← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37682

الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير

عدنان زرزور

Полный текст (498 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والأعناق)، قال الحاكم: قيل أخذ يمسح سوقها وأعناقها بالسيف، وقال لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى، عن الحسن. وقيل: جعل يمسح أعناق الأفراس وعراقيبها حبا لها، عن ابن عباس والزهري وابن كيسان. وقيل: أخذ يمسح ليعلم حالها كما يفعل أرباب الخيل، عن أبي مسلم. وقيل: مسح أعناقها وشرّفها وجعلها مسبلة في سبيل الله. قال الحاكم: وسئل ثعلب عن هذا التفسير الأخير وقيل له إن قطرب يقول يمسحها ويبارك عليها؟ فأنكر أبو العباس قوله، وقال: القول ما قال الفراء يضرب أعناقها وسوقها. وقيل: المسح لا يفيد القطع وضرب العنق ولا قطع العراقيب إلا أن أكثر المفسرين عليه! قال الحاكم: تدل الآية على مدح سليمان، وأنه فعل فعلا يستحق به المدح، لذلك قال: نعم العبد، ثم وصفه بما ذكر. وهذا ضد ما تقوله الحشوية انه اشتغل بالخيل حتى فاتته صلاة العصر وهو فرض، ثم أمر بقتل الأفراس من غير ذنب! «ولولا أن أكثر المفسرين وأصحاب النقل وأكثر العلماء على أنه ضرب أعناقها وسوقها لكان الأليق بالظاهر ما يقوله أبو مسلم أنه عرض عليه الخيل فما زالت تعرض عليه حتى غابت عن عينه، ثم أمر بردها فمسح سوقها وأعناقها كما هو العادة من أرباب الخيل» «١» ويكون معنى قوله تعالى (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) - كما ذكره أبو مسلم وجرى فيه على الظاهر الذي لم يذهب الحاكم إلى ترجيحه- إني أحببت الخيل عن كتاب الله، التوراة

стр. 247

أو غيره، فإن ذكر الله كتابه، وكما أن ارتباط الخيل في كتابنا ممدوح، كذلك كان في كتابهم. واتخذ الحاكم كذلك نفس الموقف من قصة داود نفسه مع الخصم الذين تسوروا المحراب، قال تعالى: (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ، إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ، قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ، وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ، فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) «١» فظاهر الآيات أن خصمين من البشر دخلوا على داود ﵇ من سور محرابه- مجلسه أو مصلّاه- على هذه الصورة الغريبة المفزعة من دون استئذان وتحاكموا اليه في نعاج وأغنام، ولم يراعوا في طلب الحكم حق الأدب أو حق النبوة في الخطاب، فسألوه الحكم بالحق وعدم الجور واتباع الهوى! فلما سمع داود الدعوى من أحدهما استعجل بالحكم على صاحبه- صاحب النعاج الكثيرة- بأنه ظالم لأخيه، في النسب أو الدين، من قبل أن يسمع من الخصم الآخر المدعى عليه، فكان ذلك من جملة الصغائر التي تقع من الأنبياء، فتاب ورجع إلى مرضاة الله، فغفر الله

стр. 248

تعالى له، وللأنبياء سؤال المغفرة من الصغائر وإن كانت إنما تقع مكفّرة، كما قال تعالى: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) «١» هذا الظاهر هو ما أخذ به وفسره أبو مسلم، وقد ود الحاكم أن يأخذ بهذا الظاهر لو لم يجمع أهل التفسير على خلافه، وأن الخصمين إنما كانا ملكين على صورة الإنس بعثهما الله تعالى إلى داود امتحانا لما سلف منه، وإلا فلو كانوا بشرا لم يتجاسروا على الدخول عليه تسورا للمحراب ولما قالوا له: لا تخف! واهدنا، ولا تشطط!، وأما قولهم: (خصمان بغى بعضنا .. ) فمعناه: نحن كخصمين لأنهما لم يكونا خصمين! والنعاج على هذا التفسير كناية عن النساء، والمعنى: عنده تسع وتسعون امرأة وعندي امرأة واحدة- أو: طلبت امرأة فمنعني عنها وتزوجها مع كثرة نسائه، كما قال أبو علي- (فقال أكفلنيها) قيل: أنزلنى عليها، عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد، يعني: تحول عنها حتى تصير في نصيبي. وقيل: ضمها إلى جنبي أكفلها، عن أبي العالية. وقيل اجعلها كفلي أي نصيبي، عن ابن كيسان ... وروى السدي أنه لما قال هذا قال داود للآخر: ما تقول؟ قال هو كذلك، فقال إذن لقد ظلمك، إلا أنه حذف الاعتراف لدلالة الكلام عليه، فقال: يا داود أنت أحق بهذا! لك تسع وتسعون امرأة، ولأوريا امرأة فرمتها! ونظر داود فلم ير شيئا، فعلم أنهما ملكان.

стр. 249

ثم ذكر الحاكم عدة وجوه قالها «مشايخ العدليين» في مسألة داود مع أوريا وخطبته لخطيبته أو زوجته بعد وفاته، وردّ رواية بل روايات إسرائيلية قال إنها من دسيس الملحدة، ولا تصح على بعض الفساق فضلا عن الأنبياء! ولكنه قال إن ظاهر الآيات يدل على مواقعة ذنب، وأن الروايات تؤيد ذلك، وقال إن الصحيح في ذلك ما ذكره شيخه أبو علي: أن داود خطب على خطبة أوريا بعد أن أظهر أهل المرأة لأوريا رغبتهم فيه وإرادتهم أن يزوجوها منه، فبلغ داود عنها ما رغّبه فيها فخطبها فزوجوها من داود ولم يزوجوها من أوريا، فعاتبه الله على ذلك. ثم قال الحاكم أخيرا: «ولولا النقل المستفيض وإجماع أهل التفسير لكان الأليق بالظاهر ما حكيناه عن أبي مسلم، وهو الظاهر ولا مانع منه، ولأنه يجوز أن يقال للحاكم اقض بيننا بالحق- والصحيح أنهما قالا ذلك لكونهما ملكين كما ذكر المفسرون- وقد يجوز مثله في الحكام، فأما في الأنبياء فلا يجوز لأحد من أمتهم أن يخاطبهم بمثل ذلك». ويكاد هذا الموقف الذي اتخذه الحاكم مما ذهب إليه أكثر السلف أو أجمعوا عليه، لا يختلف عن موقف شيخه القاضي عبد الجبار في ذلك فبعد أن أنكر القاضي اختصاص السلف بمعرفة القرآن، أورد هذا الاعتراض فقال: «أفليس في التفسير يرجع اليهم في هذا الباب؟» ثم أجاب بقوله: «لا يمتنع فيما تأولوه على وجه مما لا يدل الظاهر عليه أن يجعل اجماعهم حجة فيه. وهذا انما يكون فيما لا يعرف بظاهر التنزيل، ويصير كالمذاهب المأخوذة من الإجماع» «١»

стр. 250

٢ - موقفه من الأحاديث والأخبار المرفوعة: الأخبار المرفوعة الى النبي ﷺ في التفسير تعتبر قليلة إلى جانب المأثور عن الصحابة والتابعين، وربما تفاوت المفسرون في الحكم على بعض الروايات المأثورة بأنها موقوفة أو مرفوعة، أو في النص على ذلك في كتبهم، وقد جرت عادة الحاكم في تفسيره على الإشارة الى الأحاديث المروية والأخبار المرفوعة بعبارات متعددة، كقوله: روي عن رسول الله صلى الله عليه، أو قال رسول الله صلّى الله عليه، وكقوله: ذكره فلان في خبر مرفوع. أو روي مرفوعا .. الخ، ونحاول من خلال هذه الروايات أن نقف على مدى اعتماد الحاكم على الحديث في تفسير القرآن واحتفائه به، وعلى قاعدته الأساسية في رفض الخبر أو قبوله. ويمكن تلخيص موقفه من الحديث في النقاط الآتية: أ) أكثر الحاكم من الاستشهاد بالحديث في الشرح، ومن التدليل به على الأحكام التي يقف عليها في الآية أو النص القرآني: قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ. يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) «١» قال الحاكم في شرح معنى الغيبة: «أن تذكر أخاك بما يكره- رواه أبو هريرة مرفوعا- فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فقد بهته».

стр. 251

وقال في شرح معنى قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ): «أي: أكرمكم على الله أتقاكم لا أعظمكم، عن ابن عباس وعطاء، وروى ذلك في خبر مرفوع، وعن النبي صلى الله عليه: من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله». وقال في أحكام هذه الآيات: إنها تدل على قبح الظن بالمؤمنين، ثم قال: «ومتى قيل: ما الذي يجب أن يجتنب من الظنون؟ قلنا: أن يظن المرء بأخيه في الأمر المحتمل لوجه يحسن وجه القبح، بل يجب أن يظن ما يليق بستره وصلاحه. «ومتى قيل: أفي الجميع يجب ذلك، أم فيمن ظاهره الصلاح؟ قلنا في الكل ما دام طالبا لطريق الستر، فإذا أعلن بالفسق فقد خرج من أن يكون له حرمة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه: لا غيبة لفاسق ... ومعنى التجسس قريب من الظن الشرّ فنهوا عن ذلك، وبيّن أن الواجب أن يجري على ظاهر السلامة، والمروي عن النبي ﷺ : (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) وقال في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ ... ) الآية إنها تدل على أمور منها: «أن الفضل بالتقوى لا بالأنساب، وفي الخبر أن مناديا ينادي يوم القيامة إني جعلت لكم نسبا، وجعلتكم لأنفسكم نسبا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليقم المتقون، فلا يقوم إلا من كان كذلك»! ولهذا كان الحاكم كثيرا ما يصرح بترجيح أحد وجوه التفسير

стр. 252

الكثيرة التي ينقلها في الآية منسوبة إلى أهل التفسير، بخبر مرفوع يؤيد أحد هذه الوجوه، قال في تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) «١»: أي اتقى معاصيه وتمسك بطاعته (يجعل له مخرجا) قال الحاكم: «قيل فرجا. وقيل: من يطلّق للسنة يجعل له مخرجا إلى الرجعة، ويرزقه من حيث لا يحتسب، عن عكرمة والشعبي والضحاك. وقيل: هو عام: من يتق الله يلطف له فيوسع في رزقه ويخلصه من محن الدنيا. وقيل: من يتق الله يجعل له مخرجا من عذاب الآخرة وهموم الدنيا، ويرزقه في الجنة من حيث لا يحتسب. وقيل: من يتق الله يجعل له مخرجا من الأمور التي يشتد في الدنيا على العاقل الخروج منها ويشتبه في أمور الديانات، ويكون ذلك بألطافه». ثم قال الحاكم: «والأولى حمله على ثواب الجنة وعذاب الآخرة؛ لأن ذلك جزاء من الله تعالى، دون أرزاق الدنيا لأنها لا تختص بالمتقين وليس بجزاء، يدل عليه ما روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «يجعل له مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت وشدائد يوم القيامة ... » أما شواهد استدلاله بالحديث في «أحكامه» التي يراها في الآيات، فلا تقل عن شواهده في المعنى والشرح، وقد أشرنا إلى بعضها في هذه الفقرة، ونضيف اليها بعض الشواهد الأخرى الموجزة: قال في قوله تعالى: (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) «٢» إنه يدل

стр. 253

أن هاهنا سجدة واجبة، قال: وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه السورة وسجد. ومما تدل عليه سورة التكاثر عنده أن كل إنسان يسأل عن عمله، وان ذلك لطف للمكلف، قال: «وروى عن النبي ﵇: لا تزول قدما العبد حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن عمله ماذا عمل به» قال الحاكم «فإذا تصور العبد ذلك صرفه عن المعاصي» «١». وقال في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) «٢» انها تدل على كراهة النجوى فيما يؤذي مسلما، وقد روي في خبر مرفوع: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. قال الحاكم: فكيف بمن ساءه وتقوّل عليه؟!. ب) اعتمد الحاكم على الحديث في بيان المجملات والأمور الإخبارية وفي تفصيلات الأمور الغيبية . وقد نص هو في تفسيره على أن المجمل في كتاب الله يعرف ببيان الرسول ﵇، ونص في موضع آخر على أن في القرآن مجملا يحتاج إلى بيان، ثم قال: «فإذا بينه الله تعالى في مواضع أخرى وبينه الرسول كفى» «٣» والشواهد والأمثلة هنا كثيرة أيضا، نورد منها ما يلي:

стр. 254

قال في قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) «١» إنهم اختلفوا في المستثنى- بعد أن فسر الصور بأنه قرن ينفخ فيه إسرافيل كما دلّ على ذلك بخبر مرفوع عن السدّي- فقيل: صاحب الصور اسرافيل. وقيل: جبريل وميكائيل واسرافيل وملك الموت، عن السدي في خبر مرفوع. وقيل هم الشهداء مقلدون أسيافهم حول العرش، روي مرفوعا. وفي قصة سليمان في تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ) «٢» لم يلتفت الحاكم الى روايات كثيرة وصفها بأنها فاسدة، وبأن فيها ما لا يجوز على أنبياء الله، وبأن فيها ما لا يجوز على الله، بل إن فيها ما يقرب من الكفر! وبعد أن أوجز القول في هذه الروايات الفاسدة حكم بتنزيه سليمان ﵇ بخبر مرفوع إلى النبي ﷺ في تفسير الآية، قال الحاكم: «فأما ما يقوله علماؤنا وعلماء التفسير فرووا عن النبي ﷺ أن سليمان قال: أطوف الليلة على مائة امرأة فتلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فطاف فلم تلد إلا واحدة ولدت نصف غلام فجاءت به القابلة فألقته على كرسيه بين يديه، ولو قال إن شاء الله لكان كما قال» والجسد هو نصف الولد، أو الولد المشوّه الميت كما في رواية أخرى. وفسر الروح في قوله تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها) «٣» - في

стр. 255

سورة القدر- بأنه جبريل، قال: «وعليه أكثر المفسرين، وذكر مرفوعا، وهو قول أبي علي» وفي كلامه على شرف ليلة القدر- التي هي خير من ألف شهر- ووقتها، أورد طائفة كبيرة من الأحاديث، ورجح ما صرّحت به، وهو قول جمهور المفسرين، قال في حديثه عن وقت هذه الليلة: «قيل: كانت على عهد رسول الله ﷺ ثم رفعت» لأن الفضل كان لنزول القرآن فيها وقد انقطع. وقيل بل هو ثابت بعده، وهو قول جمهور العلماء، ثم اختلفوا على قولين- وروي عن أبي الدرداء قلت: يا رسول الله ليلة القدر تكون على عهد الأنبياء؟ قال لا، بل هي إلى يوم القيامة- وقال بعضهم هي في السنة كلها، عن ابن مسعود، وروي نحوه عن أبي حنيفة. وقيل بل هي في شهر رمضان، وعليه الأكثر والمروي عن النبي ﷺ ، وهو قول ابن عمر والحسن وجماعة من العلماء، ثم اختلف هؤلاء أي ليلة هي على ثلاثة أقوال، فقيل أول ليلة، عن أبي رزين، وقيل ليلة سبعة عشر وهي التي صبحتها كانت وقعة بدر، عن الحسن. وقيل هي في العشر الأواخر من شهر رمضان، وعليه الاكثر، والمروي عن النبي ﷺ التمسوها في العشر الأواخر .. ». ثم أورد بضعة أحاديث في تحديد بعض أيام هذا العشر، ذهب إلى القول به بعض العلماء، فقال: روى بلال عن النبي صلى الله عليه أنها ليلة أربع وعشرين، وروي عن أنس عن النبي أنه قال: التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة، وعن ابن عمر عن النبي ﷺ : من كان متحريا فليتحرّها في ليلة سبع وعشرين. وروى أبيّ عن النبي ﷺ أنه قال ليلة القدر ليلة سبع وعشرين. قال الحاكم: «ولعله أخفى ذلك في العشر الأواخر ولم

стр. 256

يطلع عليها أحدا بعينها ليتعبد الناس في جميعها ليستدركوا فضلها ... وربما أخفاها لنوع من المصلحة كما أخفى الصلاة الوسطى بين الصلوات، واسمه الأعظم في الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، وقيام الساعة؛ حكمة منه ورحمة .. ». والدخان في قوله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ) «١» معروف المعنى، ولكن ترجيح كونه من علامات الساعة إنما يكون بالخبر، وقد قال بعض المفسرين في الآية: إن الدخان هو الظلمة التي كانت تغشى المشركين لشدة الجوع حين دعا عليهم النبي وقال: اللهم سنين كسنيّ يوسف! ذكر ذلك عن ابن مسعود والضحاك، وقال ابن عباس وابن عمر والحسن وزيد بن علي: إنه الدخان المعروف، وهو من أشراط الساعة يدخل في مسامع الكفار والمنافقين. قال الحاكم: «والوجه أن يكون يوم القيامة أو يكون من علامات الساعة لقوله صلى الله عليه وآله: (أول الآيات الدخان ونزول عيسى) ولأنه تعالى أخبر أن دخانا يأتيهم وهو عذاب، وفي سنين القحط ما كان هناك دخان في الحقيقة ولا غشيهم، وإنما كان يتراءى لهم الغبار دخانا لشدة الجوع. وبدل عليه قوله تعالى: (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) «٢» واليقين يحصل يوم القيامة لا في الدنيا». ج) وأخطر مواقف الحاكم من الحديث يتجلّى في تفريقه بين الآحاد والمتواتر فيما يتصل بموضوعات العدل والتوحيد، فما كان في هذا الباب

стр. 257

متواترا قبله، وما كان آحادا رفضه أو أوّله ليطابق ظاهر الآية أو دليل العقل. ويذكرنا تشدد الحاكم هنا بحدته في الرد على المجبرة والمشبهة؛ قال في قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) «١» إنها تدل- فيما تدل عليه- على أنه لا يجوز قبول كل رواية، بل يجب التمييز بين الحق والباطل، فتدل من هذا الوجه على أنه لا يجوز قبول أخبار الآحاد التي يرويها المبتدعة والمشبّهة لرئاسة أو جرّ نفع». وقال في قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) «٢» إن الآيات تدل على أحكام عقلية وشرعية، أما العقليات فتدل على أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا ينتفع أحد بعمل غيره. قال: فيبطل قول المجبرة في مسائل: أولها قولهم إن أطفال المشركين يعذبون بذنوب آبائهم ... وعد بعد ذلك ست مسائل تبطلها هذه الآية، ثم قال: «ومتى قيل: أليس روي عن ابن عباس أن الآية منسوخة، وأن الأبناء يدخلون الجنة بصلاح آبائهم؟ وعن عكرمة أن ذلك في ملة إبراهيم وموسى، وأما في ملتنا فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، أو ليس النبي ﵇ أمر الخثعمية أن تحج عن أبيها، وحديث سعد قال: هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال نعم!

стр. 258

«قلنا: ظاهر القرآن لا يترك لخبر واحد لا تعلم صحته، خصوصا إذا دل العقل على ما دل عليه القرآن، وذلك أن الثواب نعم مع التعظيم، والتعظيم لا يجوز إلا للاستحقاق، والاستحقاق بفعله، والعقاب آلام تقبح إذا فعل به لفعل غيره، وكما لا يقطع أحد إلا السارق ولا يجلد إلا الزاني، كذلك لا يعاقب إلا من أذنب!». وقال في قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ) «١» بعد أن أورد في معنى الزنيم آراء كثيرة: «فأما الزنيم فالأكثر على أنه الدعىّ، ولا شبهة أنه وان كان عيبا فيه فلا عقوبة له بذلك. ثم قال: «ومتى قيل: أليس روى في الخبر: لا يدخل الجنة ولد زنا ولا ولد ولده، وروي: لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا. وروي أنه قال في ولد الزنا: هو شر البلية؟ قلنا: هذه أخبار آحاد لا يعترض بها على ما ثبت بالعقل والقرآن، وقد ثبت أن الأخذ بذنب الغير يقبح، وقد قال تعالى: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) فهذا نص. وإن ثبت الخبر الأول فمحمول على ولد بعينه، وكذلك الثالث، فأما الثاني فمعناه أن ولد الزنا يكثر لكثرة الفساد»! وذكر الحاكم أن عبد الله بن عمر روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لما نزل قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) «٢»: «إذا لا أرضى وواحد من أمتى في النار» قال الحاكم: وهذا من أخبار الآحاد، وقد

стр. 259

قال تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) وقال: (ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ). ومن شواهد الحاكم البارزة في باب التوحيد- وهي شواهد ليست بالقليلة- هذان الشاهدان: قال في قوله تعالى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) «١» إن في قوله «هل امتلأت» ثلاثة تفاسير: قيل: خطاب لأصحاب النار فإنه أخبرهم بأنه يملؤها بقوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) بحيث لا مزيد، فيقول يومئذ (هل امتلأت) ليقرّوا بصدق رسوله، وقيل: بل خطاب لخزنة جهنم بأنها هل امتلأت، فيقولون بلى لم يبق موضع لمزيد ليعلم الخلق صدق وعده- وهو قول الحسن- وقيل بل هو إخبار عن امتلاء جهنم بحيث لا مزيد عليه لا أن هناك خطابا. أما قوله تعالى: (وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) فقد أورد فيه الحاكم أيضا بضعة تفاسير، منها أن معناه: لا مزيد، قال الحاكم: «وهو قول أكثر المفسرين، وقول أبي علي، وهو الوجه لقوله تعالى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) ثم قال: «فأما ما ترويه الحشويّة والمشبّهة أنه لا تمتلئ حتى يضع الجبار قدمه فيها فتقول قط قط! - ويروى رجله- فلا يصح من وجوه: منها أن فيه إثبات عضو لله تعالى. ومنها أنه تعالى وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس لا من رجله!! ومنها أنه يوجب كون رجله في النار أبدا» ثم قال: «وقد تأوله بعضهم وقال: المراد قدمه يعني: من قدّمه الله تعالى

стр. 260

إلى النار، قال، والمراد برجله جماعة من الناس. وفيه نوع تعسف!». «١» وقال في قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) «٢» إن المراد بالزيادة ما كان من جنس الحسنى المتقدمة، وهو النعيم لأن إطلاق هذه الكلمة بعد تقدم ذكر بعض الأمور يقتضي أن الزيادة من ذلك الباب بالتعارف، قال: «وأما من حمل الزيادة على الرؤية فقد اخطأ لوجوه: منها: أن حجج العقل والسمع دلت على أنه تعالى لا يجوز عليه الرؤية. ومنها: أنه ليس في الآية من ذكر الرؤية شيء. ومنها: أنه لو كان المراد بالزيادة الرؤية لكانت هي الأصل لا الزيادة! وما يروونه من أحاديث الرؤية من أخبار الآحاد فلا يصح قبول ذلك فيما طريقه العلم، وخبر تفسير الزيادة بالرؤية لا يثبت عند الرواة، وقد روي عن علي ﵇ في تفسير الزيادة انها تضعيف الحسنات» «٣». وهكذا يمضي الحاكم في سائر السور والآيات في موقفه من أحاديث الرؤية، وسائر الأحاديث التي تخل بمبدإ العدل والتوحيد، سواء سلكها المحدّثون في الأحاديث الصحاح أم الحسان أم غير ذلك، لأن جميع

стр. 261

أخبار الآحاد عنده لا توجب العلم ولا يقضى بها على ما ثبت بالقرآن والعقل. د) خبر الواحد وأسباب النزول: وقد اتخذ الحاكم هذا الموقف من خبر الواحد في «أسباب النزول» فلم يقبل منها ما يخالف أصلا من أصول العدل والتوحيد. وقد سبقت الإشارة في الأمثلة السابقة إلى بعض أسباب النزول، إلا أننا نقف هنا على بعض المسائل الهامة التي آثارها الحاكم في تفسيره، والتي لا يخلو نظره فيها من الفائدة والاعتبار: حول سحر الرسول: قيل في سبب نزول المعوذتين إن لبيد بن أعصم اليهودي سحر رسول الله ﷺ حتى مرض فجاءه ملك وهو بين النائم واليقظان فأخبره بذلك وأنه في بئر، وبعث عليا والزبير وعمارا فنزحوا ماء البئر فوجدوا صخرة فرفعوها وأخرجوا منها شيئا عقدوا عليها وغرزوا بالإبرة- فأنزل الله تعالى السورتين- فقرئ عليه فوجد خفة كأنما نشط من عقال، وجعل جبريل يعوده. قال الحاكم: ورووا ذلك عن عائشة وابن عباس. ورووا أن بنات لبيد بن أعصم سحرنه ... وقد عقب الحاكم على هذه الروايات بقوله: «ونحن لا ننكر أن يكونوا سحروه وعقدوا له تلك العقد واعتقدوا أنهم يؤثرون فيه كما يعتقده كثير من جهال الناس الآن!! ولكن الذي ننكره أن يكون المرض منهم ومن تأثيرهم، ولو قدروا على ذلك لقتلوه وقتلوا كثيرا من المؤمنين لشدة عداوتهم لهم، ولأن القادر بقدرة لا يصح أن يفعل إلا بمماسة ولم توجد! ولأن المرض على ما يصفونه ليس بمقدور للبشر.» قال الحاكم: «ويجوز أنهم فعلوا ذلك على حسب اعتقادهم، وأخبر به رسول

стр. 262

الله ﷺ فأمر من يخرجه فكانت معجزا له، وقد قال تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ): (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى)، فكيف تنفذ حيلهم مع هذا؟» «١» وهذا آخر ما انتهى إليه رأي الحاكم في مسألة سحر النبي ﷺ ، أو في رواية لبيد هذه. وقد عرض للموضوع عند كلامه على السحر في قصة هاروت وماروت، فقال: وما روي أن النبي سحر حتى كان لا يدري ما يقول فغلط عظيم! ... وهذا القول يشبه قول الكفار حيث قالوا: (إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) ونعوذ بالله من الخذلان. وقال أيضا: «ورووا أكثر من هذا، قالوا: سحر النبي فمرض، وقال: إني ليخيل إلي أني أقول الشيء وأفعله ولم أقل ولم أفعله! وهذا كله أباطيل وترهات لا يجوز على الله ولا على رسوله لأنه يبطل المعجزات .. » «٢». إيمان أبي طالب: قال الحاكم في قوله تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) «٣»: قيل نزلت في أبي طالب، وذلك أن رسول الله صلى لله عليه أحب إسلامه وإسلام أهل بيته، وكان يغمه كفرهم، ففي ذلك نزلت الآية. وروي عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد أنه كان يحب إسلام أبي طالب فنزلت هذه الآية، وكان يكره إسلام وحشي قاتل حمزة فنزلت هذه: (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)

стр. 263

وذكروا أن أبا طالب لم يسلم وأسلم وحشي، قال الحاكم: «وهذه رواية غير صحيحة لأن رسول الله ﷺ كان يحب إيمانه، والله تعالى كان يحب إيمانه، لأن رسول الله لا يخالف في إرادة الله كما لا يخالف في أوامر الله، وكان لأبي طالب عند النبي ﷺ أيادي مشكورة عند الله تعالى، وقد روي أنه أسلم، وفي إسلامه إجماع أهل البيت ﵈، وهم أعلم بأحواله، ومن حديث الاستسقاء أنه ﷺ قال: «لله درّ أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه) ولا يجوز لكافر: لله دره! وكيف تقر عينا كافر بمعجز رسول الله صلى الله عليه وآله؟. وقد روى أن النبي دعاه فأسلم. وما يروون أن عليا قال: إن عمك الضال قد مات، وقال النبي: فواره! فإنه لا يليق بكلام النبي فيه، ولا بكلام علي في أبيه! فهو من روايات النواصب.» قال الحاكم: «فالقوم يقولون إنه لم يرد إيمان أبي طالب وأراد كفره، والنبي ﵇ أراد إيمانه- وهذا مخالفة بين الرسول والمرسل- فنزلت الآية، فعلى روايتهم واعتقادهم الفاسد كأنه تعالى يقول: إنه يحيل إيمانه ... مع محبته لك وعظم نعمته عليك، وتكره إيمان وحشي لقتله عمك حمزة، ولكن خلقت فيه الإيمان! وهذا نوع مغالطة واستخفاف لا يليق بالرسول» فإذا بطل أن يكون هذا سببا لنزول هذه الآية فالصحيح أنها نزلت في جميع المكلفين، «كأنه ﷺ كان يحب هدايتهم جميعا، وكان حريصا على إيمانهم، ويغمه كفرهم، فنزلت الآية». حول تأخر نزول الوحي: ذكر الحاكم في سبب نزول سورة الضحى عدة روايات جوّز بعضها ومنع بعضها الآخر، قال ابن عباس

стр. 264

وقتادة والضحاك وجماعة من المفسرين: إن الوحي تأخر عن رسول الله ﷺ مدة فاغتم لذلك وقال قوم من المشركين إن رب محمد قد قلاه، فأنزل الله تعالى هذه السورة. وذكر الأصم أن المشركين تجمعوا عليه عند تأخر الوحي وهو في الكعبة فتناولوه فأكب أبو بكر عليه وقال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ .. ) فأنزل الله تعالى هذه السورة، قال الحاكم في التعقيب على هاتين الروايتين: «وهذا وإن كان من أخبار الآحاد فلا مانع منه لأن الوحي إنما ينزل للمصلحة فقد تكون المصلحة في تأخيره». وذكر بعد ذلك روايتين أخريين كذبهما ونسبهما إلى المشركين والملاحدة، قال: «وروى أنه لما تأخر الوحي شكا إلى خديجة وقال: ودّعني ربي وقلاني، فنزلت السورة» قال: «وهذا لا يصح لأنه ﷺ أعلم بالله وبنفسه من أن يظن هذا الظن، لأنه خصه بالنبوة فلا يجوز أن يودعه ويقليه، ولأنه يعلم أن الوحي قد يتقدم ويتأخر» قال الحاكم: «وما روي أيضا أنه قال لخديجة: خشيت أن أكون كاهنا! فهذا من دسيس الملحدة حيث رووا أنه كان في شك من أمره ليشككوا الناس، فلا ينبغي أن يقبل ذلك». أما سبب تأخير الوحي فقد ذكر فيه الحاكم أيضا عدة روايات، ثم عقب عليها، قال: «واختلفوا في سبب تأخير الوحي، فقيل: لتركه الاستثناء لما سئل عن حديث أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فقال: سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله- وهذا هو معنى الاستثناء- عن جماعة. وقيل: قال ليلة المعراج: سخّرت الحديد لداود، والنار لإبراهيم، فأنزل الله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى .. ) إلى آخر السورة. وروى عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:

стр. 265

سألت ربي منزلة وددت أني لم أكن سألته! قلت يا رب آتيت سليمان ملكا عظيما، وفلانا كذا، وفلانا كذا، فأنزل الله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى) فقلت بلى يا رب، فقال (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) فقلت: بلى يا رب. فقال: (وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) فقلت بلى يا رب. وبعد أن ذكر الحاكم اختلافهم في مدة التأخير، وأنها وصلت إلى أربعين يوما في بعض الروايات، قال: «والصحيح إن ثبت التأخير، أن يقال: إنه تأخر للمصلحة، فأما ترك الاستثناء وإن كان تأديبا من الله وتعليما لعباده؛ فلا يجوز أن تتأخر مصالح العباد لتركه الاستثناء. وأما ما ذكروه من سؤاله ليلة المعراج وبعده فغير صحيح، لأنه صلّى الله عليه وسلم لا يسأل إلا باذن، وإذا سأل باذن لا بد أن يجاب، لأنه لو سأل بغير إذن وهو لا يعرف المصالح فلعل ما سأل يكون مفسدة، فإذا لم يفعل يكون فيه نقرة! وهذا لا يجوز». القاعدة الثالثة: رفض «التفسير الباطني» وأن الإمام طريق معرفة القرآن . وهذه القاعدة أيضا تتفرع على قاعدته الأساسية أن القرآن مأخذ تفسيره من اللغة، والرد على من زعم غير ذلك، ومنهم الباطنية الذين زعموا أن للقرآن ظاهرا وباطنا، وأن معرفة الباطن إلى الإمام. ومن هنا جاء رد الحاكم في تفسيره- في بعض المواطن- لمزاعم الباطنية وأباطيلهم في «التنزيل» و «التأويل» والظاهر والباطن، وإنكاره أن يكون الإمام طريق معرفة القرآن. وقد اعتمد الحاكم في ذلك على ما ذكرناه عند

стр. 266

الكلام على قاعدته الأساسية من أن الكلام إنما يدل بالمواضعة، وأن المتكلم إذا كان حكيما فلا بد- متى تجرّد الكلام- من أن يريد ما يقتضيه ظاهره، وإلا كان ملبّسا ومعميا أو فاعلا للقبيح! وقد بينا أن هذه الطريقة تقتضي في جميع الكلام أن يدل على حد واحد، وأن الأصل في التفسير أن يجري على ظاهر اللغة، وأن يستوي في معرفة القرآن جميع الذين يعرفون طريقة اللغة، فيبطل قول من قال إن له ظاهرا وباطنا، أو أن يختص بتفسيره بعضهم، سواء أكان إماما أو حجة، أم لم يكن كذلك! قال الحاكم: «معاني القرآن ما يدل عليه لفظه إن كان مبيّنا، وبيانه إن كان مجملا. وقالت الباطنية له تأويل باطن غير الظاهر، لنا: أن الكلام يدل على المراد بالمواضعة، فإن أراد ما وضع له فهو ظاهر، ويستحيل أن يقال: يدل على ما لم يوضع له!! لأنه لو أراد غير ما يقتضيه ظاهره لكان ملغزا ومعمّيا، ولأنه إذا قالوا له باطن، فليس باطنهم أولى من باطن غيرهم، فيتسع الخرق!!» «١» ١ - والنقطة الهامة التي ينطلق منها الحاكم في الرد على مزاعم الباطنية في التفسير، هي سؤالهم عن هذا الباطن الذي هو الواجب عندهم: هل يدل الظاهر عليه أو لا يدل؟ فإن قالوا: لا يدل عليه، جعلوا القرآن عبثا!! وإن قالوا يدل، قيل لهم: فهل يمكن لأهل اللغة أن يعرفوا هذه الدلالة أم لا؟ فإن قالوا يمكن ذلك، جعلوا الباطن ظاهرا،- لأن كل أهل اللغة يمكنهم معرفته- وإن قالوا لا يمكن ذلك، نقضوا قولهم

стр. 267

إن الظاهر يدل عليه! لأنه إذا دل عليه فلا بد لأهل اللغة معرفته. فإن زعموا أنه لا يمكنهم مع المعرفة باللغة وبحكمة الحكيم أن يستدلوا بذلك، فقد ناقضوا. «١» ٢ - والنقطة الثانية في رد الحاكم عليهم هي في الإمام أو الحجة الذي جعلوا إليه علم الباطن، أو علم التأويل!!، يقول الحاكم- متابعا القاضي عبد الجبار- إن طريق الإمام إلى معرفة الباطن لا تكون إلا بواحد من هذه الأمور: آ- أن يعرفه بالظاهر. ب- أو من قبل الرسول ج- أو بوحي وإلهام. فإن قالوا يعلمه بظاهر الكتاب فلا طريق يصح أن يعرف به ذلك إلا ويصح من العلماء معرفته، ولا بد! وإن قالوا يعرفه من قبل الرسول، وقد ثبت أن الرسول يبلغ الجميع؛ فيجب أن تمكن الجميع معرفته، ومتى خصوا الحجة أو الإمام بذلك، فكأنهم أخرجوا الرسول من أن يكون مبعوثا ومبينا لسائر الناس، وقد علم ضرورة بطلان ذلك! وإن قالوا يعرفه بالإلهام والوحي فقد جعلوه رسولا، وأوجبوا أنه أعظم حالا من محمد ﷺ ! لأنه عرف الباطن دونه، ولأنه- أي الباطن- هو المعتمد في الدين دون الظاهر! ومن وجه آخر، فإن قول الإمام في التفسير كلام! - كما يقول الحاكم- «فإن صح أن يعرف مراده بكلامه، فكلام الله أولى!» ثم ماذا تكون الحال في أيام غيبة الإمام؟ «٢»

стр. 268

٣ - وتلح طريقة اللغة على الحاكم في نقطة ثالثة ناقش فيها الباطنية طويلا، وهي أن القرآن- الذي ثبت أنه بلغة العرب- إن أريد به الباطن الذي لا يعقل منه، فما الفرق بين أن يكون عربيا وبين أن يكون بلغة الزنج؟ ولم صار بأن يدل على شيء أولى من أن يدل على غيره، ما دامت المواضعة لا تشهد لباطن دون باطن؟ وبم ينفصل الباطنية ممن جعل باطنهم «ظاهرا» لباطن آخر! فما معنى أن يكون القرآن- إذن- (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) وأن يقول تعالى فيه: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ)؟ قال الحاكم في قوله تعالى: (طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) «١» «ان الآية تدل على أن القرآن بنفسه بيان خلاف ما تقوله الحشوية والإمامية». وقال في قوله تعالى: (وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) «٢» انها تدل على أنه «يجب أن يكون البيان ظاهرا، فيبطل قول الرافضة والباطنية انه يختص بالتأويل بعضهم». قال الحاكم: «وبعد، فان غرض هؤلاء الباطنية إبطال النبوات وهدم الإسلام، إلا أنهم جعلوا هذه المسائل سببا الى ذلك وشبهة للعوام» قال القاضي ﵀: «ولو أنهم بنوا الأمر على طريقة النظر لما أقدموا على هذا القول مع وضوح فساده، ولكنهم توصلوا بذلك الى الاحتيال على الناس فقالوا ان القرآن له ظاهر وباطن، وتنزيل وتأويل، وان

стр. 269

الأثر قد ورد بأن تنزيله مفوض الى النبي ﷺ ، وتأويله الى علي ﵁، ثم الى سائر الحجج، وأنه لا بد من معرفتهم ليصح أن يعرف مراد الله تعالى، فجعلوا ذلك طريقا الى القدح في الإسلام والدين لأنه مبني على القرآن والسنة، وجعلوهما ظاهرين، وجعلوا المرجع إلى الباطن الذي لا يعلم إلا من جهة الحجة ... فسدّوا باب معرفة الإسلام، وطعنوا فيه أعظم ما يمكن، عظمت مضرتهم لأنهم يتسترون بالإسلام ويظهرون الانقياد له، فاذا أوردوا على الضعفاء هذه الطريقة كان الضرر بقولهم أعظم من الضرر بالملحدة وسائر أعداء الدين، الذين ظاهر أحوالهم ينفّر عن قولهم». «١» القاعدة الرابعة: إثبات المجاز في القرآن، ومنع الحمل عليه إلا إذا تعذرت الحقيقة وأخيرا فان من أهم ما يتفرع على الأصل اللغوي في التفسير عند الحاكم، إثباته المجاز والتوسع في القرآن، قال في قوله تعالى: (بِيَدِهِ الْمُلْكُ) «٢» إنه «يدل على أن اليد تذكر ولا يراد بها الجارحة. ويدل على أن في القرآن توسعا ومجازا». وقال في قوله تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ) «٣» إنه- كذلك- يدل على إثبات المجاز في القرآن، لأن القرية لا تكون ظالمة ولا مقصومة، والمراد أهلها. قال «وهذا هو المجاز لأنه على ضروب، إما أن يقيد بزيادة أو بنقصان أو بشبيه»

стр. 270

وقد أثبت الحاكم أولا أن في اللغة مجازا، ثم أثبت وجوده في القرآن «خلاف ما يقوله أهل الظاهر» «١»، قال: إن أهل اللغة نصوا على أن الكلام على ضربين، منه ما قد استعمل فيما وضع له، ومنه ما استعمل في غير ما وضع له، وأنهم سموا الأول: حقيقة لا مجاز لها، ولا يجوز أن يكون مجاز لا حقيقة له. ثم إن استعمال المجاز إنما يكون بنقل أو زيادة أو نقصان. أما أهم الوجوه التي تفصل بين الحقيقة والمجاز، كما قدمها الحاكم بين يدي حديثه عن المجاز في القرآن، فهي: ١) نص أهل اللغة أن هذه اللفظة حقيقة في شيء، مجاز في آخر، فكما أنا نعرف بنقلهم اللغة، كذلك الحقيقة والمجاز «٢» ٢) الاطراد، وهو أن يطرد اللفظ في معنى ولا يطرد في معنى آخر، إلا أن يكون هناك مانع، فبذلك يعلم أن اطرادها لكونها حقيقة، واذا لم يطرد من غير مانع علمنا أنه مجاز إذ لو كان حقيقة لاطرّد، فالأول كالدار والرأس والفرس ونحوه، والثاني كالحمار للبليد، والأسد للشجاع، وكقوله: (واسأل القرية)، ويدل عليه أنه يصح نفيه مع بقاء اللغة، بخلاف الحقيقة، فتقول: هذا رجل وليس بحمار! ٣) أن يكون للفظ اشتقاق وتصرّف، ثم يحصل ذلك في أحد المعنيين دون الآخر، فيحكم بأنه في الأول حقيقة، وفي الثاني مجاز،

стр. 271

لأن تصرفه يدل على تمكنه من ذلك المعنى، قال الحاكم: «وهذا نحو ما قاله مشايخنا أن الأمر حقيقة في القول، مجاز في الفعل، لأن لهذا اللفظ تصرفا، ثم تصرفه اختص بالقول، حتى قالوا: أمر يأمر أمرا فهو آمر، وذلك مأمور، وأمر يؤمر، فتصرف فيه دون الفعل. ولا يقال: فمن الحقائق ما لا تصرف له أصلا، كالرائحة ونحوها، لأنا لم نقل: كل ما لا تصرف له فهو مجاز، بل قلنا: إذا كان للفظ تصرف ثم وجد ذلك التصرف في موضع ومعنى، ولم يوجد في موضع آخر، علم أنه حقيقة في الأول، مجاز في الثاني، فأما عدم التصرف فقد تكون ألفاظ لا تصرف لها وإن كانت حقيقة» «١». ٤) أن يعلم أن معنى اللفظ لا يصح فيما علق به فيعلم أنه مجاز، وذلك نحو قوله: (جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) و (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) لأن الإرادة والسؤال لا تصح على الجماد، فعلمنا أن استعماله فيه مجاز. أ) أما إثبات المجاز في القرآن، فدليله عند الحاكم «أنه تعالى خاطب بلغة العرب فجاز أن يخاطب بضروب كلامهم، يبين ذلك أنه خاطب بالعموم والخصوص، والمجمل والمبيّن، ثم من كلامهم الحقيقة والمجاز فجاز أن يخاطبهم بكل واحد منهما .. ولأنه تعالى قال: (جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) والإرادة لا يصح تعلقها بالجدار، ولأنه تعالى قال: (يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) وكل ذلك اتساع في الكلام».

стр. 272

ولا يصح الالتفات إلى ما احتج به أهل الظاهر من أن استعمال المجاز إنما يكون للحاجة، أو يوقع في اللبس، لأن المجاز باب من أبواب البلاغة والتصرف في الكلام «وكل ما كان للاتساع أكثر كان أفصح وأحسن، وربما يكون أبلغ في المعنى»، ولأن اللّبس المزعوم يزول بالقرائن المتصلة به الدالة على المراد. كما لا يصح أيضا الالتفات إلى قولهم إن القرآن كله حق فوجب أن يكون كله حقيقة! وإنه لا يحسن العدول عن الحقيقة مع القدرة عليها، وذلك لأن استعمال المجاز حق وصدق وإن كان استعمالا للكلام في غير ما وضع له في الأصل، وقد استعمله على ذلك أهل اللغة، ولا يمتنع أن يكون حقا ودلالة مع كونه مجازا! يدل عليه ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: يا أنجشة رفقا بالقوارير، قال الحاكم: فهذا من أفصح الكلام وأدلّه على المراد، وهو حق وإن لم يكن حقيقة! كما أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يحسن إذا كان فيه غرض صحيح من اختصار، أو رشاقة لفظ وعذوبة، أو مبالغة في الوصف ونحوها، قال الحاكم: «وإنما لا يوصف تعالى بأنه «متجوز» - من المجاز- لما فيه من إيهام الخطا، كما لا يسمى معلّما، ولا يسمى بأسماء كثيرة للإيهام، وإن كان صحيحا». «١» ب) والواجب عند الحاكم- في الوقوف على معاني الكلام- أن يحمل الكلام على ظاهره وحقيقته في أصل اللغة، إلا إذا قامت الدلالة على نقله

стр. 273

عن الحقيقة إلى المجاز، ويجب في هذه الحالة أن تكون الدلالة ظاهرة غير خفية لأن الكلام لا يحتمل الحذف والزيادة والنقل لدلالة غامضة، كما سنفصل ذلك عند الكلام على التأويل في الفصل التالي. ونكتفي هنا بذكر عدد من الأمثلة والشواهد التي توضح مدى حرص الحاكم على الحقيقة والظاهر، وأنه كان لا يرى معنى للعدول عنهما إلى المجاز «١» - وهنا قد يخالف كثيرا من مفسري المعتزلة قبله- إلا في نطاق محدود سنتولى الحديث عنه والإفاضة في شواهده في مبحث التأويل. قال في قوله تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا

стр. 274

آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) «١» قيل: تنظرون أي ترونه وتعاينونه، عن أكثر المفسرين. وقيل: ليس هو الرؤية، وإنما هو كقولك: ضربت وأهلك ينظرون فما أتوك، عن الفراء. قال الحاكم: «وليس بالوجه لأنهم عاينوا فرق البحر والتطام الماء، وغرق آل فرعون، وإذا صح حمله على ظاهره فلا معنى للعدول عنه .. ». وقال في قوله تعالى: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) «٢» إن الآية تدل أن أبا إبراهيم، وهو آزر، كان كافرا، قال الحاكم: «ولا مانع منه فلا يصلح العدول عنه إلى أنه كان عمه، وقد نطق القرآن بذكر الأب في مواضع، ولا يحمل على المجاز إلا بدليل». وقال في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ... ) «٣» إن الكلام على الملائكة، قيل هم صنفان: صنف حملة العرش، وصنف يطوفون به ... وقيل: أراد بحملة العرش: الذين يعبدون الله حوله، كما يقال: حملة القرآن، لمن تعبّد الله به، لا أنه حمله على الحقيقة قال الحاكم: «والأول الوجه لأنه الحقيقة، ويجوز أن يكونوا متعبّدين بحمله وبالتسبيح ... ». وأورد في تفسير قوله تعالى: (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) «٤» هذه الأقوال:

стр. 275

قيل طهرها للصلاة، عن أبي علي. وقيل: طهرها من لبسها على معصية أو عذرة، يعنى طهر الأعمال، عن ابن عباس، وأنشد: فإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من عذرة أتقنع والعرب تقول لمن صدق ووفّى: طاهر الثياب، ولمن غدر ومكر: دنس الثياب، وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على غدر ولا ظلم ولا على إثم، ولكن البسها وأنت طاهر. وقيل: ثيابك فطهر من الذنوب، عن ابن عباس وإبراهيم وقتادة والضحاك والشعبي والزهري. وقيل: أراد طهر نفسك عن المعاصي، فكنى عن النفس بالثياب لأنها تشتمل عليه، وقيل «عملك فأصلح، عن مجاهد والضحاك. وقيل: قلبك فطهر. وقيل: خلقك فحسّن، عن الحسن ومحمد بن كعب .... قال الحاكم: «وكل ذلك خلاف الظاهر، والظاهر ما ذهب اليه شيخنا أبو علي» وقال في الأحكام: إن الآية تدل على وجوب تطهير الثياب عند الصلاة «وإذا أمكن حمله على حقيقته فلا معنى للعدول عنه إلا بتوسع أو تعسف!». وذكر في تفسير قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً، كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) «١» - في مسألة تبديل الجلود- أربعة أقوال: الأول: أنه يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت- على ظاهر التلاوة- عن قتادة وجماعة من المفسرين، قال الحاكم: «وهو الوجه» ودافع عن هذا التفسير بقوله: «ولا يقال

стр. 276

إن الجلد المجدّد لم يذنب فكيف يعذب؟ لأن المعذب هو الحيّ فلا اعتبار بالأطراف والجلود!». الثاني: أنها تجدّد بأن يزيل ما بها من الاحتراق ويعيدها إلى ما كان، وقد يقال مثله: غيّر وبدّل، عن الحسن وأبي علي وأبي مسلم، قال القاضي: وهذا أقرب الوجوه، وقوّى أبو علي ذلك بأنه لو أعاد جلدا آخر لعظم جسم المعاقب على مرور الأوقات! قال الحاكم: «وهذا لا يلزم لجواز أن يزيد شيئا وينقص مثله، فلا يؤدى إلى ما قال». الثالث: أن الجلود تبدل من لحم الكافر، فيخرج من لحمه جلد آخر، عن السدي. الرابع: أن التبديل إنما هو للسراويل، وسميت بذلك للزومها جلودهم على المجاورة! قال الحاكم: «وهذا ترك للظاهر من غير دليل». ونختم هذا الفصل بموقف آخر للحاكم من مسألة تمسكه بعدم العدول عن الظاهر، ردّ فيه على أبي مسلم أيضا، وعلى الأصم وأبي القاسم من مفسري المعتزلة، قال تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) «١» أي قربت القيامة بخروج خاتم الأنبياء وآخر الأمم، قال الحاكم: «وهذا هو الوجه وعليه جماعة المفسرين» وقيل: اقتربت ساعتهم يوم بدر فإنهم يهلكون بالسيف! (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) قيل: انشق القمر بمكة فلقتين فلقة فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبال، فقال صلى الله عليه: اللهم فاشهد! وقال أيضا: اشهدوا، عن ابن مسعود، قال الحاكم: «وروى انشقاق القمر ابن مسعود وابن عمر وأنس وحذيفة وابن عباس، وجبير بن مطعم،

стр. 277

ومجاهد، وإبراهيم. وهو قول أبي علي وجماعة». وقيل: إنه ماض بمعنى المستقبل أي سينشق عند قرب الساعة، قالوا: ولو انشق لرآه كل أحد ولاشتهر، عن الحسن وعطاء والأصم وأبي القاسم. قال الحاكم: «وهذا لا يصح لأنه خلاف الظاهر، ولأنه اشتهرت الرواية فيه». قال: «ومتى قيل: فهلا رآه أهل البلدان؟ قلنا: القمر قد يستره الغيم ويرى في موضع دون موضع، ولأنه كان بالليل وقت نوم وغفلة فلم يشتهر ولم يره كل أحد، ولأنه لم يلبث وقت الانشقاق، بل كانت ساعة؛ لذلك لم يشتهر، على أنه كان مشهورا بينهم لأنه صلى الله عليه كان يقرا عليهم هذه السورة ولا ينكره منكر ولا يكذبه أحد مع كثرة الأعداء وحرصهم على تكذيبه!». وقال أبو مسلم في قوله تعالى: (انْشَقَّ الْقَمَرُ) أي اتضح الأمر، قال: وهكذا عادة العرب إذا وصفوا الأمر بالظهور قالوا: هو كالشمس، ولأنه تعالى قال: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ .. ) «١» ولم يقل: رأوا! قال الحاكم: «وهذا لا يصح لأن ما ذكره مجاز فلا يعدل عن الحقيقة، ولا مانع من حمله عليهم». وبعد، فإن الحاكم قد صرح في كتابه في مواطن لا تحصى برفض التفسير المجازي لعدم وجود ما يمنع من الحمل على الحقيقة. والسؤال الآن: ما الذي يمنع من الحمل على الحقيقة والظاهر، ويحمل على العدول إلى المجاز؟ وأين يقف الحاكم من المعتزلة وسائر المفسرين، في هذا الباب؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الفصل التالي.

стр. 278

الفصل الثالث حدوده في التأويل أشرنا في التفريق بين التفسير والتأويل إلى أن التأويل يشبه أن يكون دائما صرفا للّفظ عن الحقيقة إلى المجاز، كما عبر الإمام الغزالي ﵀، وانتهينا من الفصل السابق ببيان رأي الحاكم أن الأصل في التفسير هو وجوب الحمل على الحقيقة إلا إذا تعذرت فيصار حينئذ إلى المجاز، وتعذّر الحقيقة والظاهر عند الحاكم مرتبط بنظرته إلى المعارف «الاكتسابية»، ما يعلم منها بأدلة العقل، وما يعلم منها من جهة الشرع، لأنه قد بنى على هذه النظرة رأيه في الآيات التي يدخلها التأويل، وما حكم به على بعض التأويلات بالصحة أو الفساد. ولا بد أولا من الوقوف على نظرته هذه إلى المعارف. أولا: أقسام المعارف المعارف عند الحاكم على ثلاثة أضرب: ضرب يعلم بأدلة العقل ولا يعلم من جهة الشرع. وضرب يعلم من جهة الشرع ولا يعلم بأدلة العقل- وضرب يصح أن يعلم بكل منهما.

стр. 279

فأما ما لا يعلم إلا من جهة العقل فهو كل علم لو لم يحصل للمكلف لما أمكنه معرفة الشرائع من جهة الرسول ﵇، وما لا يتم هذا العلم إلا به، وذلك نحو العلم بحدوث الأجسام، وأن لها محدثا قادرا عالما حيا قديما غير مشبه للأجسام والأعراض، غنيا لا يجوز عليه الحاجة، وأنه لا يحتاج في كونه على هذه الصفات إلى من جعله عليها، ولا إلى معنى سوى ذاته، وأنه لا يفعل إلا الحسن ولا يجوز أن يفعل القبيح. فإذا علم المكلف هذه الجملة صح أن يعلم أنه تعالى لم يظهر المعجزة على من يدعي النبوة إلا قصدا إلى تصديقه، وأنه بعثه ليعرف الناس مصالحهم فحينئذ يمكن معرفة الشرائع، ومتى لم يحصل عالما بذلك لم يأمن أنه- تعالى- أظهر المعجزة على كذاب، وأن ما يأمر به من الشرائع استفساد، وأن أخباره كذب، وأوامره أوامر بباطل! فلا يوثق بشيء من أمر الدين!!. وأما ما لا يعلم إلا من جهة الشرع فنوعان: أوامر وأخبار، فالأوامر هي الأمور الشرعية من العبادات والأحكام التي لا مجال للعقل فيها. والأخبار: ما ورد في القرآن من الحديث عن الأمور الماضية، والأمور المستقبلة التي لا طريق إلى معرفتها بالعقل أيضا. وأما ما يصح أن يعلم بكل من العقل والشرع، فنحو قبح الظلم وحسن رد الوديعة- وما جرى هذا المجرى- وأن الله تعالى لا يجوز أن يدرك ويرى، وأشباه ذلك، مما يمكن لنا تعريفه بأنه الذي يدركه العقل ولكن لا تتوقف عليه صحة السمع «١».

стр. 280

ثانيا: ميزان التأويل والقاعدة الأساسية في التأويل- بعد هذا- عند الحاكم: أن كل ما يعلم بالعقل لا يجوز أن يرد الكتاب بخلافه وإن أوهم في «الظاهر» أنه خلافه، وأنه لا بدّ له من تأويل موافق للعقل، جار على سنن اللغة، لأن العقل وأدلته لا يتداخلها الاحتمال، والألفاظ والجمل والتراكيب يتداخلها ذلك. والسؤال الذي لا بدّ منه هنا: والآيات التي جاءت في القرآن دالة على التوحيد- وسائر الأمور التي يستقل بإدراكها العقل- ما دورها إذن؟ يجيب الحاكم بأنها وردت «مؤكدة» لما في العقول، وباعثة على النظر في الكتاب- وقد صرح في أول تفسيره بأن في القرآن ما ورد «مؤكدا» كأدلة التوحيد، ومنه ما ورد «مبينا» كأدلة الشرائع «١» - أما إن دل ظاهرها على خلاف ما يحكم به العقل أوّلت. وهذا- فيما نقدر- هو الذي حمل الحاكم على اعتبار جميع الآيات التي دلت- في باب التوحيد- على ما دل عليه العقل، هي المحكمات، واعتبار ما يوهم «ظاهرها» خلاف ذلك هى المتشابهات، والحكم عليها بالتأويل لتطابق «المحكم وأدلة العقل» أو بتعبير أوجز وأصرح: لتطابق أدلة العقل!. ولا بد هنا من أن نعطف الحاكم في حديثه عن المعارف- الذي بثّه في تفسيره وأوجزنا القول فيه- على قاعدته الفكرية التي بدأنا بها الكلام على منهجه في التفسير، فالذي ثبت عنده بالعقل، أو الذي لا يعلم إلا من

стр. 281

أدلته، إنما هو باختصار قضايا العدل والتوحيد، ولا بد أن كلام الحاكم هنا في تقسيم المعارف يعيد إلى الذهن ما عرضنا له من كلامه في التوحيد والعدل، وضرورتهما لمعرفة الشرائع والأحكام، حتى ليمكننا القول: إن ميدان التأويل الحقيقي في تفسير الحاكم إنما هو الآيات التي تدل بظاهرها على خلاف العدل والتوحيد وما يتفرع عنهما من قواعد وأصول. على أن الحاكم لم يهمل النظر في آيات التشريع والأحكام في تفسيره- كما سنبين عند الكلام على فقهه وطريقته في كتابه- بل وقف أمام دلالات الآيات على الأحكام، وما يراه في ذلك أصحاب المذاهب الفقهية، غير أن وقوفه من مسائل حمل العام على الخاص، وحمل المطلق على المقيّد، وحمل المشترك على أحد معنييه أو معانيه ... وسائر مسائل التأويل في أصول الفقه «١»، كان عابرا وبعيدا عما رسمه لنفسه من حدود التأويل، كما أنه لا يعطي صورة ما عن أي منهج مستقل أو متميز في هذا الباب، وما يزال الطابع الكلامي الواضح هو الذي يميز تفسير الحاكم ويحدد منهجه في التفسير والتأويل. ثالثا: التأويل واللغة وأنواع المجاز وقد قدمنا الكلام على عناية الحاكم الكبيرة باللغة في التفسير والتأويل، وأشرنا إلى أن هذه العناية ربما كانت ألزم له في باب التأويل منها في باب التفسير، لأن التفسير بظاهر اللفظ لا يحتاج إلى الكثير من الأدلة والشواهد اللغوية- اللهم إلا حين ينازع الخصم بهذا الظاهر- في حين أن العدول

стр. 282

عن الحقيقة إلى المجاز قد يحتاج إلى ذلك، لأن من شرطه ألّا يخل بعادة العرب في التجوز كما يقول ابن رشد، ولهذا كان نقل الكلام على جهة العبارة بطريقة لا تشهد لها المواضعة ولا عادة العرب في المجاز- على طريقة الباطنية مثلا- لا يحتاج إلى شيء من تلك العناية، كما أنه لا يمكن عده من التأويل في شيء لأنه مردود بظاهر اللفظ، ولهذا آثرنا بحثه في الفصل السابق دون هذا الفصل. وأنواع المجاز التي ركن إليها الحاكم في التأويل، هي الأقسام الثلاث المشهورة: مجاز الزيادة، ومجاز الحذف، ومجاز التشبيه والتمثيل والوضع في غير موضعه «١»، واختلافه مع خصومه في الآيات التي يدخلها التأويل يعود إلى هذه الأقسام الثلاثة، حيث يذهب هو مثلا إلى أن في الآية مجاز حذف أو زيادة أو تمثيل .. ويذهب الخصم إلى التمسك بالظاهر. ولهذا اشتد حرص الحاكم في مناقشته للخصوم على إبطال دعوى تمسكهم بالظاهر في كثير من الأحيان، وإثبات أن ما يفسرون به الآية إنما هو ضرب من ضروب التأويل، تمهيدا لإثبات أن تأويلهم ليس بأولى من تأوله الذي يجري فيه- كما أسلفنا- على قاعدته في التوحيد والعدل. ونورد فيما يلي- من تفسير الحاكم- بعض الشواهد الدالة على ذلك، والمبينة لضروب المجاز في تأويله، ولعنايته الفائقة باللغة، وذلك قبل أن نستعرض طرفا من تأويلاته الهامة في باب العدل والتوحيد، التي نؤثر عرضها بحسب أبوابها الكلامية- دون أنواع المجاز فيها- والتي ستؤكد كلامنا عن الطريقة اللغوية عند الحاكم ﵀.

стр. 283

آ) استدل المجبرة- خصوم الحاكم- بقوله تعالى: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) «١» على مذهبهم في أنه تعالى يصرف عن الإيمان، نقل الحاكم عن شيخه القاضي عبد الجبار أن تأويلهم هذا باطل لا يلتفت إليه، لأن «الظاهر» يقتضي أنه صرف قلوبهم! وليس في الآية أنه صرفهم عن إيمان أو عن غيره من الأفعال، فإذا ادعوا «أن في الكلام أمرا محذوفا فقد تعدوا الظاهر ودخلوا تحت التأويل» وليس أدل على فساد تأويلهم من أن الله تعالى لو أراد بذلك- كما زعموا- الكفر والمنع من الإيمان، لما جاز أن يجعله كالجزاء على انصرافهم! ثم إن من مذهبهم أنه تعالى هو المبتدئ بالكفر، وأنه صرف قلوبهم عن الإيمان سواء أعرضوا عن سماع القرآن أم لم يعرضوا ... الخ. ووجه التأويل عند الحاكم أنهم لما انصرفوا «عاقبهم الله على انصرافهم» فسمى العقوبة على الانصراف باسمه، من باب تسمية الشيء بسببه أو مقارنه، كما قال تعالى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) وكما جاء في أقوال العرب: الجزاء بالجزاء، وليس الأول بجزاء .. إلى غير ذلك من الشواهد. وقال الحاكم في قوله تعالى: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) إن فيه مجاز الزيادة، ومعناه: ويبقى ربك، فذكر الوجه تأكيدا، كما يقال: وجه الرأي، وليس ثمة جارحة، وأراد: حقيقته وصوابه. وتمسّك المشبّهة بظاهر الآية لا يصح، لأن معناه: يبقى الوجه دونه!!

стр. 284

وذلك ليس بقول لأحد! «١». ب) ومن مجاز التشبيه والتمثيل عند الحاكم: أخذ الميثاق في قوله تعالى: (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) «٢»، قال الحاكم: أخذ ميثاقكم بما ركب في العقول، وأقام من الحجج الداعية إلى الإيمان «فكأنه أخذ العهد والميثاق». وقيل: الفطرة الدالة على الصانع كالميثاق الموثق. والمعنى: ما لكم لا تؤمنون والرسول يدعوكم إلى ما ركب الله في عقولكم من معرفة الصانع وصفاته؟ (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إن كنتم ممن يرغب في الإيمان، أو إن كنتم بحيث لو اتضحت الأدلة آمنتم. وقيل: إن كنتم تؤمنون يوما من الأيام فآمنوا اليوم مع ظهور المعجز! ونقل الحاكم، في تفسير قوله تعالى: (وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ) «٣»، وجوها كثيرة، ثم ذكر رأي أبي مسلم أن معناه: أزلنا عنك همومك التي ثقلت عليك من أذى الكفار بأن نصرناك عليهم، فشبّه الهموم بالحمل، والعرب تجعل الهمّ ثقلا، قال الحاكم: «وهذا أحسن ما قيل فيه». ج) وقال في قوله تعالى: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) «٤»

стр. 285

إن معناه أن ما يصيب المرء من الآلام والأمراض والقحط والموت ونحوها مما هو من جهته تعالى، إنما هو (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي بأمره، قال: «وهذا توسع، والمراد: أنه بفعله وخلقه» ليعلم الإنسان أن ما يصيبه من جهته تعالى يجب عليه الرضا بقضائه. د) وفي قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا) «١» رفض الحاكم الأخذ بالظاهر- فعل أكثر المفسرين- وذكر فيها عدة أنواع من المجاز قال بها بعض المفسرين، ورجح هو مجاز الحذف- الذي رفضه في مثالنا الأول السابق- قال الحاكم: «واختلفوا في معنى الآية، قيل: إنا عرضنا الأمانة، أي العبادات والتكاليف بما في أدائها من الثواب وفي تضييعها من العقاب. على السموات: أي أهل السموات والأرض والجبال، كقوله: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) أي أهل القرية. وأهل السماء: الملائكة. وأهل الارض والجبال: الانس والجن. (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها): أي امتنعوا أن يخونوا فيها، والمراد: يحملن تضييع الأمانة، وأشفقن من ذلك، وحملها الإنسان بالتضييع فتركها وخانها. وقال الأزهري: يقال حمل الأمانة أي خانها، وحملها: خيانتها، وكأن من أثم في شيء فقد «حمل» الإثم فيه». قال الحاكم: وقيل- في تفسير: وحملها الإنسان- أي حمل المأثم فيها، كقوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) أي: خطاياهم.
следующие страницы →