلفوا في تفسير التين والزيتون فقيل: والتين الذي يؤكل، والزيتون الذي يعصر؛ عن الحسن ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وقتادة وأبي علي وأبي مسلم. وقيل: التين مسجد نوح، والزيتون مسجد بيت المقدس، عن ابن عباس. وقيل هما مسجدان بالشام؛ عن الضحاك. وقيل: التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد إيليا، عن محمد بن كعب. ثم قال إن الصحيح «هو الأول لأنه الظاهر فلا يترك ذلك من غير دليل» وحمل الروايات الأخرى على أن التقدير فيها: منابت التين والزيتون! وقال في قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) «٢»: في الميزان قولان: قيل هو على جهة المثل، أي قبلت حسناته وكثرت، عن مجاهد. وقيل: ميزان له كفتان كموازين أهل الدنيا، عن الحسن وأكثر أهل العلم. ثم قال: إن الآية تدل على إثبات الميزان لأجل الظاهر، ولا مانع منه. وإن كان ذكر اختلاف القائلين بهذا الرأي في الموزون، وأنه لا يصح أن يكون هو الأعمال لأنها انقضت ولأنها أعراض، ولم يرجح واحدا من آرائهم.

стр. 245

وبالرغم من أن موقفه من آراء بعض السلف هذه ورواياتهم المنفردة يحدد بصورة أوضح موقفه من تفسير السلف بعامة، إلا أنه مع هذا يكاد يكون جزءا من منهجه الفكري العام، ومن موقفه من تقديم الظاهر على المجاز الذي سنتولى بيانه في القاعدة الرابعة من قواعده في التفسير. ولعل موقفه الحقيقي من السلف أو أهل التفسير إنما يظهر فيما ذهب اليه أكثرهم أو جماعتهم مخالفين فيه الظاهر، فقد ذهب الحاكم إلى الاخذ برأيهم وترك الظاهر، ولم يسمح لنفسه أن يخالف ما أجمع عليه أهل التفسير، كما فعل بعض مفسّري المعتزلة قبله، مثل أبي مسلم، قال في قوله تعالى: (وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ، رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ) «١» إن سليمان صلّى صلاة الأولى ثم قعد على كرسيه تعرض عليه ألف فرس صارت إليه حتى غابت الشمس وفاتته صلاة العصر؛ عن أمير المؤمنين وقتادة والسدي، قال الحسن: لا زال يعرض عليه حتى فاتته صلاة العصر، قال أبو علي: كانت صلاة العصر لم تكن مفروضة اشتغل عنها بالخيل والنظر اليها، قال القاضي: ويحتمل أن تكون صلاة العصر لم تكن مفروضة في شريعته، فقال سليمان (ردّوها عليّ) أي الشمس، يعني سأل الله أن يردها عليه فردت عليه حتى صلى العصر. (فطفق مسحا) أي أخذ يمسح وما زال يمسح (بالسوق

стр. 246

والأعناق)، قال الحاكم: قيل أخذ يمسح سوقها وأعناقها بالسيف، وقال لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى، عن الحسن. وقيل: جعل يمسح أعناق الأفراس وعراقيبها حبا لها، عن ابن عباس والزهري وابن كيسان. وقيل: أخذ يمسح ليعلم حالها كما يفعل أرباب الخيل، عن أبي مسلم. وقيل: مسح أعناقها وشرّفها وجعلها مسبلة في سبيل الله. قال الحاكم: وسئل ثعلب عن هذا التفسير الأخير وقيل له إن قطرب يقول يمسحها ويبارك عليها؟ فأنكر أبو العباس قوله، وقال: القول ما قال الفراء يضرب أعناقها وسوقها. وقيل: المسح لا يفيد القطع وضرب العنق ولا قطع العراقيب إلا أن أكثر المفسرين عليه! قال الحاكم: تدل الآية على مدح سليمان، وأنه فعل فعلا يستحق به المدح، لذلك قال: نعم العبد، ثم وصفه بما ذكر. وهذا ضد ما تقوله الحشوية انه اشتغل بالخيل حتى فاتته صلاة العصر وهو فرض، ثم أمر بقتل الأفراس من غير ذنب! «ولولا أن أكثر المفسرين وأصحاب النقل وأكثر العلماء على أنه ضرب أعناقها وسوقها لكان الأليق بالظاهر ما يقوله أبو مسلم أنه عرض عليه الخيل فما زالت تعرض عليه حتى غابت عن عينه، ثم أمر بردها فمسح سوقها وأعناقها كما هو العادة من أرباب الخيل» «١» ويكون معنى قوله تعالى (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) - كما ذكره أبو مسلم وجرى فيه على الظاهر الذي لم يذهب الحاكم إلى ترجيحه- إني أحببت الخيل عن كتاب الله، التوراة

стр. 247

أو غيره، فإن ذكر الله كتابه، وكما أن ارتباط الخيل في كتابنا ممدوح، كذلك كان في كتابهم. واتخذ الحاكم كذلك نفس الموقف من قصة داود نفسه مع الخصم الذين تسوروا المحراب، قال تعالى: (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ، إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ، قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ، وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ، فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) «١» فظاهر الآيات أن خصمين من البشر دخلوا على داود ﵇ من سور محرابه- مجلسه أو مصلّاه- على هذه الصورة الغريبة المفزعة من دون استئذان وتحاكموا اليه في نعاج وأغنام، ولم يراعوا في طلب الحكم حق الأدب أو حق النبوة في الخطاب، فسألوه الحكم بالحق وعدم الجور واتباع الهوى! فلما سمع داود الدعوى من أحدهما استعجل بالحكم على صاحبه- صاحب النعاج الكثيرة- بأنه ظالم لأخيه، في النسب أو الدين، من قبل أن يسمع من الخصم الآخر المدعى عليه، فكان ذلك من جملة الصغائر التي تقع من الأنبياء، فتاب ورجع إلى مرضاة الله، فغفر الله

стр. 248

تعالى له، وللأنبياء سؤال المغفرة من الصغائر وإن كانت إنما تقع مكفّرة، كما قال تعالى: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) «١» هذا الظاهر هو ما أخذ به وفسره أبو مسلم، وقد ود الحاكم أن يأخذ بهذا الظاهر لو لم يجمع أهل التفسير على خلافه، وأن الخصمين إنما كانا ملكين على صورة الإنس بعثهما الله تعالى إلى داود امتحانا لما سلف منه، وإلا فلو كانوا بشرا لم يتجاسروا على الدخول عليه تسورا للمحراب ولما قالوا له: لا تخف! واهدنا، ولا تشطط!، وأما قولهم: (خصمان بغى بعضنا .. ) فمعناه: نحن كخصمين لأنهما لم يكونا خصمين! والنعاج على هذا التفسير كناية عن النساء، والمعنى: عنده تسع وتسعون امرأة وعندي امرأة واحدة- أو: طلبت امرأة فمنعني عنها وتزوجها مع كثرة نسائه، كما قال أبو علي- (فقال أكفلنيها) قيل: أنزلنى عليها، عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد، يعني: تحول عنها حتى تصير في نصيبي. وقيل: ضمها إلى جنبي أكفلها، عن أبي العالية. وقيل اجعلها كفلي أي نصيبي، عن ابن كيسان ... وروى السدي أنه لما قال هذا قال داود للآخر: ما تقول؟ قال هو كذلك، فقال إذن لقد ظلمك، إلا أنه حذف الاعتراف لدلالة الكلام عليه، فقال: يا داود أنت أحق بهذا! لك تسع وتسعون امرأة، ولأوريا امرأة فرمتها! ونظر داود فلم ير شيئا، فعلم أنهما ملكان.

стр. 249

ثم ذكر الحاكم عدة وجوه قالها «مشايخ العدليين» في مسألة داود مع أوريا وخطبته لخطيبته أو زوجته بعد وفاته، وردّ رواية بل روايات إسرائيلية قال إنها من دسيس الملحدة، ولا تصح على بعض الفساق فضلا عن الأنبياء! ولكنه قال إن ظاهر الآيات يدل على مواقعة ذنب، وأن الروايات تؤيد ذلك، وقال إن الصحيح في ذلك ما ذكره شيخه أبو علي: أن داود خطب على خطبة أوريا بعد أن أظهر أهل المرأة لأوريا رغبتهم فيه وإرادتهم أن يزوجوها منه، فبلغ داود عنها ما رغّبه فيها فخطبها فزوجوها من داود ولم يزوجوها من أوريا، فعاتبه الله على ذلك. ثم قال الحاكم أخيرا: «ولولا النقل المستفيض وإجماع أهل التفسير لكان الأليق بالظاهر ما حكيناه عن أبي مسلم، وهو الظاهر ولا مانع منه، ولأنه يجوز أن يقال للحاكم اقض بيننا بالحق- والصحيح أنهما قالا ذلك لكونهما ملكين كما ذكر المفسرون- وقد يجوز مثله في الحكام، فأما في الأنبياء فلا يجوز لأحد من أمتهم أن يخاطبهم بمثل ذلك». ويكاد هذا الموقف الذي اتخذه الحاكم مما ذهب إليه أكثر السلف أو أجمعوا عليه، لا يختلف عن موقف شيخه القاضي عبد الجبار في ذلك فبعد أن أنكر القاضي اختصاص السلف بمعرفة القرآن، أورد هذا الاعتراض فقال: «أفليس في التفسير يرجع اليهم في هذا الباب؟» ثم أجاب بقوله: «لا يمتنع فيما تأولوه على وجه مما لا يدل الظاهر عليه أن يجعل اجماعهم حجة فيه. وهذا انما يكون فيما لا يعرف بظاهر التنزيل، ويصير كالمذاهب المأخوذة من الإجماع» «١»

стр. 250

٢ - موقفه من الأحاديث والأخبار المرفوعة: الأخبار المرفوعة الى النبي ﷺ في التفسير تعتبر قليلة إلى جانب المأثور عن الصحابة والتابعين، وربما تفاوت المفسرون في الحكم على بعض الروايات المأثورة بأنها موقوفة أو مرفوعة، أو في النص على ذلك في كتبهم، وقد جرت عادة الحاكم في تفسيره على الإشارة الى الأحاديث المروية والأخبار المرفوعة بعبارات متعددة، كقوله: روي عن رسول الله صلى الله عليه، أو قال رسول الله صلّى الله عليه، وكقوله: ذكره فلان في خبر مرفوع. أو روي مرفوعا .. الخ، ونحاول من خلال هذه الروايات أن نقف على مدى اعتماد الحاكم على الحديث في تفسير القرآن واحتفائه به، وعلى قاعدته الأساسية في رفض الخبر أو قبوله. ويمكن تلخيص موقفه من الحديث في النقاط الآتية: أ) أكثر الحاكم من الاستشهاد بالحديث في الشرح، ومن التدليل به على الأحكام التي يقف عليها في الآية أو النص القرآني: قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ. يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) «١» قال الحاكم في شرح معنى الغيبة: «أن تذكر أخاك بما يكره- رواه أبو هريرة مرفوعا- فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فقد بهته».
следующие страницы →